Полный текст (205 стр.). Показаны 176–205 · переход к 181.
стр. 176
وقيل: إن فخر الدولة بن جهير حمل من ذخائر بني مروان غير ما أخذه أبو سالم الطبيب وأودعه ألفي ألف دينار، عينا، سوى الآنية، والآلات، والأعلاق، من ذهب وفضة وجوهر، وأودع بديار بكر شيئا كثيرا.
وأقام فخر الدولة بالبلاد سنتين، ونفذ السلطان يستدعيه، فهمَّ بالعصيان. ثم أفكر أن ذلك لا يتم له لكون ولده عميد الدولة ببغداد فسار إلى بغداد وترك ولده زعيم الدولة بميافارقين على جميع ديار بكر فلما وصل رفع عليه ما أخذه من بيت بني مروان فغني به خواجا.
فرسم السلطان بديار بكر للعميد قوام الملك أبي علي البلخي فوُلي ديار بكر وسار إليها، فدخلها في سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة. فسار بالناس سيرة حسنة.
كان يجلس كل يوم بكرة للتدريس إلى ضحى النهار، ثم ينتقل فينظر في أحوال الرعية إلى العصر.
وشُبّهت أيامه بأيام نظام الدين في العدل وحسن السيرة، وأمن البلاد والطرق.
فسمع ليلة ناقوسا وقت السحر فقال: ما هذا؟ فقيل: دير عباد على رأس الجبل، فلما أصبح جمع الناس، وقال: يُضرب على رؤوس المسلمين بالناقوس، فإذا نحن بالقسطنطينية؟!. ثم نهض إليه وأمره بقلع المذبح، وعمل المحراب، واتخذه مسجدا وسُمي مسجد الفتح.
واجتمع النصارى وبذلوا خمسين ألف دينار، فلم يُقبل منهم، وبقي على " حاله مسجدا ".
ويُقال: إن الوزير فخر الدولة بن جهير هو الذي عمله مسجدا، فبذل له ثلاثون ألف دينار، فأعاده ديرا، ثم إن العميد أعاده مسجدا، وعمل صحنه محرابا ومُصلىَّ.
وكان العميد ولىَّ أرزن رجلا من أهل بُست فظلم الناس وعسفهم. وكان الناس يريدون بيت جهير فمضى جماعة منهم إلى عند السلطان، وتظلموا منه، فحضر المقابلة، وعوَّل السلطان على رده إلى ديار بكر، فحضر القاضي أبو بكر بن صدقة وابن زيدان والقاضي أبو القاسم ابن نباتة، وابن موسك والأمير أبو الهيجاء، وبنو غالب وتألموا منه، فوقع السلطان بديار بكر للوزير زعيم الدولة بن أبي طاهر بن الأنباري. وكان السديد ابن الأنباري أخو الوزير أبي طاهر ابن الأنباري الذي اعتُقل عند توجه فخر الدولة وطلب منه أخاه فادَّعى موته، وجرى بينهما شرحٌ يطول ذكره.
ثم أنفذ واستحضره من عند ياقوت الخادم من حصن كيفا، ومضى إلى دركاه السلطان وأقام بها إلى أن عُزل العميد أبو علي، وتوصل إلى أن كتب له التوقيع بديار بكرن وبقي معه تسعة أيام.
ثم اتفق أن عميد الدولة ابن جهير عزل عن الوزارة للمقتدي بأمر الله، فحضر دركاه السلطان وضمن ديار بكر ثلاث سنين بألف ألف دينار، فأُعطيها.
وتقدم السلطان إلى أهل ديار بكر بالمسير صحبته، ورسم له بعشرة آلاف دينار، تُنفق في أكابر أهل ديار بكر، منها للفارقية خاصة أربعة آلاف دينار. والباقي لسائر أهل ديرا بكر. فاجتمع أهل البلد وقالوا: هذه يأخذها الرؤساء ولا يصح لنا شيء، ونحن نسأل من السلطان إطلاق الغريب والبلدي، وهو ما يدخل من البساتين والكروم والكور من الفاكهة والخضر وغيرهما، وكذلك الفم والحطب ليشترك في هذه الإنعام الغني والفقير، فأُسقط عنهم، واستمر. وباقي البلاد أخذوا ما أطلق لهم، أخذه الأكابر منهم، ولم يُسقط عنهم شيء.
ذكر ملك عميد الدولة ديار بكر
وفي سنة اثنتين وثمانين، في ذي الحجة منها، وصل عميد الدولة وملك ديار بكر وأقام بها وجبي أموالها، وأحسن إلى الناس وأكرمهم وراعاهم. وأخذ ما كان له من الودائع. ويقال: إن أخذه البلاد كان لهذا السبب، أعني الودائع التي كانت لأبيه بديار بكر.
وفي شهر رمضان من سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة استقل فخر الدولة ابن جهير بديار ربيعة وخُطب له على منابرها، فأقام إلى رجب من سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة. وتوفي بالموصل وحملت أمراء بني عقيل جنازته، ودُفن بتل توبة. وبقي عميد الدولة بميافارقين إلى آخر سنة أربع وثمانين وأربع مائة.
واستدعي إلى دركاه السلطان، فخرج ومعه جماعة من متعيني ميافارقين إلى أن وصل إلى إصبهان. وأقام مدة ثم عاد إلى بغداد. فلما وصل عميد الدولة وزر للمقتدي ثانيا.
وكان عند خروجه من ميافارقين ترك بها أخاه كافي الدولة أبا البركات " بن فخر الدولة محمد بن محمد " بن جهير - وكان الصغير من أولاده - فبقي بديار بكر إلى شهر رمضان من سنة خمس وثمانين وأربع مائة.
стр. 177
واستدعي إلى باب السلطان فحمل معه ما كان تحصل من الأموال، وسار إلى السلطان. وكان إذ ذاك ببغداد وترك ولده أبا الحسن بميافارقين على ديار بكر فلما وصل الكافي إلى الموصل بلغه أن السلطان ملكشاه مات ببغداد مسموما في شوال من السنة، وحُمل إلى إصبهان، ودُفن بها، ورُتب في السلطنة ولده بك ياروق ولُقب شهاب الدولة وخُطب له ببغداد وكان عادلا، وخلع عليه المقتدي واستقر في السلطنة.
ذكر ملك ناصر الدولة ميافارقين
ووصل خبر موت السلطان إلى ميافارقين فاختبط الناس بها واختلفوا. ثم اتفقوا على أن يُنفذوا إلى السلطان بك ياروق يستدعونه أو نائبا يتسلم البلاد. فهي بلاد أبيك. فلم يكن له فراغ، وطال الأمر، فاجتمع الناس ثانيا، ووقع اتفاقهم على الشيخ أبي سالم يحيى بن الحسن بن المحور لما علموا دينه وعقله فألزموه بذلك وأجلسوه في القصر مُكرها، وسلمت إليه مفاتيح البلد، فلما طال عليهم الأمر وتعذر وصول السلطان اختلفوا أيضا فقال قوم: نستدعي ناصر الدولة ابن مروان وكان بحربى عند موت السلطان، فقصد الجزيرة وملكها.
وكره بعض الناس بيت مروان لما عاينوا من عدل السلطان وإحسانه.
وكان في المدينة رجل يعرف بابن أسد فرأس الجُهال والسوقة والرعاع. وجعل يدور على السور والمدينة ويحفظها. فلما طال عليهم الأمد اتفقوا على أن سييروا إلى نصيبين إلى السلطان تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان - أخي ملشكاه - وكان له دمشق وحلب والشامين فلما بلغه موت أخيه سار إلى الرقة وملكها، ونزل على نصيبين، فوصل إليه رؤساء ميافارقين ومقدموها فأكرمهم، فقالوا له: قد حفظنا لك البلدن، وأنت أخو السلطان وما نريد غيركم فقال: تصبرون أياما ونسير إلى آمد ثم إلى ميافارقين.
وكان ناصر الدولة قد ملك الجزيرة وسمع بخبر ميافارقين فنفذ إلى ابن أسد، ووعده بالجميل، فأجابه واستدعاه واتفق خلو ميافارقين فوصلها في أول سنة ست وثمانين وأربع مائة وتسلمها ونزل الشيخ ابن المحور من برج الملك، ودخلها ناصر الدولة، واستوزر ابن أسد ولُقب محي الدولة، وصعد إليه الشيخ أبو الحسن ابن المحور. فأمنه على نفسه وماله ومن يلوذ به، واستقر بميافارقين.
ذكر ملك تاج الدولة تتش ميافارقين وآمد
ووصل تاج الدولة تتش نصيبين " ثم إنه فتحها " سيفا، وقتل بها خلقا عظيما، ونهب وسبى ما لم يجرِ على الكفار مثله. وسار والجماعة معه إلى آمد وملكها بعد حصار شديد وبقي أياما، وسار إلى ميافارقين. وكان معه خلق عظيم فراسل أهل البلد وخوَّفهم مما جرى على أهل نصيبين.
ثم ركب السلطان، ونزل من الرابية، وقصد برج علي بن وهب، فحين رآه الناس صاحوا بأسرهم وسلم البلد إليه، فدخله من يومه وهو.. من ربيع الأول سنة ست وثمانين وأربعمائة.
وخرج الأمير منصور من باب الهوة ودخل مخيم الأمير الحاجب والوزير أبي النجم. وكانت مدة ولايته " الأخيرة " خمسة أشهر.
واستقر السلطان بميافارقين وأحسن إلى أهلها وأسقط عنهم الأعشار والمؤن والكلف، وحصل الناس معه في أهنأ عيش. ونفذ إلى الكافي ابن جهير والوزير أبي طاهر بن الأنباري ليستوزرهما أو أحدهما. فسبق الكافي فاستورزه، ووصل بعده الوزير أبو طاهر بأيام، ففاتته الوزارة، فسلم إليه ميافارقين ورتبه بها، ورتب بالقصر مملوكا له يسمى طغتكين وسار بجمع العساكر، وأقام بحران لتكتمل العساكر فيمضي إلى بك ياروق بصافُّه.
وكان ابن أسد لما ملك السلطان " ميافارقين " انهزم وانهزم واختفى ببعض البلاد مدة. ثم قصد السلطان وامتدحه بقصيدة يقول فيها بيتا - الفأل موكل بالمنطق - وهو:
واسْتَحْلَبَتْ حَلَبٌ جَفْ، نيَّ فانهملا ... وَبشّرَتْني بِحَرِّ الشّوْقِ حَرَّانُ!!
فأُعجب السلطان بشعره، فقيل له: أيعرف مولانا السلطان من هذا؟ فقال: لا! قال: هذا ابن أسد الذي أحضر ناصر الدولة بن مروان وملكه ميافارقين فأمر بضرب عنقه بحران فقيل:
وبشرتني بحر القتل حران
كان الوزير أبو طاهر ابن الأنباري مقيما بميافارقين فلما قتل ابن أسد استشعر وخرج من ميافارقين وقصد الهتاخ في رابع عشر ذي القعدة من سنة سبع وثمانين وأربع مائة، فدخلها وأقام بها، وكان معه ولداه أبو القاسم، وأبو سعد، وابن أخيه محمد.
стр. 178
وكان أخوه السديد أبو الغنائم تخلف بميافارقين فقبض عليه طغتكين. وأقام الوزير بالهتاخ مدة فبلغ السلطان ذلك فنفذ يتوعده، فخرج من الهتاخ وقصد خرت برت وكانت لابن جبق فأقام عند أُخت جبق. فنفذ السلطان إلى أخت جبق وقال: تسلميه إليَّ وإلا ضربت عنق ابن أخيك - وكان معه في العسكر - فسلمته وولده الأكبر أبا القاسم وبقي عندها ولده أبو سعد، وابن أخيه أبو عبد الله محمد، وقالت: هؤلاء ما جنوا ولا أساءوا!! فلما وصل الوزير وولده إلى السلطان ضرب رقابهما بسميساط في جمادى الآخرة، من سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وحملت الرؤوس إلى ميافارقين وأُخرج أخوه السديد أبو الغنائم يوم الخميس غرة رجب، فجاءه رجل بسطل فيه ماء وقال له: اشرب فقال: أنا صائم، ولا ألقى الله تعالى إلا صائما فضُربت رقبته، وطيف برأسه مع الرؤوس في المدينة. ثم دفنت الجثة والرؤوس في المقابر التي يدفن فيها القتلى. وبقي النور ينزل على قبره أياما.
وخرج ولده أبو سعد وولد أخيه من خرت برت وسارا إلى بغداد وأقاما هناك.
وخدم أبو عبد الله للمستظهر ولُقب بسديد الدولة - لقب أبيه - ونفذ في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة من حمل الجثة والرؤوس إلى بغداد فدفنهم هناك في مشهد كان بناه لهم بباب التبن، عند موسى ابن جعفر ﵉ وبقي في خدمة المستظهر إلى سنة سبع وخمس مائة وولي ديوان الإنشاء، ولُقب بمؤيد الدين وندب إلى وزارة المسترشد والمقتفي فلم يجب.
وكانت له المنزلة العالية والمكانة الرفيعة عند الخلفاء.
ذكر وفاة السلطان تاج الدولة تتش
لما قتل السلطان تاج الدولة الوزير رحل طالبا أذربيجان لمصاف ابن أخيه شهاب الدولة بك ياروق ومعه العساكر وأمراء الشام. فالفصل عنه آق سنقر وبزان وانهزما. فعاد في طلبهما، فظفر بهما، وقال لهما: ما صنعت معكما من القبيح؟! كان لي دمشق، ولكما حلب والرها. وضرب رقابهما - وكانا مملوكين للسلطان ملكشاه -.
وسار يطلب أبن أخيه بك ياروق. إلى أن التقا به وتصافا. فلما التقى الجمعان عارضه مملوك لبزان في المعمعة، فضربه بسهم من وراءه خرج من صدره فمات، وذلك في سنة تسعين، وقيل: الأصح أنه كان في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة في صفر منها، وكسر العسكر.
واستقر بكياروق في السلطنة واستبد بها.
وبقي الشام وديار بكر في يد ولدي تاج الدولة. الملكين: الملك رضوان - ملك حلب -، والملك دقاق - ملك دمشق -.
وكان طغتكين بميافارقين فولى به أميرا يسمى إلياس ويلقب بشمس الدولة وسار إلى دمشق وجعل أتابكا للملك دقاق. وبقي إلياس بميافارقين. واستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن صافي - وكان صافي مملوكا لبني نباتا - وكان ولده محمد على البيع في العرصة فولد له أبو الحسن من بنت أبن خلف وجعل جابيا في الوقف بين يدي الشيخ أبي سالم يحيى بن المحور. ثم خدم القاضي أبا بكر بن صدقة. وتوصل إلى الحسبة ثم وزر للأمير إلياس وكان ثقيل الوطأة كثير الجور والظلم والمصادرات والتواصل إلى قلع بيوت الناس ومضارهم ولقد أخرب بيوت أكثر أهل ميافارقين.
ذكر وفاة الأمير ناصر الدولة
وفي سنة ست وثمانين مات الأمير ناصر الدولة منصور بالجزيرة وحمل إلى آمد، ودفن بها في قبة على رأس القصر مطلة على دجلة والسلسلة كانت بنتها زوجته ست الناس - بنت عنه سعيد - ودفنها بها جميعا.
وكانت آخر ولاية بني مروان. فإنهم ولوا في سنة ثمانين وثلاث مئة من أول ولاية الأمير أبي علي إلى أن ملك ابن جهير في سنة تسع وسبعين. وعاد ناصر الدولة ملك مدة خمسة أشهر فتكملت ولايتهم مائة سنة كاملة.
وانقرضت دولتهم، وزال ملكهم - فسبحان من لا يزول ملكه ولا يبيد سلطانه -
ذكر ميافاقين
ذكر ولاية شمس الملوك دقاق ميافارقين استقلالا بعد وفاة أبيه تاج الدولة تتش
стр. 179
قد تقدم القول بأن تاج الدولة تتش لما ملك ميافارقين رتب فيها غلامه طغتكين وجعله أتابكا لولده شمس الملوك دقاق. فلما عزم تاج الدولة على لقاء ابن أخيه بكياروق في سنة ثمان وثمانين وأربع مائة، استدعى طغتكين فحضر المصاف التي قتل فيها تاج الدولة تتش. وبقي شمس الملوك دقاق مقيما بميافارقين مع الأمير شمس الدولة الياس - المقدم ذكه - ولم يزل شمس الملوك دقاق مقيما بميافارقين إلى أن بلغه قتل والده، وأن أخاه رضوان عاد من عانة وطلب حلب فركب من ميافارقين وقصد أخاه بحلب، وأقام عنده مدة ثم توجه إلى دمشق فملكها واستقل بملكها.
وأما ظهير الدين طغتكين فإنه كان قد أسر في جملة من أسر، فأحسن التدبير إلى أن تخلص ووصل إلى دمشق إلى عند شمس الملوك دقاق فأحسن إليه، وقدمه على عساكره وبقي عنده.
وأما شمس الملوك دُقاق فإنه أقام بدمشق إلى أن رتب أحوالها ثم عاد إلى ميافارقين فرتب أحوالها وكان معه سكمان بن أرتق.
وكان شمس الدولة الياس قد أطمع نفسه بملكها، وتسلمها، ورتب فيها من قبله من يحفظها. وعاد في سنة ثلاث وتسعين وأربع مائة. وحضر إلى خدمته أمراء ديار بكر منهم الأمير سكمان بن أرتق، صاحب حصن كيفا وماردين، والسبع الأحمر وكان له اسعر، وحسام الدولة التمشكين صاحب أرزن وبدليس، والأمير إبراهيم وكان له آمد، والأمير سباروخ وكان له حاني، وكان معه الوزير محمد الأعجمي - من أهل دوين -.
ورتب الملك دقاق بميافارقين الوزير محمدا بالقصر. وحاجيه يغمر ببرج الملك، وسار إلى دمشق. فتزوج الوزير بحطانة وبقي بميافارقين.
ذكر وفاة شمس الملوك دقاق
وفي سنة سبع وتسعين وأربع مائة توفي شمس الملوك دقاق بن تاج الدولة تتش في اليوم الثاني عشر من المحرم منها وولي ولده تاج الدولة تتش، وكان عمره يومئذ اثنتي عشرة سنة. وتوليّ أتابكيته ظهير الدين طغتكين. ثم إن ظهير الدين هذا رأى من المصلحة إحضار أرتاش - أخي شمس الملوك - وكان محبوسا ببعلبك، فأحضره وولاه دمشق لخمس بقين من ذي الحجة من سنة سبع وتسعين.
ذكر ملك السلطان قليج أرسلان بن سليمان ن قطر مش السلجوقي ميافارقين
ودخلت سنة ثمان وتسعين وأربع مائة، والوزير محمد مقيم بميافارقين. فلما تحقق موت شمس الملوك كاتب السلطان قليج أرسلان بن سليمان ن قطرمش السلجوق - صاحب بلاد الروم يومئذ - فوصل إليه في سابع عشري جمادى الأولى من سنة ثمان وتسعين وأربع مائة وملكها، واستوزر الوزير محمدا وأعطاه أبلستين إقطاعا، وأخذه معه. ووليّ بميافارقين الأتابك السليماني - غلام أبيه سليمان - وتوجه إلى الموصل وصافّ جاولي سقاوه مملوك السلطان محمد وعاد، وقد كسر، وغرق في الخابور سنة تسع وتسعين وأربع مائة وحمل تابوته إلى ميافارقن، ودفن بالقبة التي بنيت له وتعرف بقبة السلطان مسعود.
واستقل خمرتاش بملك ميافارقين، وظلم هو وزوجته، وأجحف بالناس وصادرهم.
وفيها نزل الأمير سقمان القطبي - صاحب أرمينية - واجتمع بجكرمش - صاحب الموصل - وسار إلى حران ولقيا الفرنج وكسراهم كسرة عظيمة، وهي وقعة البليخ.
