← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7587

السنة النبوية ومكانتها - رقية نياز

رقية بنت نصر الله نياز

Полный текст (74 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: آية ١] . ْْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً, يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: الآيتان ٧٠-٧١] . أما بعد: فمما لا شك فيه أن القرآن الكريم هو أصل التشريع، ومصدره الأول، وأن السنة النبوية هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم. ولقد اْبتُلِي الإسلام في مصدره الثاني منذ نهاية القرن الأول وحتى يومنا هذا، بطوائفَ لا حظَّ لها في الإسلام، تُنْكر حجية السنة، وتثير

стр. 2

الشبهات حولها، على تفاوت منهم في هذا الإنكار، فمنهم من يَرُدُّ الأخبار من حيث هي أقوال وأفعال وتقريرات للرسول ﷺ ، ومنهم من ينكر خبر الآحاد، ومنهم من أنكر حجية السنة التي تأتي بحكم مستقل. وغيرهم كان إنكاره لحجية السنة من حيث الشكُّ في طريقها، وما يَلْحَقُ رواتها من خطأ أو وهم. فصاروا يقللون من شأن نصوص الحديث، ويحطُّون مِنْ قَدْره، وتطاولوا على رواة الحديث من الصحابة - رضوان الله عليهم - وأئمة الحديث، يقبحونهم ويصفونهم بالشناعات. واستمروا على هذه الدعاوى الباطلة حتى توصلوا إلى القول بعدم الاعتماد على السنة، ورفعوا شعار"الإسلام هو القرآن وحده". إن هذا التطاول السافر على السنة النبوية قديماً وحديثاً هدفه القضاء على الإسلام وأصوله، وإن اختلفت الطرق، والأساليب، والعبارات. ذلك أن أعداء الإسلام وجدوا في السنة المطهرة العائق الكبير الذي يحول بينهم وبين نشر سمومهم، فرفعوا هذا الشعار لتيقنهم التام بمكانة السنة في التشريع الإسلامي، سواء من حيث ثبوت حجيتها، أو من حيث قوة الأدلة التي تثبت منزلتها ومرتبتها في التشريع، وسواء من حيث بيانها وتفسيرها للقرآن الكريم، أو من حيث مكانتها في وجوب العمل بها في كل شؤون الحياة. وما يثار الآن، وما أثير قديماً حول دعوى الاستغناء عن السنة لعدم حجيتها أمر مرفوض، وقد تصدى العلماء الربانيون لهذه الشبهة ببيانها

стр. 3

والرّد عليها إجمالاً وتفصيلاً بما لا يترك مجالاً في إبطالها، وأنها مجرد أكاذيب وافتراءات للقضاء على هذا المصدر الثمين. وقصارى القول في هذا أن هذه دعاوٍ يأباها الله ورسوله، والمؤمنون، والعقل والمنطق السليم. وأن السنة النبوية مصدرٌ أساس في التشريع. وتفصيل هذا هو موضوع البحث. أما هذه الشبه الباطلة والرد عليها فلم أتعرض لها، وذلك لتخصص البحث في بيان"السنة ومكانتها من حيث: الاحتجاج، والعمل" وقد وجدت أيضا محوراً مستقلاً بهذا الشأن في موضوعات الندوة (١) . ومما ينبغي الإشارة إليه أن هذا البحث يتكون من مقدمة، وأربعة مباحث، وخاتمة، على النحو التالي: - المقدمة: في أهمية البحث، وتعريف السنة. - المبحث الأول: مكانة السنة من حيث حجيتها. - المبحث الثاني: مكانة السنة من حيث مرتبتها. - المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية. - المبحث الرابع: مكانة السنة من حيث العمل بها. "هل كل ما صدر عن الرسول ﷺ يعد تشريعاً؟ " - الخاتمة: وتتضمن أهم نتائج البحث. (١) انظر: المحور الخامس في موضوعات هذه الندوة تحت عنوان: الرد على الطعون والشبهات المثارة حول السنة والسيرة النبوية قديماً وحديثاً..

