وأنزل الله عليك
الكتاب والحكمة
وعلمك ما لم تكن تعلم
وكان فضل الله عليك عظيما
صدق الله العظيم
النساء: ١١٣
الاهداء
أهدي ثمرة جهدي المتواضع هذا الى والديَّ وفاءاً لهما وبراً وتكفيراً عن تقصيري تجاههما، اللهم تقبله مني، واجعل - بفضلك - ثوابه في ميزان حسناتهما.
رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
جامعة صدام للعلوم الاسلامية
أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء
رسالة تقدم بها الطالب:
ماهر ياسين فحل المولى
الى مجلس قسم الفقه واصوله في جامعة صدام للعلوم الاسلامية
وهي جزء من متطلبات درجة الماجستير في العلوم الاسلامية
تخصص (فقه مقارن)
بإشراف
الاستاذ الدكتور هاشم جميل عبد الله
١٤٢٠هـ - ١٩٩٩م
стр. 2
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أما بعد:
فإن الحديث والفقه توأمان لا ينفكان؛ فإن جزءاً كبيراً من الفقه إنما هو ثمرة للحديث؛ ذلك لأن الحديث النبوي الشريف أحد المراجع الرئيسة للفقه الإسلامي؛ ومن هنا كان علم الحديث رواية ودراية من أشرف العلوم وأجلها، بل هو أجلها على الإطلاق بعد العلم بالقرآن الكريم الذي هو أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم، فالحديث هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، بعضه يستقل بالتشريع، وكثير منه شارح لكتاب الله تعالى مبين لما جاء فيه قال تعالى: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم (١)) .
ومما لا خلاف فيه: ان الحديث النبوي الشريف لم يدون تدوينا رسميا في عهد الرسول ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين؛ لذا فقد لقي من السلف والخلف عناية كبيرة، وجهدا مميزا كي لا ينضاف الى قول رسول الله ﷺ ما ليس منه؛ لذلك نشأ بجانب علم الحديث رواية علم آخر يخدمه وهو ما أطلق عليه اسم: علم الحديث دراية، وهذا الأخير تندرج تحته علوم كثيرة، ومن تلك العلوم: علم العلل، وهذا الفرع
стр. 3
من فروع علم الحديث جليل المقدار؛ لأنه كالميزان في رد أو قبول الأخبار والآثار، ومعرفة هذا النوع من أدق فنون علم الحديث، وأكثرها تشعبا.
ولم أقف على مصنف مستقل جمعت فيه جميع دقائق هذا الموضوع؛ وانما هي أبحاث في بعض جوانب الموضوع أو كتب لم تستوعب جميع موضوعات هذا العلم، ثم هي - في الغالب- قد اقتصرت على دراسة الموضوع من ناحية فن الحديث دون ربطه بعلم الفقه بواسطة نماذج لذلك.
وقد دفعني ذلك الى التفكير في اختيار هذا الموضوع الممتع النافع المليء بالعوائد والفوائد لطالب الحديث والفقه. وبعد أن شجعني من استشرتهم من الأساتذة وحصلت موافقة الجامعة الموقرة عليه كان عملي فيه على النحو الآتي:
حاولت حصر ما يعد علة عند المحدثين، وما يشبه ذلك عند الفقهاء مما يعد وجوده
مانعا من العمل به؛ لذلك حاولت ما وسعني الجهد استقراء كلام علماء الحديث المتعلق بهذا الشأن في كتب التخريج والشروح والعلل والرجال، فيسر لي ذلك الوقوف على العلل التي تعل بها الأحاديث عند المحدثين، ودرست كل علة بحد ذاتها من حيث اقوال العلماء فيها، مع بيان ما يبدو لي أنه الراجح منها.
ثم حاولت حصر ما يشبه ذلك عند الفقهاء، وهو ما يعده هذا الامام أو ذاك مانعاً من العمل بالحديث؛ وذلك لأن أثر اعلال الحديث عند المحدثين هو الامتناع عن استنباط الأحكام منه وبنائها عليه، فاذا وجد عند الفقهاء ما يمنع من العمل بالحديث وبناء الحكم عليه فان هذا يعد علة عندهم - لأن هذا أهم أثر لإعلال الحديث- وان كان ذلك لا يعد علة في اصطلاح المحدثين أو جمهورهم، وذلك كـ ((اعلال الحديث لمخالفته القواعد العامة، واعلال الحديث لمخالفة عمل اهل المدينة، واعلال الحديث لمخالفته القياس، واعلال رواية الراوي اذا خالفت فتياه، ونحو ذلك)) .
стр. 4
فهذه أعل بها بعض اهل العلم بعض الأحاديث، ولم يعتبرها آخرون عللا؛ لذلك ذكرتها على شكل علل وذكرت أقوال أهل العلم واتجاهاتهم فيها ومناقشاتهم لها.
ومن هنا جاء الربط بين علم الحديث وعلم الفقه وأكدت هذا الربط بأن ذكرت بتفصيل مناسب نموذجا أو أكثر أبين فيه أثر هذه العلة أو تلك في اختلاف الفقهاء.
هذا وقد اقتضت طبيعة البحث تقسيمه بعد هذه المقدمة الى أربعة فصول:
خصصت الفصل الأول منها لبيان ماهية العلة وقضايا أخرى تتعلق بها، وقد تضمن هذا الفصل ستة مباحث:
المبحث الأول: عرفت فيه العلة في اللغة واصطلاح المحدثين.
والمبحث الثاني: ذكرت فيه نموذجا تطبيقيا للعلة.
والمبحث الثالث: تكلمت فيه عن أهم الأسباب التي تكون الأحاديث معلة بسببها.
وتكلمت في المبحث الرابع عن أقسام العلة باعتبار محلها وقدحها.
وفي المبحث الخامس: تكلمت عن اهم الأمور التي ترفع العلة وتزيلها.
وتكلمت في المبحث السادس عن أهمية معرفة علم العلل.
أما الفصل الثاني: فقد خصصته لعلل السند.
وقد اشتمل على تمهيد وأربعة مباحث: -
تكلمت في التمهيد عن تعريف الإسناد وأهميته.
وفي المبحث الأول: تكلمت عن الإنقطاع بأنواعه.
وفي المبحث الثاني: ذكرت اعلال السند بتضعيف الراوي.
والمبحث الثالث: تكلمت فيه: عن تفرد الراوي.
стр. 5
وفي المبحث الرابع: تكلمت عن انكار الأصل رواية الفرع.
اما الفصل الثالث: فهو في علل المتن وقد تضمن سبعة مباحث: -
المبحث الأول: الاعلال بالتعارض وقد تكلمت فيه عما يبدو من تعارض ظاهر بين النصوص الشرعية.
والمبحث الثاني: الاعلال بالشك.
والمبحث الثالث: اعلال خبر الآحاد بكونه مما تعم به البلوى، وذكرت فيه: أقوال اهل العلم ومناقشتها.
والمبحث الرابع: في اعلال خبر الآحاد بمخالفته فتيا الصحابي الذي يرويه.
والمبحث الخامس: في اعلال خبر الآحاد بمخالفته القياس.
والمبحث السادس: في اعلال خبر الآحاد بمخالفته اجماع أهل المدينة.
والمبحث السابع: اعلال خبر الآحاد بمخالفته القواعد العامة.
وقد ذكرت آراء الفقهاء في كون هذا الأمر أو ذاك علة أو ليس بعلة، وبينت ما يبدو لي أنه الراجح منها.
وأما الفصل الرابع: فقد خصصته للعلل المشتركة، التي تقع في الاسناد والمتن.