وذكر ابن الأثير أن هذه الوقائع كانت في سنة خمسمائة.
ذكر ملك سقمان القطبي ميافارقين
" وفي سنة اثنتين وخمس مائة نزل سقمان القطبي على ميافارقين وحاصرها وضايقها، ثم أخذها بعد حصار تسعة أشهر في شوال منها ودخلها. وأحسن إلى أهلها وأزال عنهم الكذب، والمؤن، والأعشار، وحط عنهم أشياء كثيرة وأجراهم على أملاكهم، وأزال عنهم ماكان قد أحدثه المحتسب وأتابك ووليّ فيها مملوكه قزاغلي بالقصير، وولي البلد أثير الدولة أبا الفتوح فجرت أحوال الناس على السداد ".
ذكر وفاة سقمان القطبي
ولم تزل نوابه بميافارقين إلى أن توجه إلى خدمة ظهير الدين طغتكين وصاحب الموصل واجتمعوا على حصار تل باش. ثم عادوا فمات عند عوده في سنة أربع وخمس مائة.
ولم يزل قزاغلي على ميافارقين إلى سنة ست وخمس مائة فوصل الأمير إبراهيم بن سقمان والخاتون - والدته - إلى ميافارقين. فعزل قزاغلي وولي السديد الوزارة. ووليّ المعين - أخا السديد - ميافارقين.
وفي سنة سبع وخمس مائة قتل الأمير إبراهيم بن سقمان القطبي وزيره السديد أخا المعين في ولاية منازجرد فأظهر المعين العصيان بميافارقين وأستبد بها.
ذكر ملك قراجا الساقي ميافارقين
стр. 180
" وفي سنة ثمان وخمس مائة وصل قراجا الساقي - مملوك السلطان محمد - إلى باب ميافارقين ونزل الرّوابي، والمعين بالبلد، وقراجا لا يظهر إلا أنه عابر سبيل، وهو ينتظر من يلحقه من أصحابه، ولم يراسل المعين ولم يكلمه بل يركب كل يوم للصيد، ويسير ويعبر على باب البلد. فعبر يوما السلسلة بالسيف فقطعها، ودخل ".
ووثب رجل، ومشى بين يديه إلى باب القصر، فبقي ساعة، ثم فتح له، ودخل الأمير قراجا ونزل المعين إلى دار ابن موسك واستقل قراجا بالبلد واستوزر المعين " وردّ إليه الأمور كلها وبقي قراجا بميافارقين مدة. ثم نفذ سلطان محمد في طلبه، فسار إليه فولاه " شيراز، وفارس. " ونفذ السلطان إلى جكرمش - صاحب الموصل - يأمره أن ينفذ إلى ميافارقين واليا ويحضر زوجة قراجا.
فسير إليها عماد الدين زنكي بن آق سنقر وكان له في ذلك الوقت تل يعفر لا غير ".
وفي ولايته تطاولت الأيدي إلى ميافارقين وأخذت من كل جانب، وخرب أكثر بلدها.
أخذ منه الأمير سقمان بن أرتق بحصن كيفا بلد حزة مقدار مائة ضيعة، قاطع الشط إلى شط أرزن.
وأخذ نجم الدين إيل غازي إلى بلد الحياطلة من قاطع دجلة إلى الجبل نحو ثمانين ضيعة.
وأخذ " الأمير إبراهيم صاحب آمد نحو ثلاثين ضيعة " " وأخذ الأمير " سباروخ - صاحب حاني - رأس الحير.
وأخذ الأمير أحمد بلد الهتاخ.
وأخذت السناسنة نحو ثلاثين قرية.
وأخذ حسام الدولة - صاحب أرزن - من بين النهرين خمس عشرة ضيعة.
كل ذلك لقلة حماتها.
ابتداء ولاية نجم الدين إيلغازي بن سقمان بن أرتق وملكه ميافارقين
سبب ذلك أن نجم الدين إيلغازي بن سقمان بن أرتق قصد خدمة السلطان محمد السلجوقي حلوان.
ثم أعطاه شحنكية بغداد، فأقام مدة إلى سنة اثنتي عشرة، فوقع له بميافارقين. وكتب إلى الرزبيكي أن يسلمها إليه، فسار إليه نجم الدين إيلغازي وتسلمها في الرابع عشر جمادى الآخرة من السنة، فدخلها وملكها، وخرج الرزبيكي فنزل على الروابي ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع وصله رسول من السلطان محمد يأمره ألا يسلمها. فوجد الأمر قد فات.
واستقر نجم الدين بميافارقين وأظهر العدل، وأسقط عنهم الكلف والمؤن.
وكانت ميافارقين قد خرجت أكثرها من الظلم والإنزال، وما كان يلقى أهلها من الأجناد. وإخراجهم من بيوتهم.
فلما ملكها نجم الدين استقروا في دورهم، وزال النزال عنهم. فكان الجند الذين مالهم مساكن ينزلون في خرابات المدينة في فركاهات. وكانت البلاد مخيفة من الحرامية والقوافل لا تسير من ميافارقين إلى آمد وحاني وأرزن وماردين وحصن كيفا إلا ومعهم خيل تخفرهم في هذه المسافة القريبة. فحيث ملك نجم الدين أمنت البلاد والطرقات، وانهزمت الحرامية وعمرت الضياع ومدت ميافارقين في العمارة. وساس الناس أحسن سياسة. وبقي إلى سنة ثلاث عشرة وخمس مائة.
ولقي الفرنج وكسرهم كسرة عظيمة وغنم منهم شيئا كثيرا وهي كسرة البلاط.
وفي سنة أربع عشرة وخمس مائة ملك نجم الدين نصيبين وسار إليه القاضي علم الدين أبو الحسن بن نباتة وجماعة من أكابر ميافارقين ولقوه بنصيبين وهنؤوه بفتحها، فخلع عليهم وأجازهم.
وفي سنة خمس عشرة نفذوا أهل تفليس إلى نجم الدين إيلغازي يستدعونه ليسلموا إليه تفليس فسار إليها ومعه " نور الدولة " دُبيس بن " سيف الدولة صدقة المزيدي وكان صهر نجم الدين على ابنته كهار خاتون فسار بالعساكر فوجد تفليس مُحاصرة في غاية الضِّيق، وكان المُحاصر لها الملك داود ملك الكرج والأنجاز ومعه خلقٌ لا يحصى.
وكان قد وصل إلى تفليس السلطان طغرل بك وفخرُ الدين طُغان أرسلان بن الأحدب فاقتتلوا قتالا عظيما، قَتل وأسَر من المسلمين مالا يحصى.
وعاد نجم الدين هزيما في عشرين فارسا إلى ميافارقين، ومعه صهره دُبيس، فأقام مدة، ثم سار إلى ماردين، وأقام بها سنة ستة عشرة وخمس مائة.
ذكر وفاة نجم الدين إيلغازي
في هذه السنة مرِض نجم الدين إيلغازي بماردين وحُمل إلى أوشل بميافارقين ومعه إيلخاتون بنت طغتكين وولده شمس الدولة سليمان، وتخلف السعيد حسام الدين " تمرتاش " بماردين.
وتُوفي نجم الدين إيلغازي يوم الخميس سابع عشر شهر رمضان من سنة ست عشرة وخمس مائة بالأوشل.
стр. 181
وركب شمس الدولة وإيلخاتون ليلا، ووصلوا إلى باب الهوة ونادوا بالوالي، وكان اسمه كيغلي فنزل، وفتح الباب ودخلوا وقد أركبوا نجم الدين على فرس، وأُركب خلفه رجل يُمسكه، وقيل: إن الأمير مريض، ودخلوا القصر. فلما حصلوا في القصر وقعت الضجة وقيل: قد مات الأمير الساعة.
وصعد الناس القصر وغُسل الأمير ودُفن بالقصر مدة. ثم أُخرج إلى مسجد الأمير فدفن هناك.
ذكر ولاية ولده السعيد حسام الدين
ولما مات شمس الدولة حضر السعيد حسام الدين، ونزل على باب المدينة وراسل خطليشا واستقر الأمر بينهما. وسلّم إليه البلد في شوال من سنة ثمان عشرة وخمس مائة. واستوزر الوزير عبد الملك. وحصل له ما كان لأبيه نجم الدين ومَلَك حلب واستبد بالمُلك، وتزوج بزوجة أخيه إلياس وأولد منها أولادا. وكان ملكا عالما عادلا ذكيا مشاركا في جميع " العلوم ".
وفي سنة أربع وعشرين وخمس مائة ماتت الملكة سيدةُ خاتون بنت قليج أرسلان بميافارقين ودُفنت عند أمها بالقبة ووصل أخوها الملك طغرل من حصن كيفا وتسلّم ما خلفته. وكان صهر الأمير على ابنته.
وفي سنة سبع وعشرين وخمس مائة مات الوزير عبد الملك بميافارقين.
وولي النّظر بالديوان النّاصح علي بن أحمد الآمدي.
وفيها: نازل أتابك زنكي والسعيد حسام الدين قلعة الصَّور. وفتحها الأتابك وقتل بها الأمير حمدان بن أسلم. وكانت للأمير حمدان بن أسلم. وكانت للأمير رُكن الدولة داود فسلّمها إلى السعيد حسام الدين.
وفي سنة ثمان وعشرين وخمس مائة وصل المؤيّد أبو الحسن بن مخطر من الجزيرة فرُتِّب في الاستيفاء مع أخيه الناصح أبي سعيد بميافارقين.
وفيها: وصل حبشيُّ بن محمد بن حبشيِّ من العراق والمكينُ أبو البركات بن أبي الفَهيم الحرانيُّ إلى خدمة السعيد حسام الدين.
وولي حبشي الوزارة، واستقر بها. وبلغ مرتبة لم يبلغها غيره.
وعمل حساب أرباب الأعمال والكُتّاب، وسلك بهم أعسف الطرق.
وقبض على الناصح وولده، وصادرهما.
ومات الناصح بميافارقين وولي مكانه الوزير أبو طاهر، ابن المُحتسب - كان مسجونا فأطلقه وولاه -.
وفي سنة تسع وعشرين وخمس مائة: تزوج السعيد حسام الدين بالملكة.... بنت رضوان - بدر الدين - وعقد عليه مجد الدين ابن السديد.
وفي سنة ثلاثين: وقع الخُلفُ بين السعيد حسام الدين وبين الأمير داود. فأمر السعيد حسام الدين بنقض الرَّبض والمُحدثة. فابتُدئ فيه يوم الجمعة تاسع المحرم.
واجتمع السعيد حسام الدين والأتابك وكسرا الأمير داود على باب آمد. وسارا إلى جبل جور والسيوان فملكوهما، وسلّمهما أتابك إلى السعيد حسام الدين، وانهزم الأمير أرسلان إلى الأمير داود.
وفي سنة ثلاث وثلاثين: وقع الخُلفُ بين أتابك زنكي والسعيد حسام الدين. وصعد صلاح الدين إلى ماردين وقرر أمر الصلح بينهما فسلّم إليه دارا.
وعقد على ضيفة خاتون بنت السعيد حسام الدين.
وفي سنة خمس وثلاثين. أغار الأمير داود على ميافارقين ونهب البلد، ونزل على المدينة. وأقام ثمانية أيام ورحل إلى تل شيخ وأخذها، وأقطع البلد.
وكان يغيرُ كل يوم إلى باب البلد ويأخذُ من الناس " الثياب " من النهر.
وكان بميافارقين يومئذ حبشي والحاجبُ يوسف ينالُ في الولاية. فدبرا الناس، وساسا البلد.
وبقي الخُلفُ بين السعيد حسام الدين والأمير داود إلى أو سنة ست وثلاثين وخمس مائة، واصطلحا واتفقا، ووصل الأمير داود إلى ميافارقين واجتمعا بالقصر.
وفي آخرها: سار شرف الدين حبشي إلى الموصل رسولا إلى أتابك، فقيل: إنه قرَّر في نفس أتابك أن يأخذ له ميافارقين.
ذكر قتل شرف الدين حبشي
" وفي سنة سبع وثلاثين وخمس مائة: قصد أتابك " زنكي " ولاية الأمير يعقوب وملَك حيزان والمعدن وأرزن وجميع ولايته.
وفي سنة ثمان وثلاثين: قصد ميافارقين ووصل إلى تل بسمي ونزل بها. ففي أثناء الليل دخل على حبشي في خيمته مؤمل الشافصي ومحمد بن أبي المكارم وقتلاه، وأخذا رأسه وخرجا. فوقعت الصيحة في المعسكر، واختبط الناس، وأصبح أتابك راحلا من غُدوةٍ وسار إلى بلاده ".
ذكر وفاة الأمير داود صاحب حاني
وفي سنة تسع وثلاثين وخمس مائة في يوم من المحرم منها تُوفي الأمير داود بحاني وحُمل إلى حصن كيفا فدُفن هناك.
стр. 182
وملك بعده ولده فخر الدين قرا أرسلان، وقصده أتابك فأخذ حاني وجبل جور والسيوان وأرقنين وجرموك وجميع تلك الولاية. ووقع الخُلفُ بين أتابك والسعيد حسام الدين.
وفي سنة إحدى وأربعين وخمس مائة شرع السعيد حسام الدين في بناء جسر القرمان بالقيطوم بتولي الزاهد أبي الحسن علي، وأسس قواعده من الجانبين، فجاء المدُّ فهمه لضعف عمله، فألزم الزاهد الغرامة.
ثم وليهُ سيف الدين شير باريك مودود بن علي بن أُرتق، وابتدأ في عمارته بتولي أبي " الخير " بن الحكيم الغاسول فعمله إلى سنة ثمان وأربعين وخمس مائة، وبقي منه شيء يسير.
وفي ليلة الاثنين ثاني عشر ربيع الأول منها انهدم الجامع، ووقع مكان المنبر والأروقة، فهَدم الباقي منه، ثم أمر بتجديده، فأُصلح إصلاحا حسنا.
ذكر وفاة السعيد حسام الدين
ولم يزل السعيد حسام الدين مالكا ميافارقين مستقلا إلى أن تُوفي يوم الخميس ثاني ذي القعدة من سنة ثمان وأربعين وخمس مائة بماردين ودُفن بها. وكان مرضه أياما.
ذكر نُّوابه بميافارقين
وليها الحاجبُ أبو بكر وبيرم وعثمان - بنو خمرتاش -. وليها الحاجب بير مرتين، ولك واحد من أخويه مرة.
ثم وُلي الحاجب عبد الكريم بن علي ثم عُزل.
ووُلي الحاجب يوسف ينال ثم عُزل. وأُعطي قلعة سرجة فأخذها منه اتابك زنكي.
ثم وُلي مملوكٌ كان للأمير يسمى قزا أُغلي مدة، ثم مات.
وجلس في القصر الأمير قايماز الخادم والحاجب بيرم مدة.
ووُلي الحاجب برنقش الحُسامي وعُزل.
ووُلي يوسف ينال - ثانيا - وبقي في الولاية إلى يوم الجمعة ثالث رجب من سنة تسع وثلاثين وخمس مائة، ومات بها، ودُفن بها أيضا.
ثم وليها ناصر الدولة صندلُ في ذي القعدة منها، وبقي إلى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين، وعُزل.
ووُلي اسر سلار وبقي إلى آخر شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وأربعين، ومات بها، وبقي ولده.
ووُلي ينال بُرج المَلك.
وجلس الحاجب بيرم في القصر مدة.
ثم استقل ينال بالولاية إلى أن مات السعيد حسام الدين في التاريخ المقدم ذكره.
ذكر ملك نجم الدين ألبي بن السعيد حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي بن سكمان بن أرتق ميافارقين
لما مات السعيد حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي بماردين ملكها بعده ولده نجم الدين إلبي. ثم سيّر من يومه سعد الدولة ألتونتاش إلى ميافارقين، فوصلها وصبَّحها صبيحة نهار الجمعة، وجاء إلى باب المدينة، فدخل وقصد باب القصر ليُستأذن له. ثم صعد خلف الداخل يستأذن له إلى بُرج الملك. ودخل الرجل إلى ينال وسعد الدولة خلفه، فقام إليه ولقّبه، وأصرف مَنْ عنده، وأعلمه بالحال، وبموت الأمير، وأن الملك بعده ولده نجم الدين. فنفذ وأحضر أكابر الأمراء، والقاضي، وقرَّر الحال، ونزل الخطيب، وخطب بالناس، ودعا لنجم الدين ولم يكن عند أكثر الناس خبرٌ من ذلك. ولم تنفسخ على نجم الدين حالٌ، وملك جميع ولاية أبيه، ولم يختلف عليه أحدٌ من اخوته ولا غيرهم، ولم يعصَ عليه موضعٌ، وراسل جميع الجوانب واستحلفهم، وراسلوه وعزُّوه في أبيه.
وأظهر نجم الدين العدل والإحسان، ولقي الناس منه خيرا كثيرا، وسار بهم أحسن سيرة، ولم يُرَ ملكٌ أعفُّ منه عن أموال الرعية وحرمهم إلى أن مات في تاريخ لم يحقق.
وولي بعده قطب الدين إيل غازي ثم مات.
" وملك بعده ولده حسام الدين يولق، وهو طفلٌ، فقام بتربيته وتدبير ملكه نظام الدين ألبقش - مملوك أبيه -. وكان شاه أرمن - صاحب خلاط خالَ قطب الدين - فحكم في دولته بعد موته، وهو رتّب ألبقش مع ولده.
وكان ألبقش ديِّنا خيِّرا عادلا، حسن السِّيرة، حليما، فأحسن تربية الولد، وتزوج أمه. فلما كبر الولد لم يُمكِّنه النِّظام أُلبقش من مملكته لهوج كان فيه.
وكان للنِّظام مملوك اسمه لؤلؤ قد تحكّم في دولته، فكان يحملُ النظام على ما يفعله مع الولد، ولم يزل كذلك إلى أن مات الولدُ.
стр. 183
وكان له أخٌ صغيرٌ، لقبه قطب الدين، واسمه أرسلان، فرتَّبه النِّظام مكان أخيه في الملك، وليس له منه إلا الاسم، والحكم للنِّظام وللؤلؤ، فبقي كذلك إلى سنة إحدى وست مائة. فمرض نِظام الدين أَلبقش فأتاه قطب الدين يعوده. فلما خرج من عنده خرج معه لؤلؤٌ فضربه قطب الدين بالسكين فقتله، ثم دخل إلى النظام، وبيده السكين، فقتله أيضا، وخرج وحده، ومعه خادمٌ له وألقى الرأسين إلى الأجناد، وكانوا كلهم قد أنشأهم النِّظام ولؤلؤٌ، فأذعنوا له بالطاعة. فلما تمكّن أخرج من أراد، وترك من أراد، واستولى على ماردين، والبارعيّة، والصّور وأعمالها ". ولم يزل إلى أن تُوفي في سنة ثمانين وخمسمائة.
وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إذا ذاك مقيما بحماة، عازما على قصد الموصل، فلما وصل إلى حلب خرج أخوه الملك العادل من حلب لتلقيه، ثم تواترت عليه كتب مظفر الدين كوكُبُري - صاحب إربل - تحُثُه على قصد الموصل. فعبر صلاح الدين الفُرات وقبض على مظفر الدين كوكبري، وكان إذ ذاك صاحب حرّان وسروج وسميساط، ثم رضي عنه وأطلقه، وأعاد إليه بلاده.
وتقسم فكر صلاح " الدين " بين قصد خِلاط والموصل فرجحوا جماعةٌ صفد خِلاط فسار إليها، فوصل إلى ميافارقين فوصله كتابٌ من ناصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه يستأذنه في الوصول إليه، فأذِن له، فأتاه وقال له: الرأي أن نبتدئ بحصار ميافارقين وفتْحها.
ذكرُ حصار الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ميافارقين وفتحها
من هناك افترقت ميافارقين فإنها لم تزل مجموعة إلى آمد بيد من وليها.