стр. 4

وقبل الولوج في بيان "مكانة السنة" لابد أن نتعرض بشيء من التفصيل لبيان مفهوم السنة؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فالسنة في معاجم اللغة معناها: هي الطريقة والسيرة مطلقاً، المحمودة والمذمومة، السيئة والقبيحة، ومن هذا المعنى العام قول الله تعالى ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) ﴾ [الأحزاب: ٦٢] . ومن هذا المعنى أيضاً قوله ﷺ : "من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها" (١) . أما إذا أضيفت (السنة) إلى رسول الله ﷺ أو إلى تشريعات الإسلام، انصرف الذهن إلى طريقته ﵇ وسيرته في تنفيذ ما بعثه الله من الحق والهدى. وكما هو معرف في معاجم اللغة (٢) أن السنة أصلاً مشتقة من الفعل الثلاثي "سنّ" تقول: "سنّ الماء إذا داوم صبه". "سنّ الإبل إذا أحسن رَعْيَهَا، والقيامَ عليها". "سنّ السكين إذا حَدَّه وصَقَله". وكذلك طريقة الرسول ﷺ وسيرته أمور داوم عليها فهي سنة. وما داوم عليه ﷺ فقد أحسن رعايته فهو سنة.

стр. 5

وما أحسن رعايته فقد خلصه علماء الحديث من كل خليط ودخيل فهو سنة مستقيمة حسنة ممدوحة. من هذه المعاني اللغوية يمكن القول بأن: السنة النبوية تعني المنهاج النبوي العام، النظري والعملي الذي جاء به ﵇ لشرح شريعة الله لتكون دستوراً للحياة، والتي أمر بها في قوله ﷺ :"فعليكم بسنتي" (١) وحذَّر من الإعراض عنها في قوله: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢) . السنة اصطلاحاً: على ضوء المعاني اللغوية السابقة عرَّف أهل العلم الربانيون السنة اصطلاحاً بتعريفات شتى، كلّ حسب تخصصه الحديثي، أو الأصولي، أو الفقهي (٣) ، ولا يعنينا هنا تتبُّع كل تلك المصطلحات والاختلافات؛ ذلك لأن هذا الاختلاف في إطلاقات السنة لفظي وغير جوهري مرجعه اختلاف الأغراض والأهداف والتخصصات التي عُني بها كل فريق من أهل العلم. ولعل الذي يفيدنا في هذا البحث المعنى الذي يبحث عن حجيَّة السنة ومكانتها في التشريع.

стр. 6

المبحث الآول: مكانة السنة من حيث حجيتها المطلب الأول: ثبوت حجية السنة بأدلة القرآن الكريم ... المبحث الأول: مكانة السنة من حيث حجيتها وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: ثبوت حجية السنة بأدلة القرآن الكريم. المطلب الثاني: ثبوت حجية السنة بالأحاديث النبوية. المطلب الثالث: ثبوت حجية السنة بإجماع الأمة. المطلب الرابع: ثبوت حجية السنة بالدليل العقلي.

стр. 7

المبحث الأول: مكانة السنة من حيث حجيتها السنة النبوية مصدر أصيل من مصادر التشريع الإسلامي وقد قامت الأدلة المعتبرة الصحيحة الصريحة من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وإجماع الأمة، وكذلك الأدلة العقلية، على إثبات حجيتها، ومكانتها في التشريع الإسلامي، وسوف نلخص إثبات حجيتها في مطالب هذا المبحث. المطلب الأول: إثبات حجية السنة النبوية بأدلة القرآن الكريم فَرَض القرآن الكريم على المسلمين بأدلة قاطعة وجوبَ قبولِ سنة النبي ﷺ على أنها مصدر تشريعي في استنباط الأحكام الشرعية، وفي هذا الصدد يقول الإمام الشافعي: "الكتاب شهد للسنة بالاعتبار" (١) . وقد نهجت الآيات القرآنية مناهج شتى في بيان حجية السنة النبوية، وتعددت فيها وسائل تؤكد على اتباعه وطاعته ﷺ ،كما تعددت فيها عبارات الوعيد والإنذار والترهيب من مخالفته والخروج عن مقتضى أوامره، وعدم الاستسلام لأحكامه (٢) ولعل أبرز هذه الوسائل هي:

стр. 8

أولاً: آيات قرآنية تثبت أنه ﷺ يبلِّغ عن الله تعالى: ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى, إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤] ، وقد علق القاضي أبو البقاء على هذه الآية بقوله: إن القرآن والحديثَ يتَّحِدان في كونهما وحياً منزلاً بدليل الآية السابقة. (١) أما الإمام ابن حزم فيؤكد ذلك قائلاً: "صح لنا بالآية السابقة أن الوحي ينقسم من الله إلى رسول الله ﷺ على قسمين: أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن. الثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف، ولا معجز، ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ ، وهو المبين عن الله مراده هنا". (٢) وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٣] . فأثبت في هذه الآية وغيرها من الآيات (٣) ، إنزال الكتاب والحكمة على رسول الله ﷺ ، وقد أكد سلف هذه الأمة أن الكتاب غير الحكمة، وأن المقصود بالكتاب: هو القرآن. والحكمة هي: السنة (٤) .