وضمنته خمسة مباحث:
المبحث الاول: الاعلال بالاضطراب والاختلاف. وتضمن هذا المبحث مطلبين:
المطلب الأول: الاضطراب في الاسناد.
والمطلب الثاني: الاضطراب في المتن.
المبحث الثاني: الاعلال بالزيادة، وتكلمت فيه عن زيادة الثقة وذكرت اهم أقوال أهل العلم في قبولها وردها ثم ذكرت الرأي المختار.
стр. 6
والمبحث الثالث: الاعلال بالشذوذ.
والمبحث الرابع: الاعلال بالادراج.
والمبحث الخامس: الاعلال بالخطأ وما أشبهه.
وقد مثلت لما ذكرته من علل وبينت أثر كل علة في اختلاف الفقهاء، وخرجت الأحاديث الواردة في الرسالة وذلك بالرجوع الى كتب الحديث المعتمدة عند المحدثين، وأطلت التخريج في كثير من المواضع؛ لأن موضوع العلل يستدعي ذلك؛ فان العلة لا تعرف الا بجمع طرق الحديث من مظانها.
وقد عزوت أحاديث صحيح البخاري في الجزء والصفحة لطبعة دار الفكر التي تقع في ثلاثة مجلدات بتسعة أجزاء، وهي الطبعة المصورة عن الطبعة الأميرية، ثم اعقبت الجزء والصفحة برقم الحديث من فتح الباري بترقيم الاستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وذلك لتداول هاتين الطبعتين في أيدي أهل العلم.
وكذلك صنعت عند العزو لصحيح مسلم فقد عزوت الى الجزء والصفحة من الطبعة الاستانبولية، ثم اعقبت ذلك بالرقم من طبعة الاستاذ محمد فؤاد عبد الباقي؛ وذلك لأن هاتين الطبعتين أكثر تداولا.
اما أحاديث سنن ابي داود وابن ماجه والترمذي فقد ذكرت الجزء والصفحة ورقم الحديث، وقد رتبت الكتب عند التخريج على وفيات المؤلفين.
وقد حاولت بيان درجة الأحاديث الواردة في الرسالة مهتديا بأقوال الأئمة السابقين ومستعينا بقواعد الحديث التي وضعها الائمة الاعلام.
وقد ترجمت للاعلام التي دار عليها الاسناد في هامش الرسالة ومن ذكر في الحديث زيادة أو اخطأ في الحديث أما بقية الاعلام فقد عملت لها تراجم وضمنتها ملحقا في آخر الرسالة.
стр. 7
أما الخاتمة فقد ضمنتها أهم النتائج.
بعد هذا العرض أرى من الواجب علي ان اعبر بالثناء الجميل عما يكنه صدري من عرفان بالفضل لكل من مد اليَّ يد العون أثناء اعداد هذه الرسالة سواء بارشاد او هداية لمصدر أو تشجيع أو دعاء. وأخص بالذكر استاذي الذي أشرف على اعداد هذه الرسالة شيخي العلامة المحقق الامام الدكتور هاشم جميل. فقد خصني بالكثير من الجهد والوقت، وأمدني بتوجيه متواصل، ولا أملك شيئا يوازي فضله هذا الا الدعاء له بالعافية والعمر المديد والعطاء الدائم في الخير وأن يكمل الله تعالى له طريق الوصول الى مرضاته، ويجزل له المثوبة.
كما أتوجه بالشكر الجزيل الى اساتذتي الأفاضل الذين تفضلوا بقبول مناقشة هذه الرسالة وتقويمها، وشرفوني بالنظر فيها، فجزاهم الله تعالى عني خير الجزاء.
وختاما فإن هذا هو جهدي المتواضع الذي ارجو من الله تعالى له القبول، فقد بذلت فيه ما وسعني من جهد، فان وفقت فيه فلله تعالى الفضل والمنه، وان كان غير ذلك فحسبي أني حاولت الوصول الى خدمة هذا الدين عن طريق الربط بين الفقه الاسلامي وبين علم من أهم علوم الحديث النبوي الشريف، والرب يثيب على القصد ويعفو عن الخطأ. فأسأله ان يجنبنا الزلل ويرشدنا الى الصواب ويوفقنا الى ما يحبه ويرضاه.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم باحسان الى يوم الدين.
стр. 8
Conclusion
A suitable lexical definition adopted by the narrators to identify the word "cause" or "reason" is ailment because any hadith being explicitly sound might be refuted.
Unimously the cause is considered as an implicit factor. The narrators refer to the cause and admit that no cause otherwise is observed can be considered as a clear-cut restriction to define the sound hadith (Al-sahih) . Thus they include the "cause" to refer to the idiomatic meaning. It is the actual , critical cause. In criticizing the hadith , they use the "cause" to refer to the reason of AL-hadith ailment,explicit or implicit, critical or not which has its counterpart by the narrators.
The cause is defined idiomatically by following all the methods and by comparing AL-hadith contents and its series of narrators.
To spot out any defect in weak hadith needs precise approach parallel to the efforts exerted in evaluating the geniune hadith.
Singularity is not a cause by itself but might be a cause of certain effect. it helps in outlining the cause and underline the mistakes.
The fake like the coordinators, the deserted and the charged don't need any follow-up procedures because their singularity is enough to convict them.
If a weak hadith is accepted by the scientists (Scholars) , it is a ccepted and followed without changing its identify , i. e. , into sound hadith.
This field of knowledge is like a scale to indicate the right from the wrong and the true from the fals.
Some hadiths can be crossed by acquentence.
Suspicion is not a cause in hadith but the scholars may check a word or term.
Enhancement of confidence is acceptable unless proved otherwise.
The causes in the content is the outcome of the scientists' conditions.Most of them are due to justification. It means that some of them depend on the cross reference basis rather than the singularity basis especially if the singularity depends on the problem or contradicts with a hadith narrated by a companion. Or,some scientists believe in depending on general rules or the behaviour of AL- Madina citizen on rather than singularity.
Thus,it is very important to encourage all studies which link different fields of AL- hadith sciences to jurisdication and its sources.Then, may Allah prays on his prophet Mohammed and on his relatives and companions.
الفصل الأول: ماهية العلة وقضايا أخرى تتعلق بها
وفيه ستة مباحث
المبحث الأول: تعريف العلة .
المبحث الثاني: نموذج تطبيقي للعلة.
المبحث الثالث: أسباب العلة.
المبحث الرابع: أقسام العلة باعتبار محلها وقدحها.
المبحث الخامس: ما تزول به العلة.
المبحث السادس: أهمية معرفة العلة.
المبحث الأول: تعريف العلة
وفيه مطلبان:
١- المطلب الأول: تعريف العلة لغة .
٢- المطلب الثاني: تعريف العلة اصطلاحا.
المطلب الأول: تعريف العلة لغة
عل - بلام مشددة مفتوحة -: متعد ولازم، نقول فيهما: عل يعل - بضم العين وكسرها - ومصدرهما: علا.
وأعله الله: أي: أصابه بعلة.
والعلة: المرض، وحدث يشغل صاحبه عن وجهه، كأن تلك العلة صارت شغلا ثانيا منعه من شغله الأول.
وعلله بالشي تعليلا، أي: لهاه به كما يعلل الصبي بشيء من الطعام عن اللبن (١)
قال ابن فارس: ((عل: أصول ثلاثة صحيحة:
أحدها: تكرار أو تكرير، والثاني عائق يعوق، والثالث: ضعف في الشيء:
فالأول العلل وهو الشربة الثانية، ويقال علل بعد نهل ويقال أعل القوم اذا شربت ابلهم عللا.
