← Фикх шафии

Фикх шафии · id 7589

التنبيه في الفقه الشافعي

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (261 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

نصف الكلام وجب نصف الدية، وإن قطع النصف وذهب ربع الكلام وجب نصف الدية، وإن قطع اللسان فأخذ الدية ثم نبت ردّ الدية في أحد القولين. وفي الذوق الدية. وفي كل سنٍّ خمسٌ من الإبل، فإن كسر ما ظهر وجب عليه خمس من الإبل، وفي بعضه بقسطه، وفي السِّنْخ (١) حكومة، فإن قلع السن مع السِّنْخ دخل السِّنْخ في السن، وإن جنى على سنه اثنان فاختلفا في القدر فالقول قول المجني عليه. وإن قلع سنَّ كبير فضمن ثم نبت ففيه قولان: أحدهما: يرد ما أخذ. والثاني: لا يرد. وإن قلع سنَّ صغير لم يثغر (٢) انتظر، فإن وقع اليأس منها وجب أرشها. وإن جنى على سنٍّ فتغيرت أو اضطربت وجبت عليه حكومة. وإن قلع جميع الأسنان في دفعة أو متواليًا فقد قيل: تجب دية نفس. والمذهب أنه يجب في كل سن خمسٍ من الإبل. وفي اللحيين الدية، وفي إحداهما نصفها, وإن قلع اللحيين مع الأسنان وجبت دية كل واحد منهما. وفي كل إصبع عشر من الإبل، وفي كل أنملة ثلاثة أبعرة وثلث، إلا الإبهام؛ فإنه يجب في كل أنملة منها خمس من الإبل. وفي الكفين والأصابع الدية، وإن قطع ما زاد على الكفّ وجبت الدية في الكف، والحكومة فيما زاد، وإن جنى عليها فشُلّت وجبت الدية، وفي اليد الشلاء الحكومة، وفي اليد الزائدة والإصبع الزائدة الحكومة. وقيل: إن لم يحصل بها شين (٣) لم يجب في الزائدة شيء. وفي الرِّجْلين الدية، وفي إحداهما نصفها، وفي كل إصبع عشر من الإبل. وفي الأليتين الدية، وفي إحداهما نصفها. وإن كسر صلبه فلم يطق المشي لزمته الدية، وإن نقص مشيه واحتاج إلى عصا لزمته حكومة، وإن انكسر صلبه فعجز عن الوطء لزمته الدية، وإن اختلفا في ذلك فالقول قول المجني عليه، وإن بطل المشي والوطء وجبت ديتان على ظاهر المذهب. وقيل: دية واحدة. وإن قطع اللحم الناتئ على الظهر لزمته الدية، وفي إحداهما

стр. 212

نصفها، وفي بعضه بحسابه. وفي حلمتي المرأة الدية، وفي إحداهما نصفها، وإن جنى على ثديها فشلّت وجبت عليه الدية (١)، وإن انقطع لبنها لزمه الحكومة، وفي حلمتي الرجل حكومة. وقيل قول آخر: أنه تجب فيهما الدية. وفي جميع الذكر الدية، وفي الحشفة الدية، وإن قطع بعض الحشفة وجب بقسطه من الحشفة في أصحّ القولين، وبقسطه من جميع الذكر في الآخر، وإن جنى عليه فشُلّ وجبت عليه الدية، وإن قطع ذكرًا فشُلّ وجبت عليه الحكومة. وفي الأُنْثَيَيْنِ الدية، وفي إحداهما نصفها. وفي إِسْكَتي المرأة الدية، وفي إحداهما نصفها، وإن جنى عليها فشُلّت وجبت الدية. وفي الإفضاء الدية، وهو أن يجعل سبيل الحيض والغائط واحدًا. وقيل: بأن يجعل سبيل الحيض والبول واحدًا. وفي إذهاب العذرة الحكومة. وفي الشعور كلها حكومة. وفي جميع الجراحات سوى ما ذكرناه الحكومة. وفي تعويج الرقبة وتصغير (٢) الوجه وتسويده الحكومة. والحكومة: أن يقوّم بلا جناية، ويقوّم بعد الاندمال مع الجناية، فما نقص من ذلك وجبت بقسطه من الدية, وإن كانت الجناية مما لا ينقص به شيء بعد الاندمال ويخاف منه التلف حين الجناية -كالإصبع الزائدة، وذَكَر العبد- قُوِّم حال الجناية، فما نقص وجب، وإن كان مما لا يخاف منه -كلحية المرأة- يُقوَّم لو كان غلامًا وله لحية، ويقوَّم ولا لحية له، فيجب ما بينهما. وما اختلف فيه الخطأ والعمد في النفس اختلف فيما دون النفس. ويجب في قتل العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت، وما ضمن من الحر بالدية ضمن من العبد والأمة بالقيمة، وما ضمن من الحر بالحكومة ضمن من العبد والأمة بما نقص، ولا يختلف العمد والخطأ في ضمان العبد والأمة. وإن قطع يدَ عبدٍ ثم أعتق ثم مات وجبت فيه دية حرٍّ، وللمولى منه (٣) أقلّ الأمرين من نصف الدية، أو نصف القيمة. ويجب في جنين الأمة عشرُ قيمة الأم حال الضرب، لا حال الإسقاط، فإن ضرب بطن أمة [ثم أعتقت] (٤) ثم ألقت جنينًا ميتا (٥) وجبت فيه دية جنين حرة (٦). باب العاقلة، وما تحمله: إذا جنى الحرُّ على نفس حرٍّ خطأ أو عمد خطأ أوجبت الدية على عاقلته.

стр. 213

وإن جنى على أطرافه ففيه قولان: أصحهما: أنها على عاقلته. وإن جنى على عبد ففيه قولان: أصحهما: أنّ القيمة في ماله. وإن جنى عبدٌ على حر أو عبدٍ وجب المال في رقبته، ومولاه بالخيار بين أن يسلمه فيُباع في الجناية وبين أن يفديه, وإن أراد الفداء فداه في أحد القولين بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية، وبأرش الجناية بالغًا ما بلغ في الآخر. وإن جنت أم ولد فداها المولى بأقل الأمرين. وإن جنى مكاتب؛ فإن كان على أجنبي فدى نفسه بأقل الأمرين، وإن كان على مولاه فدى بأقل الأمرين في أحد القولين، وبالأرش في الآخر، فإن لم يفد بيع في الجناية، وانفسخت الكتابة. وما يجب من الدية بخطأ الإمام فهو في بيت المال في أحد القولين، وعلى عاقلته في الآخر. وما يجب من الدية بالخطأ أو عمد الخطأ فهو مؤجّل؛ فإن كانت دية نفس كاملة فهو مؤجّل في ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها، وابتداؤها من وقت القتل، وإن كان أرش أطراف؛ فإن كان قدر الدية فهو في ثلاث سنين، وإن كان الثلث فما دونه ففي سنة، وإن كان الثلثان أو أقل وجب الثلث في سنة وما زاد في السنة الثانية، وإن كان قدر الدية أو أقل وجب الثلثان في سنتين وما زاد في السنة الثالثة، وإن كان أكثر من ذلك لم يجب في كل سنة أكثر من الثلث، وابتداؤها من وقت الاندمال، وإن كان في ديةٍ نفس ناقصة -كدية الجنين والمرأة والذمي- فقد قيل: هي كدية النفس في ثلاث سنين. وقيل: هي كأرش الطرف إذا نقص عن الدية. والعاقلة: العَصَبَات ما عدا الأب والجد والابن وابن الابن، ولا يعقل بنو أب وهناك من هو أقرب منه، فإن اجتمع من يدلي بالأب والأم ومن يدلي بالأب ففيه قولان: أصحهما: أنه يقدّم من يدلي بالأب والأم. والثاني: أنهما سواء، وإن اجتمع منهم جماعة في درجة واحدة وبعضهم غُيَّب ففيه قولان: أصحهما: أنهم سواء. والثاني: أنه يُقدّم الحضر (١). وإن عدم العصبات وهناك مولى من أسفل ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يعقل، وإن لم يكن من يعقل وجب في بيت المال، فإن لم يكن فقد قيل: على الجاني. وقيل: لا يجب عليه. ولا يعقل فقير ولا صبي ولا معتوه ولا كافر عن مسلم، ولا مسلم عن كافر، وإن

стр. 214

أرسل الكافر سهمًا ثم أسلم ثم وقع سهمه فقتل، أو رمى مسلم ثم ارتدّ ثم وقع سهمه فقتل؛ كانت الدية في ماله. ويجب على الغني نصف دينار, وعلى المتوسط ربع دينار في كل سنة. وقيل: لا يجب أكثر من النصف والربع في ثلاث سنين. ويعتبر حاله في السعة والقلة عند الحول، فإن قسط عليهم فبقي شيء أخذ من بيت المال، وإن زاد عددهم على قدر الثلث ففيه قولان: أحدهما: يقسّط عليهم، وينقص (١) كل واحد عن النصف والربع. والثاني: يقسّط الإمام على من يرى منهم، ومن مات من العاقلة قبل محل النجم سقط ما عليه. باب كفارة القتل: إذا قتل من يحرم قتلُه لحقِّ الله تعالى عمدًا أو خطأ, أو فعل به شيئًا مات به، أو ضرب بطنَ امرأة فألقت جنينًا؛ وجبت عليه الكفارة. وإن اشترك جماعةٌ في قتل واحدٍ وجبت على كل واحدٍ منهم كفارة. وقيل: فيه قول آخر: أنه تجب عليهم كفارة واحدة. والكفارة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع ففيه قولان: أحدهما: يُطعم ستين مسكينًا، كل مسكين مُدًّا من طعام. والثاني: لا يُطعم. باب قتال أهل البغي: إذا خرج على الإمام طائفةٌ من المسلمين ورامت خلعه، أو منعت الزكاة أو حقًّا توجَّه عليها وامتنعوا بالحرب؛ بعث إليهم, وسألهم ما تنقمون؟ فإن ذكروا شبهة أزالها، وإن ذكروا علّة يمكن إزاحتها أزاحها، وإن أبَوْا وَعَظَهُم وخوّفهم بالقتال، فإن أبَوْا قاتلهم، وإن استنظروا مدة لينظروا أنظرهم، إلا أن يخاف أنهم يقصدون الإجماع على حربه؛ فلا ينظرهم. ويقاتلهم إلى أن يفيئوا إلى أمر الله تعالى، ولا يتبع في الحرب مدبرهم، ولا يُذَفِّفُ على جريحهم، ويتجنب قتل ذي رَحِمِهِ. وإن أَسَرَ منهم رجلًا حبسه إلى أن تنقضي الحرب ثم خلّاه,

стр. 215

ويأخذ عليه أن لا يعود إلى قتاله. وإن أَسَرَ صبيًّا أو امرأة خلّاه على المنصوص. وقيل: يحبسهم. ولا يقاتلهم بما يعمّ؛ كالمنجنيق والنار إلا لضرورة. ولا يستعين عليهم بالكفار، ولا بمن يرى قتلهم مدبرين. وإن أتلف عليهم أهل العدل شيئًا في حال الحرب لم يضمنوا، وإن أتلف أهل البغي على أهل العدل ففيه قولان: أصحهما: أنهم لا يضمنون. وإن ولوا قاضيًا نفذ من حكمه ما ينفذ من حكم الجماعة. وإن أخذوا الزكاة والخراج اعتُدّ به، فإن ادّعى من عليه زكاة أنه دفع الزكاة إليهم قُبِلَ قولُه مع يمينه. وقيل: يحلف مستحبًّا. وقيل: يحلف واجبًا. وإن ادّعى من عليه جزية أنه دفعها إليهم لم يُقبل إلا ببينة. وإن ادّعى من عليه خراج أنه دفع إليهم فقد قيل: يقبل. وقيل: لا يقبل. وإن أظهر قومٌ رأي الخوارج ولم يظهروا ذلك بحرب (١) لم يتعرض لهم، وكان حكمهم حكم الجماعة فيما لهم وعليهم. وإن صرّحوا بسبِّ الإمام عزّرهم، فإن عرّضوا بسبِّه لم يتعرض لهم. وإن اقتتل طائفتان في طلب رئاسة، أو نهب مال أو عصبية؛ فهما ظالمتان، وعلى كل واحد منهما ضمان ما تتلف على الأخرى من نفسٍ ومال. ومن قصد قتل رجل جاز للمقصود دفعُه عن نفسه، وهل يجب؟ قيل: يجب. وقيل: لا يجب، وإن قصد مالَه فله أن يدفعه عنه، وله أن يتركه، وإن قصد حريمه وجب عليه الدفع عنه، وإذا أمكن الدفع بأسهل الوجوه لم يعدل إلى أصعبها، فإن لم يندفع إلا بالقتل فقتله لم يضمنه، وإن اندفع لم يجز أن يتعرّض له. وإن طلع رجلٌ في بيتِ رجل وليس بينهما محرمية جاز رمي عينيه، ويرميه بشيء خفيف، فإن رماه بحجرٍ ثقيل فقتله فعليه القَوَد، وإن رماه بشيء خفيف فلم يرجع استغاث عليه، فإن لم يلحقه غوث فله أن يضربه بما يردعه. وإن عضّ يدَ إنسان، فنزعها منه، فسقطت أسنانه؛ لم يضمن، وإن لم يقدر على تخليصها، ففكّ لحييه؛ لم يضمن. وإن صال عليه بهيمة، فلم تندفع إلا بقتلها؛ لم يضمن. باب قتل المرتد: تصحّ الردة من كل بالغٍ، عاقلٍ، مختارٍ، فأمّا الصبي والمعتوه فلا تصحّ

стр. 216

ردتهما، وتصحّ ردة السكران. وقيل: فيه قولان، وأما المكره فلا تصحّ ردته، وكذلك الأسير في يد الكافر لا تصحّ ردته. ومن ارتدّ عن الإسلام يستحب أن يُستتاب في أحد القولين، ويجب في الآخر. وفي مدة الاستتابة قولان: أحدهما: ثلاثة أيام. والثاني: في الحال، وهو الأصح، فإن رجع إلى الإسلام قُبِل منه، وإن تكرّر منه ثم أسلم عُزِّر. وإن ارتد إلى دينٍ لا (١) تأويل لأهله كفاه أن يُقرّ بالشهادتين. وإن ارتد إلى دين يزعم أهله أنّ محمدًا ﷺ مبعوث إلى العرب لم يصحّ إسلامه حتى يأتي بالشهادتين، ويبرأ من كل دينٍ خالف الإسلام. وإن أقام على الردة وجب قتله. فإن كان حرًّا لم يقتله إلا الإمام، فإن قتله غيره بغير إذن الإمام عُزِّر، وإن قتله إنسان ثم قامت البينة أنه كان قد رجع إلى الإسلام (٢) ففيه قولان: أحدهما: يجب عليه القَوَد. والثاني: لا يجب إلا الدية، فإن كان عبدًا فقد قيل: يجوز للسيد قتله. وقيل: لا يجوز. وإن أتلف المرتدُّ مالًا أو نفسًا على مسلم وجب عليه الضمان، وإن امتنع بالحرب فأتلف ففيه قولان؛ كأهل البغي. وإن ارتدّ وله مال فقد قيل: قولان: أحدهما: أنه باقٍ على ملكه. والثاني: أنه موقوف، فإن رجع إلى الإسلام حُكِم بأنه له، وإن لم يرجع حُكم بأنه قد زال بالردة. وقيل: فيه قول ثالث: أنه يزول بنفس الردة. وأما تصرفه ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: ينفذ. والثاني: لا ينفذ. والثالث: أنه موقوف. وإذا مات أو قُتل قضيت الديون من ماله والباقي (٣) فيء. فإن أقام وارثه بيّنة أنه صلّى بعد الردة؛ فإن كانت الصلاة في دار الإسلام لم يحكم بإسلامه، وإن كانت في دار الحرب حكم بإسلامه، وورثه الوارث. وإن علقت منه كافرة بولد في حال الردة فهو كافر، وفي استرقاق هذا الولد قولان. باب قتال المشركين: من لا يقدر على إظهار الدين في دار الحرب وقدر على الهجرة وجب عليه أن يهاجر، ومن قدر على إظهار الدين استحب له أن يهاجر. والجهاد فرضٌ على

стр. 217

الكفاية، إذا قام به من فيه الكفاية سقط الفرض عن الباقين. ومن حضر الصفَّ من أهل الفرض تعيَّن عليه. ويستحبّ الإكثار من الغزو، وأقل ما يجزئ في كل سنة مرة، فإن دعت الحاجة إلى أكثر منه وجب، وإن دعت الحاجة إلى تأخيره لضعف المسلمين أخّره. ولا يجب الجهاد إلا على ذكرٍ، حرٍّ، بالغٍ، عاقلٍ، مستطيعٍ، فأما المرأة والعبد والصبي فلا جهاد عليهم، فإن حضروا جاز، ولا يجب الجهاد على معتوه، ولا على غير مستطيع، وهو الأعمى، والأعرج، والمريض الذي لا يقدر على القتل, والفقير الذي لا يجد ما ينفق على نفسه وعياله، ولا يجد ما يحمله وهو على مسافة تقصر فيها الصلاة. ولا يجاهد من عليه ديْن إلا بإذن غريمه. وقيل: يجوز في الديْن المؤجّل أن يجاهد بغير إذنه، ولا يجوز لمن أحد أبويه مسلم أن يغزو من غير إذنه، فإن أذن له الغريم ثم بدا له قبل أن يحضر الصفّ، أو أسلم أحدُ أبويه قبل أن يحضر الصفّ؛ لم يغز إلا بإذنهم، وإن كان قد حضر الصف ففيه قولان، وإن أحاط العدوُّ بهم وتعيّن الجهاد جاز من غير إذنهم. ولا يجاهد أحدٌ عن أحد. ويكره أن يغزو أحدٌ إلا بإذن الإمام. ويتعاهد الإمامُ الخيل والرجال، فما لا يصحّ منها للحرب مُنع من دخول دار الحرب. ولا يأذن لمخذِّل ولا لمن يرجف بالمسلمين. ولا يستعين بمشركٍ إلا أن تكون في المسلمين قلّة، والذي يستعين به حسن الرأي في المسلمين. ويبدأ بقتال من يليه من الكفار؛ يبدأ بالأهم فالأهم. ولا يقاتل من لم تبلغه الدعوة حتى يعرض عليه الدين. ويقاتل أهلَ الكتابين والمجوس إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية، ويقاتل من سواهم إلى أن يسلموا. ويجوز بياتهم ونصب المنجنيق عليهم ورميهم بالنار. ويتجنب قتل أبيه أو ابنه إلا أن يسمع منه ما لا يصبر عليه من ذكر الله تعالى أو ذكر رسوله ﷺ . ولا يقتل النساء والصبيان إلا أن يقاتلوا. وفي قتل الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم وأصحاب الصوامع قولان: أصحهما: أنهم يُقتلون. وإن تترَّسُوا بالنساء والصبيان في القتال لم يمتنع من قتالهم. وإن كان معهم قليلٌ من أسارى المسلمين لم يمتنع من رميهم، وإن كان معهم كثيرٌ منهم لم يرمهم إلا إذا خاف شرَّهم، فإن تترَّسُوا بهم في حال القتال

стр. 218

لم يمتنع من قتالهم، غير أنه يتجنب أن يصيبهم. ومن آمنه مسلمٌ بالغٌ عاقلٌ مختارٌ حرُم قتله، وإن آمنه صبيٌّ لم يُقتل، غير أنه يعرف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه، ومن آمنه أسير قد أطلق باختياره (١) حرم قتله. ومن أسلم منهم في الحرب أو في حصار أو مضيق حقن دمه وماله، وصان صغار أولاده عن السبي. ومن عرف من (٢) المسلمين من نفسه بلاءً في الحرب جاز له أن يُبارز، فإن بارز كافر استحب لمن عرف من نفسه بلاء أن يخرج إليه، فإن شرط أن لا يقاتله غيره وفى له بالشرط إلا أن يثخن (٣) المسلم وينهزم منه، فيجوز قتاله، فإن شرط أن لا يتعرض له حتى يرجع إلى الصفّ وفى له بذلك. وليس للمسلم أن ينصرف عن اثنين إلا متحرِّفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة، فإن خاف أن يقتل فقد قيل: له أن يولي، والمذهب أنه ليس له ذلك. وإن كان بإزائه أكثر من اثنين وغلب على ظنه أنه لا يهلك فالأولى أن يثبت، وإن غلب على ظنه أنه يهلك فالأولى أن ينصرف. وقيل: يجب عليه. وإن غرر من له سهم بنفسه في قتل كافر ممتنع في حال القتال استحق سلبه، وإن كان لا سهم له وله رضخ فقد قيل: يستحق. وقيل: لا يستحق. وإن لم يغرر بنفسه -بأن رماه من الصفّ فقتله، أو قتله وهو أسير أو مثخن- لم يستحق، وإن قتله وقد ترك القتال أو انهزم لم يستحق سلبه. وإن اشترك اثنان في قتله اشتركا في سلبه. وإن قطع أحدهما يديه ورجليه، وقتله الآخر؛ فالسلب للقاطع. وإن قطع أحدهما إحدى يديه وإحدى رجليه فقتله الآخر ففيه قولان: أحدهما: أن السلب للأول. والثاني: أنه للثاني. وإن قتل امرأة أو صبيًّا؛ فإن كان لا يقاتل لم يستحق سلبه، وإن قتله وهو على القتال استحقّ سلبه. والسلب: ما تثبت يده عليه في حال القتال من ثيابه وحليّه ونفقته وسلاحه وفرسه. وقيل: لا يستحقّ الحلي والمنطقة والنفقة، والأول أصحّ. وإن أَسَرَ صبيًّا رقّ، فإن كان وحده تبع السابي في الإسلام، وإن كان معه أحدُ أبويه تبعه في الدين. وإن سبي امرأةً رقّت بالأسر، فإن كان لها زوج انفسخ نكاحها. وإن أَسَرَ حُرًّا فللإمام أن يختار فيه ما يرى المصلحة من القتل

стр. 219

والاسترقاق والمنّ والمفاداة بمالٍ أو بمن أسر من المسلمين، فإن استرقه وكان له زوجة انفسخ نكاحها، وإن أسلم في الأسر سقط قتله، وبقي الخيار في الباقي في أحد القولين، ويرق في القول الآخر. وإن غرر بنفسه في أسره فقتله الإمام أو منّ عليه ففي سلبه قولان: أحدهما: أنه لمن أسره. والثاني: أنه ليس له. وإن استرقه أو فاداه بمالٍ فهل يستحقّ من أسره رقبته أو المال المفادى به؟ فيه قولان. وإن حاصر قلعة فنزل أهلها على حكم حاكم جاز. ويجب أن يكون الحاكم حُرًّا، مسلمًا، ثقة، من أهل الاجتهاد. ولا يحكم الحاكم إلا بما فيه الحظّ للمسلمين من القتل والاسترقاق والمنّ والفداء. وإن حكم بعقد الذمة لم يلزم. وقيل: يلزم. وإن حكم بقتل الرجال، ورأى الإمام أن يمنّ عليهم جاز. فإن أنزلوا على حكم الحاكم فأسلموا قبل أن يحكم بشيء عصم دمهم ومالهم، وحرم سبيهم، وإن أسلموا بعد الحكم سقط القتل، وبقي الباقي، وإن مات الحاكم قبل الحكم رُدُّوا إلى القلعة. ويجوز لأمير الجيش أن يشترط للبَدْأَةِ والرَّجعة ما رأى على قدر عملهم من خمس الخمس. ويجوز أن يشرط لمن دلّه على قلعة جعلًا، فإن كان المجعول له كافرًا جاز أن يجعل له جعلًا مجهولًا. وإن قال: من دلّني على القلعة الفلانية فله منها جارية، فدلّه عليها ولم تفتح؛ لم يستحقّ شيئًا. وقيل: يرضخ له، وليس بشيء، وإن فتحت صلحًا، فامتنع صاحب القلعة من تسليم الجارية، وامتنع المجعول له من قبض قيمتها؛ فسخ الصلح، وإن فتحت عنوة وقد أسلمت الجارية قبل الفتح دفع إليه قيمتها، وإن ماتت قبل الفتح ففيه قولان: أحدهما: يدفع إليه قيمتها. والثاني: لا شيء له. ويجوز قطع أشجارهم، وتخريب ديارهم، فإن غلب على الظنّ أنه يحصل لهم فالأولى أن لا يفعل ذلك. ولا يجوز قتل البهائم إلا إذا قاتلوا عليها. ويُقتل الخنازير، ويُراق الخمور، ويُكسر الملاهي، ويُتلف ما في أيديهم من التوراة والإنجيل. ويجوز أكل ما أصيب في الدار من الطعام، ويعلف منه الدواب. ويجوز ذبح ما يُؤكل للأكل من غير ضمان. وقيل: يجب ضمان ما يُذبح، وليس بشيء. وإن خرجوا إلى دار الإسلام ومعهم شيء من الطعام ففيه قولان: أحدهما: يجب ردّه إلى المغنم,

стр. 220

والثاني: لا يجب. وما سوى ذلك من الأموال لا يجوز لأحدٍ منهم أن يستبدّ به، فمن أخذ منهم شيئًا وجب عليه ردّه إلى المغنم، وله قول آخر: إذا قال الأمير: من أخذ شيئًا فهو له صحّ، ومن أخذ شيئًا ملكه، والأول أصحّ. ومن قُتل من الكفار كُره نقل رأسه من بلد إلى بلد. وإن غلب الكفار المسلمين على أموالهم لم يملكوها، فإن استرجعت وجب ردّها على أصحابها، فإن لم يعلم حتى قسم عوض صاحبها من خمس الخمس، ولا تفسخ القسمة. باب قسم الفيء والغنيمة: الغنيمة: ما أخذ من الكفار بالقتال وإيجاف الخيل والركاب، ومتى يملك ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: بانقضاء الحرب. والثاني: بانقضاء الحرب وحيازة المال. وأول ما يبدأ منه بسلب المقتول، فيدفع إلى القاتل، ثم يقسم الباقي على خمسة، ثم يقسم الخمس على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ ، يُصرف في المصالح، وأهمها: سد الثغور، ثم الأهم فالأهم من أرزاق القضاة والمؤذنين وغير ذلك من المصالح. وسهم لذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، للذكّر منهم مثل حظ الأنثيين، يدفع إلى القاصي والداني منهم. وقيل: يدفع ما يحصل منه في كل إقليم إلى من فيه منهم. وسهم لليتامى الفقراء. وقيل: يشترك فيه الفقراء والأغنياء، وليس بشيء. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل، فلا يُعطي الكفار منه شيئًا، ويقسم الباقي، وهو أربعة الأخماس بين الغانمين، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، ولا يُسهم إلا لفرسٍ واحد، فإن دخل راجلًا ثم حصل له فرس فحضر به الحرب إلى أن ينقضي الحرب أسهم له، وإن غاب فرسه فلم يجده إلا بعد انقضاء الحرب لم يسهم. وقيل: يسهم، وليس بشيء. وإن غصب فرسًا وقاتل عليه أُسهم في أظهر القولين، ولصاحب الفرس في الآخر. وإن حضر بفرس ضعيف أو أعجف أُسهم له في أحد القولين دون الآخر. ومن مات أو خرج عن أن يكون من أهل القتال بمرض قبل أن تقضى الحرب لم يُسهم له. ويرضخ للعبد والمرأة والصبي والكافر إن حضر بإذن الإمام. وفي الأجير ثلاثة أقوال: أحدها: يسهم له. والثاني: يرضخ له.

стр. 221

والثالث: يخيّر، فإن اختار السهم فسخت الإجارة وسقطت الأجرة، وإن اختار الأجرة سقط السهم. وفي تجّار العسكر قولان: أحدهما: يسهم لهم. والثاني: يرضخ. وقيل: إن قاتلوا أسهم لهم، وإن لم يقاتلوا فعلى قولين، ومن أين يكون الرضخ؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: من أصل الغنيمة كالسلب. والثاني: من أربعة أخماسها. والثالث: من سهم المصالح. وإن خرجت سريتان إلى جهةٍ فغنمت إحداهما شيئًا قسم بين الجميع، وإن بعث أمير الجيش سريتين إلى موضعين فغنمت إحداهما اشتركوا فيه. وقيل: ما يغنمه الجيش مشترك بينه وبين السريتين وما يغنم كل واحد من السريتين، ويكون بين السرية الغانمة وبين الجيش لا يشاركها فيه السرية الأخرى. وأما الفيء: فهو كل مالٍ أخذ من الكفار من غير قتال؛ كالمال الذي تركوه فزعًا من المسلمين والجزية والخراج والأموال التي يموت عنها صاحبها ولا وارث له من أهل الذمة، وفيها قولان: أحدهما: أنها تخمس، فيُصرف خمسها إلى أهل الخمس. والثاني: لا يُخمس إلا ما هربوا عنه فزعًا من المسلمين. وفي أربعة أخماسها قولان: أحدهما: أنها لأجناد المسلمين، يقسم بينهم على قدر كفايتهم. والثاني: أنها للمصالح، وأهمها: أجناد الإسلام، فيُعطون من ذلك قدر كفايتهم، والباقي للمصالح، ويبدأ فيه بالمهاجرين، ويقدّم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله ﷺ ، ويسوّى بين بني هاشم وبني المطلب، فإن استوى بطنان في القُرْب قدّم من فيه أصهار رسول الله ﷺ ، ثم بالأنصار، ثم بسائر الناس. ومن مات منهم دفع إلى ورثته وزوجته الكفاية، وإن بلغ الصبي واختار أن يفرض له فرض له، وإن لم يختر (١) ترك. ومن خرج عن أن يكون من أهل المقاتلة سقط حقه. وإن كان في مال الفيء أراضٍ وقلنا: إنها للمصالح صارت وقفًا يصرف غلتها فيها، وإن قلنا: للمقاتلة قسمت بينهم. وقيل: تصير وقفًا، ويقسم غلتها بينهم. باب عقد الذمة، وضرب الجزية: لا يصحّ عقد الذمة إلا من الإمام أو ممن فوّض إليه الإمام، ولا يعقد الذمة

стр. 222

لمن لا كتاب له ولا شبهة كتاب؛ كعبدة الأوثان والمرتدة ومن دخل في دين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل، ويجوز أن يعقد لليهود والنصارى والمجوس ولمن دخل في دين اليهود والنصارى ولم يعلم هل دخل قبل النسخ والتبديل أو بعدهما؟ وأما السامرة (١) والصابئة (٢) فقد قيل: يجوز أن يعقد لهم. وقيل: لا يجوز. ومن تمسّك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أجمعين فقد قيل: يعقد لهم. وقيل: لا يعقد. ولا يعقد لمن وُلِد بين وثني وكتابية، وفيمن ولد بين كتابي ووثنية قولان: أصحهما: أنه يُعقد له، ولا يصحّ عقد الذمة إلا بشرطين: التزام أحكام الملة، وبذل الجزية. والأولى أن يقسم الجزية على الطبقات، فيجعل على الفقير المعتمل دينار، وعلى المتوسط ديناران، وعلى الغني أربعة دنانير، اقتداء بأمير المؤمنين عمر ﵁. وأقل ما يؤخذ دينار، وأكثره ما وقع التراضي عليه. ويجوز أن يضرب الجزية على الرقاب، ويجوز أن يضرب على الأرض، ويجوز أن يضرب على مواشيهم؛ كما فعل أمير المؤمنين عمر ﵁ في نصارى العرب. ولا يجوز أن ينقص ما يؤخذ من أراضيهم ومواشيهم عن دينار. ويجوز أن يشترط عليهم بعد الدينار ضيافة من يمر بهم من المسلمين، ويبين أيام الضيافة في كل سنة، ويذكر قدر من يضاف من الفرسان والرجالة، ومقدار الضيافة: من يوم أو يومين أو ثلاثة، ولا يزاد على ثلاثة أيام، يبين مقدار الطعام والأدم والعلف وأصنافها، ويقسم ذلك على عددهم أو على قدر جزائهم، وعليهم أن يسكنوهم في فضول مساكنهم وكنائسهم. ومن بلغ من أولادهم استؤنف له عقد الذمة على ظاهر النص. وقيل: يؤخذ منه جزية أبيه. وتؤخذ الجزية في آخر الحول، ويؤخذ ذلك منهم برفق، كما يؤخذ سائر الديون. ولا يؤخذ من امرأة ولا عبد ولا صبي ولا مجنون، وفي الشيخ الفاني والراهب قولان، وفي الفقير الذي لا كسب له قولان: أحدهما: لا

стр. 223

تجب عليه. والثاني: تجب. ويطالب بها إذا أيسر، وإن كان فيهم من يجنّ يومًا ويفيق يومًا فالمنصوص أنه تؤخذ منه الجزية في آخر الحول. وقيل: يلفق أيام الإفاقة، فإذا بلغ قدرها حولًا وجبت عليه الجزية، وهو الأظهر. ومن مات منهم أو أسلم بعد الحول أخذ منه جزية ما مضى، ومن مات أو أسلم في أثناء الحول فقد قيل: يؤخذ منه لما مضى. وقيل: فيه قولان: أحدهما: أنه لا يجب عليه شيء. والثاني: يجب لما مضى بقسطه، وهو الأصحّ. وإن مات الإمام أو عزل وولي غيره ولم يعرف مقدار الجزية رجع إلى قولهم. ويأخذهم الإمام بأحكام المسلمين من ضمان المال والنفس والعرض. وإن أتوا ما يوجب الحدّ مما يعتقدون تحريمه -كالزنى والسرقة- أقام عليهم الحدّ, وإن لم يعتقدوا تحريمه -كشرب الخمر- لم يقم عليهم الحدّ. ويلزمهم أن يتميزوا عن المسلمين في اللباس، فإن لبسوا قلانس ميّزوها عن قلانس المسلمين بالخرق، ويشدون الزنانير على أوساطهم، ويكون في رقابهم خاتم من رصاص أو نحاس أو جرس يدخل معهم الحمام، ولهم أن يلبسوا العمائم والطيلسان، وتشدّ المرأة الزنار تحت الإزار. وقيل: فوق الإزار، ويكون في عنقها خاتم يدخل معها الحمام، ويكون واحد (١) خفيها أسود والآخر أبيض، ولا يركبون الخيل، ويركبون البغال والحمير بالأكفّ عرضًا، ولا يصدرون في المجالس، ولا يُبدؤون بالسلام، ويُلجؤون إلى أضيق الطرق، ويُمنعون أن يعلوا على المسلمين في البناء، ولا يُمنعون من المساواة. وقيل: يمنعون، وإن تملكوا دارًا عالية أقروا عليها، ويمنعون من إظهار المنكر والخمر والخنزير والناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل، ويُمنعون من إحداث بِيَعٍ وكنائس في دار الإسلام، ولا يُمنعون من إعادة ما استُهدم منها. وقيل: يمنعون. وإن صُولحوا في بلادهم على الجزية لم يُمنعوا من إظهار المنكر والخمر والخنزير والناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل وإحداث البيع والكنائس. ويُمنعون من المقام بالحجاز، وهي مكة والمدينة واليمامة ومَخَالِيفَهَا، فإن أذن لهم في الدخول لتجارةٍ أو رسالة لم يقيموا أكثر من ثلاثة أيام. وقيل: إن كانوا من أهل الذمّة أخذ منهم لدخول الحجاز نصف العشر من

стр. 224

تجارتهم، وإن كانوا من أهل الحرب أخذ منهم العشر، وليس بشيء. ولا يمكّن مشركٌ من دخول الحرم بحال، فإن دخل فمات ودفن نُبِش وأُخرج، ولا يدخلون سائر المساجد إلا بالإذن، وإن كان جنبًا فقد قيل: لا يمكّن من اللبث. وقيل: يمكّن. ويجعل الإمام على كل طائفةٍ منهم رجلًا يكتب أسماءهم وحِلاهم، ويستوفي عليهم ما يؤخذون به، وعلى الإمام حفظُ من كان في دار الإسلام، ودفع من قصدهم بالأذية، واستنقاذ من أسر منهم، وإن لم يفعل ذلك حتى مضى الحول لم تجب الجزية. وإن تحاكموا إلينا مع المسلمين وجب الحكم بينهم، وإن تحاكموا بعضهم في بعض ففيه قولان: أحدهما: يجب الحكم بينهم. والثاني: لا يجب. وإن تبايعوا بُيوعًا فاسدة وتقابضوا ثم تحاكموا لم ينقض ما فعلوا، وإن لم يتقابضوا نقض عليهم، وإن تحاكموا إلى حاكمٍ لهم فألزمهم التقابض قبضوا، ثم ترافعوا إلى حاكم المسلمين أمضى ذلك في أحد القولين، ولا يمضيه في الآخر. وإن أسلم صبي منهم مميز لم يصحّ إسلامه. وقيل: يصحّ إسلامه في الظاهر دون الباطن. وإن امتنعوا عن أداء الجزية أو التزام أحكام الملة انتقض عهدهم. وإن زنى أحدُهم بمسلمة، أو أصابها بنكاح، أو آوى عينًا للكفار، أو دَلَّ على عورةٍ للمسلمين، أو فتن مسلمًا عن دينه، أو قتله، أو قطع عليه الطريق؛ نظر، فإن لم يكن قد شُرط ذلك في عقد الذمة لم يُنتقض عهده، وإن شُرط عليهم فقد قيل: ينتقض. وقيل: لا ينتقض. وإن ذكر الله أو رسوله ﷺ أو دينه بما لا يجوز فقد قيل: يُنتقض عهده. وقيل: إن لم يشترط لم ينتقض، وإن شرط فعلى الوجهين. وإن فعل ما منع منه مما لا ضرر فيه -كترك الغيار، وإظهار الخمر، وما أشبههما- عزر عليه، ولم ينتقض العهد، وإن خيف منهم نقض العهد لم ينبذ إليهم عهدهم. ومتى فعل ما يوجب نقض العهد رُدّ إلى مأمنه في أحد القولين، وقُتل في الحال في القول الآخر. باب عقد الهدنة: لا يجوز عقد الهدنة إلا للإمام أو لمن فوّض إليه الإمام، وإذا رأى في عقدها مصلحة جاز أن يعقد، ثم ينظر

стр. 225

فإن كان مستظهرًا فله أن يعقد أربعة أشهر، ولا يجوز سنة، وفيما بينهما قولان، وإن لم يكن مستظهرًا أو كان مستظهرًا، ولكن يلزمه في غزوهم مشقة لبعدهم جاز أن يهادنهم عشر سنين، وإن هادن على أنّ الخيار إليه في الفسخ متى شاء جاز. وعلى الإمام أن يدفع عنهم الأذية من جهة المسلمين، ولا يلزمه دفع الأذية عنهم من جهة أهل الحرب. وإن جاء منهم مسلم لم يجب رده إليهم، فإن جاءت مسلمة لم يجز ردها، وإن جاء زوجها يطلب ما دفع إليها من الصداق ففيه قولان: أحدهما: يجب ردّه. والثاني: لا يجب. وإن تحاكموا إلينا لم يجب الحكم بينهم، وإن خيف منهم نقض العهد جاز أن ينبذ إليهم عهدهم. وإن دخل منهم حربي إلى دار الإسلام من غير أمان جاز قتله واسترقاقه، وكان مالُه فيئًا، وإن استأذن في الدخول ورأى الإمام المصلحة في الإذن -بأن يدخل في تجارة ينتفع بها المسلمون، أو في أداء رسالة، أو يأخذ من تجارتهم شيئًا- جاز أن يأذن له، فإذا دخل جاز أن يقيم اليوم والعشرة، وإن طلب أن يقيم مدّة جاز أن يأذن له في المقام أربعة أشهر، ولا يجوز سنة، وفيما بينهما قولان. وإذا أقام لزمه أحكام المسلمين، فيضمن المال والنفس، ويجب عليه حدّ القذف، ولا يجب حدّ الزنى والشرب، وفي حدّ السرقة والمحاربة قولان، ويجب دفع الأذية عنه كما يجب عن الذميِّ، فإن رجع إلى دار الحرب بإذن الإمام في تجارة أو رسالة فهو باقٍ على الأمان في نفسه وماله، وإن رجع للاستيطان انتقض الأمان في نفسه وما معه من المال، فإن أودع مالًا في دار الإسلام لم ينتقض الأمان فيه، ويجب ردّه إليه، فإن قُتِل أو مات في دار الحرب ففي ماله قولان: أحدهما: أنه يُرد إلى ورثته. والثاني: أنه يُغنم، ويصير فيئًا، وإن أسر واسترق صار ماله فيئًا، وإن قتل أو مات في الأسر ففي ماله قولان، وإن مات في دار الإسلام قبل أن يرجع إلى دار الحرب رُدّ ماله إلى ورثته على المنصوص. وقيل: هي أيضا على قولين. باب خراج السواد: أرض السواد ما بين حديثة الموصل إلى عبادان طولا وما بين القادسية إلى

стр. 226

حلوان عرضًا، وهي وقف على المسلمين على المنصوص، لا يجوز بيعها ولا رهنها ولا هبتها، وما يؤخذ منها باسم الخراج أجرة. وقيل: إنها مملوكة، فيجوز بيعها ورهنها وهبتها، وما يُؤخذ منها باسم الخراج ثمن، والواجب أن يؤخذ ما ضربه أمير المؤمنين عمر ﵁، وهو من كل جريب كرم عشرة دراهم، ومن كل جريب نخل ثمانية دراهم، ومن كل جريب رطبة أو شجرة ستة دراهم، ومن كل جريب حنطة أربعة دراهم، ومن كل جريب شعير درهمان. وقيل: على الجريب من الكرم والشجر عشرة دراهم، ومن النخل ثمانية، ومن قصب السكر ستة، ومن الرطبة خمسة، ومن البُرِّ أربعة، ومن الشعير درهمان. باب حد الزنى: إذا زنى البالغ العاقل المختار، وهو مسلم أو ذمي أو مرتد وجب عليه الحدّ، فإن كان محصنًا فحدّه الرجم. والمحصن: من وطئ في نكاح صحيح، وهو حرٌّ بالغ عاقل، فإن وطئ وهو عبد ثم عتق، أو صبي ثم بلغ، أو مجنون ثم أفاق؛ فليس بمحصن. وقيل: هو محصن، والمذهب الأول، وإن كان غير محصن نظر؛ فإن كان حرًّا فحدّه جلد مائة وتغريب عام إلى مسافةٍ تقصر فيها الصلاة، وإن كان عبدًا فحدّه جلد خمسين، وفي تغريبه ثلاثة أقوال: أحدها: لا يجب. والثاني: يجب تغريب عام. والثالث: يجب تغريب نصف عام. ومن لاط وهو من أهل حدّ الزنى ففيه قولان: أحدهما: يجب عليه الرجم. والثاني: يجب عليه الرجم إن كان محصنًا، والجلد والتغريب إن لم يكن محصنًا. وإن أتى بهيمة ففيه قولان: كاللواط. وقيل: فيه قول ثالث: أنه يُعزَّر، فإن كانت البهيمة مما تؤكل وجب ذبحها وأُكلت. وقيل: لا تؤكل، وإن كانت مما لا تؤكل فقد قيل: تذبح. وقيل: لا تذبح. وإن وطئ أجنبية ميتة فقد قيل: يحدّ. وقيل: لا يحدّ. وإن وطئ أجنبية بما دون الفرج عُزِّر. وإن استمنى بيده عُزِّر. وإن أتت المرأةُ أمرأةً عُزِّرَتا. وإن وطيء جاريةً مشتركة بينه وبين غيره، أو جارية ابنه عُزِّر. وإن وطئ أخته بملك اليمين ففيه قولان: أحدهما: يحدّ. والثاني:

стр. 227

يُعزَّر، وهو الأصحّ. وإن وطئ امرأة في نكاحٍ مجمع على بطلانه وهو يعتقد تحريمه -كنكاح ذوات المحارم-، أو استأجر امرأةً للزنى فوطئها؛ حدّ. وإن وطئ امرأة في نكاحٍ مختلف في إباحته -كنكاحٍ بلا ولي ولا شهود، ونكاحِ المتعة- لم يحدّ. وقيل: إن وطئ في النكاح بلا ولي وهو يعتقد تحريمه حدّ، وليس بشيء. وإن وجد امرأة في فراشه فظنها زوجته فوطئها لم يحدّ. وإن زنى بامرأةٍ وادّعى أنه جهل الزنى؛ فإن كان يجوز أن يخفى عليه -بأن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ في باديةٍ بعيدة- لم يحدّ. ومن وطئ امرأته في الموضع المكروه عُزِّر، وإن وطئها وهي حائض عُزِّر. وقال في القديم: إن كان في إقبالِ الدم وجب عليه دينار، وإن كان في إدبارٍ وجب عليه نصف دينار. ولا يقيم الحدّ على الحرّ إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام، ويجوز للمولى أن يقيم الحدّ على عبده وأمته. وقيل: إن ثبت بالإقرار جاز، وإن ثبت بالبينة لم يجز، والمذهب الأول، وإن كان المولى فاسقًا أو امرأة فقد قيل: لا يقيم. وقيل: يقيم، وهو الأصح، وإن كان مكاتبًا فقد قيل: يقيم. وقيل: لا يقيم، وهو الأصحّ. ولا يقام الحدّ في المسجد. ولا يحدّ في حرٍّ شديد ولا برد شديد، ولا في مرضٍ يُرجى برؤه حتى يبرأ، فإن جلد في هذه الأحوال فمات فالمنصوص أنه لا يضمن. وقيل: فيه قولان. ولا تُجلد المرأة في حال الحبل حتى تضع وتبرأ من ألم الولادة، ولا يُجلد بسوط جديد ولا ببالٍ، ولا يمد ولا يشدّ يديه (١)، ولا يجرد، بل يكون عليه قميص، ولا يُبالغ في الضرب فينهر الدم، ويفرّق الضرب على أعضائه، ويتوقَّى الوجه والرأس والفرج والخاصرة؛ وسائر (٢) المواضع المخوفة، وإن وضع يده على موضعٍ ضرب غيّره، ويُضرب الرجل قائما والمرأة جالسة في شيءٍ يستر عليها تمسك عليها امرأة ثيابها، فإن كان نضو الخلق (٣) أو مريضًا لا يُرجى برؤه جُلد بأطراف الثياب وإِثْكال النخل. وإن كان الحد الرجم؛ فإن كان قد ثبت بالإقرار فالمستحب أن يبدأ الإمام، وإن ثبت بالبينة فالمستحب أن يبدأ الشهود، فإن وجب الرجم في الحرِّ أو البرد أو المرض؛ فإن كان قد ثبت بالبينة رجم، وإن كان قد ثبت

стр. 228

بالإقرار فالمنصوص أنه يُؤخر إلى أن يبرأ أو يعتدل الهواء. وقيل: يُقام عليه. وإن وجب الرجم وهي حبلى لم تُرجم حتى تضع ويستغني الولد بلبن غيرها. وإن ثبت الحد بالبينة استحب أن تحفر له حفرة، وإن ثبت بالإقرار لم تُحفر، فإن رُجم فهرب لم يتبع. باب حد القذف: إذا قذف بالغ عاقل مختار وهو مسلم أو ذمي أو مستأمن أو مرتد محصنًا ليس بمولودٍ له وجب عليه الحد، فإن كان حرًّا جلد ثمانين، وإن كان عبدًا جلد أربعين. والمحصن: هو البالغ، العاقل، الحر، المسلم، العفيف، فإن قذف صغيرًا أو مجنونًا أو عبدًا أو كافرًا أو فاجرًا أو من وطئ وطئًا حرامًا لا شبهة فيه عُزِّر، وإن وطئ بشبهة فقد قيل: يحدّ. وقيل: يُعزّر. وإن قذف ولده أو ولد ولده عُزِّر. وإن قذف مجهولًا فقال: هو عبد، وقال المقذوف: أنا حرٌّ؛ فالقول قول القاذف. وقيل: فيه قولان. وإن قال: زنيتَ وأنت نصراني، فقال: لم أزن ولم أكن نصرانيًّا، ولم يُعرف حاله ففيه قولان: أحدهما: يحدّ. والثاني: يُعزَّر. وإن قذفه فقال: قذفتُه وهو مجنون، ثم قال: بل قذفني وأنا عاقل وعُرف له حال جنون؛ فالقول قول القاذف في أظهر القولين، والقول قول المقذوف في الآخر. وإن قذف عفيفًا فلم يحدّ حتى زنى أو وطئ وطئًا حرامًا لم يحدّ. ولا يجب الحدّ إلا أن يقذفه بصريح الزنى أو اللواط، أو بالكناية مع النية. والصريح: أن يقول: زنيتَ، أو يا زاني، أو لطت، أو يا لوطي، أو زنى فرجُك، وما أشبهه. والكناية: أن يقول: يا فاجر، يا خبيث، أو حلال ابن الحلال وهما في الخصومة، فإن نوى به القذف وجب الحدّ، وإن لم ينو لم يجب, وإن اختلفا في النية فالقول قول القاذف. وإن قال: زنأت في الجبل ولم ينو القذف لم يُحدّ، إن قال: زنأت ولم يقل: في الجبل فقد قيل: يحد. وقيل: لا يحد إلا بالنية، وهو الأصحّ. وإن قال: أنت أزنى الناس، أو أزنى من فلان؛ لم يحدّ من غير نية. وإن قال: فلان زانٍ، وأنت أزنى منه؛ حُدّ. وإن قال: يدك أو رجلك لم يحدّ. وقيل: يحدّ. وإن قال: زنى بدنُك لم يحدّ على ظاهر النص. وقيل: يحد، وهو الأظهر. وإن

стр. 229

قال: وطئك فلان وأنت مكرهة فقد قيل: يعزَّر. وقيل: لا يعزر. وإن قذف جماعة لا يجوز أن يكون كلهم زناة -كأهل بغداد وغيرهم- عُزِّر. وإن قذف جماعة يجوز أن يكون كلهم زناة؛ فإن كان بكلماتٍ وجب لكل واحد منهم حدّ، وإن كان بكلمةٍ واحدة ففيه قولان: أصحهما: أنه يجب لكل واحدٍ منهم حدّ. وإن قال لامرأته: يا زانية بنت الزانية وجب حدّان، فإن حضرتا وطالبتا بُدئ بحدّ الأم. وقيل: يبدأ بحدّ البنت، والأول أصح، وإن حُدّ لإحداهما لم يحدّ للأخرى حتى يبرأ ظهره. وقيل: إن كان القاذف عبدًا جاز أن يوالى عليه بين الحدَّين. وإن قذف رجلًا مرتين بزنى واحد لزمه حد واحد, وإن قذقه بزنيين فالمنصوص أنه يلزمه حد واحد. وقال في القديم: ولو قيل: يُحدّ حدَّين كان مذهبًا، فجعل ذلك قولًا آخر. وإن قذفه فحدّ، ثم قذفه ثانيًا بذلك الزنى؛ عُزِّر، وإن قذفه بزنى آخر فقد قيل: يحدّ. وقيل: يعزّر. وإن قذف أجنبية ثم تزوجها ثم قذفها ثانيًا؛ فإن بدأت وطالبت بالقذف الأول ولم يُقم البينة؛ حُدّ، وإن طالبت بالثاني فلم يلاعن حُدَّ حدًّا آخر، وإن بدأت وطالبت بالثاني ثم بالأول فلم يلاعن ولم يُقم البينة فعلى القولين: أحدهما: يحدّ حدًّا. والثاني: يحد حدَّيْن. ولا يُستوفى حدُّ القذف إلا بحضرة السلطان، ولا يُستوفى إلا بمطالبة المقذوف، فإن عفا سقط، وإن قال لرجل: اقذفنى، فقذفه؛ فقد قيل: يجب الحدّ. وقيل: لا يجب. وإن وجب له الحد فمات انتقل الحدّ إلى جميع الورثة. وقيل: ينتقل إلى من يرث بنسبٍ دون سبب. وقيل: ينتقل إلى العصبات خاصة، والمذهب الأول, وإن كان للمقذوف ابنان، فعفا أحدهما كان للآخر أن يستوفي بجميع الحدّ. وقيل: يستوفي النصف. وقيل: يسقط الباقي، والمذهب الأول. وإن قذف عبدًا ثبت له التعزير، فإن مات فقد قيل: يسقط. وقيل: ينتقل إلى السيد، وهو الأصحّ. باب حدّ السرقة: إذا سرق بالغ عاقل مختار وهو مسلم أو ذمي أو مرتد نِصَابًا من

стр. 230

المال من حِرْزِ مثله لا شُبهة له فيه وجب عليه القطع، فإن سرق دون النصاب لم يقطع. والنصاب: ربع دينار، أو ما قيمته ربع دينار، فإن سرق ما يساوي نصابًا ثم نقصت قيمته بعد ذلك لم يسقط القطع، وإن سرق طنبورًا أو مزمارًا يساوي مفصله نصابًا قطع. وقيل: لا يقطع فيه بحال. وإن اشترك اثنان في سرقة نصاب لم يقطع واحد منهما، وإن اشتركا في النقب، وأخذ أحدهما نصابين، ولم يأخذ الآخر قطع الآخذ وحده. ومن سرق من غير حرز لم يقطع. ويختلف الإحراز باختلاف الأموال والبلاد وعدل السلطان وجوْره وقوته وضعفه. فإن سرق الثياب والجواهر ودونها أقفال في العمران وجب القطع. وإن سرق المتاع من الدكاكين وفي السوق حارس، أو سرق الثياب من الحمام وهناك حافظ، أو الجمال من الرعي ومعها راعٍ، أو السفن من الشطّ وهي مشدودة، أو الكفن من القبر؛ وجب القطع. وإن كان المال محرزًا ببيت في دار فأخرجه منه إلى الدار وهي مشتركة بين سكّانٍ قطع. وإن كان الجميع لواحد وباب الدار مفتوح قطع، وإن كان مغلقًا فقد قيل: يقطع. وقيل: لا يقطع. وإن نقب رجلان، فدخل أحدهما فأخرج المتاع ووضعه في وسط النقب، وأخذه الخارج؛ ففيه قولان: أحدهما: يقطعان. والثاني: لا يقطعان، فإن نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرج المتاع لم يقطع واحد منهما. وقيل: قولان؛ كالمسألة قبلها. وإن نقب واحد وانصرف، وجاء آخر فسرقه؛ لم يقطع واحد منهما. وإن نقب الحرز واحد، وأخذ دون النصاب وانصرف ثم عاد، وأخذ تمام النصاب؛ فقد قيل: يقطع. وقيل: لا يقطع. وقيل: إن اشتهر خراب الحرز لم يقطع، وإن لم يشتهر قطع. وإن ترك المال على بهيمة ولم يسقها فخرجت البهيمة بالمال، أو تركه في ماء راكدٍ فتفجّر وجرى مع الماء إلى خارج الحرز؛ فقد قيل: يقطع. وقيل: لا يقطع. وإن نقب الحرز وقال لصغير لا يعقل: أخرج المال فأخرجه أو طَرَّ جيبه فوقع منه المال؛ وجب القطع. وإن ابتلع جوهرة في الحرز وخرج من الحرز فقد قيل: يقطع. وقيل: لا يقطع. وإن سرق حرًّا صغيرًا وعليه حلي يساوي نصابًا فقد قيل: يقطع. وقيل: لا يقطع. وإن سرق المعير مال المستعير من الحرز المعار فالمنصوص أنه يقطع. وقيل: لا

стр. 231

يقطع. وإن سرق المغصوب منه مال الغاصب من الحرز المغصوب فقد قيل: يقطع. وقيل: لا يقطع. وإن سرق الأجنبي المال المغصوب من الغاصب، أو المسروق من السارق؛ فقد قيل: يقطع. وقيل: لا يقطع. وإن سرق ما له فيه شبهة -كمال بيت المال، والعبد إذا سرق من مولاه، والأب إذا سرق من ابنه، والابن إذا سرق من أبيه، والغازي إذا سرق من الغنيمة قبل القسمة، والشريك إذا سرق من المال المشترك- لم يقطع. فإن سرق أحدُ الزوجين من الآخر فقد قيل: يقطع. وقيل: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يقطع. والثاني: لا يقطع. والثالث: يقطع الزوج دون الزوجة. وإن سرق رتاج الكعبة قطع. وإن سرق تأزير المسجد أو بابه قطع. وإن سرق القناديل أو الحصر فقد قيل: يقطع. وقيل: لا يقطع. وإن سرق طعام عام السنة والطعام مفقود لم يقطع، وإن كان موجودًا قطع. وإن سرق شيئًا موقوفًا فقد قيل: يقطع. وقيل: لا يقطع. ومن سرق عينًا وادّعى أنها له، أو أنّ مالكها أذن له في أخذها؛ فالمنصوص أنه لا يقطع. وقيل: يقطع، وإن أقرّ له المسروق منه بالعين لم يقطع، وإن وهبه منه قطع. ولا قطع على من انتهب أو اختلس أو خان أو جحد. ولا يقطع السارق إلا الإمام أو من فوّض إليه إمام، فإن كان السارق عبدًا جاز للمولى أن يقطعه. وقيل: لا يقطعه، والأوّل أصحّ. ولا يقطع إلا بمطالبة المسروق منه بالمال، فإن أقرّ أنه سرق نصابًا لا شبهة له فيه من حرزِ مثله من غائبٍ فقد قيل: يقطع، والمذهب أنه لا يقطع. وإن قامت البينة عليه من غير مطالبة فقد قيل: يقطع، وهو المنصوص. وقيل: لا يقطع. وقيل: فيه قولان. وإذا وجب القطع قُطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد قطعت يده اليسرى، فإن عاد قطعت رجله اليمنى، وإذا قطع حُسِم بالنار، فإن عاد بعد قطع اليدين والرجلين وسرق عُزِّر. ومن سرق ولا يمين له أو كانت وهي شلاء قُطعت رجله اليسرى، وإن كانت له يمين بلا إصبع قطع الكف. وقيل: يقطع رجله، والمنصوص هو الأول، ومن سرق وله يمين فلم تقطع حتى ذهبت سقط القطع، وإن وجب قطع اليمين فقطع اليسار عمدًا قطعت يمينه، وأُقيد من القاطع من يساره. وإن

стр. 232

قطع سهوًا غرم الدية، وفي يمين السارق قولان: أحدهما: تقطع. والثاني: لا تقطع. باب حدّ قاطع الطريق: من شَهَرَ السلاح وأخاف السُّبُلَ في مصرٍ أو غيره وجب على الإمام طلبه، فإن وقع قبل أن يأخذ المال ويقتل عُزِّر، وإن أخذ نصابًا لا شبهة له فيه وهو ممن يقطع في السرقة قطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن أخذ دون النصاب لم يقطع. وقيل: فيه قول مخرّج: أنه يقطع، وليس بشيء. وإن قَتَلَ انحتم قتله، وإن أخذ المال وَقَتَل قُتِلَ ثم صلب. وقيل: يُصلب حيًّا، ويمنع الطعام والشراب حتى يموت، والأول أصحّ. ولا يُصلب أكثر من ثلاثة أيام. وقيل: يُصلب حتى يسيل صديده، وليس بشيء. وإن جنى قاطع الطريق جناية توجب القصاص فيما دون النفس ففيه قولان: أحدهما: ينحتم القصاص. والثاني: لا ينحتم. وإن وجب عليه الحد ولم يقع طُلب أبدًا إلى أن يقع فيقام عليه، فإن تاب قبل أن يُقدر عليه سقط انحتام القتل والصلب وقطع الرجل. وقيل: يسقط قطع اليد. وقيل: لا يسقط. باب حد الخمر: كل شرابٍ أسكر كثيره حَرُمَ قليله وكثيره. ومن شرب المسكر وهو بالغ عاقل مسلم مختار وجب عليه الحد. فإن كان حرًّا جُلِد أربعين، وإن كان عبدًا جلد عشرين، وإن رأى الإمام أن يبلغ بالحد في الحرِّ ثمانين وفي العبد أربعين جاز. وإن ضرب أحدًا وأربعين فمات ففيه قولان: أحدهما: يضمن نصف الدية. والثاني: يضمن جزءًا من أحد وأربعين جزءًا من ديته. ويضرب في حد الشرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب. وقيل: يجوز بالسوط، والمنصوص هو

стр. 233

الأول، فإن ضربه بالسوط فمات فقيل: يضمن بقدر ما زاد على ألم النعال. وقيل: يضمن جميع الدية. ومن زنى دفعات، أو سرق دفعات، أو شرب المسكر دفعات ولم يحدّ؛ أجزأه عن كل جنسٍ حد واحد. وإن زنى وهو بكر فلم يُحدّ حتى زنى وهو محصن جُلد ورجم، ويحتمل أن يقتصر على رجمه. وإن زنى وسرق وشرب الخمر وجب لكل واحد منها حد، فيُبدأ بحد الشرب، ثم يُجلد في الزنى، ثم يُقطع في السرقة، فإن كان معها حد قَذْفٍ فقد قيل: يبدأ به قبل حد الشرب. وقيل: يبدأ بحدّ الشرب ثم بحد القذف. وإن اجتمع قتل قصاص وقتل في المحاربة قُدِّم السابق منهما. وإن اجتمع حدّان فأقيم أحدهما لم يقم الآخر حتى يبرأ من الأول. وإن اجتمع قطع السرقة وقطع المحاربة قطع يده اليمنى للسرقة والمحاربة، وهل يقطع الرجل معها؟ قيل: تقطع. وقيل: لا تقطع. وإن كان مع الحدود قتل في المحاربة فقد قيل: يوالي بين الحدود. وقيل: لا يوالي. ومن وجب عليه حدّ الزنى والسرقة، أو الشرب، وتاب وأصلح ومضى عليه سنة؛ سقط عنه الحدّ في أحد القولين، ولا يسقط في الآخر. باب التعزير: ومن أتى معصية لا حدّ فيها ولا كفارة -كالمباشرة المحرمة فيما دون الفرج، والسرقة ما دون النصاب، والقذف بغير الزنى، والجناية بما لا يوجب القصاص، والشهادة بالزور، وما أشبهه من المعاصي- عُزِّر على حسب ما يراه السلطان، غير أنه لا يبلغ به أدنى الحدود، فإن رأى ترك التعزيز جاز. باب أدب السلطان: الإمامة فرضٌ على الكفاية، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعيّن عليه، ويلزمه طلبُها، وإن امتنع أُجبر عليها، ولا تنعقد الإمامة إلا بتولية الإمام قبله، أو

стр. 234

بإجماع جماعة من أهل الاجتهاد على التولية. ولا يجوز أن يُعقد لاثنين في وقتٍ واحد، فإن عُقد لاثنين فالإمام هو الأول، وإن عُقد لهما معًا، أو لم يعلم الأول منهما؛ استؤنفت التولية. وينبغي أن يكون الإمام ذكرًا، بالغًا، عاقلًا، عدلًا، عالمًا بالأحكام، كافيًا لما يتولاه من أمور الرعية وأعباء الأمة، وأن يكون من قريش، فإن اختلّ شرط من ذلك لم تصح توليته، وإن زال شيء من ذلك بعد التولية بطلت ولايته. والأولى أن يكون شديدًا من غير عنف، ليِّنًا من غير ضعف. ولا يحتجب عن الرعية، ولا يتّخذ بوابًا ولا حاجبًا، فإن اضطر إلى ذلك اتخذ أمينًا سَلِسًا، ولا يكون جبَّارًا شَرِسًا. ويستحب أن يشاور أهل العلم في الأحكام، وأهل الرأي في النقض والإبرام. ويلزمه النظر في مصالح الرعية من أمر الصلاة، والأئمة، وأمر الصوم، والأهلّة، وأمر الحج والعمرة، وأمر القضاء والحسبة، وأمر الأجناد والإمرة، ولا يولّي ذلك إلا ثقة، مأمونًا، عارفًا بما يتولّاه، كافيًا لما يتقلّده من الأعمال. ولا يدع السؤال عن أخبارهم والبحث عن أحكامهم. وينظر في أموال الفيء والخراج والجزية، ويصرف ذلك في الأهمّ فالأهم من المصالح؛ من سدّ الثغور، وأرزاق الأجناد (١)، وسد البثوق (٢)، وحفر الأنهار، وأرزاق القضاة والمؤذنين، وغير ذلك من المصالح. وينظر في الصدقات ومصارفها، ويتأمل أمر المرافق والمعادن ومن يقطعها على ما ذكرناها في مواضعها.

стр. 235

كتاب الأقضية: باب ولاية القضاء، وآداب القاضي: ولاية القضاء فرضٌ على الكفاية، فإن لم (١) يكن من يصلح إلا واحد تعيّن عليه ويلزمه طلبه، فإن امتنع جُبر عليه، وإن كان هناك غيره كُره أن يتعرّض له إلا أن يكون محتاجًا فلا يكره لطلب الكفاية، أو خاملًا فلا يكره لنشر العلم. ويجوز أن يكون في البلد قاضيان وأكثر، وينظر كل واحد منهما في موضع. ولا يصحّ القضاء إلا بتولية الإمام أو من فوّض إليه الإمام، فإن تحاكم رجلان إلى رجلٍ يصلح للقضاء فحكّماه في مالٍ ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يلزم ذلك الحكم إلا أن يتراضيا به بعد الحكم. والثاني: يلزم بنفس الحكم، فإن رجع فيه أحدهما قبل أن يحكم فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز. وإن تحاكما إليه في النكاح واللعان والقصاص وحدِّ القذف فقد قيل: لا يجوز. وقيل: على قولين. وينبغي أن يكون القاضي ذكرًا، حرًّا، بالغًا، عاقلًا، عدلًا، عالمًا، مجتهدًا. وقيل: يجوز أن يكون أميًّا. وقيل: لا يجوز. والأفضل أن يكون شديدًا من غير عنف، ليِّنًا من غير ضعف. وإذا ولّى الإمام رجلًا كَتَبَ له العهد، ووصّاه بتقوى الله والعملِ بما في العهد، وأشهد التوليةَ شاهديْن. وقيل: إن كان البلد قريبًا بحيث يتصل الخبر به لم يلزمه الإشهاد. ويسأل (٢) القاضي عن حال البلد ومن فيه من الفقهاء والأمناء قبل دخوله. ويستحبّ أن يدخل صبيحة (٣) يوم الاثنين، فإن فاته دخله السبت أو الخميس (٤). وينزل في وسط البلد، ويجمع الناس، ويقرأ عليهم العهد، ويتسلّم المحاضر والسجلّات من القاضي الذي

стр. 236

كان قبله، وإن احتاج أن يستخلف في أعماله لكثرتها استخلف من يصلح أن يكون قاضيًا، وإن لم يحتج فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز إلا أن يؤذن له في ذلك. وإن احتاج إلى كاتبٍ استُحبّ أن يكون مسلمًا، عدلًا، عاقلًا، فقيهًا. ولا يتخذ حاجبًا أو بوّابًا، فإن احتاج اتّخذ حاجبًا عاقلًا، أمينًا، بعيدًا من الطمع، ويأمره أن لا يقدِّم خصمًا على خصم، ولا يخصّ في الإذن قومًا دون قوم، ولا يقدِّم أخيًرا على أوّل. ويوصي الوكلاء على بابه بتقوى الله تعالى، ويأمرهم بطلب الحق. ويوصي أعوانه بتقوى الله والرفق بالخصوم. ولا يتّخذ شهودًا مرتين لا يقبل غيرهم. ويتّخذ قومًا من أصحاب المسائل أمناء، ثقات، برآء من الشحناء بينهم وبين الناس؛ ليعرف حال من يجهل عدالته من الشهود، ويجتهد أن لا يعرف بعضهم بعضًا. ولا يحكم ولا يولّي ولا يسمع البينة في غير عمله، فإن فعل ذلك لم يعتدّ به. ولا يجوز أن يرتشي، ولا يقبل هدية ممن لم يكن له عادة بالهدية قبل الولاية، ولا ممن كانت له عادة ما دامت له خصومة، فإن لم يكن له خصومة جاز أن يقبل، والأفضل أن لا يقبل. ولا يحكم لنفسه ولا لوالده ولا لولده ولا لعبده وأمته، فإن اتّفق لأحد منهم خصومة حكم فيها بعض خلفائه. ومن تعيّن عليه القضاء وهو مستغنٍ لم يجز أن يأخذ عليه الرزق من بيت المال، وإن كان محتاجًا جاز، ومن لم يتعيّن عليه جاز أن يأخذ ما يحتاج إليه لنفسه ولحاجبه ولكاتبه وللقرطاس الذي يكتب فيه المحاضر، وإن احتسب ولم يأخذ فهو أفضل. ويجوز أن يحضر الولائم، ويشهد مقدم الغائب، ويسوّي بين الناس في ذلك، فإن كثرت عليه وقطعته (١) عن الحكم امتنع في حق الكل. ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، فإن كثر عليه أتى من ذلك ما لا يقطعه عن الحكم. ولا يقضي وهو غضبان، ولا جائع، ولا عطشان، ولا مهموم، ولا فرحان، ولا يقضي والنعاس يغلبه، ولا يحكم والمرض يقلقه (٢)، ولا يقضي وهو حاقن (٣)، ولا حاقب (٤)، ولا في حرٍّ مزعجٍ، ولا برد

стр. 237

مؤلم، فإن حكم في هذه الأحوال نفذ حكمه. ويستحبّ أن يجلس للحكم في موضعٍ فسيحٍ بارزٍ يصل إليه كل أحد. ولا يحتجب إلا لعذر. ولا يجلس للقضاء في المسجد، وإن اتّفق جلوسه فيه فحضره الخصمان لم يُكره أن يحكم بينهما. ويستحبّ أن يجلس مستقبل القبلة، ويجلس وعليه السكينة والوقار من غير جبرية ولا استكبار، ويترك بين يديه القمطر (١) مختومًا، ويجلس الكاتب بقربه ليشاهد ما يكتبه. ويستحبّ أن لا يحكم إلا بمشهد من الشهود وبمحضرٍ من الفقهاء، فإن اتّفق أمر مشكل شاورهم فيه، فإن اتضح له الحق حكم به، وإن لم يتضح أخّره إلى أن يتضح. ولا يقلّد غيره في الحكم. وقيل: إن حضره ما يفوته -كالحكم بين المسافرين وهم على الخروج- جاز أن يقلِّد غيره ويحكم، وليس بشيء. وإن حضره خصوم بدأ بالأول فالأول، وإن كان فيهم مسافرون قدَّمهم، إلا أن يكثروا؛ فلا يقدِّمهم، فإن استوى جماعة في الحضور أو أشكل السابق منهم أُقرع بينهم، فمن خرجت عليه القرعة قدِّم، ولا يقدَّم السابق في أكثر من حكومة. ويسوّي بين الخصمين في الدخول والمجلس والإقبال عليهما والإنصات إليهما، فإن كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا قدَّم المسلم على الكافر في الدخول، ورفعه عليه في المجلس، ولا يضيف أحدهما، ولا يسارّه، ولا يلقن أحدًا دعوى ولا حجة، ولا يعلمه كيف يدعي، وقيل: يجوز أن يعلّمه، والأول أصحّ، وله أن يزن عن أحدهما ما لزمه، وله أن يشفع له إلى خصمه. وأوّل ما ينظر فيه أمر المحبسين، فمن حُبِس بحقٍّ ردَّه إلى الحبس، ومن حُبِس بغير حق خلّاه، ومن ادّعى أنه حبس بغير خصم نادى عليه، ثم يحلفه ويخليه، ثم ينظر في أمر الأيتام والأوصياء، ثم في أمر أمناء القاضي، ثم في أمر الضوالّ واللقطة. وإن كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء نقض أحكامه كلها أصاب فيها أو أخطأ، فإن استعداه خصمٌ على القاضي قبله لم يحضره حتى يسأله عما بينهما، فإن ادّعى عليه مالًا غصبه أو رشوة أخذها على

стр. 238

حكم أحضره، وإن قال: حَكَمَ عليَّ بشهادةِ فاسقيْن أو عبديْن فقد قيل: يحضره. وقيل: لا يحضره حتى يقيم المدَّعِي بينة أنه حكم عليه، فإن حضر وقال: حكمت عليه بشهادة حرَّيْن عدليْن فالقول قوله مع يمينه. وقيل: القول قوله من غير يمينه، والأول أصحّ، وإن قال: جَارَ عليَّ في الحكم نظر؛ فإن كان في أمرٍ لا يسوغ فيه الاجتهاد نقضه، وإن كان يسوغ فيه الاجتهاد ووافق رأيه لم ينقضه، وإن خالفه ففيه قولان: أحدهما: ينقضه. والثاني: لا ينقضه. باب صفة القضاء: إذا جلس بين يدي الحاكم خصمان فله أن يقول لهما: تكلّما، وله أن يسكت حتى يبتدئا، فإن ادّعى كلُّ واحدٍ منهما على الآخر حقًّا قدَّم السابق منهما بالدعوى، فإن انقضت خصومته سمع دعوى الآخر، فإن قطع أحدهما الكلام على صاحبه أو ظهر منه لدد أو سوء أدب نهاه، فإن عاد زبره (١)، فإن عاد عزّره، وإن ادّعى دعوى غير صحيحة لم يسمعها، وإن ادّعى دعوى صحيحة قال للآخر: ما تقول فيما يدَّعيه عليك؟ وقيل: لا يقول حتى يطالبه المدَّعِي، وليس بشيء، وإن أقرَّ لم يحكم عليه حتى يطالبه المدَّعِي، وإن أنكر فله أن يقول: ألك بينة؟ وله أن يسكت، فإن قال: ما لي بينة؛ فالقول قول المدَّعَى عليه مع يمينه، ولا يحلفه حتى يطالب المدَّعِي، فإن نكل عن اليمين ردَّ اليمين على المدَّعِي، فإن حلف استحقَّ، وإن نكل صرفهما، وإن قال المدَّعَى عليه بعد النكول: أنا أحلف لم (٢) يسمع، وإن قال: المدَّعِي بعد النكول: إذًا أنا أحلف لم يسمع إلا أن يعود في مجلس آخر ويدَّعِي فينكل المدَّعَى عليه، وإن قال المدَّعِي بعد العجز عن إقامة البينة: لي بينة سُمعت بينته، وإن حضرت (٣) البينة لم يُطالب بإقامتها، فإن شهدوا وكانوا فسَّاقًا قال للمدَّعِي: زدني في الشهود، وإن كانوا عدولًا وارتاب بهم استُحبّ أن يفرّقهم فيسألهم كيف تحمَّلوا؟ أو متى تحمَّلوا؟ أو في أيِّ موضعٍ تحمَّلوا؟ فإن اتفقوا وعظهم، فإن ثبتوا (٤) استُحبّ أن يقول للمدَّعَى عليه: شهد عليك فلان وفلان، وقد قبلت شهادتهما، وقد

стр. 239

مكّنتك من جرحهما, فإن قال: لي بينة بالجرح وجب إمهاله ثلاثة أيام، وللمدَّعِي ملازمته إلى أن يثبت الجرح، فإن لم يأت بالجرح كان للمدَّعِي أن يطالب بالحكم. وإن كان الشهود مجاهيل؛ فإن جهل إسلامهم رجع فيه إلى قولهم، وإن جهل حريتهم لم يقبل إلا ببينة, وإن جهل عدالتهم سأل عن اسم كل واحدٍ منهم، وعن كنيته، وعن صنعته، وسوقه، ومصلّاه، واسم المشهود له، والمشهود عليه، وقدْر الديْن، وكتب ذلك في رقاع، ويدفعها إلى أصحاب المسائل، ولا يُعلم بعضهم ببعض، وأقلهم اثنان. وقيل: يجوز واحد، فإن عادوا بالتعديل أَمَرَ من عدّلهم في السر أن يعدلهم علانية كما عدلهم سرًّا، ويكفي في التعديل أن يقول: هو عدل. وقيل: لا يجوز حتى يقول: عدل عليَّ ولِي. ولا يقبل التعديل إلا ممن هو من أهل المعرفة الباطنة, وإن عادوا بالجرح سقطت شهادتهم، فإن عاد أحدهما بالتعديل والآخر بالجرح أنفذ آخرين، فإن عدّله اثنان وجرحه اثنان قدّم الجرح على التعديل، ولا يقبل الجرح إلا مفسَّرًا. فإن سأل المدَّعِي أن يحبسه حتى يثبت عدالتهم حُبِس، وإن قال المدَّعِي: لي بينة غائبة؛ فهو بالخيار؛ إن شاء حلف المدَّعَى عليه, وإن شاء صبر حتى تحضر البينة. وإن أقام شاهدًا واحدًا وسأله أن يحبسه حتى يأتي بالثاني ففيه قولان. وقيل: إن كان في المال حبس قولًا واحدًا. وإن علم الحاكم وجوب الحق فهل له أن يحكم بعلمه؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يحكم. والثاني: لا يحكم. والثالث: يحكم في غير حدود الله ، ولا يحكم في حدوده، وهي حد الزنى، والسرقة، والمحاربة، والشرب. وإن سكت المدَّعَى عليه فلم يقرّ ولم ينكر، فقال له الحاكم: إن أجبتَ وإلا جعلتُك ناكلًا، ويستحب أن يكرر عليه ذلك ثلاثًا، فإن أجاب وإلا جعله ناكلًا، وإن قال: لي حساب وأريد أن أنظر فيه لم يلزم المدَّعِي إنظاره, وإن قال: برئت إليه مما يدّعي أو قضيته فقد أقرّ بالحق. ولا يُقبل قوله في البراءة والقضاء إلا ببيّنة، وإن قال: لي بينة قريبة بالقضاء والإبراء أمهل ثلاثة أيام، وللمدَّعِي ملازمته حتى يقيم البينة، وإن لم تكن له بينة حلف المدَّعِي أنه ما برئ إليه ولا قضاه واستحقّ. وإن ادّعى على ميت أو غائب أو صبي أو

стр. 240

مستتر في البلد وله بيّنة سمعها الحاكم، وحكم بها, وأحلف (١) المدَّعِي أنه لم يبرأ إليه ولا من شيء منه، فإذا قدم الغائب أو بلغ الصبي فهو على حجته, وإن ادّعى على ظاهر في البلد غائب عن المجلس فقد قيل: يسمع البينة عليه ويحكم. وقيل: لا يسمع، وإن استعدى الحاكم على خصم في البلد أحضره، فإن امتنع أشهد عليه شاهدين أنه ممتنع، ثم يتقدّم إلى صاحب الشرطة ليحضره، وإن استعدى على غائبٍ عن البلد في موضعٍ لا حاكم فيه كتب إلى رجلٍ من أهل الستر ليتوسط بينهما, وإن لم يكن أحد لم يحضره حتى يحقق المدّعي دعواه، فإذا حقّق الدعوى أحضره، وإن استعدى على حرة غير برزة لم تُكلّف الحضور بل توكل، فإن وجب عليها اليمين أنفذ إليها من يحلفها، وإذا حكم على غائب فسأله المدعي أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم بما حكم به لينفذه كتب إليه، وإن ثبت عنده ولم يحكم فسأله المدَّعِي أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم بما ثبت عنده ليحكم عليه نظر؛ فإن كان بينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة لم يكتب, وإن كان بينهما مسافة تقصر فيها الصلاة كتب، وإذا كتب الكتاب (٢) أحضر شاهدين ممن يخرج إلى ذلك البلد، ويقرأ الكتاب عليهما، أو يقرآن عليه وهو يسمع، ثم يقول لهما: أشهدا عليَّ أني كتبت إلى فلان بن فلان بما سمعتما فى هذا الكتاب، فإذا وصلا قرآ الكتاب على المكتوب إليه، وقالا: نشهد أنَّ هذا الكتاب قرأه علينا فلان بن فلان وسمعناه، وأشهدنا أنه كتب إليك بما فيه, وإن قالا: نشهد أنه كتب إليك بهذا ولم يقرآ لم يجز، وإن مات القاضي الكاتب أو عزل أو مات المكتوب إليه أو عزل وولي غيره حُمِل الكتاب إليه وعُمِل به، وإن فسق الكاتب؛ فإن كان فيما كتب به إليه ولم (٣) يحكم به بطل كتابه، وإن كان حكم به لم يبطل، وإذا وصل الكتاب وحضر الخصم فقال: لست فلان بن فلان فالقول قوله مع يمينه، وإذا أقام المدَّعِي البينة أنه فلان بن فلان فقال: إلا أني غير المحكوم عليه لم يُقبل قوله حتى يقيم بينة أنّ له من يشاركه في جميع ما وُصف به في هذا الكتاب، فإن حكم عليه فقال: اكتب إلى الحاكم الكاتب أنك حكمتَ عليَّ حتى لا يدَّعِي ذلك مرة أخرى فقد قيل: يلزمه. وقيل: لا يلزمه إلا إذا

стр. 241

ادّعى ذلك عليه مرة أخرى. وإذا ثبت عند الحاكم حقٌّ، فسأل صاحب الحق أن يكتب له محضرًا بما جرى؛ كتبه، ووقّع فيه، ودفعه إليه، ويكتب نسخته، ويودعها في قمطره، فإن لم يكن للحاكم قرطاس من بيت المال كان ذلك على صاحب الحق، فإن أراد أن يسجّل له كتب له سجلًا وحكى في المحضر، وأشهد على نفسه بالإنفاذ، وسلّمه إليه، وكتب نسخته، وتركها في قمطره، وما يجتمع من المحاضر في كل شهر أو في كل أسبوع أو في كل يوم على قدر قلته وكثرته يُضمّ بعضها إلى بعض، ويكتب عليه: محاضر وقت كذا من شهر كذا في سنة كذا، فإن لم يسجل له الحاكم جاز. وإن ادّعى رجل على رجل حقًّا وادّعى أنّ له حجة في ديوان الحكم، فوجدها كما ادعى؛ فإن كان ذلك حكمًا حكم به هذا الحاكم لم يرجع إليه حتى يتذكر (١)، وإن كان حكمًا حكم به غيره لم يرجع إليه حتى يشهد به شاهدان، وإن لم يعرف الحاكم لسان الخصم رجع فيه إلى من يعرف (٢)، ولا يقبل فيه إلا قول من يقبل شهادته، ولا يقبل إلا من عددٍ يثبت به الحق المدَّعَى، فإن كان الدعوى في زنى ففيه قولان: أحدهما: يقبل في الترجمة اثنان. والثاني: لا يقبل إلا أربعة، وإن حكم الحاكم بحكمٍ فوجد النص أو الإجماع أو القياس الجلي يخالفه نقض حكمه، وإذا اختلف رجلان فقال أحدهما: قد حكم لي الحاكم بكذا، وأنكر الآخر، فقال الحاكم: حكمتُ؛ قُبِل قوله وحده. باب القسمة: يجوز قسمة الأملاك، فإن كان فيها ردٌّ فهو بيع، فما لا يجوز في البيع لا يجوز فى القسمة، وإن لم يكن فيها ردٌّ ففيه قولان: أحدهما: أنه تمييزٌ للحقين، فما أمكن فيه القسمة جازت قسمته، وما لم يمكن فيه القسمة -كالأرض مع البذر، والأرض مع السنابل- لا يجوز قسمته. والقول الثاني: أنه بيع، فما جاز بيع بعضه ببعض جازت (٣) قسمته؛ كالأراضي والحبوب والأدهان وغيرها، وما لا يجوز بيع بعضه

стр. 242

ببعض -كالعسل الذي عقد أجزاؤه بالنار وخل التمر- لا يجوز قسمته. ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم، ويجوز أن ينصبوا من يقسم بينهم، ويجوز أن يترافعوا إلى الحاكم لينصب من يقسم بينهم، فإن ترافعوا إليه في قسمة ملك من غير بينة ففيه قولان: أحدهما: لا يقسم بينهم. والثاني: يقسم، إلا أنه يكتب أنه قسم بينهم بدعواهم، فإن كان في القسمة ردٌّ اعتُبر التراضي في ابتداء القسمة وبعد الفراغ منها على المذهب. وقيل: لا يعتبر التراضي بعد خروج القرعة، وإن لم يكن فيها ردٌّ؛ فإن تقاسموا بأنفسهم لزم بإخراج القرعة، وإن نصبوا من يقسم بينهما اعتُبر التراضي بعد خروج القرعة على المنصوص. وفيه قول مخرّج من التحكيم: أنه لا يعتبر التراضي، وإن ترافعوا إلى الحاكم فنصب من يقسم لزم ذلك بإخراج القرعة. ولا يجوز للحاكم أن ينصب للقسمة إلا حُرًّا، بالغًا، عاقلًا، عدلًا، عالمًا بالقسمة، فإن لم يكن في القسمة تقويم جاز قاسم واحد، وإن كان فيها تقويم لم يجز إلا قاسمان، وإن كان فيها خرص (١) ففيه قولان: أحدهما: يجوز واحد. والثاني: لا يجوز إلا اثنان. وأجرة القاسم في بيت المال، وإن لم يكن فعلى الشركاء، تُقسم عليهم على قدر أملاكهم. فإن طلب القسمة أحد الشريكين وامتنع الآخر نظر؛ فإن لم يكن على واحدٍ منهما ضرر -كالحبوب، والأدهان، والثياب الغليظة، والأراضي، والدور- أُجبر الممتنع، وإن كان عليهما ضرر -كالجواهر، والثياب المرتفعة، والرحى، والبئر، والحمام الصغير- لم يجبر الممتنع، وإن كان على أحدهما ضرر؛ فإن كان على الطالب لم يجبر الممتنع، وإن كان على الممتنع فقد قيل: لا يجبر، وهو الأصحّ. وإن كان بينهما دور ودكاكين وأراضٍ في بعضها شجر وفي بعضها بياض، فطلب أحدهما أن يقسم بينهما أعيانًا بالقيمة، وطلب الآخر قسمة كل عين؛ قَسَمَ كلَّ عيْنٍ. وإن كان بينهما عضائد صغارا متلاصقة، فطلب أحدهما قسمتها أعيانًا، وامتنع الآخر؛ فقد قيل: يجبر. وقيل: لا يجبر. وإن كان بينهما عبيد أو ماشية أو ثياب أو أخشاب، وطلب أحدهما قسمتها أعيانًا,

стр. 243

وامتنع الآخر؛ فالمذهب أنه يجبر الممتنع. وقيل: لا يجبر. وإن كان بينهما دار، وطلب أحدهما أن يقسم فيجعل العلو لأحدهما والسفل للآخر، وامتنع شريكه؛ لم يجبر الممتنع. وإن كان بين ملكيهما عرصة حائط، فأراد أحدهما أن يقسمه طولا فيجعل لكل واحد منهما نصف الطول في كمال العرض، وامتنع الآخر؛ أجبر عليه، وإن أراد أن يقسم عرضا فيجعل لكل واحد منهما نصف العرض في كمال الطول، وامتنع الآخر؛ فقد قيل: يجبر. وقيل: لا يجبر. وإن كان بينهما حائط، فطلب أحدهما أن يقسم عرضًا في كمال الطول، وامتنع الآخر؛ لم يجبر، وإن طلب أحدهما أن يقسم طولًا في كمال العرض، وامتنع الآخر؛ فقد قيل: يجبر. وقيل: لا يجبر، والأول أصحّ. وإن كان بين رجلين منافع، فأراد قسمتها بينهما بالمهايأة (١) جاز، وإن أراد أحدهما ذلك، وامتنع الآخر؛ لم يجبر الممتنع. ومتى أراد القاسم أن يقسم عدل السهام؛ إما بالقيمة إن كانت مختلفة، أو بالأجزاء إن كانت غير مختلفة، أو بالرد إن كانت القسمة تقتضي الرد؛ فإن كانت الأنصباء متساوية -كالأرض بين ثلاثة أنفس أثلاثًا- أقرع بينهم، فإن شاء كتب أسماء الملّاك في رقاعٍ متساوية، وجعلها في بنادق متساويةٍ، وجعلها في حِجْرِ رجلٍ لم يحضر ذلك ليخرج على السهام، وإن شاء كتب السهام ليخرجها على الأسماء، وإن كانت الأنصباء مختلفة -مثل أن يكون لواحد السدس، وللثاني الثلث، وللثالث النصف- قسمها على أقل الأجزاء، وهي ستة أسهم، وكتب أسماء الشركاء في ستِّ رقاعٍ؛ لصاحب السدس رقعة، ولصاحب الثلث رقعتان، ولصاحب النصف ثلاث رقاع، ويخرج على السهام، فإن خرج اسم صاحب السدس أُعطي السهم الأول، ثم يقرع بين الآخرين، فإن خرج اسم صاحب الثلث أُعطي السهم الثاني، والثالث بلا قرعة، والباقي لصاحب النصف، وإن خرج أولًا اسم صاحب النصف أُعطي ثلاثة أسهم، ثم يقرع بين الآخرين على نحو ما تقدَّم، ولا يخرج السهام على الأسماء في هذا القسم. وقيل: يقتصر على ثلاث رقاع، لكل واحد رقعة، وإذا تقاسموا ثم ادّعى بعضهم على بعض غلطًا؛ فإن كان فيما تقاسموا بأنفسهم لم يقبل دعواه، وإن قسمه قاسم

стр. 244

من جهة الحاكم فالقول قول المدَّعى عليه مع يمينه، وعلى المدَّعِي البينة، وإن نصبا من يقسم بينهما؛ فإن قلنا: يعتبر التراضي بعد خروج القرعة لم يُقبل قوله، وإن قلنا: لا يعتبر فهو كالحاكم، وإن كان ذلك في قسمة فيها ردٌّ وقلنا: يعتبر التراضي بعد القرعة لم يقبل دعواه، وإن قلنا: لا يعتبر فهو كقسمة الحاكم. وإن تقاسموا ثم استحق من حصة أحدهما شيء معيّن لم يستحقّ مثله من حصة الآخر بطلت القسمة، وإن استحقّ مثله من حصة الآخر لم تبطل، وإن استحقّ من الجميع جزء مشاع بطلت القسمة. وقيل: تبطل في المستحق، وفي الباقي قولان. وإن تقاسم الورثة التركة ثم ظهر ديْن يحيط بالتركة؛ فإن قلنا: القسمة تمييز الحقّين لم تبطل القسمة، فإن لم يقض الديْن بطلت القسمة، وإن قلنا: إنها بيع ففي بيع التركة قبل قضاء الديْن قولان، وفي قسمتها قولان، وإن كان بينهما نهر أو قناة أو عين فنبع فيها الماء فالماء بينهم على قدر ما شرطوا من التساوي والتفاضل. وقيل: إنّ الماء لا يملك، والمذهب الأول، فإن أرادوا سقي أراضيهم من ذلك الماء بالمهايأة جاز، وإن أرادوا القسمة جاز، فينصب قبل أن يبلغ إلى أراضيهم خشبة مستوية، ويفتح فيها كُوًى على قدر حقوقهم، ويجري فيها الماء إلى أراضيهم، فإن أراد أحدهم أن يأخذ قدر حقه قبل أن يبلغ إلى المقسم وبجريه في ساقية له إلى أرضه أو يدير به رحى لم يكن له ذلك، وإن أراد أن يأخذ الماء ويسقي به أرضًا ليس لها رسم شرب من هذا النهر لم يكن له ذلك، وإن كان ماء مباح في نهر غير مملوك سقى الأول أرضه حتى يبلغ الكعب، ثم يرسله إلى الثاني، فإن احتاج الأول إلى سقي أرضه دفعة أخرى قبل أن يسقي الثالث سقى، ثم يرسل إلى الثالث، فإن كان لرجلٍ أرض عالية وبجنبها أرض مستفلة (١) ولا (٢) يبلغ الماء في العالية إلى الكعب حتى يبلغ في المستفلة إلى الوسط؛ سقى المستفلة حتى يبلغ الكعب، ثم يسدها، ويسقي العالية، فإن أراد بعضهم (٣) أن يحيي أرضًا ويسقيها من هذا النهر؛ فإن كان لا يضر بأهل الأراضي لم يمنع، وإن كان يضر بهم منع.

стр. 245

باب الدعوى والبينات: لا تصحّ الدعوى إلا من مطلق التصرف فيما يدّعيه، ولا تصحّ دعوى مجهولٍ إلا في الوصية، فأما فيما سواها فلا بدّ من إعلامها؛ فإن كان المدَّعَى ديْنًا ذَكَرَ الجنس والصفة والقدر, وإن كان عينًا يمكن تعيينها -كالدار، والعين الحاضرة- عيَّنَها، وإن لم يمكن تعيينها ذَكَرَ صفاتها، وإن ذكر القيمة فهو آكد، وإن كانت تالفة ولها مثل ذَكَرَ جنسَها وصفتَها وقدرَها، وإن ذكر القيمة فهو آكد, وإن لم يكن لها مثل ذَكَرَ قيمتَها. وإن ادّعى نكاح امرأة فالمذهب أنه يذكر أنه تزوّجها بوليٍّ مرشد وشاهدي عدل ورضاها إن كان رضاها شرطًا. وقيل: إنَّ ذلك مستحب. وقيل: إن كانت (١) الدعوى لابتداء العقد وجب ذكرها، وإن كانت لاستدامته لم يجب ذكرها. وإن ادَّعى بيعًا أو إجارة أو غيرهما من العقود لم يفتقر إلى ذكر الشروط. وقيل: يفتقر. وقيل: في بيع الجارية يفتقر، وفي غيرها لا يفتقر. وإن ادّعى قتلًا ذَكَرَ القاتل، وأنه انفرد بقتله أو شاركه فيه غيره، ويذكر أنه عمد أو خطأ أو شبه عمد، ويصف كل واحد من ذلك. وإن ادّعى أنه وارث بيّن جهة الإرث، وإن لم يذكر سأله الحاكم عنه، فإن أنكر المدَّعَى عليه ما ادعّاه صحّ الجواب، وإن لم يتعرض لما ادُّعِي عليه بل قال: لا يستحقّ عليَّ شيئًا صحّ الجواب، فإن كان المدَّعَى دينًا فالقول قوله مع يمينه، فإن أقام المدَّعِي بينة قضى له إن كان المدَّعَى عينًا ولا بينة له (٢)، فإن كان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه, وإن كان في أيديهما، أو لم يكن في يد أحدهما؛ حلفا، ويجعل بينهما نصفين، وإن كان في يد ثالث رجع إليه، فإن ادّعاه لنفسه فالقول قوله مع يمينه، وإن أقرّ به لغيره وصدّقه المقرّ له انتقلت الخصومة إليه، وهل يحلف للمدعي؟ فيه قولان, وإن كذبه المقر له أخذه الحاكم، وحفظه إلى أن يجيء صاحبه. وقيل: يسلم إلى المدَّعِي، فإن أقرّ به لغائب انتقلت الخصومة إليه، وإن أقرّ لمجهول قيل: له إما أن تقرّ به لمعروف، أو نجعلك ناكلًا. وقيل: يقال له: إما أن تقرّ به لمعروف أو لنفسك أو نجعلك ناكلًا. وإن تداعيا حائطًا؛ فإن كان مبنيًا على تربيع إحدى الدارين أو متصلًا بإحداهما اتصالًا لا يمكن إحداثه فالقول قول

стр. 246

صاحب الدار مع يمينه، وإن كان بين ملكيهما تحالفا، وجُعل بينهما، وإن كان لأحدهما عليه أَزَج فالقول قول صاحب الأَزَج، وإن كان لأحدهما عليه جذوع لم يقدَّم صاحب الجذوع. وإن تداعيا عرصة لأحدهما فيها بناء أو شجر؛ فإن كان قد ثبت له البناء والشجر بالبينة فالقول قوله في العرصة مع يمينه، وإن ثبت له ذلك بالإقرار فقد قيل: القول قوله. وقيل: هو بينهما، وإن كان السفل لأحدهما والعلو للآخر وتنازعا السقف حلفا، وجُعل بينهما. وإن تداعيا سلمًا منصوبًا حلف صاحب العلو، وقضى له. وإن تداعيا درجة؛ فإن كان تحتها مسكن حلفا، وجعل بينهما. وإن كان تحتها موضع حب وما أشبهه فهو لصاحب العلو. وقيل: هو بينهما، والأول أصحّ. وإن تنازعا عرصة الدار ولصاحب العلو ممر في بعضها دون بعض فالقول قولهما فيما يشتركان فيه من الممرّ، وما لا ممرّ فيه لصاحب العلو فالقول فيه قول صاحب السفل مع يمينه. وقيل: يحلفان، ويُجعل بينهما. وإن تنازع المكري والمكتري في الرفوف المنفصلة حلفا، وجُعل بينهما. وإن ادّعى رجلان مُسَنَّاةٌ (١) بين أرض أحدهما ونهر الآخر حلفا، وجعلت بينهما. وإن تداعيا بعيرًا ولأحدهما عليه حمل فالقول قول صاحب الحمل مع يمينه. وإن تداعيا دابة وأحدهما راكبها والآخر سائقها فالقول قول الراكب مع يمينه. وقيل: هي بينهما مع يمينهما. وإن كان في يدهما صبي لا يعقل فادّعى كل واحد منهما أنه مملوكه حلفا، وجعل بينهما، وإن كان بالغًا فالقول قوله مع يمينه، وإن كان مميزًا يعقل فهو كالصبي. وقيل: هو كالبالغ. وإن قطع ملفوفًا، فادّعى الولي أنه قتله، وادّعى الضارب أنه كان ميتًا؛ ففيه قولان: أصحهما: أنَّ القول قول الضارب. وإن تداعيا عينًا ولأحدهما بينة قُضي له، وإن كان لكل واحد منهما بينة؛ فإن كان في يد أحدهما قُضي به لصاحب اليد. وقيل: لا يقضى له إلا أن يحلف، والمنصوص هو الأول، وإن كان في يدهما أو في يد غيرهما أو لا يد لأحدٍ عليها فقد تعارضت البينتان؛ ففي أحد القولين يسقطان، فيكونان

стр. 247

كالمتداعيين بلا بينة، وفي الآخر يستعمل البينتان، وفي الاستعمال ثلاثة أقوال: أحدها: يوقف. والثاني: يقسم بينهما. والثالث: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة قُضي له، وهل يحلف مع القرعة؟ فيه قولان، وإن كان بينة أحدهما شاهدين وبينة الآخر شاهدًا ويمينًا ففيه قولان: أحدهما: يقضي به لصاحب الشاهدين. والثاني: أنهما سواء، فيتعارضان، وفيهما قولان. فإن شهدت بينة أحدهما بالملك من سنة، وبينة الآخر بالملك من شهر؛ ففيه قولان: أحدهما: يتعارضان، وفيها قولان. والثاني -وهو الصحيح-: أنّ الذي شهد بالملك القديم أولى، فعلى هذا إن كان مع أحدهما بينة بالملك القديم ومع الآخر يد فقد قيل: صاحب اليد أولى. وقيل: صاحب البينة بالملك القديم أولى، وإن شهدت بينة أحدهما بالملك والنتاج في ملكه وبينة الآخر بالملك وحده فقد قيل: بينة النتاج أولى. وقيل: على قولين كالمسألة قبلها. وإن ادّعى رجلان كل واحد منهما أنه ابتاع هذه الدار من زيد وهي ملكه وأقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه؛ فإن كان تاريخهما مختلفًا فهي للسابق منهما، وإن كان تاريخهما واحدًا ولم يعرف السابق منهما تعارضت البينتان، وفيهما قولان: أحدهما: تسقطان. والثاني: تستعملان؛ إما بالقرعة أو بالقسمة، ولا يجيء الوقف، وإن ادّعى أحدهما أنه اشتراها من زيدٍ وهي ملكه، وادّعى الآخر أنه اشتراها من عمرٍو وهي ملكه، وأقام كل واحد منهما على ما يدعيه بيّنة؛ تعارضت البينتان، وفيه قولان، وإن كان في يد زيد دار، وادّعى كل واحد منهما أنه باعها منه بألف، وأقام كل واحد منهما بيّنة على عقده؛ فإن كان تاريخهما واحدًا تعارضت البينتان، وفيه قولان, وإن كان تاريخهما مختلفًا لزمه الثمنان، وإن كانتا مطلقتين أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرّخة فقد قيل: يلزمه الثمنان. وقيل: يلزمه ثمن واحدة. وإن ادّعى رجلٌ ملك عبد وأقام عليه بينة، وادّعى الآخر أنه باعه أو وقفه أو أعتقه وأقام عليه بينة؛ قُضي بالبيع والوقف والعتق. وإن قال لعبده: إن قتلتُ فأنت حرٌّ، فأقام العبد بيّنة أنه قتل، وأقام الورثة بينة أنه مات؛ ففيه قولان: أحدهما: يتعارضان، ويرق العبد. والثاني: تُقدّم بينة القتل، وإن قال: إن متُّ في رمضان فعبدي حرٌّ، وإن متُّ في شوال فجاريتي حرّة، ومات، فأقام العبد بيّنة بالموت في رمضان، والجارية بيّنة بالموت في شوال؛ ففيه قولان: أحدهما: يتعارضان ويرقان. والثاني: يقدّم بينة رمضان، وإن قال لأحدهما: إن

стр. 248

متُّ من مرضي فأنت حُرّ، وقال للآخر: إن برئتُ من مرضي فأنت حُرّ، ثم مات، وأقام كل واحد منهما بيّنة على ما يوجب عتقه؛ تعارضت البينتان، وسقطتا، ورقّ العبدان. وإن شهد شاهدان أنه أعتق سالمًا، وهو ثلث ماله، وشهد آخران أنه أعتق غانمًا، وهو ثلث ماله، ولم يُعلم الأول منهما؛ ففيه قولان: أحدهما: أنه يعتق من كل واحد منهما نصفه. والثاني: يُقرع بينهما. وإن ادّعى عينًا في يد، وأقام بينة بملك متقدم؛ فإن شهدت البيّنة أنه ملكه أمس لم يحكم به حتى تشهد البينة أنه أخذها زيدٌ منه. وقيل: فيه قولان: أصحهما: أنه لا يحكم له. والثاني: يحكم. وإن ادّعى مملوكًا وأقام بينة أنه ولدته أمته في ملكه، أو ثمرة، فأقام بيّنة أنها أثمرتها نخلته في ملكه؛ حكم له. وقيل: هي كالبيّنة بملك متقدّم. وإن ادّعى أنّ هذا العبد كان له فأعتقه وغصبه منه فلان، وأقام عليه بينة؛ فقد قيل: يقضي بها. وقيل: هو كالبينة بملك متقدم. وإن ادّعى عينًا في يد غيره، وأقام بيّنة أنه ابتاعها من رجل؛ لم يقض له حتى تشهد البينة أنه ابتاعها منه وهي في ملكه، أو ابتاعها وتسلّمها من يده. وإن ادّعى مملوكًا فأقام بيّنة أنه ولدته جاريته، أو ثمرة فأقام بيّنة أنها أثمرته نخلته؛ لم يقض له حتى تشهد أنها ولدته جاريته في ملكه، أو أثمرته في ملكه. وإن ادّعى طيًرا أو غَزْلًا أو آجُرًّا، فأقام بينة أنّ الطير من بيضه، والغَزْل من قطنه، والآجُرُّ من طينه؛ قُضي له. وإن مات نصرانيٌّ وخلف ابنًا مسلمًا وابنًا نصرانيًّا، فأقام المسلم بيّنة أنّ أباه مات مسلمًا، وأقام النصراني بيّنة أنه مات نصرانيًّا ولم يؤرخا، قُدِّمت بينة المسلم، وإن شهدت بينة المسلم (١) أنّ آخر كلامه عند الموت الإسلام، وشهدت بينة النصراني أنّ آخر كلامه كان بالنصرانية؛ تعارضت البينتان، وفيهما قولان: أحدهما: تسقطان، ويحكم بأنه مات نصرانيًّا. والثاني: تستعملان بالوقف أو القرعة أو القسمة. وقيل: لا تجيء القسمة، وإن كان الميت لا يُعرف أصل دينه تعارضت البينتان، وفيهما قولان: أحدهما: تسقطان، ويرجع إلى من في يده التركة. والثاني: تستعملان على ما ذكرناه، ويغسّل الميت، ويُصلّى عليه في المسائل كلها. وإن مات رجل وخلّف ابنين، واتفقا على إسلام الأب وإسلام أحدهما قبل الأب، واختلفا في إسلام الآخر هل كان قبل

стр. 249

موت الأب أو بعد موته؛ فالقول قول الابن المتفق على إسلامه، وإن اتّفقا أنّ أحدهما أسلم في شعبان والآخر في رمضان، واختلفا في موت الأب، فقال أحدهما: مات قبل إسلام أخي، وقال الآخر: بل مات بعد إسلامنا؛ فالقول قول الثاني، فيشتركان. وإن مات رجل وخلّف أبوين كافرين وابنين مسلمين، فقال الأبوان: مات كافرًا، وقال الابنان: مات مسلمًا؛ ففيه قولان: أصحهما: أنّ القول قول الابنين. والثاني: أنه يوقف حتى ينكشف أو يصطلحا. وإن ماتت امرأة وابنها فقال زوجها: ماتت أولًا فورثها الابن، ثم مات الابن فورثته، وقال أخوها: بل مات الابن أولًا وورثته الأم، ثم ماتت فورثتها؛ لم يورث ميت من ميت، بل يُجعل مال الابن للزوج، ومال المرأة للزوج والأخ. وإن ادّعى رجلٌ أنّ أباه مات عنه وعن أخٍ له وله مال عند رجل حاضر, وأقام بيّنة بذلك سلّم إليه نصف المال، وأخذ الحاكم نصيب الغائب ممن هو عنده، وحفظه عليه. وقيل: إن كان ديْنًا لم يأخذ نصيبه، بل يتركه في ذمة الغريم حتى يقدم. وإن مات رجل فادّعى رجل أنه وارثه لا وارث له غيره، فشهد شاهدان من أهل الخبرة بحال الميت أنه وارثه لا وارث له غيره؛ سُلّم إليه الميراث, وإن لم يقولا: لا نعلم وارثًا غيره، أو قالا ذلك ولم يكونا من أهل الخبرة؛ فإن كان ممن له فرض دفع إليه الفرض عائلًا، وإن كان ابنًا أو أخًا لم يدفع إليه شيء، ثم سأل الحاكم عن حاله في البلاد التي سافر إليها، فإن لم يظهر وارث آخر؛ فإن كان ممن له فرض أكمل فرضه، وإن كان ابنًا سلّم المال إليه، وإن كان أخًا فقد قيل: لا يسلّم إليه المال. وقيل: يسلم، وهو الأصح، ويستحب أن يؤخذ منه كفيل. وقيل: يجب. وقيل: إن كان ثقة استُحب، وإن كان غير ثقة وجب، والأول أصحّ. ومن وجب له حقّ على رجل وهو مقرّ لم يأخذ من ماله إلا بإذنه, وإن كان منكرًا وله بيّنة فقد قيل: يؤخذ. وقيل: لا يؤخذ، وإن كان منكرًا ولا بينة له فله أن يأخذ، فإن كان من غير جنس حقّه باعه بنفسه. وقيل: يواطئ من يقرّ له بحقّ عند الحاكم، وأنه ممتنع ليبيع الحاكم عليه، والأول أصحّ، فإن تلفت العين في يده تلف من ضمانه. وقيل: من ضمان الغريم.

стр. 250

باب اليمين في الدعاوى: إذا ادَّعى رجلٌ على رجلٍ حقًّا فأنكره ولم تكن للمدَّعِي بينة؛ فإن كان ذلك في غير الدم حلف المدَّعى عليه، فإن نكل عن اليمين؛ فإن كان الحق لغير معيّن -كالمسلمين والفقراء- حُبِس المدَّعى عليه حتى يحلف أو يدفع الحق. وقيل: يُقضى عليه بالنكول، وإن كان الحق لمعيّن رُدّت اليمين عليه، فإن حلف استحقّ، وإن أخَّر لعذرٍ لم يسقط حقّه من اليمين، وإن كان الدعوى في دم؛ فإن كان هناك لَوْثٌ حلف المدَّعِي خمسين يمينًا، ويُقضى له بالدية، وإن كان الدعوى في قتل عمدٍ ففي القود قولان: أصحهما: أنه لا يجب، فإن كان المدَّعِي جماعة ففيه قولان: أحدهما: يحلف كل واحد خمسين يمينًا. والثاني: تُقسَّط عليهم الخمسون على قدر مواريثهم، ويجبر الكسر (١)، فإن نكل المدَّعِي عن اليمين رُدّت اليمين على المدَّعَى عليه، فيحلف خمسين يمينًا، فإن كانوا جماعة ففيه قولان: أحدهما: يحلف كل واحد خمسين يمينًا. والثاني: يقسم عليهم الخمسون على عدد رؤوسهم، وإن لم يكن لَوْثٌ حلف المدَّعِي عليه يمينًا واحدة في أحد القولين، وخمسين يمينًا في الآخر، وإن كان الدعوى على اثنين وعلى أحدهما لَوْثٌ دون الآخر حلف المدَّعِي على صاحب اللوث، وحلف الذي لا لَوْثَ عليه. واللَّوْث: هو أن يوجد القتيل في محلِّة أعدائه ولا يخالطهم غيرهم، أو تزدحم جماعة فيوجد بينهم قتيل، أو تتفرَّق جماعة عن قتيل في دار، أو يُرى القتيل في موضعٍ لا عين فيه ولا أثر وهناك رجل مخضَّبٌ بالدم، أو يشهد عدل أنه قتله فلان، أو يشهد جماعة من النساء أو العبيد بذلك، فإن شهد شاهد أنه قتله فلان بالسيف، وشهد آخر أنه قتله بالعصا؛ فقد قيل: هو لوث. وقيل: ليس بلوث، وإن شهد واحدٌ أنه قتله زيد، وشهد آخر أنه أقرَّ بالقتل؛ ثبت اللوث، ولو شهد اثنان أنه قتله أحدُ هذين الرجلين ولم يعينا ثبت اللوث على أحدهما، ولو شهد شاهد على رجل أنه قتل أحد هذين الرجلين لم يثبت اللوث، وإن ادَّعى أحد الوارثين القتل على واحد في موضع اللوث، وكذبه الآخر؛ سقط اللوث في أحد القولين، ولم يسقط في الآخر، فيحلف المدَّعِي، ويستحق نصف الدية، وإن ادَّعى القتل على رجلٍ مع اللوث، وأقرَّ آخر أنه قتله؛
следующие страницы →