стр. 9

وبهذا نعلم أن بيان الرسول ﷺ والجزء الذي تكامل به الدين مع القرآن الكريم كان وحياً من عند الله (١) وإذا ثبت أنه وحي من عند الله، فهو إذاً حجة قاطعة في التشريع الإسلامي. ثانيا: آيات قرآنية تأمر بالإيمان برسالته ﷺ على أنحاء متعددة منها: ١ - أمر إلهي بالإيمان بالرسول ﷺ مقروناً بالإيمان بالله تعالى، ومن أمثلة هذه الصورة قوله ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . ٢ - أمر إلهي بالإيمان بالرسول ﷺ ضمناً مع رسالات الرسل السابقين، ومن أمثلة هذه الصورة قول الله تعالى ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . فاقتران الأمر بالإيمان على الوجوه السابقة يقتضي وجوب الاتباع، وهذا يعني حجية السنة في التشريع كما أكد ذلك الإمام الشافعي بقوله:

стр. 10

إن الله جعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له، الإيمان بالله ثم برسوله ﷺ ، فلو آمن عبد به ولم يؤمن برسوله، لم يقع عليه اسم كمال الإيمان ابتداءً حتى يؤمن برسوله معه. ففرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله ﷺ (١) . ثالثاً: آيات قرآنية تأمر بطاعته ﷺ وهذا الأمر جاء بصور متعددة منها: ١ - الأمر بطاعته ﷺ مقرونة بطاعة الله تعالى ومن أمثلة هذه الصورة: قول الله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] . فالملاحظ في هذه الآية، وغيرها من الآيات (٢) اقتران طاعة الرسول ﵊، بطاعته تعالى بواو العطف، ومعلوم عند علماء اللغة أن العطف بالواو يفيد مطلق الاشتراك، وهذا يعني أن طاعة الرسول ﷺ مأمور بها كطاعة الله تعالى. وأحياناً يأتي هذا الأمر مكرراً بواو العطف مع إعادة الأمر بالطاعة، ومن أمثلة هذه الصورة (٣) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] .

стр. 11

إن تكرار العامل (أطيعوا) مع حرف الواو يفيد عموم تأكيد وجوب طاعته ﷺ فيما استقل به من التشريع، كما أكد ذلك الإمام الشاطبي حين قال: "وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول ﷺ بطاعة الله، دالٌ على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه، وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن، إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله". (١) ٢ - الأمر بطاعته ﷺ ضمناً مع طاعة الرسل السابقين: ومن أمثلة هذه الصورة (٢) قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: الآية ٦٤] . ومعلوم بالضرورة أنه ﷺ أحد الرسل، وبالتالي هو داخل في حكم الطاعة المقررة للرسل عامة، بل إن طاعته آكدُ وأشد لزوماً؛ لأن شريعته عامة، ورسالته خاتمة الرسالات (٣) ، فإذا ثبت هذا كانت سنته حجة وتشريعاً واجباً إلى قيام الساعة. ٣ - الأمر بطاعته ﷺ استقلالاً: وقد سلك القرآن الكريم مسالك عدة ومتنوعة في بيان هذه الصورة، وبدلالات مختلفة، من ذلك: أ) ما جاء من الأمر بطاعته صراحة ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا

стр. 12

الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] .وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، وقد علق الحافظ ابن كثير على هذه الآية بقوله: يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله (١) ... وفي هذا إشارة إلى حجية السنة النبوية؛ لأن طاعة الرسول ﷺ لا تتحقق إلا إذا عمل بقوله واقتدى بفعله (٢) . ب) الأمر باتباعه، في قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فالله لم يأمر باتباعه -في هذه الآية الأخيرة-، بل جعل ذلك الاتباع من لوازم محبته، وبهذا يثبت أن من لم يتبع السنة النبوية، ولم ير العمل بها واجباً، فهو في دعوى محبته لله تعالى كاذبٌ، ومن كان في هذه الدعوى كاذباً، فهو في دعوى إيمانه بالله تعالىكاذب بلا مرية (٣) . ج) ومما جاء في الأمر بطاعته بطريق الدلالة، قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥] ؛ ذلك لأن