قال ابن الأعرابي في المثل: ما زيارتك ايانا الا سوم عالة أي: مثل الابل التي تعل. وانما قيل هذا لأنها اذا كرر عليها الشرب كان أقل كشربها الثاني.
стр. 9
والثاني: العائق يعوق؛ قال الخليل: العلة حدث يشغل صاحبه عن وجهه، ويقال: اعتله كذا أي اعتاقه، قال: فأعتله الدهر وللدهر علل.
والثالث: العلة المرض، وصاحبها معتل، قال ابن الاعرابي: عل المريض يعل فهو عليل)) (١)
والمعل: اسم مفعول من أعله: أنزل به علة فهو معل، يقولون: لا أعلك الله أي لا أصابك بعلة، والحديث الذي اكتشفت فيه علة قادحة هو معل لأنه ظهر أنه مصاب بتلك العلة (٢) .
وبهذا يتضح أن أقرب المعاني اللغوية لمعنى العلة في اصطلاح المحدثين هو: المرض؛ وذلك لأن الحديث الذي ظاهره الصحة اذا أكتشف الناقد فيه علة قادحة فان ذلك يمنع من الحكم بصحته.
وقد أطلق بعض العلماء على الحديث ((المعل)) اسم: الحديث ((المعلول)) وأطلق بعضهم عليه اسم الحديث: ((المعلل)) .
وقد أعترض النووي على تسميته بـ ((المعلول)) وقال: ((هو لحن)) . (٣)
وذلك لأنه مأخوذ من: أعله: يعله، فاسم المفعول منه: معل. مثل: أضره يضره، فاسم المفعول منه: مضر (٤) .
وقد اعترض السيوطي على التسميتين؛ فأيد النووي في قوله: ان التسمية بـ (المعلول)) لحن، وقال: لأن اسم المفعول من أعل الرباعي لا يأتي على مفعول.
стр. 10
ثم اعترض على التسمية بـ ((معلل)) فقال: الأجود فيه ((معل)) بلام واحدة؛ لأنه مفعول أعله قياسا، واما ((معلل)) فمفعول علل؛ وهو لغة بمعنى: ألهاه بالشيء وشغله، وليس هذا الفعل بمستعمل في كلامهم (١) .
المطلب الثاني: تعريف العلة اصطلاحا
عرفها الحافظ ابن الصلاح بقوله ((هي عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه)) (٢) .
وعرفها النووي بقوله: ((عبارة عن سبب غامض قادح مع أن الظاهر السلامة منه)) (٣) .
وبهذا يتضح لنا أن العلة شيء خارج عن الجروح الموجهة الى رجال الاسناد؛ وذلك لأن ميدان التعليل انما هو الأحاديث التي ظاهرها الصحة، ولذلك يقول الحاكم: ((وانما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل)) (٤) .
ويقول ابن الصلاح: ((المعلل، هو الذي أطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها، ويتطرق ذلك الى الاسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر)) . (٥)
وكل من جاء بعد ابن الصلاح وعرف المعل اشترط فيه خفاء العلة وكونها
стр. 11
قادحة: كالطيبي (١) والعراقي (٢) والسيوطي (٣) وأبي الفيض محمد بن محمد بن علي بن فارس (٤) وغيرهم.
لكننا مع ذلك نجد بعض العلماء يطلق العلة ويريد بها ما هو أعم من ذلك؛ حيث يدخل فيها العلة الظاهرة، والعلة غير الظاهرة؛ فهذا الحافظ ابن الصلاح يقول: ((ثم اعلم انه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة الى حال الضعف المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة؛ وكذلك تجد في كتب العلل الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح، وسمى الترمذي النسخ علة (٥) من علل الحديث ثم ان بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف نحو ارسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط)) (٦) .
وقال الحافظ ابن حجر: ((والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة خفية أو واضحة)) (٧) .
стр. 12
وقد ذكر الصنعاني ما يدل على أن تقييد العلة بكونها خفية قادحة هو عنده قيد أغلبي، حيث قال: ((وكأن هذا التعريف أغلبي للعلة، والا فانه سيأتي أنهم يعللون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة)) (١) .
أقول:
ومن ينظر في كتب الشروح والتخريج والعلل يجد اطلاق لفظ العلة والمعلول والمعل على كثير من الأحاديث التي فيها جرح ظاهر وقد قمت باستقراء كتاب علل ابن ابي حاتم وأشرت على الأحاديث التي أعلت بالجرح الظاهر فوجدتها كثيرة العدد يزيد مجموعها عن مائتين وسبع وأربعين حديثا فقد أعل بالانقطاع سبعة وعشرين حديثا، هي الأحاديث التالية: ((٢٣، ٢٤، ٢٦، ٥٧، ٧٤، ٨٧، ١٠٨، ١١٩، ١٢٧، ١٣٢، ١٤٠، ١٤٣، ١٦٤، ٢١٤، ٥٥٠، ٥٩٤، ٦٢٢، ٧٢٤، ٧٥٣، ٧٦٥، ٩٠٣، ٩٠٥، ١٢٢٠، ١٢٥٩، ١٣٥٢، ١٣٥٧، ١٣٧١) .
وقد أعل بضعف الراوي مائة وثلاثة وأربعين حديثا هي: (٣٦، ٥٣، ٧٣، ٩٧، ٩٨، ٩٩، ١٠٠، ١٠٢، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٩، ١١٢، ١١٣، ١٢٥، ١٣٧، ١٤٦، ١٥١، ١٧٦، ٢٠٠، ٢٠٨، ٢١٧، ٢٥٠، ٢٨١، ٢٨٥، ٣٠٩، ٣٢١، ٣٢٤، ٣٣٦، ٣٦١، ٣٨٢، ٤٢١، ٤٤٩، ٥٠٠، ٥٠٧، ٥١٥، ٥٤٨، ٥٦١، ٥٦٥، ٦٠٩، ٦٤١، ٦٤٥، ٧٢٧، ٧٣٥، ٧٤٣، ٧٥٧، ٧٦٦، ٧٨٣، ٨٥٤، ٨٥٥، ٨٩٩، ٩٠٦، ٩١١، ٩٥٤، ٩٥٩، ٩٨٨، ١٠٥٣، ١٠٦١، ١٠٩٥، ١١٥٦، ١١٨٩، ١٢٠٨، ١٢٢٨، ١٢٣٥، ١٢٤١، ١٢٧٠، ١٢٨٥، ١٣٠٠، ١٤٤٦، ١٤٧٣، ١٤٩٦، ١٥٠٥، ١٥١٥، ١٥١٦، ١٥٢٩، ١٥٧٥، ١٦٢٩، ١٦٣٧، ١٦٥٧، ١٧٣٣، ١٧٣٨، ١٧٦٤، ١٨١٤، ١٨٤٨، ١٨٥٢، ١٨٥٩، ١٨٦٠، ١٨٩٢، ١٩٢٢، ١٩٢٤، ١٩٣٦، ١٩٧٨، ١٩٩٨،
стр. 13
٢٠١٦، ٢٠١٧، ٢٠٣١، ٢٠٣٥، ٢٠٤٧، ٢٠٨٧، ٢١٠١، ٢١٠٨، ٢١٣٠، ٢١٤٢، ٢١٧٨، ٢٢١٣، ٢٢٣٥، ٢٢٤٧، ٢٢٥٠، ٢٢٥٩، ٢٢٧٠، ٢٢٧٩، ٢٢٩٢، ٢٢٩٣، ٢٣٠٨، ٢٣٤٦، ٢٣٥٢، ٢٣٦٤، ٢٣٦٧، ٢٣٨٥، ٢٤٠٠، ٢٤٠٥، ٢٤٣٥، ٢٤٤١، ٢٤٥٨، ٢٤٦٠، ٢٤٦٣، ٢٤٧٣، ٢٤٧٥، ٢٤٧٩، ٢٤٨٠، ٢٤٩٠، ٢٥٣٣، ٢٥٤١، ٢٥٥١، ٢٥٨١، ٢٦١٦، ٢٦٤٣، ٢٦٦٣، ٢٧٢٤، ٢٧٥٩، ٢٧٦٣، ٢٨٠٠، ٢٨١١، ٢٨١٨)) .