" ولما سار صلاح الدين قاصدا خِلاط جعل طريقه على ميافارقين وطمع في ملكها، لوفاة صاحبها قطب الدين - صاحب ماردين - فلما نازلها رآها مشحونة بالرجال، وبها زوجة قطب الدين - وهي ابنة قرا أرسلان وأُخت نور الدين محمد - فحصرها مدة.
وكانت زوجة قطب الدين تُحرضُ الناس على القتال، فلم يصل الملك الناصر إلى ما يريد منها، فعدل عن الحرب إلى إعمال الحيلة، فراسل زوجة قطب الدين وقال لها: إنَّ أسد الدين يرنقش قد مال إلينا، ورغب في تسليم البلد، ونحن فنرعى حق أخيك نور الدين فيك بعد وفاته. ونريد أن يكون لك في هذا الأمر نصيبٌ، ونُزوج بناتك بأولادي، وتكون ميافارقين وغيرها لك، وترك مَنْ أرسِلَ إلى أسد الدين يقول له: إن الخاتون قد مالت إلى الانقياد إلى السُّلطان وأن مَنْ بخِلاط قد كاتبوه ليسلموها إليه، فخذ لنفسك!!.
واتفق أنه وصل في ذلك الوقت رسولٌ من خِلاط إلى صلاح الدين يبذلون له الطاعة، فأمره صلاح الدين فدخل إلى ميافارقين واجتمع بأسد الدين وقال: أنت عمّنْ تقاتل؟ وأنا قد جئت في تسليم خِلاط إلى صلاح الدين. فأسقط في يده، وضعُفت نفسه، فأرسل واقترح إقطاعا ومالا، فأُجيب إلى ذلك.
وسلم البلد في جمادى الأولى من سنة سبع وثمانين وعقد لإحدى بناتها على ولده الملك المُعزِّ وأقرَّ بيدها قلعة الهتّاخ.
وولي ميافارقين مملوكه سُنقُر الخلاطي.
ذكر ملك تقي الدين عمر بن شاهنشاه ابن أخي صلاح الدين الملك الناصر ميافارقين
ولم تزل ميافارقين بيد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى أن أقطعها لتقي الدين عمر ابن شاهنشاه فيما كان أقطعه مما كان بيد مظفر الدين كُكبري - صاحب إربل - فمضى إليها، وأقام بها إلى أن تُوفي في تاسع عشر شهر رمضان من السنة.
فأقطعها مع الشرق بأسره ولاية الملك العادل.
وتُوفي صلاح الدين في سنة تسع وثمانين، والبلاد بيد أخيه الملك العادل على حالها.
ولم تزل في يد نواب الملك العادل إلى أن دخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة - وكان الملك العادل إذ ذاك " عند بُحيرة قَدَس - بحمص - فعين لولده الملك الكامل مصر، ولولده الملك الأشرف موسى حرَّان والرُّها وسروج وجميع ماله بالشرق، خلا ميافارقين فإنها عُينت لولده الملك الأوحد نجم الدين أيوب، فلم تزل بيده إلى أن ملك خِلاط في سنة أربع وستمائة في جمادى الأولى منها. فاستمرت بيده مع خِلاط إلى سنة تسع وست مائة فمرِض.
ذكر ملك الملك الأشرف ميافارقين
стр. 184
ولما مرض الملك الأوحد استدعى أخاه الملك الأشرف موسى من حرَّان فأتاه وأقام عنده مدة مرضه. فلما أبلَّ من مرضه، وتمت عافيته ودَّعهُ الملك الأشرف عازما على العودة إلى بلاده. فاجتمع به رجلٌ مُنّجمٌ من أهل خِلاط فقال له سرا: لا ترحل، فإن هذا الشهر لا يخرجُ إلا وأخوك قد مات.
فقال له الملك الأشرف: كيف وقد ركب ولعب بالكرة؟! فقال: لابد من ذلك، ولا يجاوز الأسبوع. فاتفق أنه في ذلك الأسبوع أكل أكلة فأُتخم منها فمات.
فملكها الملك الأشرف وبقيت في يد نوابه مستمرة.
وفي سنة خمس عشرة وستمائة تُوفي الملك العادل بعالقين في سابع جمادى الآخرة منها.
واستمرت ميافارقين بيد الملك الأشرف إلى سنة إحدى
ذكر تمليك شهاب الدين غازي أرزن
" كان حسام الدين - صاحب أرزن - من ديار بكر، مصاحبا للملك الأشرف ناصحا له، مشاهدا جميع حروبه وحوادثه، منفقا أمواله في طاعته. فكان يعادي أعدائه ويوالي أولياءه. ومن جملة موافقته له أنه كان محصورا بخلاط لما حصرها جلال الدين فلقي من الشدة ما لقيه من بها - وصبر إلى أن ملكها جلال الدين. وأسره جلال الدين، وأراد " أن " يأخذ منه أرازن فقيل له: إن هذا من بيت قديم عريق في الملك. وأنه ورث هذه أرزن من أسلافه وكان لهم غيرها من البلاد، فخرج الجميع. فعطف عليه ورقَّ له، وأبقى عليه مدينته وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه لا يقاتله، فعاد وأقام بها. فلما جاء الملك الأشرف وعلاء الدين - صاحب الروم - محاربين لجلال الدين لم يحضر معهم في الحرب، فلما انهزم جلال الدين " سار شهاب الدين غازي ابن الملك العادل إليه " " وهو بمدينة أرزن فحصره بها " إلى أن " ملكها صلحا، وعوَّضه عنها بحاني من ديار بكر ".
وكان هذا - حسام الدين - رجلا كريما جوادا حسن السيرة، لا يخلو بابه ممن يستميحه. وكان " من بيت كبير قديم يقال له: بيت طُغان أرسلان. وكان لهم مع أرزن بدليس ووسْطان وغيرهما من البلاد، ويعرفون ببيت الأحدب وكانت البلاد معهم من ايام السلطان ملكشاه ابن ألب أرسلان السلجوقي.
فأخذ بكتَمُر منهم بدليس، أخذها من عم هذا حسام الدين لموافقته لصلاح الدين. وبقيت أرزن إلى أن أخذها شهاب الدين غازي ".
" ولكل أوَّل آخر، فسبحان من لا له أول ولا آخر ".
ولم يزل شهاب الدين غازي مالك ميافارقين إلى أن تُوفي في شهر رجب من سنة خمس وأربعين وستمائة. وكان شجاعا حازما قويَّ النفس.
كان قد استولى على حصون جماعةٍ من أعمال آمد بعد وفاة أخيه السلطان الملك الكامل.
وبعد تمليك الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل الديار المصرية أخذ من بلد الحصن " قرى " جماعة. وكذلك من بلد آمد.
ونحن نذكر الآن بعض وقائعه ومجرياته مع السلطان جلال الدين مع أنّا قد استوفينا ذلك مفصلا في كتابنا الموسوم: " بجنى الجنتين في أخبار الدولتين ".
ذكر مقتل جلال الدين وتفرُّق عسكره
" لما كان نازلا ببلد حاني ورد عليه علم الدين سنجر المعروف بقصب السكر رسولا من الملك المسعود - صاحب آمد - برسالة تتضمن الطاعة، وزيّن له قصد الرُّوم، وطمّعه في الاستيلاء عليها، وهو متى استظهر ببلد الرُّوم واستند إلى قفجاق هابه التتر " " وأن السلطان متى عزم على ذلك " خرج " بنفسه، وأمده بأربعة آلاف فارس ". فعدل عن المسير إلى إصبهان، وعدل إلى ناحية آمد، ونزل قريبا منا في خامس عشر شوال من سنة ثمان وعشرين وستمائة.
وشرب تلك الليلة، " فأتاه في أثناء الليل تُركماني وقال: إني رأيت بمنزلتك التي كنت بها أمس نازلا عسكرا زيهم غير زيّك بخيل أكثرها شهبٌ. فكذبه وقال: هذه حيلة من لا يختار أن تتوسط بلاده. فلم تنقضِ ليلته تلك، حتى أحاط به عسكرُ التتار مُصبحين، وهو في خُماره:
فَمسّاهُمْ وفُرشُهُمُ حريرٌ ... وصَبّحُهُمْ وفُرشُهُمُ تُرابُ
وَمَنْ في كَفِّهِ مِنْهم قناةٌ ... كمَنْ في كفِّهِ خضابُ
стр. 185
وتفرَّق عسكره في الأقطار، وطاروا كلَّ مطار، وأحاطت التتر بخركاه السلطان، فحمل عليهم أورخانُ وكشفهم عنها، ودخل بعض خواصه، فأخرجه وعليه طاقيةٌ بيضاء، وأركبه الفرس وسار نحو آمد، فلم يُمكّن من الدخول إليها، فسار إلى أن ألجأه النصب والليل إلى قرية من قرى ميافارقين، فنزل ببيدرها، وأقام به يستره الليل، فأدركته التتر عند الفجر، فركب بين أيديهم، وتوقّل الجبل. وكان به أكرادٌ يحفظونه ويحفظون الطرق لِسحت يجمعونه، فأخذوه وسلبوه وهمّوا بقتله، فقال لكبيرهم سرا: أنا السلطان، فلا تعجل في أمري، في إيصالي إلى شهاب الدين غازي فيغنيك، أو إيصالي إلى بلدي فتصير ملكا.
فرغب في إيصاله إلى بلاده، وسار به حلّته، فتركه عند امرأته، ومضى إلى الجبل لإحضار خيله. ففي غيبته جاء رجلٌ من سِفلة الأكراد، ومعه حربةٌ. فقال للمرأة: ما هذا الخوارزمي؟ وهلا قتلتموه؟!! " فقالت: إنَّ زوجي أُمنّه وعرف أنه السلطان.
فقال: كيف تبقونه وقد قتل لي خلاط أخا خيرا منه؟!! ثم ضربه بالحربة " ضربة " فارقت بها روحه جسمه ومحت من لوح الوجود اسمه " وذلك في حادي عشر شوال.
ولما كُبس بظاهر آمد تفرَّق عسكره، فأخذت طائفةٌ منهم نحو حرّان، وأخرى نحو سنجار ونصيبين وأخرى إلى ميافارقين فأقبل عليهم شهاب الدين غازي، وكان فيهم أطلس خان، فبقي عنده إلى أن بعثه إلى الملك الكامل وأخبره بقتل جلال " الدين " وواقعته مع التتر " وأن التتر " بعد قتل جلال الدين قصدته منهم طائفةٌ، فخرج إليهم وكسرهم وغنم أسلحتهم.... شيئا سيره إلى أخيه الملك الكامل وشكى إليه مجاورة التتر وطلب إذنه في نقل حريمه إلى مصر فلم يُجبهُ إلى ذلك. وقال: إذا أُخذت ميافارقين أخذت مصر. وكيف يليق ببني أيوب أن يفسحوا لك في ذلك، ووراءهم خمسون ألف فارس؟!! فثبت جنانه.
ذكر حصار عسكر حلب ميافارقين
لما قصدوا الخوارزمية حلب بعد كسر عسكرها في سنة ثمان وثلاثين وست مائة. وكان عسكر حلب يومئذ مُفرَّقا في البلاد. بعضه بحمص لما أغاروا الفرنج على بلدها، وبعضه في الروم صحبة الأمير حسام الدين ألطاش بن تركمان، وبعضه بقلعة جعبر مع الأمير ناصح الدين أبي المعالي الفارسي، وبعضه بعزازٍ بسب التركماني الآغا خريه ولم يكن بحلب يومئذ إلا دون الألفي فارس، وهي التي خرج بها الملك المعظم فخر الدين توران شاه ابن الملك الناصر صلاح الدين، فالتقى بهم، واتفق ما قدَّره الله من كسرهم. فاهتمت الملكة خاتون بجمع العساكر، فدخلت الخزائن وأخرجت الأموال، واستخدمت الأجناد، وطلبت النجدة من الملوك.
فكان ممن طُلب منه نجدة الملك المظفر شهاب الدين غازي فحصل منه تسويف ومماطلة إلى أن قدرها الله تعالى اجتماع العساكر وكسر الخوارزمية وملك الجزيرة فوصل من شهاب الدين غازي كمال الدين، أبو سالم بن طلحة مُهنئاً للسلطان الملك الناصر بلمْك الجزيرة، ومُعتذرا عن قعوده، وتأخر نجدته. ويطلبُ بعد ذلك الصلح والموادعة، وألاَّ يُمكِّن غياث الدين، صاحب الرُّوم من قصد بلاده، فلم يُجبه السلطان الملك الناصر إلى ذلك. فلما عاد رسوله بما لا تهوى نفسه خرج من ميافارقين واتفق مع الخوارزمية على قصد آمد. فلما بلغ السلطان الملك الناصر ذلك أخرج الملك المعظم فخر الدين توران شاه بعسكر فسار إلى آمد فرّحل عنها الملك المظفر والخوارزمية فعاد إلى ميافارقين، سار الملك المعظم خلفه، وشنَّ الغارة على بلدها، فاعتصمت الخوارزمية بالمدينة فنُوزلوا فيها وقوتولا أشد قتالٍ.
ووصل عسكرٌ من غياث الدين نجدةً لعسكر حلب فضايقوا ميافارقين. فراسل الملك المعظم في أنه قد نشب مع الخوارزمية، وعجز عن دفعهم، وأنكم ترضونهم بمهما يقع الاتفاق عليه. فترددت الرسل في ذلك إلى أن اتفق الأمر على أن السلطان غياث الدين يُقطعُ الخوارزمية ن بلاده ما كان لهم أولا. وأن يُعطي ولده إقطاعا من الملكة خاتون - عمته - فعادوا عنه.
ثم إنه بعد مدة سيّر رسوله، ومعه رسولٌ من الخوارزمية يلتمسون من صاحب حلب إقطاعا، زيادةً على ما وقع عليه الشّرطُ، فلم يُجابوا إلى ذلك.
стр. 186
فلما عادت رُسلهم بالسعي المُخفق ساروا إلى بلد الموصل وضايقوها. فاستصرخ بدر الدين لؤلؤ - صاحبها - بالملك الناصر فسيّر إليه عسكرا مقدمه الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم - صاحب حمص -، والأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني مشاركا في التدبير. فلما علم شهاب الدين غازي قصدهم إياه رحل عن الموصل وقصد نصيبين فنهب بلدها، وأخذ من بها من عسكر حلب، وفيهم الأمير نجم الدين محمد بن الافتخار ياقوت - أمير حاجب - والأمير سيف الدين الجالي - من أمراء حرّان - وبعث بهم إلى ميافارقين فحبسهم بها.
فلما تحقق قصد عسكر حلب له سار إلى ميافارقين وأخرج الأمراء المذكورين، وخلع عليهم، وسيّرهم إلى الأمير شمس الدين لؤلؤ.
ثم رحل الملك المنصور لقصد شهاب الدين غازي فنزل بظاهر آمد، وبعث إلى السلطان - صاحب الروم - يستدعي منه نجدةً فتأخرت لغارات التتر على أطراف بلاد الروم وتواترت الأخبار على الأمير شمس الدين لؤلؤ والملك المنصور بملك التتر أرزن الروم، وإغارتهم على خرت برت وانهم يريدون كبس العسكر، فرحلا عن آمد وقصدا راس العين. فلما بلغ الملك المظفر ذلك خرج من ميافارقين ومعه الخوارزمية وقصد دُيَنسر.
ذكر كسر عسكر حلب شهاب الدين غازي
لما وصل شهاب الدين غازي دنيسر بعث رسوله إلى شمس الدين لؤلؤ بكلام أغلظ له فيه. وكذلك للملك المنصور أيضا. واكن آخر كلامه: إما أن تنزلوا لي عن الجزيرة بأسرها، وإلاَّ فالحرب بيني وبينكم.
فأخّروا الجواب إلى أن يُسيّروا إلى حلب يُعرِّفون الملكة، إذ هي صاحبة البلاد، فلا يكون الجواب إلا منها.
ثم إنهم أجمعوا رأيهم على تسيير الأمير سعد الدين بن الدربوش إلى حلب لإحضار خزاين وحِلع وزرد خاناه، فتوّجه إلى حلب. فكانت غيبته عشرة أيام؛ وحضر ومعه ألفا ألف درهم؛ وثلاثة أحمال خِلع وزرد خاناه؛ فأنفق ما وصل في ضَعفَة العسكر. وأحضر رسول شهاب الدين غازي واخبره أن الجواب ورد من أُخته الملكة " ضيفة " خاتون تقول:) وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (وجوابنا نحن فما طلبه من الحرب.
فعاد الرسول ورحل العسكر في إثره.
فلما أنهى الرسول إلى شهاب الدين غازي ما قالوه، انزعج لذلك. ورحل لوقته ونزل على المجدل من الخابور، وجمع من التركمان خلقا عظيما مقدمهم ابن داودا.
فلما تراءى الجمعان قال ابن داودا للملك المظفر: أنا أكسر هؤلاء بالجوابنة الذين معي، فإن معي سبعون ألف جوبان.
ولما نزل الملك المظفر بالمجدل أشار الأمير شمس الدين بالمناجزة. فالتقى الجمعان وتصافا يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر صفر سنة أربعين وستمائة. وحمل الأمير شمس الدين على القلب وقصد الملك المظفر فولي الدُّبُر وأتبعه عسكره لا يلوي الولد على أبيه، ولا أخ على أخيه، والجموع تحوشهم، والسيوف تنوشهم، وحالت بينهم الحيم، فلم يُقتل منهم إلا اليسير. واشتغل العسكر بالنهب والسبي، ونزل الملك المنصور في خيمة الملك المظفر، واستولى على أمواله وأثقاله؛ ونجا الملك المظفر - كما قيل - برأس طِمرَّةٍ ولجام.
ذكر نزول التتر على ميافارقين
كان التتر قد قصدوا حلب، ونزلوا على حيلان - قرية شمالي حلب - وعاثوا في البلد، وقتلوا وأسروا، فاضطربت حلب لذلك. وتحصنوا واستعدوا للحصار؛ وخرج من بها من العسكر فناوشهم. فلما لم تر التتر في حلب طمعا استكانوا للمسالمة، وطلبوا الضِّيافة فحمل إليهم ما طابت نفوسهم به، ورحلوا إلى صحراء موش؛ فأقاموا بها إلى أواخر صفر من سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ثم قصدوا ميافارقين. فلما اتصل بالملك المظفر قصدهم إياها حصنها وسترها وأعدَّ فيها المؤن والأقوات وآلات الحصار.
ثم خرج منها ومعه ولده الملك السعيد عمر وابن أخيه تاج الملوك الأمير حسن وقصد نصيبين فنزل على رأس الماء ليستريح، فنام يوم وصوله طلبا للراحة، وجلس ابنه وابن أخيه يلعبان بسكين، فسبقت يد الأمير حسن بالسكين إلى الملك السعيد فقتله، فخاف من عمه وهمَّ بقتله فرآه بعض الغلمان، فتواثبوا عليه ومنعوه. واستيقظ الملك المظفر، وسأل عن الخبر، فأُخبر بما جرى فقال: لو أقمنا بميافارقين لم يجرِ علينا من التتر أكثر من هذا!!.
стр. 187
ثم سار منها إلى حرَّان فنزل في دار العافية. فلما اتصل بالملك النار - صاحب " حلب " - نزوله بحرَّان. تقدم إلى نوابه بها أن يعرضوا عليه النزول يف القلعة فأبى. وقال: م أشُكُ في شفقة السلطان وإحسانه.
وقصدت التتر ميافارقين فنازلوها وضايقوها. ووصلت غاراتهم إلى بلد ماردين وبلد آمد، فراسلهم النائب بميافارقين وصانعهم بمال فرحلوا عنها، وعاد إليها الملك المظفر شهاب الدين غازي.