стр. 13

الحكم في الظاهر يعني الانقياد في الباطن، وهذه هي الطاعة والتسليم (١) المطلوبان لحجية السنة النبوية بطريقة غير مباشرة. ومن هذا أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] يقول الإمام ابن القيم: ((فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهباً إذا كانوا معه ﷺ إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه، وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه، وهذا من تمام الطاعة التي تؤكد حجية السنة النبوية (٢) بطريقة غير مباشرة)) . د) ما جاء في الأمر بطاعته بطريق التحذير من المخالفة قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ، فإذا حذر من مخالفته ﷺ ، فهذا يوجب طاعته، وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية ٧] . فإذا حذرسبحانه وتعالى نهى عن مخالفته فهذا يوجب الإيمان به (٣) وطاعته، وهذا تأكيد لحجية السنة النبوية. رابعا: آية قرآنية تؤكد تكفُّلَ الله تعالى بحفظ السنة النبوية، ومما

стр. 14

يدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّانَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الحجر: ٩] . والمقصود بالذكر هو: القرآن والسنة، كما أخبر بذلك غير واحد من السلف (١) ، وكل ما تكفَّل الله بحفظه هو مضمون من الزيغ، والتحريف، وكل ما ثبت سلامته حجة للعمل والاستنباط.

стр. 15

المطلب الثاني: ثبوت حجية السنة بالإحاديث النبوية ... المطلب الثاني: إثبات حجية السنة بالأحاديث النبوية نص النبي ﷺ على حجية السنة، وأكد أنها دليل من أدلة الأحكام التشريعية، وكان هذا التقرير منه ﷺ بَدَهيّا، ولاسيما بعد برهان القرآن ذلك بآيات صريحة لا تحتمل التأويل - كما بينا في المطلب السابق - ولعلنا هنا نسرد أهم الأحاديث التي تناولت إثبات حجية السنة وأنها مصدر مهم وأساس في التشريع الإسلامي، وبيان ذلك يكون من خلال النقاط التالية: أولا: أحاديث فيها دلالة صريحة على حجية السنة: وهذا في الأحاديث التي تدعو صراحة إلى الاعتصام بالسنة والتمسك بها واتخاذها منهجاً؛ لأنها صادرة من المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ومن الأمثلة على ذلك: أ) الدلالة الصريحة في وجوب التمسك بسنته ﷺ في حديث العرباض

стр. 16

ابن سارية ﵁ وقوله ﷺ : "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" (١) . ب) ومما يدل صراحة على أن السنة النبوية وحي من عند الله قوله ﷺ : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه..... الحديث " (٢) . ثانيا: أحاديث فيها دلالة تنبيهية على حجية السنة النبوية: وضابط هذا المسار وجود العبارات التي تُرَغِّب في اتباع السنة، وتحذر من المخالفة، ومن أمثلة ذلك: أ) قوله ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (٣) . فدخول الجنة والنجاة من النار مبني على طاعته ﷺ واتباع أمره؛ إذ إن طاعته واجبة وهي مصدر أساس في التشريع الإسلامي. ب) ومما يرغب في اتباع السنة، ويرهب من التفريط فيها، وصيته ﷺ في حجة الوداع وقوله:"تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي" (٤) فاذا كان اتباع السنة يوجب الأمن من

стр. 17

الضلال، فإن التفريط فيها وقوع في الضلال، وهذا يثبت حجية السنة. ج) ومما يدل على حجية السنة النبوية بدلالة التنبيه، قول النبي ﷺ : "إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة" (١) ولما سئل ﷺ عن هذه الفرقة الناجية قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (٢) . ثالثاً: أحاديث فيها إيماء وإشارة إلى حجية السنة: وهذا النوع كثير في نصوص السنة المطهرة، وضابطها أنها تشير تلميحاً لا تصريحاً إلى وجوب الاعتصام بالسنة، وهذه الإشارة إنما كانت منه ﷺ لمكانة السنة في التشريع. ومن أمثلة هذا النوع: أ) قوله ﷺ : "نضّر الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلَّغ أوعى من سامع" (٣) . ب) قوله ﷺ في حجة الوداع: "ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن

стр. 18

يبلغ من هو أوعى له منه" (١) فدخول اللام على الفعل المضارع (يبلغ) يفيد الأمر، وهذا الأمر منه ﷺ إنما كان حماية لهذا المصدر المهم من الضياع أو التحريف. ج) ومنه قوله ﷺ : " بلغوا عني ولو آية" (٢) ولم يقل ﵇ حديثاً؛ لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم منه بطريقة الأولية، لأن السنة بيان وتفسير للقرآن (٣) . د) ومما يدل على حجية السنة بطريق التلميح والإشارة قوله ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما نهيت عنه أو أمرت به فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" (٤) . يقول الإمام الشافعي مؤكداً ذلك: وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله ﷺ وإعلامهم أنه لازم لهم، وإن لم يجدوا له نفس حكم في كتاب الله لأنه شرع (٥) .

стр. 19

المطلب الثالث: ثبوت حجية السنة بإجماع الآمة ... المطلب الثالث: إثبات حجية السنة بالإجماع أجمع المسلمون من عهد رسول الله ﷺ إلى الآن على حجية السنة، وعدِّها مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي، ولم يخالف في ذلك إلا من

стр. 20

اتبع سبيل غير المؤمنين. وقد نقل هذا الإجماع جمع كثير من أهل العلم المحققين (١) ، فعلى سبيل المثال يقول العلامة القاسمي: ((انتهى العلماء المحققون إلى أن الحديث الصحيح حجة على جميع الأمة، وأيدوا رأيهم هذا بالآيات القرآنية التي تفرض على المؤمنين اتباع الرسول ﵇، والتسليم لحكمه، ورأوا مَنْ يحكي خلاف هذا المذهب غيرَ خليقٍ بالانتساب إلى العلم وأهله، وإن نسب نفسه أو نَسَبَتْه العامة إلى سعة المعرفة والتفقه في الدين)) (٢) . ويحسن بنا أن ننقل هذا الإجماع مفصلاً عن الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء وذلك من خلال ما يلي: أولاً: نصوص في وقوع الإجماع من الصحابة رضوان الله عليهم تثبت حجية السنة النبوية: كان الصحابة رضوان الله عليهم في حياته ﷺ يتبعون كل ما صدر منه في الأحكام الشرعية، لا يختلف في ذلك واحد منهم، فيقبلون بتسليم عام بأقواله، واتباع كامل لأفعاله (٣) ،ومن أمثلة ذلك:

стр. 21

أ) اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب - أو فضة - وجعل فصّه مما يلي كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، فاتخذ النّاس مثله، فلمّا رآهم قد اتخذوها رمى به، وقال: لا ألبسه أبداً. ثم اتخذ خاتماً من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة. (١) ب) ومما يدلُّ على حجية السنة بإجماع الصحابة في حياته ﷺ ما رواه البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ صلى قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم. فخرج رجل ممن صلى معه، فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِبلَ مكة، فداروا كما هم قِبلَ البيت (٢) . ج) ومما يدلُّ على وقوع الإجماع من الصحابة رضوان الله عليهم، رجوع الصدِّيق أبي بكر ﵁ في ميراث الجدة إلى السنة النبوية (٣) . د) رجوع الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ في دية العاقلة إلى السنة النبوية (٤) . وكان ﵁ يقول: ((سيأتي قوم يجادلوكم

стр. 22

بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله)) (١) . ?) قضاء عثمان بن عفان ﵁ بالسنة النبوية، في بيان مكان مكوث المرأة المتوفى عنها زوجها، أثناء العدة (٢) . ثانياً: وقوع الإجماع من التابعين: سلك التابعون مسلك الصحابة - رضوان الله عليهم - في لزوم سنة النبي ﷺ ، فعلى سبيل المثال: أ) يقول الإمام مطرف بن عبد الله بن الشخير: والله ما نريد بالقرآن بدلاً ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا (٣) . يقصد به رسول الله ﷺ . ب) وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول: إن رأس القضاء اتِّباعُ ما في كتاب الله، ثم القضاء بسنة رسول الله ﷺ (٤) . ج) أما الإمام إسحاق بن راهويه فكان يقول: مَنْ بلغه عن رسول الله

стр. 23

صلى الله عليه وسلم خبر يقر بصحته، ثم ردَّه بغير تقية، فهو كافر (١) . ثالثاً: وقوع الإجماع من الأئمة المجتهدين: كان الأئمة الأربعة من أشد الناس تمسكاً بالحديث إذا ثبت عندهم لا يعدلون عنه إلى قول أحد من الناس، فعلى سبيل المثال: أ) يقول الإمام أبو حنيفة ﵁: "إياكم والقول في دين الله تعالى بالرأي وعليكم باتباع السنة، فمن خرج عنها ضَلَّ" (٢) . ب) وكان الإمام مالك ﵁ يقول: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وما جاء من نبيكم، وإن لم تفهموا المعنى فسلِّموا لعلمائكم ولا تجادلوهم، فإن الجدال في الدين من بقايا النفاق" (٣) . ج) أما الإمام الشافعي فيؤكد ذلك قائلاً: يسقط كلُّ شيءٍ مخالف أمر النبي ﷺ ، ولا يقحم معه رأي، ولا يقاس، فإن الله قطع العذر بقوله ﷺ " (٤) . د) أما الإمام أحمد فكان يقول: أولأحد كلام مع رسول الله ﷺ (٥) ؟!.

стр. 24

المطلب الرابع: ثبوت حجية السنة بالدلبل العقلي ... المطلب الرابع: العقل والحس والمشاهدة وهي أمارات تدل على حجية السنة وتدل على أنَّ ما أجمل من القرآن الكريم تبيِّنه السنة وتفصله؛ فمثلاً فرض الله على الناس في القرآن الكريم عدة

стр. 25

فرائض مجملة غير مبينة، لم تفصل في القرآن أحكامها، ولا كيفية أدائها، فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧] ، و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] . ولم يبين كيف تقام الصلاة وتؤتى الزكاة ويؤدَّى الصوم والحج. ولكن الرسول ﷺ بين هذا الإجمال بسنته القولية والعملية؛ لأن الله منحه سلطة هذا التبيين بقوله عز شأنه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ، فلو لم تكن هذه السنة البيانية حجة على المسلمين، وقانوناً واجباً اتباعه، ما أمكن تنفيذ فرائض القرآن ولا اتباع أحكامه. فالعقل والحس والمشاهدة أمارات دالة على ضرورة السنة وحجيتها، ووجوب اتباعها، وهذه السنن البيانية إنما وجب اتباعها من جهة أنها صادرة عن الرسول ﷺ ورويت عنه بطريق يفيد القطع بورودها عنه، أو الظن بورودها، فكل سنة تشريعية صَحَّ صدورُها عن الرسول ﷺ فهي حُجَّة واجبةُ الاتباع (١) .

стр. 26

المبحث الثاني:مكانة السنة من حيث مرتبتها المطلب الأول: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بإدلة القرآن الكريم ... المبحث الثاني: مكانة السنة من حيث مرتبتها وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بأدلة القرآن الكريم المطلب الثاني: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بالأحاديث النبوية المطلب الثالث: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بالإجماع المطلب الرابع: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بالمعقول

стр. 27

المبحث الثاني: مكانة السنة النبوية من حيث المرتبة أثبتنا في المبحث السابق - بما لا يدع مجالاً - للشك حجية السنة، وأنها مصدر وأصل يقصد في استنباط الأحكام الشرعية، وذلك للآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة والإجماع الأكيد من جمهور المسلمين على مرّ العصور. وهذه الحجية الثابتة تأتي متأخرة عن القرآن الكريم، فمرتبتها تلي مرتبة القرآن، بمعنى أن الباحث إذا لم يجد في القرآن الكريم رأي الشرع فيما يريد معرفته من أحكام لجأ إلى السنة يبحث فيها عما يريد (١) . لهذا نسمع ونردد أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع. وإثبات حجيتها مصدراً ثانياً يكون من خلال آيات القرآن، ونصوص الأحاديث، وإجماع الأمة، وأخيراً الدليل العقلي. المطلب الأول: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بأدلة القرآن الكريم كل الآيات التي دعت إلى طاعة رسول الله ﷺ ، واتباع النور الذي جاء به كانت مشروطةً بالإيمان بالله وطاعته قبل ذلك (٢) فعلى سبيل

стр. 28

المثال: أ - يقول في بيان ذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] . ب – وقوله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . فالدلالة واضحة في الآية لأن الرد إلى الله يعني الرجوع إلى كتابه، وهو القرآن الكريم. والرد إلى رسوله ﷺ يعني: الرّد إلى سنة رسوله ﷺ ، والدلالة واضحة كما ذكره أهل العلم الذين يُعتد بقولهم (١) .

стр. 29

المطلب الثاني: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالأحاديث النبوية إن النصوص النبوية أشارت بالفعل إلى عدّ السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، وقد أشرنا إلى ما نحن بصدد إثباته الآن سابقاً (٢) ولا ضير أن نؤكد منهج النبي ﷺ في هذا الاعتقاد من خلال حواره مع معاذ ابن جبل ﵁ لما بعثه إلى اليمن فقد ذكرت الروايات أنه ﷺ لما

стр. 30

بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن وقال له: "ماذا تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال معاذ: فضرب رسول الله ﷺ صدري، وقال: الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي الله" (١) .