وقد أعل بالجهالة ثمانية وستين حديثا هي: (٨٩، ١٢٩، ١٤٩، ١٨٠، ٣١٤، ٣٤٢، ٣٤٥، ٣٥٦، ٤١٧، ٤٤١، ٤٥٩، ٤٧٦، ٧٠١، ٨٣٩، ١٠٥٩، ١٠٧٠، ١٠٧١، ١٠٨٨، ١١٠٨، ١١٢٤، ١١٥٢، ١٢٥٧، ١٢٦٢، ١٣١١، ١٣٤٦، ١٤٨٤، ١٤٨٥، ١٤٨٧، ١٥٥٦، ١٥٧٩، ١٥٨١، ١٦٣٨، ١٦٨٩، ١٧١١، ١٧١٤، ١٧٦٠، ١٧٩٨، ١٨١٢، ١٨٢٩، ١٨٣١، ١٨٣٢، ١٨٣٨، ١٨٦٦، ١٨٧٨، ١٨٨٢، ١٨٨٩، ١٩٦٦، ٢٠٠٩، ٢٠١٤، ٢١٥١، ٢١٧٩، ٢٢٠٧، ٢٢٨٦، ٢٣٢١، ٢٣٣٣، ٢٣٤٩، ٢٣٥٤، ٢٣٨٢، ٢٣٨٣، ٢٤٤٣، ٢٤٥١، ٢٤٧٧، ٢٥٩١، ٢٥٩٧، ٢٦١٨، ٢٦٧٠، ٢٦٧٨، ٢٧٣٥) .
وقد أعل بالاختلاط خمسة أحاديث هي: (٢٧٩، ٤٦٥، ٥٦٩، ١٢٣٣، ٢٢٢٠) .
وقد أعل بالتدليس أربعة أحاديث هي: (٢١١٩، ٢٢٥٥، ٢٢٧٥، ٢٥٧٩) .
وكذلك نجد في كلام كثير من جهابذة العلم اطلاق العلة على الجرح الظاهر كما في نصب الراية للزيلعي، الجزء الثالث ص ٨٥ و ٢٣٩ و ٣٥٨ و ٣٧٠ و ٢٨٧ و ٤٣١. والجزء الرابع ص ٤٧.
وفي كلام ابن القيم كما في زاد المعاد ١ /١٧٧ و ٢٤٤.
стр. 14
وكذلك وقع في كلام الحافظ ابن حجر: اعلال بعض الأحاديث بالعلة الظاهرة كما في التلخيص الحبير ج١/٢٥ و ٦٢ و ٦٧ و ٨٨ وج٢/٤٧، وفتح الباري ج١ /٨٣ وج٢/٤٤٦ وأنظر سبل السلام ١/٦٩ و ٧٢ و ٧٥.
وقد أشرت فيما سبق الى أن الصنعاني قد عد تقييد العلة في التعريف بكونها خفية قادحة قيدا أغلبيا.. وقد قال الحافظ ابن حجر (١) ((ان الضعف في الراوي علة في الخبر والانقطاع في الاستاد علة في الخبر، وعنعنة المدلس علة في الخبر وجهالة حال الراوي علة في الخبر)) . وفي حوار مع استاذي العلامة الدكتور هاشم جميل قد تنبهت الى امر آخر، وهو: ان المحدثين اذا تكلموا عن العلة باعتبار ان خلو الحديث منها يعد قيدا لا بد منه لتعريف الحديث الصحيح. فانهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي القادح. واذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام فانهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها: السبب الذي يعل الحديث به: سواء كان خفيا أو ظاهرا قادحا أو غير قادح.
وهذا توجد له نظائر عند المحدثين، منها: المنقطع (٢) : فهو بالمعنى الخاص: ما حصل في اسناده انقطاع في موضع أو في أكثر من موضع لا على التوالي.
هذا المصطلح نفسه يستعمله المحدثون أيضا استعمالا عاما فيريدون: كل ما حصل فيه انقطاع في أي موضع في السند كان، فيشمل:
المعلق (٣) ، وهو: الذي حصل فيه انقطاع في اول السند.
стр. 15
والمرسل (١) ، وهو: الذي حصل فيه انقطاع في آخر السند.
والمعضل (٢) ، وهو: الذي حصل فيه انقطاع في أثناء السند باثنين فأكثر على التوالي. ويشمل أيضا المنقطع بالمعنى الخاص الذي ذكرناه (٣) .
وهكذا نرى أن مصطلح المنقطع يستعمله المحدثون استعمالا خاصا في المنقطع الاصطلاحي، ويستعملونه استعمالا عاما في كل ما حصل فيه انقطاع فيشمل المنقطع الاصطلاحي، والمعلق، والمرسل، والمعضل. وعلى هذا المنوال جرى استعمالهم لمصطلح العلة؛ فهم يستعملونه بالمعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي القادح، ويستعملونه استعمالا عاما، ويريدون به: كل ما يعل الحديث به فيشمل العلة بالمعنى الاصطلاحي، والعلة الظاهرة، والعلة غير القادحة.
المبحث الثاني: نموذج تطبيقي للعلة
قد أشرت فيما سبق: الى أن المعنى الاصطلاحي الخاص للعلة انما يشمل العلة القادحة الخفية التي يكون الظاهر السلامة منها. وهذه تختص برواية الثقات. أما العلة بالمعنى الأعم فانها تتعلق بالرواية عموما، سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفا وسواء كذلك أكان الوهم بالاسناد أو بالمتن ومن الملاحظ: أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طاريء -
стр. 16
فالقلب من حيث الأساس - مطمئن الى رواية الثقة. وليس كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن اساسا اليها فالأصل الحكم عليها بالخطأ والصواب طاريء: ومع ذلك فان معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل وذلك لأن الحكم عليه بالضعف أساسا يحتاج الى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فان كثرت مخالفته لهم حكم بضعفه. وأيضا فان الضعف درجات؛ والضعف في الراوي اذا لم يكن شديدا فان بالامكان الاستفادة من بعض أحاديثه، وذلك لأن خطأ الضعيف غير مقطوع به، وانما قد يصيب وقد يخطيء؛ كذلك من الضروري أن نعرف: بأن معنى قولهم فلان ضعيف أنه اذا تفرد بشيء عن شيخه لا يحتج به لغلبة احتمال الخطأ عليه وعدم اطمئنان القلب اليه وليس معنى هذا أن كل ما يرويه ضعيف وأنه مخطيء في كل ما يرويه؛ لذلك فان من أحاديثه ما يصح وما يضعف ويعرف الخطأ والصواب بالبحث والموازنة.
وهذا يفهم من صنيع الشيخين حيث رويا عن جماعة ممن خف ضبطهم لأنهما علما أن هذه الأحاديث قد صحت (١) ، وذلك بالموازنة والمقارنة مع أحاديث غيرهم من الثقات، فلما توبعوا على أحاديثهم، وتبين لصاحب الصحيح صحتها أخرجها في المتابعات مقرونة باحاديث الثقات.
