← Фикх шафии

Фикх шафии · id 7589

التنبيه في الفقه الشافعي

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (261 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة المؤلف]: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حقَّ حمده، وصلاته على محمد خيرِ خلقه، وعلى آله وصحبه. هذا كتابٌ مختصرٌ في أصولِ مذهب الشافعيِّ ﵁، إذا قَرَأَهُ المبتدي وتصوَّرَه تنبَّه به على أكثر المسائل، وإذا نظر فيه المنتهي تذكَّر به جميع الحوادث إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل، وإياه أسأل أن ينفع به، إنه قريب مجيب.

стр. 2

كتاب الطهارة: باب المياه: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١). ولا يجوز رفع حدث ولا إزالة نجس إلا بالماء المطلق، وهو ما نزل من السماء أو نبع من الأرض على أي صفةٍ كان من أصل الخلقة. وتُكره الطهارة بماء قُصِد إلى تشميسه، وإذا تغيّر الماء بمخالطة طاهرٍ يستغني الماء عنه -كالزعفران، والأُشنان (٢) - لم تجز الطهارة به، وإن تغيّر بما (٣) لا يختلط به -كالدهن, والعود- جازت الطهارة به في أحد القولين. وإن وقع في ماء دون القلتين نجاسة لا يدركها الطرْف لم تنجِّسْه, وقيل: تنجِّسه، وقيل: فيه قولان، وإن كان مما يدركها الطرْف؛ فإن كانت ميتة لا نفس لها سائلة لم تنجِّسه في أحد القولين، وهو الأصلح للناس، وتنجِّسه في الآخر، وهو القياس. وإن كان غير ذلك من النجاسات نجّسه، وإن كان الماء قلتين ولم يتغير فهو طاهر. وإن تغيّر فهو نجس، وإن زال التغير بنفسه أو بماء طهُر, وإن زال بالتراب ففيه قولان: أصحهما: أنه يطهر. وقال في القديم: إن كان الماء جاريًا لم ينجس إلا بالتغير. وما تطهر به من حدث فهو طاهر غير مطهر في أظهر القولين، فإن بلغ قلتين جازت الطهارة به، وقيل: لا تجوز.

стр. 3

باب الآنية: تجوز الطهارة من كل إناء طاهر إلا ما اتُخِّذَ من ذهب أو فضة؛ فإنه يحرم استعماله في الطهارة وغيرها، فإن تطهر منه صحت طهارته. وهل يجوز اتخاذه؟ فيه وجهان، وما اتخذ من بلور أو ياقوت ففيه قولان: أظهرهما: أنه لا يحرم. وما ضُبب بالفضة إن كان قليلا للحاجة لم يكره، وإن كان للزينة كره، وإن كان كثيًرا للحاجة كُره، وإن كان للزينة حرُم. وقيل: إن كان في موضع الشرب حرم، وإن كان في غيره لم يحرم. وقيل: لا يحرم بحال. ويستحب أن تحمر الآنية، فإن وقع في بعضها نجاسة واشتبه عليه تحرى وتوضأ بالطاهر على الأغلب عنده. وقيل: إن كان معه ماء يتيقن طهارته لم يتحر، وإن اشتبه ذلك على الأعمى ففيه قولان: أحدهما: يتحرى. والثاني: لا يتحرى. ومن اشتبه عليه ماء وبول أراقهما، وتيمم. باب السواك: السواك سنة عند القيام إلى الصلاة، وعند كل حالٍ يتغير فيها الفم من أزم (١) وغيره. ويكره للصائم بعد الزوال. ويستحب أن يستاك بعود من أراك. وأن يستاك بيابس قد نُدِّي بالماء، والمستحب أن يستاك عرضا، ويدهن غِبًّا (٢)، ويكتحل وترًا، ويقلم الظفر، وينتف الإبط، ويحلق العانة، ويقص الشارب، ويُكره القزع (٣). ويجب الختان.

стр. 4

باب صفة الوضوء: إذا أراد الوضوء نوى رفع الحدث، أو الطهارة للصلاة, أو الطهارة لأمر لا يُستباح إلا بالطهارة؛ كمس المصحف وغيره، ويستصحب النية إلى آخر الطهارة. ويُسمي الله تعالى. ويغسل كفيه ثلاثًا، فإن كان قد قام من النوم كُره أن يغمس كفيه في الإناء قبل أن يغسلهما ثلاثا. ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثا، يجمع بينهما في أحد القولين بغرفة. وقيل: بثلاث غرفات، ويفصل بينهما في الآخر بغرفتين. وقيل: بست غرفات. ويُبالغ فيهما إلا أن يكون صائمًا فيرفق. ثم يغسل وجهه ثلاثًا، وهو ما بين منابت شعر الرأس ومنتهى اللحيين والذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، فإن كان عليه شعر كثيف لم يلزمه غسل ما تحته، ويستحب أن يخلل الشعور إلا الحاجب والشارب والعنفقة (١) والعذار (٢)؛ فإنه يجب غسل ما تحتها وإن كثف الشعر عليها، وفيما نزل من اللحية عن الذقن قولان: أحدهما: يجب إفاضة الماء على ظاهره. والثاني: لا يجب. ثم يغسل يديه ثلاثًا، ويجب إدخال المرفقين في الغسل، فإن كان أقطع من فوق المرفق استحب له أن يمس الموضع ماء. ثم يمسح رأسه فيبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب باليدين إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ويفعل ذلك ثلاثًا. ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما بماء جديد ثلاثًا، ويأخذ لصماخيه ماء جديدًا. ثم يغسل رجليه ثلاثًا، ويلزمه إدخال الكعبين في الغسل، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويخلل بين أصابعه، ويستحب إذا فرغ من الوضوء أن يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله"، وأن لا ينفض يديه، ولا ينشف أعضاءه، وأن لا يستعين في وضوئه بأحد، وإن استعان جاز.

стр. 5

باب فروض (١) الوضوء، وسننه: وفروض الوضوء ستة: النية عند غسل الوجه. وغسل الوجه. وغسل اليدين. ومسح القليل من الرأس. وغسل الرجلين. والترتيب على ما ذكرناه. وأضاف إليه في القديم التتابع، فجعله سابعًا. وسننه عشرة: التسمية. وغسل الكفين. والمضمضة. والاستنشاق. ومسح جميع الرأس. ومسح الأذنين. وتخليل اللحية الكثة. وتخليل أصابع الرجلين. والابتداء باليمنى. والطهارة ثلاثًا ثلاثًا. باب المسح على الخفي ن: ويجوز المسح على الخف في الوضوء للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة. وابتداء المدة من حين يحدث بعد لبس الخف، فإن مسح في الحضر ثم سافر، أو مسح في السفر ثم أقام؛ أتم مسح مقيم، وإن شك في وقت المسح أو في انقضاء مدة المسح بنى الأمر على ما يوجب الغسل. ولا يجوز المسح إلا أن يلبس الخف على طهارة كاملة. ولا يجوز إلا على خف ساتر للقدمين يمكن متابعة المشي عليه. وفي المسح على الجرموقين (٢) قولان: أحدهما: يجوز. والثاني: لا يجوز. والسنة أن يمسح أعلى الخف وأسفله؛ فيضع يده اليمنى على موضع الأصابع، واليسرى تحت عقبه، ثم يمر اليمنى إلى ساقه، واليسرى إلى موضع الأصابع، فإن اقتصر على مسح القليل من أعلاه أجزأه، وإن اقتصر على ذلك من أسفله لم يجزئه على ظاهر المذهب، وإن ظهرت الرجل، أو انقضت مدة المسح وهي على طهارة المسح؛ غسل القدمين في أصح القولين، واستأنف الوضوء في الآخر.

стр. 6

باب ما ينقض الوضوء: وهو أربعة: أحدها (١): الخارج من السبيلين؛ نادرًا كان أو معتادًا، فإن انسد المخرج المعتاد وانفتح مخرج دون المعدة انتقض الوضوء بالخارج منه، وإن انفتح فوق المعدة ففيه قولان. وإن لم ينسد المعتاد لم ينتقض الوضوء بالخارج من فوق المعدة، وفيما تحتها وجهان. والثاني: زوال العقل إلا النوم قاعدًا مفضيا (٢) بمحل الحدث إلى الأرض. والثالث: أن يقع شيء من بشرته على بشرة امرأة أجنبية، فإن وقع على بشرة ذات رحم محرم ففيه قولان. وفي الملموس قولان. والرابع: مس فرج الآدمي بباطن الكف، وإذا تيقن الطهارة وشكّ في الحدث بنى على يقين الطهارة. وإن تيقن الحدث وشكّ في الطهارة بنى على يقين الحدث. وإن تيقن الطهارة والحدث وشكّ في السابق منهما نظر فيما كان قبلهما؛ فإن كان حدثًا فهو متطهر، وإن كان طهارة فهو محدث. ومن أحدث حرُم عليه الصلاة، والطواف، ومسّ المصحف، وحمله. باب الاستطابة: إذا اراد قضاء الحاجة؛ فإن كان معه شيء فيه ذكر الله نحّاه. ويقدم رجله اليسرى في الدخول، واليمنى في الخروج. ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (٣). ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. وينصب رجله اليمنى، ويعتمد على اليسرى. ولا يتكلم. فإذا انقطع البول مسح بيده اليسرى من مجامع العروق إلى رأس الذكر، ثم ينتر ذكره. ويقول إذا فرغ: "غفرانك، الحمد لله الذي أخرج عني الأذى وعافاني". وإن كان في الصحراء أبعد، واستتر عن العيون، وارتاد موضعًا للبول. ولا يبول في ثقب، ولا

стр. 7

سرب (١)، ولا تحت الأشجار المثمرة، ولا في قارعة الطريق، ولا في ظل, ولا يستقبل الشمس والقمر، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. وإن أراد الاستنجاء بالماء انتقل إلى موضع آخر. والاستنجاء واجب من البول والغائط، والأفضل أن يكون قبل الوضوء, فإن أخّره إلى ما بعده أجزأه، وإن أخّره إلى ما بعد التميم لم يجزئه. وقيل: يجزئه. والأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فإذا أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل، وإن اقتصر على الحجر أجزأه، وإن انتشر الخارج إلى باطن الألية ففيه قولان: أصحهما: أنه يجزئه الحجر, وإن انتشر البول لم يجزئه إلا الماء. وقيل: فيه قولان: أحدهما: يجوز فيه الحجر ما لم يجاوز موضع القطع. والثاني: لا يجزئه إلا الماء. فإن كان الخارج دمًا أو قيحًا ففيه قولان: أحدهما: لا يجزئه إلا الماء. والثاني: يجزئه الحجر، وإن كان الخارج حصاة لا رطوبة معها لم يجب الاستنجاء منه في أحد القولين، ويجب في الآخر. وإذا استنجى بالحجر لزمه إزالة العين, واستيفاء ثلاث مسحات؛ إما بحجر له ثلاثة أحرف، أو بأحجار ثلاثة. والمستحب أن يمر حجرًا من مقدم الصفحة اليمنى إلى أن يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثاني من مقدم الصفحة اليسرى إلى أن يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثالث على الصفحتين والمسربة (٢) جميعا. ولا يستنجي بنجس, ولا مطعوم -كالعظم، وجلد المذكى قبل الدباغ-، ولا بما له حرمة، فإن استنجى بشيء من ذلك لم يجزئه، ولا يستنجي بيمينه، فإن فعل ذلك أجزأه. باب ما يوجب الغسل: ويجب الغسل على الرجل من شيئين: من خروج المني، ومن إيلاج الحشفة

стр. 8

في الفرج. ويجب على المرأة من خروج المني، ومن إيلاج الحشفة في الفرج, ومن الحيض والنفاس. وقيل: يجب عليها أيضا من خروج الولد. وقيل: لا يجب. وإن شكّ هل الخارج من ذكره مني أو مذي فقد قيل: يلزمه الوضوء دون الغسل، ويحتمل عندي أنه يلزمه الغسل. ومن أجنب حرم عليه الصلاة، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، وحمله، واللبث في المسجد. باب صفة الغسل: ومن أراد الغسل نوى الغسل من الجنابة، أو الحيض، أو نوى الغسل لاستباحة ما لا يستباح إلا بالغسل. ويتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه، ويخلل أصول شعره، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويدلك ما وصل إليه يده من بدنه، ويفعل ذلك ثلاثًا، فإن كانت امرأة تغتسل من الحيض استحب لها أن تتبع أثر الدم فرصة من المسك (١)، فإن لم تجد فطيبًا غيره، فإن لم تجد فالماء كافٍ، والواجب من ذلك: النية، وإيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة. وسننه: الوضوء. والدلك. والتكرار. والمستحب أن لا ينقص الماء في الغسل عن صاعٍ، ولا في الوضوء عن مدٍّ (٢) اقتداء برسول الله ﷺ ، وإن نقص عن ذلك وأسبغ (٣) أجزأه. وإن وجب عليه وضوء وغسل أجزأه الغسل على ظاهر المذهب. وإن اجتمع على المرأة غسل جنابة وغسل حيض فاغتسلت لأحدهما أجزأها عنهما. ومن نوى غسل الجمعة لم يجزئه عن الجنابة. ومن نوى غسل الجنابة لم يجزئه عن الجمعة في أصح القولين.

стр. 9

باب الغسل المسنون: وهو اثنا عشر غسلا: غسل الجمعة. وغسل العيدين. وغسل الكسوفين. وغسل الاستسقاء. والغسل من غسل الميت. وغسل الكافر إذا أسلم. وغسل المجنون إذا أفاق. والغسل للإحرام. والغسل لدخول مكة. والغسل للوقوف بعرفة. والغسل للرمي. والغسل للطواف. باب التيمم: ويجب التيمم عن الأحداث كلها إذا عجز عن استعمال الماء، ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق بالوجه واليدين, فإن خالطه جص (١) أو رمل لم يجز التيمم به. وإذا أراد التيمم فإنه يُسمي الله ، ويضرب يديه على التراب، ويفرّق أصابعه، وينوي استباحة الصلاة، ويمسح وجهه، ثم يضرب أخرى فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمنى، ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع (٢) قبض أطراف أصابعه، وجعلها على حرف الذراع، ثم يمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع، ويمره عليه، ويرفع إبهامه، فإذا بلغ الكوع أمرّ إبهام يده اليسرى على إبهام يده اليمنى، ثم يمسح بيده اليمنى يده اليسرى مثل ذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين على الأخرى، ويخلل بين أصابعهما. والواجب من ذلك: النية. ومسح الوجه واليدين بضربتين فصاعد، أو ترتيب اليد على الوجه. وسننه: التسمية. وتقديم اليمنى على اليسرى. ولا يجوز التيمم لمكتوبة إلا بعد دخول الوقت وإعواز الماء، أو الخوف من استعماله، فإن أعوزه الماء، أو وجده وهو

стр. 10

يحتاج إليه للعطش لزمه طلبه فيما قرب منه، فإن بدل له، أو بيع منه بثمن المثل؛ لزمه قبوله. وإن دُلّ على ماء بقربه لزمه قصده ما لم يخش الضرر في نفسه أو ماله، فإن لم يجد وكان على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت فالأفضل أن يؤخره، وإن كان على إياس من وجوده فالأفضل أن يقدمه، وإن كان يرجو ففيه قولان: أصحهما: أنّ التقديم أفضل. وإن وجد بعض ما يكفيه استعمله، ثم يتيمم للباقي في أحد القولين، ويقصر على التيمم في القول الآخر، فإن تيمم وصلى، ثم علم أن في رحله، أو حيث يلزمه طلبه (١)؛ أعاد في ظاهر المذهب. وإن تيمم ثم رأى الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه، وإن كان بعد الفراغ منها أجزأته صلاته إن كان مسافرًا، ويلزمه الإعادة إن كان حاضرًا، وإن رأى الماء في أثنائها أتمها إن كانت الصلاة مما يسقط فرضها بالتيمم, وتبطل إن لم يسقط فرضها بالتيمم. وإن خاف من استعمال الماء التلف لمرضٍ تيمم، وصلى، ولا إعادة عليه، وإن خاف الزيادة في المرض ففيه قولان: أصحهما: أنه يتيمم، ولا إعادة عليه. وإن خاف من شدة البرد تيمم، وصلّى، وأعاد إن كان حاضرًا، وإن كان مسافرًا أعاد في أحد القولين، ولم يعد في الآخر. وإن كان في بعض بدنه قرح يمنع استعمال الماء غسل الصحيح، وتيمم عن الجريح في الوجه واليدين، وصلّى، ولا إعادة عليه. ولا يصلي بتيمم واحدٍ أكثر من فريضة وما شاء من النوافل، ومن تيمم للفرض صلّى به النفل، ومن تيمم للنفل لم يصل به الفرض. ومن لم يجد ماء ولا ترابًا صلّى الفريضة وحدها، وأعاد إذا قدر على أحدهما. وإذا وضع الكسير الجبائر على غير طهرٍ وخاف من نزعها التلف مسح عليها، وأعاد الصلاة، وإن وضعها على طهر مسح، وصلّى، وفي الإعادة قولان. وهل (٢) يضم إلى المسح التيمم؟ فيه قولان. باب الحيض: أقل سن تحيض فيه المرأة: تسع سنين. وأقل الحيض: يوم وليلة. وأكثره:

стр. 11

خمسة عشر يومًا. وغالبه: ست أو سبع. وأقل طهر فاصل بين الحيضتين: خمسة عشر يومًا. ولا حدّ لأكثره، وإن رأت يومًا طهرًا ويومًا دمًا ففيه قولان: أحدهما: تضم الطهر إلى الطهر، والدم إلى الدم. والثاني: لا تضم، بل الجميع حيض. وفي الدم الذي تراه الحامل قولان: أصحهما: أنه حيض. والثاني: أنه استحاضة. وإذا انقطع دم المرأة لزمانٍ يصح فيه الحيض فهو حيض، وإن عبر الدم الأكثر؛ فإن كانت مميزة -وهي التي ترى في بعض الأيام دمًا أسود، وفي بعضها دمًا أحمر- كان حيضها أيام الدم الأسود. وإن كانت غير مميزة، ولها عادة؛ كان حيضها أيام العادة. وإن لم تكن مميزة، ولا لها عادة -وهي المبتدأة- ففيها قولان: أحدهما: أنها تحيض أقل الحيض. والثاني: تحيض غالب الحيض. وإن كانت لها عادة فنسيت عددها ووقتها ففيها قولان: أحدهما: أنها كالمبتدأة. والثاني -وهو الصحيح-: أنه لا يطؤها الزوج، وتغتسل لكل فريضة، وتصوم شهر رمضان، ثم تصوم شهرًا آخر؛ فيصح لها من ذلك ثمانية وعشرون يومًا، ثم تصوم ستة أيام من ثمانية عشر يومًا؛ ثلاثة في أولها، وثلاثة في آخرها؛ فيصح لها منها ما بقي من الصوم. وإن كانت ناسية للوقت، ذاكرة للعدد، أو ناسية للعدد، ذاكرة للوقت؛ فكل زمانٍ تيقنَّا فيه حيضها جعلناها فيه حائضًا، وكل زمان تيقنَّا طهرها جعلناها طاهرًا، وكل زمان شككنا فيه جعلناها في الصلاة طاهرًا، وفي الوطء حائضًا، وكل زمان احتمل انقطاع الدم فيه أمرناها بالغسل. وإذا حاضت المرأة حرُم الاستمتاع بها فيما بين السرة والركبة. وقيل: يحرم الوطء في الفرج وحده. والمذهب الأول. وحرم عليها الصلاة، وسقط عنها فرضها. وحرم عليها الصوم، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، وحمله، والجلوس في المسجد، وقيل: يحرم العبور فيه. وقيل: لا يحرم. وإذا انقطع الدم ارتفع تحريم الصوم، ويبقى سائر المحرمات إلى أن تغتسل. وأقل النفاس: مجة. وأكثره: ستون يومًا. وغالبه: أربعون يومًا. وإذا عبر الدم الأكثر فهو كالحيض في الرد إلى التمييز والعادة والأقل والغالب. وإذا نفست المرأة حرم عليها ما يحرم على الحائض، ويسقط عنها ما يسقط عن الحائض. وتغسل المستحاضة فرجها، وتعصبه، وتتوضأ

стр. 12

لكل فريضة، ولا تؤخر بعد الطهارة الاشتغال بأسباب الصلاة والدخول فيها، فإن أخرت ودمها يجري استأنفت الطهارة، وإن انقطع دمها في أثناء الصلاة استأنفت الطهارة والصلاة. وقيل: تمضي فيها. وحكم سلس البول وسلس المذي حكم المستحاضة. باب إزالة النجاسة: والنجاسة هي: البول، والغائط، والمذي، والودى. وقيل: ومني غير الآدمي. وقيل: ومني ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي، والدم، والقيح، والقيء، والخمر، والنبيذ، والكلب، والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما، والميتة إلا السمك والجراد، والآدمي في أصح القولين، وما لا يؤكل لحمه إذا ذبح، وشعر الميتة، وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حال حياته، ولبن ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي، والعلقة في أحد الوجهين، ورطوبة فرج المرأة في ظاهر المذهب، وما ينجس بذلك. ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان: الخمر؛ فإنها إذا انقلبت بنفسها خلًّا طهرت، وإن خُللت لم تطهر. وجلد الميتة سوى الكلب والخنزير إذا دبغ فإنه يطهر، ويحل بيعه في أحد القولين. وإذا ولغ الكلب أو الخنزير أو ما تولد منهما في إناء لم يطهر حتى يُغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، فإن غسل بدل التراب بالجص والأُشنان ففيه قولان: أصحهما: أنه يطهر، وإن غسل بالماء وحده ففيه وجهان: أحدهما: أنه يطهر. والثاني: لا يطهر. ويجزئ في بول الغلام الذي لم يطعم النضح، ويجزئ في غسل سائر النجاسات -كالبول، والخمر، وغيرهما- المكاثرة بالماء إلى أن يذهب أثره، والأفضل أن يغسلها ثلاثًا. وما لا يزول أثره بالغسل -كالدم وغيره إذا غسل وبقي أثره- لم يضره. وما غسل به النجاسة ولم يتغير فهو طاهر. وقيل: هو نجس. وقيل: إن انفصل وقد طهر المحل فهو طاهر، وإن انفصل ولم (١) يطهر المحل فهو نجس.

стр. 13

كتاب الصلاة: ويجب فرض الصلاة على كل بالغ، عاقل، طاهر، مسلم، فأمّا الصبي، ومن زال عقله بجنون أو مرض، والحائض، والنفساء؛ فلا يجب عليهم، ويؤمر الصبي بالصلاة لسبع، ويضرب على تركها لعشر، فإن بلغ في أثناء الصلاة، أو صلى في أول الوقت وبلغ في آخره؛ أجزأه ذلك الفرض، وأما الكافر؛ فإن كان أصليا لم يجب عليه، وإن كان مرتدًّا وجب عليه. ولا يعذر أحدٌ من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت إلا نائم، أو ناسٍ، أو معذور بسفر أو مطر؛ فإنه يؤخرها بنية الجمع، أو من أكره على تأخيرها. ومن امتنع من فعلها جاحدًا لوجوبها كفر، وقُتل بكفره، ومن امتنع غير جاحد حتى خرج الوقت قتل في ظاهر المذهب. وقيل: يقتل بترك الصلاة الرابعة. وقيل: يقتل بترك الصلاة الثانية إلى أن يضيق وقتها. ويستتاب كما يستتاب المرتد، ثم يُقتل، ويُصلّى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين. باب مواقيت الصلاة: الصلاة المكتوبة خمس: الظهر، وأول وقته: إذا زالت الشمس. وآخره: إذا صار ظل كل شيء مثله. والعصر، وأول وقته: إذا صار ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة. وآخره: إذا صار كل شيء مثليه، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى الغروب. والمغرب، وأول وقتها: إذا غابت الشمس، ولا وقت لها إلا وقت واحد في

стр. 14

أظهر القولين، وهو بمقدار ما يتوضأ، ويستر العورة، ويؤذن، ويقيم، وله أن يستديمها إلى أن يغيب الشفق. والعشاء، ويكره أن يُقال لها: العتمة. وأول وقتها: إذا غاب الشفق الأحمر. وآخره: إذا ذهب ثلث الليل في أحد القولين، ونصفه في الآخر، ثم يذهب الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني. والصبح، وأول وقتها: إذا طلع الفجر الثاني. وآخره: إذا أسفر الصبح، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس. ومن أدرك من الصلاة ركعة قبل خروج الوقت فقد أدركها، ومن شكّ في دخول الوقت فأخبره ثقة عن علمٍ عمل به، وإن أخبره عن اجتهادٍ لم يقلده، بل يجتهد، ويعمل على الأغلب عنده. والأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت إلا الظهر في الحرّ لمن يمضي إلى الجماعة؛ فإنه يبرد بها، وفي العشاء قولان: أصحهما: أن تقديمها أفضل. ومن أدرك من وقت الصلاة قدر ما يؤدي فيه الفرض، ثم جُنّ، أو كانت امرأة فحاضت؛ وجب عليهما القضاء. وإن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طهرت حائض أو نفساء، أو أفاق مجنون أو مغمى عليه قبل طلوع الشمس بركعة؛ لزمهم الصبح، وإن كان بدون ركعة ففيه قولان. وإن كان ذلك قبل الغروب أو قبل طلوع الفجر بركعة لزمهم العصر والعشاء، وفي الظهر والمغرب قولان: أحدهما: يلزم بما يلزم به العصر والعشاء. والثاني: يلزم بقدر خمس ركعات. ومن لم يصل حتى فات الوقت وهو من أهل الفرض بعذر أو غير عذر لزمه القضاء، والأولى أن يقضيها مرتبا، إلا أن يخشى فوات الحاضرة؛ فيلزمه البداية بها، والأولى أن يقضيها على الفور، فإن أخّرها جاز. وقيل: إن فاتت بغير عذر لزمه قضاؤها على الفور. ومن نسي صلاة من الخمس ولم يعرف عينها لزمه أن يصلي الخمس. باب الأذان: الأذان والإقامة سنة في الصلوات المكتوبة، وهو أفضل من الإمامة.

стр. 15

وقيل: هو فرض على الكفاية، فإن اتفق أهل بلد على تركه قاتلهم الإمام. والأذان تسع (١) عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، ثم يرجع فيمد صوته فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فإن كان في أذان الصبح قال بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم مرتين. والإقامة إحدى عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. ويستحب أن يرتل الأذان، ويدرج الإقامة، وتكون الإقامة أخفض صوتًا من الأذان، وأن يؤذن ويقيم على طهارة، ويستقبل القبلة، فإذا بلغ الحيعلة التفت يمينا وشمالا، ولا يستدير (٢)، وأن يؤذن على موضع عالٍ، وأن يجعل إصبعيه في صماخي أذنيه، وأن يكون المؤذن حسن الصوت، وأن لا يقطع الأذان بكلام ولا غيره، وأن يكون من أقرباء مؤذني رسول الله ﷺ ، وأن يكون ثقة, وأن يقول بعد الفراغ منه: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، يا أرحم الراحمين، ويستحب لمن سمعه أن يقول كما يقول المؤذن إلا في الحيعلة؛ فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول في كلمة الإقامة: أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض. ولا يجوز الأذان إلا مرتبا, ولا يجوز قبل دخول الوقت إلا الصبح؛ فإنه يؤذن له بعد نصف الليل. وتقيم المرأة، ولا تؤذن. ومن فاتته صلوات، أو جمع بين صلاتين؛ أذّن، وأقام للأولى وحدها، وأقام للتي بعدها في أصح الأقوال، وفي القول الثاني: لا يؤذن، ولا يقيم، وفي القول الثالث: أذّن وأقام لكل واحدة (٣) على حدة. وإذا لم يوجد من يتطوع بالأذان رزق الإمام من يقوم به. وإن استأجر عليه جاز. وقيل: لا يجوز.

стр. 16

باب ستر العورة: ويجب ستر العورة عن العيون بما لا يصف (١) البشرة, وهو شرط في صحة الصلاة. وعورة الرجل: ما بين سرته وركبته. وعورة الحرة: جميع بدنها إلا الوجه والكفين. وعورة الأمة: ما بين السرة والركبة. والمستحب أن يصلي الرجل في ثوبين: قميص، ورداء، فإن اقتصر على ستر العورة جاز، إلا أن المستحب أن يطرح على عاتقه شيئًا. ويستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وسراويل. ويستحب لها أن تكثف جلبابها. ومن لا يجد إلا ما يستر بعض العورة سَتَرَ السوأتين، وإن وجد ما يكفي أحدهما (٢) سَتَرَ به القبل. وقيل: يستر به الدبر، وإن بُذل له سترة لزمه قبولها، ومن لم يجد صلّى عريانًا، ولا إعادة عليه، وإن وجد السترة في أثناء الصلاة وهي بقربه ستر، وبنى، وإن كانت بالبعد ستر، واستأنف. باب طهارة البدن، والثوب، وموضع الصلاة: واجتناب النجاسات شرط في صحة الصلاة، فإن حمل نجاسة في صلاته، أو لاقاها ببدنه، أو ثيابه؛ لم تصح صلاته. وقال في القديم: إن صلّى ثم رأى في ثوبه نجاسة كانت في الصلاة لم يعلم بها قبل الدخول أجزأته صلاته، وإن أصاب أسفل الخف نجاسة فمسحه على الأرض فصلّى فيه ففيه قولان: أحدهما: يجزئه. والثاني: لا يجزئه. وإن أصاب الأرض نجاسة فذهب أثرها بالشمس والريح فصلّى عليها ففيه قولان: أحدهما: يجزئه. والثاني: لا يجزئه. وإن صلّى في مقبرة منبوشة لم تصح صلاته، وإن صلّى في مقبرة غير منبوشة كُرهت، وأجزأه، وإن شكّ في نبشها صحت صلاته. وقيل: لا تصح. وإن جبر عظمه بعظم نجس، وخاف التلف من نزعه، فصلى فيه؛ أجزأته صلاته. وإن صلّى وفي ثوبه دم البراغيث، أو اليسير من سائر الدماء، أو سلس البول، أو الاستحاضة؛ جازت صلاته. وإن كان على ثوبه، أو على بدنه مما لا

стр. 17

يدركه الطرْف من غير الدماء؛ فقد قيل: يصح. وقيل: لا يصح. وقيل: فيه قولان. وإن كان على قرحه دمٌ يخاف من غسله صلّى فيه، وأعاد. وتكره الصلاة في: الحمّام، وقارعة الطريق، وأعطان (١) الإبل. ولا تكره في مراح الغنم. ولا تحل الصلاة في أرض مغصوبة، ولا ثوب مغصوب، ولا ثوب حرير، فإن صلّى لم يُعد، وإن اشتبه عليه ثوب طاهر وثوب نجس صلّى في الطاهر على الأغلب عنده، وإن خفي عليه موضع النجاسة من الثوب غسله كله. باب استقبال القبلة: واستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، إلا في شدة الخوف، وفي النافلة في السفر؛ فإنه يصليها حيث توجّه، فإن كان ماشيًا، أو على دابة يمكنه توجيهها إلى القبلة؛ لم يجز حتى يستقبل القبلة في الإحرام والركوع والسجود. والفرض في القبلة إصابة العين، فمن قرب منها لزمه ذلك بيقين، ومن بعد منها لزمه بالظن في أحد القولين. وفي القول الآخر: الفرض لمن بعُد الجهة، ومن صلّى في الكعبة، أو على ظهرها وبين يديه سترة متصلة؛ جازت صلاته، ومن غاب عنها فأخبره ثقة عن علمٍ صلّى بقوله، ولم يجتهد، وكذلك إن رأى محاريبَ المسلمين في بلد صلّى إليها، ولم يجتهد، وإن كان في بريّة واشتبهت عليه القبلة اجتهد في طلبها بالدلائل، فإن لم يعرف الدلائل، أو كان أعمى؛ قلّد بصيرًا يعرفه، وإن لم يجد من يقلّده صلّى على حسب حاله، وأعاد، ومن صلّى بالاجتهاد أعاد الاجتهاد للصلاة الأخرى، فإن تغيّر اجتهاده عمل بالاجتهاد الثاني فيما يستقبل، ولا يعيد ما صلّى بالاجتهاد الأول، وإن تيقن الخطأ لزمه الإعادة في أصح القولين.

стр. 18

باب صفة الصلاة: إذا أراد الصلاة قام إليها بعد فراغ المؤذن من الإقامة، ثم يُسوي الصفوف إن كان إمامًا، ثم ينوي الصلاة بعينها إن كانت الصلاة مكتوبة، أو سنة راتبة, وإن كانت نافلة غير راتبة أجزأته نية الصلاة، وتكون النية مقارنة للتكبير، لا يجزئه غيره. والتكبير أن يقول: الله أكبر، أو الله الأكبر، لا يجزئه غير ذلك، ومن لا يحسن التكبير بالعربية كبّر بلسانه، وعليه أن يتعلم، ويجهر بالتكبير إن كان إمامًا. ويرفع يديه مع التكبير حذو منكبيه، ويفرّق أصابعه، فإذا انقضى التكبير حطّ يديه، وأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن، وجعلهما تحت صدره، وجعل نظره إلى موضع سجوده، ثم يقرأ: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقرأ فاتحة الكتاب، أولها: بسم الله الرحمن الرحيم، ويرتل القراءة، ويرتبها، ويأتي بها على الولاء، فإن ترك ترتيبها، أو فرقها؛ لزمه إعادتها. وإذا قال: ولا الضالين، قال: آمين. ويجهر بها الإمام فيما يجهر فيها. وفي المأموم قولان: أصحهما: أنه يجهر بها، ثم يقرأ السورة يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم، فإن كان مأمومًا في الصلاة يجهر فيها، ولم يقرأ السورة، وفي الفاتحة قولان: أصحهما: أنّه يقرأها. والمستحب أن تكون السورة في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل. ويجهر الإمام المنفرد بالقراءة في الصبح، والأوليين (١) من المغرب والعشاء، ومن لا يحسن الفاتحة وضاق الوقت عن التعلم قرأ بقدرها من غيرها، وإن كان يحسن آية ففيه قولان: أحدهما: يقرؤها، ثم يضيف إليها من الذكر ما يتم به قدر الفاتحة. والثاني: أنه يكرر ذلك سبعًا، وإن لم يحسن شيئًا من القرآن لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ويضيف إليه كلمتين من

стр. 19

الذكر. وقيل: يجوز هذا وغيره، فإن لم يحسن شيئًا وقف بقدر القراءة. ثم يركع مكبرًا رافعًا يديه، وأدنى الركوع أن ينحني حتى يبلغ يداه ركبيته، والمستحب أن يضع يديه على ركبتيه، ويفرّق أصابعه، ويمدّ ظهره وعنقه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه، وتضمّ المرأة بعضها إلى بعض، ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثا، وذلك أدنى الكمال، فإن قال مع ذلك: اللهمّ لك ركعتُ، ولك أسلمت، وبك آمنت، وأنت ربي، خشع لك سمعي وبصري وعظامي وشعري وبشَري وما استقل به قدمي لله رب العالمين كان أكمل. ثم يرفع رأسه قائلا: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه، فإذا استوى قائمًا قال: ربنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، وذلك أدنى الكمال، فإن قال معه: أهل الثناء والمجد حق ما قاله العبد، كلنا لك عبد، لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (١) كان أكمل. ثم يكبر، ويهوي ساجدًا، فيضع ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، وأدنى السجود أن يباشر (٢) بجبهته المصلَّى، وفي وضع اليدين والركبتين والقدمين قولان: أحدهما: يجب. والثاني: لا يجب. وفي مباشرة المصلَّى بالكف قولان: أصحهما: أنه لا يجب. والمستحب أن يجافي (٣) مرفقيه عن جنبيه, ويقل (٤) بطنه عن فخذيه. وتضمّ المرأة بعضها إلى بعض، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك أدنى الكمال، فإن قال معه: اللهمّ لك سجدتُ، ولك أسلمت، وبك آمنت، أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشقّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين كان أكمل، وإن سأل الله تعالى في سجوده ما شاء كان حسنًا. ثم يرفع رأسه مكبرًا, ويجلس مفترشًا، ويفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويقول: اللهمّ اغفر لي، وارحمني، وارزقني، وعافني، واعف عني، ثم يسجد السجدة الثانية مكبرًا، ثم يرفع رأسه مكبرًا، ويجلس

стр. 20

جلسة الاستراحة في أصح القولين. ثم ينهض قائمًا معتمدًا على يديه، ويمدّ التكبير إلى أن يقوم. ثم يصلي الركعة الثانية مثل الأولى، إلا في النية، والاستفتاح، والتعوّذ. فإن كان في صلاة هي ركعتان جلس متوركًا، يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويخرجهما من تحته، ويُفضي بوركه إلى الأرض، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض أصابعه إلا المسبحة؛ فإنه يشير بها متشهدًا، ويبسط اليد اليسرى على الفخذ اليسرى، ويتشهد فيقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. والواجب منه خمس كلمات: وهي التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، ثم يصلي على النبي ﷺ فيقول: اللهمّ صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم، إنك حميد مجيد. والواجب منه: اللهمّ صل على محمد، ويدعو بما يجوز من أمر الدين والدنيا. والمستحب أن يدعو بدعاء رسول الله ﷺ : اللهمّ اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت. ثم يسلم تسليمتين: إحداهما عن يمينه، ينوي بها الخروج من الصلاة والسلام على الحاضرين، والأخرى عن يساره، ينوي بها السلام على الحاضرين، ثم يدعو سرًّا، إلا أن يريد تعليم الحاضرين فيجهر، وإن كان في صلاة هي ثلاث ركعات أو أربع جلس بعد الركعتين مفترشًا وتشهد، وصلّى على النبي ﷺ وحده في أحد القولين، ولا يصلي في الآخر، ثم يصلي ما بقي من صلاته مثل الثانية، إلا أنّه لا يقرأ السورة في أحد القولين، ويقرأ في الآخر. ويجلس في آخر الصلاة متوركا، فإن

стр. 21

كان في الصبح فالسنة أن يقنت بعد الرفع من الركوع فيقول: اللهمّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، وصل اللهمّ على النبي محمد وآله. ويؤمن المأموم على الدعاء، ويشاركه في الثناء. وإن نزل بالمسلمين نازلة قنتوا في جميع الصلاة. باب فروض الصلاة، وسننها: وفروض الصلاة ثمانية عشر: النية، وتكبيرة، الإحرام، والقيام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والطمأنينة فيه، والاعتدال، والطمأنينة فيه، والسجود، والطمأنينة فيه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة فيه، والجلوس في آخر الصلاة، والتشهد فيه، والصلاة على النبي ﷺ ، والتسليمة الأولى، ونية الخروج. وقيل: لا يجب ذلك، وترتيبها على ما ذكرناه. وسننها أربع وثلاثون: رفع اليدين في تكبير الإحرام والركوع والرفع منه، ووضع اليمين على الشمال، والنظر إلى موضع سجوده، ودعاء الاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، والتكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، والتسميع، والتحميد في الرفع من الركوع، والتسبيح في الركوع، والتسبيح في السجود، ووضع اليد على الركبة في الركوع، ومدّ الظهر والعنق فيه، والبداية بالركبة ثم باليد في السجود، ووضع الأنف في السجود، ومجافاة المرفق عن الجنب في الركوع والسجود، وإقلال البطن عن الفخذ في السجود، والدعاء في الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، والافتراش في سائر الجلسات، والتورك في آخر الصلاة، ووضع اليد اليُمنى على الفخذ مقبوضة، والإشارة بالمسبحة، ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة، والتشهد الأول، والصلاة على رسول الله ﷺ فيه، والصلاة على آله في التشهد الأخير، والدعاء في آخر الصلاة، والقنوت في الصبح، والتسليمة الثانية، ونية السلام على الحاضرين.

стр. 22

فإن ترك فرضًا ساهيًا وهو في الصلاة لم يعتد بما فعله بعد (١) المتروك حتى يأتي بما تركه، ثم يأتي بما بعده، وإن لم يعرف موضعه بنى الأمر على أسوأ الأحوال، فإن كان المتروك سجدة من أربع ركعات جعلها من غير الأخيرة، ثم يأتي بركعة، فإن كان سجدتين جعل واحدة من الأولى وواحدة من الثالثة، ويأتي بركعتين، وإن كان ثلاث سجدات جعل سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة وسجدة من الرابعة، ويأتي بركعتي، ن وإن كان أربع سجدات جعل سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة وسجدتين من الرابعة، ويأتي بسجدة وركعتين، وإن ذكر ذلك بعد السلام ففيه قولان: أحدهما: أنه يبني على صلاته ما لم يتطاول الفصل. والثاني: يبني ما لم يقم من المجلس. وإن ذكر بعد ذلك استأنف. وإن ترك سنة؛ فإن ذكر قبل (٢) التلبس بفرض عاد إليه، وإن تلبس بفرض لم يعد إليه. باب صلاة التطوع: أفضل عبادات البدن الصلاة، وتطوعها أفضل التطوع، وأفضل التطوع ما شُرع له الجماعة، وهو العيد، والكسوف، والاستسقاء، وفي الوتر وركعتي الفجر قولان: أصحهما: أنّ الوتر أفضل. والسنة أن يواظب على السنن مع الفرائض، وهي ركعتا الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، والوتر، وأقله: ركعة. وأكثره: إحدى عشرة ركعة. يسلم من كل ركعتين، وأدنى الكمال ثلاث ركعات بتسليمتين، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: سبّح، وفي الثانية: قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة: قل هو الله أحد والمعوذتين، ويقنت في الأخيرة منها في النصف الأخير من شهر رمضان. ويصلي الضحى ثماني ركعات، وأدناها: ركعتان. ويقوم شهر رمضان بعشرين ركعة في الجماعة؛ التراويح، ويوتر بعدها في الجماعة إلا أن يكون له تهجد فيجعل الوتر بعده. ومن فاته من هذه السنن الراتبة شيء قضاه في أصح القولين. ويسن التهجد، والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف

стр. 23

الأول، والثلث الأوسط أفضل من الأول والأخير، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار، وفعله في البيت أفضل من فعله في المسجد. والأفضل أن يسلّم من كل ركعتين، وإن جمع ركعات بتسليمة، أو تطوع بركعة واحدة؛ جاز. ويسن لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين تحية المسجد، إلا أن يدخل وقد حضر الجماعة؛ فالفريضة أولى. ويجوز فعل النوافل قاعدًا. باب سجود التلاوة: وسجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع، وهي أربعة عشر سجدة: سجدة في الأعراف، وسجدة في الرعد، وسجدة في النحل، وسجدة في سبحان، وسجدة في مريم، وسجدتان في الحج، وسجدة في الفرقان، وسجدة في النمل، وسجدة في ألم تنزيل، وسجدة في حم السجدة، وسجدة في النجم، وسجدة في إذا السماء انشقت، وسجدة في اقرأ. وسجدة ص سجدة شكر، ليست من عزائم السجود، فإن قرأها في الصلاة لم يسجد. وقيل: يسجد شكرًا. ومن تجددت عنده نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة؛ استحب له أن يسجد شكرًا لله . ومن سجد للتلاوة في الصلاة كبّر للسجود والرفع، ومن سجد في غير الصلاة كبّر للإحرام رافعًا يديه، ثم يكبر للسجود، ويكبر للرفع. وقيل: يتشهد، ويسلم. وقيل: يسلم، ولا يتشهد. والمنصوص أنه لا يتشهد، ولا يسلم. وحكم سجود التلاوة حكم صلاة النفل في القبلة وسائر الشروط. باب ما يفسد الصلاة وما لا يفسدها: إذا أحدث في صلاته بطلت، وإن سبقه الحدث ففيه قولان: أحدهما: لا تبطل، ويتوضأ، ويبني على صلاته. والثاني: أنها تبطل. وإن لاقى نجاسة غير معفو عنها بطلت صلاته، وإن وقع عليه نجاسة يابسة فنحّاها في الحال لم تبطل صلاته. وإن كشفت عورته بطلت صلاته، وإن كشفها الريح لم تبطل

стр. 24

صلاته. وإن قطع النية، أو عزم على قطعها، أو شكّ هل يقطعها؟ أو ترك فرضًا من فروضها؛ بطلت صلاته. وإن ترك القراءة ناسيًا ففيه قولان: أصحهما: أنها تبطل. وإن زاد في صلاته ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا عامدًا بطلت صلاته. وإن قرأ الفاتحة مرتين لم تبطل صلاته على المنصوص. وإن تكلم عامدًا، أو قهقه عامدًا؛ بطلت صلاته، وإن كان ذلك ساهيًا، أو جاهلًا بالتحريم، أو مغلوبًا، ولم يطل الفصل؛ لم تبطل صلاته، وإن أطال فقد قيل: تبطل. وقيل: لا تبطل. وإن نفخ ولم يبن منه حرفان لم تبطل صلاته. وإن خطا ثلاث خطوات متواليات، أو ضرب ثلاث ضربات متواليات؛ بطلت صلاته. وإن أكل عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ساهيًا لم تبطل صلاته. وإن فكّر في الصلاة، أو التفت فيها؛ كُره، ولم تبطل صلاته. ولا يصلي وهو يدافع الأخبثين. ولا يدخل فيها وقد حضر العَشَاء ونفسه تتوق إليه، فإن فعل أجزأته صلاته. وإن كلّمه إنسان، أو استأذن عليه وهو في الصلاة؛ سبّح إن كان رجلًا، وصفّقت إن كانت امرأة. وإن سلّم عليه ردّ بالإشارة. وإن بدره البُصاق وهو في المسجد بصق في ثوبه، وحكّ بعضه ببعض، وإن كان في غير المسجد بصق على يساره، أو تحت قدمه. وإن مرّ بين يديه مار وبينهما سُترة أو عصا بقدر عظم الذراع لم يكره، وكذلك إن لم يكن عصا وخطّ بين يديه على ثلاثة أذرع خطًّا لم يكره، وإن لم يكن شيء من ذلك كره، وأجزأته صلاته. باب سجود السهو: إذا شكّ في عدد الركعات وهو في الصلاة بنى على اليقين، وهو الأقل، ويأتي بما بقي، ويسجد للسهو، وكذلك إذا شكّ في فرضٍ من فروضها؛ بنى الأمر على اليقين، وهو أنّه لم يفعل فيأتي به، ويسجد للسهو. وإن زاد في صلاته سجودًا أو ركوعا أو قياما أو قعودا على وجه السهو سجد للسهو. وإن تكلّم، أو سلّم ناسيًا، أو قرأ في غير موضع القراءة؛ سجد للسهو. وإن فعل ما لا

стр. 25

يبطل عمده الصلاة -كالالتفات، والخطوة، والخطوتين- لم يسجد للسهو. وإن نهض للقيام في موضع القعود، ولم ينتصب قائمًا فعاد إلى القعود؛ ففيه قولان: أحدهما: يسجد. والثاني: لا يسجد. وإن ترك التشهد الأول، أو الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وقلنا: إنها سنة، أو ترك القنوت؛ سجد للسهو. وقيل: إن ترك ذلك عمدًا لم يسجد. وإن سها سهوين أو أكثر كفاه للجميع سجدتان. وإن سها خلف الإمام لم يسجد. وإن سها إمامه تابعه في السجود. وإن ترك الإمام سجد المأموم. وإن سبقه الإمام بركعة، وسجد معه؛ أعاد في آخر صلاته في قوله الجديد، ولا يعيد في القديم. وإن ترك إمامه فرضًا نوى مفارقته، ولم يتابعه، وإن ترك فعلا مسنونًا تابعه، ولم يشتغل بفعله. وسجود السهو سنة، فإن ترك جاز، ومحله قبل السلام. وقال في موضع آخر: إن كان السهو زيادة فمحله بعد السلام. والأول هو الأصح، فإن لم يسجد حتى سلّم ولم يطل الفصل سجد، وإن طال ففيه قولان: أصحهما أنه لا يسجد. باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها: وهي خمسة أوقات: عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح, وعند الاستواء حتى تزول, وعند الاصفرار حتى تغرب, وبعد صلاة الصبح, وبعد صلاة العصر, ولا يُكره فيها ما لها سبب؛ كصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وقضاء الفائتة، ولا يكره شيء من الصلاة في هذه الساعات بمكة، ولا عند الاستواء يوم الجمعة. باب صلاة الجماعة: والجماعة سنة في الصلوات الخمس, وقيل: هي فرض على الكفاية؛ فإن اتفق أهل بلد على تركها قوتلوا. وأقل الجماعة: اثنان، ولا تصح الجماعة حتى ينوي المأموم. وفعلها فيما كثُر فيه الجمع من المساجد أفضل، فإن كان في جوار

стр. 26

مسجدٍ ليس فيه جماعة كان فعلها في مسجد الجوار أفضل، وإن كان للمسجد إمام راتب كُره لغيره إقامة الجماعة فيه. ومن صلّى منفردًا ثم أدرك جماعة يصلون استحب له أن يصليها معهم. ويُعذر في ترك الجماعة: المريض، ومن يتأذّى بالمطر والوحل والريح الباردة في الليلة المظلمة، ومن له مريض يخاف ضياعه، أو قريب يخاف موته، ومن حضره الطعام ونفسه تتوق إليه، أو يدافع الأخبثين، أو يخاف ضررًا في نفسه أو ماله. ومن أحرم منفردًا ثم نوى متابعة الإمام جاز في أحد القولين. ومن أحرم ثم أخرج نفسه من الجماعة لعذر، وأتم منفردًا؛ جاز، وإن كان لغير عذر ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يجوز. وإن أحدث الإمام فاستخلف مأمومًا جاز في أصح القولين، إلا أنه لا يستخلف إلا من لا يخالفه في ترتيب الصلاة. وقيل: لا يجوز أن يستخلف في صلاة الجمعة إلا من كان معه في الركعة الأولى، والمنصوص أنه يجوز. ويستحب للإمام أن يخفف في الأذكار، إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يؤثرون التطويل. وإذا أحسّ الإمام بداخلٍ وهو راكع استحب له أن ينتظر في أصح القولين، ويكره في القول الآخر. ومن أدرك الإمام قبل أن يسلّم فقد أدرك الجماعة، ومن أدركه راكعًا فقد أدرك الركعة، وإن أدرك في الركعة الأخيرة فهو أوّل صلاته، وما يقضيه فهو آخر صلاته، يعيد فيها القنوت. ومن أدرك قائمًا، فقرأ بعض الفاتحة، ثم ركع الإمام؛ فقد قيل: يقرأ، ثم يركع. وقيل: يركع، ولا يقرأ. ويُكره أن يسبق الإمام بركن، وإن سبقه بركن عاد إلى متابعته، ولا يجوز أن يسبقه بركنين، فإن سبقه بركنين -بأن ركع قبله، فلمّا أراد أن يركع رفع، فلما أراد أن يرفع سجد-، فإن فعل ذلك مع العلم بتحريمه بطلت صلاته، وإن فعل مع الجهل لم تبطل صلاته، ولم يعتد له بتلك الركعة. ومن حضر وقد أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بنافلة، وإن أقيمت وهو في النافلة ولم يخش فوات الجماعة أتمها. باب صفة الأئمة: السنة أن يؤم القوم أقرؤهم وأفقههم، فإن زاد واحد في الفقه والقراءة

стр. 27

فهو أولى، وإن زاد واحد بالفقه، وزاد آخر بالقراءة؛ فالأفقه أولى، فإن استويا في ذلك قُدِّم أشرفهما وأسنهما، فإن استويا في ذلك قُدِّم أقدمهما هجرة، فإن استويا في ذلك قُدِّم أورعهما، وإن استويا في ذلك أُقرع بينهما. وصاحبُ البيت أحقُّ من غيره، وإمام المسجد أحقُّ من غيره، والسلطان أحقُّ من صاحبِ المنزل وإمامِ المسجد، والبالغ أولى من الصبي، والحاضر أولى من المسافر، والحرّ أولى من العبد، والعدل أولى من الفاسق، وغير ولد الزنى أولى من ولد الزنى، والبصير أولى عندي من الأعمى. وقيل: هو والبصير سواء. ويكره أن يؤم الرجل قومًا وأكثرهم له كارهون. ولا تجوز الصلاة خلف كافر، ولا مجنون، ولا محدث، ولا نجس، ولا صلاة رجل ولا خنثى خلف امرأة، ولا خنثى خلف الخنثى، ولا طاهر خلف المستحاضة. وقيل: يجوز ذلك. ولا يجوز صلاة قارئ خلف أمي ولا أخرس ولا أرت ولا ألثغ في أحد القولين. ولا يجوز صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر، وفي جوازها خلف صبي أو متنفل قولان. ولا يجوز صلاة خلف من يصلي صلاة يخالفها في الأفعال الظاهرة؛ كالصبح خلف من يصلي الكسوف، والكسوف خلف من يصلي الصبح، فإن صلّى أحدُ هؤلاء خلف أحد هؤلاء ولم يعلم ثم علم أعاد، إلا من صلى خلف المحدث؛ فإنه لا إعادة عليه في غير الجمعة، ويجب في الجمعة. باب موقف الإمام والمأموم: السنة أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام، والخنثى خلفهما، والمرأة خلف الخنثى، وإن حضر رجلان، أو رجل وصبي؛ اصطفّا خلفه، فإن كانوا عُراة وقف الإمام وسطهم، فإن حضر رجال وصبيان وخناثى ونساء تقدّم الرجال (١)، ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء. ومن حضر ولم يجد في الصف فُرجة جذب واحدًا واصطفّ معه، فإن لم يفعل وصلى وحده كُره ذلك. وإن (٢) حضر ومع الإمام واحد عن يمينه أحرم عن يساره، ثم يتقدّم الإمام، أو يتأخر المأمومان. والمستحب أن لا يكون موضع الإمام أعلى من موضع

стр. 28

المأمومين، إلا أن يريد تعليمهم أفعال الصلاة؛ فالمستحب أن يقف الإمام على موضع عالٍ؛ كما فعل رسول الله ﷺ . وإن تقدّم المأموم على الإمام لم تصح صلاته في أصح القولين. وإن صلّت المرأة بنسوة قامت وسط الصف. ومن صلّى مع الإمام في المسجد جازت صلاته إذا علم بصلاته، وإن صلّى به خارج المسجد واتصلت به الصفوف جازت صلاته، وإن انقطعت ولم يكن دونه حائل جازت صلاته إذا لم يزد ما بينه وبين آخر الصف على ثلاثمائة ذراع، فإن حال بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم تصح صلاته. وإن منع الاستطراق دون المشاهدة -بأن يكون بينهما شباك- فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز. باب صلاة المريض: إذا عجز عن القيام صلّى قاعدًا، ويقعد متربعًا في أحد القولين، ومفترشًا في الآخر، وإن عجز عن القعود صلّى مضطجعًا على جنبه الأيمن، يستقبل القبلة بوجهه، ويومئ بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفض من الركوع، فإن عجز عن ذلك أومأ بطرفه، ونوى بقلبه، ولا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتًا، فإن قدر على القيام في أثناء الصلاة أو القعود انتقل إليه، وأتمّ صلاته، وإن كان به وجع العين فقيل له: إن صليتَ مستلقيًا أمكن مداواتك وهو قادر على القيام احتمل أن يجوز له ترك القيام، واحتمل أن لا يجوز. باب صلاة المسافر: إذا سافر في غير معصية سفرًا يبلغ ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي فله أن يصلّي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين إذا فارق بنيان البلد، أو خيام قومه إن كان من أهل الخيام، والأفضل أن لا يقصر إلا في سفرٍ يبلغ مسيرة ثلاثة أيام، فإذا بلغ سفره ذلك كان القصر أفضل من الإتمام، وإن كان للبلد الذي يقصده طريقان؛ يُقصر في أحدهما، ولا يُقصر في الآخر، فسلك الأبعد لغير غرض؛ لم

стр. 29

يقصر في أحد القولين، ويقصر في الآخر، فإن أحرم في البلد ثم سافر، أو أحرم في السفر ثم أقام، أو شكّ في ذلك، أو لم ينو القصر، أو ائتم بمقيم في جزءٍ من صلاته، أو بمن لا يعرف أنه مسافر أو مقيم؛ لزمه أن يتمّ. وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج أتمّ. وإن أقام في بلدٍ لقضاء حاجة ولم ينو الإقامة قصر إلى ثمانية عشر يومًا في أحد القولين، ويقصر أبدًا في القول الآخر. وإن فاتته صلاة في الحضر فقضاها في السفر أتمّ، وإن فاتته في السفر فقضاها في السفر أو الحضر ففيه قولان: أصحهما: أنه يتمّ، ويجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما في السفر الطويل، وفي السفر القصير قولان. والمستحب لمن هو في المنزل في وقت الأولى أن يقدّم الثانية إلى الأولى، ولمن هو سائر أن يؤخّر الأولى إلى الثانية؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، وإن أراد الجمع في وقت الأولى لم يجز إلا بثلاثة شروط: أن يقدّم الأولى منهما، وأن ينوي الجمع عند الإحرام بالأولى في أحد القولين، ويجوز في القول الثاني قبل الفراغ من الأولى، وأن لا يفرق بينهما، وإن أراد الجمع في وقت الثانية كفا نية الجمع قبل خروج وقت الأولى بقدر ما يصلي فرض الوقت، والأفضل أن يقدّم الأولى، وأن لا يفرق بينهما. ويجوز للمقيم الجمع في المطر في وقت الأولى منهما إن كان يصلي في موضعٍ يصيبه المطر وتبتل ثيابه ويكون المطر موجودًا عند افتتاح الأولى وعند الفراغ منها وافتتاح الثانية، وفي جواز الجمع في وقت الثانية قولان. باب صلاة الخوف: إن كان العدو في غير جهة القبلة ولم يؤمنوا وقتالهم غير محظور فرّق الإمام الناس فرقتين: فرقة في وجه العدو، وفرقة خلفه؛ فيصلي بالفرقة التي خلفه ركعة، فإذا أقام إلى الثانية فارقته، وأتمت الركعة الثانية لنفسها، ثم تخرج إلى وجه العدو، وتجيء الطائفة الأخرى,

стр. 30

فيصلي معها الركعة الثانية، ويجلس، وتصلي الطائفة الركعة الثانية، ثم يسلم بهم. وهل يقرأ في حال الانتظار ويتشهد أم لا؟ فيه قولان. وقيل: يتشهد قولا واحدًا، فإن كانت الصلاة مغربًا صلّى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة في أحد القولين، وفي القول الآخر: يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين، وإن كانت صلاة رباعية صلّى بكل طائفة ركعتين، فإن فرّقهم أربع فرق؛ فصلى بكل فرقة ركعة؛ ففي صلاة الإمام قولان: أحدهما: أنها صحيحة، وهو الأصح، وفي صلاة المأموم قولان: أحدهما: أنها تصح. والثاني: تصح صلاة الطائفة الأخيرة، وتبطل صلاة الباقين. والقول الثاني: أنّ صلاة الإمام باطلة، وتصح صلاة الطائفة الأولى والثانية، وتبطل صلاة الطائفة الثالثة والرابعة، وإن كان العدو في جهة القبلة يشاهدون في الصلاة وفي المسلمين كثرة؛ أحرم بالطائقتين، وسجد معه الصف الذي يليه، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد الصف الآخر، فإذا سجد في الثانية حرس الصف الذي سجد في الأولى، وسجد الصف الآخر، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد الصف الآخر. ويُستحب أن يحمل السلاح في صلاة الخوف في أحد القولين، ويجب في الآخر. وإن اشتدّ الخوف والتحم القتال صلوا رجالًا وركبانًا إلى القبلة وغير القبلة، وإن لم يقدروا على الركوع والسجود أومئوا، وإن اضطروا إلى الضرب المتتابع ضربوا، ولا إعادة عليهم. وقيل: عليهم الإعادة، وإن أمن وهو راكب فنزل بنى، وإن كان راجلًا فركب استأنف على المنصوص. وقيل: إن اضطر إلى الركوب فركب لم يستأنف. وقيل: فيه قولان. وإن رأوا سوادًا فظنوهم عدوًّا فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان لهم أنّه لم يكن عدوًّا؛ أجزأتهم الصلاة في أصح القولين. وإن رأوا عدوا فخافوهم فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أنه كان بينهم خندق أعادوا. وقيل: فيه قولان.

стр. 31

باب ما يكره لبسه وما لا يكره: يحرم على الرجل استعمال ثياب الإبريسم (١) أو ما أكثره إبريسم، وكذلك يحرم عليه المنسوج بالذهب والمموّه به إلا أن يكون قد صدئ. ويجوز للمحارب لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، ولبس المنسوج بالذهب إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره. ويجوز شدّ السن بالذهب للضرورة. ويجوز لبس الحرير للحكة. وقيل: لا يجوز. ويجوز أن يُلبس دابته الجلد النجس سوى جلد الكلب والخنزير. باب صلاة الجمعة: ومن لزمه الظهر لزمه الجمعة، إلا العبد، والمرأة، والمسافر، والمقيم في موضع لا يسمع فيه النداء من المواضع الذي تصح فيه الجمعة، والمريض، والمقيم بمريضٍ يخاف ضياعه، ومن له قريب يخاف موته، ومن يبتلّ ثيابه بالمطر في طريقه، ومن يخاف من ظالم؛ فلا جمعة عليهم وإن حضروا، إلا المريض ومن في طريقه مطر؛ فإنهما إذا حضرا لزمهما الجمعة. ومن لا جمعة عليه مخيّرٌ بين الظهر والجمعة، والأفضل أن لا يصلي الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة. ومن يلزمه فرض الجمعة لا يصلي الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة، فإن صلّاها قبل فوات الجمعة لم تصح في أصح القولين. ومن لزمه فرض الجمعة لم يجز له أن يسافر سفرًا لا يصلي (٢) فيه الجمعة بعد الزوال. وهل يجوز قبل الزوال؟ فيه قولان. ولا تصح الجمعة إلا بشروط: أحدها: أن تكون في أبنية مجتمعة. والثاني: أن تكون في جماعة. والثالث: أن تقام بأربعين رجلًا أحرارًا، بالغين، عقلاء، مقيمين في موضعٍ لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفًا إلا ظعن حاجة من أولّ الصلاة إلى أن

стр. 32

تقام الجمعة، فإن انفضُّوا عنه وبقي الإمام وحده أتمّها ظهرًا، وإن نقصوا عن الأربعين أتمها ظهرًا في أصح الأقوال، وإن بقي معه اثنان أتمها جمعة في الثاني، وإن بقي معه واحد أتمها جمعة في الثالث. والرابع: أن يكون وقت الظهر باقيًا، فإن فاتهم الوقت وهم في الصلاة أتموها ظهرا. والخامس: أن لا تكون قبلها ولا معها جمعة أخرى، فإن كان قبلها جمعة فالجمعة هي الأولى، فالثانية باطلة، وإن كان معها ولم يعلم السابق منهما، ولم تنفرد إحداهما عن الأخرى بإمام؛ فهما باطلتان، وإن كان الإمام مع الثانية ففيه قولان: أحدهما: أنّ الجمعة جمعة الإمام. والثاني: أنّ الجمعة هي السابقة. والسادس: أن يتقدّمها خطبتان. ومن شروط صحتهما: الطهارة، والستارة (١) في أحد القولين، والقيام، والقعود بينهما، والعدد الذي ينعقد به الجمعة. وفرضها: أن يحمد الله تعالى، ويصلي على النبي ﷺ ، ويوصي بتقوى الله فيهما، والدعاء للمؤمنين، ويقرأ في الأولى شيئًا من القرآن. وقيل: القراءة فيهما. وسنتهما: أن يكون على منبر وموضعٍ عال، وأن يسلّم على الناس إذا أقبل عليهم، وأن يجلس إلى أن يؤذّن المؤذن، ويعتمد على قوسٍ أو سيف أو عصا، وأن يقصد قصد وجهه، وأن يدعو للمسلمين، وأن يقصر الخطبة، والجمعة ركعتان، إلا أنّه يسن أن يجهر فيهما بالقراءة، وأن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى سورة الجمعة، وفي الثانية المنافقين. باب هيئة الجمعة: السنة لمن أراد الجمعة أن يغتسل لها عند الرواح (٢)، فإن اغتسل لها بعد الفجر أجزأه، وأن يتنظف بسواك، وأخذ ظفر وشعر، وقطع رائحة، وأن يتطيب، ويلبس أحسن ثيابه، وأفضلها البياض، ويزيد الإمام على سائر الناس في الزينة، ويبكّر بعد طلوع الشمس، ويمشي إليها وعليه السكينة والوقار، ولا يركب,

стр. 33

ويدنو من الإمام، ويشتغل بذكر الله تعالى والتلاوة، ويستحبّ أن يقرأ سورة الكهف يوم الجمعة، وأن يكثر من الصلاة على رسول الله ﷺ في يومها وليلتها، ويكثر في يومها من الدعاء رجاء أن يُصادف ساعة الإجابة. وإن حضر والإمام يخطب لم يتخطّ رقاب الناس، ولا يزيد على تحية المسجد بركعتين يتجوّز فيهما, ويستمع الخطبة إن كان يسمعها, ويذكر الله تعالى إن لم يسمعها، ولا يتكلم، فإن تكلّم لم يأثم في أصح القولين. وإن أدرك الإمام راكعًا في الثانية أتمّ الجمعة، وإن أدركه بعد الركوع أتم الظهر، وإن زوحم عن السجود وأمكنه أن يسجد على ظهر إنسان فعل، فإن لم يمكنه انتظر حتى يزول الزحام، ثم يسجد، فإن أدرك الإمام قبل السلام أتمّ الجمعة، وإن لم يدرك السلام أتمّ الظهر، وإن لم يزل الزحام حتى ركع الإمام في الثانية ففيه قولان: أحدهما: يقضي ما عليه. والثاني: أنه يتبع الإمام. باب صلاة العيدين: وصلاة العيدين سنة مؤكدة. وقيل: هي فرض على الكفاية، فإن اتفقّ أهل بلدٍ على تركها من غير عذر قُوتلوا. ووقتها: ما بين أن ترتفع الشمس إلى الزوال. ويسنّ تقديم صلاة الأضحى، وتأخير صلاة الفطر، فإن فاتته قضاها في أصح القولين. والسنة أن يمسك في عيد الأضحى إلى أن يصلي، ويأكل في الفطر قبل الصلاة، وتقام الصلاة في الجامع، فإن ضاق بهم صلوا في الصحراء، ويستخلف الإمام من يصلي في الجامع بضعفة الناس. ويحضرها الرجال والنساء والصبيان، ويظهرون الزينة، ويغتسل لها بعد الفجر، فإن اغتسل قبل الفجر جاز في أحد القولين. ويبكر الناس بعد الصبح. ويتأخر الإمام إلى الوقت الذي يصلي بهم، ولا يركب في المضي إليها، ويمضون إليها في طريق ويرجعون في طريق آخر؛ اقتداء برسول الله ﷺ . والسنة أن تُصلّى جماعة، ويُنادى لها: الصلاة جامعة، ويصلي ركعتين، إلا أنه يكبر في الأولى بعد دعاء الافتتاح وقبل التعوذ سبع

стр. 34

تكبيرات، وفي الثانية قبل القراءة خمس تكبيرات، يرفع فيها اليد، ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة: سورة ق، وفي الثانية: اقتربت الساعة. ويخطب بهم خطبتين كخطبتي الجمعة، إلا أنّه يستفتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع تكبيرات. ويعلمهم في الفطر زكاة الفطر، وفي الأضحى الأضحية. ويجوز أن يخطب من قعود. والسنة أن يبتدئ في عيد الفطر بالتكبير بعد الغروب من ليلة الفطر خلف الصلوات وفي غيرها من الأحوال، وخاصة عند ازدحام الناس إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، وفي عيد الأضحى يبتدئ يوم النحر بعد صلاة الظهر، ويكبر خلف الفرائض وخلف النوافل في أصح القولين إلى أن يصلي من آخر أيام التشريق في أصح الأقوال. وفيه قول ثان: أنّه يكبر من المغرب ليلة العيد إلى صلاة الصبح آخر أيام التشريق. وفيه قول ثالث: أنّه يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى أن يصلي العصر آخر أيام التشريق، وإن رأى شيئًا من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات -وهي العشر الأول من ذي الحجة- كبّر. باب صلاة الكسوف: وهي سنة مؤكدة. ووقتها: من حين الكسوف إلى حين تجلى، فإن فاتت لم تقض. والسنة أن يغتسل لها، وأن تقام في جماعة حيث تصلى الجمعة، ويُنادى لها: الصلاة جامعة، وهي ركعتان في كل ركعة: قيامان، وقراءتان، وركوعان، وسجودان. ويستحبّ أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة طويلة؛ كالبقرة، ثم يركع، ويدعو بقدر مائة آية، ثم يرفع، ويقرأ بعد الفاتحة بقدر آل عمران، ويركع، ويدعو بقدر سبعين آية، ثم يسجد كما يسجد في غيرها، ثم يقوم في الثانية فيقرأ بعد الفاتحة نحو مائة وخمسين آية، ثم يركع، ويدعو بقدر سبعين آية، ثم يرفع فيقرأ بعد الفاتحة نحوًا من مائة آية، ثم يركع، ويدعو بقدر خمسين آية، ثم يسجد كما يسجد في غيرها، فإن كانت في كسوف الشمس أسرّ، وإن كان في خسوف القمر جهر، ثم يخطب خطبتين يخوفهم فيهما بالله، فإن لم يصل

стр. 35

حتى تجلّت لم يصل، فإن لم يصل لكسوف الشمس حتى غابت كاسفة لم يصل، وإن لم يصل لخسوف القمر حتى غاب خاسفًا قبل طلوع الشمس صلّى، وإن اجتمع صلاتان مختلفتان بدأ بأخوفهما فوتًا، ثم يصلي الأخرى، ثم يخطب؛ كالمكتوبة والكسوف في أول الوقت؛ يبدأ بالكسوف، ثم يصلي المكتوبة، ثم يخطب. فإن استويا في الفوات بدأ بآكدهما؛ كالوتر والكسوف، يبدأ بالكسوف. باب صلاة الاستسقاء: إذا أجدبت الأرض وانقطع الغيث, أو انقطع ماء العين؛ وعظ الإمام الناس، وأمرهم بالخروج من المظالم، والتوبة من المعاصي، ومصالحة الأعداء، والصدقة, وصيام ثلاثة أيام، ثم خرج بهم إلى المصلّى في اليوم الرابع بعد غسل وتنظف، في ثياب بذلة، ويخرج معه الشيوخ والعجائز والصبيان, فإن أخرجوا البهائم لم يكره، وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا، لكن لا يختلطون بالمسلمين. ويصلي بهم ركعتين كصلاة العيد، ويُستحب أن يقرأ فيها سورة نوح، ويخطب خطبتين، يستغفر الله في افتتاح الأولى تسعًا، وفي الثانية سبعًا، ويكثر فيها من الصلاة على رسول الله ﷺ ومن الاستغفار، ويقرأ فيها: ﴿استغفروا ربكم .. الآية﴾، ويرفع يديه، ويدعو بدعاء النبي ﷺ : "اللهم سُقيا رحمة، ولا سقيا عذاب، ولا محق (١)، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق، اللهم على الظِّرَاب (٢) ومنابت الشجر، اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا هنيئا مريعا غدقا محللا سحا عاما طبقا (٣) دائمًا، اللهم اسقنا

стр. 36

الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنّ بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهمّ أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك؛ إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا، ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة الثانية. ويحوّل رداءه من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه، ويجعل أعلاه أسفله، ويتركه إلى أن ينزعه مع ثيابه، ويفعل الناس مثل ذلك، فإن لم يُسقو أعادوا ثانيا وثالثا، فإن تأهبوا للصلاة فَسُقُوا قبل الصلاة صلوا، وشكروا الله تعالى، وسألوه الزيادة. ويستحب الاستسقاء خلف الصلوات بالدعاء، ويستحبّ لأهل الخصب أن يدعو لأهل (١) الجدب، ويستحبّ أن يقف في أول المطر (٢) ليصيبه، وأن يغتسل في الوادي إذا سال، ويسبح للرعد والبرق.

стр. 37

كتاب الجنائز: باب ما يفعل بالميت: يستحب لكل أحدٍ أن يكثر ذكر الموت، وأن يعود المريض، فإن رجاه دعا له وانصرف، وإن خاف أن يموت رغّبه في التوبة والوصية، وإن رآه منزولا به وجّهه إلى القبلة، ولقّنه قول: لا إله إلا الله، فإذا مات استحبّ لأرفقهم به أن يغمض عينيه، ويشد لحييه، ويلين مفاصله، ويخلع ثيابه، ويسجيه بثوب، ويجعل على بطنه حديدًا أو طينًا رطبا، ويسارع إلى قضاء دينه والتوصل إلى إبرائه منه، وتفرقة وصيته، ويبادر إلى تجهيزه، إلا أن يكون قد مات فجأة؛ فيُترك ليتيقن موته. باب غسل الميت: وغسل الميت فرض على الكفاية, والأولى أن يتولاه أبوه وجده وابنه وعصبته، ثم الرجال الأجانب، ثم الزوجة، ثم النساء الأقارب, وإن كانت امرأة غسّلها النساء الأقارب، ثم النساء الأجانب، ثم الزوج، ثم الرجال الأقارب، وذوو المحارم أحقّ من غيرهم، فإن مات رجل وليس هناك إلا امرأة أجنبية، أو ماتت امرأة وليس هناك إلا رجل أجنبي يُمِّمَا، فإن مات كافر فأقاربه الكفار أحقّ من أقاربه المسلمين. ويستر الميت في الغسل عن العيون، ولا ينظر الغاسل إلا إلى ما لا بدّ له منه، والأولى أن يُغسّل في قميص، وغير المسخن من الماء

стр. 38

أولى إلا أن يحتاج إلى المسخن، وينوي غسله، وينجيه، ولا يجوز أن يمسّ عورته, ويستحب أن لا يمسّ سائر بدنه إلا بخرقة، ويوضئه وضوءًا كما يوضئه للصلاة، ثم يغسل رأسه بماء وسدر، ويسرّح شعره، ويغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، ثم يفيض الماء على جميع بدنه، ويفعل ذلك ثلاثًا، يتعاهد في كل مرة إمرار اليد على البطن، وإن احتاج إلى الزيادة على ذلك غسل، ويكون وترًا، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا، ويقلّم أظافره، ويحف (١) شاربه، ويحلق عانته. والفرض من ذلك: النية، والغسل، ثم ينشفه في ثوب، فإن خرج منه بعد الغسل شيء أعيد غسله. وقيل: يوضأ. وقيل: يكفيه غسل المحل، ومن تعذّر غسله يمم. باب الكفن: وتكفين الميت فرض على الكفاية، ويجب ذلك في ماله مقدَّمًا على الدين والوصية، فإن كانت امرأة لها زوج فعلى زوجها. وقيل: في مالها، وإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، فإن لم يكن ففي بيت المال. ويستحب أن يكفّن الرجل في ثلاثة أثواب: إزار، ولفافتين بيض. والمرأة في خمسة أثواب: إزار، وخمار، ودرع، ولفافتين بيض. ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه. والواجب ثوب واحد. ويستحب أن يذر الحنوط والكافور في الأكفان، ويجعل الحنوط (٢) والكافور في قطن، ويترك على منافذ الوجه، وعلى الأذن, وعلى مواضع السجود، ولو طيّب جميع بدنه بالكافور فهو حسن، فإن كان مُحْرِمًا لم يقرب الطيب، ولا يلبس المخيط، ولا يخمر رأسه. باب الصلاة على الميت: وهي فرض على الكفاية، والسنة أن تفعل في جماعة، وأولى الناس بذلك

стр. 39

أبوه، ثم جده، ثم ابنه, ثم ابن ابنه, على ترتيب العصبات، فإن استوى اثنان في درجةٍ قُدِّم أسنهما، فإن استويا في ذلك أُقرع بينهما، فإن اجتمع المناسب والوالي قُدِّم المناسب في أصح القولين. فإن اجتمع جنائز قُدِّم إلى الإمام أفضلهم. ويقف الإمام عند رأس الرجل, وعند عجيزة المرأة، وينوي، ويكبر أربع تكبيرات، يرفع معها اليد، يقرأ في الأولى: الفاتحة. وفي الثانية: يصلي على رسول الله ﷺ . وفي الثالثة: يدعو للميت: اللهمّ هذا عبدك وابن عَبْدَيْك، خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبائه فيها إلى ظُلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأنّ محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم نزل بك، وأنت خير منزول به, وأصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك، شفعاء له، اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، ولقّه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك؛ يا أرحم الراحمين (١). ويقول في الرابعة: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم يسلّم تسليمتين. والواجب من ذلك: النية، والتكبيرات، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي، وأدنى الدعاء للميت، والتسليمة الأولى. ومن سبقه الإمام ببعض التكبيرات دخل في الصلاة, وأتى بما أدرك، فإذا سلّم الإمام كبّر ما بقي متواليًا، ثم يسلّم، ومن فاته جميع الصلاة صلّى على القبر أبدًا. وقيل: يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه عند الموت. وقيل: إلى شهر. وقيل: ما لم يبل جسده. وإن كان الميت غائبا عن البلد صلّى عليه بالنية؛ كما صلّى رسول الله ﷺ على النجاشي. وإن وُجد بعض الميت غُسل، وكُفن، وصُلِّي عليه. ومن مات من المسلمين في حرب الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب لم يغسل ولم يصل عليه، بل ينزع عنه ثياب الحرب، ويدفن بما بقي من ثيابه. ومن مات في

стр. 40

حرب أهل البغي ومن أهل العدل غُسل, وصُلِّي عليه في أصح القولين. ويغسل السقط الذي نُفخ فيه الروح ولم يستهل، ويُكفّن, ولا يُصلَّى عليه، وإن لم ينفخ فيه الروح كفن، ودفن. وإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه صلّى على كل واحد منهم ينوي أنه هو الذي يصلي عليه. باب حمل الجنازة، والدفن: والأفضل أن يجمع في حمل الجنازة بين التربيع والحمل بين العمودين، فإن أراد أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل. ويستحب أن يسرع بالجنازة، وأن يكون الناس أمامها بقربها، ثم يدفن، وهو فرض على الكفاية، والأولى أن يتولّى ذلك من يتولى غسله، وأن يكون عددهم وترًا، وأن يكون بالنهار, ويعمّق القبر قدر قامة وبسطة، ويدفن في اللحد إلا أن تكون الأرض رخوة فيشق ويدفن في شقها. ويسلّ (١) الميت من قبل رأسه إلى القبر، ويُسجّى بثوب عند إدخاله إلى القبر, ويقول الذي يدخله: باسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ، ويضجع على جنبه الأيمن، ويوضع تحت رأسه لبنة، ويُفضى بخده إلى الأرض, ويُحثى عليه التراب باليد ثلاث حثيات، ثم يهال عليه التراب بالمساحي، ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر، وتسطيحه أفضل، ويرش عليه الماء، ولا يجصص، ولا يبنى عليه، ولا يدفن اثنان في قبر إلا لضرورة, ويُقدّم الأسن الأقرأ إلى القبلة. والدفن في المقبرة أفضل، فإن دُفن من غير غسل أو إلى غير القبلة نُبش, وغُسّل، ووجِّه إلى القبلة. وإن وقع في القبر شيء له قيمة نُبِش وأُخِذ، وإن بلع الميت مالا لغيره شُقّ جوفه, وأخرج. وإن ماتت امرأة وفي جوفها ولد يُرجى حياته شُقّ جوفها، وأخرج. وإن لم يرج ترك عليه شيء حتى يموت. ويستحب للرجال زيارة القبور، ويقول إذا زار: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنِّا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. ولا يجلس على قبر ولا يدوسه إلا لحاجة. ويكره المبيت في المقبرة.
следующие страницы →