стр. 31

المطلب الثالث: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالإجماع نقل إجماع السلف على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع غير واحد من أهل العلم، فعلى سبيل المثال: يقول الدكتور أبو السعود موسى: "أجمع المسلمون من عهد رسول الله ﷺ إلى الآن على الاعتداد بالسنة واعتبارها مصدراً من مصادر الالتزام الشرعية يتم الرجوع إليه بعد الرجوع إلى القرآن الكريم وعدم وجود الحكم المراد معرفته فيه" (٢) .

стр. 32

ويؤكد الدكتور محمد لقمان هذه المنزلة للسنة بقوله: "الأخبار والآثار المذكورة في مرتبة السنة من كتاب الله، وإن كان أكثرها متكلماً فيها إلا أن المجموع يفيد بأن الرسول ﷺ والصحابة الأجلاء كانوا يعدُّون السنة في المرتبة الثانية من القرآن، فالمقطوع به في المسألة أن السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار" (١) . والآثار التي تثبت هذا الإجماع كثيرة سبق بيانها، (٢) منها على سبيل المثال: أ -كتاب عمر ﵁ إلى شُرَيح، وقولُه: "إذا أتاك أمر بما في كتاب الله فاقض بما في كتاب الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله، فاقض بما سَنَّ فيه رسول الله ﷺ ". ب -ومن هذا قول ابن مسعود ﵁: "من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإنْ جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ " (٣) .

стр. 33

الطلب الرابع: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالمعقول ... المطلب الرابع: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالمعقول إن الدليل العقلي من الأدلة التي يعتدّ بها شرعاً في الإقناع، وقد أعلى سبحانه من شأن العقل في مواضع عديدة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] ، كما أمر سبحانه بإعمال العقل في التفكر والتدبر، ومن ثم الوصول إلى الحقيقة، وذلك في مجالات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] . لهذا كان من المهم ونحن نثبت السنة مصدرًا ثانيًا من مصادر التشريع الإسلامي أن نشير إلى الدليل العقلي الذي اشتمل على وجهين: الوجه الأول: إن القرآن الكريم مقطوع به جملة وتفصيلاً، والقطع في السنة إنما يصح في الجملة لا في التفصيل، وذلك أن آيات القرآن الكريم متواترة عن الرسول ﷺ عن جبريل ﵇، عن رب العزة جل وعلا، معنى ذلك: أن جملة القطع جاءت من كون جميعه متواتراً من عند الله ، أما تفصيل القطع فلأن كل آية من آياته تثبت بالتواتر بأنها من عند الله تعالى، بخلاف السنة، فإنَّ ما فيها من القطع في الحديث المتواتر في الجملة فقط، وهو قليل، والمظنون فيها كثير، والمعروف عقلاً أن المقطوع به مقدم على المظنون، فلزم من ذلك تقديم القرآن على السنة.

стр. 34

الوجه الثاني: إن السنة إمَّا بيانٌ للكتاب، أو زيادة على ذلك. فإن كانت بياناً فهي ثانية على المبيَّن في الاعتبار، إذ يلزمُ من سقوط المبيَّن سقوطُ البيان، ولا يلزم العكس، وما شأنه هذا فهو أولى في التقدُّم، هذه واحدة، والأخرى: إن لم تكن بياناً فلا يعتد بها إلا بعد ألا يوجد الحكم في الكتاب، وهذا دليل على تقدم اعتبار القرآن الكريم على السنة (١) .

стр. 35

المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم ... المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم المطلب الثاني: السنة مبينة لمجمل القرآن الكريم المطلب الثالث: السنة مخصصة لعام القرآن الكريم المطلب الرابع: السنة مقيدة لمطلق القرآن الكريم المطلب الخامس: السنة تثبت أحكاما سكت عنها القرآن الكريم المطلب السادس: السنة ناسخة لأحكام ثابتة في القرآن الكريم