وقد يخرج له صاحب الصحيح اذا قامت قرينة أو أحاط روايته ظرف يرجح صحتها: كعناية الراوي الخفيف الضبط برواية شيخ معين أو ملازمته له، فيخرج صاحب الصحيح روايته عن ذلك الشيخ في الأصول وليس في المتابعات فقط. وهذا
стр. 17
يحتاج الى جهد كبير، وتمييز دقيق بين الأحاديث ليستفاد مما يصح منها.
ومن أبرز النماذج الدالة على ذلك كله: حماد بن سلمة:
فهو حماد بن سلمة بن دينار البصري؛ ثقة له أوهام.
قال أحمد: هو أعلم الناس بحديث خاله حميد الطويل. وقال ابن معين: هو أعلم الناس بثابت - يعني ثابت البناني (١) .
وقال الحافظ في التقريب: ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت - تغير حفظه بأخرة (٢) .
اذن فحماد بن سلمة في أول أمره ثقة له أوهام؛ وهذا التعبير يشير الى خفة في الضبط لكن خفة الضبط تنجبر بطول الملازمة للشيخ وشدة العناية بحديثه. وحماد كما ذكرنا - كثير الملازمة لثابت البناني، شديد العناية بحديثه، اذن فما حدث به حماد قبل - اختلاطه- عن ثابت يعد من الحديث الصحيح. وحديثه عن غيره من قبيل الحسن. ثم تغير حماد لما كبر فساء حفظه. فكان حديثه في هذه المرحلة ضعيفا.
اذا عرفنا هذا لننظر ماذا فعل الشيخان بحديث حماد بن سلمة:
أما البخاري فقد أخرج له في التأريخ، لكن ترك الحديث عنه في الصحيح.
وأما مسلم فقد غربل حديثه، وميز منه أحاديث حدث بها قبل الاختلاط،
ثم قسم هذه الأحاديث الى قسمين:
القسم الأول: الأحاديث التي حدث بها حماد عن ثابت، وهذه أخرجها مسلم في الصحيح أصولا محتجاً بها.
стр. 18
القسم الثاني: الأحاديث التي حدث بها عن غير ثابت - وهذه لم يخرجها مسلم في الأصول. وانما أخرجها في الشواهد.
يقول الذهبي: احتج مسلم بحماد بن سلمة في أحاديث عدة في الأصول. وتحايده البخاري.
ويوضح ما أجمله الذهبي هنا كلام نقله الحافظ ابن حجر عن البيهقي يتحدث فيه عن حماد بن سلمة، قال البيهقي: ((أحد أئمة المسلمين الا أنه لما كبر ساء حفظه فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد واخرج من حديثه عن ثابت ما سمع قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت - لا يبلغ اثني عشر حديثا- أخرجها في الشواهد)) (١)
وكذلك اسماعيل بن أبي أويس فهو صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه (٢) ، فقد روى عنه الشيخان مما علما أنه لم يخطيء فيه واحتجا به الا أنهما لم يكثرا من تخريج حديثه ولم يخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين مما علم أنه قد حفظه، وأما مسلم فقد أخرج عنه أقل مما أخرج البخاري، وغالب رواية البخاري عنه في أحاديث موطأ مالك فهو عالم بأمره اذ أنه ابن أخت الامام مالك وهو متابع فيما رواه عن مالك حيث أن رواة الموطأ كثيرون (٣) وموطأ مالك عند البخاري عن جماعة من الرواة. وقال الحافظ ابن حجر: ((وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن
стр. 19
اسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقي منهاو أن يعلم له ما يحدث به ليحدث به ويعرض عما سواه وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه لأنه كتب من أصوله)) (١)
بعد هذا نذكر نموذجا لما أعل بوهم الثقة فيه؛ وهو النموذج الآتي:
روى شعبة بن الحجاج، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل أن النبي ﷺ قرأ: ((غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، وخفض بها صوته)) (٢)
قال أبو عيسى الترمذي: ((وسمعت محمداً يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا؛ وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث: فقال: عن حجر أبي العنبس وانما هو حجر بن عنبس ويكنى أبا السكن. وزاد فيه: عن علقمة بن وائل وليس فيه عن علقمة، وانما هو عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر. وقال: وخفض بها صوته، وانما
стр. 20
هو: ومد بها صوته)) .
قال أبو عيسى: ((وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة قال وروى العلاء بن صالح الأسدي عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان)) . ثم ساق الترمذي متابعة العلاء لسفيان (١) فهذا مثال الحديث المعل بالمعنى الاصطلاحي الخاص، وذلك لأن الذي ينظر الى رواية شعبة بن الحجاج ﵀ لا يظن أن فيها علة لأنها رواية جاءت بسند متصل برواية الثقات المعروفين لا سيما وهو من رواية شعبة المعروف بالتشدد في رواية الأحاديث النبوية لكن عرفت علته بجمع الطرق والموازنة والنظر الدقيق في أسانيده ومتونه.
بعد هذا أذكر نموذجا آخر للحديث المعل بخطأ الراوي الضعيف، وهذا بناء على المعنى العام للعلة وهو النموذج الآتي:
روى ابن أبي ليلى (٢) ، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علي أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((آمين حين يفرغ من قراءة فاتحة الكتاب)) .
قال أبو حاتم الرازي: ((هذا خطأ عندي انما هو سلمة عن حجر أبي العنبس عن وائل بن حجر عن النبي ﷺ ) (٣) .
فقد روى ابن أبي ليلى هذا الحديث ومحمد بن أبي ليلى ضعيف لسوء حفظه، وقد أخطأ في الاسناد وبين ابن أبي حاتم هذا الخطأ.
стр. 21
المبحث الثالث: أسباب العلة
أذكر هنا أسباب العلة بالمعنى العام الذي أشرت اليه فيما سبق، وقد حصر بعض الباحثين أسباب العلة في سبعة رئيسة (١) ، ويبدو لي أنها يمكن أن تصل الى تسعة أسباب. أذكرها بايجاز فيما يأتي:
أولا: السبب العام: (٢)
وهو الضعف البشري الذي لا يكاد يخلو منه انسان وأن دخول الخطأ والنسيان والوهم على الجنس البشري مما علم بالضرورة فالوهم لا يخلو منه حتى كبار الأئمة الضابطين، وهذا واضح لنا من تعريف الحديث الصحيح (٣) : (فهو الذي رواه عدل تام الضبط عن مثله الى منتهاه متصل السند، ولا يكون شاذا ولا معللا) . فاشتراطنا لصحة الحديث عدم الشذوذ والعلة يدل على أن الرواة التامي الضبط يدخل في حديثهم الشذوذ والعلة، ولذا يقول الامام أحمد: (٤) ((ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟)) .
ويقول الامام مسلم: (٥) (فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين الى زماننا وان كانوا من أحفظ الناس وأشدهم توقيا واتقانا لما يحفظ وينقل - الا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله) .
стр. 22
وقال ابن معين: (١) ((ولست اعجب ممن يحدث فيخطيء انما أعجب ممن يحدث فيصيب))
ثانيا: خفة الضبط وكثرة الوهم: (٢)
حيث أن كثيرا من الرواة مع صدقهم وثبوت عدالتهم كانوا كثيري الخطأ والوهم، لكن ذلك ليس الغالب على حديثم وهؤلاء الذين كثر غلطهم في حديثهم مقبول عند أئمة الحديث كما صنع الامام مسلم (٣) ، ولكن ليس معنى ذلك ان حديثهم كله مقبول دون تمييز بل كان للأحاديث الصحيحة نصيب (٤) من حديثهم مما ترجح فيه للناقد - على ما ذكرناه آنفا- أن الراوي هنا قد ضبط وحفظ حديثه، ولكتب العلل نصيب آخر مما تترجح للناقد أن فيه خطأً ووهما، ومن هؤلاء الرواة. محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وعبد الرحمن بن حرملة، وشريك بن عبد الله النخعي قاضي الكوفة، وأبو بكر بن عياش، والربيع بن صبيح، ومبارك بن فضالة، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم كما ذكره ابن رجب (٥) .