ذكر وفاة الملك المظفر شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين
وفي سنة خمس وأربعين وستمائة تُوفي الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر لن أيوب، صاحب ميافارقين. في يوم الاثنين ثامن شعبان، وقيل: رجب منها، وترك من الأولاد ثلاثة وهم: - الملك الأفضل نور الدين علي - وهو الأكبر -.
- والملك الكامل ناصر الدين محمد - وهو الأوسط -.
- والملك الأشرف موسى.
ولما حضرته الوفاة أوصى بالملك لولده الملك الأفضل، وجعل تدبيره لعز الدين أبيك - مملوكه - فلما مات طمع الملك الأفضل في الملك، فأخرج من ميافارقين وسار إلى ماردين فأقام بها إلى أن توفي.
واستقل الملك الكامل بالملك، وبعث رسولا إلى حلب يعلم بوفاة أبيه، ويرغب إلى الملك الناصر في أن يستمر به على القاعدة التي كانت بينه وبين أبيه، فجلس الملك الناصر في العزاء. ثم بعث الزين الحافظي إليه بإجابته إلى ما سأل. " وأرسل له " على يده خلعة وسنجقا.
وكان شهاب الدين غازي ﵀ شجاعا كريما، عالي الهمة، قوي النفس، له وقائع مشهورة. وكان قد نيف على الخمسين سنة.
ذكر نزول التتر على ميافارقين ثاني مرة ورحيلهم عنها
وفي سنة خمسين " وستمائة " في ربيع الأول منها، نزل بايجونوين على ميافارقين. وكان الملك الكامل لما بلغه قصد التتر بلده رحل عن ميافارقين واستخلف عليها العتمي واستصحب معه أهله، فرتب معه الأمير عز الدين أبيك - الساقي الأتابك - دليلا يعرف بالناصح بن جندر. وكانت إليه ولاية البر، وأوصاه أن يأخذ به طريق الحصن، ليأخذ هو طريق القريشية فيتحصن بها. فسار الملك الكامل إلى جهة حصن كيفا. وأخذ عز الدين أبيك طريق القريشية، فلما وصلها قال له متوليها: إن كان معك الملك الكامل، وإلا لن أفتح لك. وبعث من القلعة من كشف له. هل هو معه أم لا؟. فلما تحقق أنه ماهو معه لم يمكنه من الصعود.
وأما الملك الكامل فإنه توجه به الدليل إلى حصن كيفا فأقام عند صاحبه الملك الموحد. وبعث أخاه الملك الأشرف إلى باتو وقصده في منع بايجونوين عن بلاده، وإن كان نزل على بلده فيرحله عنه. فأجابه إلى ما سأل. وشرط عليه أنه متى رحل عنه بايجونوين وأن يصير إليه ليوجهه إلى منكوقا آن وعاد الملك الأشرف فوجد بايجونوين قد نزل على ميافارقين وله عليها أحد عشر يوما. فأورد عليه رسالة باتوخان إليه، فرحل عنها.
ولما بلغ الملك الكامل رحيله خرج من الحصن وقصد القريشية عز الدين أيبك - الساقي فلم ينكر عليه مفارقته له. وكان قد رتب بميافارقين أمراء وأجناد عند خروجه منها لحفظها. فلما رحل عنها خرجوا على أنهم يكشفون أخبار التتر فهربوا، وتفرقوا في الجبال، إلى " أن " بلغهم رحيل التتر عن ميافارقين فقصدوا القريشية ليتفقوا مع عز الدين أيبك - الساقي - ويملكوه، فالتقى بهم، فأوجس ذلك " خيفة " فلم برهم أن عنده وهما من ذلك، وعمل لهم دعوة وأحضرهم فقبض عليهم وهم: الأمير سبف الدين بلبان الثورمزي وشمس الدين سرا سنقر وصارم الدين علكان وناصر الدين برايدن وصارم الدين أزبك الخوارزمي وحبسهم في قلعة أرزن. وأراد قبض عز الدين أبيك فهرب إلى بلاد الروم وأقام بها إلى أن مات.
ذكر توجه الملك الكامل إلى منكوقاآن
لما استقر الملك الكامل بميافارقين، وقبض على من ذكرنا من الأمراء. وكان قد تقرر الأمر بينه وبين باتو على يد أخيه الملك الأشرف أنّه متى رحل بايجونوين عن ميافارقين أن يصير إليه ليوجهه إلى منكوقاآن في بقية السنة التي هي سنة خمسين وستمائة.
стр. 188
فلما وصل إليه قدم ما معه من التحف. وانفق وصول الملك المظفر - ابن صاحب ماردين - والملك الصالح ركن الدين إسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل -، وليفون ابن هينوم - صاحب سيس - وأتهم لما حضروا عند منكوقاآن ادعى كل واحد من الملك المظفر - ابن صاحب ماردين - والملك الكامل، صاحب ميافارقين أنه أحق بالملك من صاحبه، وأكبر بيتا منه. فقال لهما منكوقاآن: ليصف كل منكما ملكه فوصف كل واحد منهما بلاده وممالكه، وما في يده. فأخذ منكوقاآن بيد الملك الكامل فأجلسه فوق الملك المظفر، وقال: أنت أكبر مملكة.
ثم جهزهما للعود، وكتب معهما كتابا إلى أخيه هولاكو بالوصية بهما، وقال لهما عند وداعه: ما بقيتم بعد هذه تجتمعون بي إلا من طلبته، وأمركم عائد إلى هولاكو.
ذكر عود صاحب ميافارقين من عند منكوقاآن
وفي سنة خمس وخمسين وستمائة في أواخر المحرم منها وصل رسوله إلى دمشق وعلى يده هدية وسرالة إلى الملك الناصر، مضمونها أنه وصل إلى ميافارقين سالما في الثاني عشر من المحرم منها: ويخبر أنه فارق الملك الجواد عند منكوقاآن " سالما " وهو على نيةّ الحركة المباركة إلى الشام.
ذكر أخذ صاحب ميافارقين آمد
كان السبب في ذلك أنه لما عاد من عند منكوقا آن اتصل به أنّ بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - قد كتب إلى ابن خبير الحر - أحد أكابر آمد - ووعده بأشياء كثيرة، وضمن له الوفاء بما وعده على أن يساعده على أخذ آمد. وكان بها نواب صاحب الروم فكتب إلى الملك السعيد - صاحب ماردين - يعرفه بما عزم عليه بدر الدين، ويطلب منه المساعدة على أخذ آمد. فأجابه إلى ذلك. فبعث الملك الكامل إليها عسكرا قدم عليه الملك المشمر - ابن عمه - ونجم الدين مختار - معتق والده - فنزل عليها وحاصرها في شهر ربيع الأول منها، أعني سنة خمس وخمسين " وست مائة ".
واتفق أن خرج الأمير شرف الدين أحمد بن شجاع الدين داود بن بلس الهكاري المموري من الروم ومعه عسكر عظيم، ليكشف عن آمد. فلما اتصل بالملك المشمر قربه منه وبعث إليه على يد العماد الهكاري رسالة مضمونها: إنا لم نقصد آمد إلا لما بلغنا أن بدر الدين قد عزم على قصدها، فأقم في منزلتك التي أنت بها إلى أن نجمع عسكرنا، فإنه قد تفرق ثم نرحل عنها. فوصل إليه الرسول، واجتمع به فيما جاء فيه. فبينما هو معه إذ ثارت غبرة انجلت عن فارسين: أحدهما: الملك المشمر، والآخر: مملوك له. فقال العماد لشرف الدين: هذا الملك المشمر قد أتى ليسلم على الأمير.
فركب بغلته وتقاه بعيدا عن عسكره. فسلم عليه وعانقه، ثم لحق بالملك المشمر عسكر وأحاطوا به وأخذوه ثم قصدوا عسكره وأحاطوا به وأخذوه. ثم قصدوا عسكر شرف الدين، وهم على غير استعداد، فقتلوا منهم خلقا، وانهزم الباقون ونهبوهم.
ثم حمل شرف الدين إلى مخيمه ووكل عليه، وهو في خيمة، فدخل عليه ليلا رجل تركماني يسمى العادل بن سمري فقتله.
وعاد الملك المشمر إلى آمد وجدّ في حصارها إلى أن أخذها عنوة في التاريخ المذكور.
ذكر توجه صاحب ميافارقين إلى الملك الناصر لما عاد الملك الكامل من عند منكوقاآن إلى ميافارقين خلع الطاعة، وحبس نواب التتر. واتصل ذلك بمنكوقاآن فلم يظهر له تنكر وبعث إليه يأمره أن يتوجه بعسكره إلى بغداد فدافعه وسوفه.
فلما نزل هولاكو على بغداد خرج من ميافارقين إلى حرّان فلما وصلها كتب إليَّ كتابا، وكنت بحلب على عزم السفر بالهدية يحذرني من الحركة ويشير عليّ بالمقام إلى أن يجتمع بي.
فكتب إلى الملك الناصر أعرفه بوصوله.
وخرج الملك " الكامل " من حرّان وسار على البرية حتى نزل القريتين - من أعمال دمشق -.
فلما اتصل بالملك الناصر وصوله استشار ذوي الرأي من أهل دولته في تلقيه فأشاروا عليه بالخروج، خلا الزَّين الحافظي فإنه قال: متى بلغ هولاكو خروجك إليه جعله سببا إلى قصد بلادك، والمصلحة اعتذارك إليه ورده. فلم يُمكنِ الملك الناصر إلا موافقة الجم الغفير، فخرج إليه وتلقّاه وأنزله بدار السعادة.
стр. 189
فلما اجتمعا قال له الملك الكامل: إن هؤلاء التتر لا تُفيد معهم مداراة، ولا تنجح فيهم خدمةٌ، وليس لهم غرض إلا في ذهاب الأنفس، والاستيلاء على البلاد. ومولانا السلطان قد بذل لهم الأموال من سنة اثنتين وأربعين وإلى اليوم فما الذي أثرت فيهم من خلوص المودة؟ فلا يغترَّ مولانا بكلام بدر الدين ولا بكلام رسولك فإنهما جعلاك خبزا ومعيشة. وأحذرك كل الحذر من رسولك فإنه لا يناصحك ولا يختارك عليهم، وغرضه إخراج ملكك من يدك، وأنا فقد علمت أنني مقتول سواء كنت لهم أو عليهم، فاخترت بأن أكون باذلا مهجتي في سبيل الله. وما الانتظار وقد نزلوا على بغداد؟!! والمصلحة خروج السلطان بعساكره لإنجاد المسلمين، وأنا بين يديه، فإن أدركناه عليها فبها ونَعْمتْ، وكانت لنا عند الخليفة اليد البيضاء وإن لم ندركه أخذنا بثأره.
فحسن هذا القول في عقول من حضر خلا الملك الصالح نور الدين علي - ابن صاحب حمص - وابن أخيه الملك الأشرف موسى والأمير نجم الدين محمد بن الافتخار ياقوت - أمير حاجب - فإنهم كانوا متفقين مع الزَّين الحافظي باطنا.
فعرض عليه الملك الناصر أن يبعث معه رسولا إلى هولاكو يُشفّعُ فيه عنده.
فقال له: جئتك في أمر ديني تُعوّضُني عنه بأمرٍ دنيوي، ولو أردت هذا كنت أوجه منك عنده، فإني رأيت وجهه مرتين.
فقال له: متى نزلوا عليك أنفذت لك عسكرا تستنصر به عليهم.
فقال: كل هذا لا ينفعني حينئذٍ، إذ لا وصول له إليَّ، ثم انفصل الحالُ.
وبقي إلى أن أخذت بغداد فاجتمع به، وقرر معه أن ينجده متى قصدهُ.
ثم فارقه وقصد بلاده. فلما وصل إلى حلب اجتمعتُ به وقلتُ له: أصبت في قصدك الملك الناصر وما أصبت في رجوعك، هلا قصدت مصر!! فقال: خفت على قلب الملك الناصر. فأشرت عليه أنه إذا وصل إلى بلاده يُخرِجُ منها حريمهُ، ويستخلف بها نوابا ويعود إلى الملك الناصر لعل تنهضُ عزيمته فيُعينه على بلوغ مُراده منه.
ذكر ما اعتمده صاحب ميافارقين بعد عوده
لما عاد الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر شهاب الدين غازي إلى ميافارقين تواترت عليه الأخبارُ بقصد التتر بلاده، فنقل حريمه إلى قلعة اليمانيّة، وخرج من ميافارقين إلى آمد، فلما وصل إليها جرَّدَ منها عسكرا إلى ميافارقين لتكون مع نائبه فيها الأمير عماد الدين ابن نُباتة. فلما خرج العسكر من آمد عرج منه الأمير شرف الدين الآوي وقصد ماردين لحقد كان في نفسه، وذلك أن الملك الكامل كان قد منع الخمر في بلاده. وكان شرف الدين هذا مُدمنا لها فسأله استئثاره بها فأبى، فحملته الحمية على أن كاتب التتر ووعدهم أن يُسلم إليهم ميافارقين.
ولما وصل إلى ماردين أطلع صاحبها الملك السعيد على عزم التتر ليأخذ حذره منهم وأقام عنده إلى أن قصد التتر ميافارقين فتوجّه إليهم.
ذكر نزول التتر على ميافارقين
خرجت التتر من موغان إلى خِلاط. فلما وصلوا إليها تقدمتهم طائفة إلى ميافارقين مقدَّمها كهداي فاتصل ذلك بالملك الكامل وهو بآمد فجمع خواصَّه واستشارهم. فأشار عليه سيف الدين بن مجلي - زوباشي آمد - ألا يخرج إليهم، ولا أحدٌ من جهته. فلم يوافق ذلك رأيه، وخرج من آمد يريد كبس كهداي. فلما قرُب من عسكره رأى أن لا طاقة له بهم، وخاف ان يُلقي بنفسه إلى التهلكة، وكان ذلك ليلا، فلم يصبح الصباحُ إلا ويشموط بن هولاكو قد وصل بالعساكر. فبادر الملك الكامل إلى ميافارقين فدخلها. ونزلت العساكر عليها في يوم الأربعاء الثاني عشر من ذي القعدة من سنة ستٍ وخمسين.
وبعث كهداي رسولا إلى الملك الكامل يحضُّه على الخروج إلى يشموط بهديّةٍ وأن يضايفهُ، فأنكر عماد الدين بن نباتة أن الملك الكامل في ميافارقين، وبعث إليهم ضيافةً فقبلوها. وكانت الهدية على يد ناصر الدين محمد بن ركن الدين طنغر - مملوك السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب - أخي تقيِّ الدين عباس ابن الملك العادل من أمه. فسألوه عن السلطان الملك الكامل فأنكره، فوعدوه بالجميل، وأن يكون في خدمتهم، فأقرَّ أنه بالبلد، واستمر في خدمة التتر ولم يعد إلى ميافارقين، وجُعل أمير شكار بسب أنه كان معه في جملة الهدية طيورٌ جوارحٌ، وكان يلعب بالجارح.
стр. 190
ثم وصلت إلى التتر نجدةُ صاحب الموصل مع ولديه الملك المجاهد سيف الدين إسحاق والملك المظفر علاء الدين علي وعلم الدين سنجر الآمدي. ووصلت إليهم نجدةُ صاحب ماردين مع ولده الملك المظفر، وجدُّوا في طلب الملك الكامل. فلما تمادى أهل ميافارقين على إنكاره حفروا خندقا، ونصبوا المجانيق. ودخلت سنة سبع وخمسين وستمائة.
ذكر توجُّهي رسولاً من التتر الذين على ميافارقين
خرجت من دمشق رسولا إلى التتر النازلين على ميافارقين في مستهل المحرم صحبة الملك المُفضَّل صلاح الدين يوسف ابن الملك المفضل موسى بن صلاح الدين وأخرج معنا الملك الناصر أولاده الثلاثة وحريمه ليكونوا بحلب وهم: الملك العادل والملك الأشرف وولدٌ آخر صغير. وأمر نأخذ معنا من حلب هديةً إلى يشموط، وهي ألفٌ وخمس مائة دينار عينا، وحياصةٌ مجَوهَرةٌ. فلما وصلنا حماة تعرضت رُسُل التتر لصاحبها وانتهكوا حرمته، وأخذوا شجاع الدين مرشد الخادم - مقدَّم عسكره - وشيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز. وطلبوا الملك المظفر ليأخذوه معهم بسبب الرُّسُل الذين قُتلوا في بلاده، فتوسّطتُ بينه وبينهم على ألفي درهمٍ وضيافةٍ فقبلوها، وأطلقوا من كان أُخِذَ.
ثم وصلنا إلى حلب في الخامس عشر من المحرم، وخرجنا منها في الثالث والعشرين منه، فوصلنا إلى حرّان في الثامن والعشرين. ورحلنا منها مستهل صفر، فوصلنا إلى ماردين في الرابع منه فأقمنا باه ليلتين واجتمعنا بالملك السعيد - صاحبها -، وأنهينا إليه رسالةً من الملك الناصر مشافهةً، تتضمن استشارته في أمر التتر. لفم يجبنا بكلمةٍ، وقال: قد ضجِرتُ من نصحي إياه.
ثم توجهنا إلى ميافارقين، فوافينا في طريقنا على مدينة صور طائفة من التتر قاصدين الإغارة على الجزيرة ومقدَّمها هندوخان، فقدَّمنا له تقدمةً وانفصلنا عنه بعد أن طبقنا إلى ماردين، وحرّان " وحلب "، بتجفيل مَنْ بها. ثم رحلنا من صور وعبرنا الشطَّ فنزلنا منزلة وصل إلينا فيها من المُغل جماعة كبيرة، ومعهم أميرٌ يقال له: صقلبو، فنزل عندنا، وطلب منا طعاما فأطعمناه. ثمَّ رحلنا ونزلنا منزلة أخرى فوصل إلينا من التتر جماعةٌ، ومعهم قامات، فعرضوا جميع أصحابنا وما معنا من الدَّواب. ثمَّ أوقدوا نارا في ناحيتين، ومروا بنا بينهما، وهم يُضرِّبُنا بالعصيِّ، وأخذوا من عرض الثياب ثوبا خطائيا مذهبا، فقطعوا منه قدر ذراع، ثم قطعوا الذراع قطعا صغارا، ولَقُّوها وأحرقوها بالنار. ثم قالوا: إيل خان يأمركم أن تستريحوا الليلة وتحضروا عنده غدا. فلما أصبحنا حضر إلينا جماعةٌ، وأخذوا ما كان معنا من الهدية، وحملوها بين أيدينا، وأمرونا بالمسير معهم، فلما حضرنا عنده أدَّينا الرسالة، وكان مضمونها التهنئة بالقدوم والشكوى من تعرضهم لبلاده الجزيرة وقتل من بها من الرعية. ونمت عليهم بانقياده إليهم منذ عشرين سنة طوعا واختيارا. وبما يبعثه من الهدايا والأموال التي لم تُجد عليه شيئا.
فلما سمعوا الرسالة، أذنُوا لنا بالانصراف إلى المكان الذي أُنزلنا فيه.
فلما كان الغد، أحضرونا وأسمعونا كلاما غليظا، وقالوا: إن رعاياكم قاتلونا وبدؤونا الحرب، وإنا لم ندخل الجزيرة إلا في طلب أعدائنا التركمان والعرب.
وطلبتُ منهم ما كانوا أخذوه من بلد حرَّان أو العوض عنه. وقُلتٌ: متى لم تنصفونا خرجنا عن الطاعة. فأغاظهم ذلك، وقالوا لي: كم لك رأسٌ؟ من ذا الذي يقابل إيل خان بهذا الكلام؟.
ثم أقامونا مُزعَجين، ومروا بنا على قتلى، وقالوا لنا: إن لم تكونوا عقلاء، وإلا كنتم مثل هؤلاء.
ذكر ما جرى لي مع نواب صاحب ميافارقين
كنا قدمنا القول بأن التتر طلبوه لما نزلوا على ميافارقين فأنكروه!. فلماّ تحققوا أنه أحضرت بعد يومين من هذه المحاورة، وقيل لي: صاحب ميافارقين بطلبك!!. فقلت: مالي عندي حاجة، فقالوا: تتوجه إليه بأمرنا. فقلت: ما أمرني صاحبي بذلك، فقالوا: لابدّ من مضيك إليه.
فقلت: ما الذي أقول له إذا اجتمعت به؟ قالوا: تقول له: قد جئنا من عند الملك الناصر لنشفع فيك، على أن تخرج إلى إيل خان وتكون في طاعته.
فأبيت تحمل هذه الرسالة، فأمروا بإخراجي، ومروا بي على وادٍ مملوء قتلى، وقالوا: أنت إلى ساعةٍ أخرى من هؤلاء!! فقلت: لا يدفع قضاء الله بحيلة.
стр. 191
فسألني بعض كبرائهم عن المانع من الدخول إليه والاجتماع به. قلت: هؤلاء يريدون أن يعملوا بي حيلة حتى أخرج صاحبها فيقتلوه ويملكوا البلد فيقتلوا من فيه، وأكون السبب في ذلك. فاستعظم ما قلته!! وقال لي: لا تتكلم بهذا تقتل.
ثمّ تقدمت إلى باب المدينة ومعي أزدمر بن بايجو فلما وصلنا إلى بابها، خرج إلينا علم الدين الأعسر - واليها - فقلت له: قد أخذت المسألة منكم ومنهم حقّها، وأنتم أخبر بمصلحتكم.
وترددنا بينهما ثلاثة أيام، وهم مع ذلك يبعثون إلينا الشواء، والحلوى، والدجاج، ليظهروا بذلك قوة، وكانوا في ضيق من الحال شديد. وقررنا الصلح على مائة ألف درهم سلطانية، وستة آلاف نصفية من عمل البلد، وثلاثين جملا، وثلاثين بغلا، وسبعين فرسا.
فأخرجوا لنا بعضها، وقالوا: متى رحلوا سيرنا الباقي إليهم.
فرحلوا من غربي البلد إلى شرقية، عازمين على الرحيل.
فوردت عليهم كتاب من بدر الدين - صاحب الموصل - يخبرهم فيها أن الشهرزورية والأمراء الصالحية وصاحب الكرك قد اتفقوا على الملك الناصر وأخرجوا عساكره من البلاد، وألجؤوهم إلى دمشق، وقد عزم على الهرب منها. هذا وكتبه تصل إليّ يحرضني على ترحيل التتر عن ميافارقين والإصلاح بين الملك الكامل وبينهم، فلما وقفوا على مكاتبته، عدلوا عن الصلح، ومالوا إلى الغدر.
وكان القتال قد بطل أياما، فاغتنم الملك الكامل الفرصة في عمارة ما هدمته المجانيق من السور.
فأحضرنا عند يشموط وسألنا عن الأمراء الصالحية وعدتهم، فأخبرته أنهم شجعاءُ الإسلام، وهم الذين كسروا عسكر اريدافرانس على دمياط. وأنهم يكونون ألف فارس، فأنكروا ذلك وقالوا: إن عدتهم أقل من هذا. فقلت لهم: أنا أعرف الذي نقل إليكم. ثم جدوا في القتال، وأمروني بالعود.
ذكر عودي إلى حلب
لما أذن لي يشموط بالعود رحلت إلى ماردين، واجتمعت بالملك السعيد فقال لي: قد بلغني ما فعلته في حق المسلمين، فجزاك الله خيرا. ثم قال لي: أنا أقرض صاحبكم ثلاث مائة ألف دينار مصرية، ويسير لي ثلاثة آلاف فارس، اقتراحهم عليه، ويصل إلى حلب بنفسه، وله عليّ أن أرحل التتر عن ميافارقين. فإذا بلغت غرضي من ذلك، اتفقت معه على قصد الموصل وإخراجها من يد هذا المنافق. فاستحلفته على ذلك فحلف.
ثم توجهت إلى حران فوافاني عليها كتابه يخبر فيه أن التتر ندموا على إقامتهم، وعزموا على ردك لتوفق بينهم وبين صاحب ميافارقين.
ثم توجهت إلى حلب فوافاني بها كتاب الملك السعيد يخبر أن يشموط رحل عن ميافارقين واستخلف سنتاي في ثلاثة آلاف راجل ليمنعوا صاحبها من الخروج منها. والسبب في رحيلهم كثرة الأمطار والثلوج. وعدم الأقوات، ووقوع الفناء في خيولهم، حتى لم يبق معهم سوى ألف وخمس مائة فرس. وكان رحيله في سلخ شهر ربيع الأول.
ورسل الملك الكامل تتواتر إلى دمشق، وقصاد حريمه مستصرخين، بحيث إنهم سيروا مقانعهن وشعورهن. واستمر الأمر على ذلك إلى أن انقضت سنة سبع وخمسين.
ولما حللت حلب ورد عليّ كتاب الملك الناصر يستدعيني فخرجت منها قاصدا دمشق فدخلتها في العشرين من جمادى الأولى. ثم خرجت منها قاصدا الملك الناصر فوافيته عائدا من القدس الشريف ومعه العساكر والشهرزورية على قراوى. فعرفته ما شار به صاحب ماردين فلم يحر جوابا.
ذكر استيلاء التتر على ميافارقين
قد مضى لنا في سنة ست وسبع وخمسين طرف من أخبارها. ووقفنا عند رحيل يشموط عنها بسبب الموتان الذي وقع في الخيل وقلة العلوفات في عسكره، وهجوم الشتاء.
فلما انقضى الفصل عاد بجيوش كثيفة إليها، ونزل عليها. وكان أهلها لما رحل عنها قد بنوا سورا وحفروا خندقا وأجروا فيه الماء من عين حنباص وعين جوزة، وقطعوه عن البلد، وبنوا الشراريف، وحفظوا الأسوار ممن يريد الخروج من البلد والهروب.
ووصل إليهم بعد نزول يشموط شرف الدين العلائي - أمير القراغلية - وقال: إني قد اشتريت هذا البلد وأهله بسبعين ألف دينار من هولاكو. وطلب منهم برانس جوخ على أنه إلى نسائه ويحضرهن إليهم. فوثقوا بقوله وأعطوه سبعين برنسا، وكان ذلك حيلة منه.
стр. 192
ثم وصل إليهم من بدر الدين - صاحب الموصل - مملوك أخبرهم أن بدر الدين قد بذل روحه وماله وابتاع البلد من هولاكو. فقال له علم الدين سنجر الأعسر الخوارزمي وحسام الدين بن رش وعماد الدين الهكاري: نحن نعرف محال أستاذك، والله ما ينزل إلا مع حجارتها فإنا قد بايعنا الله تعالى. وعزم حسام الدين على ضرب رقبته، فلم يمكنه عماد الدين.
ولما فارق السلطان عز الدين - صاحب بلاد الروم - هؤلاء على سروج عند قصده حلب وصل إلى ميافارقين ووقف تجاه السور. وطلب الطواشي نجم الدين مختار، وحسام الدين بن رش وعماد الدين الهكاري وعلم الدين سنجر الأعسر، فلما حضروا قال لهم: المصلحة أن يخرج الملك الكامل إلى هولاكو، فإني قد استطلقته منه، وقد عفا عنه.
فقالوا له: إن رحل عسكر التتر عنا إلى جسر القرمان خرجنا بحريمنا وأولادنا، ونحضر مع الملك الكامل إلى بين يدي " هولاكو ". فلم يجيبوا التتر إلى ذلك وقالوا: متى خرج الملك الكامل من ميافارقين تعلق بالحبال.
ولما توجه عز الدين جدوا في الحصار وقلت الأقوات في البلد، ووقع الوباء في أهله، ونصبت التتر على البلد ست مائة سلم على السور. يصعد في عرض الدرجة ست عشرة نفسا.
وكان المتسلم لباب الكر والقبلة الأمير سابق الدين لاجين الخرندار - أحد مماليك شهاب الدين غازي -. فنزل إلى بيته بعض الليالي، من غير أن يعلم به، فنزل مملوك له يسمى أقوش إلى التتر وأعلمهم بغيبة أستاذه عن الباب. فأقاموا سلما وصعد فيه نحو من ثلاث مائة نفس. وكان بين السورين خادم لصاحب الحصن يسمى دينار، فلما رآهم أخذ رمحه ومشى مع السور، وطعن منهم رجلا فوقع على أصحابه، فصاحوا، فشعروا بهم، ونهض الناس إلى قتالهم، وركب الملك الكامل والطواشي نجم الدين مختار وطلعا إلى السور، وجد القتال بين التتر وبين المسلمين، فقتلوا التتر عن آخرهم، ووقعت جثثهم خارج السور. فأمر الملك الكامل ألا يمكن التتر من أخذها. ففتح الباب وخرج منه سبعون فارسا ومئتا راجل، فأخذوا ما قدروا عليه بعد حرب شديد.
ثم اشتدت الحال على ميافارقين بكثرة القتل والجوع والفناء. فوقع الاتفاق على أن يخرج الملك الأشرف موسى ابن الملك المظفر شهاب الدين غازي إلى سنتاي ويبذل له السناسنة على أن يرحل عن ميافارقين. فأجابهم إلى ذلك، خداعا منه. وتوجه فتح الدين يحيى بن بدر الدين ممدوح ابن الصرمنكي في طائفة من المغل ليسلمها إليهم، فطلب من الوالي تسليمها ظاهرا، وهو يشير إليه ألا يفعل، فتبين لهم منه ذلك فقتلوه، وبقي عندهم الأشرف موكلا عليه.
ثم اتفق بعد خروجه أن مملوكين من مماليك افتخار الدين ياقوت الخادم السّعدي ضربهما أُستاذهما بسبب تقدمهما على غلمان الملك الكامل وقلة أدبهما معهم، فعظُم ذلك عليهما وحملهما على أكاتبا التتر وقالا لهم: أيَّ شيءٍ تعطونا حتى نسلم إليكم البلد؟ فقالوا: نُعطيه لكما. وكتبوا لهما بذلك كتابا. فقالا لهم: إذا كان يوم الخميس، وهو اليوم الثالث والعشرون من ربيع الآخر ينزل الحرس إلى أشغالهم، فارموا إلينا سلّما. فلما كان سحر ذلك اليوم اتفق أن نزل افتخار الدين ياقوت وعلم الدين سنجر الخوارزمي إلى الحمام، وخلا السور، فأخذ المملوكان السُّلّم ونصباه فصعد فيه من المُغُل البهادريّة جماعةٌ، واستبق بعضهم بعضا فتكمّل على السور في الساعة الراهنة ستة آلاف نفرٍٍ، فقاتلهم الأمير حسام الدين بن رش حتى قُتل ووجدت فيه اثنتان وسبعون ضربة بالنُّشاب.
وسار الأمير علم الدين سنجر إلى الملك الكامل فاستنهض عزمته، وأيقظ همّته، فركب إليهم، ومعه الأمير علم الدين - المذكور - فقاتلا قتالا شديدا. ثم انهزم الملك الكامل واحتمى ببعض الأبراج. وأُسر علم الدين.
وكان أحد مقدَّمي المغل يسمى بوتاي نُوينَ قد رأى مصابرة علم الدين في الحرب، فطلبه من يشموط فأعطاه إياه، فحماه. فلما اطّلع سُنتاي على ذلك أخذه وقتله، وقال: هذا قَتَل من المُغُل خلقا كثيرا.
стр. 193
ثم هجم التتر البرج الذي فيه الملك الكامل فقاتلهم مَنْ فيه إلى أن قُتل أكثرهم، وأُخذ أسيرا، ومعه مملوكٌ له تُركيُّ يُسمى قراسُنقُر وقالوا له: نحن ما نقتلم، لأنّا لم نؤمر بذلك. وسلّموه إلى صاحب كنجْةَ وجعلوا في عنقه دوشاخ خشبٍ، وحُمل وأخوه الملك الأشرف إلى هولاكو فلقوه قريبا من سروج عائدا من الشام فاستحضر الملك الأشرف أولا، وقال: لأي معنى كنت معنا إلى أن كان الحصارُ فخرجت عنّا إلى أخيك وصرتَ معه؟.
وَلِمَ لا خرجت إلى ولدي؟ فقال: إنيَّ لم يكُن لي حُلمٌ، وإنما كان لأخي، وكنت تبعا له. فأمر بقتله، فقُتِل.
ثم أحضر أخاه الملك الكامل، فلما مثل بين يديه قال: إنه أنت تعلمُ سياسة المغل وما هم عليه، وإنهم إذا عمل أحدهم ثلاثة ذنوب يُعفى عنه، وفي الرابع يُقتل، وأنت: سقيتُك في همذان فما شربت؟ وأمرتك بهدم سور آمد وتُعطيها لرِكن الدين - صاحب بلاد الروم - ما فعلت! وقُلت لك: خُذ اخوتك، وأموالك وعساكرك والتقيني على بغداد حتى نُقاتل الخليفة فامتنعت!! والذنب الرابع: إني عبرتُ على بيوتك فلم تخرُج إليَّ، ولا سيّرت لي هدية ولا ضيافةً، ولا أبصرتَ وجهي حتى لا تموت.
فأجابه الملك الكامل: من أنت حتى أتحمل المشقة في رؤية وجهك؟! أنت ما لكَ قولٌ ولا دينٌ؛ بل خارجيٌ يجبُ عليَّ قتالك، وأنا خيرٌ مِنْكَ.
فقال هولاكو: بأي شيء أنت خيرٌ منيِّ؟ فقال: لأنني أؤمن بالله وبرسوله، ولي دينٌ وامانةٌ، ومع هذا فإن المُلك بيد الله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء. وكان لنا من عَدنٍ إلى تبريز، فذهب منا ذلك. وكذلك يفعل الله بك إذا أراد، يُرسلُ عليك مَنْ يقتلك، ويسبي ذرِّيّتك، ولا يترك من عسكرك أحداً.
فقال له: كلامك أكبر منك، لأنك من السّلاطين الصِّغار؟.
ثم وكزه بسيف كان في يده فخرق بطنه. وأمر سونجق فضرب عنقه وبعث برأسه إلى الشام، فطيف به في البلاد، وعُلّق على باب الفراديس بدمشق، فبقي مدة. ثم سرقه مجد الدين - إمام مسجد رُقيّة ودفنه في طاقٍ إلى جانب محراب المسجد. ﵀.
ذكر ما لقي أهل ميافارقين م الشدة في الحصار
لما ملك التتر ميافارقين وجدوا بها من العوام ثلاثةً وستين نفسا، ومن الأجناد اثنين وأربعين رجلا وافتخار الدين ياقوت السعدي. ونجم الدين مختار الخادم المظفري وبلغت الأسعار بالمدينة: القمحُ - المكوكُ بكيل ميافارقين - خمسة وأربعون ألف درهم.
والخبز - رِطلٌ، وهو سبعمائة وعشرون درهما - بستمائة درهم.
اللحمُ - من سائر أجناس الحيوان - الرطل بستمائة درهم.
واللبنُ الرطل بسبعمائة درهم.
والعسلُ الأوقية بستمائة درهم.
والبصلة بثلاثةٍ وخمسين درهما.
وأُبيعَ رأس كلبٍ بستين درهما.
وحكى المخبرُ بهذا أنه رأى بقرةً أيبعى لنجم الدين مخترا الخادم سبعين ألف درهم. واشترى الملك الأشرف رأسها وكوارعها بستة آلاف درهم وخمسمائة درهم. وعملها قريصا وأهداها لأخيه.
وبيعت أوقية السلق بستة دراهم.
وذكر أن رجلا يُدعى أبا بكر بن عبد الرحمن البزاز، اتُّهم أنه يطلبُ النزول إلى التتر فأمر الملك الكامل بشنقه. فشفع فيه حتى حُبس، ثم سُئل سنقر العلكاني وكان من وجوه الدولة أن يُشّفعَ فيه، فشرط على أهله شِبعَهُ.
فاشترى له من رجلٍ يدعى التقيُّ الرَّبضيُّ رطل خبز بسبعمائة درهم. وأُوقيتي عسلٍ بستمائة درهم. وأوقيتي سمنٍ بستمائة درهم. وعُمل له ذلك بسيسة. واشتُريَ له حجلتان وقعتا من صيد البر بثلاثمائة وخمسين درهم.
وأبيعت فروجان بسبعمائة درهم.
وأبيعت الجلود المصلوقة، الرطل بمائة وأربعين درهما. وأبيعت فجلةٌ بخمسة عشر درهما.
وبلغت بهم الحال إلى أنه من قويَ على صاحبه أكله.
كل ذلك وهم يحافظون على مَلكِهم. وكان ينزل إليهم كلَّ جمعة ويجتمع بهم في الجامع ويقول لهم: ليس الغرض من هؤلاء الجماعة كلهم غيري، دعوين أخرج إليهم وسلّموا البلد إليهم لتأمنوا على أنفسكم ومواليكم. فيقولون: معاذ الله أن نفارقك حتى تروح أرواحنا؟! ولما أُخذت ميافارقين ودخلوها التتر، جمعوا من بقي فيها من أعيان أهلها في الجامع، وهم:
стр. 194
سيف الدين المعلم وأخواه: نجم الدين دفتر خوان وتقي الدين الأطروش والشمس بن الخطيلي، وفخر الدين محمد بن الفقاعي - الوزير -. وغيرهم. وطلبوا منهم مالا، فلم يعطوهم شيئا، وقالوا: نحن قادرون على المال، ولكنا نرى المسلمين أحقَّ منكم فقتلوهم، خلا تقيَّ الدين الأطروش فإنهم أبقوا عليه، وأبادوا من بقي في البلد من أهله، حتى لم يبقَ منهم إلا سبعة أنفسٍ وهم: ١ - شمس الدين قراسُنقُر.
٢ - وعلاء الدين اللاوي.
٣ - والحاج محمد الحصني.
٤ - والحاج محمد القاصد.
٥ - وتقي الدين الأطروش.
٦ - والنجم ابن الجبل جودي.
٧ - وشمس الدين سنقر العلكاني.
ثم أخربوا البلد، ونقضوا أسواره، وهدموا الفصيل، ورحلوا عنها، ولحقوا بهولاكو.
فأعطي البلد لعبد الله اللاوي - أمير آخور هولاكو - وهو بها من قِبلِهم إلى حين وضعنا هذا الكتاب، وهو سنة تسع وسبعين وستمائة.
فسبحان مَنْ ليس لملكه انتهاء، ولا لسلطانه وعِزِّه انقضاء.
ذكر آمد
عدنا إلى أخبار آمد ومن وليها بعد افتراقها عن ميافارقين وما تجدد فيها
ذكر مُلك الأمير صادر آمد
لم تزل أمد في يد تاج الدول تُتُش إلى أن قُتل في صفر سنة ثمان وثمانين وأربع مائة. فاستولى الأمير صادرُ على آمد، وبقيت في يده إلى أن توفي سنة........ فملكها الأمير ينال - أخوه - ثم توفي.
وملكها فخر الدولة إبراهيم، فبقيت في يده إلى أن توفي.
فملكها ولده سعد الدولة إيللدي إلى سنة ست وثلاثين وخمس مائة ومات.
وولي بعده ولده جمال الدين محمود ولم يزل بها إلى سنة اثنتين وأربعين وخمس مائة. فخطب من حسام الدين تمرتاش بن أُرتق ابنته ضيفة خاتون فوصل إليه عز الدولة بن مؤيد الدين بن نيسان وعقد له عليها فحملت إليه إلى آمد، ثم توفيت بعد ذك.
ثم إن حسام الدين تمرتاش قصد آمد وحاصر جمال الدين محمود وضايقه، فأدى الحال إلى أن خرج مؤيد الدين بن نيسان وأولاد جمال الدين معه إلى خدمته، وقدموا له تقدمةً أصلحوا الحال معه فرحل عنهم.
وفي سنة إحدى وخمسين وخمس مائة توفي مؤيد الدين أبو علي بن نيسان بآمد في غُرة شعبان منها.
وولي جمال الدولة، أبو القاسم مكانه.
وتوفي جمال الدين محمود ولم أتحقق وفاته.
وولي ولده الصغير، وولي أمره وأتابكيّة عسكره الأمير بهاء الدين إبراهيم بن نيسان، ولم يزل بها إلى أن قصده السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة سبع وسبعين وخمس مائة.
ذكر ملك الملك الناصر صلاح الدين آمد وإقطاعها لنور الدين قرا أرسلان
" كان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب قد نزل بحرزم - تحت ماردين - فلم يطمع بها، فسار إلى آمد، وكان نور الدين محمد ابن قرا أرسلان يطالبه بقصدها كل وقت، فسار إليها ووصلها في سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين وخمس مائة، ونازلها، وأقام بحصرها، فكان المتولي لأمرها، والحاكم فيها بهاء الدين إبراهيم بن نيسان، ولم يكن لصاحبها أمرٌ مع ابن نيسان. فلما نازلها صلاح الدين أساء ابن نيسان سيرته مع أهلها، ولم يُعطِ الناس شيئا من الذخائر، ولا فرَّق فيهم دينارا واحدا ولا قوتا، وقال لأهل البلد: قاتلوا عن أنفسكم، فقال له بعض أصحابه: ليس العدو كافرا حتى يقاتلوا عن أنفسهم. فلم يفعل شيئا.
وقاتلهم الملك الناصر صلاح الدين ونصب المجانيق، وزحف عليها وهي الغايةُ في الحصانة، وبها وبسورها يُضرب المثل، وابن نيسان مستمر على حاله بالشُّحِّ بالمال، وتصرفه تصرف من قد ولّت سعادته، وأدبرت دولته. فلما رأى الناس منه ذلك تهاونوا بالقتال وجنحوا إلى السلامة.
وكانت أيام بني نيسان قد طالت وثقلت على أهل البلد، لسوء صنيعهم، وتضييقهم في مكاسبهم فالناس كارهون لها، مُحبون لانقراضها.
стр. 195
وأمر صلاح الدين أن يكتب على السهام إلى أهل البلد يعدهم الخير والإحسان إن أطاعوه، ويتهددهم إن هم قاتلوه. فزادهم ذلك تقاعدا وتخاذلا، وأحبوا مُلكهُ، وتركوا القتال. فوصل النقَّابون إلى السور فنقبوه وعلقوه، فلما رأى الجند وأهل البلد ذلك طمعوا في ابن نيسان، واشتطُّوا في الطلب، فحين صارت الحال كذلك أخرج ابن نيسان نساءه إلى القاضي الفاضل - وزير صلاح الدين - يسأله أن يأخذ له الأمان ولأهله وماله، وأن يؤخّر ثلاثة أيام لينقل ماله بالبلد من الأموال والذخائر. فسعى له القاضي في ذلك. فأجابه صلاح الدين فتسلم البلد في العشر الأوَّل من المحرم من هذه السنة.
وأخرج خيمته إلى ظاهر البلد، ورام نقل ماله فتعذر ذلك عليه لزوال حكمه على أصحابه، واطّرحهم أمرهُ ونهيه، فأرسل إلى صلاح الدين سأله مساعدته على ذلك، فأمده بالدواب. فنُقل البعض وسُرق البعض، وانقضت الأيام الثلاثة قبل الفراغ. فمُنع من الباقي، وكانت أبراج المدينة مملوءة من الذخائر فتركها بحالها، ولو أخرج البعض منها لحفظ البلد، وترك باقي نعمه وأمواله، فإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه.
فلما تسلمها صلاح الدين سلمها إلى نور الدين - صاحب حصن كيفا - فقيل له قبل أن يسلمها إليه: إن هذه المدينة فيها من الذخائر ما يزيد على ألف ألف دينار، فلو أخذت ذلك وأعطيته جندك وأصحابك، وسلمت إليه البلد فارغا لكان راضيا به، فإنه لا يطمع في غيره.
فامتنع من ذلك وقال: ما كنت لأعطيه الأصل وأبخل عليه بالفرع.
فلما تسلمها نور الدين اصطنع دعوة عظيمة دعا إليها السلطان الملك الناصر صلاح الدين وأُمراءه، ولِمَنْ دخل من أهل البلد، وقدم من الهدايا والتحف " شيئا كثيرا ".
ذكر وفاة نور الدين محمد بن قرا أرسلان
ولم يزل نور الدين محمد بن قرا أرسلان مالكا آمد يُحسن السِّيرة في الرعية من إسقاط المؤن والكِلف عنهم، وإظهار العدل فيهم. وعمّر ما كان استهدم منها إلى أن توفي في سنة إحدى وثمانين وخمس مائة.
" ولما توفي سار ولده قُطبُ الدين سقمان إلى خدمة السلطان الملك الناصر صلاح الدين، وهو إذ ذاك على ميافارقين فأقره على ملك أبيه، ومن جملته آمد، وكان خائفا أن يأخذها منه فلم يفعل. وردَّهم إلى بلادهم، وشرط عليهم أن يصدروا عن أمره ونهيه ويراجعوه فيما يفعلونه. ورتب معه أمير من أصحابه يُقالُ له: صلاح "، " واستمر قطب الدين سقمان بن نور الدين محمد ابن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أُرتق، صاحب آمد والحصن بآمد إلى أن سقط من سطح جوسق كان له بظاهر ححصن كيفا فمات يف سنة سبع وتسعين وخمس مائة. وكان شديد الكراهية لأخيه، فأبعده عنه وأنزله حصن منصور، وهو آخر بلادهم، واتخذ مملوكا اسمه إياس وأحبه حبّا شديدا وزوجه أخته، وجعله ولي عهده. فلما توفي مَلكَ بعده عدة أيام وتهدد وزيرا كان لقطب الدين، وكذلك غيره من أمراء الدولة فأرسلوا إلى أخيه الملك الصالح ناصر الدين محمود سرا يستدعونه، فسار مجدّا فوصل إلى آمد وقد سبقه إليها إياس - مملوك أخيه - فلم يُقدم إياس على الامتناع منه فتسلم الملك الصالح البلاد جميعها وآمد، ومَلكَها وحبس إياس، فبقي مدة محبوسا، ثم شُفع فيه صاحب بلاد الروم فأُطلق من الحبس، وسار إلى بلاد الروم فصار أميرا ".
ولم يزل الملك الصالح ناصر الدين محمود بن نور الدين محمد ابن قرا أرسلان مستمرا على ملكه آمد وما بيده غيرها إلى سنة تسع عشرة وست مائة. وكان على ما يُقال: مائلا " إلى " الظلم، وقُبح السِّيرة، متظاهرا بمذهب الفلاسفة، فبقي فيها إلى أن توفي.
وملك بعده ولده الملك المسعود، رُكن الدين مودود، فسلك سيرة أبيه في الظلم والعسف، وارتكاب الأليق إلى سنة تسع وعشرين وستمائة. قصده الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب - صاحب الديار المصرية - وكان ذلك أن الملك المسعود المذكور ظهرت منه أُمورٌ لا تليق بمثله، من جملتها انتماؤه إلى جلال الدين فخطب له في بلاده، وأساء جوار الملك المظفر شهاب الدين غازي - صاحب ميافارقين - وتخطف بلاده، وجاهر الملك الكامل بالعداوة، وكذلك صاحب قونية علاء الدين.
стр. 196
وأوكد الأسباب أنه كان كثير الولع بالنساء، منهمكا في ذلك، وكان والد مُزوَّجا بابنة السلطان الملك العادل. فلما مات والده أساء إليها إساءة كثيرة، وبدا منه في حقها أمورٌ لا يليق ذكرها. فخرجت من عنده وقصدت أخاها الملك المظفر شهاب الدين غازي بميافارقين، وكان شقيقها وشكت إليه، فكتب إلى أخويه الملك الكامل والملك الأشرف وعرَّفهما بذلك. فكتب الملك الكامل إلى الإمام المستنصر بالله يشكوه إليه، ويذكر معايبه، وتعرضه لحرم رعيته، ويستأذنه في قصده فأذِن له.
ذكر ملك الملك الكامل ناصر الدين آمد
لما أذن له الإمام المستنصر " بالله " بقصده، سار إليها، ومعه أخوه الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك العادل ونزلا عليها في العشرين من ذي الحجة من سنة تسع وعشرين وستمائة.
وكان معهما مُنجمٌ يُدعى شمس الدين يوسف فأمرهما ألاّ يزحفا عليها إلاَّ في وقتٍ عيّنه لهما، وهو اليوم الخامس والعشرون من الشهر، فلما كان اليوم المعيّن رتب العسكر للزحف، وقرر مع " أصحاب " الطبل خاناه أن تحرُّكَ حتى يرسم لهم. وبقي العسكر واقفا في ذلك الوقت، ومعه جِمالٌ تحمل تبنا، وعلى أحدها طبلٌ، فلما قَرُبَ من العسكر ضربَ طبله على عادته فسمعته طبل خاناه الأمراء، فظنوا أن طبل خاناه السلطان قد ضربت، فضرب العسكر جميعه، فزحف الأطلاب زحفة رجل واحد، فلما رآهم صاحب آمد، هاله ذلك، فنادى بالأمان، فأمنّه الملك الكامل على أمواله وأهله، وعلى أن يُقطع إقطاعا بالديار المصرية، فتسلمها وما كان في يده من الحصون خلا حصن كيفا، فإن الذي كان به نائبا لم يسلمه. فسيّر الملك المسعود إليه فسار إلى الحصن وأظهر لمن فيه أنه يُعذَّبُ بسب امتناعهم من تسليمه، فسلموه إليه في المحرم من سنة ثلاثين وست مائة فرتب فيه وفي آمد نائبا عنه ابن أخيه شمس الملوك، سيف الإسلام، أحمد ابن الملك الأعزِّ شرف الدين يعقوب ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب فحكم بها اثني عشر يوما ثم توفي، فدُفن على باب آمد ﵀.
وحكى لي الأمير نجم الدين محمود بن الشقاري - أحد حُجاب السلطان الملك الكامل - أن شمس الدين يوسف - المنجم المقدم كره - حضر بين يدي السلطان الملك الكامل، وهو راكبٌ في ساعة الزحف، فقال له: إن زحفت عليها الساعة أخذتها، وما تُصليِّ العصر إلا بها. فزحف عليها، فأخذها في الحال، وصلى العصر بها، ولم يصب من العسكر غير رجل واحد يُعرف بعثمان الزَّرّاق أصيب في وجهه فمات.
стр. 197
ولما توفي شمس الملوك بآمد، ودُفن - كما ذكرنا - رأى السلطان الملك الكامل أن يخبر مصاب ولده شهاب الدين غازي، ورمى بذلك حقَّ والده، فولاه آمد، وأشرك معه شمس الدين صواب العادلي، فلم يزل بها إلى أن بلغ السلطان الملك الكامل عنه أنّه كابت صاحب الروم علاء الدين وأراد بيع آمد فنفذ إليه استدعاه إلى مصر، فحبسه بها، وولاها ولده السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب فاستقل بها، ومعه شمس الدين صواب - الحاكم بها - إلى أن دخلت سنة ثلاث وثلاثين وست مائة توفي شمس الدين صواب ودُفن بآمد، واستقل السلطان الملك الصالح بآمد وغيرها، ولم تزل في يده إلى أن خرج منها إلى الديار المصرية وملكها، فاستناب بها ولده الملك المعظم توران شاه فأقام بها إلى أن بلغه قصدُ عسكر السلطان غياث الدين آمد فخرج منها، وترك بها نوابه، فنازلها العسكر المذكور، وحاصروها وضايقوا، فلم يكن للذين بهم طاقةٌ بهم، فطلبوا منهم الأمان على نفوسهم وأموالهم، فأُجيبوا إلى ذلك وملكوها. ولم تزل بأيديهم إلى سنة خمس وخمسين وستمائة، في شهر رجب منها، قصدها الملك الكامل ناصر لدين محمد ابن الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب - صاحب ميافارقين - وكان السبب في قصده لها أنه لما عاد من عند منكوقاآن اتصل به أن ابن خبير الجار - أحد أكابر آمد - قد كاتبه بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل -، واستماله بالمواعيد، وضمن له الوفاء بها إن هو أعانه على أخذ آمد. وكان بها نواب صاحب بلاد الروم. فلما اتصل ذلك بالملك الكامل كتب إلى الملك السعيد - صاحب ماردين - يُعرِّفه بما عزم عليه بدر الدين لؤلؤ ويطلب منه إنجاده وإسعاده على قصد آمد فأجابه إلى ذلك. فبعث الملك الكامل إليها عسكرا قدَّم عليه الملك المُشمِّر - ابن عمه -، ونجم الدين مختار - مُعتَق والد - فنزل عليها في ربيع الأول وحاصرها.
واتفق أن خرج الأمير شرف الدين أحمد بن شجاع الدين داود بن بلس الهكاري المموي من الروم، ومعه عسكرٌ عظيمٌ لكشف حال آمد، فاتصل بالملك المشمر قُربهُ من البلاد، فبعث إليع رسالة على يد العماد الهكاري من مضمونها: إنّا لم نقصدُ آمد إلا لما بلغنا قصدُ بدر الدين لها، فأقم في منزلتك التي أنت بها حتى نُجمِّع عسكرنا، فإنه مفرَّقٌ في بلدها للغارات، ونرحل عنها.
فلما وصل إليه الرسولُ، واجتمع به فيما جاء به، فبيما هو مجتمعٌ به ثار قتامٌ ثم انجلى عن فارسين أحدهما الملك المشمر ومملوكٌ له يقال له العماد.
..... هذا الملك المشمر قد جاء ليسلم عليك، فركب شرف الدين بغلته وتلقاه من مدى بعيد عن عسكره، فسلم عليه وعانقه. ثم لحقَ الملك المشمر جماعةٌ من عسكره، فأحاطوا بشرف الدين وأخذوه وتواترت أصحاب الملك المشمر وقصدوا عسكر شرف الدين على غير استعداد فنهبوهم، وقتلوا منهم خلقا وانهزم الباقون.
ثم حمل شرف الدين إلى مخيمه فجُعل في خيمةٍ، فدخل عليه في الليل تركمانيٌ يُقال له ابن سمرى فقتلهُ.
ولم يزل الملك المشمر محاصرا لها إلى أن أخذها في التاريخ المقدم ذكره، وقد تقدم ذكر ذلك مُستقصي في ترجمة ميافارقين، ونزول يشموط بن هولاكو على ميافارقين وحصاره لها، وبها يومئذ اللمك الكامل ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المظفر شهاب الدين غازي صاحبها. فلم يزل التتر محاصرين لميافارقين إلى شهر ذي الحجة من سنة سبع وخمسين وست مائة. " إلى أن " وصل هولاكو واستدعى بسيف الدين ذل ابن مجلي - النائب بآمد يومئذ، عن الملك الكامل فخرج إليه فطلب منه تسليم آمد فسلمها إليه فتسلمها، ثم سلمها إلى عز الدين وأخيه رُكن الدين - صاحبي بلاد الروم - فتسلماها. ثم إنهما اقتسما البلاد، فحصلت آمد في يد رُكن الدين قليج أرسلان، فلم تزل بيده إلى أن قتل في سنة ست وستين وست مائة، ونوابه بآمد مع نواب التتار.
ثم انتقلت بعد أن قُتل رُكن الدولة " إلى " ولده غياث الدين. ولم تزل بيده إلى حين وضعنا هذا الكتاب، وهو سنة تسع وتسعين وست مائة. فسبحان الدائم الذي ليس لمُلكه انتهاء، ولا لسلطانه انقضاء.
ووقفتُ على رسالة للقاضي الفاضل في صفة آمد لما افتتحها صلاح الدين يوسف بن أيوب في المحرم من سنة ثمان وسبعين وخمس مائة، نقلت منها فصلا، وهو:
стр. 198
" ذِكرُها بين العالم مُتعالمٌ، وطالما صادم جَانبهَا من تقادم، فرجع عنها مجدوعا أنفه وإن كان فحلا. وفرَّ عنها فريد الهمّة وإن استصحب حفلاً. ورأى حَجَرها فقدَّر أنه لا يُفكُّ له حجرٌ، وسوادهّا فحسِبَ أنه لا ينسخه فجرٌ، وحِميّةٌ أنفِ أنفَتَها فاعتقد أنه لا يستجيب لِزجرٍ، من ملوك كلهم قد طوى صدره على الغليل إلى موردها. وكلهم وقف بها وقفة المُحبِّ المسائل، فلم يفُزْ بما أمّل مِنْ سؤال مَعهدِها ".
حصن كَيفَا
كهفٌ على جبلٍ عالٍ، زايد الارتفاع، مستوٍ كالحائط تحفُّ به جبالٌ شاهقةٌ من ثلاث جهات، خلا الجهة الشمالية فإنها يحفُّ بها الشطُّ.
وبالقلعة قصورٌ ودورٌ للسلطنة وغيرها، وأبرجةٌ مبنيةٌ بالحجر على نفس الجبل.
وبالقلعة ميدان أخضر، وجامعٌ، وبها مزارع يزرع بها من القمح والشعير والحبوب ما يَميُر أهلها من السنة إلى السنة.
وبالجبال المحيطة بها أعينٌ خرَّارة. وبالجبل الذي من شرقيها عينُ ماء تأتي من ناحية طور عبدين تدخل إلى الحصن ومنها حضرة الميدان.
وبالحصن سرابات تحت الأرض إلى الشط، على هيئة الحلزون، ينزل منها أهل الحصن إلى الشط يستقون الماء ويعودون ولا يراهم أحدٌ. والسرابات واسعة بحيث أنه تنزل فيها البغال لنقل الماء.
وللقلعة من جهة الشرق طريق، تُعرف بالشِّعبِ، عسرُ المسلك يُدخلُ منه إلى القلعة، ويُنزلُ منه إلى الخندق.
وبالخندق دورٌ ومساكنُ وحوانيتُ معطّلةٌ ليس بها ساكنٌ. ولها ربضٌ من جهة الشمال، به الأسواق والحوانيت والمدارس والحمامات.
وبها مدافن، وتُرب الملوك من بني أُرتق وبني مروان.
وبالربض من جانب الشط دارٌ تُعرفُ بدار السلطنة مليحة جدا.
ولها جسر على قناطر معقودة، يُعبرُ عليه إلى الربض، وهو معقود بالحجر خلا وسطه فإنه مسقف بالخشب. فإذا طرق البلد عدو انتقل من الربض إلى الخندق، وقطعوا الجسر.
ويكون بيعهم وشراؤهم ومسكنهم في الخندق من غير وصول أحد إليهم.
وللقلعة سبعة أبواب، يُصعدُ إليها منها، وهي باب دون باب، متصلة إلى أعلاها.
ولها ربض آخر يُعرف بالقرية، بطرفه ميدان وجوسق.
وقُبالة البلد من الشمال جبل عال، زايد في العلو، به مغاور لا يصل أحد إليها، يُحتمى بها إذا طُرق البلد، فلا يُوصلُ إليهم.
وقُبالة البلد على الشط قرية تُسمى الزهيرية بها جامع ومئذنة.
وللبلد كروم كثيرة، وبساتين عديدة.
وجميع جهات هذا الحصن التي يُقصد منها وعرة وضيقة، عسرة المسالك لا تُسلك إلا الواحد " بعد الواحد ". فهو بهذه الحال في غاية الحصانة والمنعة.
وبه من المدارس ثلاث.
وبه من الحمامات أربعة منها بالربض الكبير: ١ - حمام الفَصيل.
٢ - وحمام السلطان.
٣ - وحمام الأسد محمود الجلحي.
٤ - وحمام أخرى بالربض الآخر.
وهذا الحصن المذكور، لم يزل مضافا إلى من يلي ديار بكر أو بعضها، وأكثر ما كان مضافا إلى آمد.
ولقد بالغتُ في التقصي عمّن اختطه ومن عَمَره ونُسب إليه وملكه فلم أعثر على شيء من ذلك، مع استيعابي مطالعة كتب التواريخ، والمسالك والممالك، وما يتعلق بهذا الفن إلى سنة خمس وسبعين وأربع مائة كان يف يد شخص يُعرف بموسى التركماني، كان نائبا به من قبلِ كربوقا - صاحب الموصل -. فلما مات كربوقا كاتب جماعة من أعيان الموصل في تمليكه الحصن فأجابوه إلى ذلك، فملكه واستقل به.
واتفق أن وقع بينه وبين جكرمش - صاحب الجزيرة - فلم يكن له به طاقة، فكاتب سكمان بن أُرتق، وكان بديار بكر وبذل له الحصن المذكور على أن يعوضه بما يرجع إليه. فسيّر له عشرة آلاف دينار فسلم إليه الحصن.
فلم يزل بيد سقمان إلى أن توفي في أواخر سنة ثمان وتسعين وأربع مائة.
وملك ولده داود الحصن المذكور ولم يزل بيده إلى أن " مات " ...
وملك ولده قرا أرسلان ثم مات في....
وترك ولده نور الدين محمد، وهو الذي ملّكهُ السلطان الملك الناصر صلاح الدين آمد ولم يزل بيده إلى أن توفي في سنة إحدى وثمانين وخمس مائة.
وولي ولده قطب الدين سكمان " ولم يزل بيده إلى أن توفي " في سنة سبع وتسعين وخمس مائة.
وملكه الملك الصالح ناصر الدين محمود إلى أن توفي في سنة تسع عشرة وست مائة.
стр. 199
وملكه ولده الملك المسعود ركن الدين مودود، ولم يزل بيده إلى أن ملكه الملك الكامل في أوائل سنة إحدى وثلاثين وستمائة. ولم يزل بيد نوابه إلى أن أقطعه ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، ولم يزل بيده إلى أن توفي والده الملك الكامل نيابة. ثم استقل بعد وفاة أبيه، ولم يزل بيده إلى أن خرج منه، وقصد الديار المصرية وملكها، فترك به ولده الملك المعظم توران شاه، فلم يزل بيده إلى أن خرج منه في أواخر سنة سبع وأربعين وستمائة، بحكم وفاة والده الملك الصالح نجم الدين أيوب فوصل إلى الديار المصرية وملكها، وكسر الفرنج في السنة المذكورة. وقُتل في أوائل سنة ثمان وأربعين وستمائة.
وبقي به ولده الملك الأوحد عبد الله، وهو في يده إلى حين وضع هذا الكتاب.
ولما استولت التتر على الشام في أوائل سنة ثمان وخمسين وستمائة قصد المذكور هولاكو وقدم له تقدمة. فلما حضر عنده، سأله عن نسبه، وجلية أمره، فرق له وأبقى عليه الحصن. وهو به إلى الآن، وهو سنة تسع وسبعين وستمائة.
أرْزَن
قلعة مدورة على تل عال.
عدة أبراجها خمسة وثلاثون برجا، غير البدنات.
ولها باب من قبليِّها، يُخرجُ منه على جسر على الخندق المحيط بالقلعة، مبني بالحجر المنحوت، على قناطر، يكون مداه نحو المائتي ذراع إلى أن ينتهي إلى وجه الأرض، وهي المدينة، شرقي القلعة، وبها أسواق ومعايش.
وبها حمّةٌ في طرف البلد من الشرق بها أسماك كثيرة، وعليها باب.
وبالمدينة أعينٌ. وشِربُ أهل القلعة والربض من الشط.
وأكثر أهل أرزن يُصيفون على الشط.
ولأرزن كروم كثيرة، وفواكه.
وتُعملُ بها الأُرُزُ الرَّفاع، والأبراد، والنّصافي والبطائن، وتُحملُ منها إلى البلاد. وبها مدرسة، وبيمارستان.
ذكر فتحها
فتحها عياض بن غنم فيما فتحه في سنة تسع عشرة من الهجرة، وبقيت مضافة إلى ديار بكر يتولاها من يلي ديار ربيعة.
وفي سنة خمس وخمسين ومائتين كانت أرزن في يد موسى بن زرارة.
وفي سنة اثنتين وثلاث مائة وليها مع ميافارقين شخص يُعرفُ بخَلفِ بن الحسن.
ولم تزل " مضافة إلى " ميافارقين إلى ولاية بني حمدان.
ففي سنة ثمان عشرة وثلاث مائة أضيفت ديار بكر جميعها إلى ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء بن حمدان مع أرزن.
ولما سلم الحسن - المذكور - ميافارقين وديار بكر إلى أخيه سيف الدولة ولى أرزن أبا علي بن جعفر الديلمي، نقله إيلها من ميافارقين. فعصي بها في سنة أربع وعشرين وثلاث مائة، فحاصره سيف الدولة إلى أن سلمها إليه، ونزل على حكمه.
ثم انتقلت بعد بني حمدان إلى بني مروان فلم تزل بأيديهم إلى أن وصل السلطان جلال الدولة ملكشاه السلجوقي في سنة ثمانين وأربع مائة وأخذ الجزيرة " و " أنعم بها على بني الأحدب، وكان لهم مع أرزن بدليس ووسطان وغيرهما.
فلم تزل بأيديهم إلى أن حاصرها شهاب الدين غازي.
ذكر ملك شهاب الدين غازي أرزن
" كان حسام الدين - صاحب أرزن - من ديار بكر مصاحبا الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك العادل مناصحا له، مشاهدا جميع حروبه وحوادثه، منفقا أمواله في طاعته، باذلا عساكره في مساعدته. فكان يُعادي أعدائه، ويُوالي أولياءه بحيث أنه حصر نفسه في خِلاط لما حاصرها جلال الدين، ولقي ما لقي أهلها من الضائقة لأجله. وصبر بها إلى أن ملكها جلال الدين، فأسره مع من أسر من أكابر الناس. وأراد أن يأخذ منه أرزن، فقيل له: إن هذا من بيت قديم عريق في المُلك. وأنه ورث هذه أرزن من أسلافه، وكان لهم غيرها من البلاد، فخرج الجميع " من أيديهم " ولم يبقَ غير هذه. فرَقَّ له، وعطف عليه، وأبقى عليه مدينته، وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه لا يُقاتله. فعاد وأقام بمدينته.
فلما جاء الملك الأشرف وعلاء الدين - صاحب بلاد الروم - محاربين لجلال الدين " لم يحضر معهم حربا. فلما انهزم جلال الدين " سار شهاب " الدين " غازي ابن الملك العادل - أخي الملك الأشرف - صاحب ميافارقين - وهو بمدينة أرزن فحصره بها إلى أن ملكها صُلحا، وعوَّضه عنها مدينة حاني من ديار بكر.
стр. 200
وكان هذا - حسام الدين - " نعمَ " الرجلُ، حسن السيرة كريما، جوادا، لا يخلو بابه ممن يستميحه، وهو من بيت قديم، يقال له بيت طُغان أرسلان ويعرفون ببيت الأحدب، وكان لهم بدليس مع غيرها من أيام السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي. فأخذ بكتمر - صاحب خِلاط - منهم بدليس، " أخذها: من عمِّ هذا حسام الدين لموافقته للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب.
وبقيت أرزن بيد هذا - حسام الدين - إلى أن أخذها شهاب الدين غازي منه. ولكل أول آخر، فسبحان من لا له أول ولا آخر " لبقائه ".
ولم تزل في يد نواب شهاب الدين غازي إلى أن توفي في رجب من سنة خمس وأربعين وستمائة.
وولي بعده ولده الملك الكامل ناصر الدين محمد فلم تزل في يده إلى أن استولت التتر على ميافارقين في سنة ثمان وسبعين وستمائة. فولوا ميافارقين شرف الدين عبد الله اللاوي - أمير آخور شهاب الدين غازي - وأضافوا إليه أرزن وهو متوليها إلى حين وضعنا هذا الكتاب وهو سنة تسع وسبعين وستمائة.
مارِدين
مدينة لها سور واحد ليس بمرتفع، يُحيط به خندق، وفي شماليها واد يُقال له: وادي الرجلة معمور بالبساتين والجنات الملتفة الأشجار.
وصور المدينة أنها مبنية علىالجبل، " والجبل " في نفسه كالدرج، بعضه دون بعض، كدرج الراقي، بحيث إن الدور تُشرف بعضها على بعض. وكذلك الأسواق، ولها قلعة على قُنة هذا الجبل مشرفة على البلد. ولارتفاع منازل البلد ومساكنه لا يعلو فوقه طيرٌ، ويُرى السحاب دونها. ولوعورة طرقها لا يمكن أن يصعد إليها إلا الواحد بعد الواحد. وبقلعتها نِقرٌ في أسفله عين ماء، عليه سوان تحمل الماء منه إلى أعلاه، فيتفرق في منازل القلعة، ويُجرى إليها في قساطل. ولسور المدينة ستة أبواب: ١ - باب السور - مفتوحٌ -.
٢ - وباب قسيس - مفتوح -.
٣ - " وباب " الشواط - مفتوحٌ -.
٤ - والباب الجديد - مفتوحٌ -.
٥ - وباب الزيتون - مغلقٌ -.
٦ - وباب الخَمّارة - مغلقٌ -.
وفي داخل البلد ثلاثة أعين: ١ - عين الجوزة.
٢ - وعين الحربيات.
٣ - وعين الخرنوب.
وكان بظاهر البلد من شرقيه ساحة، فبنى فيها بنو أٌرتق سورا. وعمل الملك السعيد - صاحبها - بها جواسق وبساتين على عين تسمى عين التوتة. وسمّى ذلك الموضع الفردوس.
وبها من المدارس: ١ - مدرسة أنشأها نجم الدين إيلغازي.
٢ - ومدرسة أنشأها نظام الدين ألبقش.
٣ - ومدرسة أنشأها القاضي سديد الدين - بجوار الجامع -.
٤ - ومدرسة عمارة خاتون - حنفيةٌ -.
٥ - ومدرسة أنشأها الملك المنصور أُرتق. فلما مات عمل بها ولده الملك السعيد نجم الدين إيلغازي منبرا، وأقام بها الجمعة، لكثرة من انضوى إلى ماردين من الناس عند قصد التتر البلاد. يُدرَّسُ بها المذهبان.
وبها نحو مائة مسجد.
وبها حمامات ستة.
عرض هذه المدينة سبع وثلاثون درجة وثلثا درجة. وطولها ست وسبعون درجة وثلثا دقيقة.
ذكر فتحها ومن مَلَكَها
فتحها عياض بن غنم مع مافتح من الجزيرة وديار بكر ولم تزل بيد من ولي الجزيرة وديار بكر إلى سنة خمسين ومائتين. كانت بيد إسحاق بن كنداج، ولم تزل بيده إلى أن سار إلى نصيبين وملكها في سنة سبع وستين ومائتين، واستأمن إليه عبد الله بن عيسى ابن الضيخ وابن ميمون الفارقي وإسحاق بن خلف الفارقي، وسلموا إليه ميافارقين فملكها، ولم تزل بيده مع غيرها من البلاد إلى أن توفي في السنة المذكورة، ووليها ولده محمد بن إسحاق بن كنداج.
ثم إن أحمد بن عيسى بن الشيخ توصل إلى أن سرق ماردين، ولم تزل بيده إلى أن تغلب عليها حمدان بن حمدون بن الحارث التغلبي العدوي وعلى دارا ونصيبين وتحصن بقلعة ماردين.
وذكر ابن الأثير في تاريخه في حوادث سنة إحدى وثمانين ومائتين: " أن المعتضد خرج الخرجة الثانية إلى الموصل قاصدا لحمدان بن حمدون لما بلغه ميله إلى هارون الشاريّ وأنه دعا له. فلماّ بلغ الأعراب و " الأكراد " مسير المعتضد تحالفوا على أنهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوا واعتدوا؛ فسار المعتضد إليهم " في خيله " " جريدة، وأوقع بهم، وقتل منهم وغرق في الزاب منهم خلق كثير.
стр. 201
وسار المعتضد إلى الموصل يريد قلعة ماردين "، وكان بها حمدان، فلما بلغه قصد المعتضد إياه خرج منها هاربا، وترك بها ابنه، فنازلها المعتضد وقاتله يومه كله. " فلما " كان من الغد، ركب المعتضد وصعد إلى باب القلعه وصاح: يابن حمدان!! فأجابه، فقال: افتح الباب. ففتحه فقعد المعتضد في الباب، وأمر بنقل ما في القلعة وهدمها.
ثم سير خلف ابن حمدان وطلبه أشدّ الطلب، وأخذ ماله بالقلعة. ثم إنه ظفر به بعد عوده إلى بغداد.
وفي عوده قصد الحسنية وبها رجل كردي يقال له شداد في جيش كثيف نحو العشرة آلاف فارس، وكان له قلعة " في المدينة "، فظفر به المعتضد، وهدم قلعته ".
وذكر الهمذاني في تاريخه أنه هدم قلعته، ثم عفا عنه وأقر على ما تغلب عليه.
وكان أهل الموصل وديار بكر قد عمهم الغلاء، فحمل إليهم حمدان من الأقوات ما أرخص عليهم الأسعار.
وأنفق على سور ملطية سبعين ألف دينار، ووقف عليهم أربع مائة فرس.
وتوفي - " ﵀ " - في سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وولي ولجه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان وقلده المقتدر بالله الموصل وديار ربيعة والدينور والجبل والكوفة وطريق مكة. فاستخلف ابنه سيف الدولة علياً على الجبل وله اثنتا عشرة سنة، وفيه يقول المتنبي:
يابْنَ المُعَفّرِ في نَجْدٍ فوارسَها ... بسيفه وله كوفان والحَرَمُ
وكان أبو الهيجاء قد أعان الوزير أبا الحسن عليّ بن عيسى في مصادرته بعشرين ألف دينار، فلما أعادها إليه حلف أبو الهيجاء أنها لا ترجع إلى ملكه، ففرقت في الفقراء وغيرهم.
وخلع أبو الهيجاء المقتدر بالله وبايع أخاه القاهر، فاجتمعت الرجالة وقتلوا نازوكا - صاحب الشرطة - فبادر أبو الهيجاء ليخرج، فقال له القاهر: تسلمني يا أبا الهيجاء؟!! قد أخلته الحمية وقال: لا، وتربة حمدان لا أسلمتك أو أقتل دونك!!. ثم إنه تبع الخدم، فرموه بالنشاب، فخلع جبته وجرد سيفه، وهجم عليهم، فأجفلوا بين يديه، ثم رموه بالسهام إلى أن أثخنوه بالجراح، وهو ينادي: يا آل تغلب؟! أين الدهماء؟!.
ثم سقط من السهام، فقطعوا يده، وحزوا رأسه.
وكان المقتدر يحبه لشجاعته، فكتب له أمانا بخطه، وقال لبعض حجابه: ويلك؟! بادر إليه وأدركه لئلا يتم عليه أمر. فلما حصل ببعض الطريق تلقاه خادم برأسه، فحزن عليه المقتدر كثيرا.
وقيل عنه: إنه كان ليلة مع بعض جواريه في خلوة في بعض أسفاره. فسمع زئير الأسد عند باب مضربة، فجرد سيفه، وخرج إليه فقتله، وعاد برأسه إلى الجارية، ولم تفر شهوته، ولا كلت آلته.
وكان قتله ﵀ في سنة سبع عشرة وثلاث مائة.
وردّ المقتدر بالله الموصل وديار بكر إلى أخيه في السنة المذكورة. ثمّ. نقلته من التاريخ المظفري.
وكان ولده نائبا عنه بماردين، فلما توفي وليها ولده ناصر الدولة أبو محمد الحسن، ولم تزل في يده إلى أن قبضوا عليه أولاده سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
وكان ينوب عنه بماردين والرحبة ابنه حمدان، فلما قبض عليه أبو تغلب في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وحمله إلى قلعة كواشي وتوفي بها، وكان قد أعطى ماردين والرحبة لولده حمدان. فلم تزل في يد حمدان ابن ناصر الدولة إلى أن دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة في شوال منها، ملكها الغنضنفر، أبو تغلب ابن حمدان، سلمها إليه نائب أخيه حمدان. فأخذ أبو تغلب ما كان لأخيه من أهل، ومال، وسلاح، وأثاث، وحمله إلى الموصل.
ولم تزل ماردين بيده، ويد نوابه، إلى أن ملك عضد الدولة الموصل في سنة سبع وستين وثلاث مائة. وملك ديار ربيعة في سنة ثمان وستين وثلاثمائة. ولم تزل في يد عضد الدولة، ويد نوابه، إلى أن توفي في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة.
ذكر ابن الأثير في تاريخه في تراجم ماردين وآمد: أن باد بن دوستك الكردي الحميدي - خال بني مروان - ملك ديار بكر بعد عضد الدولة. ولم يزل مالكها إلى سنة ثمانين وثلاثمائة. وتوفي وانتقلت إلى بني مروان.
قال أحمد بن يوسف بن عليّ المعروف بابن الأزرق - صاحب تاريخ ميافارقين -: إن ديار بمر بعد عضد الدولة انتقلت إلى ممهد الدولة أبي منصور بن مروان، وأضرب عن ذكر باد.
وذكر الهمذاني في التذييل: أن ممهد الدولة لم يملك ديار بكر سوى سنة واحدة.
стр. 202
وذكر ابن الأزرق - صاحب تاريخ ميافارقين -: أن ممهد الدولة أقام إلى سنة إحدى وأربعمائة وملك نصر الدولة آمد وديار بكر، ولم تزل في يده إلى أن توفي في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وقد استوفينا حديثه في حديث آمد وميافارقين.
وملك بعد ولده نظام الدين. واستمرت في يد بني مروان إلى أن نفذ السلطان ملكشاه فخر الدولة محمد بن جهير في سنة سبع وسبعين. واستولى على ديار بكر في سنة ثمان وسبعين. ولم أعثر لها بعد ذلك على ذكر إلا في تاريخ ابن الأثير في حوادث سنة ثمان وتسعين وأربعمائة في وفاة سكمان بن أرتق يذكر أن بركيارق ملك بعد وفاة والده السلطان ملكشاه، ووهب ماردين لمُغنِّ يُقال له لجا كسرى، طلب منه مارِدِبن وأعمالها، فأعطاها إياها.
وكان اتفق أن وقعت حرب بين كربوقا - صاحب الموصل - وبين صاحب آمد. فاستنجد صاحب آمد عليه بسكمان. وكان ياقوتي ابن أُخت سقمان معه. فلما التقيا أسر كربوقا لياقوتي فيمن أسر في الوقعة المذكورة، وحمله إلى قلعة ماردين لقربها من مكان الوقعة، وأودعه للمغني الذي وهبه مارِدِين. فسجنه بها. فمضت أمُّ ياقوتي إلى كربوقا - صاحب الموصل - وسألته في ولدها، فأطلقه لها، وسيّر إلى المُغني يأمره بالإفراج عنه. فلما أفرج عنه سأله أن يكون مقامه عنده بماردين، وكانت ماردين قد أعجبت ياقوتي فطمع في مُلكها والاستيلاء عليها.
وكان من حول ماردين من الأكراد قد طمعوا في صاحبها - المغني -، فأغاروا على بلد ماردين وعاثوا بها، وتكررت غاراتهم. فقال ياقوتي لصاحب ماردين: إنه قد صار بيننا مودة وصداقة، وأرى هؤلاء الأكراد قد كثر عيثهم في البلاد، وقد عزمت على ردعهم وعمارة بلدك، لما صار بيننا من الصحبة. واستأذنه في إغارته، وأن يكون مقيما ببلده، فأذن له. فجعل يركب بمن اتفق معه من " باب " خلاط ويغير على نحو بغداد، فكان يركب معه للغارة بعض أجناد القلعة طلبا للكسب، وهو يكرمهم، ويوفر نصيبهم، ولا يعرض لهم، فأمنوا إليه. فكانوا في كل غارة يزيدون إلى بعض الغارات نهض معه أكثر من بالقلعة. فلما عادوا " من الغارة " أمر بقبضهم وتقييدهم، وسبقّهم إلى القلعة ونادى من بها من أهلهم: إن فتحتم الباب، وإلا ضربت أعناق من معي؟! فامتنعوا. فقتل واحدا منهم، ففُتح له الباب، وسُلِّمت القلعة إليه، فتسلمها.
ثم إنه جمع جمعا، وسار إلى نصيبين، فأغار على بلد جزيرة ابن عمر، وهي يومئذ لحكرمش، فلما عاد أصحابه بالغنيمة، أتاهم جكرمش،. وكان ياقوتي قد لحقه مرض منعه عن الركوب ولبس السلاح، فلما رأى جكرمش طلب فرسه ليركب، فقُرِّب إليه وحمل إلى أن ركب، والتقى الجمعان، فأصاب ياقوتي سهم سقط منه. فأتاه جكرمش وهو يجود بنفسه فبكى، وقال له: ما حملك على ما صنعت يا ياقوتي؟! فلم يُجبه، ومات. فمضت زوجة أُرتق إلى ولدها سكمان وجمعت التركمان وطلبت بثأر ابن ولدها فحصر سكمان نصيبين وهي لجكرمش، فسيّر جكرمش إلى سكمان مالا كثيرا سرا فأخذه، ورضي به. وقال لأم ياقوتي: إنه قُتل على يد العرب، ولا يُعرف قاتله.
وبعد ياقوتي ملك ماردين أخوه عليٌّ وصار في طاعة جكرمش واستخلف بها أميرا اسمه عيل أيضا. فأرسل عليٌّ هذا إلى سكمان يقول له: إن ابن أخيك عليا يريد أن يُسلم ماردين إلى جكرمش، فسار سكمان بنفسه وتسلمها، فجاء إليه عليٌّ - ابن أخيه - وطلب إعادة القلعة إليه، فقال له: إنما أخذتُها لئلا يخرب البيت. وأقطعه جبل جور ونقله إليه.
وكان جكرمش يدفع إلى علي كل سنة عشرين ألف دينار. فلما أخذ عمه سكمان ماردين منه، أرسل علي إلى جكرمش يطلب منه ما كان يحمله إليه، فقال: إنما كنت أُعطيك احتراما لماردين وخوفا من مجاورتك، والآن فاصنع ما أنت صانع.
وتوفي سكمان سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
فهذا دليل على أن ياقوتي ملكها عند ملك بكياروق بعد وفاة صاحبها، إما في سنة سبع أو ثمان وثمانين. ولم نقدر على تحقيق اليوم بعينه.
فلما مات سكمان ملك بعده ولده نجم الدين إيلغازي بن أُرتق وملك مدينة حلب. فكان يتردد إلى الشام، وإلى ماردين وإلى ميافارقين إلى أن توفي في سنة ست عشرة وخمس مائة بميافارقين.
وملك بعده ولده الأمير حسام الدين تمرتاش، وقام بسياستها بعد أبيه أحسن قيام. واتفق هو وعماد الدين زنكي ابن أتابك وصار يدا واحدة. وملك عماد الدين الصَّور وأعطاها لحسام الدين.
стр. 203
ولم يزل حسام الدين مالكها إلى أن توفي في أوائل المحرم سنة ست وأربعين وخمس مائة.
وولي مكانه نجم الدين إلبي إلى " أن " مات في سنة......
وولي ولده قطب الدين إيلغازي بن نجم الدين إلبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن سقمان بن أُرتق. ولم تزل بيده إلى أن توفي في سنة ثمانين وخمس مائة.
" وخلّف ولده حسام الدين يولق أرسلان، وكان طفلا، فوليَّ تدبير دولته نظام الدين ألبقش - مملوك أبيه - وكان لهذا - نظام الدين - مملوك أسنه لؤلؤ قد تحكّم في الدولة، فلم يترك نظام الدين يُحكِّم حسام الدين في شيء، ولا يتصرف في نفسه. فبقي كذلك إلى أن مات الصغير. وكان له أخ أصغر منه اسمه قطب الدين أرسلان، فرتبه نظام الدين في الملك مكان أخيه، فجلس في الملك، وليس له منه إلا الاسم، بل الأمر والنهي لنظام الدين لؤلؤ، فلم يزل كذلك إلى سنة إحدى وستمائة، فمرض ألبقش الذي هو نظام الدين، فأتاه قطب الدين يعوده، فلما خرج من عنده خرج معه لؤلؤ، فضربه قطب الدين بسكين كانت معه فقتله. ثم دخل قطب الدين إلى نظام الدين وبيده السكين فقتله أيضا وخرج ومعه خادم له وألقى الرأسين إلى الأجناد. وكانوا كلهم قد أنشأهم النظام ولؤلؤ فأذعنوا بالطاعة. فلما تمكن أخرج من أراد، وترك من أراد، واستولى على قلعة ماردين وأعمالها، والبارعية، وقلعة الصَّور. ولم يزل قطب الدين أرسلان مالكا إلى أن مات سنة.....
وولي ولده الملك المنصور أُرتق.
وكان الملك العادل قد حاصر ماردين في سنة خمس وتسعين وخمس مائة، وملك ربضها ثم رحل عنها. ذكر ذلك ابن الأثير في تاريخه مفصلا. واستمر الملك المنصور أُرتق بها إلى أن قُتل.
ذكر قتل الملك المنصور أرتق صاحب ماردين
في ليلة الأحد، ثامن ذي الحجة من سنة ست وثلاثين وستمائة، اجتمعت مماليك الملك المنصور أُرتق بن قطب الدين أرسلان ابن نجم الدين إيلغازي بن إلبي بن تمرتاش بن إبل غازي بن أرتق على قتله. ونزلوا عليه في الليل، وهو نائم عند نسائه، فخنقوه بوتر قوس، ثم تحيّروا بعد قتله فيمن يولونه عليهم؟ فوقع اختيارهم على ولده الملك السعيد نجم الدين إيل غازي، وكان مجبوسا بالبارعية فسيّروا وراءه فخر الدين أمير سلاح - أحد مماليك أبيه - فأحضره، فلما حضر ملّكوه. فلما استقر في الملك اجتمع رأي الأمراء على قتل من وافق على قتل أبيه فلم يحسُن ذلك برأي الملك السعيد لكونهم أخرجوه من السجن وملكوه، بل نفاهم وأخرجهم من بلد ماردين وكانوا زُهاء مائتي نفر.
وكان عمر والده يوم قُتل سبعا وخمسين سنة، وكان ملكه ماردين في سنة إحدى وستمائة.
ذكر حصار التتر ماردين واتفاقهم مع الملك السعيد صاحبها
كان هولاكو لما نزل على آمد في أواخر سنة سبع وخمسين وستمائة، بعث إلى الملك السعيد نجم الدين إيلغازي - صاحب ماردين - ليستدعيه إليه. فسير إليه الملك السعيد ولده الملك المظفر قرا أرسلان، وقاضي القضاة مهذب الدين محمد بن مجلي المعروف، والأمير سابق الدين بلبان. وكان من أكابر أمرائه، ومعهم هدية سنية وعلى أيديهم رسالة تتضمن الاعتذار من تباطئه عن المثول والحضور بمرض منعه من الاستطاعة على الحركة. ووافق وصولهم إليه أخذه قلعة اليمانية وإنزل من كان بها من حريم الملك الكامل - صاحب ميافارقين ﵀ وأولاده وأقاربه وهم: ولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف جقطاي والسبب في تسميته بهذا الاسم أنّ الملك الكامل لما توجه إلى منكوقاآن البرية إلى الملك الناصر يستحثه على الحركة إلى حلب، ويعده أنه متى وصل إلى حلب رحل إليه برحاله وماله. وسيرّ الأمير عز الدين يوسف بن الشماع رسولا في الظاهر إلى هولاكو بهديةّ، وإلى ولده وولدي غياث الدين - صاحب بلاد الروم - باطنا، يحرض ولده على الهرب وينكر على عز الدين كونه ألقي بنفسه إلى التهلكة في محبة هولاكو. وقال له: متى أبقى عليك فإنما ذلك ليغرّ الملك الناصر بك، لا لمحبة لك، ورغبة فيك، فأوسع الحيلة في الانفصال عنه، والحذر منه. فشكره عز الدين على ما نبهه عليه، وقال: والله ما خرجت البلاد عن أيدينا إلا بتخاذل بعضنا عن بعض!! فلو كانت الكلمة محتمعه لم يجر علينا ما جرى.
стр. 204
ولما نزل هولاكو على حلب واستولى عليها وهرب الملك الناصر من دمشق قاصدا مصر مرض الملك السعيد مرضا أشرف منه على التلف، ثم بل، وبعث إلى هولاكو يطلب منه الأمير سابق الدين بلبان، فبعث به إليه، وكان قد استماله في مدة مقامة عنده، فلما اجتمع بالملك السعيد أخبره ما لقي أهل حلب من القتل والسبي والفتك ليخوفه، وأشار عليه بتسيير هدية أخرى، فسيره وأصحبه عز الدين ابن بطة بهدية، فلما وصلا إليه وجداه على عزاز، وقد عاد من حارم، فاجتمعا به، وقدما له الهدية، وأشار عليه ساب الدين أن يستميل عز الدين ابن بطة، فاستدعاه سرا، وقال له: اقض لي حاجة أقض لك ألف حاجة. قال: ما هي؟. قال: أريد منك أن تعرفني هل الملك السعيد مريض حقيقة أم متمارض؟. فقال له: كان متوعكا، وازداد مرضه عند أخذك حلب ثم عوفي فقال: إذا ألزمته بالمجيء، تعلم أنه يفعل؟! قال له ما يفعل أصلا. فقال: لأي سبب؟. قال: لأشياء كثيرة منها: - إنكم لا تفون لأحد، ولا تقفون عند كلام تقولونه.
- وإنكم تكلفونهم مالا تطيقه نفوسهم.
- وقد تحقق أنه متى نزل إليك قتلته!!.
قال: فإن قصدته أيقدر أن يمنع نفسه مني؟! قال: نعم. قال: بأي شيء؟. قال: بحصانة قلعته، وما فيها من الذخائر والأقوات، فإنه ادخر فيها قوت أربعين سنة!!.
فلما فرغا من الكلام أعطاه بالشت وزنة سبعمائة مثقال، وثيابا.
فلما أصبح استدعاه الأمير سابق الدين وكتب لهما جوابا مضمونه: إني قد أعفيتك من النزول، فطيب قلبك ".
ثم اجتمع بسابق الدين سرا، واتفق معه على استفساد من في ماردين من أكابر أهله وأعيانها وأمرائها وأجنادها. وكتب لهم فرمانات، وألزمه بتكفل ذلك. فأشار عليه أن يسير معه الملك المظفر ابن الملك السعيد ليطمئن قلبه بذلك، ويسكن جأشه، فأجابه بتلك الوسيلة إلى ما طلب، فسيره معهما، فلما وصلا أديا الرسالة.
ثم خلا عز الدين بالملك السعيد، وعرفه ميل سابق الدين إلى هولاكو وأنه عليه لا له، وأن التتر لابد لهم من قصده، ففت ذلك في عضده.
وكان قد سير سابق الدين بلبان - المذكور - بهدية أخرى وجواب يعتذر فيه. وبعد انفصاله خلا الملك السعيد بعض غلمانه، وعرفه ما هو عليه سابق الدين من الميل مع هولاكو، وأنه متى اجتمع به أفسد عليك الأحوال، فالمصلحة أن تمسكه، ووافق ذلك ما نقله عز الدين عنه، فسير في طلبه على أنه يحمله رسالة في أمر تجدد بعد سفره ليقبض عليه.
وكان في خدمة الملك السعيد أمير يقال له: أسد الدين البخي، وكان قد وصله فرمان على يد سابق الدين - المذكور -، فاطلع على ما عزم عليه الملك السعيد من قبضه، فسير إليه غلاما له عجلا، بحيث إنه ركب فرسا عريا، ولحقه إلى دنيسر وعرفه رأي الملك السعيد فيه، وأنه متى وصل قبض عليه فلحق بهولاكو ولم يعد إليه.
وتحقق الملك السعيد أن التتر لابدّ لهم من قصده، فاستعد لقتالهم، ونقل ما كان في البلد من الذخائر إلى القلعة. ثم بعد ذلك بأربعة أيام وصلت رسل من هولاكو وعلى أيديهم هدية للملك السعيد. ثم وصل عقيبهم عسكر غنزل على ماردين في ثالث جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وستمائة، ولم يقاتلها ستة عشر يوما. ويقال: إن هولاكو كان معهم ليشرف على القلعة، ويرى ما هي عليه من الحصانة، ورحل في طائفة من أصحابه. ولما انقضت هذه المدة وصل ابن قاضي خلاط من هولاكو إلى الملك السعيد برسالة مضمونها يلتمس منه أن يفتح أبواب البلد ليدخل عسكره يستمير منها الأقوات والعلوفات أياما قلائل ويرحلون عنها. فأذن لهم، فدخلوها وترددوا في الدخول والخروج. فلما كان اليوم الثاني والعشرون من جمادى الأولى، وقت العصر، صعد التتر على أسوار البلد ودقوا طبولهم، وجردوا السيوف، وهجموا البلد، فقاتلهم أهلها، ودربوا شوارعهم، ودام قتالهم ثلاثة سنين يوما، إلى أن فتح لهم بعض مقدمي البلد دربا فملكوه، ودخلوا منه إلى الجامع، وصعدوا المنائر، ورموا منها بالنشاب، فضعف أهل البلد عن حفظ الدروب، واحتموا بالكنائس، لباطن كان لأصحابها مع التتر. وإنجاز أكثرهم إلى القلعة، فملكت التتر البلد، وأخذوا في قتال القلعة، ثم نصبوا المجانيق، وكانت عدتها ستة، فلم يصل إلى القلعة منها سوى ثلاثة أحجار، واستمر الحصار إلى أن خلت سنة ثمان ودخلت سنة تسع وخمسين وستمائة.
ذكر وفاة صاحب ماردين وتولي ولده
стр. 205
وتوفي الملك السعيد نجم الدين إيلغازي في سادس عشر صفر، " سنة تسع وخمسين " وقيل: في ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين وستمائة.
وكانت وفاته وتولية ولده في السنة الخالية - نقله الله إلى رضوانه ووفر حظّه من عفرانه - من وباء وقع في أهل القلعة، فأهلك أكثرهم.
ووصل الخبر بوفاته إلى التتر من رجل يسمى أحمد بن الفارس " علي " الشافصني رمى بنفسه من القلعة إليهم. ولما اتصل بهم وفاته، بعثوا رسولا إلى ولده الملك المظفر، وطلبوا منه الدخول في الطاعة، فبعث إليهم عز الدين يوسف بن الشماع ليتعرف منهم ما أضمرته له نفوسهم. فلما اجتمع بمقدَّميهم وهما: قُطُز نوين وجرمون، قالا له: إن بين الملك المظفر قرا أرسلان وبين إيل خان، يعنون هولاكو، وعدا أن والده متى مات، وتسلم الملك بعده، دخل في طاعته.
فقال لهم عز الدين: هذا صحيح، لكن أنتم أخربتم بلاده وقلتتم رعيته، فبأي شيء يدخل في طاعته حتى يداري عنه؟!! فقالا: قد علمنا ذلك، ونحن نضمن له أن إيل خان متى اتصل به خبر وفاة الملك السعيد، وأن ولده الملك المظفر دخل تحت طاعته، على ما كان تقرر بينهما، عوَّضه عما خرب من بلاده بلادا عامرة مما جاوره.
فلما عاد عز الدين إلى الملك المظفر، وأخبره بما دار بينه وبين مقدَّمي التتر ردَّه إليهم برسالة مضمونها: إن أردتم أن اٍيِّر إلى إيل خان فابعثا إليَّ رهائن من جهتكما تكون عندي إلى أن يُرجِعُوا رسُلي.
وترددت الرسل " بينه و " بينهم إلى أن استقر " الحال " بينهم أن بعث قطز نوين ولده، وبعث جرمون ابن أخيه، فلما صعدا إليه، بعث ور الدين محمود بن كاجار - أخو الملك السعيد لأمه - وأصحبه قطز نوين من جهته سابق الدين بلبان، فوصلا إلى هولاكو، وكان بالمراغة، فأديا الرسالة إليه، وكان مضمونها ما تقدم، فأجاب إلى ما ضمناه قطز نوين وجرمون وكتب لهم بذلك فرامين، وبعث بها مع قصادٍ من جهته، وأبقى الرسل عنده، وأمرهما بالرحيل عن ماردين، فرحلا في شهر رجب من سنة تسع " وخمسين وست مائة ".
ثم بعث هولاكو الرسولين وأصحبهم كوهداي - " من أكابر أمرائه ومقدميه " - فوصلوا إلى ماردين وانتظم الصلح والهدنة بين الملك المظفر والتتر، واسلم " بعد ذلك المقدمُ " كوهداي على يد الملك المظفر فزوّجه أخته " من أبيه ".
ذكر توجُّه الملك المظفر إلى التتر إلى عند هولاكو
ثم توجه الملك المظفر قرا أرسلان - صاحب ماردين - في شهر رمضان إلى هولاكو، واستصحب معه هدية سنية من تحف ادخرها أبوه وجدوده، من جملتها باطيّة مجوهرة، قيمتها على ما ذكر، أربعة وثمانون ألف دينار، فاجمع به بصحرا دريه بنهر يقال له: ما الباغ - من أعمال سلماس - فأقبل عليه وأكرمه، ثم قال له: بلغني أن أولاد صاحب الموصل هربوا من البلاد إلى مصر، وأنا أعلم أن أصحابهم كانوا السبب في خروجهم، فاترك أصحابك الذين وصلوا معك عندي، فإني لا آمنهم أن يحرفوك عني، ويرغِّبوك في النزوح عن بلادك إلى مصر، وإذا دخلتُ إلى البلاد استصحبتُهم معي، فأجابه إلى ذلك.
ثم انفصل عنه عائدا إلى بلده، فلما كان في اثناء الطريق لحقته رسل هولاكو يأمره بالعود، فعاد وفرائصه ترجفُ خوفا، والنوم لا يطرق له طرفا، فلما اجتمع به قال له: إن أصحابك أخبروني أن لك باطنا مع صاحب مصر، وقد رأيت أن يكون عندك من جهتي من يمنعك من التسحب إليه. ثم عيّن له أميرا يُدعى أحمد بٌغا، وردَّه إلى ماردين وزاده نصيبين والخابور. وأمره بهدم شراريف القلعة. ولما فارقه ضرب هولاكو رقاب الجماعة، وكانت عدَّتهم سبعين نفسا منهم: الملك المنصور ناصر الدين أرتق ابن الملك السعيد ونور الدين محمد وأسد الدين البختي وحسام الدين عزيز البختي وفخر الدين بن حاجري وعلاء الدين - والي القلعة -، وعلم الدين بن جندر. ولم يكن لأحد منهم ذنبٌ، وإنما قصد بقتلهم أن يحُصَّ جناح الملك المظفر.
واستمر الملك المظفر في الملك إلى الوقت الذي وضعنا فيه هذا الكتاب، وهو سنة تسع وسبعين وستمائة. تم كان الفراغ منه بكرة نهار السبت خامس عشري رجب في سنة تسع وثمانين وسبع مائة على يد أضعف العباد الراجي عفو ربه وغفرانه سليمان بن غازي بن محمد الأيوبي. رحم الله من ترحّم عليهم، ودعا لهم المغفرة ولساير المسلمين. آمين يا ربَّ العالمين. والحمد لله والصلاة على سيد المرسلين.