стр. 36

المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية تزخر السنة بالأحكام التشريعية مع تباين أنواعها، واختلاف أحكامها، فنجدها إما أن تكون مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم، أو مبينة لمجمل القرآن الكريم، أو مخصصة لعام القرآن الكريم، أو مقيدة لمطلق القرآن الكريم، أو ناسخة لحكم ثابت في القرآن الكريم، أو مثبتة لحكم سكت عنه في القرآن الكريم. وسوف نبين ذلك من خلال المطالب الآتية: المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم تأتي السنة مقررة ومؤكدة لحكم جاء في القرآن الكريم، فيكون الحكم له مصدران، وعليه دليلان: دليل مثبت من آي القرآن، ودليل مؤيد من سنة رسول الله ﷺ . ومن أمثلة ذلك: قول الرسول ﷺ "لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه" (١) ؛ وذلك لشدة ما حرم رسول الله ﷺ من مال المسلم على المسلم، فإن هذا الحديث يؤكد ويقرر ما جاء في القرآن الكريم

стр. 37

من نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وقول الرسول ﷺ "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله وَاسْتحْلَلْتمْ فروجهن بكلمة الله" (١) فهذا الحديث يؤكد ويقرر ما جاء في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] والأمثلة أكثر من أن تحصر. فهناك كثير من الأحكام دلت عليها آيات القرآن الكريم، وأيدتها السنة، من هذه الأحكام: الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك من المأمورات والمنهيات التي دلَّت عليها آيات القرآن الكريم، وأيدتها سنن رسول الله ﷺ ، ويقام الدليل عليها منهما (٢) .

стр. 38

المطلب الثاني: السنة مبينة لمجمل القرآن الكريم واللفظ المجمل هو اللفظ الذي لا يعلم المراد منه بنفس صيغته، ويتوقف فهمه ومعرفة المراد منه على أمر خارج عنه، كلفظ الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٨٣] . إن هذا لفظ لا يعرف

стр. 39

المراد منه، ولا يعلم المطلوب منه؛ لأن إقامة الصلاة قد تحصل بفعل صلاة واحدة، أو عدد من الصلوات وقد تحصل بطرائق مختلفة، وفي أوقات متعددة، ومعلوم أن التكليف بالصلاة أو بغيرها لا يكون مبهماً وغامضاً، وإنما يكون واضحاً ومعلوماً. وبالتالي فهذا اللفظ ﴿الصَّلاةَ﴾ مبهم وغامض ولا يعرف المراد منه من الصيغة نفسها، أي: من هذا اللفظ وأسلوبه، وإنما يعرف بالرجوع إلى أمر شرعي آخر، هذا الأمر الشرعي الذي بين المراد من لفظ الصلاة هو السنة النبوية الشريفة. وهي: أقواله وأفعاله وتقريراته التي وضحت المقصود من الصلاة، وبينت كيفيتها، ووقتها، وشروطها، وأركانها، ومندوباتها، وغير ذلك مما هو معروف في أحكام الصلاة. وكذلك لفظ ﴿الزَّكَاةَ﴾ في قوله تعالى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ هو لفظ مجمل لا يعرف المطلوب منه على وجه التحديد والضبط، وعلى سبيل التفصيل والتفريع لذلك بينته السنة النبوية، ووضحته، وذكرت تفصيلاته، وتعريفاته، وكيفية شروطه، وغير ذلك (١) . فهناك كثير من الأحاديث بينت الإجمال في كثير من الآيات. كالأحاديث التي بينت مواقيت الصلاة، وأعداد ركعاتها، والأحاديث التي بينت الأموال التي تجب فيها الزكاة، والأموال التي لا تجب فيها، والمقدار الواجب إخراجه. فإن هذه الأحاديث تعدّ مبينة للإجمال في آيات الصلاة، وآيات الزكاة وهذا عام في كثير من أحكام التشريع.

стр. 40

المطلب الثالث: السنة مخصصة لعام القرآن الكريم واللفظ العام: هو اللفظ الذي يشمل جميع أفراده التي وضع لأجلها. مثل لفظ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو لفظ عام يشمل المؤمنين جميعهم، وكافتهم، ولا يقتصر على المؤمنين في العصر النبوي، أو الذين آمنوا من الرجال دون النساء. واللفظ العام يرد ذكره في القرآن الكريم، وقد يراد به أحياناً العموم والشمول لجميع أفراده. وقد يراد به أحياناً بعض الأفراد فقط. ولذلك فإن معرفة المراد من العموم، وجميع الأفراد، وبعضهم، يتحدد من قبل السنة النبوية الشريفة. وهناك في القرآن الكريم نصوص كثيرة وردت في القرآن عامة، ثم جاءت السنة وقصرت هذا العموم على بعض الأفراد، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فالآية عامة في إحلال ما وراء ذكر المحرمات في صور الآية، ثم جاءت السنة وخَصَّصت هذا العموم وقصرته على بعض أفراده، بقوله: ﷺ "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (١) .
следующие страницы →