ثالثا: الاختلاط: (٦)
وهو آفة عقلية تورث فسادا في الادراك، وتصيب الانسان في آخر عمره، أو تعرض له بسبب حادث: لفقد عزيز أو ضياع مال؛ ومن تصبه هذه الآفة لكبر سنه يقال
стр. 23
فيه اختلط بأخرة (١)
فالاختلاط قد يطرأ على كثير من رواة الحديث النبوي مما يؤثر على روايته فتصبح فيهاعلة، ومعرفة المختلطين من غيرهم أمر شاق على علماء العلل، فكان المحدثون يسمعون الحديث من الراوي مرارا حتى يعرفوا أنه خلط فيه أم لا، قال حماد بن زيد: (ما أبالي من خالفني اذا وافقني شعبة لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة واحدة يعاود صاحبه مرارا (٢)) . ومما يذكر في معاودة الراوي والسماع منه ما حصل لمروان بن الحكم: انه استدعى ابا هريرة ﵁ واجلس كاتبه ابا الزعيزعة خلف السرير دون أن يعلم أبو هريرة، وجعل يسأله وأبو الزعيزعة يكتب، فلما حال الحول دعى مروان أبا هريرة وأجلس أبا الزعيزعة من وراء حجاب وجعل يسأله عما سأله عنه سابقا من ذلك الكتاب، فأجاب دون تقديم ولا تأخير) (٣) .
وأحيانا كان الناقد يدخل على الراوي ليختبره فيقلب عليه الأسانيد والمتون، ويلقنه ما ليس من روايته، فان لم ينتبه الشيخ لما يراد به فانه يعد مختلطا ويعزف الناس من الرواية عنه (٤) . قال الدكتور همام عبد الرحيم (٥) : (ولكن بصيرة الناقد ويقظة المجتمع ليس لهما تلك القدرة التي تحدد ساعات بدء الاختلاط، اذ الاختلاط حالة عقلية تبدأ خفية ثم يتعاظم أمرها بالتدريج، وبين الخفاء والظهور يكون المختلط قد
стр. 24
روى أحاديث تناقلها الثقات عن الثقات وما دروا أنهم أخذوها عن الثقة ولكن في اختلاطه) .
وهكذا تدخل العلة في الحديث النبوي بسبب اختلاط بعض الرواة لكن العلماء عالجوا هذه القضية بواسطة الرواة عن المختلطين، وقسموهم الى أربعة أقسام:
١- الذين رووا عن المختلط قبل اختلاطه.
٢- الذين رووا عنه بعد اختلاطه.
٣- الذين رووا عنه قبل الاختلاط وبعده ولم يميزوا هذا من هذا.
٤- الذين رووا عنه قبل اختلاطه وبعده وميزوا هذا من هذا.
فمن روى عن المختلط قبل الاختلاط قبلت روايته عنه ومن روى عنه قبل الاختلاط وبعده وميز ما سمع قبل الاختلاط ولم يقبل ما سمع بعد الاختلاط، ومن لم يميز حديثه أو سمع بعد الاختلاط لم تقبل روايته (١) .
رابعا: خفة الضبط بالأسباب العارضة: (٢)
قد يكون المحدث ضابطا لروايته ثم تعرض عليه أمور طارئة تجعل الوهن في ضبطه فتدخل العلة في حديثه، ومن هذه الأمور الطارئة.
أ- ضياع الكتب، فقد يعتمد الراوي في ضبطه على كتبه، فاذا ضاعت كتبه وحدث مما علق بذهنه دخلت العلة في حديثه كما حصل لهشيم بن بشير فقد كتب صحيفة بمكة عن الزهري، فجاءت الريح فحملت الصحيفة فطرحتها فلم يجدها (٣) ،
стр. 25
وكذلك علي بن مسهر الكوفي (١)
ب- احتراق الكتب- وقد يعتمد الراوي على كتبه ثم تحترق فيحدث من حفظه فتدخل العلة في ذلك، وممن احترقت كتبه فحدث من حفظه بعدها عبد الله بن لهيعة (٢) .
ج - من لم يصحب كتابه معه وحدث من حفظه - كذلك بعض الرواة اصطحبوا كتبهم في أماكن وحدثوا منها فلم يخطئوا وحدثوا في أماكن عند غياب كتبهم فأخطأوا كمعمر بن راشد قال يعقوب بن شيبة: (سماع اهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب لأن كتبه لم تكن معه) (٣) .
د- الانشغال عن العلم من أسباب خفة الضبط فقد ضعفت روايات بعض المحدثين لانشغالهم عن العلم حفظا وكتابة بالقضاء كشريك بن عبد الله النخعي حيث ولي قضاء واسط سنة ١٥٥ هـ - قال عنه الحافظ في التقريب (٤) : ((تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة)) .
وفقدان البصر فقد كان بعض الثقات يعتمد على كتبه فلما ذهب بصره حدث من حفظه فدخل الوهم في حديثه بعد ذلك، كعبد الرزاق بن همام الصنعاني مع أنه من
стр. 26
رجال هذا الميدان قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب (١) : ((عمي آخر عمره فتغير)) .
خامسا: قصر الصحبة: (٢)
قصر الصحبة للشيخ وقلة ممارسته لحديثه، وهذه في الأصل ليست علة تعل بها الأحاديث لكن العلماء أعطوها أهمية كبيرة لأنه يستفاد من ذلك في ترجيح رواية على أخرى عند الاختلاف؛ لأن من طالت صحبته لشيخه وكثرت ممارسته لحديثه يكون أتقن لحديث شيخه وتترجح روايته عمن قصرت صحبته لهذا الشيخ (٣) .
سادسا: اختصار الحديث أو روايته بالمعنى: (٤)
اختلف العلماء سلفا وخلفا في حكمه: فذهبت طائفة الى منع رواية الحديث بالمعنى، وذهبت أخرى الى جواز ذلك في غير حديث رسول الله ﷺ وذهب الجمهور الى تجويزها بالمعنى في الجميع ما روي عن النبي ﷺ وما روي عن غيره اذا قطع بالمعنى وكان عارفا بالمعاني ودقائق الألفاظ (٥) .
وقد يروي أحد الرواة الحديث بالمعنى بصورة تخل بالمعنى وتذهب المقصود فتكون علة في الحديث. كما في الحديث الذي روي من طريق ابن أبي ذئب قال: حدثني صالح مولى التوآمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من
стр. 27
صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه)) (١) .
وقد جاء في بعض النسخ والكتب ((فلا شيء له)) (٢) . وهذا من تصرف الرواة بالمعنى (٣) .
سابعا: تدليس الثقات: (٤)
أن التدليس يكون أحيانا سببا من أسباب العلة، والتدليس أنواع كثيرة. أشهرها تدليس الأسناد، وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه (٥) .
وتدليس الشيوخ وهو: أن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف (٦) .
وكلا النوعين يكون أحيانا سببا في اعلال الحديث، فقد يكشف الأئمة النقاد عن
стр. 28
سقوط رجل في الاسناد أسقطه المدلس ويكون هذا الساقط ضعيفا كما في تدليس الاسناد أو يكنيه بكنية غير الكنية التي اشتهر بها. أو يسمى من اشتهر بكنيته. أو يكني من اشتهر باسمه، أو يصفه بصفة غير الصفة التي اشتهر بها مما يوهم أنه رجل آخر وهذا هو تدليس الشيوخ. (١)
ثامنا: الانقطاع في السند أو الطعن في أحد رجال الأسناد عدالة أو ضبطا:
وهذا حسب ما ذكرت سابقا: من أن المراد هنا المعنى العام للعلة فهي لذلك تشمل القادح: الظاهر منه والخفي.
