← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 758

الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة

عز الدين ابن شداد

Полный текст (205 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والثانية من إنشاء السلطان الشهيد نور الدين ﵀ مرصدة للواردين الغرباء. ذكر فتح مدينة سنجار وملكها قال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: حدثني محمد ابن المفضل الموصلي عن مشايخ من أهل سنجار قالوا: كانت سنجار في أيدي الروم فاتفق أن كسرى المعروف بأبرويو أراد قتل مائة رجل من الفرس كانوا حملوا إليه بسبب خلاف ومعصية. فكلم فيهم " فأمر أن يوجهوا إلى سنجار وهو يومئذ يعاني فتحها، فمات منهم " في الطريق رجلان، ووصل " إليها " ثمانية وتسعون " رجلا "، فصادفوا المسلمين عليها محاصرين لها، فنزلوا على ناحية منها وقاتلوها، ففتحوها دون المسلمين وتحصنوا بها. فلما انصرف عياض بن غنم من خلاط " وصار " إلى الجزيرة بعض إلى سنجار ففتحها " صلحا " وأسكنها قوما من العرب. ذكر من وليها بعد خروج الجزيرة عن أيدي بني حمدان في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة قد تقدم القول بذكر من فتحها، ومن ملك الجزيرة بمجموعها أولا، فأعني عن إعادته ثانيا. فإن سنجار لم تزل مضافة إلى من يلي ديار ربيعة والموصل. فلما أن خرجت عن أيدي بني حمدان في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة انتقلت إلى أمراء بني عقيل - ملوك الموصل - وأولهم: أبو الذواد محمد بن المسيب بن رافع بن المقلد ابن جعفر بن عمرو بن المهنا عبد الرحمن بن بريد - مصغرا - بن عبد الله بن زيد بن قيس بن جوثة بن طهفة ابن حزن بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوزان. تغلب أبو الذواد على الموصل وملكها وسنجار فلم تزل في يده إلى أن توفي في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ووليها المقلد - أخوه - إلى أن قتل في سنة إحدى وتسعين. ووليها ولده قرواش، وتوفي سنة اثنتين وأربعين " وأربعمائة " ولم تزل " في يد " من يلي الموصل من بني عقيل إلى زمن الأمير شرف الدولة، أبي المكارم مسلم بن أبي المعالم قريش. وكان استولى على ديار عظيمة، وسيرته حسنة. فساس الناس سياسة حسنة. وشمل الأمن جميع الرعية والسبل. وقد استوفينا بعض سيرته في أخبار حلب. ولم يزل مالكا الموصل وسنجار وحلب إلى أن قتل في حرب جرت بينه وبين سليمان بن قتلمش - ظاهر إنطاكية - في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. وولي بعده أخوه أبو سالم إبراهيم بن قريش. وكان قد اعتقله أخوه شرق الدولة في قلعة سنجار أربع عشرة سنة. فلما توفي أخوه اجتمعت العشيرة على إخراجه وتوليته مكان أخيه، فأخرجوه وولوه الموصل وسنجار. فلم يزل بهما إلى أن وصل السلطان ملكشاه في سنة ثمانين وأربعمائة، فقبض على إبراهيم بن قريش وسلم البلاد إلى أبي عبد الله محمد بن شرف الدولة بن قريش وأزوجه أخته زليخا واستمرت إلى أن استدعاه السلطان ملكشاه إليه واعتقله. فلم يزل معتقلا إلى أن توفي السلطان ملكشاه ليلة الجمعة النصف من شوال من سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فأطلقته تركان خاتون - زوجة السلطان - ولعمه إبراهيم فوصلا إلى الجزيرة. وكان نواب أبي عبد الله محمد بن شرف الدولة بسنجار مدة حبسه. فوصل إلى الجزيرة. ولما بلغ تاج الدولة تتش السلجوقي، صاحب دمشق - أخو ملكشاه - خرج من دمشق بعساكره طمعا في ملك أخيه ملكشاه. فوصل إلى الجزيرة واستولى على هيت، وعاد إلى دمشق. ثم خرج ثانيا، فوصل إلى حلب وقتل قسيم الدولة آق سنقر - صاحب حلب - في وقعة كانت بينهما بظاهر حلب وملكها. ثم سار إلى الرها فملكها، وإلى ميافارقين وآمد فملكهما، وتسلم تصيبين، وسلمها إلى محمد ابن شرف الدولة بن قريش. وتوجه إلى لقاء ابن أخيه بك ياروق وضرب معه مصافا، فقتل تاج الدولة في الوقعة، وذلك في سنة ثمان وثمانين وأربع مائة.

стр. 142

ولم يزل محمد بن مسلم بن قريش واليا على الموصل وسنجار إلى أن قتله كربوقا في وقعة جرت بينهما، بعد أن أسره، وذلك في سنة تسع وثمانين وأربع مائة. واستولى على الموصل بعد حصار. ولم يزل حاكما على الموصل وسنجار إلى أن توفي في سنة خمس وتسعين وأربع مائة وذكر ابن الأثير في تاريخه " الكامل " في حوادث سنة اثنتين وخمسمائة أن تميرك كان متوليا على سنجار مستقلا بملكها، ولم نتحقق تمليكه لها، هل كان نيابة أو تغلبا. واستمر نميرك في ولاية سنجار إلى أن دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة فأقطع السلطان " محمود بن محمد مدينة الموصل وسنجار والخابور وغيرها من البلاد لآق سنقر البرسقي فلم يزل مالكا لسنجار إلى أن قتل بالموصل في الجامع يوم الجمعة ثامن ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة. ووليّ ولده عز الدين مسعود، ولم يزل واليا على الموصل وسنجار إلى أن توفي بمدينة الرحبة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. وبقي جاولي - مملوك البرسقي - على الموصل وسنجار أشهرا. ذكر ولاية عماد الدين زنكي الموصل أقطع السلطان محمود الموصل والجزيرة وما يليهما لعماد الدين زنكي بن قسيم الدولة آق سنقر الذي كان ملك سنة احدى وعشرين وخمس مائة فاستقل بملكها. ثم سار إلى نصيبين فملكها. وسار إلى سنجار، فامتنع من بها ثم صالحوه وسلموها إليه وملك الجزيرة بكمالها. ولم تزل في يده إلى أن قصد قلعة جعبر وحاصرها. وقتل بها سنة إحدى وأربعين وخمس مائة. وملك ولده الكبير سيف الدين غازي الموصل وبلاد الجزيرة وسنجار يوم الاثنين سابع شهر ربيع الآخر منها. وملك سيف الدين غازي الموصل وسنجار بعد أبيه. ونقل خزائن الموصل إلى سنجار. وكان الوالي بها رجل يقال له يلمان فعزله وولاها لعبد الملك المقدم الديلمي. ولم تزل سنجار في يده إلى أن توفي في جتدي الآخرة من سنة أربع وأربعين وخمس مائة. فلما توفي سيف الدين غازي كان أخوه قطب الدين مودود مقيما بالموصل، وكان له ولد صغير فتوفي بعده فملك الموصل قطب الدين مودود بعد أخيه. ذكر استيلاء نور الدين على سنجار لما ملك قطب الدين مودود الموصل، [بعد أخيه سيف الدين غازي] كان أخوه الأكبر نور الدين محمود بالشام، وله حلب وحماة، فكاتبه جماعة من الأمراء، وطلبوه. ومن جملة من كاتبه المقدم عبد الملك، وكان حينئذ مستحفظا لسنجار فأرسل إليه يستدعيه، ليسلم إليه سنجار. فسار جريدةً في سبعين فأرسل من أمراء دولته. فوصل إلى ماكسين في نفر يسير قد سبق أصحابه. وكان يوما شديد المطر، فلم يعرفهم الذي كان يحفظ الباب، فأخبر الشحنة أن نفرا من التركمان المتجندة قد دخلوا البلد، فلم يستتم كلامه حتى دخل نور الدين الدار على الشحنة، فقام إليه، وقبل يده، ولحق به باقي أصحابه. ثم سار إلى سنجار، فوصلها، وليس معه غير ركابي واحد وسلاح دار، ونزل بظاهر البلد، وأرسل إلى المقدم يعلمه بوصوله. وكان المقدم حينئذ قد توجه إلى الموصل، فسيَّر خلفه من أعلمه بوصول نور الدين. فعاد إلى سنجار وسلمها إليه، فدخلها نور الدين وتسلمها. وأرسل إلى فخر الدين قرا أرسلان - صاحب الحصن - يستدعيه لمودة كانت بينهما، فوصل إليه في عسكره. ولما سمع أتابك قطب الدين مودود وجمال الدين محمد الإصبهاني، الوزير، وزين الدين علي كوجك بذلك جمعوا عساكرهم وساروا نو سنجار، فوصلوا إلى تل يعفر وترددت الرسل بينهم، بعد أن كانوا عازمين على قصد سنجار فقال لهم جمال الدين: ليس من الرأي قتاله، فإننا نحن قد عظّمنا محلّه عند السلطان. وجعلنا أنفسنا دونه، وهو أيضا يعظمنا عند الفرنج. فإذا لقيناه، فإن هزمناه طمع السلطان فينا، ويقول: هذا الذي " كانوا " يعظمونه ويحتمون به أضعف منهم " وقد هزموه "، وإن هزمنا طمع الفرنج فيه، وتطرفوا إلى البلاد. وبالجملة فهذا هو ولد أتابك الكبير وأشار بالصلح، ويسلم سنجار إلى أخيه قطب الدين ويتسلم مدينة حمص والرحبة بأرض الشام. فعاد الشام له، والجزيرة لأخيه واتفقا. وعاد نور الدين " إلى " حلب، وأخذ معه ما كان ادخره أبوه أتابك الشهيد فيها من الجواهر، وكانت شيئا كثيرا جدا. ولم تزل سنجار في يد قطب الدين إلى أن توفي في سنة خمس وستين وخمس مائة. وكان قد جعل ولي عهده عماد الدين زنكي ولده، فعدل عنه إلى ولده الصغير سيف الدين غازي.

стр. 143

وكان السبب في عدوله عن ولده الكبير أن وزيرا كان رجلا يدعى فخر الدين عبد المسيح، فحسّن له العدول عن ابنه عماد الدين زنكي، وتولية ابنه الصغير، فولى سيف الدين غازي، فسار ولده الكبير إلى عمه نور الدين وكان يبغض فخر الدين عبد المسيح. ذكر ملك نور الدين الموصل وسنجار لما بلغ نور الدين محمود بن زنكي وفاة أخيه قطب الدين مودود - " صاحب " الموصل - وملك " ولد " أخيه سيف الدين غازي الموصل والبلاد التي كانت لأبيه بعد وفاته، وقيام فخر الدين عبد المسيح بالأمر معه، وتحكّمه عليه، أنف لذلك، وعظم عليه وقال: أنا أولى بتدبير بني أخي وملكهم. وسار عند انقضاء العزاء جريدةً في قلةٍ " من " العسكر، وعبر الفرات عند قلعة جعبر مستهل المحرم من هذه السنة وقصد الرقة فحصرها، وأخذها. ثم سار إلى الخابور " فملكه جميعا ". وملك نصيبين وأقام بها، فجمع العسكر، فأتاه نور الدين محمد بن قرا أرسلان ابن داود - صاحب حصن كيفا - وكان قد كثر جمعه. وكان قد ترك أكثر عساكره بالشام لحفظ ثغوره، فلما اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها، ونصب عليها المجانيق، فملكها وسلمها إلى عماد الدين ابن أخيه قطب الدين. وكان قد جاءته كتب الأمراء " الذين بالموصل " سرا يبذلون له الطاعة، ويحثونه على الوصول " إليهم "، فسار إلى الموصل، فأتي مدينة بلد وعبر دجلة " عندها " في مخاضةٍ إلى الجانب الشرقي، وسار فنزل شرقي الموصل على حصن نينوى ودجلة بينه وبين الموصل. ومن العجب أن يوم نزوله سقط من سورها بَدَنةٌ. وكان سيف الدين غازي وفخر الدين قد سيرا عز الدين مسعود بن قطب الدين " إلى أتابك شمس الدين إيلكز، صاحب همذان، وبلد الجبل، وأذربيجان، وأصفهان الري وتلك الأعمال " يستنجده على عمه نور الدين، فسير " إيلدكز " رسولا إلى نور الدين ينهاه عن التعرض إلى الموصل ويقول له: إن هذه البلاد بلاد السلطان فلا تقصدها فلم يلتفت إليه، وقال للرسول: قل لصاحبك، أنا أصلح لأولاد أخي منك، فلِمَ تُدخل نفسك بيننا؟ وعند الفراغ من إصلاح بلادهم، يكون الحديث معك على باب همذان فنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة وأهملت الثغور حتى غلبت عليها الكُرج، وقد بُليتُ أنا، ولي مثل ربع بلادك بالفرنج، وهم أشجع العالم، فأخذتُ معظم بلادهم، وأسرتُ ملوكهم، فلايحل لي السكوت عنك، فإنه يجب علينا وعلى كل مسلم القيام " بحفظ " ما أهملتَ، وإزالة الظُلم عن المسلمين. وأقام نور الدين على الموصل، فعزمَ من بها من الأمراء على مجاهرة فخر الدين عبد المسيح بالعصيان، وتسليم البلد إلى نور الدين فعلِم بذلك، فأرسل إلى نور الدين في تسليم البلد إليه، على أن يُقّضرهُ بيد سيف الدين، ويطلب لنفسه الأمان ولماله. فأجابهُ إلى ذلك، وشرط أن يأخذهُ معه إلى الشام، ويعطيه عنده إقطاعا يرضيه. فسلم إليه البلد ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ودخل القلعة من باب السر، لأنه لما بلغه عصيان عبد المسيح عليه، حلف أنهُ لا يدخلها إلا من أحصن مكان فيها. ولما ملكها أطلق ما بها من المكوس وغيرها من " أبواب " المظالم. وكذلك فعل بنصيبين وسنجار والخابور، وهكذا فعل في جميع بلاده من الشام ومصر. ووصله وهو على الموصل " يحاصرها " خلعة من الخليفة المستضيئ بأمر الله فلبسها. ثم أعطى سنجار لعماد الدين، فلم يزل بها إلى أن توفي نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر وملك ولده الملك الصالح إسماعيل حلب. ولم يزل عماد الدين مستمرا بسنجار إلى أن مات الملك الصالح في سنة سبع وسبعين وخمس مائة. وكان لما اشتد مرضه أوصى بأن تُسلم حلب إلى ابن عمه عز الدين مسعود - صاحب الموصل - فوصل إليها وتسلمها إلى أن توفي. ذكر تسليم حلب إلى عماد الدين من عز الدين صاحب الموصل

стр. 144

" لما وصل عز الدين إلى الرقة، جاءته رسل أخيه عماد الدين - صاحب سنجار - وطلب أن يسلم إليه مدينة حلب، ويأخذ عوضا عنها مدينة سنجار فلم يجبه إلى ذلك. ولجّض عماد الدين وقال: إن لم تُسلم إليَّ حلب، وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين. فأشار حينئذ جماعة من الأمراء بتسليمها إليه. وكان أشدهم في ذلك مجاهد الدين قايماز، فلم يُمْكنِ عز الدين مخالفته لتمكنه في لادولة، وكثرة عساكره وبلاده. وإنما حمل مجاهد الدين على " ذلك " خوفه م عز الدين لأنه عظم في نفسه وكثر معه العسكر. فكان الأمراء الحلبيون لا يلتفتون إلى مجاهد الدين ويسلكون معه من الأدب ما يسلكه معه عسكر الموصل، فاستقر الأمر على تسليم حلب إلى عماد الدين ودفع سنجار إلى أخيه، وعاد إلى الموصل. وكان صلاح الدين إذ توجّه بمصر، فلما بلغه خبر ملك عز الدين حلب، عظم عليه. وخاف أن يسير منها إلى دمشق وغيرها، ويملك الجميع. فأيس من حلب. فلما بلغه ملك عماد الدين لها برز " من مصر " من يومه. وسار إلى الشام. وكان " من الوهن على " دولة عز الدين ما نذكره - إن شار الله تعالى -. ذكر ملك صلاح الدين سنجار " لما سار صلاح الدين عن الموصل إلى سنجار سيَّر مجاهد الدين " قايماز " إليها عسكرا، قوة لها ونجدة، فسمع بهم صلاح الدين فمنعهم من الوصول إليها، وأوقع بهم، واذخ سلاحهم، ودوابهم وعلوفاتها، وسار إليها ونازلها. وكان بها شرف الدين أمير أميران " هندوا " وأخوه عز الدين - صاحب الموصل - معه في عسكرٍ، فحصر البلد وضايقه، وألح في قتاله، فكاتبه بعض الأمراء الأكراد، " الذين به " من الزرزارية " وخامر معه "، وأشار عليه بقصده من الناحية التي هو فيها " ليسلم إليه " البلد، فطرقه صلاح الدين ليلا، فسلم إليه ناحيته، فملك الباشورة لا غير. فلما سمع شرف " الدين " الخبر استكان وخضع، وطلب الأمان فأمِّن. ولو قاتل على تلك الناحية لكان أخرج العسكر الصلاحي عنها. ولو امتنع بالقلعة لحفظها ومنعها، لكنه عجز. فلما طلب الأمان أجابه صلاح الدين إلى ذلك وأمنَّهُ، وملك البلد، وسار شرف " الدين " ومن معه إلى الموصل " واستقر الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بملك سنجار. " واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنُر، وكان من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى ". ولم تزل سنجار بيد صلاح الدين إلى أن دخلت سنة تسع وسبعين وخمس مائة، فملك صلاح الدين آمد، وأنعم بها على نور الدين بن قرا أرسلان - صاحب الحصن -. وقصد حلب وحاصرها. وكان بها عماد الدين زنكي ابن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي، وضايقها، فأرسل عماد الدين إليه، وطلب الصلح، فعوضه عنها سنجار ونصيبين والرقة وسروج والخابور. وكان ذلك في ثامن عشر صفر من السنة. ولم تزل سنجار بيد عماد الدين زنكي " بن مودود بن زنكي بن آق سنقر إلى أن توفي في المحرم سنة أربع وتسعين وخمس مائة وملكها ولده قطب الدين محمد. ذكر وفاة عماد الدين زنكي بن مودود " في هذه السنة من المحرم توفي عماد الدين زنكي بن مودود ابن " زنكي ن " آق سنقر - صاحب سنجار ونصيبين والخابور والرقة. وقد تقدم ذكره، كيف ملكها سنة تسع وسبعين. وكان ﵀ عادلا، حسن السيرة في رعيته، عفيفا عن أموالهم، وأملاكهم، متواضعا، يحب أهل العلم والدين، ويحترمهم، ويجلس معهم، ويرجع إلى أقوالهم إلا أنه كان بخيلا شديد البخل، وملك بعده ولده قطب الدين محمد وتولىّ تدبير دولته مجاهد الدين يرنقش - مملوك أبيه -. وكان دينا، خيرا، عادلا، حسن السيرة، كثير البر والإحسان إلى الفقراء، وكان ﵀ شديد التعصب على مذهب الحنفية، كقير الذم للشافعية. فمن جملة تعصبه أنه بنى مدرسة للحنفية بسنجار، وشرط أن يكون النظر إلى الحنفية من أولاده، دون الشافعية، وشرط أن يكون البواب والفراش على مذهب أبي حنيفة. وشرط للفقهاء طبيخا يطبخ لهم كل يوم؟ وهذا نظر حسن، رحمه الله تعالى. ذكر حصار الملك العادل سنجار

стр. 145

وفي سنة ست وستمائة قصد الملك العادل أبو بكر " محمد " بن أيوب نصيبين والخابور وملكهما، وحصر مدينة سنجار " والجميع " من أعمال الجزيرة، وهي بيد قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي " بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي " بن آق سنقر ". وسبب ذلك أن قطب الدين المذكور كان بينه وبين ابن عمه نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود - صاحب الموصل - عداوة مستحكمة، وقد تقدم ذكر ذلك. فلما كان سنة خمس وستمائة حصلت مصاهرة بين نور الدين والملك العادل فإن بعض أولاد الملك العادل تزوج بابنة نور الدين. وكان وزراء نور الدين يحبون أن يشتغل عنهم، فحسنوا له مراسلة الملك العادل، والاتفاق معه على أن يقتسموا البلاد التي لقطب الدين، وبالولاية التي لولد سنجر شاه بن غازي ابن مودود وهي جزيرة ابن عمر وأعمالها فيكون " ملك " قطب الدين للملك العادل، وتكون الجزيرة لنور الدين. فوافق هذا القول هوى نور الدين فأرسل إلى الملك العادل في المعنى، فأجابه إلى ذلك مستبشرا، وجاءه ما لم يكن يرجوه. لأنه علم أنه متى ملك هذه البلاد إذا ملكها لولده الذي هو زوج ابنة نور الدين ويكون مقامه في خدمته بالموصل. واستقرت القاعدة على ذلك، وتحالفا عليها. فبادر الملك العادل إلى المسير من دمشق إلى الفرات في عساكره، وقصد الخابور فأخذه. فلما سمع نور الدين بوصوله خاف واستشعر، فأحضر من يرجع إلى رأيهم وقولهم وعرفهم وصول الملك العادل واستشارهم فيما يفعله. فأما من أشار عليه بذلك فسكتوا، وكان فيهم من لا يعلم هذه الحال فعظم الأمر، وأشار بالاستعداد والحصار وجمع الرجال، وتحصيل الذخائر وما يحتاج إليه. فقال نور الدين: نحن فعلنا ذلك وخبرة بالخبر فقال: بأي رأي تجيء إني عدو لك، وهو أقوى منك وأكثر جمعا، وهو بعيدٌ منك متى تحرك تعلم به فلا يصل إليك إلا وقد فرغت من جميع ما تريده، تسعى حتى يصير قريبا منك ويزداد قوة إلى قوته؟!. ثم " إن " الذي استقر بينكما أنه له تمليكه أولا بغير تعب وغير مشقة، وتبقى أنت لا يمكنك أن تفارق الموصل إلى الجزيرة وتحصرها، والملك العادل ههنا. هذا إن وفى لك بما استقرت القاعدة عليه؛ بل لايجوز أن تفارق الموصل إلى إن عاد الشام لأنه قد صار له ملك خلاط وبعض ديار بكر والجزيرة، جميعها، - والجميع بيد أولاده - متى سرت عن الموصل أمكنهم أن يحولوا بينك وبينها. فما زدت على أن آذيت نفسك وابن عمك وقويت عدوك، وجعلته شعارك، وقد فات الأمر. وليس يجوز إلا أن تقف معه على الأمر الذي استقر بينكما، لئلا يجعل ذلك حجة ويبتدئ بك. هذا والملك العادل قد ملك الخابور ونصيبين وعاد إلى سنجار وحضرها. وكان في عزم قطب الدين - صاحبها - أن يسلمها إليه بعوض يأخذه عنها، فمنعه من ذلك أمير كان معه اسمه أحمد بن يرنقش مملوك " أبيه " زنكي وقام بحفظ المدينة والذب عنها. وجهز نور الدين عسكرا مع ولده الملك القاهر يسيروا إلى الملك العادل. فبينما الأمر على ذلك إذ جاءهم أمر لم يكن في الحساب، وهو أن مظفر الدين كوكبري - صاحب إربل - أرسل وزيره إلى نور الدين يبذل له من نفسه المساعدة على منع الملك العادل عن سنجار، والاتفاق معه على ما يريد فوصل الرسول ليلا، فوقف مقابل دار نور الدين وصاح، فعبر إليه سفينة عبر فيها، واجتمع بنور الدين ليلا وأبلغه الرسالة، فأجاب نور الدين إلى ما طلب من الموافقة، وحلف له على ذلك، وعاد الوزير من ليلته، فسار مظفر الدين فاجتمع هو ونور الدين فنزلا في عساكرهما بظاهر الموصل.

стр. 146

وكان سبب ما فعله مظفر الدين أن صاحب سنجار أرسل ولده إلى مظفر الدين يستشفع يه إلى الملك العادل ليبقي عليه سنجار. وكان مظفر الدين يظن أنه لو شفع في نصف ملك العادل لشفعه فيه لأثره الجميل عنده، وقيامه في خدمته والذب عن ملكها غير مرة. فشفع إليه فلم يشفعه الملك العادل ظنا منه أنه بعد اتفاقه مع نور الدين لا يبالي بمظفر الدين، فلما رد الملك العادل شفاعته، راسل نور الدين في الموافقة عليه. ووصل إلى الموصل، واجتمع بنور الدين وراسلا الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين، صاحب حلب، وكيخسرو ابن قليج أرسلان - صاحب بلاد الروم - بالاتفاق معهما. وكلاهما أجاب على ذلك. وتواعدوا على الحركة، وقصد بلاد الملك العادل إن امتنع من الاتفاق والصلح وأرسلا أيضا الخليفة الناصر لدين الله ليرسل رسولا إلى الملك العادل في الصلح " أيضا "، فقويت حينئذ نفس صاحب سنجار على الامتناع، ووصلت رسل الخليفة وهو بهاء الدين أبو نصر بن هبة الله بن المبارك ابن الضحاك - أستاذ الدار -، والأمير آق باش وهو من خواص مماليك العادل وهو يحاصر سنجار. وكان الذين معه لايناصحونه القتال، لاسيما أسد الذين شيركوه - صاحب حمص والرحبة - فإنه كان يدخل إليها الأغنام " وغيرها " من الأقوات ظاهرا، ولا يقاتل عليها، وكذلك غيره. فلما وصلت رسل الخليفة إلى الملك العادل أجاب أولا إلى الرحيل ثم امتنع من ذلك وغالط، " وأطال " الأمر لعله ينال منها غرضا، فلم ينل منها ما أمله، فأجاب إلى الصلح، على أن يكون له ما أخذه، وتبقى سنجار لصاحبها، فاستقرت القاعدة على ذلك، وتحالفوا على " هذا كلهم وعلى " أن يكونوا يدا واحدة على الناكث منهم. ورحل الملك العادل عن سنجار إلى حران. وكان مظفر الدين عند مقامه بالموصل قد زوج ابنتيه لولدي نور الدين، وهما عز الدين مسعود وعماد الدين زنكي ". ذكر وفاة صاحب سنجار وملك ابنه وقتله وملك أخيه " في هذه السنة في ثامن صفر، توفي قطب الدين محمد ابن زنكي بن مودود بن زنكي - صاحب سنجار - وكان كريما، حسن السيرة في رعيته، حسن المعاملة مع التجار، كثير الإحسان إليهم. وأما أصحابه فكانوا معه في أرغد عيش، يعمهم بإحسانه، لا يخافون أذاه. وكان عاجزا عن حفظ بلده، مسلما الأمور إلى نوابه. ولما توفي ملك بعده ابنه عماد الدين شاهنشاه، وركب الناس معه، وبقي مالكا سنجار عدة شهور، وسار إلى تل يعفر وهي له، فدخل عليه أخوه عمر بن محمد بن زنكي، ومعه جماعة فقتلوه، وملك أخوه عمر بعده، فبقي كذلك إلى أن سلم سنجار إلى الملك الأشرف على ماسنذكره، ولم يتمتع بملكه الذي قطع رحمه، وأراق الدم الحرام لأجله. ولما سلم سنجار أخذ عوضها الرقة. فأخذت منه عن قريب، وتوفي بعد أخذها منه بقليل، وعدم روحه وشبابه. وهذا عاقبة قطيعة الرحم، فإن قطيعتها تهدم العمر، وصلتها تزيد في العمر ". ذكر ملك الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل مدينة سنجار كان بدر الدين لؤلؤة - صاحب الموصل - لما مات الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان " شاه " بن عز الدين مسعود - صاحب الموصل -. وولي ولده ناصر الدين محمود الموصل، فأقام بدر الدين بأمر ولده. والتجأ إلى الملك الأشرف مظفر الدين أبي الفتح موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب - صاحب خلال والجزيرة - وتعلق به. ولما قصده مظفر الدين كوكبري - صاحب إربل - ونازله كاتب الملك الأشرف، وكان إذ ذاك بحب مقيما قبالة قلبج أرسلان - صاحب الروم - ليدفعه عنها، وكان قد دفعه. فلما كاتبه خرج من حلب ووصل إلى دنيسر ووصل إليه الملك ناصر الدين محمود - صاحب آمد - واجتمع به وصالح صاحب ماردين وساروا جميعا إلى قصد الموصل. فلقيه رسل صاحب سنجار يبذل له تسليمها إليه، ويطلب العوض عنها مدينة الرقا. وكان قد خانه أصحابه وثقاته. وزادوه رعبا وخوفا فتغدوا به قبل أن يتعشى بهم وعزموا على قتله، كونه قتل أخاه الذي كان مالكا سنجار قبله بعد أبيه. فأجابه الملك الأشرف وتسلم سنجار في مستهل جمادى الأولى. وفارقها صاحبها وإخوته بأهليهم وأموالهم. وكان هذا آخر ملك البيت الأتابكي لسنجار، فسبحان الحي الدائم الذي لا يموت وليس لملكه آخر. وكان مدة ملكهم لها تسعا وعشرين سنة.

стр. 147

ولم تزل في يد الملك الأشرف، وهو محسن إلى أهلها، كثير الاعتناء بأمرهم، وأحبوه محبة عظيمة، لعدله فيهم، وحسن سيرته، ومكارم أخلاقه إلى أن توفي بدمشق خامس المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة. ذكر حصار بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل سنجار قد كنا قدمنا أن الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل لما قصد والده الشام شن الغارة على بلد الموصل بمن معه من الخوارزمية وغيرهم ونهبه، فضاق بدر الدين به ذرعا، وبعث إليه هدية يصانعه بها عن نفسه، فأخذها ولم يكف عنه. فلما توفي الملك الكامل ووقع الاتفاق بين السلطان غياث الدين - صاحب الروم - وبين صاحب حلب وصاحب ماردين وصاحب ميافارقين وأقطعهم بلاد الجزيرة عدلت الخوارزمية عن الملك الصالح إلى الملك المنصور - صاحب ماردين - فانحاز إلى سنجار خوفا منهم، فجمع بدر لدين عساكره ومن في بلد الموصل من التركمان ونزل على سنجار محصارا لها، فبعث الملك الصالح إلى ولده الملك المغيث عمر وهو بحصن كيفا وأمره أن يصير إلى حلب يستصرخ بعمته - أم الملك العزيز - فسار الملك المغيث وقصد قلعة جعبر وعبر الفرات قاصدا منبج. فلما سمعت الخوارزمية بمسيره تبعته، وحالت بينه وبين حلب، وقد تعدى منبج، فلما شعر بذلك حاد عن الطريق الجادة وقصد جسر العادل فعبر منه الفرات عائدا إلى الحصن، فصادفه بدر الدين أبو المحاسن يوسف - قاضي سنجار -. وكان الملك الصالح قد بعثه إلى السلطان غياث الدين يطلب منه أن يكون من جملة من انتمى إليه من الملوك ويخطب له في البلاد التي في يده بعد أبيه فلم يجبه. فقال: إن أدام بدر الدين على حصار أبيك أخذه، والمصلحة أن تسير بنا إلى الخوارزمية في دفعه عنه. فسار إليهم، وهم بحران. فقالوا له: لا نُنجدك حتى تسلم إلينا قلعة حران فسلمها إليهم وساروا معهم، فلما أحس بهم بدر الدين هرب، وترك أثقاله فنهبوها، وعادوا إلى حران. ثم ترددت الرسل بين الملك الصالح وبدر الدين حتى استقرت الحال على أن لا يتعدى أحدٌ منهم على الآخر في البلاد التي بيده. ذكر ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب دمشق لما توفي السلطان الملك الكالم ناصر الدين محمد ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بدمشق أجمعوا أمراء دولته - كما تقدم - على أن ولوا الملك الجواد مظفر الدين يونس ابن الملك المعظم شمس الدين مودود ابن الملك العادل - ابن أخيه - دمشق نيابة عن الملك العادل سيف الدين أبي بكر ابن الملك الكامل صاحب الديار المصرية بع أبيه الملك الكامل أنكر الملك العادل ولاية الملك الجواد لكونه أصرف الخزاين التي كانت صُحبة والده بدمشق فسيّر " من " أنكر عليه مع عماد الدين ابن الشيخ فحمله الخوف على أن كاتب الملك الصالح نجم الدين أيوب بأن يسلم إليه دمشق ويعوضه عنها بسنجار والرقة وعانا فأجابه. ووصل نجم الدين أيوب إلى دمشق يوم الجمعة التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وستمائة وملكها. ثم واقع الملك الجواد الندم على تسليم دمشق فسار الملك الجواد من دمشق بالخزاين والأموال التي كان أخذها من دمشق وقصد الرقة، فعثر بنجّابٍ معه كتابٌ من الملك الصالخ إلى الخوارزمية يأمرهم بالقبض عليه. فأسرع إلى عانا وتسلمها خوفا " من أن " يسبقه النجاب، وأقام بها، فخرج بدر الدين لؤلؤ بعساكر الموصل ونزل على سنجار محاصرا لها. فبعث الملك الجواد إلى الخوارزمية مالا وتقدمة، وطلب منهم أن يرحِّلوا بدر الدين عن سنجار فساروا إليه، فلما أحسَّ بهم رحل عن سنجار فتسلمها واستقل بملكها. ذكر تمليك بدر الدين لؤلؤ سنجار

стр. 148

كان السبب في أخذ سنجار أن الملك الجواد لما ملك سنجار شرع في مكاتبة الخوارزمية والتجائه إليهم والتقوي بهم. فخاف برد الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - منه أن يتفق مع الخوارزمية ويقصده، فراسله وهاداه حتى أمن جانبه، واستأذن الإمام المستنصر في أخذها، وأوحى إليه أن الملك الجواد عازم على تسليمها إلى الخوارزمية فأذن له. ثم إن الملك الجواد شرع في إعمال الحيلة على بدر الدين - صاحب الموصل - فراسله وهاداه، وأظهر أن له بنتا، وهو يختارُ الوصلة إليه، ويسأله أحد أولاده، لتصير بينهم لُحمة نسب واتفاق. ولم يكن للملك الجواد ابنةٌ وإنما قصد بذلك فتح باب الحيلة على بدر الدين. وكان بدر الدين أيضا تحقق أن الملك الجواد ليس له بنت، فشرع أيضا في إعمال الحيلة عليه، ولم يُظهر أن عنده من ذلك علم. فأجابه إلى ما سال، وخطب إليه وحمل له مهرا يحمله مستكثره وقماشا، وما يجري مجرى ذلك. فقال له الملك الجواد: إني عازم على التوجه إلى عانا فليأت إلى سنجار ويدخل على زوجته عندي، فأجاب بدر الدين لؤلؤ إلى ذلك، وجهز ابنه. وكان بسنجار رئيس له الأموال ليساعده على أخذ سنجار. وكان الملك الجواد قد تقدم إلى نوابه بسنجار أن يقبضوا عليه إذا دخلاه. فاتفق والي المدينة ووالي القلعة على ذلك. وكل واحد من الملك الجواد وبدر الدين لؤلؤ قد عمل الحيلة على صاحبه. فسيّر بدر الدين ولده يف جماعة من عسكره، وأوصاهم باليقظة واغتنام الفرصة في هجم سنجار على غفلة ممن فيها. فوصل إلى سنجار كما تقرر بينهما. فعند وصوله شرع والي المدينة في إعمال الحيلة عليه عند دخوله المدينة، فأمره والي القلعة أن يخرج إليه، ويحتال على صعوده إلى القلعة ليقبض عليه. فعندما فتح باب القلعة هجموا القلعة وقبضوا على واليها، وملكوها عفوا، وشربوا زلالها صفوا. وكان بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - شديد الحرص على تملكها. فلم يزل يعمل الحيلة إلى أن افتتحه الملك الجواد، فانفتح له باب الحيلة، وسيّر ولده إليه ليأمن على نفسه ويثق به. ولما بلغ الملك الجواد تملك بدر الدين لؤلؤ سنجار قصد بغداد مستعديا عليه. فلم يعبأ به، وأقام سبعة أشهر ثم أُعطي أربعة آلاف دينار، وأُمر بالسفر فأخذها وسار إلى عانا. ولم تزل سنجار في يد بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - إلى أن توفي في الثالث من شعبان سنة سبع وخمسين فوليها ولده الملك الصالح ركن الدين إسماعيل مع الموصل وعملاه استقلالا. وتولىّ الملك المجاهد سيف الدين إسحاق الجزيرة وبلادها وولده الملك المظفر علاء الدين على سنجار وتل يعفر. ولم تزل سنجار في يد الملك المظفر بعد وفاة أبيه إلى شعبان من سنة سبع وخمسين فتركها، وقصد الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - قدس الله أرواحهم - فأقبل عليه وأكرمه. ذكر تملك الملك الصالح سنجار وترتيب ولده فيها لما خرج منها الملك المظفر علاء الدين، في التاريخ المقدم ذكره، ساق أخوه الملك الصالح ركن الدين إسماعيل إلى سنجار فتسلمها وتل يعفر وولىّ فيها ولده الملك العادل نور الدين. ولم تزل سنجار في يد الملك الصالح إلى أن استشعر من التتار وخرج من الموصل فوصل إلى قرقيسيا. وكتب إلى أخيه الملك المجاهد سيف الدين إسحاق، وكان بالجزيرة يومئذ، يعرف بحركته، ويشير عليه بقصد الملك الظاهر بالديار المصرية. ثم سافر إلى أن وصل القاهرة في ثاني عشر رجب فخرج الملك الظاهر إلى لقائه، وأكرمه، واحترمه، فأقام عنده بالديار المصرية إلى تاسع عشر شهر رمضان المعظم. فخرج الملك الظاهر - صاحب الديار المصرية - في التاريخ المذكور إلى البركة وخرج معه الخليفة المستنصر بالله، أبو القاسم أحمد بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد الواصل إلى الديار المصرية، ومبايعته بالخلافة، ووصلا إلى دمشق يوم الاثنين سابع ذي القعدة من السنة تسع وخمسين وستمائة.

стр. 149

وتوجه الخليفة وأولاد صاحب الموصل إلى العراق بعد تجهيز الجميع، وهم الملك الصالح ركن الدين إسماعيل والملك المجاهد سيف الدين إسحاق - صاحب الجزيرة - والملك المظفر علاء الدين - صاحب سنجار - بعد أن قرر بينهم أن تكون سنجار للملك المظفر. وساروا فوصلوا إلى سنجار. فأما الملك المجاهد سيف الدين إسحاق والملك المظفر علاء الدين فإنهما أقاما بسنجار إلى أن بلغهم أن الخليفة قتل على بغداد في محاربة التتار فعاد الملك المظفر والملك المجاهد، وخرجوا من سنجار في المحرم من سنة ستين وستمائة وطلبوا الديار المصرية. وأما التتار فإنهم لم يعارضوا سنجار وبقيت سنجار وليس لها مالك. فأجمعوا أهل سنجار على أن فوضوا أمرهم إلى فخر الدين - قاضيها -. ولم يزل القاضي يحكم فيها إى أن قصدوا التتار الموصل وحاصروها. وكان الملك الصالح ركن الدين إسماعيل مقيما بها، فلما جدوا في حصاره، سير إلى الأمير شمس الدين أقوش البرلي العزيزي، وكان يومئذ قد خرج عن طاعة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس - صاحب الديار " المصرية " - واستولى على حلب وحران وما يليهما. فكاتبه الملك الصالح وهو في الحصار يستحثه على الوصول إليه ليرحل التتار عن حصار الموصل. فسير الأمير شمس الدين أقش البرلي وكان بحلب استأذن الملك الظاهر - صاحب الديار المصرية - في التوجه إلى الموصل ليدفع التتار عنها، فأذن له. فخرج من حلب، وسار إلى حران، ثم سار إلى أن وصل إلى سنجار واستولى عليها واعتقل فخر الدين - قاضيها - بعد أن صادره. واتفق في ذلك الوقت أن الزين الحافظي - لا بل " الله " له ثرى - وصل من عند هولاكو إلى ماردين فكتب إلى التتار الذي على حصار الموصل وعرفهم أن شمس الدين البرلي في جماعة قليلة، وأشار عليهم بقصده وقتاله، فهو مصلحة لئلا تنسبون إلى العجز، فيطمع فيكم ويرحلكم، فلا يهولنكم جمعه. ذكر قصد التتار شمس الدين البزلي وكسرهم له لما بلغهم ما قاله الزين الحافظي، وما أشار عليهم به من قصد الأمير شمس الدين البرلي وقتاله، رأوه صوابا، فساروا نحوه، وكانت عدتهم عشرة آلاف فارس. وكانت عدة الذين مع الأمير شمس الدين البرلي ألفا وأربع مائة فارس. فتردد عزمه في ذلك. ثم التقى بهم يوم الأحد رابع عشر جمادى الآخرة فكانت الكسرة عليه، فانهزم جريحا في رجله، وقتل أكثر من كان معه من أصحابه، وعاد إلى البيرة. ذكر استيلاء التتار على سنجار كان السبب في ذلك كسرهم لشمس الدين البرلي - كما تقدم - ودخلوا سنجار. في تاريخ كسرهم له، واستولوا عليها، وأخربوا قلعتها، وهدموا شراريفها، ورتبوا فيها الأمير علم الدين قيصر الموصلي نائبا بها. ولم تزل بأيديهم إلى تاريخ وضعنا هذا الكتاب، وهو سنة تسع وسبعين وستمائة. جزيرة ابن عمر مدينة مسورة، تحيط بها دجلة مثل الهلال. وهي إسلامية محدثة، اختطها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي، بعد المائتين في أيام المأمون فعرفت به. وعد ابن واضح في كور ديار ربيعة جزيرة الأكراد، وأظنها هذه الجزيرة، وأنها كانت تعرف بذلك، قبل أن يختطها ابن عمر التي نسبت إليه. عرضها سبع وثلاثون درجة. طالعها برج السنبلة. ولسورها ثلاث أبواب: ١ - باب الجبل. ٢ - والباب الجديد. ٣ - وباب الماء. وبها جامعان تقام فيهما الجمعة، أحدهما قديم. والآخر من إنشاء شبل الدولة - أحد موالي الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل -. وبها أربع مدارس يدرس بها مذهب الإمام الشافعي ﵁. ١ - مدرسة تعرف بابن البزري. ٢ - ومدرسة تعرف بظهير الدين قايماز الأتابكي. ٣ - ومدرسة تعرف بالرضوية. ٤ - ومدرسة تعرف بالقاضي جمال الدين عبد الرحيم ومدرسة بظاهرها تعرف بشمس الدين سرتكين. وبها من داخلها خانقتان: إحداهما تعرف بصلاح الدين الأعرج، والأخرى تعرف بالظهيرية. وبظاهرها خانقتان، إحداهما تعرف بخانقاه الباتنا. ويذكر أن بها ثمانين مسجدا. وبها بيمارستان. أربع عشرة حماما. وداخلها تحت السور ما يناهز ثلاثين بستانا. ولها من القلاع: ١ - الجراحية. ٢ - قلعة فرح. ٣ - برخو. ٤ - فنك. ٥ - الجديدة. ٦ - القصر. ٧ - أروخ. ٨ - كنكور. ذكر من ولي الجزيرة، جزيرة ابن عمر

стр. 150

قد تقدم القول بأن جزيرة ابن عمر أنشأها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي وكان معاصرا دولتي الأمين والمأمون - ولدي هارون الرشيد - فبناؤها يكون في دولة أحدهما. فلما توفي الحسن المذكور وليها بعده أخوه أحمد بن عمر بن الخطاب ولم يزل عليها إلى أن توفي في أيام المأمون. واستمرت جزيرة ابن عمر في يدي من يلي ديار ربيعة " تارة " وتارة في يدي من يلي الموصل. ولم تزل كذلك إلى أن تولى محمد بن رائق ديار بكر، وبقيت في يده إلى أن تغلب أبو موسى عيسى بن الشيخ بن السليل على ديار بكر فأضيفت إذ ذاك إلى ملوك الموصل. ثم تغلب بنو حمدان على ماردين وديار بكر وملكوا الموصل، فلم تزل في أيديهم إلى انقراض دولة ناصر الدولة على يد عضد الدولة في سنة تسع وستين وثلاثمائة. ولم تزل في يد عضد الدولة بن بويه إلى أن توفي عضد الدولة في شوال من سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. وبعده تغلب أبو عبد الله الحسين بن دوستك الكردي المعروف بباد على ديار بكر والموصل فانضافت الجزيرة إليه، ولم تزل بيده إلى أن قُتل باد الكردي في سنة ثمانين وثلاثمائة. وتغلب على الجزيرة ابن أخته نصر الدولة أبو نصر ابن مروان ولم تزل في يده إلى أن توفي في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وقسم البلاد بين أولاده فكان لنظام الدين أبي القاسم ميافارقين وجزيرة ابن عمر. وبعد وفاة نظام الدين انتقل ملكه إلى ناصر الدولة. فلم تزل جزيرة ابن عمر في يده إلى أن قصده الوزير فخر الدولة محمد بن محمد بن جهير من قبل السلطان ملكشاه فملك الجزيرة المذكورة مع ديار بكر في سنة ثمان وسبعين وأربع مائة. ولم تزل جزيرة ابن عمر في يدي نواب ابن جهير إلى سنة تسع وسبعين وأربع مائة. ندب السلطان ملكشاه العميد أبا " الفتح " علي البلخي إلى ديار بكر فاستولى على جزيرة ابن عمر فيما استولى عليه، ولم تزل إلى أن مات السلطان ملكشاه في سنة خمس وثمانين وأربع مائة. وكان ناصر الدولة منصور بن نظام الدين بن نصر الدولة ابن مروان ببغداد، فسار من بغداد إلى جزيرة ابن عمر فملكها، ولم تزل في يده إلى سنة سبع وثمانين وأربع مائة فقصده جكرمش فملكها، ولم تزل في يده إلى " أن " مات " الأمير شمس الدولة " في سنة خمس مائة. وقتل قليج أرسلان وملك جاولي الموصل فولى جزيرة ابن عمر حبشي بن جكرمش ومعه أمير من غلمان أبيه اسمه غزاغلي. فلما كانت سنة إحدى وخمس مائة ملك مودود الموصل فتسلم الجزيرة الجزيرة حبشي. ثم قتل مودود وملك الموصل آق سنقر البرسقي وتسلم الجزيرة في سنة خمس عشرة وخمس مائة. ولم يزل مالكا إلى أن قتله كان ابنه عز الدين مسعود. ذكر وفاة عز الدين مسعود توفي عز الدين مسعود في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وولي عماد الدين زنكي ووقع له السلطان بذلك، وسار عنها إلى جزيرة ابن عمر. ملك عماد الدين زنكي جزيرة ابن عمر " ولما سار عماد الدين زنكي إلى جزيرة ابن عمر وبها مماليك البرسقي امتنعوا عليه، فحصرهم وراسلهم وبذلت لهم البذول الكثيرة إن سلموا فلم يجيبوه إلى ذلك. فجد في قتالهم وبينه وبين البلد دجلة. فأمر الناس فإلقاء أنفسهم في الماء ليعبروه إلى البلد ففعلوا وعبر بعضهم سباحة، وبعضهم في السفن، وبعضهم في الأكلاك، وتكاثروا على أهل الجزيرة، وكانوا قد خرجوا عن الجزيرة إلى أرض بين الجزيرة ودجلة تعرف بالزلاقة ليمنعوا من يريد عبور دجلة. فلما عبر العسكر إليهم قاتلوه ومانعوه، فتكاثر عسكر عماد الدين عليهم، فانهزم أهل البلد على الزلاقة فلما رأى من بالبلد ذلك ضعفوا ووهنوا، وأيقنوا أن البلد يملك سلمان أو عنوة، فأرسلوا يطلبون الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وهو أيضا مع عسكره بالزلاقة فسلموا البلد إليه، فدخله هو وعسكره. ثم إن دجلة زادت في تلك الليلة زيادة عظيمة لحقت بأسوار البلد وصارت الزلاقة التي كان عماد الدين نازلا بها مملوءة ماء، فلو أقام إلى اليوم الثاني لهلك هو وعسكره، ولم يسلم منهم أحد. فلما رأى أهل البلد وغيرهم ذلك أيقنوا بسعادته، وعلموا أن أمرا هذا بدايته لعظيم.

стр. 151

ولم تزل بيده إلى أن قتل على قلعة جعبر سنة إحدى وأربعين لخمس مضين من شهر ربيع الآخر. وملك ولده سيف الدين غازي الموصل والجزيرة، فأقطع جزيرة ابن عمر لأبي بكر الدبيسي. ولم تزل بيد أبي بكر الدبيسي إلى أن توفي سيف الدين غازي بن زنكي - صاحب الموصل - في سنة أربع وأربعين وخمس مئة. وولي قطب الدين مودود الموصل، وعجز عن خلاص جزيرة ابن عمر من أبي بكر الدبيسي. ولم تزل في يد أبي بكر الدبيسي إلى أن توفي في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ولم يخلف ولدا، فاستولى عليها مملوك له يسمى أغلبك وأطاعه جندها، فسار إليها ثلاثة أشهر قطب الدين مودود - صاحب الموصل - وحصرها ثلاثة أشهر، ثم تسلمها من أغلبك في صفر سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة، وعوضه عنها إقطاعا. ولم يزل قطب الدين مالكا لجزيرة ابن عمر إلى أن توفي وملك ابنه سيف الدين غازي. ذكر حمايته ينبغي للملوك أن يحترزوا من مثلها قال ابن الأثير في تاريخه: " حدثني والدي ﵁ قال: كنت أتولى جزيرة ابن عمر لقطب الدين، كما عملتم، فلما كان قبل موته بيسير، أتانا كتاب من الديوان بالموصل يأمر بمساحة جميع بساتين العقيمة وهي قرية تحاذي الجزيرة بينهما دجلة ولها بساتين كثيرة، بعضها يمسح فيؤخذ منه على كل جريب شيء معلوم، " بعضها عليه " وبعضها " خارج " مطلق ما عليه شيء. وكان لي فيها ملك كثير، فكنت أقول: المصلحة ألا تغبر على الناس شيئا، وما كنت أقول ذلك إلا نظرا لي لأجل ملكي، وإنما أريد أن يدوم الدعاء من الناس للدولة. فجاءني كتاب النائب: أنه لا بد من المساحة. قال: فأظهرت الأمر وكان بها قوم صالحون، وكان لي بهم أنس، وبيننا مودة فجاءني الناس كلهم، وأولئك معهم يطلبون المراجعة، فجاءني منهم رجلان، أعرف صلاحهما وطلبا مني المخاطبة ثانيا، ففعلت، " فأصروا على المساحة، فعرفتهما الحال. قال: فما مضى إلا عدة أيام " وإذا قد جاءني الرجلان، فلما رأيتهما ظننت أنهما جاءا يطلبان المعاودة، فعجبت منهما، وأخذت أعتذر إليهما، فقالا: ما جئنا إليك في هذا وإنما جئنا نعرفك أن حاجتنا قد قضيت " قال ": فظننت أنهما قد أرسلا إلى الموصل إلى من يشفع لهما. فقلت: من الذي تحدث لكما في هذا بالموصل؟ فقالا: إن حاجتنا قد قضيت من السماء ولكافة أهل العقيمة " قال ": فظننت أن هذا مما قد حدثا به نفوسهما ثم قاما " عني " وخرجا. قال: فلم تمض غير عشرة أيام وإذا قد جاءنا كتاب من الموصل يأمرون فيه بإطلاق " المساجين والمحبوسين " والمساحة والمكوس ويأمرون بالصدقة. و " يقال ": إن السلطان قطب الدين مريض مرضا شديدا. ثم بعد يومين أو ثلاثة جاءنا الكتاب بوفاته، فعجبت من قولهما، واعتقدته كرامة لهما، فصار والدي بعد ذلك كثيرا ما يزورهما، ويكثر إكرامهما واحترامهما ". ذكر ملك معز الدين سنجرشاه الجزيرة ولم تزل الجزيرة بيد سيف الدين غازي إلى أن توفي في صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة. وكان قد عهد بالملك بعده إلى ولده معز الدين سنجرشاه وكان عمره يومئذ اثنتي عشرة سنة. وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب إذ ذاك قد قوي وعظم شأنه وتمكن، فخافوا منه، وامتنع أخوه عز الدين مسعود بن مودود من الإذعان إلى تمليكه والإجابة إلى ذلك. فأشار الأمراء والأكابر ومجاهد الدين قايماز بأن يجعل الملك في أخيه عز الدين مسعود لكبره، وما فيه من الشجاعة والعقل وقوة النفس وأن يعطي ولداه بعض البلاد، ويكون مرجوعهما إلى عز الدين عمهما، والمتولي لأمرهما مجاهد الدين قايماز ففعل ذلك وجعل الملك في أخيه، فأعطى معز الدين سنجر شاه جزيرة ابن عمر، وأعطى أخاه كسك - الصغير - قلعة عقر الحميدية واستقل عز الدين مسعود بالملك، وانقادت له الأمور، ولم يختلف عليه اثنان ". ولم تزل في يده إلى أن دخلت سنة خمس وستمائة. ذكر قتل سنجر شاه وملك ابنه محمود في هذه السنة: قتل سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آق سنقر - صاحب جزيرة ابن عمر - وهو ابن عم نور الدين - صاحب الموصل - قتله ابنه غازي. ولقد سلك في قتله طريقا عجيبا، يدل على مكر ودهاء.

стр. 152

وسبب ذلك أن سنجر شاه كان سيئ السيرة مع الناس كلهم من الرعية، والجند، والحريم، والأولاد. وبلغ من قبح سيرته مع أولاده أنه سيرّ ابنيه محمودا ومودودا إلى قلعة فرح من بلدان الزوزان. وأخرج ابنه هذا إلى دار بالمدينة أسكنه فيها، ووكل به من يمنعه من الخروج والتصرف وكانت الدار إلى جانب بستان لبعض الرعية، فكان يدخل إليه منها الحيات، والعقارب، وغير ذلك من الحيوانات المؤذية. ففي بعض الأيام اصطاد حية، وسيرها في منديل إلى أبيه، لعلع يرق له، فلم يعطف عليه فأعمل " غازي " الحيلة حتى نزل من الدار التي كان بها، " واختفى " ووضع إنسانا كان يخدمه، وكان كثير الشبه به، وأمره أن يخرج من الجزيرة ويقصد الموصل، ويظهر أنه غازي بن سنجر شاه فسار الرجل، وأظهر أنه غازي بن سنجر شاه. فلما سمع نور الدين بقربه من الموصل أرسل إليه ثيابا، ونفقة، وخيلا، وأمره بالعود " إلى أبيه " وقال: إن أباك يختلق لنا الذنوب التي لم نعملها، ويقبح ذكرنا، فإذا صرت عندنا جعل ذلك ذريعة إلى الشناعات والشفاعات ونقع معه في صراع لا ينادي وليده!! فسار الرجل إلى الشام " وأظهر أنه غازي - ابن صاحب الجزيرة - في كل مكان وصل إليه ". واختفى غازي مدة، ثم أعمل الحيلة إلى أن دخل إلى دار أبيه، واختفى عند بعض سراريه، وعلم به أكثر من في الدار، فسترن عليه بغضا لأبيه، وتوقعا للخلاص منه لشدته عليهن، فبقي كذلك على حاله. وثبت عند أبيه أنه بالشام، فترك طلبه. و" اتفق " ان أباه شرب يوما، ظاهر البلد مع ندمائه، فكان عامة ذلك النهار يقترح على المغنين الغناء في الفراق " وما شاكل ذلك " ويبكي، ويظهر في قوله قرب الأجل، ودنو الموت، وزوال ما هو فيه. فلم يزل كذلك إلى آخر النهار، وعاد إلى داره، ودخل إلى بعض حظاياه وكان ابنه عند تلك الحظية. فلما كان في أثناء الليل، دخل أبوه إلى الخلاء، فدخل خلفه وضربه بالسكين أربعة عشر ضربا، ثم ذبحه وتركه ملقى " ودخل الحمام "، وقد يلعب مع الجواري، فلو فتح باب الدار، وأحضر الجند، واستحلفهم، لملك البلد، لكنه " أمن و " اطمأن إلى ذلك، ولم يشك في الملك. فاتفق أن بعض الخدم الصغار خرج إلى باب الدار، وأعلم أستاذ دار سنجر شاه بالخبر. فأحضر أعيان الدولة وعرفهم ذلك، وغلق الأبواب على غازي واستحلف الناس لمحمود بن سنجر شاه وأرسل إليه أحضره من قلعة فرح ومعه أخوه مودود فلما حلفوا له وسكنوا، فتحوا باب الدار على غازي، ودخلوا عليه ليأخذوه فمانعهم عن نفسه فقتلوه وألقوه على باب الدار وأكلت الكلاب بعض لحمه ودفنوا باقيه. ووصل محمود إلى البلد وملكه، ولقب بمعز الدين، لقب أبيه. فلما استقر أخذ كثيرا من الجواري اللاتي كن لأبيه فغرقهن في دجلة. وحكى ابن الأثير في تاريخه قال: لقد حدثني صديق لنا أنه رأى بدجلة في مقدار نصف غلوة سهم سبع جواري مغرقات، منهن ثلاث، وقد أحرقت وجوههن بالنار، فلم أعلم سبب ذلك الحريق حتى حدثتني جارية اشتريتها بالموصل في جواريه أن محمودا كان يأخذ الجارية فيجعل وجهها في النار، فإذا احترقت ألقاها في دجلة. وباع من لم يغرقه منهن. فتفرق أهل تلك الدار أيدي سبأ. وجرى في داره ما ذكرناه من التحريق والتغريق والتفريق. ولم يزل الملك المعظم معز الدين مالكا للجزيرة وكل وقت يتردد إلى خدمة الملك الأشرف واللمك العادل وبني أيوب، ويناوئ بيت أعمامه، وبدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - إلى أن توفي في سنة ثمان وأربعين وستمائة. ذكر وفاة معز الدين محمود وتولية ولده الملك المسعود وشاهان شاه توفي الملك المعظم معز الدين محمود بن معز الدين سنجر شاه ابن سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي ابن آق سنقر - صاحب الجزيرة - في أواخر سنة ثمان وأربعين وستمائة. وكان سبب وفاته أنه كان أكولا، فأمعن يوما في الأكل، فحصل له منه تخمةٌ، فأقام بها أياما قلائل، وتوفي إلى رحمة الله. وولي بعده ولده الملك المسعود شاهان شاه ملك جزيرة ابن عمر واستمر بها. ودخلت سنة تسع وأربعين وستمائة

стр. 153

كان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز - صاحب الشام - قد عاد من كسرة المصريين له على الصورة. فلما وصل إلى دمشق وصحبته الملك المظفر علاء الدين علي ابن بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - ومجاهد الدين قايماز - مقدم عسكر الموصل - وكانا لحقاه إلى العريش عند قصده مصر، وصلت إليه رسل بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - بعد عشرين يوما من وصوله، ومعهم هدية سنية من خيلٍ وقماشٍ وآلات تساوي عشرين ألف دينار، مهنئا له بالسلامة، ومعهم كتاب إلى ولده الملك المظفر علاء الدين علي المذكور بأمره فيه ألا يبرح في خدمة المولى الملك الناصر ولو خاض البحر خض معه، أو ولج النار لج معه. فبعد أيام وصلت رسل من بايجو نوين ومعهم تجار وعلي أيديهم يغالغ تتضمن حوالات على سائر الملوك منها: - يغلغ على السلطان الملك الناصر. بمائتي ألف دينار. - وعلى صاحب الروم عز الدين بمائتي ألف دينار. - وعلى بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - بمائة ألف دينار. - وعلى الملك السعيد - صاحب ماردين - بمائة ألف دينار. - وعلى الملك الكامل - صاحب ميافارقين - بمائة ألف دينار. - وعلى صاحب الجزيرة بمائة ألف دينار. - وعلى صاحب حصن كيفا بخمسين ألف دينار. وكانت الرسل والتجار قد راحوا إلى جميع الملوك والتمسوا ما كان في اليغالغ فأحالوهم علينا، واحتجوا بأن السلطان الملك الناصر هو كبيرنا، ونحن نخطب له، وما يمكنا أن نزن شيئا إن لم يزن هو. فجاؤوا إلى الملك الناصر - كما ذكرنا - وطالبوه، فأشار عليه الزين سليمان الحافظي وجماعة أن يصالحهم. يقول جامع هذا الكتاب فقلت: على أي صورة نصالحهم؟ ونحن لما توجه تاج الملوك إلى كويك خان سنة ثلاث وأربعين وستمائة، كتبوا له يغالغ مضمونها: إننا لا نقبل حوالة، ولا ننجد بعسكر. فلما سمع الملك " الناصر " كلامي سير إلى حلب واستحضر اليغالغ، فلما حضرت وجد مضمونها كما قلت، فتقدم إلي بالمسير مع الرسل إلى الملوك المذكورين لأحاققهم بحضور الرسل والتجار، وأمرني بالسفر. فاتفق في ذلك الوقت وصول رسل الملك المسعود - صاحب الجزيرة - يستصرخ إلى السلطان الملك الناصر من بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - ويشكو منه ومن تعديه عليه لوفاة والده الملك المعظم ويطلب أن يسلم الجزيرة إليه وأن يعوض عنها، فلم يسمع الملك الناصر ذلك الوقت لاشتغال وجهه بالمصريين أن يأخذ الجزيرة وأن يعوض عنها. فرسم لي أن أشفع له عنه عند إلى بدر الدين - صاحب الموصل - وأوفق بينهما. وسير معي جارت به العادة من خيل وخلع وسنجق فتوجهت وتقدمتني الرسل إلى الموصل. وكان مجد الدين عبد الرحمن ابن الصاحب كمال الدين عمر المعروف بابن العديم قد توجه إلى الموصل معزيا له في ولده فتقدمني إليه. فلما وصلتُ إلى الموصل اجتمعتُ ببدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - وأديتُ ما معي من الرسالة، وتحدثت معه في قضية الملك المسعود وشفعت فيه عن السلطان الملك الناصر فأخذ بذكر ما اعتمده الملك المسعود في حقه بعد وفاة أبيه من التعدي، ومن إسماعه لابنته الكلام القبيح، وذكر ما لا يليق. ثم أمرني بأن أكون حيث أكون أسمع كلام ابنته فأبيتُ وقلت: ما يحتاج مع كلام السلطان إلى برهان!! وفي كلامه كفايةٌ. وقال لي: البلاد تصلح لمن ينفع المسلمين ويداري عنهم، وهذا فهو مشغول بالانهماك في اللذات والأكل والشرب. وإذا نزلت بالمسلمين نازلة لم ينفعهم، وأنا أحمل إلى السلطان الملك الناصر خمسين ألف دينار عينا ويسلم إليَّ الجزيرة. وتقيم أنت عندي إلى أن أسير إليه وأشاوره. فلاطفته وقلت: ما يليقُ أن تردَّ خلعة الملك الناصر وسنجنه!!. فلما لم يرَّ مني موافقة على ما أراد، عدل عن الحديث معي، وتحدث مع مجد الدين ابن العديم. فكتب كتابا إلى والده كمال الدين وإلى السلطان الملك الناصر يقول له: إن فلانا قد طلب أن يخرج بدر الدين من يدك لأجل صاحب الجزيرة. وأصلح السلطان الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ الصاحب كمال الدين في الباطن بما عطف به الملك الناصر وسيَّر رسلا من جهته، خِفية عني، وسيَّر معي رسولا إلى صاحب الجزيرة فخرجت من عنده وتوجهت إلى الجزيرة.

стр. 154

ولما وصل رسول بدر الدين سيره باطنا إلى السلطان الملك الناصر واجتمع بالصاحب كمال الدين والشيخ نجم الدين الباذرائي - رسول الديوان - فاتفقا والملك المظفر علاء الدين علي بن بدر الدين لؤلؤ. ولم يزالوا إلى أن أخذوا منديل السلطان الملك الناصر بأنه متى خلا وجهه من جهة المصريين يأذن له في أخذها. ولما وصلتُ أنا إلى الجزيرة تعلق بي الملك المسعود وقال: أنا أسلم إليك الجزيرة وأتوجه إلى الملك الناصر وتقيم أنت فأبيت ذلك، وخرجتُ من الجزيرة، وتوجهت إلى ماردين. رجعنا إلى ما جرى بين بدر الدين صاحب الموصل ورسل التتار الواصلين بالحوالة ولما وصلت الرسل - المقدم ذكرهم - إلى بدر الدين أحضرني وأحضرهم، وادَّعوا عليه بالمائة ألف دينار، فكان جوابه: إنني مملوك السلطان الملك الناصر ونائبه في البلاد. وأنا أخطب له، والبلاد بلاده، فإن وافقكم في الوزن وزنت. وكان جوابي أن قلت: ونحن معنا يغالغ تُخلصنا، مضمونها أننا لا نقبل حوالة، ولا نُنجد بعسكر. فحرَّجوا على بدر الدين وخاطبوه بما لا يليق. فقال لي: أنت ما جئت بهم إلا حتى أخرقوا بي. فقلت له: أنت كنت السبب في جسارة هؤلاء عليك وعلينا فحمله هذا القول على أنه أخرق بهم وأقامهم من مجلسه أقبح قيام. ثم أُحضر نائب للتتر بالموصل يقال له نوين، فشكا إليه منهم، فأحضرهم وعنّفهم ثم أحضرهم إليَّ وأنا نازل في دار السِّباع بالموصل وكان جوابي للرسل: نحن ما نزن لكم شيئا ولا نقبل حوالة حسب ما تقتضيه البوايز التي بأيدينا، وهؤلاء الملوك جميعهم تابعون لنا لا يعطونكم شيئا، وخرجوا من الموصل شاكين مني ومن بدر الدين وخرجوا من بلاد الموصل، ودخلوا في أرض إربل فسير بدر الدين في السر جماعة قطعوا عليهم الطريق، وقتلوهم عن آخرهم، وأخذوا ما معهم من القماش وآلات. فلما بلغ نوين ذلك حضر إلى عند بدر الدين وعتبه على ذلك. فقال: ما قُتلوا في أرضي، على أنني لابد ما أبحث عمن فعل هذا الأمر ... وتقدم إليهم في السر أن يحضروا معهم، من سائر قلاعه من وجب عليهم القتلُ. فغابوا مدة وقدموا ومعهم جماعةٌ في جريدٍ، فأمر بشنق الجميع، ودفع إلى نوين ما كان معهم من القماش وقال: هؤلاء الذين تعدَّوا على الرسل، وهذا ما كان أخذوه منهم، فأعجب ذلك نوين ورضي به. ثم قال لي بدر الدين سرا: رأيت هذا الأمر؟! أيُحسن مولانا السلطان الملك الناصر بعمل مثله؟. ذكر ملك بدر الدين لؤلؤ الجزيرة قد تقدم القول بأنَّ السلطان الملك الناصر أعطى منديله للشيخ الباذرائي وللملك المظفر علاء الدين علي - ولد بدر الدين صاحب الموصل - على ما تقدم من الشرط. وهو أنه متى خلا وجهه من جهة مصر أذِن لبدر الدين في أخذ الجزيرة. فلما وصل المنديل إليه، لم يقف مع الشرط، بل سار إليها ونازلها وحاصرها إلى أن ملكها في شهر رجب من سنة تسع وأربعين وستمائة. وقبض على الملك المسعود وأركبه في زورق وسيره إلى نحو الموصل وكان آخر العهد به، وهو آخر من كان قد بقي من بيت أتابك. وكان مدة ملكهم مائة وسبعا وخمسين سنة، من حيث ولي آق " سنقر " والد عماد الدين زنكي إلى حيث غرق الملك المسعود هذا. فسبحان من لا يدوم إلا ملكه!!. ولما ملكها بدر الدين أنعم بها على ولده الملك المجاهد سيف الدين إسحاق فلم تزل في يده نيابة عن أبيه إلى أن توفي بدر الدين في شعبان من سنة سبع وخمسين وستمائة. فاستقل ولده الملك المجاهد بها، ولم تزل في يده إلى أن استولت التتر على الشام فحصل لأخيه الملك الصالح من الخوف من العدو ما أخرجه من الموصل. وكان ملكها بعد أبيه، وانتجع الديار المصرية فلم يمكن أخوه التخلف بعده، فتركها ولحقه إلى الديار المصرية، وهو باق بها إلى حين وضعنا هذا الكتاب في سنة تسع وسبعين وستمائة. وفي خدمة ملوك مصر. وعادت الجزيرة إلى ملك التتر، وبها نوابهم إلى حين وضعنا الكتاب، وهو سنة تسع وسبعين وستمائة. ذكر ما كان بيد الملك الناصر من بلاد الجزيرة الذي كان بيده من بلاد الجزيرة: حران والرها وسروج والرقة وقلعة جعبر والبيرة وجملين والموزر. ومن ديار ربيعة: نصيبين ورأس عين ودارا والخابور - بكماله - وقرقيسيا خلا سنجار وبلد وجزيرة ابن عمر. ذكر ديار بكر وهذا الخبر يشتمل على أمصار وحصون: فالأمصار أربعة وهي: - آمد.

стр. 155

- وميارفارقين. - وأرزن. - وماردين. والحصون: ومنها: ما هو قديم رومي، و " منها ما هو " محدث إسلامي، وهي: - قلعة الجبابرة. - وقلعة أكل. - وقلعة الشقيقين. - وحاني. - وقلعة أرقنين. - وقلعة جرموك. - وقلعة باغين السفلى. - وقلعة شمشكاراك. - وقلعة كفر زال. - وقلعة أنكر خرت. - وقلعة بغنيك. - وقلعة سيروس. - وقلعة السويداء. - وقلعة فطينا. - وقلعة بلدنين. - وقلعة تل أرجوك. - وقلعة بالو. - وقلعة كركر. - وقلعة كختا. - وحصن منصور. - وقلعة الهيلار. - ونصيبين الروم. - وقلعة خصور. - وقلعة خصور. - وقلعة قف انظر. - وقلعة شيروا. - وحصن الران. - وقلعة طبوس. - وقلعة اليمانية. والديورة وهي ثلاثة: - دير السجين. - دير مرقحا. - دير برصوما. وكلها حصون مانعة. - ومدينة دنيسر. - ومدينة إسعرد. - وحصن كيفا. - وحصن الهيثم. - وحصن طالب. - والقريشة. - وقلعة باهمرد. - وقلعة صاف. - وقلعة فطليس - وقلعة جوارا. - وقلعة أروق. - والمعدنان. - والبحيرتان - وهما حصنان أحدهما في الماء والآخر على جانب البحيرة. - وقلعة باتاساه. - وحصن حارث. - وقلعة اسبالرد. - وقلعة ايرون. - والحصن الجديد. - وحصن ذي القرنين. - والصَّورُ. - " والهتاخ. - والبارعية. - وجبل حيني ". - والسلاسلة. - وجبل جور. ولم تزل هذه البلاد إلا المحدث منها في يد من كان يملكها أيام بني أمية وصدرا من أيام بني العباس إلى أن مُلكت أمصارها بالتغلب، وتقسمت حصونها بالتوثب، فصار لكل مصر منها ناحية تشتمل على قلاع وضياع. ولما صار الحال فيها ذلك، لم يُفدها في أيدي الملاك الاستمرار، ولم يبقها عليهم الاستقرار؛ بل كانت تتردد مع هذا يوما، ومع هذا أخرى، حتى كأنها عواريُّ مستردةٌ، وقطع شطرنج للنقل معدة. المصر الأول من أمصار ديار بكر آمد سميت بآمد بن البلندي بن مالك بن ذعر لأنه أول من اختطها - كذا حكى الشرقي بن القُطامي -. عرضها ثمان وثلاثون درجة. وطولها خمس وستون درجة. طالعها الدلو. ورب الساعة زحل. وهذه المدينة على دجلة. يُحيط بها سوران. أحدهما كبيرٌ. والآخر فصيلٌ. أخرب هذا الفصيل الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل سيف الدين بن أبي بكر بن أيوب كام ملكها، وجعلها مغلة للسور الكبير، وعدة أبراجه ستون برجا. وله خمسة أبواب: ١ - باب التل. ٢ - وباب الماء. ٣ - وباب الفرح. ٤ - وباب الروم. ٥ - وباب من وراء السور قلعة أنشأها الملك الصالح محمود بن نور الدين على تل مشرف على عين سورا. والسور مبني بحجر أسود مانع، لا يعمل فيه الحديد، يمشي على عرضه خمسة أفراس، صفا. ويُحكى أن أبا موسى عيسى، ابن الشيخ لما استبد بملك آمد قصده المعتضد في سنة خمس وثمانين ومائتين، فحاصره فيها، إلى أن أخذها عنوة. فلما صارت في يده، قصر من سورها، ولم يزل قصيرا بعد، إلى أن مرَّ به رجل حمال يُعرف بابن دمنة وعلى ظهره كارة حنطة، فوضعها عنه ليستريح، فجلس وجعل ينظر إلى السور فرآه قصيرا فقال: ما أحكم بناءه لولا قصره!!، اللهم إن ملكتني هذا البلد لأزيد في هذا السور قامة. فضرب الدهر ضرباته، وجرى على عاداته في إنزال أسافل طغامه منازل ساداته، فملك مُمهِّد الدولة فألقى إلى ابن دمنة مقاليد دولته، وسوَّغه تدبير مملكته، فوفى بنذره، وزاد في ارتفاع السور وبنى الفصيل. والزيادة باقية تُرى ظاهرة إلى الوقت الذي وُضع فيه هذا الكتاب، وهو سنة تسع وسبعين وستمائة. وفي أيام نظام الدين أبي القاسم نصر بن نصر الدولة بن مروان عمر في سور آمد مواضع عديدة، اسمه عليها، ظاهرا وباطنا. وبنى الجسر على الشط، شرقي آمد. ..... تحت الصخرة.... وهو نيف وعشرون عينا. ووقف على إصلاح ما يتشعث منه ضياعا كثيرة. وبها عينان تجريان: إحداهما، داخل السور، تسمى عين سورا لا يُعرف منبع أصلها. وبعض الناس يزعم أن منبعها من جبل ليسون.

стр. 156

والأخرى، خارج السور، تعرف بعين زعورا عند باب الروم. في وسطها قبة بناها ممهد الدولة بن مروان. وعلى البعد منها عين تسمى باكلا يجري منها نهر يدخل البلد، ويتصرف فيها في قساطل، وللجامع منها حصة تصب في بركة كبيرة. وبها مدرستان: إحداهما، شرقي الجامع، تُعرف بالتاجية إنشاء تاج والآخر إلى الجامع. وبها بيعتان: إحداهما من جهة باب لاروم تعرف ببيعة مريم، وبناؤها قديم محكم، يُضرب به المثل في الإتقان. والأخرى في جوار بستان يعرف بالمنازي وكان بها بيعة عظيمة قبل فتح المسلمين لها. فلما فتحت المدينة عنوة، هرب من كان بها إلى البيعة، فتبعهم المسلمون، فلم يجدوا ممن هرب أحدا غير امرأة واقفة على باب سرداب، فسألوها عمن دخل البيعة، فأخبرتهم أنهم دخلوا هذا السرداب، وهو ينتهي بهم إلى بلاد الروم. هدمت البيعة في أيام الملك الصالح محمود وبني ببعض أحجارها قيسارية للبز، وبقيت منها بقية تدل على عظمتها. ميافارقين قال الشرقي بن القطامي: " ميا " اسم الأودية، و " فارقين " اسم امرأة بنتها، فكأنهم قالوا: " أودية فارقين ". ونقلت من بعض التواريخ أنه كان موضعها أجمة وشوكا. وكان الربض قرية عظيمة. " وبها بيعة من عهد المسيح ﵇ منها حائط باقٍ إلى الآن. وكان رئيس هذه الديار رجلا يُسمى " ليوطا ". وكان مقدما مكرما، وكان حاكما على هذه الولاية. وتزوج بنت رئيس هذا الجبل الذي فيه الآن السناسنة. وكانت تُسمى مريم فأقامت معه وأولدت له ثلاثة أولاد ذكور، فحصل ولدان منهم في خدمة الملك ثيودوسيسوس الصغير اليوناني، وبقي الابن الصغير في هذه الديار عند أبيه. وكان اسمه مروثا، واشتغل اليوم بالعلوم والحكمة. فلما مات أبوه جلس مكانه وارتفع شأنه، وسكن البيعة التي بالقرية، وآتاه الله من العلوم والزهد ما لم يؤت غيره، وهو من جملة الثلاث مائة وثمانية عشر الذين كانوا بعد الحواريين. وكانت همته مصروفة إلى عمارة الأديرة والبيع. وكان ملك الروم برومية الكبرى - وهي دار ملكه - وكان بينه وبين سابوربن أردشير، العاشر من ملوك الفرس عداوة عظيمة. فكانت الفرس تشن الغارات من أرزن على هذه الديار إلى آمد. وما وراءها، وتسبي أهلها وتقتل الرهبان. وكان الملك ثيودوسيوس تزوج بامرأة من أهل الرها تسمى هيلانة - وخبرها مشهور عند النصرانية - فأولدها ولدا سماه: قسطنطين وهو: قسطنطين الأكبر. فبقي مدة ومات. وملكت هيلانة الملك بعده، وكبر قسطنطين وبلغ مبلغ الرجال، وملك موضع أبيه، وبقي برومية الكبرى مدة، ثم بنى القسطنطينية فلما أتمها سكنها، وتديرها الناس فصارت دار ملك الروم. وكان مروثا مقيما بهذه الخطة التي هي الآن ميافارقين، وكان صاحب ماشية من غنم وبقر وغيرهما. وكانت همته مصروفة إلى عمارة الأديرة - كما ذكرنا - بحيث يقال: إنه قل أن يكون دير قديم إلا وهو من إنشائه. فكانت الفرس في غارتها على هذه الديار تأخذ ماشيته فيما تأخذ منها فعمد إلى أرض ميافارقين، فقطع منها الشوك والقصب والطراش، وجعله سياجا ودوارا للغنم، تبيت به ليلا، خوفا من السراق. فاتفق أنه كانت لملك الفرس ابنة فائقة الجمال، وكانت عنده بمنزلة عظيمة، فعرض لها مرض من الجنون، فجمع الأطباء والكهنة فعالجوها فلم تبرأ من ذلك المرض، فضاق صدره لذلك، فاستشار أهل مملكته ووزراءه في أمرها فأشاروا عليه بالإنفاذ إلى قسطنطين - ملك الروم - بأن يتقدم إلى مروثا بالحضور إليك ومعالجتها. فنفذ إلى ملك الروم رسولا، ومعه هدايا وتحف عظيمة، فنفذ الملك إلى مروثا، وأمره بالمسير إليه. فسار مع الرسول إلى أن وصل إلى الملك سابور، ودخل على ابنته وعالجها أياما فبرئت مما كانت فيه. ففرح الملك فرحا عظيما، وقال لمروثا: تمن علي!! فقال: أريد الصلح والهدنة بينك وبين الملك قسطنطين، وتكون المودة بينكما دائمة، فأجابه إلى ذلك، وكتب بينهما عهدا لا ينقض مدة حياتهما. فلما عزم على المسير، سأله الملك: هل لك حاجة؟ فقال: مالي حاجة. ولكني أسألك جمع عظام الرهبان والشهداء الذين قتلوهم أصحابك في بلادنا، وحملها معي إلى موضعي. فأمر له بذلك. وطيف بتلك الديار وجمع ما بها من عظام من قتله الفرس، وحملها معه إلى مقرة، ودفنها في موضعه.

стр. 157

ثم إنه سار إلى قسطنطين وأعلمه بحال الهدنة والصلح. ففرح بذلك فرحا عظيما، وقال له: تمن علي ما أردت! فقال: مالي حاجة في الدنيا، ولكني أسألك أن أبني في موضعي دوارا للغنم، وبيعة داخل الدوار. وأريد منك المعونة على ذلك. فكتب الملك له إلى هذه الديار بإطلاق يده فيما يريد. فأتى إلى هذه الخطة وقطع الحجر، وحرق الآجر، وبنى البيعة في رأس التل، وأحاط بها سورا ضعيفا. ثم استأذن الملك في بناء بنية تحصنه من العدو فأذن له. فبنى البرج المعروف ببرج الملك. وبنى به بيعة وكتب اسم الملك عليها. فوشي به إلى الملك وقيل: إنه قد بنى بنية عظيمة، وربما خرج عن الطاعة!! فسير الملك ثقاته، وأمرهم أنهم أن وجدوا اسم الملك مكتوبا على ما عمره " فأبقوا على ما عمر " وإلا فاهدموا ما عمره. فلما وصلوا وعاينوا البيعة وعليها اسم الملك عادوا إليه وأخبروه بذلك. فتقدم الملك إلى وزرائه بإفراد ارتفاع البلاد من قاطع القسطنطينية إلى آخر ولاية نصيبين. وجباية الأموال وحملها إلى مروثا وأمره بإتمام المدينة. فجمع الصناع، وأدار السور، وأكمل العمارة، وسميت ميافارقين، وتفسيره بالعربي: مدينة الشهداء، لعظام الشهداء المنقولة إليها وهي إلى يومنا هذا لم تؤخذ بالسيف عنوة. وآمد إلى جانبها أقوى منها وأحصن، وقد أخذت بالسيف مرارا. ثم إن هيلانة شرعت في بناء البيعة الكبيرة، وهي أول بيعة بنيت لأن الصليب مصور بالمذبح، وذلك يعمل في أول بيعة تبنى. وتقدم الملك إلى وزرائه الثلاثة ببناء أبرجة: فبنى أحدهم برج الرومية، والبيعة بالعقبة. - وبنى الآخر برج الزاوية ويعرف ببرج علي بن وهب، وبيعة كانت تحت التل وهي الآن خراب وأثرها باق مقابل حمام النجارين -. - وبنى الثالث برج باب الربض والبيعة المدورة. وعمل بها من الطلمسات مالا يوسف. وجعل لها ثمانية أبواب: " ١ " -: باب أرزن ويعرف بباب الجنائز. " ٢ " -: وباب قلوفح وهو بين برجي الطبالين. ويسمى: باب المرآة. لأنه كان عليه مرآة في أعلاه بين البرجين، فكانت إذا طلعت الشمس يرد شعاعها الجبل من فرسخ. وأثر المرأة باق إلى الآن، وبعض الضبات الحديد باقية بين الأحجار. " ٣ " - " وباب الشهوة وهو من برج الملك. " ٤ " -: وباب مقابل باب أرزن - نصبا - ويعرف: بباب الجبل. " ٥ " -: وباب بالربض أيضا بين البرجين. " ٦ " -: وباب الفرج والغم، وصورتا الفرج والغم منقوشتان في الحجر، مما يلي القبلة، من ركن الباب صورة الفرج رجل يصفق بيديه، وصورة الغم رجل قائم على رأسه صخرة. فما عُلم أنه بات بمياقارقين أحد مغموما ولا مهموما إلا النادر من الناس، بخلاف آمد فإن الغريب بها من العصر يأخذه الغمُّ وينزل عليه الحزن، ويسمى هذا باب القصر العتيق الذي بناه بنو حمدان. " ٧ " -: وباب في أسفل العقبة، عند مخرج الماء. " ٨ " -: وباب فتحه سيف الدولة يعرف بباب الميدان. وفي من هذه الأبواب، على ما شاهدت عند قدومي عليها أربعة: " ١ " -: باب المُحدثة - وهو قبليها -. " ٢ " -: والباب الجديد - عند القصر -. " ٣ " -: وباب الربض. " ٤ " -: وباب آخر يفتح من القصر - شمالي البلد -. " ٥ " -: وآخران مسدودان. ذكر ما جُدِّد فيها من العماير بعد الفتح بني أحمد بن عيسى بن الشيخ منارة الجامع، واسمه مكتوب عليها في لوح تاريخه سنة ثلاث " وسبعين ومائتين ". وبنى البرج القبلي واسمه أيضا مكتوب عليه. ولما وليها سيف الدولة ابن حمدان رمَّ سورها، وكان قد تشعث. " ولم يكن على الباب الأوسط باب، بل كان له مشط من الحديد، فكسره القاضي عبد الله بن الخليل وزاد عليه وضرب الحديد مصراعين، وركبهما على الباب سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. ووزن المصراعين ثلاثة آلاف وثلاث مائة رطل بالظاهري. وكان على الفصيل باب ضعيف حديد، فكسره القاضي أيضا، وزاد عليه، فصار وزن المصراعين ألفين وأربعمائة وستين رطلاً بالظاهري واسم سيف الدولة والقاضي مكتوبان على البابين حفرا ". " وكان شراب أهل ميافارقين من الآبار، فأجرى سيف الدولة من العين التي بالربض المعروفة برأس العين قناة، وساقها في وسط البلد، ودخل بها من باب الربض، وجاءت بين السورين، وأجراها في المدينة إلى أن أوصلها إلى القصر العتيق، وهي أول قناة سقت إلى المدينة ".

стр. 158

ولما مات سيف الدولة اهتمت جميلة أخته في عمل الخندق حول ميافارقين. وكان سيف الدولة قد شرع فيه. ويقال: إن المال الذي صُرف في حفرة هذا الخندق أصله أن رجلا من الحفارين حفر يوما ظاهر البلد، من جهة باب الهوة حفيرا، فهوي به إلى هوة فنزل فيها فرأى مالا عظيما، فقصد جميلة - أخت سيف الدولة - وزوجته العُقيلية فأطلعها على ما وجد فنقلاه. وأخذت جميلة نصفه فصرفته في حفر الخندق. وأخذت العقيلية نصفه الآخر، وصرفته في بناء سور الربض. ولما استولى الحاجب أبو الوفاء طاهر بن محمد على ميافارقين ولى فيها أبا علي الحسن بن علي التميمي فبنى ما تشعث من سورها وكتب عليها اسم عضد الدولة. ولما ملكها ممهد الدولة أبو منصور " سعيد " بن مروان رمَّ في سورها مواضع، وكتب اسمه عليها. وتهدم باب من أبواب المدينة في سنة تسع وسبعين وثلاث مائة ففتح الناس باب قلوفح وكان مسدودا مدة عمارة هذا الباب فلما فرغ منه غلق باب قلوفح. ولما ملكها نصير الدولة أراد أن يعمر بها قصرا يسكنه فأشير عليه بعمارته على رأس التل، فأشار عليه خواجا أن يعمره موضعه الآن، ليكون برج الملك داخلا تحت حكمه. فابتدأ في عمارته في سنة ثلاث وأربعمائة. واسمه مكتوب عليه. وبنى المنظرة العتيقة. وغرس بستان القصر ويقال: إنه كان مكانه بيعة. وساق إلى القصر الماء من رأس العين التي بالربض. وبنى نصر الدولة بها البيمارستان ووقف عليه الضياع والأملاك. وبنى جسر الحسينية الذي على تل بنان. وبنى قصرا على الشط، وعمل له بابا من الصفر، وهو الآن على الجامع. وأقام الأسواق. وبنى الحمامات. وبنى جامع المحدثة والمصلى سنة ثلاث وعشرين وأربع مائة، ووقف عليهما أملاكا. وبنى حمامي العقبة ووقفهما على السور. " وكان في زمانه بالبلد شيخ من أعيان التجار يعرف بأبي بكر بن جرى استأذنه في إجراء قناة إلى الجامع من عين حنباص، فأذن له، فساقها في طرف البلد في الربض الغربي إلى أن دخل بها بين السورين من عند باب الفصيل الذي للربض وأدخلها من السور. فيقال: إنه غرم على عملها خمسين ألف دينار. ولما أجراها عبر بها على باب داره ولم يدخل منها إلى داره شيئا، لئلا يقال: إنما أجراها لمنفعته. وبنى نصر الدولة الحصن الجديد الذي بجهة السناسنة فصار حدا وسدا في وجوههم. وبنت ست الملك بنت نصر الدولة في سنة ست وخمسين وأربعمائة قبة إلى جانب الجامع بالميدان، ونقلت إليها أباها فدفن بها. ولما وليها العميد قوام الملك أبو علي البلخي من قبل السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان سمع في بعض الليالي ناقوسا، فلما أصبح سأل عنه، فقيل له: إنه دير على الجبل. فجمع الناس، ومضى إليه ليهدمه، فأعطى فيه النصارى خمسين ألف دينار، على أن يتركه لهم، فأبى وهدمه. وسقط من الجامع الجهة القبلية في ربيع الأول من سنة تسع وأربعين وخمسمائة، فعمر جديدا. وابتدأ في نقض برج الأربعين وعمره في شهور سنة تسع وخمسين وخمسمائة. هذا ما كانت عليه قديما. ولما دخلتها اعتبرت حالها وما هي مشتملة عليه من المباني: فكانت عدة أبرجة سورها اثنين وأربعين برجا. ودون هذا السور فصيل وبينها خمسة عشر ذراعا. ولها خندق جميعه برك قد فصل بينهما بمقاطع عدته ستون بركة. تسمى الغدران أصل مائها من حنباص. وللسور أربعة أبواب. - باب المحدثة وهو من القبلة. - والباب الجديد وهو من الشرق. - وباب الربض وهو من الغرب. - وباب الهوة - يفتح من القصر - وهو من جهة الشمال. وبها، داخل البلد قصر عظيم، كان دار السلطنة - قد تقدم ذكر من بناه - وللمدينة ربض من شمالها في وسطه عين تسمى عين الحفيرة يدخل ماء العين إلى البلد، وعليه داخل البلد أربعة أرحاء. ولها من جهة القبلة ربض يسمى المحدثة، فيه الحانات والأسواق. وفي طرفها سوق الخيل. وفي رأس سوق الخيل جامع يعرف " بجامع " بني مروان. وفي شمالي البلد جبل يسمى حرم عباد لأن على قمته ديرا يسمى: دير عباد. وفي الجبل أديرة تسمى الحصون لمنعتها معمورة بالرهبان. وفي شرقيها ميدان وجوسق من إنشاء شهاب الدين غازي. وبها من المدارس: - مدرسة للحنفية من إنشاء شهاب الدين غازي. - ومدرسة للحنابلة عند باب الجامع.

стр. 159

ومدرسة أنشأها فخر الدين عثمان المعروف بابن الفقاعي لمذهب الشافعي. وبها ما يناهز مائتي مسجد. وبها من الحمامات: - حمام القاضي - إلى جانب الجامع -. - وتحت القصر: - حمام سعيد. - وحمام العقبة. - وحمام الحطابين. - وحمام الأزج. - والحمام الجديد. - وحمام خزيمة، أنشاها ابن الفقاعي. وبالمحدثة، خارج البلد، حمامان. وبالربض حمامان: - حمام حنباص. - وحمام جوزة. عرض هذه البلد ثمان وثلاثون درجة، وطولها سبع وسبعون درجة وثلث. طالعها السرطان وقيل: الجوزاء. وصاحب الساعة الزهرة. ذكر من فتح ميافارقين آمد ووليهما " لم تزل الجزيرة وديار ربيعة وديار مضر وديار بكر منذ صدر الإسلام يليها وال واحد، وتارة تنفرد ديار ربيعة، وتارة تنفرد ديار مضر، وتارة تنفرد ديار بكر. وأن آمد وميارفارقين وماردين وأرزن وما أضيف إليها من الحصون لم تزل في أكثر الأوقات ولاية واحدة، خصوصا آمد، وميافارقين فإنهما لم ينفردا، فلذلك جمعنا بينهما. ذكر أحمد بن يوسف بن علي بن الأزرق - صاحب تاريخ ميافارقين وآمد - " أن كسرى قباذ بن فيروز، وهو التاسع عشر من ملوك الفرس ". وكان ملكا جبارا غزا ديار بكر، وديار ربيعة، وفتحها بأسرها من آمد وميافارقين ودارا ونصيبين والرحة، وغيرها. وسبى أهلها. واستمرت في يده مع غيرها من البلاد ثم من بعده في يد ولده عرمز ". " ثم في يد ولده بلاس كذلك " إلى أن بلغت كسرى أبرويز. وكان ملكا عادلا فطنعت فيه ملوك الروم فخرج ملك الروم وهو هرقل - صاحب عمر بن الخطاب ﵁، وغزا هذه البلاد وملكها بأسرها، وبقيت تحت حكمه، وذلك في السنة الحادية عشرة من ولاية كسرى هرمز بن أنو شروان العادل. وبقيت في يد الروم إلى سنة ثماني عشرة للهجرة في خلافة عمر ﵁. قيل: إن عمر ﵁ لما جهز العساكر وأنفذها إلى الشام كان يوم اليرموك في سنة خمس عشرة للهجرة، وكسر عرقل - ملك الروم -. وأمير الجيش أبو عبيدة بن الجراح، ولم يزل يفتح موضعا موضعا إلى سنة ثماني عشرة. وأمر عياض بن غنم على بعض الجيش، فقصد الجزيرة فدخلها وفتحها موضعا موضعا. وكان على ميسرته خالد بن الوليد ووضمّ إليه ثلاثة آلاف فارس، وجعل رأسهم الأشتر النخعي، وأمرهما بالمسير إلى آمد وميافارقين. فلما وصلاها ورأيا سور آمد وميافارقين. فلما وصلاها ورأيا سور آمد جزعا وتقطعا. وكان بآمد عشرون ألفا من الروم، فوقع الخلف بينهم، واقتتلوا قتالا شديدا. وقيل: " وفتحها عنوة، وذاك أن رجلا من المسلمين رأى كلبا خارجا من مخرج الماء، فدار ساعة وعاد دخل إلى البلد، فتبعه الرجل ودخل خلفه فانتهى إلى داخل البلد، فعاد خرج، وأعلم خالدا بذلك. فلما كان الليل دخل الرجل ودخل معه خالد وجماعة من المسلمين وصاحوا بالناس، وملكوه عنوة. وقيل: بل صالحه بطريقها، وخرج إليه، وحمل له خمسين ألف دينار، وجعل على كل محتلم أربعة دنانير، وقيل دينارين، وقفيزين حنطة، ومد زيت، ومدّ خلّ، ومدّ عسل، وكل من عبر بها من المسلمين يضاف ثلاثة أيام. وجعل بها مسلحة للمسلمين ". ذكر من ولي ديار بكر بأسرها ومن ولي منها مكانا بمفرده لم يزل عياض بن غنم ونوابة عليها إلى أن توفي في سنة عشرين. فولىّ عليها عمر بن الخطاب ﵁ حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها. وعلى عربها الوليد ابن عقبة، فلم يزل أميرا عليها إلى أن عوله عمر ﵁. وولىّ فرات بن حيان، وهند بن عمرو. ولم يزل حبيب بن مسلمة أميرا على عجم الجزيرة إلى أن أصرفه عمر في آخر سنة إحدى وعشرين. وولىّ عليها وعلى قنسرين وحمص عمير بن سعد. ولم يزل عمير واليا عليها إلى أن توفي عمر ﵁ لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. وولي الخلافة عثمان ﵁ فأقر عميرا على إمرته، فأصابه مرض فاستأذن عثمان في الرجوع إلى أهله فأذن له. وجمع لمعاوية بن الشام والجزيرة وذلك في سنة ست وعشرين. فولىّ معاوية الجزيرة حبيب بن مسلمة بن مالك ثم عزله عن الجزيرة. وولى عليها الضحاك بن قيس الفهري. ولم يزل واليا عليها إلى أن قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.

стр. 160

ووليّ عليٌ ﵇ فولاها مالكا الأشتر النخعي وقثم بن العباس. ولم تزل في أيديهما مدة خلافة عليّ ﵇ وخلافه ولده الحسن ﵁. وولي الجزيرة والثغور في خلافة معاوية مروان بن الحكم مدة ثم أشخصه معاوية إلى دمشق. ووليها في ولاية يزيد بن معاوية من قبل مروان بن الحكم أسعد بن يحيى الهشلي. فلم يزل بها إلى أن مات يزيد. وولي معاوية ومات. ووليّ مروان بن الحكم الخلافة في أواخر سنة أربع وستين. فولىّ على الجزيرة والثغور سعيد بن قيس الثقفي مدة ولايته. فلما مات ولي ابنه عبد الملك بن مروان. وخرج عليه المختار بن أبي عبيد وملك العراق وديار بكر والجزيرة بأسرها. ووليّ على ديار بكر إبراهيم بن الأشتر النخعي. ونفذ إلى آمد وميافارقين وديار بكر عبد الله بن مساور. فلما قتل المختار وملك عبد الملك بن مروان أقطع الثغور، وديار بكر والجزيرة لأخيه محمد بن مروان. قيل: وفي ولاية سليمان بن عبد الملك كان والي الثغور محمد بن إبراهيم بن الأشتر النخعي. وفي ولاية " عمر بن " عبد العزيز ولىّ الجزيرة والثغور ميمون بن مهران، فولىّ ميافارقين وآمد سعد بن مهران - أخا المذكور -. وفي ولاية يزيد بن عبد الملك ولىّ ميافارقين وآمد والثغور مهران بن ميمون بن مهران مدة ولاية يزيد فلم تزل بيده إلى أن عزله هشام بن عبد الملك وولاها مروان ابن محمد المعروف بالحمار. فلم تزل بيده مدة ولاية هشام، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد ونوابه بها إلى سنة سبع وعشرين ومائة ثم ولي مروان الخلافة. فولىّ آمد وميافارقين، أبا عامر بن أبان وإسماعيل ابن سعيد فلم يزالا بها إلى أن قتل مروان الحمار وانقرضت دولة بني أمية. وانتقلت الخلافة إلى بني العباس: فأول من وليّ منهم السفاح ويكنى بأبي العباس فكان واليه على الثغور وديار بكر أخاه أبا جعفر المنصور وموسى ابن مصعب. وفي ولاية المنصور - أخي السفاح - ولى على ديار بكر والثغور: مقاتل بن حكيم العكي. وحُميد بن قحطبة. وعبد الصمد بن علي. ومُصعب بن موسى. ................... والهيثم بن سعيد ثم عزله. وولى المسيب بن زهير وعزله. وولى عبد الصمد بن علي بن عمر وعزله. وولى زُفرُ بن عاصم الهلالي وعزله. وولى ابن علي. والفضل بن صالح. وفي ولاية موسى الهادي: كان الوالي على آمد وميافارقين وماردين والثغور: أبا هريرة محمد بن فروخ. ومحمد بن إبراهيم بن علي وعزلا. وولى العباس بن محمد. وفي خلافة الرشيد ولى آمد وميافارقين وماردين: عبد الرحمن بن عبد الملك الزاهري ثم عزله الرشيد وولى: شيبة بن عبد الله " ثم عزله ". وولى علي بن سليمان الهاشمي ثم عزله: وولى محمد بن صالح وأخاه عبد الملك بن صالح. ولم يزالا إلى ولاية الأمين فعزلا. وولي العباس بن موسى وسعيد بن عمران مدة ولاية الأمين. وولي في خلافة المأمون الجزيرة والثغور ولده العباس ولم تزل نوابه بها إلى أن مات المأمون ووُليَّ المعتصم فأقطعها هارون الواثق فرتب فيها: نصر بن سعيد. وعبد الله بن كثير. ومحمد بن معروف. ففي ولاية الواثق وُيل آمد وميافارقين: عب الله بن الزيات. ومحمد بن العباس بن المأمون. وسعيد بن عبد الله. ومحمد بن الربيع، الوزير. إلى ولاية المتوكل، ولى الجزيرة وآمد وميافارقين من قبله: نصر بن خاقان. وسعيد بن عليٍّ. ومحمد بن عبيد الله. إلى ولاية المنتصر، ولى الجزيرة والثغور: سعيد بن الحسين. وعبد الله بن سيّار. وفي أيام المستعين والمعتز ولي الجزيرة وآمد وميافارقين: عبد الله بن ميمون. ونصر بن صالح بن خاقان. وأبو الفضل بن عيسى الهاشمي. وعبد الرحمن بن سعيد. وفي خلافة المهتدي في سنة خمس ومائتين وُلي آمد وميافارقين: أبو موسى بن الشيخ بن السليل الشيباني، وكانت أرزن بيد موسى بن زرارة. ذكر عصيان عيسى بن الشيخ بديار بكر سبب ذلك أنه كان عاملا على دمشق من قبل الخليفة المهتدي، وعلى حلب أيضا - هذا كلام ابن العديم -.

стр. 161

وقال غيره: بل على دمشق، والأردن، وفلسطين، واجتمع عنده مال عظيم فُتحت نفسه عليه ولم يحمله إلى الخليفة على ما جرت به العادة. وبلغ ذلك الخليفة، فأنفذ إليه توقيعا بأرمينية. وكان قصده أن يصير إليه فيقبض عليه، فاستشعر عيسى بن الشيخ ذلك، فعصي بديار بكر واستبد بها دون أمر الخليفة. ورتب ولديه محمد بن عيسى بآمد، وأحمد بن عيسى بميافارقين. " وبنى أحمد بن عيسى منارة بجامع ميافارقين ". واسمه عليها مكتوب في لوح حُفر تاريخه سنة ثلاث وسبعين ومائتين. واسم أحمد بن عيسى على لوح في البرج القبلي الذي تحت الباب، من جانب الغرب. وما على السور لوحٌ إسلامي أقدم منه. وهو حفرٌ في حجرٍ. وبقيت بيد أحمد بن عيسى إلى أن مات. وولي ولده محمد بن أحمد ديار بكر. وهذا يدل على أن أحمد بن عيسى تغلب على أخيه وأخذ آمد في حياته، أو انتقلت إليه بحكم وفاة أخيه محمد فلأجل ذلك عهد إلى ولده محمد بجميع ديار بكر. ذكر قصد المعتضد الجزيرة وديار بكر ولما وصل الخبر إلى المعتضد بموت أحمد بن عيسى بن الشيخ وتولية ولده محمد ديار بكر تجهز إلى ديار بكر في سنة خمس وثمانين ومائتين، ونازل آمد وحاصرها، وهدم سوريا، ودخلاه عنوة. واستأمن إليه محمد بن أحمد وأهل بيته فأمنهم ونفذ سرية إلى ميافارقين، فدخلوا تحت الطاعة. وسلموها إليه. وأقام بآمد مدة، وأقطع ديار بكر وديار ربيعة ولده عليّا - المكتفي -. وولى ميافارقين وآمد الفضل بن عمران وسلم إليه جميع الثغور: ونزل المعتضد إلى بغداد وتوفي بها ودفن في حجرة الرخام. وولي الخلافة المكتفي. وأقرَّ الفضل بن عمران على ديار بكر وأضاف إليه علي بن منصور الهاشمي مدة ولاية المكتفي. ثم وُلي في أيام المقتدر المبارك بن ميمون بن الخليل واسمه في الجامع في المقصورة الغربية على لوح. " وفي سنة ثمان وتسعين ومائتين نفذوا أهل ميافارقين ضعفها، وأنها تحتاج إلى من يحفظها "؟. وكانت قلعة اليماني، وأكِلّ والجبابرة للروم وهو يُغيرون كل يوم إلى باب المدينة، وتأخذُ ما حولها. وكان على باب المدينة الوسطاني مشط من حديد، ولم يكن عليه باب، فكان إذا هجم العدو ودخل باب الفصيل حطوا المشط من أعلى السور، ويبقى أهل البلد والعدو يتطاعنون في المشط، وكان مشبكا. وكانت آمد كذلك من الضائقة. فلما طولع بذلك المقتدر نفذ رجلا من أهل بغداد يسمى ألطاشي عبد الرحمن بن سعيد فوصل إلى ميافارقين وباع بها أملاكا كثيرة، وجند بها العساكر، كذلك فعل بآمد. وأملاك أهل ميافارقين اقتُنيت من هذه السنة. وعاد ألطاشي إلى بغداد. وفي سنة ثمان وتسع وتسعين ومائتين وُلي خفيف الأرتكني من قبل المقتدر. وكان وليها وجميع ديار بكر علي بن أبي السلاسل. وفي سنة اثنتين وثلاث مائة وليها وأرزن معها خلف بن الحسن، وكان يحيى بن زكريا يلي ديوان المكاتبات بديار بكر أجمع. وفي سنة أربع وثلاثمائة وليها الطيب بن يعقوب مدة وعُزل. وعاد خلف بن الحسن. وفي سنة خمس وست وثلاثمائة ولي " ديار " بكر أجمع وقِرْدى وبازبدي " محمد بن جني الكاتب ". وفي ولاية الراضي ولى ميافارقين سعيد بن عاصم في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وكانت ضعيفة جدا لمجاورة الروم لها، فبقي مدة ثم عُزل. وولى الراضي بها أبا علي بن جعفر الديلمي، وكانت الديلمية قد ظهرت، وظهر معز الدولة أحمد بن بويه وقوي، وعلت كلمته. وكان أخوه ركن الدولة أبو علي بخراسان، وقد استقر فيها، وأطاعه كل من بها، وفتح بلاد خراسان ومعز الدولة ببلاد فارس وشيراز والاهما. ذكر ابتداء ملك بني حمدان لديار بكر قد تقدم القول بضعف ميافارقين وآمد، وقلة من بهما من الأجناد، بسبب غارات الروم عليها. وأنهم أنهوا حالهم إلى المقتدر فرأى أن يضيف ديار بكر إلى الأمير ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان مضافا إلى ما كان بيده من ديار ربيعة، وذلك في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. وكان النائب إذ ذاك " أبو " علي بن جعفر الديلمي بديار بكر فأقره على ولايته. ولم يزل " أبو " علي بن جعفر مستمرا إلى أن دخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. فتوجه الأمير ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان إلى الروم واستنقذ ملطية وحصونها من أيدي الروم وعاد سالما منصورا.

стр. 162

ذكر ولاية سيف الدولة ديار بكر من قبل أخيه ناصر الدولة وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة، سلم الأمير ناصر الدولة أبو محمد بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان ميافارقين. وديار بكر إلى أخيه سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء نائبا عنه. وفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة خرج الدمستق إلى ناحية آمد وسميساط. فسار إليه سيف الدولة وهزمه وعاد إلى ميافارقين وأرزن. وكان بأرزن يومئذ " أبو " علي بن جعفر الديلمي. فعصي بها. فحاصره سيف الدولة إلى أن التمس منه الأمان ونزل على حكمه فأمنه. وتوجه سيف الدولة إلى خدمة أخيه ناصر الدولة بالموصل، فوصلهما فيها التشاريف والتقاليد من الخليفة الراضي في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، وأكرما غاية الإكرام. ونظر سيف الدولة في مصالح ميافارقين، " وروم ما كان استهدم من سورها، وعمر بها مواضع كثيرة، ظاهرا وباطنا، واسمه عليها مكتوب بتوليّ القاضي عبد الله بن الخليل. ولم يكن على الباب الوسطاني باب، بل كان له مشط من الحديد مشبكا، فعمد القاضي إلى ذلك المشط فكسره، وزاد عليه وعمله بابا، وركبه على الباب الوسطاني في سنة ثلاث وثلاثين ومائة. ووزن المصراعين ثلاثة آلاف وثلاثة مائة رطل بالظاهري. وكان على باب الفصيل باب واهن ضعيف، فكسره القاضي أيضا وزاد عليه وعمله بابا وركبه عليه، وهو الذي عليه إلى الآن. ووزن المصراعين ألفان وأربع مائة وستون رطى بالظاهر ". وفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة توفي عبد الله بن سيف الدولة بميافارقين ودفن بها، ورثاه المتنبي وعزاه. واجتمع عند سيف الدولة من الفضلاء والعلماء والشعراء ما لم يجتمع مثله إلا في زمان المأمون. وكان سيف الدولة أكثرهم فضلا. واجتمع عنده ابن خالويه وخطيب الخطباء عبد الرحيم ابن نباتة والقاضي أبو بكر بن قريعة والمتبني وأبو فراس. كل منهم يقر لسيف الدولة أنه أكثر فضلا منه. ذكر محاولة استيلاء الروم على آمد بحيله كانت أمد يومئذ بيد ناصر الدولة وبها نوابه. وكان بالبلد رجل من النصارى فراسلوه الروم وراسلهم، وسعى لهم في أخذ البلد، وذلك أنه نقب نقبا عن أربعة أميال تحت الأرض إلى المدينة. ففطن لذلك أهل المدينة، فلحقوا النقب وأخذوه. وقتلوا ذلك الرجل. واستمرت آمد في يد نواب ناصر الدولة. عدنا إلى أخبار ميافارقين وسيف الدولة وفي سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة سار الدمستق إلى بلد آمد لقصدها وغيرها من البلاد، فسار إليه سيف الدولة فهزمه. وفي سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة وقع الصلح بين سيف الدولة وملك الروم. ذكر حصار الروم آمد وميافارقين وفي سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة وردت الروم مع ملكها ابن سمسقيق ونزل على باب ميارفاقين، وحوصرت مدة. ثم انتقل عنها ونزل على آمد وحاصرها سبع سنين وضرب كمين سنادين الحديد في المناجيق، وغرس على آمد الكروم بباب الجبل، وأقام إلى أن حمل العنب وأكل منه. ثم رحل عنها إلى نصيبين، وأقام بها مدة ثم رحل عنها. وأخرب في طريقه مدينة دارا والهتاخ وفندق الرأس وتل ميمون. ولم يفتح موضعا إلا خربه، وعاد إلى بلاده. وهذا كلام أحمد بن الأزرق - صاحب تاريخ ميافارقين وآمد - وعمل الخطيب عبد الرحيم بن نباتة خطبة في الجهاد. ذكر قتل نجا غلام سيف الدولة وملك سيف الدولة خلاط وفي سنة أربع وخمسين وثلاث مائة قتل نجا - غلام سيف الدولة - وكان السبب في قتله أنه لما وقع أبو الورد - صاحب خلاط ومنازجرد - من السور ومات، سار نجا إلى تلك النواحي، وملكها بعساكر سيف الدولة. فلما أن ملكها عصى على سيف الدولة وسار إلى ميافارقين وحاصرها في سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة ليأخذها ويسلمها إلى معز الدولة، وكان قد أمده بالعساكر، فلما جد في القتال لميافارقين بلغه أن قرابة ابن أبي الورد وثب على منازجرد فأخذها، فانفصل عن ميافارقين وطلب خلاط وتلك الولاية، ونهب عساكر قرابة أبي الورد. وفي سنة أربع وخمسين وثلاث مائة حضر نجا في مجلس سيف الدولة وعنده جماعة، وهم على الشراب، فحاجَّ سيف الدولة وخرج عليه بكلام قبيح. وكان لسيف الدولة غلام يسمى نجاح فوثب على نجا فضربه بالسيف فقتله. وكان له قلوفح إقطاعا برسم مائدة رمضان. وحُمل إلى ميافارقين ودُفن بها.

стр. 163

ثم سار سيف الدولة إلى خلاط ومنازجرد وجميع تلك الولاية فملكها. وأخذ معه صفوان وثنا وهما - أخو نجا - وعاد بهما إلى ميافارقين. وقد خلص أبا الفوارس بن ناصر الدولة من الروم بالمفاداة ووصل إلى ميافارقين يوم السبت ثاني صفر سنة خمس وخمسين وثلاث مائة. وفي الخمسين خامس عشر من شهر ربيع الأول وصل كتاب من ناصر الدولة يذكر أنه ولد لأبي عليّ الباهلي بغلة، وحملت إلى ناصر الدولة وولده أبي تغلب ورأيها، والمشيمة معها، والولد حي، وعاش بعد ذلك. وفي سنة خمس أيضا في شعبان: أغارت الروم من حصن اليماني على بلد ميافارقين ونهبت ضياعها، فخرج أحمد بن نصر - الوالي بها - ولحقهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة. وبنى سيف الدولة بميافارقين القصر العتيق - داخل البلد - عند برج عليّ بن وهب وأحكمه، وأحسن عمارته، وسكن فيه. واجتمع عند سيف الدولة من أهله خلق عظيم. كانوا معه، وتحت كنفه، بحيث أن جميلة - أخت سيف الدولة - اطلعت يوما من الأيام من القصر العتيق على الميدان فرأت من أهلها مقدار عشرين ألف فارس فقالت: لا إله إلا الله، يوشك أن تقوم الساعة على آل حمدان!! هذا سوى من كان عند ناصر الدولة وأبي تغلب ومن كان بالشام منهم مقيما. فما مرّ بهم غير ستين أو سبعين سنة وما بقي منهم أحد يقول: أنا من بني حمدان؟!!. وكان قد بقي منهم جماعة انتقلوا إلى الساحل وملكوا صور وما حولها، ثم انقرضوا ولم يبق منهم أحد. ولم يكن لميافارقين ماء يسرح في أقطارها، وكان شربهم من الآبار. فشرع سيف الدولة في عمل العين التي بالربض، المعروفة برأس العين فساق منها قناة وجاء بها في وسط الربض، ودخل بها المدينة إلى أن أوصلها إلى القصر العتيق، وهي أول قناة سيقت إلى المدينة. وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين من المحرم سنة ست وخمسين وثلاث مائة: انكسفت الشمس كسوفا عظيما، بحيث ظهرت الكواكب بالنهار. وعمل الخطيب عبد الرحيم خطبة الكسوف، وخطب بها في ذلك اليوم. ذكر وفاة سيف الدولة بن حمدان في رابع ساعة من يوم الجمعة، وقيل ثالث ساعة لخمس بقين من صفر سنة ست وخمسين وثلاثمائة، توفي الأمير سيف الدولة، أبو الحسن، علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان ﵀ بحلب. وكان مرضه عسر البول. وكان عمره أربعا وخمسين سنة قمرية، وثلاثا وخمسين سنة شمسية. وتولىّ أمره أبو الهيثم بن أبي حصين، وغسله عبد الحميد بن سهل المالكي - قاضي الكوفة - وغسله تسعة أغسال: غسل بالماء أولا. ثم بالسدر، ثم بالصندل، ثم بالذريرة، ثم بالعنبر، ثم بالكافور، ثم بماء الورد، ثم بالماء القراح أخيرا غسلين. ونشف بثوب ديبقي ثمنه نيف وخمسون دينارا - أخذه الغاسل مع ما أخذه -. وصبر برطلين صبر، ورطل مر، ومنوين كافور، وجعل في لحيته ونحره مائة مثقال غالية. " وفي أذنيه وعينيه وأنفه وعنقه ثلاثون مثقالا كافورا ". وكفن في سبعة أثواب، تساوي ألف دينار، منها: قميص قصب أدرج فيه بالكافور. وبردان معمدان حبرتان. وثوب شرب. وعمامة شرب. وجعل في التابوت مضربة، ومخدتان، وذر على الجميع الكافور. وصلى عليه أبو عبد الله الأقسامي الكوفي، وكبر عليه خمسا. وحمل فراشه إلى الأفطس العلوي بوصية منه. واجتمع الناس إلى الأمير أبي المعالي شريف بن سيف الدولة ولقب بسعد الدولة. وتسلم تابوت سيف الدولة غلام له يسمى تقيّ وحمله وسار به إلى ميافارقين ودفن بالتربة، داخل البلد، عند أمه وأخته. ذكر ولاية أبي المعالي شريف ولد الأمير سيف الدولة كان الأمير سيف الدولة قد عهد إليه قبل وفاته، فاستقلّ بملك حلب وميافارقين وغيرهما مما كان بيد والده. فرتب أمور حلب وأحوالها وسار إلى ميافارقين ليرتب أحوالها. وكان بها تقي غلام والده، فحدثته نفسه بالغدر بأبي المعالي فعلم به، فقبض عليه وصادره على ثلاثين ألف دينار، وحمل مقيدا إلى حصن كيفا فبقي فيه مدة. ثم أن الأمير أبا المعالي أراد المسير إلى الشام فاستحضر تقيا من حصن كيفا ورضي عنه، وخلع عليه، وسلم إليه ميافارقين وسار إلى الشام، وأقام بها، وتقي بميافارقين. وأقامت جميلة أخت سيف الدولة " و " زوجة الأمير سيف الدولة بميافارقين.

стр. 164

وكان ناصر الدولة قد تغيرات أحواله، فقبض عليه ولده أبو تغلب باتفاق من إخوته أولاد ناصر الدولة وسير من الموصل إلى قلعة أردمشت. ثم إن أبا تغلب الغضنفر خرج من الموصل بعد زواجه بابنة عمه سيف الدولة، ووصل آمد فكاتبه تقي ليسلم إليه ميافارقين لما كان في نفسه من سعد الدولة لما قبضه وصادره، فوصل أبو تغلب وتسلم ميافارقين في سنة ستين. وفي سنة اثنتين وستين وثلاث مائة شرعت جميلة في عمل الخندق حول ميافارقين. وكان سيف الدولة شرع فيه أولا، عند وصول ملك الروم إلى ميافارقين ولم يتمه. فشرعت جميلة في إتمامه وغرمت عليه مالا عظيما. ويقال: إن ذلك المال أصله أن رجلا من التترابين كان ينقل التراب من ظاهر البلد من عند باب الهوة، من عند مسجد الدكة، فحفر يوما، فهوي به إلى هوة فوجد فيها مالا عظيما. فقصد جميلة - أخت الأمير سيف الدولة وزوجته - وأعلمهما بالمال، فسيرا من حمله، فكان شيئا كثيرا. فقالت: ما إلي هذا المال حاجة، فغرمته على الخندق. وأما زوجة الأمير فأنفقت نصف المال الباقي على سور الربض، ولم يريا أن ينفردا بالمال، بل أنفقاه على مصالح البلد. ولقي الناس من أخت الأمير وزوجته كل خير من المراعاة والإحسان، وحسن النظر في أمر الرعية ومصالح البلد. ذكر ولاية عضد الدولة ديار بكر وديار ربيعه " وفي سنة سبع وستين وثلاثمائة قصد أبو شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة أبي علي بن بويه الموصل ونازلها وأخذها من أبي طاهر وأبي علي ابني ناصر الدولة ". وملك ديار ربيعه بأسرها، وصعد بطلب أبا تغلب إلى الجزيرة فقصده عضد الدولة فانهزم إلى بدليس فملك الجزيرة ونفذ في طلبه عسكر إلى بدليس فانهزم وصعد إلى خلاط ودخل إلى بلاد الروم وقصد قاليقلا وهي - أرزن الروم - وخرج منها إلى حصن زياد فلحقه العسكر الذي سيره عضد الدولة وعليه زياد أبو الوفاء فحاربه ودخل في ملطية. وقيل: ظفر به وأسره في صفر سنة تسع وستين وثلاثمائة ونفذه إلى عضد الدولة فقتله في ثاني عشر صفر منها. وعاد أبو الوفاء بخيله ورجله فنزل على ميافارقين، وحوصرت مدة وأخذت الحصون التي حولها. وأخذت أرزن في ثلاثة أيام. " ونصبت المجانيق على ميافارقين مدة ثلاثة أشهر. وجد هزار مرد - نائب أبي تغلب - وكان صاحب أبي الهيجاء بن حمدان. وكان شيخا مجربا، شهما من الرجال في حفظ البلد ". - وكانت جميلة بميافارقين تدبرها مع هزار مرد - " واشتد القتال، وجاء الشتاء، وكثرت الأمطار والثلوج ومات هزار مرد فنفذ أبو المعالي إلى ميافارقين حاجبا له يسمى يونس. وكان شجاعا بطلا خاصا عنده، فوصل إلى ميافارقين، وتوصل حتى دخل البلد ". وكانت جميلة لما مات هزا مرد قد أحضرت أهل البلد، والقاضي أبا الحسين محمد بن علي بن المبارك، وكان يعرف هذا البيت بيت " ابن أبي " إدريس فقالت له ولأهل البلد: هذا قد مات، وأنتم أهل البلد، ويجب عليكم حفظهّ! فشرعوا في حفظ البلد، وقاتلوا ورتبوا ما احتاجوا إليه، إلى أن وصل يونس إلى ميافارقين. " وتساعد جميع أهل البلد ويونس على مصالح الناس. وكاتبه أبو الوفاء وخاطبه، فأبى إلا القتال والمنازلة " فبقي مدة. وكان في البلد رجل متقدم من أهل البلد يسمى أحمد بن عبيد الله الفارقي وكان أهل البلد يرجعون إلى قوله، فنفذ إليه أبو الوفاء سرا وطيب قلبه، ووعده بالجميل ولأهل بيته ولمن يلوذ به. وكان هذا الرجل صهر القاضي المذكور، وكان بينهما مصاهرة الأهل، فاجتمع بالناس وتحدث معهم، واستوثق منهم، واستظهر بهم. ثم إنه من الغد حضر عند القاضي ومعه جماعة فشكوا ما هم عليه من المضايقة والحصار، فقال القاضي: " وأين صبركم وجَلَدُكم؟! فبعد ما أكلتم الكلاب، ولا أكلتم أولادكم. ولامات منكم مائة في يوم واحد من الجوع!! وكم هي مدة الحصار؟! ". فقال له أبو الحسن أحمد بن عبيد الله المذكور: يلقى الناس هذا جميعه حتى تكون أنت صاحب البلد؟! لا كرامة ولا عزازة!!. ثم صاح بالناس وخرج ومعه أهل البلد، فثاروا على يونس ومن معه. " ووقفت الصيحة وفتحوا الباب ودخل أبو " الفتح " المظفر بن " محمد " الحاجب إلى ميافارقين يوم الجمعة تاسع عشري صفر من سنة تسع وستين وثلاثمائة. وكان الحصار في آخر سنة ثمان.

стр. 165

وقُبض على يونس والقاضي وحُملا إلى عضد الدولة، وقيل: ضُربت رقابهم بميافارقين على الباب، وهو صحيح. وانهزم الغضنفر أبو تغلب وأخته جميلة إلى الرحبة ومن كان معهم من النساء. وسار أبو الوفاء إلى آمد وحاصرها إلى أن فتحها بعد جهد جهيد وقتال شديد. هذا آخر كلام أحمد بن يوسف بن الأزرق صاحب تاريخ ميافارقين وآمد ". ذكر ملك باد الكردي ميافارقين وآمد لم يذكر ابن الأزرق باد الكردي ولا أنه ملك ميافارقين ولا آمد ولم يجرِ له ذكراً. قال ابن الأثير: وفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، " قيو أمر باد الكردي واسمه أبو عبد الله الحسين بن دوستك، وهو من الأكراد الحُميدية، وكان في ابتداء أمره، كثير الغزو لثغور ديار بكر، وكان عظيم الخلقة ذا بأس وشدة ". فلما مات عضد الدولة في السنة الخالية استفحل أمره وقوي واجتمع إليه عالم، وقصد آمد وميافارقين وملكهما وديار بكر ولم يزل مالكا لها إلى أن دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة. ولما ملك آمد وميافارقين ولى من قبله أبا علي الحسن بن علي التميمي ولم يزل عليهما مدة ملك باد الكردي لديار بكر إلى أن جرت معه وقعة بين باد وبين صاحب الموصل فقتل فيها. واستمر أبو علي الحسن بن علي التميمي " في " ديار بكر. ذكر ابتداء ملك ابن دمنة آمد قد تقدم القول أن آمد وميافارقين كان بهما جماعة من الخراسانية والديلم، وأنهم كانوا يؤذون الناس، وينظرون إلى أخذ أموالهم، والتعرض لحريمهم، ويسيئون العِشرة معهم، والحسن التميمي مساعد لهم على ذلك. وكان الديلم يجتمعون تحت قبة بالسوق، فاتفق أن خرجت امرأة من حمام الحطابين فوثب واحد من جماعة الديلم سكران. فجذب المرأة وقبلها، فصاحت واجتمع الناس وخلصوها منه. ومضت إلى زوجها، وكان قصابا، فأعلمته بالحال وقالت: إما أن تكونوا رجالا وتحمون النساء، وإلا فألزموا البيوت وكونوا نساء. وأنا فقد حفظت نفسي، فإن كان فيكم نخوة فستظهر. وكان بآمد شيخ يُعرف بعبد البِّر، وهو شيخ البلد، يُرجع إلى رأيه. فاجتمع جماعة من أهل البلد وقصدوا الشيخ عبد البر وشكوا حالهم إليه. فأشار عليهم بقتل أبي علي الحسن التميمي، فقالوا: كيف السبيل إلى قتله؟. قال: إذا دخل الدركاه بالقصر فانثروا عليه الدراهم، واقصدوا بها وجهه، فسيستر وجهه عند ذلك، فثبوا عليه حينئذ وقتلوه. فلما دخل القصر فعلوا ما قال لهم، ونثروا عليه الدراهم، وقصدوا بها وجهه، فجعل يستر وجهه فوثبوا عليه. وكان فيهم رجل يُعرف بابن دمنة حمالا، وكان ذا بأس ونجدة، وقوة نفس، فهجم عليه وباشر قتله وحز رأسه ورمى به إلى جماعة من الديلم، فلما عاينوا الرأس انهزموا وقصدوا ميافارقين وقال عبد البر - شيخ البلد - عند ذلك: يا أهل آمد! أنا قد قتلته لكم، فمن أطاعني كنت له، ومن عصاني فالأمر إليه. فلما رأى أهل البلد ذلك حاروا، وأجاب الجميع بالسمع والطاعة فاستحلفهم واستولى على آمد، وقبض ما بها من الخزائن، وعلا شأن ابن دمنة عنده إلى أن زوجه بابنته. وأما أصحاب التميمي فإنهم لما وصلوا إلى ميافارقين لم يخف على النائب بها أنهم خائفون، فأنكر ذلك، وقال لهم: لا يكون الأمير قد عدم، فإن كان حيا فالبلاد بلاده، وإن كان قد عدم عملنا رأينا. ذكر قتل عبد البر وتمليك ابن دمنة وأما ابن دمنة فإنه واقعه الحسد لعبد البر لكونه كان هو المباشر للقتل، والأمر والنهي لغيره. فاصطنع لعبد البر دعوة ودعاه إليها، وأعمل الحيلة إلى أن قتله وخرج إلى أهل البلد برأسه وقال لهم: إن هذا الشيخ كان قد عزم على قتلي وقتل أكابركم، وقد بدأت به وقتلته. ورمى برأسه إليهم، فلما رأوا الرأس أجابوه بالسمع والطاعة. فاستحلفهم وفتح الخزائن وفرق الأموال، وأحسن إلى أهل آمد وعمرها وحصنها وحسنها. وكان المعتضد لما حاصرها هدم من شراريفها مواضع، فعاد ابن دمنة رمّها وعلّى سورها. ومن عجائب الاتفاقات أن ابن دمنة كان أولا حمالا وأنه حمل يوما كارة حنطة، ودخل بها بين السورين، فتركها عن ظهره وجلس يستريح فجعل ينظر إلى السور وما هو عليه من حُسن العمارة والحصانة وإحكام البناء فقال: ما أحسنه وأحصنه؟! لولا قِصرٌ فيه، لئن ملكني الله هذه المدينة لأزيدن في سورها ارتفاع قامة. فاتفق أن الله ملكه البلد فوفى بنذره وزار في ارتفاع السور، والزيادة ظاهرة إلى الآن تُرى به.

стр. 166

واستولى ابن دمنة على آمد وميافارقين وكاتبته الخلفاء العباسيون والمصريون، وأتته هداياهم وتواقيعهم وهدايا الملوك من جميع النواحي، وأعطى الجزيل من الأموال، وسار ذكره، فقصدته الشعراء وامتدحته، وقصده التُهامي وامتدحه. وكان إذ ركب يُقاد بين يديه سبعون جنيبا بمراكب الذهب المرصعة بالجواهر، وقوي أمره وعظم شأنه. وكانت ولايته ثماني وعشرين سنة، ذكره أحمد بن يوسف ابن علي بن الأزرق - صاحب تاريخ ميافارقين -. وذكر ابن الأثير، أن ولاية ابن دمنة كانت ثلاثا وعشرين سنة. ذكر تمليك أبي علي بن مروان كان السبب في ذلك أن أهل آمد وميافارقين أنفت أنفسهم من ولاية ابن دمنة عليهم، فكاتبوا أبا علي بن مروان، وكان إذ ذاك بحصن كيفا فوصل إليهم، فملكوه آمد وميافارقين ورأى من أهل ميافارقين جفاء في حقه. فتربص بهم إلى أن كان يوم العيد، وقد خرجوا إلى المصلى، وكان يف البلد شيخ يرجع أهل البلد إلى رأيه فقبض عليه وقتله ورمى برأسه من على السور، وغلق الأبواب البلد وقال لمن كان خرج إلى الصلاة: اذهبوا حيث شئتم. ذكر ملك ممهد الدولة أبي منصور بن مروان لما ملك أبو علي بن مروان البلد وغلق أبوابه على من خرج من أهله للصلاة يوم العيد. لم يكن أسرع من أن وصل ممهد الدولة أبو منصور بن مروان فملك ميافارقين واستقر بها، وملك آمد وجميع ديار بكر وقوي أمره، وراسل الملوك وخليفتي بغداد ومصر، وجاءته التوقيعات والتشاريف من الملوك. وعمر بسور ميافارقين مواضع عديدة. قال ابن الأزرق - صاحب تاريخ ميافارقين -: ولقد عددت اسمه في اثنين وعشرين موضعا من أبرجة وبدنات. " وانهد برج باب المدينة، وهو بين برجي الطبالين، إلى أن عمل هذا البرج، فلما فرغ ركب عليه بابا، وغلق باب قلوفح ". وبقي الممهد متوليا إلى سنة إحدى وأربعمائة. ذكر قتل ممهد الدولة وملك شروة كان هذا شروة متوليا أموره، وكان قد قربه قربا زائدا، وأحبه محبة عظيمة، بحيث إنه أطلعه على نسائه، وحرمه، حتى قال له يوما: روحي دون روحك يا أب شجاع، ويومي قبل يومك. وكان لشروة غلام يُسمى ابن فيلوس وكان يحبه محبة زائدة. وكان قلده الشرطة. وكان الممهد شديد البغض لهذا ابن فيلوس لا يستطيع أن يراه، وهمَّ بقتله مرارا " ثم " كان يُحفِظُ فيه قلب شروة. " وعلم ابن فيلوس منه ذلك فخلا يوما مع شروة " وقال له: أنت تعلم ما أنا عليه من المحبة والمناصحة لك، ومع هذا فإن حياتي مقرونة بحياتك، وأُعلمك أن رأي الأمير قد فسد فيَّ وفيك. وهذا التقريب الذي تراه منه خديعة ومكر إلى أن يتبين له وجه الفرصة ثم يبطش بنا. فقال له شروة: فما الرأي؟ قال: قتله، وتأخذ لنفسك، وإلا هلكنا. فقال له شروة: ما يراني الله أن أغدر به، ولا أنقض عهده! وله عليَّ من الإحسان ما قد عرفه الناس وقد أطلعني " على " حرمه. فقال له: إن مهجتك أحب إليك من قربه ومحبته، فهما خديعة. ولم يزل يردد هذا الكلام في نفس شروة إلى أن أثبته في نفسه. فدسَّ إليه السم مرارا فلم يقدر الله تعالى عمله فيه.

стр. 167

وكان الممهد أعطى لشروة حصن الهتاخ وكان مطلا على مستنزهات. وكان الأمير يخرج إليه أيام الربيع، فيقيم به أياما يتصيد ويتنزه ظاهره. فلما أن جاء الربيع جاءه شروة في الصيد والأكل والشرب. وحمل إليهم ابن فيلوس شيئا عظيما من الإقامة. فجلسوا يوما للشرب، فرتب ابن فيلوس على الباب جماعة من الجند، وأمرهم ألا يُمكِّنوا أحدا من الدخول إليهم، وأقبلوا على الأكل والشرب، والأمير متوفر على مسرّته، ويحلف على شروة بالجلوس، وهو يقبل الأرض ولا يفعل ويناوله القدح ويشرب بيسارة. وكلما سكر واحد من الجماعة من بني عم الأمير وأصحابه قد أخذه شروة وأخرجه كأنه يمضي به إلى منامه، فقبض عليه ويُريه أن هذا برأي الأمير، إلى أن لم يبق غير المغنين وثلاثة نفر وخادم على رأسه يسمى شرقا. فلما ظهر السكر في وجهه قال له شروة: إن رأى مولانا أن ينهض إلى منامه. فقال: قد بقي لي هذا القدح، أشربه أنا وأنت بحياتي عليك!! قال: السمع والطاعة، فشرباه. ثم انتقل الأمير إلى مجلس منامه وأذخ الخادم رجليه في حجزه يغمزها فقال ابن فيلوس لشروة: قد أمكنتك الفرصة وهذا وقتك!! فقال: والله ما تطاوعني نفسي على ذلك، فقال له: لابد من ذلك وإلا هلكنا جميعا. فقال شروة: أنا لا أفعل ولكن إذا أردت أنت فافعل. فدخل ابن فيلوس وبيده سيف مجرد فأحس به الأمير فقال: ما دخولك في هذا الوقت؟! فقال: دخلت إلى الخدمة فقال: اذهب ولا تعد فوقف موضعه، فوثب الأمير يطلب سيفه، وكان لا يفارقه فلم يجده، فقال: ياشروة! أين السيف؟ فوثب شروة وأخذ السيف وضرب به الأمير حلَّ عاتقه فقال: ياشروة عملتها عليَّ! واتبعت غرض ابن فيلوس ولاله لا أفلحت بعده!. ثم قبضوا على الخادم وأيقظ شروة من يأمنه من الجند وأعلمهم بما جرى، واستحلف الخادم وأطلقه، وأطلق من الجماعة من وثق به، وسار في باقي ليلته إلى ميافارقين مجدا، فوصلها وقت السحر. وكان الحراس بها والحفّاظ لا يفتحون الباب إذا عاد الأمير في مثل ذلك الوقت حتى يعاينوا الخادم، فلما وصلوا صاحوا إليهم الخادم فنزلوا وفتحوا الباب ودخل شروة وابن فيلوس وبين أيديهما المشاعل والجند. فلما لم يروا الأمير مسكوا شروة وألقوه عن فرسه، فعاد عليهم ابن فيلوس وقتل منهم ثلاثة نفر، ودخل شروة وأصحابه وابن فيلوس البلد ونزلوا بقصر بني حمدان، وكان الممهد نازلا به، واستولى على الخزائن. وسير من الغد سرية، فيها خمسمائة فارس، ليقبضوا على الأمير أبي نصر - أخي الأمير - بإسعرد. وكان لما قُتل الأمير أبو علي مع أخيه أبي منصور غائبا. فلما عاد وملك الممهد وبقي عنده مدة، فقال له يوما: يا أخي رأيت البارحة كأن القمر وقع في حجري. فقال له: هذه الرؤيا تدل على أنك تملك الملك فلا تُريني وجهك وأعطاه أسرد فتوجه إليها، ولم يرَ أخاه مدة حياته. وكان أخوه إذا عوتب في أمره يقول: رأيت في منامي كأن الشمس سقطت في حجري، فوثب أخي فناهبني إياها وأخذها من حجري فمالي قُدرة على رؤيته. وكانت الحنطة يومئذ يساوي الجريب عشرة دنانير، فقال الأمير أبو نصر: اللهم إن مُلكت الملك لأتصدقن كل يوم بجريب حنطة في الجامع. وكانت ولاية الممهد أربع عشرة سنة، من سنة سبع وثمانين وثلاثمائة إلى إحدى وأربعمائة. ذكر ولاية نصر الدولة أبي نصر بن مروان ولما سير شروة السرية لقبض الأمير أبي نصر بأسعرد نفذ فتسلم جميع الحصون بخاتم الأمير. ونقذ سرية مع عبد الرحمن بن أبي الورد الدنبلي إلى أرزن، وكان بها رجل شيخ متقدم يسمى خواجا أبا القاسم. وكان أعجميا من إصبهان من مدن ولاية الأمير علي " و " الممهد. وكان ذا رأي وعقل وتدبير، فحضر عبد الرحمن عنده، وتحدث معه ومع أصحابه، فلم يقدر أن يسند منهم أحدا. ثم إنهما خرجا إلى الصيد، فانفرد خواجا أبو القاسم فرأى رجلا مجدا، فلحقه وقال: ما وراءك؟!. فقال: إن شروة قتل الأمير وملك ميافارقين وقد مسك الطرقات لئلا يشيع الخبر. وقد سير سرية لقبض الأمير أبي نصر وأنا ماض أعلمه بذلك. فوجم خواجا من ذلك، وعاد إلى عبد الرحمن وخدعه إلى أن صعد القلعة، فندم عبد الرحمن على تمكينه من صعود القلعة.

стр. 168

وكان " خواجا شيخ العشائر ومدبرها قدر باد ولاء. وكان " مقدما في الأكراد، موسوما بالشجاعة، فحين حصل بالقلعة شق ثيابه وجمع الناس، ونفذ إلى الأمير أبي نصر فقال له: تعطي الحيل أعنتها إلى أرزن وتبادر بالسبق فوصل إليه من غدوه فأعلمه بالحال، وأقام بأرزن إلى أن عبرت خيل شروة في طلبه، فلما علموا أنه قد حصل في قلعة أرزن وأمن على نفسه، عادوا إلى شروة وأن خواجا اجتمع بالأمير وعرفه الحال، وأنه له وبين يديه. وأحضر خواجا أبا الأمير - مروان - وأمه من تربة الأمير أبي عليّ وتحدث معهم، وحلف بين أيديهم أنه لا يخالف أمره، وأحضر القاضي والشهود واستوثق منه بين أيديهم. فلما وثق منه خرج وجمع الأكراد والعشائر. ونادى بثأر الأمير أبي منصور فأطاعته العشائر بأسرها، وحلفوا ألا يعودوا دون قتل شروة ولا يطالبوه بعطاء إلى أن يملك البلاد. فسار في خلق عظيم وكبس الربض وقتل خلقا عظيما، وأخذ أموالا عظيمة لا تحصى كثرة، وانهزم عسكر شروة وغنموا ما كان معهم وقتلوا منهم خلقا وعادوا إلى أرزن. وكان مقدم العساكر خواجا أبو القاسم، والأمير مقيم بأرزن فأطلق لهم جميع الغنيمة، وحكم لأبي القاسم في بيوت الأموال فأعطى الناس. وخرج ثانية بنفسه وجميع العشائر وخواجا، ونزل على أربعة فراسخ من البلد، فأقام هناك. فندم شروة على ما كان منه " لأنه " كان قد أساء إلى جماعة من أهل البلد، فعاد أحسن إليهم. فأشار عليه ابن فيلوس بمكاتبة ملك الروم فنفذ إليه هدايا وتحفا، فسمع بذلك أهل البلد فكرهوه، ولعنوا شروة وابن فيلوس فكانا يسمعان لعنتهما. ثم إن شروة جمع ما كان عنده من الأموال والجواهر في صناديق. وكان بينه وبين أبي طاهر بن دمنة محبة ومودة فنفذ إليه وقال له: إما أن تسير إلي وإما أن تنفذ لي ثقتك، فنفذ له حاجبه وصهره على ابنته القائد مرتج فسلم إليه تلك الأموال على سبيل الوديعة بعد ما أراه إياها قطعة قطعة، وكيسا كيسا، وزنا وعينا ووصفا، وحملت الأموال إلى آمد. وحلف له ابن دمنة وحلف شروة أيضا أنهما يكونان يدا واحدة ... فمضى شروة إلى آمد واستوثق منه، وعاد إلى ميافارقين وثبت في قلوب الناس أن شروة معول على تسليم البلد إلى ملك الروم، والإيقاع بهم يوم الجمعة عند الصلاة. " فلما كان يوم الجمعة حضر ابن فيلوس، ومعه خلق عظيم فلم يشك الناس، وكانوا وجلين من نوبة الأمير " أبي " علي ويوم العيد فثاروا عليه فانهزم منهم فطلبوه. فرموهم الكرج بالنشاب فقتل منهم جماعة وخرج شروة، وسكن الناس فقاتلوه فدخل القصر وفتح الخزاين وفرقها على الجند، وقاتل، وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة، وانهزم شروة وقتل ابن فيلوس وجر الصبيان جثته في أزقة المدينة ومثلوا به، ونجا شروة فتحصن ببرج الملك واستصرخ بمشايخ البلد فجاءوا إليه فاستأمنهم فأمنوه، وتوسطوا أمره مع الأمير أبي نصر فنزل إليهم واستحلفهم في دار رجل منهم كان مقدما مسموع الكلمة يسمى أبا الطيب محمد بن عبد المجيد ابن المحور، وهو جد أب شيخ الشيوخ أبي الحسن علي بن المحور، فاجتمعوا عليه مدة ثم اختلفوا، فنهاهم فلم ينتهوا، وهدموا القصر العتيق ونهبوا ما فيه واستولوا عليه، وكتبوا إلى الأمير أبي نصر أن يحضر إليهم فحضر وطالبهم بتسليم البلد وشروة فلم يفعلوا، وقالوا: فَدْ أمّنّاه على نفسه وماله. ووقع الخلف بينهم فنهاهم الشيخ أبو الطيب بن المحور فلم يقبلوا، فأخرج نفسه من بينهم، وانفرد في داره وقال: لا أدخل فيما أنتم فيه، فقدموا رجلا آخر يُعرف بابي طاهر بن الحمامي، وكان ممن يُرجع إلى رأيه مدة، ثم رأى خُلفهم، فانعزل عنهم. فرجعوا إلى شيخ منهم من مقدمي السوق، يسمى أحمد ابن وصيف البزاز، وكان من الشهود. وكان له صديق يعرف بابن " أبي " الريحان، وكان له أتباع فأحضره، واتفقا كلاهما، وشرعا في حفظ البلد، والنظر في أحوال الناس وقويت يده، واسترجع بعض ما نهب، وحصَّل مالا عظيما. ثم إن الأمير أبا نصر أوقع بالناس القتال، وجدَّ في حصار وقطع الميرة، وضايق البلد مضايقة شديدة، فخاف ابن وصيف أن يستجيب العامة للأمير أبي نصر ويبقى هو العدو. فراسل الأمير أبا نصر يطلب أيمانه وأيمان خواجا أبي القاسم، وشرط لنفسه ما أراد، واستظهر بما أمكنه فأجيب إلى ذلك.

стр. 169

فلما وثق من الأمير جمع المشايخ إلى الجامع وقال لهم: إلى متى ما نحن فيه؟ قد خربت بيوتنا وأملاكنا، وبطلت مكاسبنا، وطال هذا الأمر، ومالنا من نستند إليه، وأمير فما يجيء منا، وقد انقلعنا في هوى من؟!. قالوا: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تُصلح أحوالنا ونكاتب الأمير وخواجا في هذا الأمر، ونخاطبه في شروة ونسأله العفو عنه. فإن فعل وإلا فيتلف نحن بأسرنا. فقالوا الأمر إليك. فاتفقوا. فخرج منهم " جماعة " إلى الأمير فأكرمهم وكتب لهم الأمان على كل ما طلبوه، وأمّن شروة، ودخلوا البلد وباتوا وأصبحوا وفتحوا أبواب البلد بأسرها. ودخل الأمير أبو نصر وخواجة والعساكر ونزل الأمير في دار شروة لأن قصر الإمارة كان قد خرب ونزل إليه شروة من برج الملك. وكان دخوله البلد آخر سنة إحدى وأربعمائة ونظر في أمور لناس. واستوزر خواجا أبا القاسم لا يصدر إلا عن رأيه. وطرد أقواما مفسدين من الجند، وهرب من خاف من الباقين. وولى أبا الحسن " أحمد " بن وصيف ناحية طنزى وتل فافان، ونفذه إليها. وبقي مدة ثم قبض على شروة ونفذه إلى الموضع الذي قُتل فيه الممهد وصلبه هناك وجماعة من المفسدين، وأخلى ميافارقين ممن كان يرى رأي شروة وممن طلب الفساد. " وحمل تابوت الأمير أبي منصور إلى أرزن إلى قبة الأمير أبي علي - وكان مروان قد عمي، وهو وزوجته مقيمان هناك - فدُفن عند أخيه في القبة. ولم يُعقب الممهد. ولما قُتل شروة انهزم ابن وصيف من تل فافان وقصد بغداد وأقام بها. " واستقر ملك الأمير أبي نصر ولُقب بنصر الدولة واستولى على جميع ديار بكر، وراسلته الملوك. ونفذ ابنُ دمنة إليه صهره مرتج إلى ميافارقين ومعه هدايا وتُحف، وألطاف. ودخل تحت حكمه، على ما كان مع أخيه ممهد الدولة من الحطبة والسكة، وحمل ما جرت به العادة ". " وأن نصر الدولة أراد أن يُعمر قصره يسكنه. فعزم على عمارة القصر العتيق فأشاروا عليه أن يعمر القلعة على رأس التل ويكون القصر فيها فعزم على ذلك. فأشار خواجا أبو القاسم أن يعمر القصر موضعه الآن، وأن يكون برج الملك تحت حكمك. ويكون من جملة القصر. فابتدأ في عمارته في سنة ثلاث وأربعمائة ". واسمه مكتوب على باب القصر الوسطاني. " وبنى المنظرة العتيقة. وغرس بستان القصر وقيل: كان في موضعه بيعة، وكان بعض دار السيدة بيعة ونقل شاهدها إلى بيعة الملكية ". " وساق الماء إلى القصر من رأس العين وعمل البرك والحمامين في القصر ". وعند فراغ القصر، وهو آخر سنة ثلاث وأربع مائة - قبل العيد الكبير بثلاثة أيام -. ووصل خادم من خداع الخليفة القادر بالله ومعه حاجب من فخر الملك ابن بويه يسمى أبا الفرج محمد بن محمد بن مزيد. ووصلته الخلع، والمنشور بديار بكر جميعها، ولقب بنصر الدولة وعمادها ذي الصرامتين. وكانت الخلعة سبع قطع: قباء، وفرجية، وعمامة سوداء معممة، وطوق، وسوارين ذهب مرصعة، وسيف محلى، وفرس بمركب ذهب والتوقيع بجميع ديار بكر وقلاعها وحصونها. وليس الأمير الخلع. وقرئ المنشور بحضرة القاضي والشهود، وأكابر الناس. وفي عشية ذلك اليوم وصل رسول خليفة مصر الإمام الظاهر لإعزاز دين الله - وكان ولي بعد أبيه الحاكم - وورد معه الخلع والتحف والهدايا. وخرج إلى لقائه كل من في الدولة ". " فلما كان في اليوم الثالث، بكرة ورد رسول ملك الروم ومعه من النقود، والجنايب، والهدايا، ما لم يسر مثله ". " وأصبح اليوم الرابع العيد، وجلس الأمير نصر الدولة على التخت. وحضر رسول الخليفة ورسول السلطان فجلسا عن يمين نصر الدولة ورسول خليفة مصر، ورسول ملك الروم فجلسا عن الشمال. وحضر جميع الناس، والأمراء، وقرئ المنشور، وكان يوما مشهودا، خلع فيه الأمير خلعا عظيمة ". وكان ذلك كله برأي خواجا - الوزير - ومشورته. " وكبر شأن نصر الدولة وتقررت مملكته، وفعل الخير، وعدل في الناس ".

стр. 170

وكان قد تهدم من السور مواضع عديدة فبناها، ووقف على السور وقفا من ضياع وغيرها، وجعل يتصدق كل يوم بجريب حنطة إيفاء بنذره الأول في سنة ثمان وأربع مائة، ثم إنه أفكر وقال: ربما أشتغلُ في بعض الأوقات فلا أكون قد وفيت بنذري فأحضر الشيخ أبا محمد الحسن بن محمد بن عبيد بن المحور، وكانت الأوقاف تحت يده وقال له: تجلس في الديوان عند خواجا أبي القاسم وتفرد ضيعة يكون دخلها ثلاث مائة وستين جريبا حنطة، حتى أوقفها على الفقراء والمساكين، فوقع اختيارهم على قرية العطشا - غربي ميافارقين - فوقفها نصر الدولة على الفقراء والمساكين. فكان مغلُّها في كل سنة إلى صحن الجامع، ويتصدق به مدة ولايته، وهي باقية إلى الآن، فلعنة الله على من يصرفها لغير مستحقيها، وفي غير وجهها. " وفي سنة أربع عشرة وأربع مائة بني نصر الدولة البيمارستان من ماله، بتولي أبي سعيد الحارث بن بختيشوع " ووقف عليه الضياع، وأقام به المرضى. وكان قد انهدم جامع الراضي فجدده وبنى منارته. " وتزوج بنت فضلون بن منوجهر - صاحب أرمينية الكبير وأران جميعها - ورزق منها الأمير سعيد والأمير شاهان شاه - وهو الأكبر - والأمير أبا الحسن ". " ثم تزوج السيدة بنت معتمد الدولة قرواش بن المقلد وبنى لها دار السيدة - إلى جانب القصر - ". " ثم اشترى جارية كانت لرجل يعلمها الغناء يُّسمى الفرج فلما سمع بها بالغ في ثمنها، إلى أن اشتراها، فلما وصلت إليه اشتغل بها عن جميع نسائه. فخرجت الفضلونية إلى بيت أبيها على سبيل الزيارة، فلم ترجع، وبقي الأمير سعيد عند أبيه، وماتت هناك ". " وفي سنة خمس عشرة وأربع مائة وصل مُرتج من عند ابن دمنة من آمد، ومعه الحمل، والتحف والهدايا على العادة، وكان صهر ابن دمنة - على ابنته - فطلب من الأمير خلوة، فلما خلا به قال له: هل لك في آمد؟ قال: نعم فقال مرتج: تحلفُ لي على ما أريد؟ فاستحلفه على أملاك ابن دمنة وأمواله، وألا يقبل فيه قول أحد من الناس، فحلف واستوثق منه. وكان مرتج قد حصل له آمد وأملاكا كثيرة، ومالا عظيما، وكان ابن دمنة يحسده على أملاكه، فخاف مرتج منه ثم عاد إلى آمد. واستحلف جماعة على ما أراد، فلما وثق منهم تقد إلى أربعة نفر معروفين بالشهامة، ذووا البأس، وأمرهم أن يصعدوا ويطلبوا من ابن دمنة استحقاقهم، وكان مرتج ليحجب عنه، فدخل، وأولئك الأربعة معه فطالبوه - وكان على سرير لطيف - ولم يكن عنده غير فرَّاش واحد، فأغلظ لهم في الكلام، فوثبوا عليه بالسكاكين فقتلوه، فصاح الفرَّاش بالناس، فازدحم الناس في باب القصر " فدخلوا " فوجدوا ابن دمنة يخور في دمه. فصاح " الفرَّاش ": الغلمان، ودخلوا إلى البيت الذي فيه بنت ابن دمنة، وقالوا " لها " إن زوجك قد قتل أباك، فخرج أولاد مرتج، واجتمع الناس فوثب الفرَّاش على مرتج فقتله، وفتح الخزانة، وأخذ جواهر لها " قيمة "، وفتح الباب، وخرج يطلب ميافارقين. وزحفت أهل آمد إلى القصر فنهبوا ما فيه. وملك أولاد مرتج القصر والسور، ونفذوا في الحال أعلموا نصر الدولة. فركب لوقته، ومعه خواجا فلقيهم الفرّاش في الطريق فأخبره بالحال. فأخذ نصر الدولة ما كان معه من الجواهر، وعرَّفه أين هو مال ابن دمنة، ومن أخذه، وأين ودائعه، فسار إلى آمد فملكها وعاد إلى ميافارقين ". " وفي شعبان منها توفي خواجا أبو القاسم - الوزير - وقيل: في رمضان، فوجد عليه وجدا عظيما ". وكان الوزير أبو القاسم الحسين بن علي المغربي قد وصل إلى ميافارقين، " فاستوزره، ورد الأمور كلها إليه. وكان رجلا عاقلا فاضلا. قيل: إنه لم يزر لملك ولا لخليفة أكفأ منه رجلا، وسار بالناس سيرة حسنة. وبنى نصر الدولة النصرية أحسن بناء وبنى جسر الحسينية الذي على تل بنان وبنى بالنصرية قصرا حسنا على شاطئ الشط وعمل له بابا من الصفر، وهو الآن بجامع ميافارقين وعمل دولابا على شط ساتيدما. وبنى كلٌ من بني عمه وأولاده دورا، وغرسوا بها البساتين، وأقام الأسواق، وبنى الحمامات، وحصلت ميافارقين على أحسن ما يكون من العمارة. وقصد سليمان بن فهد. و" قصده " الملك العزيز بن بويه وحمل الحبل الياقوت الأحمر، وكان وزنه سبعة مثاقيل ومصحفا بخط أمير المؤمنين علي ﵇، وقال له: قد حملت لك الدنيا والآخرة. فأجازه بعشرة آلاف دينار.

стр. 171

" وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة بنى جامع المحدثة والمصلى من ماله، وغرم عليه جملة كثيرة، ووقف عليه الوقوف ". وفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة توفي الوزير المغربي بميافارقين، ودفن بالكوفة بوصية منه بباب المشهد بالغري وأمر أن يُكتب على لوح عند رأسه: " يا جامع الناس لميقات يوم معلوم اجعل الحسين ابن علي من الفائزين الآمنين، واحشره يوم القيامة في جملة التوابين ". ووقف بميافارقين خزانة الكتب المعروفة إلى الآن: بخزانة المغربي. وبنى نصر الدولة حمامي العقبة ووقفهما على السور والحمام الجديد وقفها أيضا. وساق الماء من رأس العين التي في الربض إلى المدينة فانتفع الناس بها. " وكان في ولايته رجل شيخ من أكابر التجار ومتقدميهم يُعرف بأبي بكر محمد بن جُرّى فشرع في عمل قناة الجامع، فساقها من عين حنباص وأعين غيرها. وغرم عليها إلى أن وصلت إلى الجامع خمسين ألف دينار، وساقها إلى الجامع وإلى الطهارات والحمامات. وانتفع بها اعمَّ منفعة. وعبر الماء على باب داره ولم يُدخل إلى داره منه قطرة، قال لئلا يقول الناس: إنما كان هذا لأجل نفسه - رحمه الله تعالى -. " وكان أولا سمسارا، فاشترى مرة خاما أول النهار، فعد الظهر وصل قفلٌ، لمشتى خام، فباعهم إياه قبل إيفاء ثمنه، فربح خمس مائة دينار، فسمع نصر الدولة ذلك فاستدعاه فصعد إليه، ومعه الذهب، " فسأله عن ذلك، فقال: نعم وقد حملت الذهب "، ووضعه بين يديه، فقال له: والله ما قصدت هذا! وإنما أردت أن أعلم صحة ذلك وأنَّ في بلدي من كسب في يوم خمسة مائة دينار. فحلف ابن الشَّهاب، وهو ابن جُرَّى - المذكور - أنه لا يأخذها، وحلف الأمير أنه لا يأخذها. فاشترى بها قرية بالسلسة تعرف ببثق نوح ووقفها على حراس الحصون أكلّ واليمانية والجبابرة ". " ولم يصادر أحدٌ في زمانه سوى هذا الرجل الذي هو ابن جرَّى، وسببه أنه أتُهم بأن صاحب السناسنة صديقه. ووجدوا في بيته سلاحا، فاستشعر منه، فقُبض عليه وصودر، فبلغت مصادرته أربعمائة ألف دينار، وبقي لورثته ثمانون ألف دينار، من أمتعة وقماش وغيره ". " وكان قد ورد إلى نصر الدولة منجم عالم من الهند فاجتمع به، وحكم له بأشياء، ولبيته. واستدل على جميع ذلك بشيء واضح ثم قال له: يا مولانا! يخرج على دولتك بعدك بمدة رجل قد أحسنت إليه وأكرمته فيأخذ الملك من يدك ويقلع البيت ويكون السبب في خروج الملك عن ولدك. ففكر الأمير ساعة ثم رفع رأسه إلى الوزير " ابن " جهير وقال: إن كان هذا الحديث يصح فسيكون هذا الشيخ!! - عن الوزير المذكور - ثم رفع رأسه إليه، وقال له: يا أبا نصر! إن ملكت فأبق عليهم. فقبل الأرض وقال: " الله الله يا مولانا! أين أنا من هذا؟ ". وحكى من سمع من الوزير ابن جهير أنه قال: والله من ذلك اليوم ثبت في خاطري أخذُ البلاد، وسيأتي ". " وفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة عُزل القاضي أبو منصور الطوسي عن قضاء ميافارقين وولي القاضي أبو القاسم ابن القاضي أبي علي بن البغل الآمدي، وحضر معه والده القاضي أبو علي وأخوه " أبو " الحسن وابن أبي أيوب وابن بكرون وابن عقيل الخطيب وكانوا سادات آمد ومقدميها. وقرأ ابن عقيل عهده يوم الجمعة على المنبر بميافارقين وكان سبب ولايته أن أباه القاضي أبو علي كان بآمد، فاستمال أهلها بماله وكلمته. فبلغ ذلك الأمير نصر الدولة وقيل له: وأنت فما صدَّقت أن تأخذ آمد من ابن دمنة حتى يملكها ابن البغل!!. فاستدعى ابنه وولاه قضاء ميافارقين - وهو في الظاهر قاض وفي الباطن رهينة -. وكان ذلك بتوصل الوزير ابن جهير. ثم قبض على القاضي أبي علي ومات في السجن بميافارقين، وحُمل إلى آمد فدُفن بها. وفاة الأمير نصر الدولة

стр. 172

" وفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة في التاسع والعشرين وقيل: سلخ شوال منها، وهو اليوم السادس من تشرين الثاني مات الأمير نصر الدولة ﵀ ودُفن بجامع المُحدثة، وقيل: في القصر بالسدلي إلى أن بنت ابنته ست الملك القبة إلى جانب الجامع بالميدان في سنة ست وخمسين وأربع مائة ونقلته إليها. والوزير يومئذ الكافي أبو نصر محمد " بن محمد " ابن جهير. فرتب الدولة، وساس الأمر أحسن سياسة ". وأنفذ صاحب العسكر أحضر نظام الدين بن نصر الدولة وكان أصغر من الأمير سعيد، وهو ولي العهد لعقله وسداده. وأصعده القصر. ولقيه الوزير فقبل الأرض بين يديه، وسلم عليه بالإمارة، وعزاه عن أبيه، وأجلسه على التخت. فلما اجتمعت الناس نزل عن التخت وجلس على الأرض، وحضر المُقرئون والشعراء - على العادة - ودفن الأمير ولم يختلف على نظام الدين أحد من اخوته وبني عمته، واستقر في ملكه في غرة ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وبقي مدة. " ثم اختلف هو وأخوه الأمير سعيد، فسار الأمير سعيد إلى السلطان طغرلبك وقصده، فسير معه خمسة آلاف فارس مع أمير مقدم، فوصل إلى البلاد في سنة ست وخمسين ونزل على باب البلد وأخذ الغارة، فخرج الوزير وتحدث معه وقال: لا يكون قلع بيتكم على يديك وخوفه وقرر معه أن يحمل له مبلغا من المال، ويسلم إليه آمد. فاصطلحا على ذلك، وحمل له نظام الدين خمسين ألف دينار، وعادوا عنه ". " ودخل نظام الدين وأخوه الأمير سعيد القصر وبات هو وإياه في الحجرة الخاص. فلما كان آخر الليل أتى الأمير سعيدا خادم يسمى فروخا فأيقظه وقال له: أخوك نائم إلى جانبك، وما في الحجرة غيركما، وسيفك أنت أخبر الناس له به، فقم وأضرب عنقه وانفرد بالبلاد!!. فقال له: ويلك!! يكون هو ابن عجب - مملوكه - ويفي، وأكون ابن الفضلونية وأغدر به، لا كان ذلك أبدا!! ثم نام ساعة واستيقظ، فأيقظ أخاه نظام الدين وتحادثا إلى الصباح، ثم قاما فسار الأمير سعيد إلى آمد فتسلمها ". ذكر وفاة الأمير سعيد بن نصر الدولة وأقام بها مدة. ثم إن نظام الدين " اشترى جارية مليحة، وبقيت عنده مدة. ثم قال لها: هل لك في أن أتزوجك وتكونين صاحبة البلاد؟ فقالت: من لي بذلك؟ فقال: أريد أنفذك إلى أخي إلى آمد هدية، فإذا خلوت معه تعطيه هذا المنديل عند فراغه مما يكون بينكما. فوافقته على ذلك، وطمعت في قوله ". " فنفذها إلى أخيه، وقال له: إني اشتريت هذه الجارية، فلما رأيت ما هي من الجمال واللباقة أحببت أن تكون لك. فلما وصلت إلى الأمير سعيد شُغف بها، ولم يملك عنها صبرا، فبقيت كذلك مدة، ثم اجتمعا ليلة، فلما انفصل ناولته المنديل، فمسح به حُجره، فنزل من وقته، وبقي ثلاثة أيام ومات. فقصد نظام الدين آمد، نفذ إلى الست عزيزة وقال لها: الأولاد أولادي، وأنا لكِ، فسلمت إليه آمد فملكها " وتزوج بالست عزيزة وعاد إلى ميافارقين، ورُزق منها ولدا سماه أحمد، عاش أربع سنين ومات. " وفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة أنفذ الخليفة القائم بأمر الله إلى الوزير أبي نصر بن جهير استدعاه إلى بغداد ليزر له، فنفذه نظام الدين ونفذ معه من الهدايا والتحف والدواب وآلات التحمُّل شيئا عظيما ". " وكانوا بنو مروان يفتخرون يقولون: وزر لنا المغربي، وزير خليفة مصر ووزر وزيرنا لخليفة بغداد "، عن ابن جهير، ولُقَّب مؤيد الدين فخر الدولة، وارتفعت منزلته. " وفيها وصل الوزير أبو الفضل إبراهيم بن عبد الكريم بن الأنبا ري إلى ميافارقين، وكان ناظرا لأبي المنيع قرواش وانفصل عنه وقصد نظام الدين فوزر له بعد ابن جهير " فبقي ثلاث سنين ومات، " ودُفن في أزجّ، غربي مشهد أمير المؤمنين علي ﵇ في لحف جبل ميافارقين. واستوزر ولده عين الكفاة أبا طاهر سلامة بن إبراهيم، واستقر في الوزارة. وكان اسمه في الكفاية والتدبير ".

стр. 173

" وفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وصل إلى البلاد أمير يُسمى سلار خراسان ومعه خمسة آلاف فارس من عند السلطان طغرلبك فأغار على البلاد، فتلطف الوزير معه الحال على أن يحمل إليه ثلاثمائة ألف دينار ويرحل عنهم، فأجابهم، فأخرجوا إليه الأمير حسن - أخا الأمير - رهينة، ثم ركب ليدخل البلد من باب الهوة، فلما قاربه ندم واستراب وأراد العود فعلم الوزير منه ذلك، فقال: عليَّ بالأمير فضلون - أخي الأمير - والأمير بابك - أخيه الآخر - فلام حضرا أضافهم إلى الأمير حسن فطاب قلبه عند ذلك ". ذكر قتل سلار خراسان واخوة الأمير لما حصلت اخوة الأمير الثلاثة تحت يده " طاب قلبه ودخل البلد، فلما حصل في القصر لم يدخل معه من أصحابه غير عشرة نفر، فجلس. ثم إن الأمير اجتمع بالوزير وقال: ما الرأي؟ فقال: قبضُهُ. فقال: اخوتي معه، قال: هم أشد عداوة لك منه، وتشتري بهم ديار بكر. فقبض عليه، فقال: غدرتم؟ قالوا: نعم! فقال: لا إله إلا الله، أخذ أعدائه بأعدائي!!، واختبط عسكره وأخذ أخوي الأمير فضُربت رقابهما على الدكة وأخذ الآخر، فشُد في ذنب مهر وأُرسل، فبقي يومين، ووقع به بعض الفلاحين فخلصه وعالجه فبرئ وعاش، ويقال: هو فضلون. ثم خرجوا فنهبوا العسكر، واستغنى الناس وأُخرج سلار خراسان فضُربت رقبته، وخمسة نفر من أصحابه ". واستقر نظام الدين في الإمارة، والوزير أبو طاهر بن الأنباري إلى سنة إحدى وستين وأربعمائة. ذكر قصد السلطان ألب أرسلان بن السلطان جغري بك الشام والسواحل " وفي هذه السنة قصد السلطان ألب أرسلان بن السلطان جغري بك الشام وفتح السواحل بعد وفاة عمه في سنة خمس وخمسين وأربعمائة. فنزل بالحرشفية وأخرج له نظام الدين الإقامة والجمال. ودخل خواجا نظام الملك ميافارقين، فأنزله الأمير بالقصر، وبالغ في إكرامه. وخرجت الست عزيزة والست زبيدة والست زينب - زوجة الأمير وأختاه - فدخلن على خواجا فضمن لهن الجميل وقال: والله لأخرجنه من ميافارقين أميرا وأعيده سلطانا فخرج معه إلى الحرشفية ". " ولقي السلطان فأكرمه، وقاد له الجنائب وأعطاه أموالا كثيرة، وخلع عليه وعلى الوزير ورده إلى ميافارقين. ذكر خروج عساكر الروم وكسرهم " لما عاد نظام الدين من خدمة السلطان ألب أرسلان إلى ميافارقين وصل الخبر بأن الروم قد خرجت وقاربت خلاط فسار السلطان طالبا للعراق. فوصل إليه القاضي ابن مرد وجماعة من البلاد يعلمونه بوصول الروم، فقال: أرجع إلى العراق وأجمع العساكر وأعود فقالوا له: الله الله يا مولانا!! إلى أن تصل العراق قد ملك العدو إلى أذربيجان، فعاد من الموصل وصعد خلا، وترددت الرسل بينهما. وكانت الروم خلقا لا يحصى يقال: إنهم كانوا ثلاثمائة ألف. وكان المسلمون أقل من عشرهم، فنفذ ابن المحلبان رسولا إلى ملك الروم فقال له: أخبرني: أيهما أطيب إصبهان أو همذان؟ وفي أيهما المقام أطيب؟ فقد قيل لي إن همذان شديدة البرد. فقال: هو كذلك. فقال: نُشتِّي نحن بإصبهان وتشتي الكراع بهمذان. فقال له: أما الكراع فيشتي بهمذان صحيح. وأما أنت فلا أعلم ذلك!! ثم عاد. فلما كان يوم الجمعة ضايق السلطان الوقت إلى أن حانت صلاة الجمعة فركب وأمر الناس بالحملة فقالوا: مالنا طاقة بهذا الجم الغفير، فقال السلطان: اليوم الجمعة، وفي هذه الساعة ليس في الإسلام منبر إلا ويقال عليه: اللهم انصر جيوش المسلمين، فلعل الله أن يستجيب من واحد منهم، وحمل على الروم وكانت الكرة للمسلمين. فقتلوا خلقا عظيما، وغنموا ما لا يحصره العدد. واقتسم الذهب والفضة بالأرطال، واستغني أهل خلاط من ذلك اليوم. وكانت في سنة ثلاث وستين. ذكر وفاة السلطان ألب أرسلان وفي سنة خمس وستين وأربعمائة توفي السلطان ألب أرسلان بن السلطان جغري بك بإصبهان، وولي ولده ملك شاه. ولم يُر سلطان أعدل منه. وفي سنة ثمان وستين وأربع مائة مات القاضي أبو نصر بن جرجور بميافارقين فجأة، وانتدب لقضائها جماعة، ووقع الاختيار على رجل من أهل إسعرد يسمى محمد ويُكنى بأبي بكر بن علي بن صدقة لنيابة الحكم وعناية الوزير. ذكر وفاة الأمير نظام الدين وبقي نظام الدين في الإمارة مستقرا، وكان خفيف الوطأة، كثير الإحسان، عادلا. ولم تر ميافارقين أعمر ولا أحسن ما كان في أيامه.

стр. 174

وعمّر في سوري آمد وميافارقين مواضع عديدة. وبنى الجسر في أول ولايته - كما تقدم -. " وبقي نظام الدين إلى سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة ومات في ميافارقين في ذي الحجة منها، فكانت ولايته ثلاثين سنة وأشهرا. ووقعت الصيحة بموته، فأحضر الوزير أبو طاهر الأنبا ري ولده ناصر الدولة، وكان ولي عهده، وأحضر العلماء والمنجمين، وكان فيهم رجل من أهل بغداد، عالم يسمى ابن عيشون فحكم له أن جلوسه يكون بعد ثلاثة أيام. فغسل الأمير وكفن، وترك في التابوت ثلاثة أيام، فيقال: إن الفأر أكلت عينيه ". فلما كان في اليوم الرابع حضر ناصر الدولة وجلس على التخت، وسلم عليه الوزير بالإمرة، وكذلك أعمامه وبنو عمه، وأهل بيته ودولته، وخوطب بالإمارة، ووسم الملك، وحضر القاضي والعلماء والشعراء - على العادة - وأُنشدت قصائد الهناءة. ثم نهض ودخل الحجرة، والوزير معه وأهل بيته ولبث ساعة، ثم خرج الوزير، وقد شق ثيابه، وشوَّش عمامته، وكذلك الأمير، ولبس ثياب العزاء، وجلس على الأرض، وحضر القرَّاء والشعراء وأُنشدت المراثي. وكان قد مات في ذلك اليوم رجل زاهد من أهل ميافارقين يُعرف بابن خلف، وكان في مسجد قريب القصر. وكان أولا من أكابر أهل البلد، فرسم الأمير بدخول جنازته إلى القصر، ليصلي عليه وعلى الأمير، فدخلت الجنازة وصلى عليهما، وخرجت الجنازتان من باب الهوة وأدخل نظام الدين التربة فدُفن عند أبيه في القبة. ولم يكن دخول الجنازة إلى القصر مباركا على ناصر الدولة. وخلّف نظام الدين من الأولاد الأمير ناصر الدولة - ولي عهده - والأمير بهرام والأمير أحمد صغيرا، والست قان، زوَّجها بالأمير المجاهد أبي القاسم هبة الله ابن موسك - صاحب بدليس - فمات، ولم يدخل بها، فتزوجها أخوه أبو عبد الله محمد بن موسك فدخل بها، وماتت عنده ولم يعقب. وقيل: إن ابن عيشون - المنجم - كان عند نظام الدين في سنة سبعين ليلة من الليالي في المنظرة العتيقة يشرب عند الأمير فخرج في أثناء الليل، فنظر إلى المدينة وإشراق سورها في ضوء القمر والربض وعمارة البساتين محيطة بها فعاد إلى نظام الدين وقال: يا مولانا ما أحسن هذا البلد وأعمره؟! لكن طالعه يقضي أنه بعدك يستولي عليه الخراب والظلم والجور، فلا يزال كذلك نيفا وثمانين سنة فكان ما قاله. وذلك أنه بعد نظام الدين خرجت البلاد من يد ناصر الدولة وخربت ميافارقين وسيأتي. واستقر ناصر الدولة في الملك والوزير ابن الأنبا ري مدبر الدولة، فساسها أحسن سياسة مدة. ثم إنه تقدم الأمير ناصر الدولة رجل طبيب وكان له حانوت بسوق العطارين وارتفعت منزلته عنده، وتقدمت زوجته عند زوجة الأمير، فلم يزل يتقدم إلى أن قبض الوزير أبو طاهر وولي الأمور جميعها. وكان الوزير فخر الدولة، ابن جهير قد عُزل عن وزارة الخليفة، وولي ولده، ووزر للمقتدر. ذكر توجه الوزير فخر الدولة بالعساكر وملك ميافارقين وآمد كان الوزير فخر الدولة ابن جهير بعد عزله عن وزارة الخليفة قد قصد دركاه السلطان ملكشاه، فبلغه اختلاف بني مروان، وولاية أبي سالم الطبيب، فتحدث مع خواجه وضمن له أخذ البلاد، وتحصيل الكثير من الأموال، فتقدم السلطان إلى الأمير أرتق أحد الأصحاب، وجهز معه العساكر، والوزير فخر الدولة ابن جهير مقدم عليهم، وقصدوا ديار بكر، فلما تحقق ناصر الدولة الحال سلم البلد إلى أبي سالم الطبيب وزوجته، وأمر أهل البلاد بطاعته، وأخذ معه جماعة وقصد السلطان بإصبهان ونزلت العساكر، وتفرقت بديار بكر ومضر. وسير الوزير فخر الدولة ولده زعيم الدولة إلى آمد بعسكر، ونزل الوزير على ميافارقين في سنة سبع أو ثمان وسبعين وأربعمائة وحاصرها، وقطع المياه عنها، وضايقها أشد مضايقة، وحوصرت ديار بكر بأسرها.

стр. 175

وكان ناصر الدولة بدركاه السلطان ملكشاه بإصبهان والناس يسألون السلطان له. فقال له السلطان: سلم البلاد، ونحن نعطيك ميافارقين خاصة، لأنها بيتك، ونعطيك آمد عوضا عن الجزيرة فقال: علي مشورة. ففي تلك الليلة وصل كتاب من أبي سالم الطبيب أن البلاد على الزين ونحن، فلو حوصرنا عشر سنين لم نبال، فلا تضيق صدرك فالبلاد منيعة، وقد بلغني أنهم طلبوا منك كذا وكذا، فإياك أن تُخدع أو تُغلب على رأيك، فأصبح ناصر الدولة، ونفذ إلى السلطان وقال له: أنا لا أسلم بلادي، ولا أخرج عن بيتي. ولعمري من يكون أبو سالم الطبيب وزيره، ومدبره، ومشيره، تكون عاقبة بيته الخراب، وملكه إلى الذهاب!!. وفتح زعيم الدولة آمد في سنة ثمان وسبعين وأربع مائة ودخلها، وفتحت ديار بكر بأسرها ولم يبق غير مفارقين فسير السلطان خادما يسمى الكوهياري ومعه عسكر نجدة فقاتل الناس قتالا شديدا، وضيقهم اشد مضايقة إلى أن سلمت إليه فدخلاه يوم السبت سادس عشر جمادى الأولى من سنة تسع وسبعين وأربعمائة. واستولى على ذخائر بيت مروان وقبض على أبي سالم الطبيب. ورمَّ ما كان استهدم من أسوار البلد، وعادت العساكر إلى السلطان، وبقي الأمير جبق بديار بكر ومعه ثلاثمائة فارس إلى أن مات وملكها أولاده، فأخذها منهم الأمير بلك بن بهرام بن أرتق، وانتقلت إلى الأمير داود وأولاه. وبلغ ناصر الدولة فتح البلاد، وكانت السعادة قد انتهت، فكان يجري منه من سوء التدبير والمخالفات واللجاج مالا تفعله الصبيان. هكذا تكون أواخر البيوت وانقراض الدول. نعوذ بالله من زوال النعم، وتولي السعادة. فنفذ إليه السلطان يقول له: انظر ما تريد نعطيك عوض البلاد، فقال: حربة تقع في صدري تخرج من ظهري. فقيل للسلطان: قد طلب حربي فأقطعها - وهي قرية فوق بغداد، ارتفاعها ثلاثون ألف دينار أميرية - فمضى إليها وأقام بها إلى أن مات السلطان ملكشاه. ثم إن الوزير فخر الدولة أقام بميافارقين وولده زعيم الدولة بآمد وأطلق الوزير ابن الأنباري من السجن ونفذه إلى حصن كيفا إلى خادم يسمى ياقوت كان والي الحصن، وأمره بقتله، فأخفاه، وأشاع موته، وأخرجت جنازته، وصلى عليها، وكتب بموته مكتوبا وأسجل. وبقي مشحونا بالحصن إلى أن خرج الوزير فخر الدولة من البلاد - وسيأتي ذكر ذلك في موضعه -. وأحسن فخر الدولة إلى أهل ميافارقين خاصة وإلى أهل ديار بكر جميعها، وأسقط عنهم أشياء كثيرة، فطابت معايشهم، وفتح ذخائر بني مروان ونقلها إلى حصن كيفا إلى ولده عميد الدولة. فآخر ما حمل " إلى " الحصن: مائدة بلور دورها خمسة أشبار، وقوائمها منها. وخمس قطع زبادي بلور. وصحنين. وثلاث حمليات. وخمسة أقداح برسم الشراب الجميع بلور ثم اخرج حُقّا من ذهب، وأخرج منه قطنا كان فيه، وأخرج منه سبحة لها شعاع كشعاع الشمس، أضاء منها الموضع كانت لنصر الدولة، وكانت مائة وأربعين حبة لؤلؤ - الحبة منها مثقال فصاعدا - وفي وسطها الجبل - الياقوت الأحمر - الذي حمله الملك العزيز ابن بويه. وفيها عشر قصبات زمرد، القصبة كالإصبع، فقال الوزير: هذه كانت سبب خراب بيت مروان. فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: لما مات نصر الدولة بلغ السلطان أنه خلف أموالا وآلات عظيمة لا توصف، وخلف سبحة، من حالها كذا وكذا، وخلف سيفا أخذه من موسك يقدّ به البعير. فنفذ السلطان، وخلف سُبحة، من ألب أرسلان وطلب السبحة والسيف من نظام الدين، ولده فنفذ غيره، وسُبحة غيرها لها قيمة، وحلف أن السبحة لم تظهر. فلما ولي الأمير منصور نفذ السلطان ملكشاه إليه وطلب السبحة والسيف، فحلف أنه ما رآهما، ولم تسمح نفسه بهما، ولم يُنفذ له هدية تساوي دينارا واحدا. واتفق وصول الرسول، وأنا حاضر عند خواجا، فوجدت الفرصة، واستمعَ مني الكلام، فجهزتُ العساكر وأتيتُ، فقيل له: فكم قيمتها؟ فقال: كان قد حصل بعضها قديما، وحصَّلت أنا في أيام وزارتي خمسا وأربعين حبة وبعض الجواهر، بمقدار خمسة وستين ألف دينار، وحسبت جملة مشتراها، فكان - غير الجبل الياقوت - مائتين وخمسة عشر ألف دينار. وأعطى الملك العزيز عن الجبل الياقوت عشرة آلاف دينار. فحملت إلى بغداد إلى عميد الدولة.

стр. 176

وقيل: إن فخر الدولة بن جهير حمل من ذخائر بني مروان غير ما أخذه أبو سالم الطبيب وأودعه ألفي ألف دينار، عينا، سوى الآنية، والآلات، والأعلاق، من ذهب وفضة وجوهر، وأودع بديار بكر شيئا كثيرا. وأقام فخر الدولة بالبلاد سنتين، ونفذ السلطان يستدعيه، فهمَّ بالعصيان. ثم أفكر أن ذلك لا يتم له لكون ولده عميد الدولة ببغداد فسار إلى بغداد وترك ولده زعيم الدولة بميافارقين على جميع ديار بكر فلما وصل رفع عليه ما أخذه من بيت بني مروان فغني به خواجا. فرسم السلطان بديار بكر للعميد قوام الملك أبي علي البلخي فوُلي ديار بكر وسار إليها، فدخلها في سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة. فسار بالناس سيرة حسنة. كان يجلس كل يوم بكرة للتدريس إلى ضحى النهار، ثم ينتقل فينظر في أحوال الرعية إلى العصر. وشُبّهت أيامه بأيام نظام الدين في العدل وحسن السيرة، وأمن البلاد والطرق. فسمع ليلة ناقوسا وقت السحر فقال: ما هذا؟ فقيل: دير عباد على رأس الجبل، فلما أصبح جمع الناس، وقال: يُضرب على رؤوس المسلمين بالناقوس، فإذا نحن بالقسطنطينية؟!. ثم نهض إليه وأمره بقلع المذبح، وعمل المحراب، واتخذه مسجدا وسُمي مسجد الفتح. واجتمع النصارى وبذلوا خمسين ألف دينار، فلم يُقبل منهم، وبقي على " حاله مسجدا ". ويُقال: إن الوزير فخر الدولة بن جهير هو الذي عمله مسجدا، فبذل له ثلاثون ألف دينار، فأعاده ديرا، ثم إن العميد أعاده مسجدا، وعمل صحنه محرابا ومُصلىَّ. وكان العميد ولىَّ أرزن رجلا من أهل بُست فظلم الناس وعسفهم. وكان الناس يريدون بيت جهير فمضى جماعة منهم إلى عند السلطان، وتظلموا منه، فحضر المقابلة، وعوَّل السلطان على رده إلى ديار بكر، فحضر القاضي أبو بكر بن صدقة وابن زيدان والقاضي أبو القاسم ابن نباتة، وابن موسك والأمير أبو الهيجاء، وبنو غالب وتألموا منه، فوقع السلطان بديار بكر للوزير زعيم الدولة بن أبي طاهر بن الأنباري. وكان السديد ابن الأنباري أخو الوزير أبي طاهر ابن الأنباري الذي اعتُقل عند توجه فخر الدولة وطلب منه أخاه فادَّعى موته، وجرى بينهما شرحٌ يطول ذكره. ثم أنفذ واستحضره من عند ياقوت الخادم من حصن كيفا، ومضى إلى دركاه السلطان وأقام بها إلى أن عُزل العميد أبو علي، وتوصل إلى أن كتب له التوقيع بديار بكرن وبقي معه تسعة أيام. ثم اتفق أن عميد الدولة ابن جهير عزل عن الوزارة للمقتدي بأمر الله، فحضر دركاه السلطان وضمن ديار بكر ثلاث سنين بألف ألف دينار، فأُعطيها. وتقدم السلطان إلى أهل ديار بكر بالمسير صحبته، ورسم له بعشرة آلاف دينار، تُنفق في أكابر أهل ديار بكر، منها للفارقية خاصة أربعة آلاف دينار. والباقي لسائر أهل ديرا بكر. فاجتمع أهل البلد وقالوا: هذه يأخذها الرؤساء ولا يصح لنا شيء، ونحن نسأل من السلطان إطلاق الغريب والبلدي، وهو ما يدخل من البساتين والكروم والكور من الفاكهة والخضر وغيرهما، وكذلك الفم والحطب ليشترك في هذه الإنعام الغني والفقير، فأُسقط عنهم، واستمر. وباقي البلاد أخذوا ما أطلق لهم، أخذه الأكابر منهم، ولم يُسقط عنهم شيء. ذكر ملك عميد الدولة ديار بكر وفي سنة اثنتين وثمانين، في ذي الحجة منها، وصل عميد الدولة وملك ديار بكر وأقام بها وجبي أموالها، وأحسن إلى الناس وأكرمهم وراعاهم. وأخذ ما كان له من الودائع. ويقال: إن أخذه البلاد كان لهذا السبب، أعني الودائع التي كانت لأبيه بديار بكر. وفي شهر رمضان من سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة استقل فخر الدولة ابن جهير بديار ربيعة وخُطب له على منابرها، فأقام إلى رجب من سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة. وتوفي بالموصل وحملت أمراء بني عقيل جنازته، ودُفن بتل توبة. وبقي عميد الدولة بميافارقين إلى آخر سنة أربع وثمانين وأربع مائة. واستدعي إلى دركاه السلطان، فخرج ومعه جماعة من متعيني ميافارقين إلى أن وصل إلى إصبهان. وأقام مدة ثم عاد إلى بغداد. فلما وصل عميد الدولة وزر للمقتدي ثانيا. وكان عند خروجه من ميافارقين ترك بها أخاه كافي الدولة أبا البركات " بن فخر الدولة محمد بن محمد " بن جهير - وكان الصغير من أولاده - فبقي بديار بكر إلى شهر رمضان من سنة خمس وثمانين وأربع مائة.

стр. 177

واستدعي إلى باب السلطان فحمل معه ما كان تحصل من الأموال، وسار إلى السلطان. وكان إذ ذاك ببغداد وترك ولده أبا الحسن بميافارقين على ديار بكر فلما وصل الكافي إلى الموصل بلغه أن السلطان ملكشاه مات ببغداد مسموما في شوال من السنة، وحُمل إلى إصبهان، ودُفن بها، ورُتب في السلطنة ولده بك ياروق ولُقب شهاب الدولة وخُطب له ببغداد وكان عادلا، وخلع عليه المقتدي واستقر في السلطنة. ذكر ملك ناصر الدولة ميافارقين ووصل خبر موت السلطان إلى ميافارقين فاختبط الناس بها واختلفوا. ثم اتفقوا على أن يُنفذوا إلى السلطان بك ياروق يستدعونه أو نائبا يتسلم البلاد. فهي بلاد أبيك. فلم يكن له فراغ، وطال الأمر، فاجتمع الناس ثانيا، ووقع اتفاقهم على الشيخ أبي سالم يحيى بن الحسن بن المحور لما علموا دينه وعقله فألزموه بذلك وأجلسوه في القصر مُكرها، وسلمت إليه مفاتيح البلد، فلما طال عليهم الأمر وتعذر وصول السلطان اختلفوا أيضا فقال قوم: نستدعي ناصر الدولة ابن مروان وكان بحربى عند موت السلطان، فقصد الجزيرة وملكها. وكره بعض الناس بيت مروان لما عاينوا من عدل السلطان وإحسانه. وكان في المدينة رجل يعرف بابن أسد فرأس الجُهال والسوقة والرعاع. وجعل يدور على السور والمدينة ويحفظها. فلما طال عليهم الأمد اتفقوا على أن سييروا إلى نصيبين إلى السلطان تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان - أخي ملشكاه - وكان له دمشق وحلب والشامين فلما بلغه موت أخيه سار إلى الرقة وملكها، ونزل على نصيبين، فوصل إليه رؤساء ميافارقين ومقدموها فأكرمهم، فقالوا له: قد حفظنا لك البلدن، وأنت أخو السلطان وما نريد غيركم فقال: تصبرون أياما ونسير إلى آمد ثم إلى ميافارقين. وكان ناصر الدولة قد ملك الجزيرة وسمع بخبر ميافارقين فنفذ إلى ابن أسد، ووعده بالجميل، فأجابه واستدعاه واتفق خلو ميافارقين فوصلها في أول سنة ست وثمانين وأربع مائة وتسلمها ونزل الشيخ ابن المحور من برج الملك، ودخلها ناصر الدولة، واستوزر ابن أسد ولُقب محي الدولة، وصعد إليه الشيخ أبو الحسن ابن المحور. فأمنه على نفسه وماله ومن يلوذ به، واستقر بميافارقين. ذكر ملك تاج الدولة تتش ميافارقين وآمد ووصل تاج الدولة تتش نصيبين " ثم إنه فتحها " سيفا، وقتل بها خلقا عظيما، ونهب وسبى ما لم يجرِ على الكفار مثله. وسار والجماعة معه إلى آمد وملكها بعد حصار شديد وبقي أياما، وسار إلى ميافارقين. وكان معه خلق عظيم فراسل أهل البلد وخوَّفهم مما جرى على أهل نصيبين. ثم ركب السلطان، ونزل من الرابية، وقصد برج علي بن وهب، فحين رآه الناس صاحوا بأسرهم وسلم البلد إليه، فدخله من يومه وهو.. من ربيع الأول سنة ست وثمانين وأربعمائة. وخرج الأمير منصور من باب الهوة ودخل مخيم الأمير الحاجب والوزير أبي النجم. وكانت مدة ولايته " الأخيرة " خمسة أشهر. واستقر السلطان بميافارقين وأحسن إلى أهلها وأسقط عنهم الأعشار والمؤن والكلف، وحصل الناس معه في أهنأ عيش. ونفذ إلى الكافي ابن جهير والوزير أبي طاهر بن الأنباري ليستوزرهما أو أحدهما. فسبق الكافي فاستورزه، ووصل بعده الوزير أبو طاهر بأيام، ففاتته الوزارة، فسلم إليه ميافارقين ورتبه بها، ورتب بالقصر مملوكا له يسمى طغتكين وسار بجمع العساكر، وأقام بحران لتكتمل العساكر فيمضي إلى بك ياروق بصافُّه. وكان ابن أسد لما ملك السلطان " ميافارقين " انهزم وانهزم واختفى ببعض البلاد مدة. ثم قصد السلطان وامتدحه بقصيدة يقول فيها بيتا - الفأل موكل بالمنطق - وهو: واسْتَحْلَبَتْ حَلَبٌ جَفْ، نيَّ فانهملا ... وَبشّرَتْني بِحَرِّ الشّوْقِ حَرَّانُ!! فأُعجب السلطان بشعره، فقيل له: أيعرف مولانا السلطان من هذا؟ فقال: لا! قال: هذا ابن أسد الذي أحضر ناصر الدولة بن مروان وملكه ميافارقين فأمر بضرب عنقه بحران فقيل: وبشرتني بحر القتل حران كان الوزير أبو طاهر ابن الأنباري مقيما بميافارقين فلما قتل ابن أسد استشعر وخرج من ميافارقين وقصد الهتاخ في رابع عشر ذي القعدة من سنة سبع وثمانين وأربع مائة، فدخلها وأقام بها، وكان معه ولداه أبو القاسم، وأبو سعد، وابن أخيه محمد.

стр. 178

وكان أخوه السديد أبو الغنائم تخلف بميافارقين فقبض عليه طغتكين. وأقام الوزير بالهتاخ مدة فبلغ السلطان ذلك فنفذ يتوعده، فخرج من الهتاخ وقصد خرت برت وكانت لابن جبق فأقام عند أُخت جبق. فنفذ السلطان إلى أخت جبق وقال: تسلميه إليَّ وإلا ضربت عنق ابن أخيك - وكان معه في العسكر - فسلمته وولده الأكبر أبا القاسم وبقي عندها ولده أبو سعد، وابن أخيه أبو عبد الله محمد، وقالت: هؤلاء ما جنوا ولا أساءوا!! فلما وصل الوزير وولده إلى السلطان ضرب رقابهما بسميساط في جمادى الآخرة، من سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وحملت الرؤوس إلى ميافارقين وأُخرج أخوه السديد أبو الغنائم يوم الخميس غرة رجب، فجاءه رجل بسطل فيه ماء وقال له: اشرب فقال: أنا صائم، ولا ألقى الله تعالى إلا صائما فضُربت رقبته، وطيف برأسه مع الرؤوس في المدينة. ثم دفنت الجثة والرؤوس في المقابر التي يدفن فيها القتلى. وبقي النور ينزل على قبره أياما. وخرج ولده أبو سعد وولد أخيه من خرت برت وسارا إلى بغداد وأقاما هناك. وخدم أبو عبد الله للمستظهر ولُقب بسديد الدولة - لقب أبيه - ونفذ في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة من حمل الجثة والرؤوس إلى بغداد فدفنهم هناك في مشهد كان بناه لهم بباب التبن، عند موسى ابن جعفر ﵉ وبقي في خدمة المستظهر إلى سنة سبع وخمس مائة وولي ديوان الإنشاء، ولُقب بمؤيد الدين وندب إلى وزارة المسترشد والمقتفي فلم يجب. وكانت له المنزلة العالية والمكانة الرفيعة عند الخلفاء. ذكر وفاة السلطان تاج الدولة تتش لما قتل السلطان تاج الدولة الوزير رحل طالبا أذربيجان لمصاف ابن أخيه شهاب الدولة بك ياروق ومعه العساكر وأمراء الشام. فالفصل عنه آق سنقر وبزان وانهزما. فعاد في طلبهما، فظفر بهما، وقال لهما: ما صنعت معكما من القبيح؟! كان لي دمشق، ولكما حلب والرها. وضرب رقابهما - وكانا مملوكين للسلطان ملكشاه -. وسار يطلب أبن أخيه بك ياروق. إلى أن التقا به وتصافا. فلما التقى الجمعان عارضه مملوك لبزان في المعمعة، فضربه بسهم من وراءه خرج من صدره فمات، وذلك في سنة تسعين، وقيل: الأصح أنه كان في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة في صفر منها، وكسر العسكر. واستقر بكياروق في السلطنة واستبد بها. وبقي الشام وديار بكر في يد ولدي تاج الدولة. الملكين: الملك رضوان - ملك حلب -، والملك دقاق - ملك دمشق -. وكان طغتكين بميافارقين فولى به أميرا يسمى إلياس ويلقب بشمس الدولة وسار إلى دمشق وجعل أتابكا للملك دقاق. وبقي إلياس بميافارقين. واستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن صافي - وكان صافي مملوكا لبني نباتا - وكان ولده محمد على البيع في العرصة فولد له أبو الحسن من بنت أبن خلف وجعل جابيا في الوقف بين يدي الشيخ أبي سالم يحيى بن المحور. ثم خدم القاضي أبا بكر بن صدقة. وتوصل إلى الحسبة ثم وزر للأمير إلياس وكان ثقيل الوطأة كثير الجور والظلم والمصادرات والتواصل إلى قلع بيوت الناس ومضارهم ولقد أخرب بيوت أكثر أهل ميافارقين. ذكر وفاة الأمير ناصر الدولة وفي سنة ست وثمانين مات الأمير ناصر الدولة منصور بالجزيرة وحمل إلى آمد، ودفن بها في قبة على رأس القصر مطلة على دجلة والسلسلة كانت بنتها زوجته ست الناس - بنت عنه سعيد - ودفنها بها جميعا. وكانت آخر ولاية بني مروان. فإنهم ولوا في سنة ثمانين وثلاث مئة من أول ولاية الأمير أبي علي إلى أن ملك ابن جهير في سنة تسع وسبعين. وعاد ناصر الدولة ملك مدة خمسة أشهر فتكملت ولايتهم مائة سنة كاملة. وانقرضت دولتهم، وزال ملكهم - فسبحان من لا يزول ملكه ولا يبيد سلطانه - ذكر ميافاقين ذكر ولاية شمس الملوك دقاق ميافارقين استقلالا بعد وفاة أبيه تاج الدولة تتش

стр. 179

قد تقدم القول بأن تاج الدولة تتش لما ملك ميافارقين رتب فيها غلامه طغتكين وجعله أتابكا لولده شمس الملوك دقاق. فلما عزم تاج الدولة على لقاء ابن أخيه بكياروق في سنة ثمان وثمانين وأربع مائة، استدعى طغتكين فحضر المصاف التي قتل فيها تاج الدولة تتش. وبقي شمس الملوك دقاق مقيما بميافارقين مع الأمير شمس الدولة الياس - المقدم ذكه - ولم يزل شمس الملوك دقاق مقيما بميافارقين إلى أن بلغه قتل والده، وأن أخاه رضوان عاد من عانة وطلب حلب فركب من ميافارقين وقصد أخاه بحلب، وأقام عنده مدة ثم توجه إلى دمشق فملكها واستقل بملكها. وأما ظهير الدين طغتكين فإنه كان قد أسر في جملة من أسر، فأحسن التدبير إلى أن تخلص ووصل إلى دمشق إلى عند شمس الملوك دقاق فأحسن إليه، وقدمه على عساكره وبقي عنده. وأما شمس الملوك دُقاق فإنه أقام بدمشق إلى أن رتب أحوالها ثم عاد إلى ميافارقين فرتب أحوالها وكان معه سكمان بن أرتق. وكان شمس الدولة الياس قد أطمع نفسه بملكها، وتسلمها، ورتب فيها من قبله من يحفظها. وعاد في سنة ثلاث وتسعين وأربع مائة. وحضر إلى خدمته أمراء ديار بكر منهم الأمير سكمان بن أرتق، صاحب حصن كيفا وماردين، والسبع الأحمر وكان له اسعر، وحسام الدولة التمشكين صاحب أرزن وبدليس، والأمير إبراهيم وكان له آمد، والأمير سباروخ وكان له حاني، وكان معه الوزير محمد الأعجمي - من أهل دوين -. ورتب الملك دقاق بميافارقين الوزير محمدا بالقصر. وحاجيه يغمر ببرج الملك، وسار إلى دمشق. فتزوج الوزير بحطانة وبقي بميافارقين. ذكر وفاة شمس الملوك دقاق وفي سنة سبع وتسعين وأربع مائة توفي شمس الملوك دقاق بن تاج الدولة تتش في اليوم الثاني عشر من المحرم منها وولي ولده تاج الدولة تتش، وكان عمره يومئذ اثنتي عشرة سنة. وتوليّ أتابكيته ظهير الدين طغتكين. ثم إن ظهير الدين هذا رأى من المصلحة إحضار أرتاش - أخي شمس الملوك - وكان محبوسا ببعلبك، فأحضره وولاه دمشق لخمس بقين من ذي الحجة من سنة سبع وتسعين. ذكر ملك السلطان قليج أرسلان بن سليمان ن قطر مش السلجوقي ميافارقين ودخلت سنة ثمان وتسعين وأربع مائة، والوزير محمد مقيم بميافارقين. فلما تحقق موت شمس الملوك كاتب السلطان قليج أرسلان بن سليمان ن قطرمش السلجوق - صاحب بلاد الروم يومئذ - فوصل إليه في سابع عشري جمادى الأولى من سنة ثمان وتسعين وأربع مائة وملكها، واستوزر الوزير محمدا وأعطاه أبلستين إقطاعا، وأخذه معه. ووليّ بميافارقين الأتابك السليماني - غلام أبيه سليمان - وتوجه إلى الموصل وصافّ جاولي سقاوه مملوك السلطان محمد وعاد، وقد كسر، وغرق في الخابور سنة تسع وتسعين وأربع مائة وحمل تابوته إلى ميافارقن، ودفن بالقبة التي بنيت له وتعرف بقبة السلطان مسعود. واستقل خمرتاش بملك ميافارقين، وظلم هو وزوجته، وأجحف بالناس وصادرهم. وفيها نزل الأمير سقمان القطبي - صاحب أرمينية - واجتمع بجكرمش - صاحب الموصل - وسار إلى حران ولقيا الفرنج وكسراهم كسرة عظيمة، وهي وقعة البليخ. وذكر ابن الأثير أن هذه الوقائع كانت في سنة خمسمائة. ذكر ملك سقمان القطبي ميافارقين " وفي سنة اثنتين وخمس مائة نزل سقمان القطبي على ميافارقين وحاصرها وضايقها، ثم أخذها بعد حصار تسعة أشهر في شوال منها ودخلها. وأحسن إلى أهلها وأزال عنهم الكذب، والمؤن، والأعشار، وحط عنهم أشياء كثيرة وأجراهم على أملاكهم، وأزال عنهم ماكان قد أحدثه المحتسب وأتابك ووليّ فيها مملوكه قزاغلي بالقصير، وولي البلد أثير الدولة أبا الفتوح فجرت أحوال الناس على السداد ". ذكر وفاة سقمان القطبي ولم تزل نوابه بميافارقين إلى أن توجه إلى خدمة ظهير الدين طغتكين وصاحب الموصل واجتمعوا على حصار تل باش. ثم عادوا فمات عند عوده في سنة أربع وخمس مائة. ولم يزل قزاغلي على ميافارقين إلى سنة ست وخمس مائة فوصل الأمير إبراهيم بن سقمان والخاتون - والدته - إلى ميافارقين. فعزل قزاغلي وولي السديد الوزارة. ووليّ المعين - أخا السديد - ميافارقين. وفي سنة سبع وخمس مائة قتل الأمير إبراهيم بن سقمان القطبي وزيره السديد أخا المعين في ولاية منازجرد فأظهر المعين العصيان بميافارقين وأستبد بها. ذكر ملك قراجا الساقي ميافارقين

стр. 180

" وفي سنة ثمان وخمس مائة وصل قراجا الساقي - مملوك السلطان محمد - إلى باب ميافارقين ونزل الرّوابي، والمعين بالبلد، وقراجا لا يظهر إلا أنه عابر سبيل، وهو ينتظر من يلحقه من أصحابه، ولم يراسل المعين ولم يكلمه بل يركب كل يوم للصيد، ويسير ويعبر على باب البلد. فعبر يوما السلسلة بالسيف فقطعها، ودخل ". ووثب رجل، ومشى بين يديه إلى باب القصر، فبقي ساعة، ثم فتح له، ودخل الأمير قراجا ونزل المعين إلى دار ابن موسك واستقل قراجا بالبلد واستوزر المعين " وردّ إليه الأمور كلها وبقي قراجا بميافارقين مدة. ثم نفذ سلطان محمد في طلبه، فسار إليه فولاه " شيراز، وفارس. " ونفذ السلطان إلى جكرمش - صاحب الموصل - يأمره أن ينفذ إلى ميافارقين واليا ويحضر زوجة قراجا. فسير إليها عماد الدين زنكي بن آق سنقر وكان له في ذلك الوقت تل يعفر لا غير ". وفي ولايته تطاولت الأيدي إلى ميافارقين وأخذت من كل جانب، وخرب أكثر بلدها. أخذ منه الأمير سقمان بن أرتق بحصن كيفا بلد حزة مقدار مائة ضيعة، قاطع الشط إلى شط أرزن. وأخذ نجم الدين إيل غازي إلى بلد الحياطلة من قاطع دجلة إلى الجبل نحو ثمانين ضيعة. وأخذ " الأمير إبراهيم صاحب آمد نحو ثلاثين ضيعة " " وأخذ الأمير " سباروخ - صاحب حاني - رأس الحير. وأخذ الأمير أحمد بلد الهتاخ. وأخذت السناسنة نحو ثلاثين قرية. وأخذ حسام الدولة - صاحب أرزن - من بين النهرين خمس عشرة ضيعة. كل ذلك لقلة حماتها. ابتداء ولاية نجم الدين إيلغازي بن سقمان بن أرتق وملكه ميافارقين سبب ذلك أن نجم الدين إيلغازي بن سقمان بن أرتق قصد خدمة السلطان محمد السلجوقي حلوان. ثم أعطاه شحنكية بغداد، فأقام مدة إلى سنة اثنتي عشرة، فوقع له بميافارقين. وكتب إلى الرزبيكي أن يسلمها إليه، فسار إليه نجم الدين إيلغازي وتسلمها في الرابع عشر جمادى الآخرة من السنة، فدخلها وملكها، وخرج الرزبيكي فنزل على الروابي ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع وصله رسول من السلطان محمد يأمره ألا يسلمها. فوجد الأمر قد فات. واستقر نجم الدين بميافارقين وأظهر العدل، وأسقط عنهم الكلف والمؤن. وكانت ميافارقين قد خرجت أكثرها من الظلم والإنزال، وما كان يلقى أهلها من الأجناد. وإخراجهم من بيوتهم. فلما ملكها نجم الدين استقروا في دورهم، وزال النزال عنهم. فكان الجند الذين مالهم مساكن ينزلون في خرابات المدينة في فركاهات. وكانت البلاد مخيفة من الحرامية والقوافل لا تسير من ميافارقين إلى آمد وحاني وأرزن وماردين وحصن كيفا إلا ومعهم خيل تخفرهم في هذه المسافة القريبة. فحيث ملك نجم الدين أمنت البلاد والطرقات، وانهزمت الحرامية وعمرت الضياع ومدت ميافارقين في العمارة. وساس الناس أحسن سياسة. وبقي إلى سنة ثلاث عشرة وخمس مائة. ولقي الفرنج وكسرهم كسرة عظيمة وغنم منهم شيئا كثيرا وهي كسرة البلاط. وفي سنة أربع عشرة وخمس مائة ملك نجم الدين نصيبين وسار إليه القاضي علم الدين أبو الحسن بن نباتة وجماعة من أكابر ميافارقين ولقوه بنصيبين وهنؤوه بفتحها، فخلع عليهم وأجازهم. وفي سنة خمس عشرة نفذوا أهل تفليس إلى نجم الدين إيلغازي يستدعونه ليسلموا إليه تفليس فسار إليها ومعه " نور الدولة " دُبيس بن " سيف الدولة صدقة المزيدي وكان صهر نجم الدين على ابنته كهار خاتون فسار بالعساكر فوجد تفليس مُحاصرة في غاية الضِّيق، وكان المُحاصر لها الملك داود ملك الكرج والأنجاز ومعه خلقٌ لا يحصى. وكان قد وصل إلى تفليس السلطان طغرل بك وفخرُ الدين طُغان أرسلان بن الأحدب فاقتتلوا قتالا عظيما، قَتل وأسَر من المسلمين مالا يحصى. وعاد نجم الدين هزيما في عشرين فارسا إلى ميافارقين، ومعه صهره دُبيس، فأقام مدة، ثم سار إلى ماردين، وأقام بها سنة ستة عشرة وخمس مائة. ذكر وفاة نجم الدين إيلغازي في هذه السنة مرِض نجم الدين إيلغازي بماردين وحُمل إلى أوشل بميافارقين ومعه إيلخاتون بنت طغتكين وولده شمس الدولة سليمان، وتخلف السعيد حسام الدين " تمرتاش " بماردين. وتُوفي نجم الدين إيلغازي يوم الخميس سابع عشر شهر رمضان من سنة ست عشرة وخمس مائة بالأوشل.
следующие страницы →