← Фикх шафии

Фикх шафии · id 7589

التنبيه في الفقه الشافعي

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (261 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أربع مرات أشهد أنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وفي الخامسة تقول: وعليّ غضب الله إن كان من الصادقين. فإذا لاعنت سقط عنها الحد. فإن أبدل لفظ الشهادة بالحلف أو القسم فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز. وإن أبدل لفظ الغضب باللعنة لم يجز. وإن أبدل الزوج اللعنة بالغضب فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز. وإن قدّم لفظ اللعنة أو الغضب على الشهادة لم يجز. وقيل: يجوز، والأول أصحّ. وإن لاعنت المرأة قبل الرجل لم يعتدّ به. والمستحب أن يتلاعنا من قيامٍ. فإذا بلغ الرجل إلى اللعنة، أو بلغت المرأة إلى الغضب؛ استحب أن يقول الحاكم: إنها موجبة للعذاب، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويأمر رجلًا أن يضع اليد على فمه، ويأمر امرأة أن تضع اليد على فمها، فإن أبيا تركهما. ويلاعن بينهما بحضرة جماعة، وأقلهم أربعة. ويلاعن بينهما بعد العصر. فإن كان بمكة لاعن بين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند منبر النبي ﷺ , وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة، وإن كان في غيرها من البلاد ففي الجوامع عند المنبر، أو على المنبر، وإن كان أحدهما جنبًا لاعن على باب المسجد، وإن كانا ذميين لاعن بينهما في المواضع التي يعظمونها، وإن ترك التغليظ بالجماعة والزمان جاز، وإن ترك التغليظ بالمكان ففيه قولان. وإذا تلاعنا ثم قذفها أجنبي حُدّ، فإن قذفها الزوج عُزِّر، ولم يلاعن على المذهب. وإن أكذب الزوج نفسه حُدّ إن كانت (١) محصنة (٢)، وعُزّر إن كانت غير محصنة، ولحقه النسب. وإن أكذبت المرأة نفسها حُدّت حدّ الزنى. باب ما يلحق من النسب, وما لا يلحق: ومن تزوّج بامرأة فأتت بولدٍ يمكن أن يكون منه لحقه نسبه, ولا ينتفي عنه إلا بلعان، وإن لم يمكن أن يكون منه -بأن يكون له دون عشر سنين، أو كان

стр. 177

مقطوع الذكر والأنثيين جميعًا, أو أتت به امرأته لدون ستة أشهر من حين العقد، أو أتت به مع العلم أنه لم يجتمع معها، أو أتت بولدٍ لأكثر من أربع سنين من حين اجتمع معها- انتفى عنه من غير لعان. فإن وطئها ثم طلّقها طلاقًا رجعيًّا، ثم أتت بولد لأكثر من أربع سنين ففيه قولان: أحدهما: لا يلحقه. والثاني: يلحقه، ولا ينتفي إلا بلعانٍ. وإن أبانها وانقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر، ثم أتت بولدٍ لستة أشهر من حين النكاح الثاني؛ فهو للزوج الثاني. وإن وطئ امرأة بشبهة فأتت بولدٍ يمكن أن يكون منه لحقه، ولا ينتفي عنه إلا بلعان. ومن لحقه نسب يعلم أنه من زنى لزمه نفيه باللعان. وإن رأى فيه شبهًا لغيره فقد قيل: له نفيه باللعان. وقيل: ليس له ذلك. ومن لحقه نسب فأخّر نفيه من غير عذر سقط نفيه. وفيه قول آخر: أن له نفيه إلى ثلاثة أيام. وإن ادّعى أنه لم يعلم بالولادة -ومثله يجوز أن يخفى عليه- فالقول قوله، وإن قال: لم أعلم أن لي النفي, أو لم أعلم أن النفي على الفور؛ فإن كان قريب العهد بالإسلام قُبِل منه، وإن كان يجالس العلماء لم يُقبل منه، وإن كان من العامة فقد قيل: يُقبل. وقيل: لا يُقبل، وإن أخّر النفي لعذر -من مرضٍ، أو حبسٍ, أو حفظِ مالٍ، أو كان غائبًا- ولم يمكنه أن يسير، فبعث إلى الحاكم وأعلمه أنه على النفي؛ كان له نفيه, وإن لم ينفه ولم يشهد لم يجز له نفيه، وإن كان الولد حملًا فترك نفيه وقال: لم أتحقق قُبِل قوله, وإن قال: علمت ولكن قلت: لعلّه يموت فأُكفى اللعان؛ لحقه. وإن هُنِّئ بالولد وقيل: له بارك الله لك فيه، أو جعل الله خلفًا مباركا، فأجاب بما يتضمّن الإقرار -بأن أمّن على الدعاء وما أشبهه- لزمه، وإن أجاب بما لا يتضمن الإقرار -بأن قال: بارك الله عليك، أو رزقك الله مثله، أو أحسن الله جزاءك- لم يلزمه. وإن أتت امرأته بولدين بينهما دون ستة أشهر فأقرّ بأحدهما، أو أخّر نفيه؛ لحقه الولدان، وإن مات الولد قبل النفي جاز له نفيه بعد الموت، ومن أتت أمته بولدٍ يمكن أن يكون منه؛ فإن لم يطأها لم يلحقه، وإن وطئها لحقه، ولا ينتفي عنه إلا أن يدّعي الاستبراء ويحلف عليه. وإن قال: كنت أطأ وأعزل لحقه. وإن قال: كنت أطؤها دون الفرج فقيل: يلحقه. وقيل: لا

стр. 178

يلحق، وإن وطئ أمته ثم أعتقها, واستبرأت، ثم أتت بولدٍ لستة أشهر من حين العتق لم يلحقه. وقيل: يلحقه. وإن اشترك اثنان في وطء امرأة، فأتت بولد، أو انفرد به كل واحد منهما لحقه؛ عُرض على القافة، فإن ألحقته بأحدهما لحقه، وإن لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها، أو ألحقته بهما، أو نفته منهما؛ تُرك حتى يبلغ، فينتسب إلى من يقوى في نفسه أنه أبوه. ولا يُقبل قول القائف إلا أن يكون ذكرًا حرًّا عدلًا مجربًا في معرفة النسب، ويجوز أن يكون واحدًا. وقيل: لا بدّ من اثنين.

стр. 179

كتاب الأيْمان: باب من يصحّ يمينه، وما يصحّ به اليمين: يصحّ اليمين من كل بالغٍ، عاقلٍ، مختارٍ، قاصدٍ إلى اليمين. فأمّا الصبّي فلا يصح يمينه، ومن زال عقله بنوم أو مرض لا يصح يمينه, وإن زال بمحرّم صحّت يمينه. وقيل: فيه قولان، ومن أُكره على اليمين لم يصحّ يمينه، ومن لم يقصد اليمين فسَبَق لسانُه إليها أو قصد اليمين على شيء فسبقت يمينه إلى غيرها لم يصحّ يمينه، وذلك لغوُ اليمين الذي لا يؤاخذ به. ويصحّ اليمين على الماضي والمستقبل, فإن حلف على ماضٍ وهو صادق فلا شيء عليه، وإن كان كاذبًا أَثِم، وعليه الكفارة، وهذه اليمين هي اليمين الغموس (١) , وإن حلف على مستقبلٍ؛ فإن كان على أمرٍ مباح فقد قيل: إن الأولى أن لا يحنث. وقيل: الأولى أن يحنث، وإن حلف على فعلِ مكروه أو تركِ مستحب فالأولى أن يحنث. ويكره أن يحلف بغير الله سبحانه، فإن حلف بغيره -كالنبي والكعبة- لم ينعقد يمينه. وإن قال: إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني لم ينعقد يمينه، ويستغفر الله تعالى، ويقول: لا إله إلا الله، فإن حلف باسمِ الله تعالى لا يُسمَّى به غيرُه -كقوله: والله، والرحمن، والقدوس، والمهيمن، وعلّام الغيوب، وخالق الخلق، والواحد الذي ليس كمثله شيء، وما أشبهه- انعقد يمينه، وإن حلف باسمٍ له يُسمّى به غيرُه مع التقييد -كالرب، والرحيم، والقاهر، والقادر- ولم ينو به

стр. 180

غيره انعقدت يمينه، وإن نوى به غيره لم ينعقد يمينه، وإن حلف بما يشترك فيه هو وغيره -كالحيّ، والموجود، والغني، والسميع، والبصير- لم ينعقد يمينه إلا أن ينوي به الله . وإن قال: والله لأفعلنّ كذا لم يكن يمينًا إلا أن ينوي به اليمين، وإن قال: بالله لأفعلنّ كذا -وأراد بالله أستعين لأفعلنّ كذا- لم يكن يمينًا. وإن حلف بصفةٍ من صفات الذات لا تحتمل غيره -وهي عظمة الله، وجلال الله، وعزّة الله، وكبرياء الله، وبقاء الله، وكلام الله، والقرآن- انعقدت يمينه، وإن كان يُستعمل في مخلوقٍ -وهو قوله: وعلم الله، وقدرة الله، وحق الله- ونوى بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور، وبالحق العبادات؛ لم تنعقد يمينه، وإن لم ينو شيئًا انعقدت يمينه. وإن قال: لعمر الله فهو يمين إلا أن ينوي به غير اليمين على ظاهر المذهب. وقيل: ليس بيمين إلا أن ينوي اليمين. وإن قال: أقسمتُ بالله، أو أقسم بالله انعقدت يمينه، وإن قال: أردت بالأول الخبر عن ماضٍ، والثاني الخبر عن مستقبل؛ قُبِلَ فيما بينه وبين الله ، وهل يُصدّق في الحكم؟ قيل: لا يصدّق. وقيل: إن كان في الإيلاء لا يصدّق، وإن كان في غيره صدّق. وقيل: فيه قولان. وإن قال: أشهد بالله فقد قيل: هو يمين إلّا أن ينوي بالشهادة غير القسم. وقيل: ليس بيمين إلا أن ينوي به القسم. وإن قال: أعزم بالله لم يكن يمينًا إلا أن ينوي به اليمين، وإن قال: عليّ عهد الله وميثاقه وذمّته وأمانته وكفالته لا فعلت كذا فليس بيمين إلا أن ينوي به اليمين. وإن قال: أسألك بالله، وأقسمتُ عليك بالله لتفعلنّ كذا؛ فليس بيمين إلا أن ينوي به اليمين. وإن حلف رجل بالله تعالى، فقال آخر: يميني في يمينك، أو يلزمني مثل ما يلزمك؛ لم يلزمه شيء، وإن كان ذلك في الطلاق والعتاق ونوى لزمه ما لزم الحالف، وإن قال: اليمين لازمة لي لم يلزمه شيء، وإن قال: الطلاق والعتاق لازمٌ لي ونواه لزمه، وإن قال: أيْمان البيعة لازمة لي لم يلزمه إلا أن ينوي الطلاق والعتاق فيلزمه. وإن قال: الحلال عليّ حرام ولم تكن له زوجة ولا جارية لم يلزمه شيء, وإن كانت له زوجة فنوى طلاقها أو جارية فنوى عتقها وقع الطلاق والعتق، وإن نوى الظهار

стр. 181

صحّ الظهار في الزوجة دون الأمة, وإن نوى تحريمها لزمه بنفس اللفظ لكل واحدة منهما كفارة يمين، وإن لم ينو شيئًا ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يلزمه شيء. والثاني: أنه يلزمه كفارة يمين. باب جامع الأيمان: إذا قال: واللهِ لا سكنت دارًا وهو فيها وأمكنه الخروج منها ولم يخرج حنث، وإن خرج منها بنية التحوّل لم يحنث، وإن رجع إليها لنقل القماش لم يحنث. وإن حلف لا يُساكن فلانًا، فسكن كل واحد منهما في بيت من دار كبيرة أو خان، وانفرد بباب وغلق؛ لم يحنث. وإن حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها فلم يخرج ففيه قولان. وإن حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه واستدام، أو لا يركب دابة وهو راكبها واستدام؛ حنث. وإن حلف لا يتزوج وهو متزوج، أو لا يتطيب وهو متطيب، أو لا يتطهر وهو متطهر فاستدام؛ لم يحنث. وإن حلف لا يدخل دارًا فصعد سطحها لم يحنث. وقيل: إن كان محجرا حنث، وإن كان فيها نهر فحصل في النهر الذي فيها، أو صعد شجرة يحيط بها حيطان الدار؛ حنث. وإن حلف لا يدخل دار فلان هذه، فباعها ودخلها؛ حنث. وإن حلف لا يدخل دار فلان، فدخل دارًا يسكنها بكراء أو عارية؛ لم يحنث إلا أن ينوي ما يسكنها. وإن حلف لا يدخل مسكن فلان، فدخل ما يسكنها بإجارة أو إعارة؛ حنث. وإن حلف لا يدخل هذه الدار، فصارت عرصة (١) فدخلها؛ لم يحنث، وإن أعيدت بنقضها فدخلها؛ فقد قيل: يحنث. وقيل: لا يحنث. وإن قال: لا دخلتُ هذه الدار من بابها، فحوّل بابها إلى موضعٍ آخر؛ فقد قيل: لا يحنث، وهو ظاهرالنص. وقيل: يحنث، وهو الأظهر. وإن حلف لا يدخل بيتًا، فدخل بيتًا من شَعْر أو أدم؛ حنث على ظاهر النص. وقيل: إن دخله حضريٌّ لم يحنث، وإن حلف لا يدخل بيتًا، فدخل مسجدًا لم يحنث. وإن

стр. 182

حلف لا يأكل هذه الحنطة, فجعلها سويقًا أو دقيقًا أو خبزًا، فأكله؛ لم يحنث. وإن حلف لا يأكل الخبز، فشرب الفتيت؛ لم يحنث. وإن حلف لا يشرب السويق، فاستفّه؛ لم يحنث، وإن حلف لايأكل سويقًا ولايشربه، فذاقه؛ لم يحنث. وإن حلف لا يذوق شيئًا، فمضغه ولَفَظَه؛ فقد قيل: يحنث. وقيل: لا يحنث. وإن حلف لا يأكل سمنًا، فأكله في عصيدة وهو ظاهر فيها؛ حنث، وإن أكله مع الخبز حنث على ظاهر المذهب. وقيل: لا يحنث. وإن حلف لا يشرب من هذا الكوز، فجعل ما فيه في غيره فشربه؛ لم يحنث. وإن حلف لا يشرب من هذا النهر، فشرب ماءه في كوزٍ؛ حنث. وإن حلف لا يأكل لحمًا، فأكل شحمًا، أو كلية، أو ثربًا (١)، أو كرشا، أو كبدًا، أو طحالًا، أو قلبًا؛ لم يحنث، وإن أكل من الشحم الذي على الظهر حنث، وإن أكل الألية لم يحنث. وقيل: يحنث, وإن أكل السمك لم يحنث، وإن حلف على الشحم، فأكل سمين الظهر أو الألية؛ لم يحنث, وإن حلف لا يأكل الرؤوس لم يحنث إلا بما يُباع منفردًا، وهي رؤوس الإبل والبقر والغنم، فإن كان في بلدٍ تُباع رؤوس الصيد فيه منفردة حنث بأكلها, وإن كان في بلدٍ لا تُباع فيه فقد قيل: يحنث. وقيل: لا يحنث. وإن حلف لا يأكل البيض لم يحنث إلا بما يفارق بائضه، فإن أكل بيض السمك والجراد لم يحنث. وإن حلف لا يأكل أدمًا حنث بأكل الملح واللحم، وإن أكل الثمر لم يحنث. وقيل: يحتمل أن يحنث. وإن حلف لا يأكل رطبًا أو بسرًا (٢)، فأكل منصّفًا، حنث, وإن حلف لا يأكل بسرة أو رطبة، فأكل منصّفا؛ لم يحنث. وإن حلف لا يأكل لبنًا، فأكل شيرازًا (٣) أو دُوغًا (٤)؛ حنث، وإن أكل جبنًا، أو لُورًا، أو مَصلًا (٥)، أو كشكًا، أو أقطًا (٦)؛ لم يحنث. وإن حلف لا يأكل

стр. 183

فاكهة، فأكل الرطب, أو العنب، أو الرمان؛ حنث. وإن حلف لا يشمّ الرَّيحان، فشمّ الضميران؛ حنث، وإن شمّ الورد والياسمين لم يحنث. وإن حلف لا يلبس شيئًا، فلبس درعًا أو جَوْشَنًا (١)، أو خفًّا، أو نعلًا؛ حنث. وقيل: لا يحنث. وإن حلف على رداء أنه لا يلبسه، ولم يذكر الرداء في يمينه، فقطعه قميصًا ولبس؛ حنث. وقيل: لا يحنث. وإن حلف لا يلبس حليًّا، فلبس خاتمًا، أو مخنقة لؤلؤ؛ حنث. وإن منَّ عليه رجلٌ، فحلف لا يشرب له ماء من عطشٍ، فأكل له خبزًا، أو لبس له ثوبًا، أو شرب له ماء من غير عطش؛ لم يحنث, وإن حلف لا يلبس له ثوبًا، فوهبه منه، أو اشتراه، أو لبس ما اشترى له؛ لم يحنث. وإن حلف لا يضربها، فنتف شعرها، أو عضّها؛ لم يحنث. وإن حلف لا يهب له، فتصدّق عليه؛ حنث، وإن أعاره، أو وصّى له؛ لم يحنث، وإن وهب له، فلم يقبل؛ لم يحنث. وإن قبل ولم يقضه لم يحنث. وقيل: يحنث. وإن حلف لا يتكلم، فقرأ القرآن؛ لم يحنث. وإن حلف لا يكلمه، فراسله، أو كاتبه، أو أشار إليه؛ لم يحنث في أصح القولين. وإن قال: لا صلّيتُ، فأحرم بها؛ حنث. وقيل: لا يحنث حتى يركع. وإن حلف لا مال له وله دين فقد قيل: يحنث. وقيل: لا يحنث. وإن حلف ما له رقيق، أو ما له عبد، وله مكاتب؛ لم يحنث في أظهر القولين، ويحنث في الآخر. وإن حلف لا تسرّيت فقد قيل: لا يحنث حتى يحصن الجارية ويطأها وينزل. وقيل: يحنث بالتحصين والوطء. وقيل: يحنث بالوطء وحده. وإن قال: لا رأيت منكرًا إلا رفعتُه إلى القاضي فلان، ولم ينو أنه يرفع إليه وهو قاض، فعزل، ثم رفع إليه؛ فقد قيل: يحنث. وقيل: لا يحنث. وإن قال: لا رأيت منكرًا إلا رفعته إلى القاضي حُمِل على قاضي ذلك البلد من كان. وإن حلف لا يُكلّم فلانًا حينًا، أو دهرًا، أو زمانًا، أو حقبًا؛ برّ بأدنى زمان. وإن حلف لا يستخدم فلانًا، فخدمه وهو ساكت؛ لم يحنث. وإن حلف لا يتزوج، ولا

стр. 184

يطلّق، فوكّل فيه غيره حتى فعل؛ لم يحنث. وإن حلف لا يبيع، أو لا يضرب، فوكّل فيه غيره حتى فعل؛ لم يحنث في أظهر القولين، وفيه قول آخر: أنه إن كان ممن لا يتولّى ذلك بنفسه حنث. وإن حلف ليضربنّ عبده مائة سوط، فشدّ مائة سوط، وضربه ضربة واحدة، وتحقّق أنّ الكل أصابه؛ برّ, وإن لم يتحقق لم يبرّ، والورع أن يكفّر، وإن حلف ليضربنه مائة ضربة، فضربه بالمائة المشدودة دفعة واحدة؛ فقد قيل: يبرّ. وقيل: لا يبرّ. وإن حلف لا يأكل هذه التمرة، فاختلطت بتمرٍ، فأكله إلا تمرة، ولم يعرف أنها المحلوف عليها؛ لم يحنث، والورع أن يكفّر. وإن حلف لا يأكل رغيفين، فأكلهما إلا لقمة؛ لم يحنث. وإن حلف لا يأكل هذه الرمانة، فأكلها إلا حبّة؛ لم يحنث. وإن حلف لا يشرب ماء الكوز، فشربه إلا جرعة؛ لم يحنث. وإن حلف لا يشرب ماء النهر، فشرب منه؛ لم يحنث. وقيل: يحنث بشرب بعضه. وإن حلف لا يأكل مما اشتراه زيدٌ، فأكل مما اشتراه زيدٌ وعمرٌو؛ لم يحنث، وإن اشترى كل واحد منهما شيئًا، فخلطاه، فأكل منه؛ فقد قيل: لا يحنث حتى يأكل أكثر من النصف. وقيل: إنْ أَكَلَ حبّة أو عشرين حبة؛ لم يحنث, وإن أكل كفًّا حنث. وإن حلف لا يدخل الدار، فدخلها ناسيًا أو جاهلًا؛ ففيه قولان، وإن أُدخل على ظهر إنسان باختياره حنث، وإن أُكره حتى دخل ففيه قولان، وإن حُمل مكرهًا لم يحنث. وقيل: على قولين. وإن حلف ليأكلنّ هذا الرغيف غدًا، فأكله في يومه؛ حنث, وإن تلف في يومه فعلى قولين؛ كالمكره، فإن تلف من الغد، وتمكّن من أكله؛ فقد قيل: يحنث. وقيل: على قولين، وهو الأشبه. وإن قال: لا فارقتُ غريمي، فهرب منه؛ لم يحنث. وإن حلف فقال: إن شاء الله متصلًا باليمين لم يحنث، وإن جرى الاستثناء على لسانه على العادة ولم يقصد به رفع اليمين لم يصحّ الاستثناء, وإن عقد اليمين ثم عَنَّ له الاستثناء لم يصح الاستثناء، وإن عَنَّ له الاستثناء في أثناء اليمين فقد قيل: يصح. وقيل: لا يصح. وإن قال: لا سلّمتُ على فلان، فسلّم على قومٍ هو فيهم، واستثناه بقلبه؛ لا يحنث, وإن لم ينو شيئًا ففيه قولان. وإن قال: لا دخلتُ على فلان، فدخل على قوم هو فيهم، واستثناه بقلبه؛ فقد قيل: لا يحنث. وقيل يحنث.

стр. 185

باب كفارة اليمين: إذا حلف وحنث لزمه الكفارة، فإن كان يكفّر بالصوم لم يجز حتى يحنث، وإن كان يكفّر بالمال فالأولى أن لا يكفّر حتى يحنث، فإن كفّر قبل أن يحنث جاز. وقيل: إن كان الحنث بمعصيةٍ لم يجز أن يكفّر قبل الحنث، وليس بشيء. والكفارة أن يعتق رقبة، أو يطعم عشرة مساكين, أو يكسوهم، والخيار في ذلك إليه، وإن أراد العتق أعتق رقبة كما ذكرنا في الظهار, وإن أراد الإطعام أطعم كلَّ مسكينٍ رطلًا وثلثًا كما ذكرناه في الظهار، وإن أراد الكسوة دفع إلى كل مسكينٍ ما يقع عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو منديل أو مئزر، فإن أعطاهم قلنسوة فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز، ولا يجوز فيه الخَلِق، ويجوز ما غُسل دفعة أو دفعتين. فإن كان مُعسرًا لا يقدر على المال كفّر بالصوم، وإن كان له مال غائب لم يجز أن يكفّر بالصوم. والصوم ثلاثة أيام، والأولى أن يكون متتابعًا، فإن فرّقها ففيه قولان: أصحهما: أنه يجوز. وإن (١) كان الحالف كافرًا لم يجز أن يكفّر بالصوم، فإن كان عبدًا فأذن له المولى في التكفير بالمال لم يجز له في أصح القولين، ويجوز في الآخر بالإطعام والكسوة دون العتق، وإن أراد أن يكفّر بالصوم في وقتٍ لا ضرر على مولاه فيه جاز، وإن كان عليه فيه ضرر؛ نظر، فإن حلف بغير إذنه وحنث بغير إذنه لم يجز، وإن حلف بإذنه وحنث بغير إذنه فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز، وهو الأصح، فإن خالف وصام أجزأه، وإن كان نصفه حرًّا ونصفه عبدًا وله مال كفّر بالطعام والكسوة. وقيل: هو كالعبد القن، والأول أصحّ. باب العدة: إذا طلّق امرأته بعد الدخول وجبت عليها العدة، وإن طلّقها بعد الخلوة ففيه قولان: أصحهما: أنه لا عدّة عليها. ومن وجبت عليها العدة وهي حامل اعتدت بوضع الحمل، وأكثره: أربع سنين، فإن وضعت بما لا يتصور فيه خلق

стр. 186

آدمي وشهد القوابل أنّ ذلك خلق آدمي فقد قيل: تنقضي به العدة. وقيل: فيه قولان. وإن كانت من ذوات الأقراء اعتدت بثلاثة أطهار، ومتى يحكم بانقضاء العدة؟ قيل: فيه قولان: أحدهما: إن كان الطلاق في طهر انقضت العدة بالطعن في الحيضة الثالثة، وإن كان في الحيض انقضت العدة بالطعن في الحيضة الرابعة. والقول الثاني: لا تنقضي العدة حتى تحيض يومًا وليلة. وقيل: إن حاضت للعادة انقضت العدة بالطعن في الحيض، وإن حاضت لغير العادة لم تنقض حتى يمضي يوم وليلة. وإن كانت ممن لا تحيض لصغرٍ أو يأسٍ اعتدت بثلاثة أشهر. فإن انقطع دمُها لغير عارضٍ وهي ممن تحيض ففيه قولان: أحدهما: تقعد إلى اليأس، ثم تعتد بالشهور. وفي الإياس قولان: أحدهما: إياس أقاربها. والثاني: إياس جميع النساء. والقول الثاني تقعد إلى أن يعلم براءة الرحم ثم تعتد بالشهور، وفي قدر ذلك قولان: أحدهما: تسعة أشهر. والثاني: أربع سنين. وإن اعتدت الصغيرة بالشهور فحاضت في أثنائها انتقلت إلى الأطهار، ويحتسب بما مضى طهر. وقيل: لا يحتسب، والأول أصحّ. وإن كانت أمة؛ فإن كانت حاملًا فعدتها بالحمل، وإن كانت من ذوات الأقراء اعتدت بقرأين، وإن كانت من ذوات الشهور ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: ثلاثة أشهر. والثاني: شهران. والثالث: شهر ونصف، فإن أعتقت في أثناء العدة؛ فإن كانت رجعية أتمّت عدة حرة، وإن كانت بائنًا ففيه قولان. ومن وُطئت بشبهة وجبت عليها عدة المطلّقة. ومن مات عنها زوجها وهي حامل اعتدت بالحمل، وإن كانت حائلًا أو حاملًا بحملٍ لا يجوز أن يكون منه اعتدت بأربعة أشهر وعشر، وإن كانت أمة اعتدت بشهرين وخمس ليال. وإن طلّق امرأته طلقة رجعية ثم تُوفي عنها انتقلت إلى عدة الوفاة، وإن طلّق إحدى امرأتيه ثلاثًا بعد الدخول ومات قبل أن يتبيّن وجبت على كل واحدة منهما أطول العدتين من الأقراء أو الشهور. ومن فُقِد زوجُها أو انقطع عنها خبرُه ففيه قولان: أحدهما: أنها تكون على الزوجية إلى أن تتحقق الموت، وهو الأصح. والثاني: أنها تصبر أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة، ثم تحلّ للأزواج في الظاهر، وهل تحل في الباطن؟ ففيه قولان. ويجب الإحداد في

стр. 187

عدة المتوفّى، ولا يجب في عدة الرجعية والموطوءة بشبهة, وفي عدة البائن قولان: أصحهما: أنه لا يجب فيها الإحداد. والإحداد: أن تترك الزينة، فلا تلبس الحلي، ولا تتطيب، ولا تخضب، ولا ترجّل الشعر، ولا تكتحل بالإثمد والصبر، فإن احتاجت إليه اكتحلت بالليل وغسلت بالنهار، ولا تلبس الأحمر والأزرق الصافي. ولا يجوز للمبتوتة ولا للمتوفّى عنها زوجها أن تخرج من المنزل لغير حاجة، وإن أرادت الخروج لحاجة -كشراء القطن، وبيع الغزل- لم يجز ذلك بالليل. ويجوز للمتوفّى زوجها الخروج لقضاء الحاجة بالنهار، وفي المطلقة البائن قولان: أصحهما: أنه يجوز. وإن وجب عليها حقٌّ يختصّ بها وهي بَرزة خرجت، فإذا وفّت رجعت، وبنت. وتجب العدّة في المنزل الذي وجبت فيه، فإن وجبت وهي في مسكن لها وجب لها الأجرة, وإن وجبت وهي في مسكنٍ للزوج لم يجز أن يسكن معها إلا أن تكون في دارٍ فيها ذو رحم محرّم لها أو له ولها موضع تنفرد به. ولا يجوز نقلها من المسكن الذي وجبت فيه العدة إلا لضرورة أو بذاءة (١) على أحمائها، فتنتقل إلى أقرب المواضع إليها، وإن أمرها بالانتقال إلى موضعٍ آخر، فانتقلت، ثم طلّقها قبل أن تصير إلى الثاني فقد قيل: تمضي. وقيل: هي بالخيار بين المجيء وبين العود، فإن أَذِن لها في السفر، فخرجت ووجبت العدّة قبل أن تفارق البلد فقد قيل: عليها أن تعود. وقيل: لها أن تمضي، ولها أن تعود، فإن فارقت البلد ثم وجبت العدة فلها أن تمضي في السفر، ولها أن تعود، وإن وصلت إلى المقصد؛ فإن كان السفر لقضاء حاجةٍ لم تقم بعد قضائها، وإن كان لتنزّهٍ أو زيارةٍ لم تقم أكثر من ثلاثة أيام، وإن قدّر لها مقام مدة ففيه قولان: أحدهما: لا تقيم أكثر من ثلاثة أيام. والثاني: تقيم المدة التي أذن فيها، فإن قضت الحاجة في المسألة الأولى، وانقضت المدة في الثانية، وبقي من العدّة ما تعلم أنه ينقضي قبل أن تعود إلى البلد؛ فقد قيل: لا يلزمها العود. وقيل: يلزمها، وإن أذن لها في الخروج إلى منزلٍ أو إلى بلدٍ لحاجة، ثم اختلفا,

стр. 188

فقالت: نقلتني إلى الثاني ففيه أعتدُّ، وقال: ما نقلتك؛ فالقول قول الزوج، وإن مات الزوج واختلفت هي والورثة في ذلك فالقول قولها. وإن أحرمت بإذنه، ثم طلّقها؛ فإن كان الوقت ضيِّقًا مضت في الحج، وإن كان واسعًا أتمّت العدة. وإن وجبت العدة، ثم أحرمت؛ أتمت العدة بكل حال. وإن تزوجت في العدة، ووطئها الزوج وهي غير حامل؛ انقطعت العدة، فإذا فُرِّق بينهما أتمت العدة من الأول، ثم استقبلت العدة من الثاني، وإن كانت حاملًا لم تنقطع العدة، فإن وضعت استقبلت العدة من الثاني, وإن وطئها الثاني وظهر بها حمل يمكن أن يكون من كل واحدٍ منهما اعتدت به عمّن يلحقه، ثم تستقبل العدة من الآخر. وإن وطئها الزوج في العدة بشبهةٍ استأنفت العدة، ودخلت فيها البقية، وله الرجعة فيما بقي من العدة الأولى، فإن حبلت من الوطء الثاني فقد قيل: تدخل فيها البقية، وله الرجعة إلى أن تضع. وقيل: لا تدخل، فتعتد بالحمل عن الوطء، فإذا وضعت أكملت عدّة الطلاق بالأقراء، وله الرجعة في الأقراء، وهل له الرجعة في الحمل؟ قيل: له الرجعة. وقيل: ليس له. وإذا راجع المعتدة في أثناء العدة، ثم طلّقها قبل الدخول استأنفت العدة في أصحّ القولين، وبنت في القول الثاني، فإن تزّوج المختلعة في أثناء العدة، ثم طلّقها قبل الدخول؛ فقد قيل: تبني على العدة. وقيل: فيه قولان: أحدهما: تبني. والثاني: تستأنف. وإذا اختلفا في انقضاء العدة بالأقراء، فادّعت انقضاءها في زمانٍ يمكن انقضاء العدة فيه؛ فالقول قولها. وإن اختلفا في إسقاط جنينٍ تنقضى به العدة، فادّعت ما يمكن انقضاء العدة؛ فالقول قولها. وإن اختلفا هل طلّق قبل الولادة أو بعدها فالقول قوله. وإن اختلفا هل ولدت قبل الطلاق أو بعده فالقول قولها. وإن اختلفا هل انقضت عدتها بالحمل أم لا، فقال: الزوج لم تنقض عدتك بوضع الحمل، فعليك أن تعتدي بالأقراء، فقالت: انقضت؛ فالقول قول الزوج. باب الاستبراء: من ملك أمة لم يطأها حتى يستبرئها، فإن كانت حاملًا استبرأها بوضع

стр. 189

الحمل، وإن كانت حائلًا تحيض استبرأها بحيضةٍ في أصحّ القولين، وبطهرٍ في القول الآخر. وإن كانت ممن لا تحيض استبرأها بثلاثة أشهر في أصحّ القولين، وبشهرٍ في الثاني. فإن كانت مجوسية أو مرتدّة لم يصحّ استبراؤها حتى تسلم، وإن كانت مزوّجة أو معتدة لم يصحّ استبراؤها حتى يزول النكاح وتنقضي العدة، وإن ملكها بمعاوضةٍ لم يصحّ الاستبراء حتى يقبضها، وإن ملكها وهي زوجته حلّت من غير استبراء، والأولى أن لا يطأها حتى يستبرئها. ومن كاتب أمته ثم رجعت إليه بالفسخ لم يطأها حتى يستبرئها. وإن ارتدّ السيد، أو ارتدت الأمة، ثم عاد إلى الإسلام؛ لم يطأها حتى يستبرئها، وإن زوجها ثم طلّقها الزوج لم يطأها حتى يستبرئها، فإن طلقت بعد الدخول فاعتدت من الزوج فقد قيل: يدخل الاستبراء في العدة. وقيل: لا يدخل، بل يلزمه أن يستبرئها. ومن لا يحلّ وطؤها قبل الاستبراء لم يحلّ التلذذ بها قبل الاستبراء إلا المسبية (١)؛ فإنه يحلّ التلذّذ بها في غير الجماع. وقيل: لا يحلّ، والأول أظهر. ويحلّ بيع الأمة قبل الاستبراء، وأما تزويجها فينظر؛ فإن كان قد وطئها المالك أو من ملكها من جهته لم يجز تزويجها قبل الاستبراء، وإن لم يكن قد وطئها جاز. وإن أعتق أم ولده في حياته أو مات عنها لزمها الاستبراء، فإن أعتقها أو مات عنها وهي مزوجة أو معتدة لم يلزمها الاستبراء، فإن مات السيد والزوج أحدهما قبل الآخر ولم يعلم السابق منهما؛ فإن كان بين موتهما شهران وخمس ليال فما دونها لم يلزمها الاستبراء، وإن كان أكثر لزمها الأكثر من عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشر، أو الاستبراء، ويعتبر من موت الثاني منهما، ولا ترث من الزوج شيئًا. وإن اشترك اثنان في وطءِ أمة لزمها عن كل واحد منهما استبراء.

стр. 190

باب الرضاع: إذا ثار للمرأة لبنٌ على ولدٍ، فارتضع منها طفل له دون الحولين خمس رضعات متفرقات؛ صار ولدًا لها، وأولاده أولادها، وصارت المرأة أُمًّا له، وأمهاتها جدّاته، وآباؤها أجداده، وأولادها إخوته وأخواته، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وإن كان الحمل ثابت النسب من رجلٍ صار ولدًا له، وأولاده أولاده، وصار الرجل أبًا له، وأمهاته جدّاته (١)، وآباؤه أجداده، وأولاده إخوته وأخواته، وإخوته وأخواته أعمامه وعمّاته، ويحرم النكاح بينهما بالرضاع كما يحرم بالنسب، وتحلّ له الخلوة والنظر كما تحلّ بالنسب. وإن ارتضع ثم قطع باختياره من غير عارضٍ كان ذلك رضعة، وإن قطعت المرأة عليه لم يعتدّ بذلك رضعة. وقيل: يعتد به. وإن ارتضع من ثدي امرأة، ثم انتقل إلى ثدي امرأة أخرى؛ فقد قيل: لا يعتدّ بواحدة منهما. وقيل: يحتسب من كل واحدة منهما رضعة. وإن أوجر من لبنها وأسعط خمس دفعات ثبت التحريم، وإن حقن ففيه قولان, وإن حلبت لبنها كثيًرا في دفعة، وفرّق في خمس أوانٍ أوجر الصبي في خمس دفعات؛ ففيه قولان: أحدهما: أنه رضعة. والثاني: أنه خمس رضعات، وإن حلبت خمس دفعات وخلطت وأوجر الصبي في دفعة فهو رضعة. وقيل: فيه قولان. وإن حلبت في خمس دفعات وخلط وفرق في خمس أوانٍ وأوجر في خمس دفعات فهو خمس رضعات. وقيل: على قولين، وإن جبن اللبن، أو جُعل في (٢) خبزٍ أو ماء وأطعم حرم، وإن وقعت قطرة في حبّ ماء فسقي الصبي بعضه لم يحرم, وإن شرب وتقيّأ قبل أن يحصل في جوفه لم يحرم، وإن ارتضع من امرأة ميتة لم يحرم، وإن حلب منها في حياتها ثم أسقى الصبي بعد موتها حرم. وإن ثار لها لبن من وطء من غير حمل ففيه قولان: أحدهما: يحرّم. والثاني: لا يحرّم. وإن كان لها لبن من زوجٍ، فتزوجت بآخر، وحبلت منه، وزاد لبنها، وأرضعت صبيًّا؛ ففيه قولان: أحدهما: أنه ابن الأول. والثاني: أنه ابنهما، وإن انقطع اللبن من الأول، ثم حبلت من (٣) الثاني، ونزل اللبن، وأرضعت صبيًّا؛ ففيه

стр. 191

ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ابن الأول. والثاني: أنه ابن الثاني. والثالث: أنه ابنهما. وإن وطئ رجلان امرأة، فأتت بولد، وأرضعت طفلًا بلبنها؛ فمن ثبت منهما نسب المولود منه صار الصبي ولدًا له، فإن مات المولود ولم يثبت نسبه ففي الرضيع قولان: أحدهما: أنه ابنهما. والثاني: أنه لا يكون ابن واحدٍ منهما، وهل للرضيع أن ينتسب إلى أحدهما ففيه قولان: أحدهما: ينتسب. والثاني: لا ينتسب، فإن أراد أن يتزوّج ببنت أحدهما فقد قيل: لا يحلّ. وقيل: يحلّ أن يتزوج ببنت كل واحدٍ منهما على الانفراد، ولا يجمع بينهما. وإن كان لرجلٍ خمس أمهات أولاد، فارتضع صبيٌّ من كل واحدة منهن رضعة صار ابنًا له في ظاهر المذهب. وقيل: لا يصير، وليس بشيء، وإن كان له امرأتان صغيرتان، فأرضعت امرأة إحداهما بعد الأخرى؛ ففيه قولان: أحدهما: ينفسخ نكاحهما. والثاني: ينفسخ نكاح الثانية. ومن أفسد على الزوج نكاح امرأة بالرضاع لزمه نصف مهر مثلها على المنصوص، وفيه قول آخر: أنه يلزمه مهر مثلها.

стр. 192

كتاب النفقات: باب نفقة الزوجات: ويجب على الرجل نفقة زوجته، فإن كان موسرًا لزمه مُدَّان من الحبّ المقتات في البلد، وإن كان معسرًا لزمه مُدٌّ، وإن كان متوسطًا لزمه مُدٌّ ونصف، فإن رضيت بأخذ العوض جاز على ظاهر المذهب. وقيل: لا يجوز. ويجب الأدم بقدر ما تحتاج إليه من أدم البلد ومن اللحم على حسب عادة البلد، ويجب لها ما تحتاج إليه من الدهن للرأس والسدر والمشط، ولا يجب عليه ثمن الطيب، ولا أجرة الطبيب، ولا شراء الأدوية. ويجب من الكسوة ما جرت العادة به، فيجب لامرأةِ الموسر من مرتفع ما تلبس نساء البلد، ولامرأةِ المعسر دون ذلك. وأقل ما يجب: قميص، وسراويل، ومقنعة, ومداس للرجل, فإن كان في الشتاء ضمّ إليه جبة. ويجب لامرأة الموسر ملحفة، وكساء تتغطى به، ووسادة، ومضربة محشوة بقطن لليل، وزِلِّيّة (١) أو لبد تجلس عليه بالنهار، ولامرأةِ المعسر كساء أو قطيفة، فإن أعطاها كسوة مدّة وبليت قبلها لم يلزمه إبدالها، وإن بقيت بعد المدّة لزمه التجديد. وقيل: لا يلزمه، والأول أصح. ويجب تسليم النفقة إليها في أوّل النهار, فإن سلّفها نفقة مدة فماتت قبل انقضائها رجع فيما بقي. ويجب تسليم الكسوة في أوّل الفصل، فإن أعطاها الكسوة ثم ماتت قبل انقضاء الفصل لم يرجع. وقيل: يرجع، والأول أصحّ. وإن تصرّفت فيما أخذت من الكسوة -ببيع أو غيره- جاز. وقيل: لا يجوز. ويجب لها سكنى مثلها، فإن كانت المرأة ممن تخدم وجب لها خادم واحد، فإن قال الزوج: أنا أخدمها بنفسي لم

стр. 193

يلزمها الرضى به، وإن قالت: أنا أخدم نفسي وآخذ أجرة الخادم لم يلزمه الرضى به. وتجب عليه نفقة الخادم وفطرته، فإن كان موسرًا لزمه للخادم مُدٌّ وثلث من قوت البلد، وإن كان معسرًا أو متوسطًا لزمه للخادم مُدٌّ. ويجب عليه أدمه من دون جنس أدم المرأة على المنصوص. وقيل: يلزمه من جنس أدمها. ولا يجب للخادم الدهن والسدر والمشط. ويجب لخادم امرأة الموسر من الكسوة: قميص، ومقنعة, وخف، ولا يجب له سراويل، ويجب له كساء غليظ، أو قطيفة ووسادة. ولخادم امرأة المعسر عباءة أو فروة. وتجب النفقة إذا سلّمت نفسها إلى الزوج أو عرضت نفسها عليه، وإن كانت صغيرة ففيه قولان: أصحهما: أنه لا تجب لها، وإن كان الزوج صغيرًا وهي كبيرة ففيه قولان: أصحهما: أنها تجب، وإن كانت مريضة أو رتقاء أو كان الرجل عنِّينًا وجبت النفقة, ولا تجب النفقة إلا بالتمكين التام، فإن كانت أمة فسلّمها السيد ليلًا ونهارًا وجبت نفقتها، فإن سلّمها ليلًا ولم يسلّم نهارًا لم تلزمه نفقتها. وقيل: يلزمه نصف النفقة، وإن كان الزوج غائبًا وعرضت نفسها عليه ومضى زمان لو أراد المسير لكان قد وصل وجبت النفقة من حينئذ. ولا تجب النفقة إلا يومًا بيوم، وقال في القديم: تجب بالعقد إلا أنه لا يجب التسليم إلا بالتمكين يومًا بيوم، فلو ضمن عنه نفقة مدة معلومة جاز, وإن نشزت، أو سافرت بغير إذنه، أو أحرمت، أو صامت تطوعًا أو عن نذرٍ في الذمّة أو نذر يتعلق بزمان بعينه نذرته بعد النكاح بغير إذنه؛ سقطت نفقتها, وإن سافرت بإذنه ففيه قولان. وإن أسلم الزوج وهي في العدة لم تجب لها النفقة، وإن أسلمت ففيه قولان: أصحهما: أنه لا تستحق لما مضى. وإن ارتدت سقطت نفقتها، فإن أسلمت قبل انقضاء العدة فقد قيل: لا تستحق. وقيل: على قولين. وإن طلّقها طلقة رجعية وجب لها النفقة والسكنى، وإن طلّقها طلاقًا بائنًا وجب لها السكنى. وأمّا النفقة فإن كانت حائلًا لم تجب، وإن كانت حاملًا وجبت. ولمن تجب؟ فيه قولان: أحدهما: لها. والثاني: للحمل، ولا تجب إلا على من تجب عليه نفقة الولد، وهل تدفع إليها يومًا بيومٍ أو لا يجب شيء منها حتى

стр. 194

تضع؟ فيه قولان. وإن لاعنها ونفى حملها وجب لها السكنى دون النفقة. وإن وطئ امرأة بشبهة لم يجب لها السكنى، وفي النفقة قولان. وإن توفي عنها لم تجب لها النفقة في العدة، وفي السكنى قولان. وإن اختلف الزوجان في قبض النفقة فالقول قولها، وإن اختلفا في تسليمها نفسها فالقول قوله. وإن ترك الإنفاق عليها مدة صار دينًا في ذمّته. وإن تزوجت بمعسرٍ أو بموسر فأعسر بالنققة فلها الخيار؛ إن شاءت أقامت على النكاح، وتجعل النفقة دينًا عليه, وإن شاءت فسخت النكاح، وإن اختارت المقام ثم عنّ لها أن تفسخ جاز، وإن اختارت الفسخ ففيه قولان: أحدهما: الفسخ في الحال. والثاني: تفسخ بعد ثلاثة أيام، وهو الأصح. وإن أعسر بنفقة الموسر أو المتوسط لم تفسخ، ولم يصر ما زاد دينًا في ذمته، وإن أعسر بنفقة الخادم لم تفسخ، ويصير ذلك دينًا في ذمّته, وإن أعسر بالكسوة ثبت لها الفسخ، وإن أعسر بالأدم لم تفسخ، وإن أعسر بالسكنى احتمل أن تفسخ، واحتمل أن لا تفسخ. وإن كان الزوج عبدًا وجبت النفقة في كسبه إن كان مكتسبًا، أو فيما في يده إن كان مأذونًا له في التجارة، وإن لم يكن مكتسبًا ولا مأذونًا له في التجارة ففيه قولان: أحدهما: في ذمّة السيد. والثاني: في ذمّة العبد، يتبع به إذا أعتق، ولها أن تفسخ إذا شاءت. باب نفقة الأقارب والرقيق والبهائم: يجب على الأولاد نفقة الوالدين وإن علوا؛ ذكورًا كانوا أو إناثًا، وعلى الوالدين نفقة الأولاد وإن سفلوا؛ ذكورا كانوا أو إناثًا. وأمّا الوالدون فلا تجب نفقتهم إلا أن يكونوا فقراء زمنى، أو فقراء مجانين، فإن كانوا فقراء أصحّاء ففيه قولان: أصحهما: أنها لا تجب. وأما الأولاد فلا تجب نفقتهم إلا أن يكونوا فقراء زمنى، أو فقراء مجانين، أو فقراء أطفالًا، فإن كانوا أصحّاء بالغين لم تجب نفقتهم. وقيل: فيه قولان. ومن وجبت نفقته وجبت نفقة زوجته. ولا تجب نفقة الأقارب على العبد، ولا تجب على المكاتب إلا أن يكون له ولد من أمته، فيجب عليه نفقته، ولا تجب إلا على من فضل عن نفقته ونفقة

стр. 195

زوجته، فإن كان له ما ينفق على واحد وله أب وأم فقد قيل: الأم أحقّ. وقيل: الأب أحق. وقيل: يجعل بينهما، وإن كان له أب وابن فقد قيل: الابن أحق. وقيل: الأب أحق، وإن كان له ابن وابن ابن فالابن أحق. وقيل: يجعل بينهما. وإن احتاج وله أب وجدّ موسران فالنفقة على الأب, وإن كان له أم وأم أم فالنفقة على الأم، وإن كان له أب وأم أو جدّ وأم فالنفقة على الأب والجد, وإن كان له أم أب وأم أم فقد قيل: هما سواء. وقيل: النفقة على أم الأبّ. وإن مضت مدة ولم ينفق فيها على من تلزمه نفقته من الأقارب لم يصر دينًا عليه. وإن احتاج الوالد إلى النكاح وجب على الولد إعفافه على المنصوص. وقيل: فيه قول مخرّج؛ أنه لا يجب. وإن احتاج الطفل إلى الرضاع وجب إرضاعه، فإن كان أبواه على الزوجية فأرادت أمّه أن ترضعه لم يمنعها الزوج، وإن امتنعت من إرضاعه لم تجبر عليه، وإن طلبت الأجرة فقد قيل: يجوز استئجارها. وقيل: لا يجوز، وإن كانت بائنًا جاز استئجارها، فإن طلبت أجرة المثل قُدّمت على الأجنبية. وقيل: إن كان للأب من ترضعه من غير أجرة ففيه قولان: أصحهما: أنّ الأمّ أحقّ به. ولا تجب أجرة الرضاع لما زاد على حولين. ومن ملك عبدًا أو أمة لزمه نفقتهما وكسوتهما، فإن كانت الأمة للتسري فُضِّلت على أمة الخدمة في الكسوة. وقيل: لا تفضّل. ويستحب أن يجلس الغلام الذي يلي طعامه معه, فإن لم يفعل أطعمه منه، ولا يكلفه من الخدمة ما يضرّ به، ويريحه في وقت القيلولة، وفي وقت الاستمتاع إن كان له امرأة, وإن سافر به أركبه عُقْبَة. ولا يسترضع الجارية إلا بما يفضل عن ولدها، وإن مرضا أنفق عليهما. ومن ملك بهيمة وجب عليه القيام بعلفها، ولا يحمل عليها ما يضرّ بها، ولا يحلب من لبنها إلا ما يفضل عن ولدها. وإن امتنع من عليه الإنفاق على رقيقه أو بهيمته (١) أُجبر على ذلك، فإن لم يكن له مال أكري (٢) عليه إن أمكن إكراؤه، فإن لم يمكن بيع عليه, وإن كانت له أم ولد ولم يمكن إكراؤها ولا تزويجها فيحتمل أن تعتق عليه، ويحتمل أن لا تعتق عليه.

стр. 196

باب الحضانة: إذا تنازع النساء في حضانة الطفل قُدّمت الأم، ثم أمهاتها الأقرب فالأقرب، ثم أمّ الأب، ثم أمهاتها، ثم أم الجدّ، ثم أمهاتها، ولا حقّ لأم أب الأم، ثم الأخت للأب والأم، ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم. وقيل: يُقدّم الأخت للأم على الأخت للأب، والأول هو المنصوص، ثم الخالة، ثم العمّة. وقال في القديم: الأم، ثم أمهاتها، ثم الأخوات، ثم الخالة، ثم أمهات الأب، ثم أمهات الجدّ، ثم العمة، والأول أصحّ. وإن اجتمع مع النساء رجالٌ قدّم الأم، ثم أمهاتها، ثم الأب، ثم أمهاته، ثم الجدّ، ثم أمهاته، ثم الأخوات، ثم الخالة، ثم العمّة على ظاهر النص. وقيل: يقدّم الأخت للأب والأم، والأخت للأم والخالة على الأب، وهو الأظهر. وأما الإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم فإنهم كالأب والجد في الحضانة، يقدّم الأقرب فالأقرب منهم على ترتيب الميراث على ظاهر النصّ. وقيل: لا حقّ لهم في الحضانة. وإذا بلغ الصبي سبع سنين وهو يعقل خُيّر بين الأبوين, وإن اختار أحدهما سُلّم إليه، وإن كان ابنًا فاختار الأم كان عندها بالليل، وعند أبيه بالنهار، وإن اختار الأب كان عنده بالليل والنهار، ولا يُمنع من زيارة أمه، ولا تُمنع الأم من تمريضه إذا احتاج, وإن كانت بنتًا فاختارت الأب أو الأمّ كانت عنده بالليل والنهار، ولا يمنع الآخر من زيارتها وعيادتها, وإن اختارت أحدهما ثم اختار الآخر حُوّل إليه، فإن عاد واختار الأول أُعيد إليه. وإن لم يكن له أب ولا جد وله عصبة غيرهما خُيّر بين الأمّ وبينهم على ظاهر المذهب، فإن كان العصبة ابن عم لم يسلّم إليه البنت. وقيل: لا حقّ لغير الآباء والأجداد في الحضانة، وإن وجبت للأم الحضانة فامتنعت لم تجبر، وتنتقل إلى أمها. وقيل: تنتقل إلى الأب. ولا حقّ في الحضانة لأب الأم، ولا لأمهاته، ولا لرقيق، ولا فاسق، ولا كافر على مسلم. وقيل: للكافر

стр. 197

حق. ولا حقّ للمرأة إذا نكحت حتى تطلّق إلا أن يكون زوجها جدّ الطفل, وإن أراد الأب أو الجد الخروج إلى بلد تُقصر إليه الصلاة بنية المقام والطريق آمن وأرادت الأم الإقامة كان الأب أو الجد أحقّ به، والعصبة من بعده. وإذا بلغ الغلام وَلِيَ أمر نفسه، وإن بلغت الجارية كانت عند أحدهما حتى تزوّج، ومن بلغ منهما معتوهًا كان عند الأم.

стр. 198

كتاب الجنايات: باب من يجب عليه القصاص، ومن لا يجب: لا يجب القصاص على صبيٍّ، ولا معتوهٍ، ولا مبرسم. ويجب على من زال عقله بمحرّم. وقيل: فيه قولان. ولا يجب القصاص على المسلم بقتل الكافر, ولا على الحرّ بقتل العبد، فإن جرح الكافر كافرًا ثم أسلم الجارح، أو جرح العبد عبدًا ثم أعتق الجارح؛ وجب عليه القَوَد. وإن قتل حرٌّ عبدًا، أو مسلمٌ ذميًّا ثم قامت البينة أنه كان قد أعتق أو أسلم؛ ففي القَوَد قولان. وإن جنى حرٌّ على رجلٍ لا يُعرف رقّه وحريته، فقال: الجاني: هو عبد، وقال المجني عليه: بل أنا حرّ؛ فالقول قول المجني عليه. وقيل: فيه قولان. ولا يجب القصاص على الأب والجد، ولا على الأم والجدة بقتل الولد وولد الولد. وإن وجب القصاص على رجلٍ فورث القصاص ولده لم يستوف. وإن قتل المرتد ذميًّا ففيه قولان. وإن قتل ذمي مرتدًا فقد قيل: يجب. وقيل: لا يجب. وإن قطع مسلمٌ يدَ مسلم، ثم ارتدّ المجني عليه ورجع إلى الإسلام ومات ولم يمض عليه في الردة زمان (١) يسري فيه الجرح؛ ففيه قولان: أصحهما: أنه يجب القَوَد، وإن مات من (٢) الجرح في الردة وجب القصاص في الطرف في أصحّ القولين. ومن قتل من لا يُقاد به في المحاربة ففيه قولان: أحدهما: يجب القود. والثاني: لا يجب. باب ما يجب به القصاص من الجنايات: والجنايات ثلاثة: خطأ، وعمد، وعمد خطأ. فالخطأ: أن يرمي إلى هدف

стр. 199

فيصيب إنسانًا. والعمد: أن يقصد الجناية بما يقتل غالبًا. وعمد الخطأ: أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالبًا. فلا يجب القَوَد إلا في العمد، فإن جرحه بما له مَوْر من حديدٍ أو غيره فمات منه وجب عليه القَوَد، وإن غرز إبرة في غيرِ مقتل؛ فإن بقي منها ضَمِنًا حتى مات وجب عليه القَوَد، وإن مات في الحال فقد قيل: يجب. وقيل: لا يجب. وإن ضربه بمثقل كبيرٍ، أو بمثقل صغير في مقتل، أو في رجل ضعيف، أو في حرٍّ شديد، أو في برد شديد، أو والى به الضرب فمات منه؛ وجب عليه القَوَد. وإن رماه من شاهقٍ، أو عصر خصيته عصرًا شديدًا، أو خنقه خنقًا شديدًا، أو طرحه في ماء أو نار لا يمكنه التخلّص منه؛ وجب عليه القَوَد. وإن طرحه في لجّة فالتقمه حوتٌ قبل أن يصل إلى الماء ففيه قولان: أحدهما: يجب القَوَد. والثاني: لا يجب. وإن طرحه في زُبْيَة (١) فيها سبع فقتله، أو أمسك كلبًا فأنهشه فمات، أو ألسعه حية، أو عقربًا يقتل مثلُها غالبًا فقتله؛ وجب عليه القَوَد, وإن لم يقتل غالبًا ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يجب. وإن أكره رجلًا على قتله وجب عليه القَوَد، وفي المكره قولان: أصحهما: أنه يجب. وإن أمر من لا يميّز فقتله وجب القود على الآمر, ولا شيء على المأمور. وإن أمر السلطان رجلًا بقتل رجلٍ بغير حق والمأمور لا يعلم وجب القَوَد على السلطان، وإن علم وجب القود على المأمور. وإن أمسك رجلًا حتى قتله آخر وجب القَوَد على القاتل. وإن شهد على رجل، فقُتل بشهادته، ثم رجع وقال: تعمدتُ ذلك؛ وجب عليه القود. وإن أكره رجلًا على أكل سمٍّ، فمات؛ وجب عليه القَوَد، وإن قال: لم أعلم أنه سم قاتل ففيه قولان. وإن خلط السمَّ بطعامٍ، وأطعم رجلًا، أو خلطه بطعامٍ لرجل فأكله فمات؛ ففيه قولان. وإن قتل رجلًا بسحر يقتل غالبًا وجب عليه القَوَد. وإن قطع أجنبي سِلْعة (٢) من رجلٍ بغير إذنه فمات وجب عليه القَوَد، وإن قطعها حاكم أو وصيٌّ من صغير فمات ففيه

стр. 200

قولان: أحدهما: يجب عليه القود. والثاني: تجب الدية. وإن اشترك جماعة في قتل واحد قُتلوا به. وإن جرح واحد جراحة، وجرحه آخر مائة جراحة فمات؛ فهما قاتلان, وإن قطع أحدهما كفَّه، والآخر ذراعه فمات؛ فهما قاتلان، وإن قطع أحدهما يده، وحزّ الآخر رقبته، أو قطع حلقومه ومريئه، أو أخرج حشوته؛ فالأول جارح، والثاني قاتل. وإن اشترك الأب والأجنبي في قتل الابن وجب القَوَد على الأجنبي. وإن اشترك المخطئ والعامد في القتل، أو ضربه أحدهما بعصًا خفيفة، وجرحه الآخر ومات؛ لم يجب على واحدٍ منهما القَوَد. وإن جرح نفسه وجرحه آخر فمات، أو جرحه سبع وجرحه آخر فمات؛ ففيه قولان: أحدهما: يجب القَوَد على الجارح. والثاني: لا يجب. وإن جرحه واحد، وداوى هو جرحه بسمٍّ غير موحٍ ولكنه يقتل غالبًا، أو خَاطَ الجرح في لحم حيٍّ فمات؛ فقد قيل: لا يجب القود على الجارح. وقيل: على قولين. وإن خَاطَ الجرح من له عليه ولاية ففيه قولان: أحدهما: يجب القود على الولي، ويجب على الجارح. والثاني: لا يجب على الولي، ولا يجب على الجارح. ومن لا يجب عليه القصاص في النفس لا يجب في الطرف، ومن وجب عليه القصاص في النفس وجب في الطرف, ومن لا يُقاد بغيره في النفس لايقاد به في الطرف, ومن أُقيد بغيره في النفس أُقيد به في الطرف, ومن لا يجب القصاص فيه في النفس من الخطأ وعمد الخطأ لا يجب القصاص فيه في الطرف. وإن اشترك جماعةٌ في قطع طرف دفعة واحدة قطعوا، وإن تفرقت جناياتهم لم يجب على واحدٍ منهم القَوَد. ويجب القصاص في الجروح والأعضاء. فأمّا الجروح فيجب في كلِ ما ينتهى إلى عظم؛ كالموضحة (١)، وجرح العضد، والساق، والفخذ. وقيل: لا يجب فيما عدا الموضحة. وإذا أوضح رجلًا في بعض رأسه -وقدر الموضحة يستوعب رأس الشاج (٢) - أوضح جميع رأسه، وإن زاد حقه على جميع رأس الشاج أوضح جميع رأسه، وأخذ الأرش فيما بقي بقدره. وإن هشم رأسه اقتصّ منه في

стр. 201

الموضحة، ووجب الأرش فيما زاد. وأمّا الأعضاء فيجب القصاص في كل ما يمكن القصاص فيه من غير حيْف، فيُؤخذ العين بالعين؛ اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، ولا يُؤخذ صحيحة بقائمة، ويُؤخذ القائمة بالصحيحة. وإن أوضحه فذهب ضوء عينه وجب فيه القَوَد على المنصوص، غير أنه لا يمسّ الحدقة، وخُرّج فيه قول آخر: أنه لا يقتص منه. ويؤخذ الجفن بالجفن؛ الأعلى بالأعلى، والأسفل بالأسفل، واليمين باليمين، واليسار باليسار. ويؤخذ المارن بالمارن (١)، والمنخر بالمنخر، وإن قطع بعضه قدر ذلك بالجزء -كالنصف والثلث- فيُؤخذ مثله به. وإن جدعه اقتصّ في المارن، وأخذ الأرش في القصبة. ويؤخذ الصحيح بالمجذوم إذا لم يسقط منه شيء. ويؤخذ غير الأخشم بالأخشم، ويؤخذ الأذن بالأذن، والبعض بالبعض، والصحيح بالأصم، والأصم بالصحيح، ولا يؤخذ الصحيحة بالمخرومة، ويؤخذ بالمثقوبة، ويؤخذ الأنف الصحيح والأذن الصحيحة بالأنف المستحشِف (٢) والأذن الشلاء في أصح القولين. ويؤخذ السن بالسن، ولا يؤخذ سن بسن غيرها. ويؤخذ اللسان باللسان، فإن أمكن أخذ البعض بالبعض أخذ، ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس، ويؤخذ الأخرس بالناطق. ويؤخذ الشفة بالشفة؛ العليا بالعليا، والسفلى بالسفلى. وقيل: لا قصاص فيه. وتؤخذ اليد باليد، والرجل بالرجل، والأصابع بالأصابع، والأنامل بالأنامل، والكف بالكف، والمرفق بالمرفق، والمنكب بالمنكب إذا لم يخف من جائفة. وإذا قطع اليد من الذراع اقتصّ في الكف، وأخذ الأرش في الباقي. ولا يؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر بإبهام, ولا أنملة بأنملة أخرى، ولا صحيحة بشلّاء، ويؤخذ الشلاء بالصحيحة، ولا يؤخذ كاملة الأصابع بناقصة الأصابع، وتؤخذ الناقصة بالكاملة، ويؤخذ الأرش عن الإصبع الناقصة، ولا يؤخذ أصلي بزائد، ولا زائد بأصلي. وإن قطع أنامله فتآكلت منه الكف لم يجب

стр. 202

القصاص فيما تآكل. وقيل: فيه قول مخرّج: أنه يجب فيه القصاص. ويؤخذ الفرج بالفرج، والشفر بالشفر، والأنثيان بالأنثيين، وإن أمكن أخذ واحدة بواحدة أخذ. ويؤخذ الذكر بالذكر، ويؤخد ذكر الفحل بذكر الخصي، والمختون بالأغلف (١)، ولا يؤخذ الصحيح بالأشلّ، وإن اختلفا في الشلل؛ فإن كان ذلك في عضوٍ ظاهر فالقول قول الجاني، وإن كان في عضوٍ باطن فالقول قول المجني عليه. وقيل: فيهما قولان. باب العفو عن القصاص: إذا قتل من له وارث وجب القصاص للوارث، وهو بالخيار بين أن يقتصّ وبين أن يعفو، فإن عفا على الدية وجبت الدية، وإن عفا مطلقًا ففيه قولان: أحدهما: لا تجب. والثاني: تجب، وهو الأصحّ، وإن اختار القصاص ثم اختار الدية لم يكن له على المنصوص. وقيل: له ذلك. وإن قطع اليدين من الجاني ثم عفا عن القصاص لم تجب الدية، وإن قطع أحدهما ثم عفا وجب له نصف الدية, وإن كان القصاص لنفسين فعفا أحدهما سقط القصاص، ووجب للآخر حقّه من الدية، وإن أراد القصاص لم يجز لأحدهما أن ينفرد به، فإن تشاحا أقرع بينهما، فإن بدر أحدهما فاقتصّ ففيه قولان: أصحهما: أنه لا قود عليه. والآخر: أنه يجب عليه القود، وإن عفا أحدهما ثم اقتصّ الآخر قبل العلم بالعفو أو بعد العلم وقبل الحكم بسقوط القَوَد ففيه قولان: أصحهما: أنه يجب القود. والثاني: لا يجب، فإن قلنا: يجب، فأُقيد منه؛ وجبت الدية، وإن قلنا: لا يجب؛ فقد استوفى المقتص حقه، ووجب لأخيه نصف الدية. وممن يأخذ؟ فيه قولان: أحدهما: من أخيه المقتصّ. والثاني: من تركة الجاني. وإن كان القصاص لصبيٍّ أو معتوهٍ حُبِس القاتل حتى يبلغ الصبي ويفيق المعتوه، فإن كان الصبي أو المعتوه فقيرين يحتاجان إلى (٢) ما ينفق عليهما جاز لوليهما العفو على الدية. وقيل: لا يجوز. وإن وثب الصبي أو المجنون فقتل الجاني

стр. 203

فقد قيل: يصير مستوفيًا، والمذهب أنه لا يصير مستوفيا. وإن قتل من لا وارث له جاز للإمام أن يقتصّ، وله أن يعفو على الدية. وإن قطع إصبع رجل فقال: عفوتُ عن هذه الجناية وما يحدث منها فَسَرت إلى الكفّ سقط الضمان في الإصبع، ووجبت دية بقية الأصابع، فإن سَرَت إلى النفس سقط القصاص، وهل تسقط الدية؟ فقد قيل: إنّ ذلك وصية للقاتل، وفيها قولان: هو إبراء، فيصحّ في أرش في الإصبع، ولا يصحّ في النفس، فيجب عليه تسعة أعشار الدية. وإن وجب القصاص في النفس على رجل فمات أو في الطرف فزال الطرف وجبت الدية. ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان، وعليه أن يتفقد الآلة التى يستوفي بها، فإن كان من له القصاص يحسن الاستيفاء مكّنه منه، وإن لم يحسن أمر بالتوكيل، وإن لم يوجد من يتطوّع استؤجر من خمس الخمس، فإن لم يكن استؤجر من مال الجاني. وإن وجب القصاص على حامل لم يستوف حق تضع، وتسقي الولد اللبَأ (١)، ويستغني عنها بلبن غيرها، وإن ادّعت الحمل فقد قيل: يُقبل قولها. وقيل: لا يُقبل حتى تقيم بيّنة بالحمل، وإن اقتصّ منها فتلف الجنين من القصاص وجب ضمانه، فإن كان السلطان علم به فعليه الضمان، وإن لم يعلم وعلم الولي ذلك فعليه ضمانه، وإن لم يعلم واحد منهما فقد قيل: على الإمام. وقيل: على الولي. وإن قتل واحد جماعة، أو قطع عضوًا من جماعة؛ أُقيد بالأول، وأخذ الدية للباقين، فإن قتلهم أو قطعهم دفعة، أو أشكل الحال؛ أقرع بينهم، فإن بدر واحد منهم وقتله أو قطعه فقد استوفى حقّه، ووجبت الدية للباقي. وإن قتل وارتدّ، أو قطع وسرق أقيدا للآدمي، ودخل فيه حد الردّة والسرقة، وإن قطع يد رجل ثم قتله قطع ثم قتل، فإن قطعه فمات منه قطعت يده، فإن مات وإلا قتل. وإن قطع يد رجل من الذراع أو أجافه (٢) فمات ففيه قولان: أحدهما: يُقتل بالسيف. والثاني: يُجرح كما جرح، فإن مات وإلا قتل. ومن قُتل بالسيف أو السحر لم يقتل إلا

стр. 204

بالسيف. وإن قتل باللواط أو سقي الخمر فقد قيل: يُقتل بالسيف. وقيل: يُعمل في اللواط مثل الذكر من الخشب فيُقتل به، وفي الخمر يُسقى الماء فيُقتل به. وإن غرق أو حرق أو قتل بالخشب أو بالحجر فله أن يقتله بالسيف، وله أن يفعل به مثل ما فعل، فإن فعل ذلك فلم يمت ففيه قولان: أحدهما: يُقتل بالسيف. والثاني: يُكرر عليه مثل ما فعل ذلك إلى أن يموت إلا في الجائفة وقطع الطرف. ومن وجب له القصاص في الطرف استُحب له أن لا يعجل في القصاص حتى يندمل، فإن أراد العفو على الدية قبل الاندمال ففيه قولان: أحدهما: يجوز. والثاني: لا يجوز. ومن اقتصّ في الطرف فسرى إلى نفسِ الجاني لم يجب ضمان السراية, وإن اقتصّ في الطرف ثم سرى إلى نفس المجني عليه ثم إلى نفس الجاني فقد استوفى حقّه، وإن سرى إلى نفس الجاني ثم سرى إلى نفس المجني عليه فقد قيل: تكون السراية قصاصًا، والمذهب أنّ السراية هدر. ويجب نصف الدية في تركة القاتل. وإن قلع سن صغير لم يثغر (١) لم يجز أن يقتصّ حتى يؤيس من نباتها. وإن وجب له القصاص في العين بالقلع لم يمكّن من الاستيفاء، بل يؤمر بالتوكيل فيه، ويقلع بالإصبع، وإن كان لطمه حتى ذهب الضوء فُعِل به مثل ذلك، فإن لم يذهب الضوء وأمكن أن يذهب الضوء من غير أن يمسّ الحدقة فعل، وإن لم يمكن (٢) أخذت الدية، وإن وجب له القصاص في اليمين، فقال: أخرج يمينك، فأخرج اليسار عمدًا فقطعها؛ لم يجزئه عما عليه، غير أنه لا يقتصّ منه في اليمين حتى تندمل المقطوعة، فإن قال: فعلتُ ذلك غلطًا أو ظنًّا أنه يجزئ، أو ظننتُ أنه طلب مني اليسار نظر في المقتص؛ فإن قطع وهو جاهل فلا قصاص عليه، وتجب عليه الدية. وقيل: لا تجب، وإن قطع وهو عالم فالمذهب أنه لا قصاص عليه. وقيل: يجب، وإن اختلفا في العلم به فالقول قول الجاني، وإن تراضيا على أخذ اليسار فقطع لزمه دية اليسار، وسقط قصاصه في اليمين. وقيل: لا يسقط. وإن كان القصاص على مجنونٍ فقال له: أخرج يمينك، فأخرج اليسار فقطع؛ فإن كان المقتصّ عالمًا وجب عليه القصاص، وإن كان جاهلًا وجب عليه الدية.

стр. 205

باب من لا تجب عليه الدية بالجناية: لا تجب الدية على الحربيِّ، ولا على السيد في قتل عبد, ولا على من قتل حربيًّا أو مرتدًا، فإن أرسل سهمًا على حربيٍّ أو مرتد فأسلم ووقع به السهم فقتله لزمه دية مسلم. وقيل: لا يلزمه. ومن قتل من وجب رجمه بالبينة أو انحتم قتله في المحاربة لم تلزمه الدية. ومن قتل مسلمًا تترَّس به المشركون في دار الحرب فقد قيل: إن علم أنه مسلم وجبت ديته، وإن لم يعلم لم تجب. وقيل: إن عيّنه بالرمي وجبت, وإن لم يعيّنه لم تجب. وقيل: فيه قولان. باب ما تجب به الدية من الجنايات: إذا أصاب رجلًا بما يجوز أن يقتل فمات منه وجبت الدية، وإن ألقاه في ماء أو نار قد يموت فيه فمات فيه وجبت ديته، وإن أمكنه أن يتخلّص فلم يفعل حتى هلك ففيه قولان: أصحهما: أنه لا تجب ديته. وإن ألقاه على أفعى أو ألقاها عليه، أو على أسد أو ألقاه (١) عليه فقتله؛ وجبت ديته. وإن سحر رجلًا بما لا يقتل في الغالب، وقد يقتل فمات منه؛ وجبت الدية. وإن ضرب الوالد ولده، أو المعلم الصبيَّ، والزوج زوجته، أو ضرب السلطان رجلًا في غير حدٍّ، فأدّى إلى الهلاك؛ وجبت الدية. وإن سلّم الصبي إلى السابح فغرق في يده وجبت الدية، وإن غرق البالغ مع السابح لم تجب ديته. وإن صاح على صبي فوقع من سطح، أو صاح على بالغٍ وهو غافل، فوقع فمات؛ وجبت الدية. وإن صاح على صبيٍّ فزال عقلُه وجبت الدية، وإن صاح على بالغٍ فزال عقله لم تجب. وإن طلب بصيرًا بالسيف فوقع في بئر لم يضمن، ولو طلب ضريرًا فوقع في بئر ضمن. وإن ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا ميتًا وجب ضمانه، وإن بعث السلطان إلى امرأة ذُكرت بسوء، فأجهضت الجنين؛ وجب

стр. 206

ضمانه. وإن رمى إلى هدف فأخطأ, فأصاب آدميًّا فقتله؛ وجبت الدية. وإن ختن الحجّام فأخطأ، فأصاب الحشفة؛ وجب عليه الضمان، وإن امتنع من الختان فختنه الإمام في حرٍّ شديدٍ أو بردٍ شديدٍ فمات فالمنصوص أنه يجب الضمان. وقيل: فيه قولان. وإن حفر بئرًا في طريق المسلمين، أو وضع فيه حجرًا، أو طرح ماء أو قشر بطيخ، فهلك به إنسان؛ وجب الضمان. وإن حفر بئرًا، ووضع آخرُ حجرًا، فتعثّر إنسان بالحجر، ووقع في البئر، ومات؛ وجب الضمان على واضع الحجر. وإن حفر البئر في طريقٍ واسعٍ لمصلحةِ المسلمين، أو بنى مسجدًا، أو علّق قنديلًا في مسجد، أو فَرَشَ فيه حصيًرا، ولم يأذن له الإمام في شيء من ذلك، فهلك به إنسان؛ فقد قيل: يضمن. وقيل: لا يضمن. وإن حفر بئرًا ملكه أو في مواتٍ ليتملّكها أو لينتفع بها فوقع فيها إنسان ومات لم يضمن. وإن حفر بئرًا في ملكه، فاستدعى رجلًا، فوقع فيها فهلك؛ فإن كانت ظاهرة لم يضمن، وإن كانت مغطاة ففيه قولان. وإن كان في داره كلب عقور، فاستدعى إنسانًا فعقره (١)؛ فعلى قولين. وإن أمر السلطان رجلًا أن ينزل إلى بئر، أو يصعد إلى نخل لمصلحة المسلمين، فوقع ومات؛ وجب ضمانه، وإن أمره بعضُ الرعيّة، فوقع ومات؛ لم يجب ضمانه. وإن بنى حائطًا في ملكه، فمال إلى الطريق، فلم ينقضه حتى وقع على إنسان فقتله؛ لم يضمن على ظاهر المذهب. وقيل: يضمن. وإن وضع جرّة على طرف سطح، فرماها الريح، فمات بها إنسان؛ لم يضمن. وإن أخرج روشنًا إلى الطريق، فوقع على إنسان فمات؛ ضمن نصف دية. وإن تقصف من خشبة الخارج شيء فهلك به إنسان ضمن جميع الدية. وإن نصب مِئْزِابًا (٢) فوقع على إنسان فأتلفه فهو كالروشن. وقيل: لا يضمن. وإن كان معه دابة فأتلفت إنسانًا بيدها أو رجلها وجب عليه ضمانه، فإن لم يكن معها؛ فإن كان بالنهار لم يضمن ما تتلفه, وإن كان بالليل ضمن ما تتلفه، وإن انفلتت بالليل وأتلفت؛ فإن كان بتفريطٍ منه في حفظها

стр. 207

ضمن, وإن لم يكن بتفريطٍ لم يضمن. وإن كان له كلب عقور ولم يحفظه فقتل إنسانًا ضمنه. وإن قعد في طريق ضيق فعثر به إنسان وماتا وجب على كل واحدٍ منهما دية الآخر، وإن اصطدما وجب على كل واحدٍ منهما نصف الدية للآخر. فإن اصطدم امرأتان حاملان فماتتا، ومات جنيناهما؛ وجب على كل واحدةٍ منهما نصف دية الأخرى، ونصف دية جنينها، ونصف دية جنين الأخرى. وإذا أركب صبيين من لا ولاية له عليهما فاصطدما وماتا وجب على الذي أركبهما ضمان ما جناه كل واحد منهما على نفسه وعلى صاحبه. وإن اصطدم سفينتان فهلكتا وما فيهما؛ فإن كان ذلك بتفريطٍ من القيِّميْن فهما كرجلين إذا تصادما، وإن كان بغير تفريط ففيه قولان: أحدهما: أنهما كالرجلين. والثاني: أنه لا ضمان على واحد منهما. وقيل: القولان إذا لم يكن منهما فعل، فأما إذا سيَّرَا السفن ثم اصطدمتا وجب الضمان قولًا واحدًا. وقيل: القولان في الجميع. وإن رمى عشرة أنفس حجرًا بالمنجنيق فرجع الحجر عليهم فقتل أحدَهم سقط من ديته العشر، ووجب تسعة أعشارها على الباقين. وإن وقع رجل في بئر فجذب ثانيًا، والثاني ثالثًا، والثالث رابعًا، وماتوا؛ أوجب للأول ثلث الدية على الثاني، والثلث على الثالث، ويهدر الثلث، ويجب للثاني ثلث الدية على الأول، والثلث على الثالث، ويهدر الثلث، ويجب للثالث نصف الدية على الثاني، ويهدر النصف. وقيل: يسقط ثلث الدية، ويجب الثلثان، ويجب للرابع الدية على الثالث. وقيل: يجب على الثلاثة أثلاثًا. وإن تجارح رجلان فماتا وجب على كل واحد منهما دية الآخر، فإن ادّعى كل واحد منهما أنه جرح للدفع لم يقبل. باب الديات: ودية الحرِّ المسلم مائة من الإبل, فإن كان القتل عمدًا أو شبه عمد وجبت الدية أثلاثًا؛ ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة. وإن كان خطأ وجبت أخماسًا؛ عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن

стр. 208

لبون، وعشرون حقة, وعشرون جذعة. وإن قتل في الأشهر الحرم -وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب-، أو في الحرم، أو قتل ذا رحم محرّم؛ وجبت الدية أثلاثًا، خطأ كان أو عمدًا. وفي عمد الصبي والمجنون قولان: أحدهما: أنه عمد، فتجب به دية مغلظة. والثاني: أنه خطأ، فإن كان للقاتل أو العاقلة إبل وجبت الدية منها، وإن لم يكن لهما إبل وجبت في إبل البلد، فإن لم يكن فمن غالب إبل أقرب البلاد إليهم. ولا يُؤخذ فيها معيب ولا مريض، فإن تراضوا على أخذ العوض عن الإبل جاز، وإن أعوزت الإبل وجبت قيمتها بالغة ما بلغت في أصحّ القولين، وفيه قول آخر: أنه يجب ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، ويُزاد للتغليظ قدر الثلث. ودية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم. ودية المجوسي والوثني ثلثا عشر دية المسلم. ومن لم تبلغه الدعوة فالمنصوص أنه إن كان يهوديًّا أو نصرانيًّا وجبت فيه ثلث الدية, وإن كان مجوسيًّا أو وثنيًّا وجبت فيه ثلثا عشر الدية. وقيل: إن كان متمسكًا بكتاب لم يبدل وجب فيه دية مسلم، وإن كان متمسكًا بكتاب مبدل ففيه ثلث الدية. وإن قطع يد نصراني فأسلم ثم مات وجب عليه دية مسلم. وإن قطع يد حربي ثم أسلم ومات فلا شيء عليه. وإن قطع يد مرتد فأسلم ومات لم يلزمه شيء. وقيل: تلزمه الدية، وليس بشيء. وإن أرسل سهمًا على ذميٍّ فأسلم ثم وقع به السهم فقتله لزمه دية مسلم. ودية المرأة على النصف من دية الرجل. ودية الجنين غرة؛ عبد أو أمة، قيمته نصف عشر دية الأب، أو عشر دية الأم، يدفع ذلك إلى ورثته. وإن كان أحد أبويه مسلمًا والآخر كافرًا، أو أحدهما مجوسيًّا والآخر كتابيًّا؛ اعتبر بأكثرهما بدلًا. وإن ألقته حيًّا ثم مات وجب فيه دية كاملة, وإن اختلفا في حياته فالقول قول الجاني، وإن ألقته مضغة وشهدت القوابل أنه خلق آدمى ففيه قولان: أحدهما: تجب فيه الغرة. والثاني: لا تجب. ولا يقبل في الغرة ما له دون سبع سنين، ولا كبير ضعيف. وقيل: لا تقبل الجارية بعد عشرين سنة، ولا العبد بعد الخمس عشرة سنة. ولا يقبل خصي ولا معيب، فإن عدمت الغرة فخمس من الإبل في أصحّ

стр. 209

القولين، وقيمة الغرة في الآخر. والشجاج في الرأس عشر: الحارصة, والدامية، والباضة، والمتلاحمة, والسمحاق، والموضحة, والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة, والدامغة. فالحارصة: ما تشقّ الجلد. والدامية: ما تشق الجلد وتدمي. والباضعة: ما تقطع اللحم. والمتلاحمة: ما تنزل في اللحم. والسمحاق: ما يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقة. وتجب في هذه الخمس حكومة، ولا يبلغ بحكومتها أرش الموضحة. والموضحة: ما توضّح العظم في الرأس، أو الوجه، وفيها خمس من الإبل، فإن عمّت الرأس ونزلت إلى الوجه فقد قيل: يلزمه خمس. وقيل: عشر، فإن أوضح موضحتين بينهما حاجز فعليه عشر من الإبل، فإن خرق بينهما رجعت إلى خمس, وإن خرق بينهما غيره وجب على الأول عشر، وعلى الثاني خمس، وإن أوضح موضحتين وخرق بينهما في الباطن فقد قيل: يجب أرش موضحتين. وقيل: أرش موضحة، وإن شجّ في جميع رأسه شجّة دون الموضحة وأوضح في بعضها ولم ينفصل بعضها عن بعض وجب عليه أرش موضحة. والهاشمة: ما يهشم العظم، فيجب فيها عشر من الإبل، فإن ضربه بمثقل فهشم العظم ولم يجرح وجب خمس من الإبل. وقيل: تلزمه حكومة. والمنقلة: ما لا يبرأ إلا بنقل العظم، فيجب فيها خمس عشرة من الإبل. والمأمومة: ما تصل إلى الجلدة التي تلي الدماغ، وفيها ثلث الدية. والدامغة: ما وصلت إلى الدماغ، فيجب فيها ما يجب في المأمومة. وفي الجائفة ثلث الدية، وهي الجناية التي تصل إلى جوف البدن من ظهرٍ أو بطن أو صدر أو ثغرة نحر، فإن طعنه في بطنه، فخرجت الطعنة في ظهره؛ فهما جائفتان. وقيل: هي جائفة، والأول أصحّ، وإن أجاف جائفة، فجاء آخر ووسّعها؛ وجب على الثاني أرش جائفة. وإن طعن وجنته فهشّم العظم، ووصلت الجراحة إلى الفم؛ ففيه قولان: أحدهما: أنها جائفة. والثاني: أنه يلزمه أرش هاشمة. وتجب في الأذنين إذا قطعهما من أصلهما الدية، وفي إحداهما نصفها، وفي بعضها بقسطه. وإن ضرب الأذن فشُلّت وجبت الدية في أحد القولين، والحكومة في الآخر. وإن قطع أذنًا شلّاء ففيه قولان: أحدهما: تجب الدية. والآخر: الحكومة. وتجب في السمع

стр. 210

الدية. وإن قطع الأذنين فذهب السمع وجبت ديتان, وإن اختلفا في ذهاب السمع يتبع في أوقات الغفلة، فإن ظهر منه انزعاجٌ سقط دعواه، وإن لم يظهر فالقول قوله مع يمينه، وإن ادّعى نقصان السمع فالقول قوله، ويجب فيما نقص بقدره. وفي العقل الدية، فإن نقص ما يعرف قدره -بأن يجنّ يومًا ويفيق يومًا- وجب بقسطه، وإن لم يعرف قدره وجبت فيه حكومة، وإن ذهب العقل بجنايةٍ لا أرش لها مقدّر دخل أرش الجناية في دية العقل، وإن ذهب بجنايةٍ لها أرش مقدّر -كالموضحة، وقطع الرجل واليد- ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يدخل. وتجب في العينين الدية، وفي إحداهما نصفها، وإن جنى عليه جناية فادّعى منها ذهاب البصر وشهد بذلك شاهدان من أهل المعرفة وجبت الدية، وإن قالا: ذهب، ولكن يُرجى عوده إلى مدة انتظر إليها، فإن مات قبل انقضائها وجبت الدية، وإن نقص الضوء وجبت الحكومة, وإن ادّعى نقصانه فالقول قوله. وفي العين القائمة الحكومة. وفي الأجفان الدية، وفي كل واحدٍ ربعها. وفي الأهداب الحكومة، فإن قلع الأهداب مع الأجفان لزمه دية. وقيل: يلزمه دية وحكومة. وفي المارن (١) الدية، وفي بعضه بحسابه، وإن قطع المارن وبعض القصبة لزمه الدية وحكومة، وإن ضرب الأنف فشلّ المارن ففيه قولان؛ كالأذن، وإن عوجه لزمه حكومة. وفي إحدى المنخرين نصف الدية. وقيل: ثلث الدية. وفي الشمّ الدية، فإن قطع الأنف وذهب الشمّ لزمه ديتان، فإن ادّعى ذهاب الشمّ تتبع في حال الغفلة بالروائح الطيبة والخبيثة، فإن لم يظهر فيه إحساس حلف. وفي الشفتين الدية، وفي إحداهما نصفها، وفي بعضها بقسطه، وإن جنى عليها فشلّت وجبت الدية. وفي اللسان الدية، وإن جنى عليه فخرس فعليه الدية، فإن ذهب بعضُ الكلام وجب بقسطه؛ يُقسّم على الحروف، وإن حصلت به تمتمة أو عجلة وجبت حكومة، وإن قطع نصف اللسان وذهب نصف الكلام وجب نصف الدية، وإن قطع الربع وذهب

стр. 211

نصف الكلام وجب نصف الدية، وإن قطع النصف وذهب ربع الكلام وجب نصف الدية، وإن قطع اللسان فأخذ الدية ثم نبت ردّ الدية في أحد القولين. وفي الذوق الدية. وفي كل سنٍّ خمسٌ من الإبل، فإن كسر ما ظهر وجب عليه خمس من الإبل، وفي بعضه بقسطه، وفي السِّنْخ (١) حكومة، فإن قلع السن مع السِّنْخ دخل السِّنْخ في السن، وإن جنى على سنه اثنان فاختلفا في القدر فالقول قول المجني عليه. وإن قلع سنَّ كبير فضمن ثم نبت ففيه قولان: أحدهما: يرد ما أخذ. والثاني: لا يرد. وإن قلع سنَّ صغير لم يثغر (٢) انتظر، فإن وقع اليأس منها وجب أرشها. وإن جنى على سنٍّ فتغيرت أو اضطربت وجبت عليه حكومة. وإن قلع جميع الأسنان في دفعة أو متواليًا فقد قيل: تجب دية نفس. والمذهب أنه يجب في كل سن خمسٍ من الإبل. وفي اللحيين الدية، وفي إحداهما نصفها, وإن قلع اللحيين مع الأسنان وجبت دية كل واحد منهما. وفي كل إصبع عشر من الإبل، وفي كل أنملة ثلاثة أبعرة وثلث، إلا الإبهام؛ فإنه يجب في كل أنملة منها خمس من الإبل. وفي الكفين والأصابع الدية، وإن قطع ما زاد على الكفّ وجبت الدية في الكف، والحكومة فيما زاد، وإن جنى عليها فشُلّت وجبت الدية، وفي اليد الشلاء الحكومة، وفي اليد الزائدة والإصبع الزائدة الحكومة. وقيل: إن لم يحصل بها شين (٣) لم يجب في الزائدة شيء. وفي الرِّجْلين الدية، وفي إحداهما نصفها، وفي كل إصبع عشر من الإبل. وفي الأليتين الدية، وفي إحداهما نصفها. وإن كسر صلبه فلم يطق المشي لزمته الدية، وإن نقص مشيه واحتاج إلى عصا لزمته حكومة، وإن انكسر صلبه فعجز عن الوطء لزمته الدية، وإن اختلفا في ذلك فالقول قول المجني عليه، وإن بطل المشي والوطء وجبت ديتان على ظاهر المذهب. وقيل: دية واحدة. وإن قطع اللحم الناتئ على الظهر لزمته الدية، وفي إحداهما

стр. 212

نصفها، وفي بعضه بحسابه. وفي حلمتي المرأة الدية، وفي إحداهما نصفها، وإن جنى على ثديها فشلّت وجبت عليه الدية (١)، وإن انقطع لبنها لزمه الحكومة، وفي حلمتي الرجل حكومة. وقيل قول آخر: أنه تجب فيهما الدية. وفي جميع الذكر الدية، وفي الحشفة الدية، وإن قطع بعض الحشفة وجب بقسطه من الحشفة في أصحّ القولين، وبقسطه من جميع الذكر في الآخر، وإن جنى عليه فشُلّ وجبت عليه الدية، وإن قطع ذكرًا فشُلّ وجبت عليه الحكومة. وفي الأُنْثَيَيْنِ الدية، وفي إحداهما نصفها. وفي إِسْكَتي المرأة الدية، وفي إحداهما نصفها، وإن جنى عليها فشُلّت وجبت الدية. وفي الإفضاء الدية، وهو أن يجعل سبيل الحيض والغائط واحدًا. وقيل: بأن يجعل سبيل الحيض والبول واحدًا. وفي إذهاب العذرة الحكومة. وفي الشعور كلها حكومة. وفي جميع الجراحات سوى ما ذكرناه الحكومة. وفي تعويج الرقبة وتصغير (٢) الوجه وتسويده الحكومة. والحكومة: أن يقوّم بلا جناية، ويقوّم بعد الاندمال مع الجناية، فما نقص من ذلك وجبت بقسطه من الدية, وإن كانت الجناية مما لا ينقص به شيء بعد الاندمال ويخاف منه التلف حين الجناية -كالإصبع الزائدة، وذَكَر العبد- قُوِّم حال الجناية، فما نقص وجب، وإن كان مما لا يخاف منه -كلحية المرأة- يُقوَّم لو كان غلامًا وله لحية، ويقوَّم ولا لحية له، فيجب ما بينهما. وما اختلف فيه الخطأ والعمد في النفس اختلف فيما دون النفس. ويجب في قتل العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت، وما ضمن من الحر بالدية ضمن من العبد والأمة بالقيمة، وما ضمن من الحر بالحكومة ضمن من العبد والأمة بما نقص، ولا يختلف العمد والخطأ في ضمان العبد والأمة. وإن قطع يدَ عبدٍ ثم أعتق ثم مات وجبت فيه دية حرٍّ، وللمولى منه (٣) أقلّ الأمرين من نصف الدية، أو نصف القيمة. ويجب في جنين الأمة عشرُ قيمة الأم حال الضرب، لا حال الإسقاط، فإن ضرب بطن أمة [ثم أعتقت] (٤) ثم ألقت جنينًا ميتا (٥) وجبت فيه دية جنين حرة (٦). باب العاقلة، وما تحمله: إذا جنى الحرُّ على نفس حرٍّ خطأ أو عمد خطأ أوجبت الدية على عاقلته.

стр. 213

وإن جنى على أطرافه ففيه قولان: أصحهما: أنها على عاقلته. وإن جنى على عبد ففيه قولان: أصحهما: أنّ القيمة في ماله. وإن جنى عبدٌ على حر أو عبدٍ وجب المال في رقبته، ومولاه بالخيار بين أن يسلمه فيُباع في الجناية وبين أن يفديه, وإن أراد الفداء فداه في أحد القولين بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية، وبأرش الجناية بالغًا ما بلغ في الآخر. وإن جنت أم ولد فداها المولى بأقل الأمرين. وإن جنى مكاتب؛ فإن كان على أجنبي فدى نفسه بأقل الأمرين، وإن كان على مولاه فدى بأقل الأمرين في أحد القولين، وبالأرش في الآخر، فإن لم يفد بيع في الجناية، وانفسخت الكتابة. وما يجب من الدية بخطأ الإمام فهو في بيت المال في أحد القولين، وعلى عاقلته في الآخر. وما يجب من الدية بالخطأ أو عمد الخطأ فهو مؤجّل؛ فإن كانت دية نفس كاملة فهو مؤجّل في ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها، وابتداؤها من وقت القتل، وإن كان أرش أطراف؛ فإن كان قدر الدية فهو في ثلاث سنين، وإن كان الثلث فما دونه ففي سنة، وإن كان الثلثان أو أقل وجب الثلث في سنة وما زاد في السنة الثانية، وإن كان قدر الدية أو أقل وجب الثلثان في سنتين وما زاد في السنة الثالثة، وإن كان أكثر من ذلك لم يجب في كل سنة أكثر من الثلث، وابتداؤها من وقت الاندمال، وإن كان في ديةٍ نفس ناقصة -كدية الجنين والمرأة والذمي- فقد قيل: هي كدية النفس في ثلاث سنين. وقيل: هي كأرش الطرف إذا نقص عن الدية. والعاقلة: العَصَبَات ما عدا الأب والجد والابن وابن الابن، ولا يعقل بنو أب وهناك من هو أقرب منه، فإن اجتمع من يدلي بالأب والأم ومن يدلي بالأب ففيه قولان: أصحهما: أنه يقدّم من يدلي بالأب والأم. والثاني: أنهما سواء، وإن اجتمع منهم جماعة في درجة واحدة وبعضهم غُيَّب ففيه قولان: أصحهما: أنهم سواء. والثاني: أنه يُقدّم الحضر (١). وإن عدم العصبات وهناك مولى من أسفل ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يعقل، وإن لم يكن من يعقل وجب في بيت المال، فإن لم يكن فقد قيل: على الجاني. وقيل: لا يجب عليه. ولا يعقل فقير ولا صبي ولا معتوه ولا كافر عن مسلم، ولا مسلم عن كافر، وإن

стр. 214

أرسل الكافر سهمًا ثم أسلم ثم وقع سهمه فقتل، أو رمى مسلم ثم ارتدّ ثم وقع سهمه فقتل؛ كانت الدية في ماله. ويجب على الغني نصف دينار, وعلى المتوسط ربع دينار في كل سنة. وقيل: لا يجب أكثر من النصف والربع في ثلاث سنين. ويعتبر حاله في السعة والقلة عند الحول، فإن قسط عليهم فبقي شيء أخذ من بيت المال، وإن زاد عددهم على قدر الثلث ففيه قولان: أحدهما: يقسّط عليهم، وينقص (١) كل واحد عن النصف والربع. والثاني: يقسّط الإمام على من يرى منهم، ومن مات من العاقلة قبل محل النجم سقط ما عليه. باب كفارة القتل: إذا قتل من يحرم قتلُه لحقِّ الله تعالى عمدًا أو خطأ, أو فعل به شيئًا مات به، أو ضرب بطنَ امرأة فألقت جنينًا؛ وجبت عليه الكفارة. وإن اشترك جماعةٌ في قتل واحدٍ وجبت على كل واحدٍ منهم كفارة. وقيل: فيه قول آخر: أنه تجب عليهم كفارة واحدة. والكفارة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع ففيه قولان: أحدهما: يُطعم ستين مسكينًا، كل مسكين مُدًّا من طعام. والثاني: لا يُطعم. باب قتال أهل البغي: إذا خرج على الإمام طائفةٌ من المسلمين ورامت خلعه، أو منعت الزكاة أو حقًّا توجَّه عليها وامتنعوا بالحرب؛ بعث إليهم, وسألهم ما تنقمون؟ فإن ذكروا شبهة أزالها، وإن ذكروا علّة يمكن إزاحتها أزاحها، وإن أبَوْا وَعَظَهُم وخوّفهم بالقتال، فإن أبَوْا قاتلهم، وإن استنظروا مدة لينظروا أنظرهم، إلا أن يخاف أنهم يقصدون الإجماع على حربه؛ فلا ينظرهم. ويقاتلهم إلى أن يفيئوا إلى أمر الله تعالى، ولا يتبع في الحرب مدبرهم، ولا يُذَفِّفُ على جريحهم، ويتجنب قتل ذي رَحِمِهِ. وإن أَسَرَ منهم رجلًا حبسه إلى أن تنقضي الحرب ثم خلّاه,

стр. 215

ويأخذ عليه أن لا يعود إلى قتاله. وإن أَسَرَ صبيًّا أو امرأة خلّاه على المنصوص. وقيل: يحبسهم. ولا يقاتلهم بما يعمّ؛ كالمنجنيق والنار إلا لضرورة. ولا يستعين عليهم بالكفار، ولا بمن يرى قتلهم مدبرين. وإن أتلف عليهم أهل العدل شيئًا في حال الحرب لم يضمنوا، وإن أتلف أهل البغي على أهل العدل ففيه قولان: أصحهما: أنهم لا يضمنون. وإن ولوا قاضيًا نفذ من حكمه ما ينفذ من حكم الجماعة. وإن أخذوا الزكاة والخراج اعتُدّ به، فإن ادّعى من عليه زكاة أنه دفع الزكاة إليهم قُبِلَ قولُه مع يمينه. وقيل: يحلف مستحبًّا. وقيل: يحلف واجبًا. وإن ادّعى من عليه جزية أنه دفعها إليهم لم يُقبل إلا ببينة. وإن ادّعى من عليه خراج أنه دفع إليهم فقد قيل: يقبل. وقيل: لا يقبل. وإن أظهر قومٌ رأي الخوارج ولم يظهروا ذلك بحرب (١) لم يتعرض لهم، وكان حكمهم حكم الجماعة فيما لهم وعليهم. وإن صرّحوا بسبِّ الإمام عزّرهم، فإن عرّضوا بسبِّه لم يتعرض لهم. وإن اقتتل طائفتان في طلب رئاسة، أو نهب مال أو عصبية؛ فهما ظالمتان، وعلى كل واحد منهما ضمان ما تتلف على الأخرى من نفسٍ ومال. ومن قصد قتل رجل جاز للمقصود دفعُه عن نفسه، وهل يجب؟ قيل: يجب. وقيل: لا يجب، وإن قصد مالَه فله أن يدفعه عنه، وله أن يتركه، وإن قصد حريمه وجب عليه الدفع عنه، وإذا أمكن الدفع بأسهل الوجوه لم يعدل إلى أصعبها، فإن لم يندفع إلا بالقتل فقتله لم يضمنه، وإن اندفع لم يجز أن يتعرّض له. وإن طلع رجلٌ في بيتِ رجل وليس بينهما محرمية جاز رمي عينيه، ويرميه بشيء خفيف، فإن رماه بحجرٍ ثقيل فقتله فعليه القَوَد، وإن رماه بشيء خفيف فلم يرجع استغاث عليه، فإن لم يلحقه غوث فله أن يضربه بما يردعه. وإن عضّ يدَ إنسان، فنزعها منه، فسقطت أسنانه؛ لم يضمن، وإن لم يقدر على تخليصها، ففكّ لحييه؛ لم يضمن. وإن صال عليه بهيمة، فلم تندفع إلا بقتلها؛ لم يضمن. باب قتل المرتد: تصحّ الردة من كل بالغٍ، عاقلٍ، مختارٍ، فأمّا الصبي والمعتوه فلا تصحّ
следующие страницы →