تاسعا: التفرد:
والتفرد بحد ذاته ليس علة في الخبر، وانما يكون أحيانا سببا من أسباب العلة، اذا لم يكن الراوي مبرزا في الحفظ، فالتفرد قد يلقي الضوء على وجود العلة وسوف يأتي لذلك مزيد بيان ان شاء الله تعالى.
المبحث الرابع: أقسام العلة باعتبار محلها وقدحها
العلة تكون أحيانا في الأسناد، وتكون أحيانا في المتن، فاذا وقعت العلة في الأسناد: فاما تقدح في السند فقط أو فيه وفي المتن أو لا تقدح مطلقا. وهكذا اذا وقعت العلة في المتن، فعلى هذا يكون للعلة خمسة أقسام (٢) نشير اليها فيما يأتي:
стр. 29
١- تقع العلة في الأسناد ولا تقدح مطلقا
مثاله: - ما رواه المدلس بالعنعنة، فهذا يوجب التوقف عن قبوله، فاذا وجد من طريق آخر قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة. (١)
٢- تقع العلة في الأسناد وتقدح فيه دون المتن
مثاله: - ما رواه يعلى بن عبيد الطنافسي، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : ((البيعان بالخيار)) (٢) فغلط يعلى في قوله: عمرو بن دينار، انما هو عبد الله بن دينار كما رواه الأئمة المتقنون من أصحاب سفيان الثوري مثل: الفضل بن دكين، ومحمد بن يوسف الفريابي، ومخلد بن يزيد، وغيرهم (٣) .
٣- تقع العلة في الأسناد وتقدح فيه وفي المتن معا
وذلك كأن يوجد في الحديث ارسال أو وقف، أو ابدال راو ضعيف براو ثقة.
مثال ذلك: - ما وقع لأبي أسامة - حماد بن أسامة الكوفي، وهو ثقة (٤) - في روايته عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر - وهو من ثقات الشاميين (٥) -قدم عبد الرحمن الكوفة فكتب عنه أهلها، ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك الكوفة
стр. 30
عبد الرحمن بن يزيد بن تميم - وهو من ضعفاء الشاميين (١) - فسمع منه أبو أسامة، وسأله عن اسمه فقال: عبد الرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنه ابن جابر فصار يحدث عنه وينسبه من قبل نفسه فيقول:
حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة عن ابن جابر، ولم يفطن الا أهل النقد فميزوا ذلك ونصوا عليه كالبخاري، وأبي حاتم، وغير واحد (٢) .
٤- تقع العلة في المتن ولا تقدح فيه ولا في الأسناد
مثاله: - كل ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين اذا أمكن الجمع رد الجميع الى معنى واحد فان القدح ينتفي عنهما (٣) .
٥- تقع العلة في المتن وتقدح فيه دون الأسناد
مثاله: - ما انفرد مسلم (٤) باخراجه في حديث أنس ﵁ من اللفظ المصرح بنفي قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ، فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين انما قالوا فيه: ((فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)) من غير تعرض لذكر البسملة وهو الذي اتفق البخاري (٥) ومسلم (٦) على اخراجه، ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له ففهم من قوله: ((كانوا يستفتحون
стр. 31
بالحمد لله رب العالمين)) أنهم كانوا لا يبسملون فرواه على فهم وأخطأ فيه؛ لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة، وليس فيها تعرض لذكر البسملة (١)
المبحث الخامس: ما تزول به العلة
أشرت فيما سبق الى أن العلة ظاهرة وخفية:
فالعلة الظاهرة قد تزول بالمتابعات (٢) والشواهد (٣) ، ويكون ذلك بالاعتبار (٤) وسبر الطرق، وقد تزول العلة بتلقي أهل العلم للحديث فيقبل الحديث ويزول أثر العلة. أما العلل الخفية فلا تزول، وهي على نوعين:
أحدهما: - ما سببه المخالفة، فالراجحة محفوظة أو معروفة والمرجوحة شاذة أو
стр. 32
منكرة.
وثانيهما: أحاديث أعلت باسباب أخرى غير المخالفة: كمعارضة القرآن، أو نص صحيح متواتر أو تأريخ مجمع عليه فهذه لا تزول (١) ، ويبقى الحديث معلا.
فالعلل الظاهرة وهي التي سببها انقطاع في السند، أو ضعف في الراوي، أو تدليس، أو اختلاط تتفاوت ما بين الضعف الشديد والضعف اليسير، فما كان يسيرا زال بمجيئه من طريق آخر مثله أو أحسن منه، وما كان ضعفه شديدا فلا تنفعه كثرة الطرق، وبيان ذلك: أن ما كان ضعفه بسوء الحفظ أو اختلاط أو تدليس أو انقطاع يسير، فالضعف هنا يزول بالمتابعات والطرق، وما كان انقطاعه شديدا أو قدح في عدالة الراوي فلا يزول، قال الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى (٢) : ((لعل الباحث الفهم يقول انا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة مثل: ((الأذنان من الرأس)) (٣) ونحوه، فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن، لأن بعض ذلك عضد بعضه بعضا كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفا؟ وجواب ذلك: أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت فمنه ما يزيله ذلك؛ بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه ولم يختل فيه ضبطه له، وكذلك اذا كان ضعفه من حيث الارسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله امام حافظ؛ اذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر، ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد الجابر عن جبره ومقاومته ذلك كالضعف الذي
стр. 33
ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب أو كون الحديث شاذا، وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث فاعلم ذلك فانه من النفائس العزيزة)) .
وقال الحافظ ابن كثير (١) : ((لا يلزم من ورود الحديث من وجوه متعددة أن يكون حسنا؛ لأن الضعف يتفاوت: فمنه ما لا يزول بالمتابعات، ومنه ضعف يزول بالمتابعة، كما اذا كان راويه سيئ الحفظ أو روى الحديث مرسلا فان المتابعة تنفع حينئذ فيرفع الحديث عن حضيض الضعف الى أوج الحسن أو الصحة)) .
من هذا يتبين لنا أن الأحاديث الشديدة الضعف اذا كثرت وتعددت تبقى ضعيفة ولا ترتقي الى درجة القبول.
وقد ذكر السيوطي عن الحافظ ابن حجر أن شديد الضعف بكثرة الطرق ربما يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكرا أو لا أصل له الى درجة المستور السيء الحفظ (٢) .
وقد مشى الحافظ ابن حجر ﵀ على هذه القاعدة في بعض تحقيقاته لبعض الأحاديث كما صنع في قصة الغرانيق (٣) حيث قال (٤) : (وكلها سوى طريق سعيد بن جبير اما ضعيف واما منقطع ولكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا)) .
стр. 34
وقد أصل السيوطي لها فقال في ألفيته (١) :
ضعفا لسوء الحفظ أو ارسال أو......تدليس أو جهالة اذا رأوا
مجيئه من جهة أخرى وما......كان لفسق أو يرى متهما
يرقى عن الانكار بالتعدد......بل ربما يصير كالذي بدي
وقد تعقب العلامة أحمد شاكر هذا بقوله (٢) : (وأما اذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق اخرى من هذا النوع فانه لا يرقى الى الحسن بل يزداد ضعفا الى ضعف، اذ أن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحديث لا يرويه غيرهم يرجح عند الباحث المحقق التهمة ويؤيد ضعف رواياتهم، وبذلك يتبين خطأ المؤلف وخطؤه في كثير من كتبه (٣) في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي الى الحسن مع هذه العلة القوية) .
وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فان الضعفاء قد يسرق بعضهم من بعض ويشتهرعندهم فقط، ولا نجده في روايات الثقات الأثبات مما لا يزيد الضعيف الا ضعفا على ضعف.
стр. 35
وقال ابن جماعة (١) : (والضعف لكذب راويه وفسقه فلا ينجبر بتعدد طرقه) .
وقال الجرجاني (٢) : (وأما الضعيف لكذب راويه وفسقه لا ينجبر بتعدد طرقه كما في حديث: ((طلب العلم فريضة)) (٣) قال البيهقي: هذا حديث مشهور بين الناس واسناده ضعيف وقد روي من أوجه كثيرة كلها ضعيفة) .
أما تلقي العلماء لحديث بالقبول فهو من الأمور التي تزول به العلة وتخرج الحديث من حيز الرد الى العمل بمقتضاه، بل ذهب بعض العلماء الى أن له حكم الصحة؛ قال الحافظ ابن حجر (٤) : ((وجزم القاضي أبو نصر عبد الوهاب المالكي في كتاب الملخص بالصحة فيما اذا تلقوه بالقبول)) .
وقال ابن عبد البر (٥) في الاستذكار -لما حكى عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر: ((هو الطهور ماؤه)) (٦) -: وأهل الحديث لا يصححون مثل اسناده لكن الحديث عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول) .
стр. 36
وفي التمهيد (١) (روى جابر عن النبي ﷺ : الدينار أربع وعشرون قيراطا) .
قال ((وفي قبول جماعة من العلماء واجماع الناس على معناه غنى عن اسناده))
وقال الزركشي (٢) : ((ان الحديث الضعيف اذا تلقته الأمة بالقبول عمل به على الصحيح حتى أنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع))
وعند الحنفية يعدون الضعيف اذا تلقاه العلماء بالقبول في حيز المتواتر كما نص عليه الجصاص (٣) فقد قال عند الكلام على حديث: ((طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان)) (٤) : ((وقد تقدم سنده وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة وان كان وروده من طريق الآحاد فصار في حيز المتواتر لأن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواقع)) .
والذي يبدو لي أن الشافعي رحمه الله تعالى هو أول من أشار الى تقوية الضعيف بتلقي العلماء فقد قال (٥) : ((فاستدللنا بما وصفت من نقل عامة أهل المغازي عن
стр. 37
النبي ﷺ أن ((لا وصية لوارث)) (١) على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة مع الخبر المنقطع واجماع العامة على القول به)) .
ثم ان الامام الشافعي قد أشار الى ذلك عند كلامه عن شروط قبول المرسل فقال: ((وكذلك ان وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عنهم عن النبي ﷺ ) .
وربما التمس الترمذي ذلك من كلام الشافعي فأخذ يقول في كثير من الأحاديث الضعيفة (٢) الاسناد من حيث الصناعة الحديثية ((وعليه العمل عند أهل العلم)) مشيرا في ذلك -والله أعلم- الى تقوية الحديث عند أهل العلم لأن عملهم بمقتضاه يدل على اشتهار أصله عندهم. وقد يلتمس هذا من صنيع البخاري ﵀ فقد قال في كتاب الوصايا من صحيحه (٣) : ((ويذكر أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية)) . وقد علق على ذلك الحافظ ابن حجر قائلا (٤) : ((وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، والا فلم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج)) .
стр. 38
وقال ابن الوزير (١) : ((وقد احتج العلماء على صحة أحاديث بتلقي الأمة لها بالقبول)) وقال الحافظ ابن حجر (٢) : (من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فانه يقبل حتى يجب العمل به، وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول، ومن أمثلته قول الشافعي ﵁: وما قلت من أنه اذا غير طعم الماء وريحه ولونه يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، ولكنه قول العامة لا أعلم بينهم خلافا. وقال في حديث: ((لا وصية لوارث)) لا يثبته أهل العلم بالحديث ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخا لآية الوصية)) .
أقول:
فالشافعي رحمه الله تعالى يشير بذلك الى حديث أبي سعيد الخدري ان النبي ﷺ قال: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) . أخرجه أحمد (٣) ، وأبو داود (٤) ، والترمذي (٥) ، والنسائي (٦) . وقد صححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وابن حزم (٧) .
وقد جاء هذا الحديث من طريق ضعيف عن أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ ((الماء لا ينجسه شيء الا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه)) (٨) . فزيادة قوله: ((الا ما
стр. 39
غلب على ريحه ... الخ)) ضعيفة لأنها من طريق رشدين بن سعد (١) وهو رجل صالح لكن أدركته غفلة فخلط في حديثه
فالشافعي رحمه الله تعالى يشير الى هذه الزيادة، فهو قد احتج بها مع ضعفها؛ لأن الأمة تلقتها بالقبول: حيث لاخلاف بين العلماء أن الماء اذا غيرته النجاسة تنجس.
أما حديث الوصية فقد أشرت آنفا الى أنه ثابت ولم يصل للشافعي الا بطريق ضعيف.
وقال الكمال بن الهمام (٢) : ((ومما يصحح الحديث أيضا: عمل العلماء على وفقه)) .
وقال السيوطي في التعقبات على الموضوعات (٣) - بعد أن ذكر حديث حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر)) - أخرجه الترمذي وقال: العمل على هذا عند أهل العلم؛ فأشار بذلك الى أن الحديث أعتضد بقول أهل العلم، وقد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به وان لم يكن له اسناد يعتمد على مثله)) .
واكتفي بما نقلته من نصوص عن الأئمة في هذه المسألة ولكن يبدو لي من كلام الامام الشافعي رحمه الله تعالى: أنه ينبغي التفريق بين الحكم بصحة الحديث وبين قبوله والعمل به؛ وذلك أن التصحيح على مقتضى الصناعة الحديثية شيء وقبول الحديث شيء آخر، فاذا وجد حديث مثل هذا فهو مقبول يعمل به لكنه لا يسمى
стр. 40
صحيحا ورحم الله الحافظ ابن حجر حيث قال (١) : ((لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول ولو كان سنده ضعيفا يوجب العمل بمدلوله)) فقد أشار ﵀ الى العمل ولم يتكلم عن الصحة الاصطلاحية، ومن دقق النظر في كلام الشافعي السابق ذكره يجده ينحو نحو هذا الاتجاه.
المبحث السادس: أهمية علل الحديث
اذا كان كل علم يشرف بمدى نفعه فان علم علل الحديث لذلك يعد من أشرف العلوم؛ لأنه من أكثرها نفعا فهو نوع من أجل أنواع علم الحديث وفن من أهم فنونه، ورحم الله الامام النووي حيث قال: (ومن أهم أنواع العلوم تحقيق الأحاديث النبويات، أعني: معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها، متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها ومقلوبها، ومشهورها وغريبها وعزيزها ومتواترها وآحادها وأفرادها، معروفها وشاذها ومنكرها ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها)) (٢) .
فعلماء الحديث قد اهتموا بالحديث النبوي الشريف عموما لأنه المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، وقد اهتموا ببيان علل الأحاديث النبوية من حيث الخصوص لأن بمعرفة العلل يعرف كلام النبي ﷺ من غيره وصحيح الحديث من ضعيفه وصوابه من خطئه؛ قيل لعبد الله بن المبارك (٣) : هذه الأحاديث الموضوعة؟ قال: