← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7586

أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (367 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وفي التمهيد (١) (روى جابر عن النبي ﷺ : الدينار أربع وعشرون قيراطا) . قال ((وفي قبول جماعة من العلماء واجماع الناس على معناه غنى عن اسناده)) وقال الزركشي (٢) : ((ان الحديث الضعيف اذا تلقته الأمة بالقبول عمل به على الصحيح حتى أنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع)) وعند الحنفية يعدون الضعيف اذا تلقاه العلماء بالقبول في حيز المتواتر كما نص عليه الجصاص (٣) فقد قال عند الكلام على حديث: ((طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان)) (٤) : ((وقد تقدم سنده وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة وان كان وروده من طريق الآحاد فصار في حيز المتواتر لأن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواقع)) . والذي يبدو لي أن الشافعي رحمه الله تعالى هو أول من أشار الى تقوية الضعيف بتلقي العلماء فقد قال (٥) : ((فاستدللنا بما وصفت من نقل عامة أهل المغازي عن

стр. 37

النبي ﷺ أن ((لا وصية لوارث)) (١) على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة مع الخبر المنقطع واجماع العامة على القول به)) . ثم ان الامام الشافعي قد أشار الى ذلك عند كلامه عن شروط قبول المرسل فقال: ((وكذلك ان وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عنهم عن النبي ﷺ ) . وربما التمس الترمذي ذلك من كلام الشافعي فأخذ يقول في كثير من الأحاديث الضعيفة (٢) الاسناد من حيث الصناعة الحديثية ((وعليه العمل عند أهل العلم)) مشيرا في ذلك -والله أعلم- الى تقوية الحديث عند أهل العلم لأن عملهم بمقتضاه يدل على اشتهار أصله عندهم. وقد يلتمس هذا من صنيع البخاري ﵀ فقد قال في كتاب الوصايا من صحيحه (٣) : ((ويذكر أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية)) . وقد علق على ذلك الحافظ ابن حجر قائلا (٤) : ((وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، والا فلم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج)) .

стр. 38

وقال ابن الوزير (١) : ((وقد احتج العلماء على صحة أحاديث بتلقي الأمة لها بالقبول)) وقال الحافظ ابن حجر (٢) : (من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فانه يقبل حتى يجب العمل به، وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول، ومن أمثلته قول الشافعي ﵁: وما قلت من أنه اذا غير طعم الماء وريحه ولونه يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، ولكنه قول العامة لا أعلم بينهم خلافا. وقال في حديث: ((لا وصية لوارث)) لا يثبته أهل العلم بالحديث ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخا لآية الوصية)) . أقول: فالشافعي رحمه الله تعالى يشير بذلك الى حديث أبي سعيد الخدري ان النبي ﷺ قال: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) . أخرجه أحمد (٣) ، وأبو داود (٤) ، والترمذي (٥) ، والنسائي (٦) . وقد صححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وابن حزم (٧) . وقد جاء هذا الحديث من طريق ضعيف عن أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ ((الماء لا ينجسه شيء الا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه)) (٨) . فزيادة قوله: ((الا ما

стр. 39

غلب على ريحه ... الخ)) ضعيفة لأنها من طريق رشدين بن سعد (١) وهو رجل صالح لكن أدركته غفلة فخلط في حديثه فالشافعي رحمه الله تعالى يشير الى هذه الزيادة، فهو قد احتج بها مع ضعفها؛ لأن الأمة تلقتها بالقبول: حيث لاخلاف بين العلماء أن الماء اذا غيرته النجاسة تنجس. أما حديث الوصية فقد أشرت آنفا الى أنه ثابت ولم يصل للشافعي الا بطريق ضعيف. وقال الكمال بن الهمام (٢) : ((ومما يصحح الحديث أيضا: عمل العلماء على وفقه)) . وقال السيوطي في التعقبات على الموضوعات (٣) - بعد أن ذكر حديث حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر)) - أخرجه الترمذي وقال: العمل على هذا عند أهل العلم؛ فأشار بذلك الى أن الحديث أعتضد بقول أهل العلم، وقد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به وان لم يكن له اسناد يعتمد على مثله)) . واكتفي بما نقلته من نصوص عن الأئمة في هذه المسألة ولكن يبدو لي من كلام الامام الشافعي رحمه الله تعالى: أنه ينبغي التفريق بين الحكم بصحة الحديث وبين قبوله والعمل به؛ وذلك أن التصحيح على مقتضى الصناعة الحديثية شيء وقبول الحديث شيء آخر، فاذا وجد حديث مثل هذا فهو مقبول يعمل به لكنه لا يسمى

стр. 40

صحيحا ورحم الله الحافظ ابن حجر حيث قال (١) : ((لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول ولو كان سنده ضعيفا يوجب العمل بمدلوله)) فقد أشار ﵀ الى العمل ولم يتكلم عن الصحة الاصطلاحية، ومن دقق النظر في كلام الشافعي السابق ذكره يجده ينحو نحو هذا الاتجاه. المبحث السادس: أهمية علل الحديث اذا كان كل علم يشرف بمدى نفعه فان علم علل الحديث لذلك يعد من أشرف العلوم؛ لأنه من أكثرها نفعا فهو نوع من أجل أنواع علم الحديث وفن من أهم فنونه، ورحم الله الامام النووي حيث قال: (ومن أهم أنواع العلوم تحقيق الأحاديث النبويات، أعني: معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها، متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها ومقلوبها، ومشهورها وغريبها وعزيزها ومتواترها وآحادها وأفرادها، معروفها وشاذها ومنكرها ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها)) (٢) . فعلماء الحديث قد اهتموا بالحديث النبوي الشريف عموما لأنه المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، وقد اهتموا ببيان علل الأحاديث النبوية من حيث الخصوص لأن بمعرفة العلل يعرف كلام النبي ﷺ من غيره وصحيح الحديث من ضعيفه وصوابه من خطئه؛ قيل لعبد الله بن المبارك (٣) : هذه الأحاديث الموضوعة؟ قال:

стр. 41

((تعيش لها الجهابذة)) (١) . وقد ذكر الحاكم: أن معرفة علل الحديث علم برأسه غير معرفة السقيم والجرح والتعديل (٢) . وعلم العلل ممتد من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على يدي كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، حيث كان أبو بكر الصديق وعمر الفاروق ﵄ يحتاطان (٣) في قبول الأخبار ويطلبان الشهادة على الحديث أحيانا من أجل تمييز الخطأ والوهم في الحديث النبوي، ثٍم اهتم العلماء به من بعد لئلا ينسب خطأ الى السنة المطهرة شيء ليس منها. فعلم العلل له مزية خاصة فهو كالميزان لبيان الخطأ والصواب والصحيح من المعوج، وقد اعتنى به أهل العلم قديما وحديثا؛ ولا يزال الباحثون يحققون وينشرون لنا الثروة العظيمة التي دونها لنا أولئك الأئمة العظام كعلي بن المديني، وأحمد والبخاري، والترمذي، وابن أبي حاتم والدارقطني وغيرهم (٤) . وما ذلك الا لأهمية هذا الفن. ولأهمية هذا العلم نجد أن بعض جهابذة العلماء يصرح بأن معرفة العلل عنده مقدم على مجرد الرواية يقول عبد الرحمن بن مهدي: ((لان

стр. 42

أعرف علة حديث واحد أحب الي من أن أستفيد عشرة أحاديث)) (١) . ويزيد هذا العلم أهمية أنه من أشد العلوم غموضا، فلا يدركه الا من رزق سعة الرواية، وكان مع ذلك حاد الذهن ثاقب الفهم دقيق النظر، واسع المران. قال أحمد بن صالح المصري (٢) : ((معرفة الحديث بمنزلة الذهب والشبه فان الجوهر انما يعرفه أهله، وليس للبصير فيه حجة اذا قيل له: كيف قلت: ان هذا الجيد والرديء)) (٣) لذلك فان وجود العارفين في فن العلل بين العلماء عزيز؛ قال ابن رجب: ((وقد ذكرنا فيما تقدم في كتاب العلم شرف علم العلل وعزته، وأن أهله المحققين به أفراد يسيرة من بين الحفاظ وأهل الحديث، وقد قال أبو عبد الله بن مندة (٤) الحافظ: انما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرا يسيرا من كثير ممن يدعي علم الحديث)) (٥) وقال الحافظ ابن حجر: ((المعلل من أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم بها الا من رزقه الله تعالى فهما ثاقبا وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة وملكة قوية بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه الا القليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن أبي شيبة، وأبي حاتم،

стр. 43

وأبي زرعة، والدارقطني)) (١) ثم ان معرفة علل الحديث من الأمور التي لا تنال الا بممارسة كبيرة في الاعلال والتضعيف ومعرفة السند الصحيح من الضعيف، فمن أكثر الاشتغال بعلم الحديث وحفظ جملة مستكثرة من المتون حتى اختلطت بلحمه ودمه وعرف خفايا المتون والأسانيد ومشكلاتها استطاع أن يميز الحديث الصحيح من الحديث المعل، ولذا يقول الربيع بن خيثم: ((ان للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه وظلمة كظلمة الليل تنكره)) (٢) . ثم على الباحث قبل أن يحكم على حديث بعلة أن يجمع طرق الحديث ويستقصيها من الجوامع والمسانيد والأجزاء، ويسبر أحوال الرواة فينظر في اختلافهم وفي مقدار حفظهم ومكانتهم من الضبط والاتقان، وعند ذلك وبعد النظر في القرائن يقع في نفس الباحث الناقد أن الحديث معل بارسال في الموصول أو وصل في المرسل أو المنقطع، أو سقوط رجل بسبب التدليس، أو وقف في المرفوع، أو معارضة بما هو أقوى لا تحتمل التوفيق، أو دخول حديث في حديث أو وهم أو ما أشبه ذلك من العلل القادحة، ثم يغلب على ظنه ذلك فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد فيه فيتوقف عن الحكم، وقد يغلب ظن الناقد علة في الحديث ثم تقصر عبارته عن اقامة الحجة في دعواه فيعله بغير قادح، أو يعله من غير أن يفصح عن القادح، لكنه يحس في نفسه احساسا لا دافع له بان في هذا الحديث علة كاحساس الجوهري الحاذق بزيف الزائف، مما يجعله يرى في نفسه أن ذلك كاف للاعلال كالاعلال بالتفرد؛ لذا قال

стр. 44

عبد الرحمن بن مهدي: (١) ((معرفة علل الحديث الهام فلو قلت للعالم بعلل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة)) .

стр. 45

الفصل الثاني: علل السند وفيه تمهيد، وأربعة مباحث المبحث الاول: اعلال السند بالانقطاع المبحث الثاني: اعلال السند بتضعيف الراوي المبحث الثالث: اعلال السند بتفرد الراوي المبحث الرابع: اعلال السند بسبب انكار الاصل رواية الفرع تمهيد: تعريف الإسناد وأهميته أولا: تعريف الإسناد أ- الاسناد لغة: الاسناد مصدر للفعل الثلاثي المزيد ((أسند)) من قولهم: أسندت هذا الحديث الى فلان أسنده اسنادا اذا رفعته، وسند الى الشيء واستند اليه بمعنى، واسند غيره. والسند يطلق على عدة معان، أشهرها: ما ارتفع من الارض في قبل الجبل والوادي، ويأتي بمعنى المعتمد (١) . قال ابن جماعة: ((وأخذه اما من السند وهو: ما ارتفع وعلا من سفح الجبل؛ لأن المسند يرفعه الى قائله، او من قولهم: فلان سند، أي: معتمد فسمي الاخبار عن طريق المتن سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه)) (٢) . ب - الاسناد اصطلاحا: عرفه الطيبي في الخلاصة (٣) بقوله: ((الاسناد رفع الحديث الى قائله)) . وعرفه الحافظ ابن حجر بقوله: ((الاسناد حكاية طريق المتن)) (٤) .

стр. 46

والسند والاسناد بمعنى واحد، قال الطيبي: ((السند والاسناد يتقاربان في معنى الاعتماد)) (١) وقال ابن جماعة: ((المحدثون يستعملون السند والاسناد لشيء واحد)) (٢) . لكن الاسناد اعم من السند؛ فالاسناد يطلق على سلسلة الرواة الموصلة الى المتن فيكون بذلك مرادفا للسند، ويكون بمعنى عزو الحديث الى قائله فهو أعم. (٣) ثانيا: أهمية الاسناد للاسناد أهمية كبيرة عند المسلمين وأثر بارز؛ وذلك لما للاحاديث النبوية من أهمية، اذ أن الحديث النبوي الشريف ثاني أدلة أحكام الشرع، ولولا الاسناد واهتمام المحدثين به لضاعت علينا سنة نبينا ﷺ ولاختلط بها ما ليس منها ولما استطعنا التمييز بين صحيحها من سقيمها؛ فغاية دراسة الاسناد والاهتمام به هي معرفة صحة الحديث أو ضعفه، فمدار قبول الحديث غالبا على اسناده، قال القاضي عياض: ((فاعلم أولا أن مدار الحديث على الاسناد فبه تتبين صحته ويظهر اتصاله)) (٤) . وقال ابن الاثير - في جامع الاصول (٥) -: (اعلم أن الاسناد في الحديث هو الاصل وعليه الاعتماد وبه تعرف صحته وسقمه)) . وهذا المعنى مقتبس من عبارات المتقدمين: قال سفيان الثوري: ((الاسناد سلاح المؤمن، اذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء

стр. 47

يقاتل؟)) (١) . وقال الامام شعبة: ((انما يعلم صحة الحديث بصحة الاسناد)) (٢) . وقال عبد الله بن المبارك: ((الاسناد من الدين، ولولا الاسناد لقال من شاء ما شاء)) (٣) . اذن فالاسناد لا بد منه من أجل أن لا ينضاف الى النبي ﷺ ما ليس من قوله: هنا جعل المحدثون الاسناد أصلا لقبول الحديث؛ فلا يقبل الحديث اذا لم يكن له اسناد نظيف، أوله أسانيد يتحصل من مجموعها الاطمئنان الى أن هذا الحديث قد صدر عمن ينسب اليه؛ فهو أعظم وسيلة استعملها المحدثون من لدن الصحابة رضوان الله عليهم الى عهد التدوين كي ينفوا الخبث عن حديث النبي ﷺ ويبعدوا عنه ما ليس منه. وقد اهتم المحدثون كذلك بجمع أسانيد الحديث الواحد، لما لذلك من أهمية كبيرة في ميزان النقد الحديثي لأن بجمع الطرق يتبين الخطأ. اذا صدر من بعض الرواة، وبذلك يتميز الاسناد الجيد من الرديء، قال علي بن المديني: ((الباب اذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه)) (٤) . ويستفاد كذلك من جمع الطرق تفسير بعض النصوص؛ اذ ان بعض الرواة قد يحدث على المعنى، أو يروي جزءا من الحديث وتأتي البقية في سند آخر، قال الامام

стр. 48

احمد: ((والحديث اذا لم تجمع طرقه لم تفهمه والحديث يفسر بعضه بعضا)) (١) . وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: ((والحديث اذا جمعت طرقه تبين المراد منه، وليس لنا أن نتمسك برواية ونترك بقية الروايات)) (٢) . ويعرف كذلك بجمع الطرق الحديث الغريب متنا واسنادا، وهو الذي تفرد به الصحابي أو تفرد به راو دون الصحابي، ومن ثم يعرف هل المتفرد عدل أو مجروح؛ فتكرار الاسانيد لم يكن عبثا وانما له مقاصد وغايات يعلمها المشتغلون بهذه الصنعة، قال الامام مسلم في مقدمته للجامع الصحيح (٣) : ((وانا نعمد الى جملة ما أسند من الاخبار عن رسول الله ﷺ فنقسمها على ثلاثة اقسام وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار، الا أن يأتي موضع لا استغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو اسناد يقع الى جنب اسناد لعلة تكون هناك؛ لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج اليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من اعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره اذا أمكن ولكن تفصيله ربما عسر من جملة فاعادته بهيئة اذا ضاق ذلك أسلم)) . إذا تمهد ذلك فاني سأتحدث عن علل الاسناد في أربعة مباحث وعلى النحو الآتي:

стр. 49

المبحث الاول: اعلال السند بالانقطاع ذكرت فيما سبق: أن أول شرط اشترطه المحدثون لصحة الحديث هو الاتصال، فكل حديث فقد هذا الشرط فالأصل: هو الحكم عليه بالضعف، الا أن يتقوى بأمور أخرى. والانقطاع في سند الحديث النبوي يشمل عدة انواع حسب موضع الانقطاع: فاذا كان الانقطاع من أول السند سمي معلقا (١) . واذا كان من آخر السند سمي مرسلا (٢) . واذا كان في وسطه، وكان الساقط واحدا سمي منقطعا. (٣) واذا توالى سقوط رجلين من وسط الاسناد سمي معضلا. (٤) واذا سقط رجلان لا على التوالي؛ يكون السند منقطعا في موضعين. وقد يكون في الاسناد مدلس لم يصرح بالسماع؛ فيخشى سقوط رجل فله حكم الانقطاع. وعد بعضهم وجود رجل مبهم في الاسناد انقطاعا (٥) .

стр. 50

والمنقطعات ليست على درجة واحدة من الضعف: فمنها الضعيف، ومنها: ما هو أشد ضعفا؛ فالانقطاع آخر السند أيسر من الانقطاع في أوله أو وسطه، واذا كان الساقط واحدا أيسر من سقوط اثنين، وتدليس (١) من يدلس عن الثقات أيسر من الذي يدلس عن الضعفاء. وسوف أتكلم عن الانقطاع في سبعة أنواع، وعلى النحو الآتي: النوع الأول من أنواع الانقطاع: التعليق الحديث المعلق: - هو ما حذف من مبدأ اسناده واحد أو أكثر (٢) . فالحديث المعلق هو: ما حذف من مبدأ اسناده راو أو راويان أو ثلاثة أو جميع الاسناد (٣) ، كل ذلك يسمى معلقا. وقد علق البخاري - رحمه الله تعالى - جملة من الأحاديث في كتابه الصحيح (٤) ، وقد وصلها الحافظ ابن حجر في كتابه تغليق التعليق، ولخصه في

стр. 51

مقدمة الفتح (١) ، وقد تكلم الحافظ نفسه عن تعاليق البخاري في نكته على ابن الصلاح (٢) بما لا مزيد عليه فقال: ((أقسام التعليق عند البخاري منها ما يوجد في موضع آخر من كتابه. ومنها ما لا يوجد الا معلقا فأما الاول: فالسبب في تعليقه: أن البخاري من عادته في صحيحه أن لا يكرر شيئا الا لفائدة، فاذا كان المتن يشتمل على أحكام كرره في الأبواب بحسبها أو قطعه في الأبواب اذا كانت الجملة يمكن انفصالها من الجملة الأخرى. ومع ذلك فلا يكرر الاسناد، بل يغاير بين رجاله اما شيوخه أو شيوخ شيوخه ونحو ذلك، فاذا ضاق مخرج الحديث ولم يكن له الا اسناد واحد واشتمل على أحكام واحتاج الى تكريرها فانه والحالة هذه اما أن يختصر المتن او يختصر الاسناد، هذا أحد الأسباب في تعليقه الحديث الذي وصله في موضع آخر. وأما الثاني: وهو ما لا يوجد فيه الا معلقا فهو على صورتين: اما بصيغة الجزم واما بصيغة التمريض، أما الأول: فهو صحيح الى من علقه عنه، وبقي النظر فيما أبرز من رجاله، فبعضه يلتحق بشرطه. والسبب في تعليقه: اما لكونه لم يحصل له مسموعا وانما أخذه على طريق المذاكرة او الاجازة أو كان خرج ما يقوم مقامه فاستغنى بذلك عن ايراد هذا المعلق مستوفى السياق او المعنى أو غير ذلك. وبعضه يتقاعد عن شرطه وان صححه غيره أو حسنه وبعضه يكون ضعيفا من جهة الانقطاع

стр. 52

خاصة. أما الثاني: وهو المعلق بصيغة التمريض مما لم يورده في موضع آخر فلا يوجد فيه ما يلتحق بشرطه الا مواضع يسيرة، وقد أوردها بهذه الصيغة لكونه ذكرها بالمعنى، وفيه ما هو صحيح، وان تقاعد عن شرطه اما: لكونه لم يخرج لرجاله أو لوجود علة فيه عنده، ومنه ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف وهو على قسمين: أحدهما: ما ينجبر بأمر آخر، وثانيهما: ما لا يرتقي عن مرتبة الضعيف)) (١) أما ذكره عن شيوخه: فقد قال العراقي ﵀: ((أما ما عزاه البخاري الى بعض شيوخه بصيغة الجزم كقوله: قال فلان وزاد فلان ونحو ذلك فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم بل حكمه حكم الاسناد المعنعن، وحكمه الاتصال، بشرط ثبوت اللقاء والسلامة من التدليس، واللقاء في شيوخه معروف، والبخاري سالم من التدليس فان حكمه الاتصال)) (٢) . أما التعليق عند الامام مسلم: فقليل جدا جعله الحافظ ابن حجر اثني عشر حديثا. (٣) وقد تبين مما ذكرناه: أن معلقات البخاري بصيغة الجزم تعد صحيحة الى من علق اليه، هذا ما استقر عليه الأمر عند جمهور العلماء.

стр. 53

وقد خالف ذلك بعض العلماء - منهم: ابن حزم - فلم يجعلوا لمعلقات الصحيح مزية على غيرها، سواء كان بصيغة الجزم أو بصيغة التمريض، وانما جعلوا لها حكم غيرها من المنقطعات. ولعل أبرز مثال يوضح ذلك: حديث هشام بن عمار في المعازف، فقد اخرجه البخاري في الصحيح على صورة المعلق، مع أنه ليس معلقا في الواقع؛ لأن هشام بن عمار شيخ البخاري، فظنه ابن حزم معلقا، وحكم عليه بالانقطاع ولم يحتج به، وفيما يأتي نسوق الحديث ونبين آثره في اختلاف الفقهاء. حديث هشام بن عمار في المعازف وأثره في اختلاف الفقهاء قال الامام البخاري في صحيحه (١) : وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال حدثنا عطية بن قيس الكلابي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر - أو أبو مالك الأشعري - والله ما كذبني- سمع النبي ﷺ يقول: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام الى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم- يعني الفقير- لحاجة فيقولوا ارجع الينا غدا، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير الى يوم القيامة)) . وهشام بن عمار من شيوخ البخاري (٢) ، لكن البخاري لم يصرح بالسماع بل ذكره بصيغة التعليق مجزوما به.

стр. 54

وقد أعل ابن حزم هذه الرواية بالتعليق فقال: ((وهذا منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد ولا يصح في هذا الباب شيء أبدا وكل ما فيه موضوع والله لو أسند جميعه او واحد منه فأكثر من طريق الثقات الى رسول الله ﷺ لما ترددنا في الأخذ)) (١) . وقد رد عليه ابن الصلاح بقوله: ((ولا التفات الى ابي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رده ما أخرجه البخاري من حديث ابي عامر أو ابي مالك الأشعري عن رسول الله ﷺ : ((ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخز والمعازف ... الحديث)) من حجة أن البخاري أورده قائلا فيه: قال هشام بن عمار)) (٢) . وكذلك أجاب العراقي عن قول ابن حزم هذا بقوله: أما الذي لشيخه عزا بقال فكذي عنعنة كخبر المعازف لا تصغ لابن حزم المخالف (٣) فمعناه أن له حكم المعنعن بشرط اللقاء وعدم التدليس والبخاري لم يكن مدلسا وثبت لقاؤه بهشام بن عمار (٤) . قال الحافظ ابن حجر: ((واما ما عزاه البخاري لبعض شيوخه بصيغة قال فلان وزاد فلان ونحو ذلك، فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم بل

стр. 55

حكمه حكم العنعنة من الاتصال بشرط اللقاء والسلامة من التدليس)) (١) . وقد استشكل العراقي (٢) : بأن البخاري قد يوجد في صحيحه أحاديث يرويها عن بعض شيوخه قائلا: قال فلان ويوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ. وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا بقوله: ((وقد تقرر عند الحفاظ ان الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحا الى من علقه عنه ولو لم يكن من شيوخه لكن اذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولا الى من علقه بشرط الصحة أزال الاشكال)) (٣) . ثم ذكر الحافظ: ان الطبراني أخرجه في مسند الشاميين، فقال: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، قال حدثنا هشام بن عمار (٤) . أثر حديث هشام بن عمار في اختلاف الفقهاء: حكم الغناء وحكم بيع آلات الغناء ذهب الجمهور الى حرمة الغناء وحرمة بيع آلات الغناء، على خلاف بين المذاهب في تفصيل ذلك (٥) ومما استدلوا به حديث هشام بن عمار السابق. وذهب ابن حزم الى جواز الغناء وجواز بيع آلاته فقد قال: ((وبيع الشطرنج والمزامير والعيدان والمعازف والطنابير حلال كله ومن كسر شيئا من ذلك ضمنه..))

стр. 56

ثم قال: ((ان بيعها حلال وكذلك بيع المغنيات وابتياعهن حلال لأنه لم يأت نص بتحريم بيع شيء من ذلك)) . ثم ساق ما احتج به المانعون وضعف ذلك كله وقال: ((ان ما احتجوا به من آثار لا تصح أو يصح بعضها ولا حجة لهم فيها)) . (١) النوع الثاني من أنواع الانقطاع: الارسال بمعناه الواسع تدل كلمة الارسال من حيث عمومها على عدة معان: أولا: الانقطاع الظاهر. ثانيا: التدليس. ثالثا: الارسال الخفي. رابعا: سقوط ما فوق التابعي. والمرسل في اطلاق المتقدمين يراد به كل انقطاع في السند سواء كان الانقطاع في أول السند أو في آخره أو في وسطه، وذلك هو مذهب أكثر الاصوليين وأهل الفقه والخطيب وجماعة من المحدثين (٢) . ثم استقر الاصطلاح في: ان المرسل لا يطلق الا على ما رفعه التابعي الى النبي ﷺ (٣) . وقد مزج ابن الصلاح بين التدليس والارسال الخفي، فقد عرف التدليس - أي: تدليس الاسناد -بقوله: ((هو أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه؛ موهما

стр. 57

أنه سمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه موهما أنه لقيه وسمعه منه)) (١) . وقد اعترض الحافظ ابن حجر على قوله: ((عمن عاصره ولم يلقه)) بأنه ليس من التدليس، بل هو من المرسل الخفي اذ قال: ((والتحقيق فيه التفصيل: وهو أن من ذكر بالتدليس أو الارسال اذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الارسال)) (٢) . فتبين لنا من هذا أن كلمة الارسال تدل على أربعة معان: الأول: الانقطاع الظاهر، وهو: أن يروي الراوي عمن لم يعاصره. الثاني: تدليس الاسناد، وهو: أن يروي الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه. الثالث: المرسل الخفي، وهو: ان يروي الراوي عمن عاصره ولم يلقه، او لقيه ولم يسمع منه. الرابع: سقوط ما فوق التابعي. وسوف أتكلم عن كل صورة من هذه الصور وأمثل لها بما يصح التمثيل به وأذكر أثر ذلك في اختلاف الفقهاء ان شاء الله تعالى. الصورة الأولى: الانقطاع الظاهر وهو ما يسمى بالمنقطع عند الاطلاق، ووجد التعبير عنه بالمرسل كثيرا عند المتقدمين (٣) .

стр. 58

وهو لغة: اسم فاعل من انقطع، والانقطاع ضد الاتصال (١) . واصطلاحا: ما سقط من اسناده راو واحد قبل الصحابي أو أكثر من راو بشرط عدم التوالي في أي موضع كان من مواضع السند (٢) . والأصل في الحديث المنقطع: أنه ضعيف عند المحدثين؛ لأنه فقد شرط الاتصال؛ وللجهالة بحال الساقط الذي لم تعرف عدالته، ولا ضبطه. قال الشوكاني: ((ولا تقوم الحجة بالحديث المنقطع، وهو الذي سقط من رواته واحد ممن دون الصحابي، وذلك للجهل بحال المحذوف من حيث عدالته وضبطه؛ لأن ثبوت هذا شرط لقبول الحديث)) (٣) . مثال للمنقطع وأثره في اختلاف الفقهاء: العدد الذي تنعقد به صلاة الجمعة اختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به صلاة الجمعة على أقوال، نذكر أهمها فيما يأتي: القول الأول: ان الجمعة لا تنعقد بأقل من أربعة أحدهم الامام. وبذلك قال أبو حنيفة وبعض الفقهاء منهم: الثوري، والليث، وابن المنذر من الشافعية، وهو رواية عن الأوزاعي وأبي ثور. (٤)

стр. 59

واستدلوا لذلك بما روي عن الزهري، عن أم عبد الله الدوسية، قالت: سمعت رسول اله ﷺ يقول: ((الجمعة واجبة على أهل كل قرية، وان لم يكونوا الا ثلاثة رابعهم امامهم)) أخرجه الدارقطني، (١) وأعله بالانقطاع فان الزهري لم يسمع من أم عبد الله. وذهب بعضهم الى أنها لا تنعقد بأقل من ثلاثة. وهو مذهب أبي يوسف والزيدية (٢) . وجاء بمعنى هذا المذهب حديث الزهري السابق، عن أم عبد الله الدوسية، فقد جاء في بعض رواياته عند البيهقي (٣) بلفظ: ((الجمعة واجبة في كل قرية فيها امام، وان لم يكونوا الا أربعة، حتى ذكر النبي ﷺ ثلاثة)) . وذهب بعضهم الى أنها لا تنعقد بأقل من أربعين. وممن قال بذلك الشافعي، وأحمد في رواية (٤) . وذهب بعضهم الى أنها لا تنعقد بأقل من خمسين. وهو رواية عن أحمد (٥) . وذهب بعضهم الى أنها لا تنعقد الا بجماعة يمكن أن تتكون بهم قرية مستقلة،

стр. 60

ويكون بينهم بيع وشراء من غير حصر بعدد، وممن قال ذلك مالك (١) وذهب بعضهم الى أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به الجماعة. وبذلك قال ابن حزم (٢) . فمن أخذ بالمنقطع أعمل مقتضاه هنا، ومن لم يأخذ به اتجه للاستدلال اتجاها آخر وقد صرح غير واحد من الحفاظ: بأنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ في العدد الذي تنعقد به الجمعة (٣) ومثال ذلك ايضا: حديث يعقوب بن ابراهيم الاسكندراني، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((صيد البر حلال ما لم تصيدوه او يصاد لكم)) . (٤) وهذا سند منقطع؛ فالمطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي لم يسمع من جابر.

стр. 61

قال الترمذي: (لا نعرف له سماعا من جابر) . (١) وقال أبو حاتم: ((عامة أحاديثه مراسيل، لم يدرك أحدا من أصحاب النبي ﷺ ولم يسمع من جابر)) (٢) أثره في اختلاف الفقهاء: حكم أكل الصيد للمحرم لا خلاف في تحريم الصيد على المحرم اذا صاده بنفسه أو ذبحه (٣) . وكذلك يحرم على المحرم أكله اذا صاده حلال وكان من المحرم دلالة أو اشارة (٤) واختلفوا فيما اذا صاده حلال، مع أنه لم يكن من المحرم اعانة ولا دلالة ولا اشارة: فقال بعض السلف: يحرم على المحرم الأكل من لحم الصيد مطلقا. روي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم (٥) وحجتهم حديث الصعب بن جثامة الليثي: أنه أهدى للنبي ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، وقال: ((انا لم نرده عليك الا انا حرم)) (٦) .

стр. 62

لكن هذا يحمل على أن النبي ﷺ قد رده لأنه علم انه صيد من أجله. وذهب بعض الفقهاء الى أنه لا يحرم على المحرم أكله الا اذا علم أنه صيد من أجله، وبذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد (١) . وذلك لحديث جابر الذي سبق الكلام عليه. وقال أبو حنيفة: ما دام الذي صاده حلال ولم يعنه المحرم بشيء حتى ولو باشارة جاز للمحرم الأكل منه وان صاده الحلال من أجله (٢) . ودليله حديث أبي قتادة مرفوعاً وفيه: ((هل منكم أحد أمره أو أشار اليه بشيء؟ قال: قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها)) (٣) . لكن هذا ينبغي حمله على أنه لم يصد من أجلهم حتى يجمع بين الأحاديث، ولا يكون بينهما تناقض. الصورة الثانية: التدليس تعريفه: التدليس لغة: من الدلس، وهو اختلاط الظلام بالنور. (٤) وعند المحدثين أنواع: الأول: تدليس الاسناد، وهو أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه بصيغة

стр. 63

محتملة. (١) والصيغة المحتملة أن لا يصرح بالسماع نحو ((حدثنا، أخبرنا، أنبأنا، سمعت، قال لنا)) . لكن يأتي بصيغة محتملة نحو ((ان، عن، قال، حدث، روى، ذكر)) ؛ لذا لم يقبل المحدثون حديث المدلس ما لم يصرح بالسماع (٢) . الثاني: تدليس الشيوخ، وهو: أن يأتي باسم شيخه أو كنيته على خلاف المشهور به تعمية لأمره وتوعيراً للوقوف على حاله (٣) . الثالث: تدليس التسوية (٤) ، وهو: ان يروي عن شيخه، ثم يسقط ضعيفا بين ثقتين قد سمع أحدهما من الآخر أو لقيه، ويرويه بصيغة محتملة بين الثقتين (٥) . وممن اشتهر بهذا الوليد بن مسلم (٦) وبقية بن الوليد (٧) . الرابع: تدليس العطف: مثل ان يقول الراوي: حدثنا فلان وفلان وهو لم يسمع من الثاني (٨) . الخامس: تدليس السكوت: كأن يقول الراوي: حدثنا أو سمعت، ثم يسكت

стр. 64

برهة، ثم يقول: هشام بن عروة أو الأعمش موهما انه سمع منهما وليس كذلك (١) . السادس: تدليس القطع: هو أن يحذف الصيغة ويقتصر على قوله -مثلا- الزهري، عن انس (٢) . السابع: تدليس صيغ الأداء، وهو ما يقع من المحدثين من التعبير بالتحديث أو الاخبار عن الاجازة موهما للسماع ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئا (٣) . وأكثر أنواع التدليس وجودا تدليس الاسناد والشيوخ، والذي يعنينا في دراستنا هذه تدليس الاسناد حيث قد سقناه تحت الارسال. والتدليس مكروه عند المحدثين، وقد يصير حراما حسب الأسباب الدافعة اليه كأن يدلس عن ضعيف شديد الضعف. وكان الامام شعبة بن الحجاج يذم التدليس ذما شديدا. (٤) وأسباب التدليس كثيرة، منها: العلو في الاسناد أو لصغر شيخه أو لضعفه (٥) . وحديث المدلس مردود الا أن يصرح بالسماع. أما تدليس التسوية فيشترط فيه: التحديث والاخبار من أول السند الى آخره. (٦) وسبب رد المحدثين حديث المدلس اذا لم يصرح بالسماع خشية سقوط رجل بين المدلس ومن عنعن عنه. كما في حديث عبد الملك بن عبد العزيز بن

стр. 65

جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا: ((لا تبل قائما)) أخرجه ابن حبان (١) وقال: أخاف أن ابن جريج لم يسمع من نافع هذا الخبر)) (٢) . أثر التدليس في اختلاف الفقهاء: حكم تغميض العينين في الصلاة ذهب بعض الفقهاء الى أن تغميض العينين في الصلاة مكروه. وبه قال مالك والشافعي وأحمد (٣) . والحجة لهم: ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((اذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه)) . قال الهيثمي: ((رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه: ليث بن أبي سليم، وقد عنعنه)) (٤) . وذهب بعضهم الى عدم كراهيته (٥) . أما اذا صرح المدلس بالسماع فيقبل حديثه. مثال ذلك: حديث محمد بن اسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة، قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي. وأنا أقول: وا رأساه. فقال: ((بل أنا، يا عائشة، وا رأساه)) ثم قال:

стр. 66

((ما ضرك لو مت قبلي؛ فقمت عليك فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك (١)) ) . ومدار هذا الحديث على محمد بن اسحاق وهو مدلس (٢) وقد عنعن في بعض الطرق وبهذا أعله البيهقي (٣) ، لكنه قد صرح بالسماع عند البيهقي نفسه (٤) ، فانتفت شبهة تدليسه فصح حديثه. أثر حديث محمد بن اسحاق في اختلاف الفقهاء اختلف الفقهاء في غسل أحد الزوجين الآخر، اذ أن الفقهاء اتفقوا على أن غسل الميت واجب على الكفاية الا ما حكي عن مالك في رواية عنه أنه سنة (٥) ، وأجمعوا على جواز غسل المرأة زوجها، واختلفوا في جواز غسل الرجل زوجته على قولين: القول الأول: يجوز للرجل غسل زوجته. وبذلك قال جمهور العلماء واليه ذهب الشافعي، وأحمد في المشهور عنه (٦) واستدلوا بحديث محمد بن اسحاق السابق. القول الثاني: لا يجوز للرجل غسل زوجته.

стр. 67

وهو مروي عن بعض السلف. وبه قال أبو حنيفة وهو رواية عن أحمد (١) . وكأنهم لم يأخذوا بحديث محمد بن اسحاق لعنعنته له في بعض الطرق. واحتجوا بأن الموت فرقة تبيح اختها وأربعا سواها؛ فحرمت النظر واللمس كالطلاق (٢) . الصورة الثالثة: الارسال الخفي تعريفه: عرفه الحافظ ابن حجر بأنه: ((ما رواه الراوي بصيغة محتملة عمن عاصره ولم يعرف

стр. 68

أنه لقيه، بل بينهما واسطة)) . (١) وقد سبق أن بينت أن ابن الصلاح ﵀-قد مزج بين المرسل الخفي والتدليس، فأدخله في تدليس الاسناد. وسمي هذا بالخفي لخفائه على كثير من الناس، فهو أشبه بالتدليس؛ لذا اختلف العلماء فيه اختلافا كثيرا (٢) . ورجح السخاوي تعريف الحافظ ابن حجر فقال: ((بل هو على المعتمد في تعريفه حسبما أشار اليه شيخنا الانقطاع في أي موضع كان من السند بين راويين متعاصرين لم يلتقيا، وكذا لو التقيا، ولم يقع بينهما سماع فهو انقطاع مخصوص يندرج في تعريف من لم يتقيد في المرسل بسقط خاص (٣)) ) . وعرفه الزبيدي بقوله: ((والخفي من المرسل ما يرويه عمن عاصره ولم يعرف أنه لقيه)) (٤) مثال ذلك: حديث فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحرم من الرضاع الا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام)) (٥) . وقد أعل هذا الحديث بالانقطاع (أي: أنه مرسل خفي) بين فاطمة بنت المنذر وأم سلمة لأن فاطمة كانت أسن من زوجها هشام باثني عشر عاما، فكان مولده في سنة ٦٠ ومولد فاطمة في سنة ٤٨، وماتت أم سلمة سنة ٥٩، وفاطمة صغيرة لم تبلغها فكيف تحفظ عنها (٦) . وأجيب عن هذا: بأنه لا يلزم انقطاع الحديث من أجل أن فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة، فقد يعقل الصغير أشياء ويحفظها، وقد عقل محمود ابن الربيع المجة، وهو ابن خمس سنين (٧) . وسماع من له أحد عشر عاما ممكن صحيح، غير اننا لا نسلم أنها كان عمرها

стр. 69

أحد عشر عاما بل كان عمرها أربعة عشر عاما حين توفيت أم سلمة؛ فقد ثبت في صحيح مسلم (١) : ((أن الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان دخلا عليها في خلافة يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يخسف به ... الحديث)) . وكان ذلك في حين جهز يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة بعسكر الشام الى المدينة، وكانت وقعت الحرة سنة ثلاث وستين (٢) . وهذا يرد قول من قال: أنها ماتت سنة تسع وخمسين اعتمادا على رواية الواقدي (٣) . أثر حديث فاطمة في اختلاف الفقهاء: وقت الرضاع المحرم اختلف الفقهاء في وقت الرضاع المحرم الذي يكون منه التحريم على أقوال: القول الأول: شرط تحريم الرضاع أن يكون في الحولين. وهو قول أكثر أهل العلم منهم: عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وأزواج النبي ﷺ سوى عائشة- واليه ذهب: الشعبي، وابن شبرمة، والأوزاعي، والشافعي، واسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وهو رواية عن مالك (٤) . وحجتهم الحديث السابق.

стр. 70

القول الثاني: يحرم الرضاع في ثلاثين شهرا. وبه قال أبو حنيفة (١) . القول الثالث: مدة الرضاع ثلاث سنين. وبه قال زفر (٢) . القول الرابع: رضاعة الكبير تحرم. ويروى هذا عن عائشة وعطاء والليث وداود (٣) . الصورة الرابعة: الارسال بالمعنى الخاص المرسل لغة: - هو: اما مشتق من الارسال بمعنى: الاطلاق وعدم المنع؛ ومنه قوله تعالى: ((انا ارسلنا الشياطين على الكافرين)) (٤) فكأن المرسل أطلق الحديث، ولم يقيده براو معروف. وقيل: انه مأخوذ من قولهم جاء القوم أرسالا، أي: متفرقين؛ لأن بعض الاسناد منقطع عن بعض. وقيل: مأخوذ من قولهم: ناقة رسل، أي: سريعة السير، كأن المرسل للحديث أسرع فيه فحذف بعض اسناده (٥) .

стр. 71

وفي الاصطلاح: ما أضافه التابعي عن النبي ﷺ من غير تقييد بالكبير (١) . وقيده بعضهم بحديث التابعي الكبير (٢) . وحده بعضهم (٣) : ((أنه قول غير الصحابي قال رسول الله ﷺ ) . والمشهور الأول وهو الذي استقر عليه الاصطلاح عند المحدثين. آراء العلماء في الاحتجاج بالمرسل: اختلف أهل العلم في الاحتجاج بالمرسل على أقوال كثيرة (٤) . أشهرها ثلاثة أقوال رئيسة: القول الأول: ان الحديث المرسل ضعيف لا تقوم به حجة. وهذا ما ذهب اليه جمهور المحدثين، وكثير من أهل الفقه والأصول (٥) . قال الامام مسلم - رحمه الله تعالى -: ((والمرسل في أصل قولنا وقول أهل

стр. 72

العلم بالاخبار ليس حجة)) (١) . وقال ابن الصلاح: (وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر وتداولوه في تصانيفهم) (٢) وحجتهم: هو جهالة الواسطة التي روى المرسل الحديث عنه، اذ قد يكون الساقط صحابيا وقد يكون تابعيا. وعلى الاحتمال الثاني قد يكون ثقة وقد يكون غير ثقة؛ قال الخطيب البغدادي: ((والذي نختاره سقوط فرض العمل بالمرسل، وان المرسل غير مقبول، والذي يدل على ذلك: أن ارسال الحديث يؤدي الى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بينا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر الا ممن عرفت عدالته، فوجب كذلك كونه غير مقبول، وأيضا فان العدل لو سئل عمن أرسل؟ فلم يعدله لم يجب العمل بخبره اذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، وكذلك حاله اذا ابتدأ الامساك عن ذكره وتعديله؛ لانه مع الامساك عن ذكره غير معدل له فوجب أن لا يقبل الخبر عنه)) (٣) . وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر المرسل في أنواع المردود: ((وانما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف لأنه يحتمل أن يكون صحابيا ويحتمل أن يكون تابعيا وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي،

стр. 73

وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد اما بالتجويز العقلي فالى ما لا نهاية، واما بالاستقراء فالى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد في رواية بعض التابعين عن بعض)) (١) . القول الثاني: يقبل المرسل من كبار التابعين دون غيرهم بشرط الاعتبار في الحديث المرسل والراوي المرسل، أما الاعتبار في الحديث: فهو أن يعتضد بواحد من أربعة أمور: أن يروى مسندا من وجه آخر، أو يروى مرسلا بمعناه عن راو آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول؛ فيدل ذلك على تعدد مخرج الحديث، أو يوافقه قول بعض الصحابة أو يكون قال به أكثر أهل العلم، وأما الاعتبار في راوي المرسل: فأن يكون الراوي اذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عنه في الرواية، فاذا وجدت هذه الأمور كانت دلالة على صحة مخرج حديثه فيحتج به. وهو قول الامام الشافعي (٢) . القول الثالث: يقبل المرسل ويحتج به اذا كان راويه ثقة. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد، وهو مذهب كثير من المتقدمين (٣) .

стр. 74

أثر المرسل في اختلاف الفقهاء: الأرض الصلبة إذا أصابتها نجاسة مائعة ذهب الحنفية الى أن الأرض الصلبة اذا أصابتها نجاسة مائعة فلا سبيل الى تطهيرها الا بقلب اعلاها حتى يصير أسفلها (١) . واستدلوا بالمرسل الذي رواه عبد الله بن معقل بن مقرن قال: صلى اعرابي مع النبي ﷺ -بهذه القصة- (٢) ، قال فيه: وقال النبي ﷺ : ((خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه واهريقوا على مكانه)) . رواه أبو داود وقال: هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ (٣) وذهب الجمهور الى أن الصب مطهر للأرض ولا يجب الحفر (٤) . واستدلوا بما رواه أبو هريرة قال: قام اعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : ((دعوه وأهريقوا على بوله سجلا (٥) من ماء أو ذنوبا من ماء، فانما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) (٦)

стр. 75

مثال آخر: حكم زكاة مال الصبي والمجنون اختلف الفقهاء في زكاة مال الصبي والمجنون. فذهب الجمهور الى وجوب الزكاة في مالهما. (١) واحتجوا بحديث يوسف بن ماهك (٢) ، أن رسول الله ﷺ قال: ((ابتغوا في مال اليتيم أو في أموال اليتامى، لا تذهبها أو تستهلكها الصدقة)) . رواه البيهقي وهو مرسل (٣) . وهذا المرسل نموذج للمرسل الذي شرط الشافعي لقبوله أن يعتضد بواحد من أمور أربعة، فقد اعتضد هذا المرسل بثلاثة أمور من الأربعة: فالحديث روي موصولا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (٤) ، ورواه الدارقطني من طريقين آخرين (٥) . وقد اعتضد بفتيا ثلاثة من الصحابة بموجبه: عمر وعلي، وأم المؤمنين (٦) وأيضا: فان القول بموجبه هو قول جمهور الفقهاء. وذهب بعض العلماء الى انها لا تجب في مالهما.
следующие страницы →