Полный текст (205 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المدرسة الرَواحيّة - أنشأها زكيّ الدين أبو القاسم هبة الله بن محمّد بن عبد الواحد بن أبي الوفاء الحمويّ وشرط في وقفها أن لا يتولاّها حاكم متصرّف ثمّ وليها القاضي زين الدين أبو محمّد عبد الله بن الشيخ الحافظ عبد الرحمان بن عبد الله بن علوان الأسديّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن ولي نيابة الحكم بحلب سنة ثلاث وعشرين فدرّس فيها أخوه القاضي جمال الدين أبو عبد الله محمّد ولم يزل بها إلى سنة اثنتين وثلاثين فتولّى نيابة الحكم بحلب عن أخيه قاضي القضاة زين الدين أبي محمّد عبد الله. فتولّى التدريس بها ابن أخيه بهاء الدين يوسف بن قاضي القضاة زين الدين ولم يزل بها إلى أن تُوفّي في أوائل سنة خمس وثلاثين فوليها بعده الشيخ الإمام نجم الدين أبو عبد الله محمّد بن محمّد ابن عبد الله بن عُلوان الأسديّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تزهّد سنة تسع وثلاثين فخرج عنها. ثمّ وليها بهاء الدين محمّد الكرديّ ولم يزل بها إلى أن تُوفّي ووليها القاضي محيي الدين محمّد بن القاضي جمال الدين محمّد بن الشيخ الحافظ عبد الرحمان ولم يزل بها مدرّساً إلى أن تولّى نيابة الحكم بحلب ثالث عشر رمضان سنة أربع وأربعين وستّمائة فتولّى تدريسها كمال الدين أبو الفضائل أحمد بن القاضي نجم الدين الحسن بن عبد الله بن " أبي " الحجّاج الكرديّ ولم يزل بها إلى أن تُوفّي يوم الخميس تاسع عشر جمادي الآخرة سنة خمس وأربعين وستّمائة. ووليها بعده الشيخ مجد الدين محمّد بن هدية بن محمود الأُشْنُهيّ ولم يزل بها إلى أن تُوفّي في أوائل سنة ستّ وخمسين وستّمائة ووليها بعده عماد الدين أبو بكر بن محمّد بن الحسن الكورانيّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن قُتل في وقعة التتر بحلب.
المدرسة الشُعَيْبيّة - وكانت هذه المدرسة مسجداً يُقال إنّه أوّل ما اختطّه المسلمون عند فتحها من المساجد وعُرف بأبي الحسن عليّ بن عبد الحميد الغضائريّ أحد الأولياء من أصحاب سريّ السقطيّ. فلمّا ملك نور الدين حلب وأنشأ بها المدارس ووصل الشيخ شُعَيْب بن أبي الحسن بن حسين بن أحمد الأندلسيّ الفقيه فصيّر له هذا المسجد مدرسةً وجعله مدرّساً بها فعُرفت به إلى عصرنا ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفّي بها سنة ستّ وتسعين وخمسمائة في طريق مكَّة ودُفن بين تيماء وبين جعفر بني عنزة وكان من الفقهاء المعتبرين والزهّاد المعروفين وكان من أصحاب الحافظ أبي الحسن عليّ بن سليمان المرادي وكان قد انقطع في مسجد الغضائريّ فعُرف المسجد به وانقطع عنه اسم الغضائريّ. ثمّ وليها بعده الشيخ شمس الدين محمّد بن موسى الجزّوليّ ولم يزل بها إلى أن تُوفّي يوم الأحد سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة ثمّ وليها موفّق الدين أبو القاسم بن عمر بن الفضل الكُرديّ الحُمَيْديّ ولم يزل بها إلى أن ولي قضاء المعرّة في أوائل سنة اثنتين وأربعين وستّمائة فوليها بعده قوام الدين أبو العلاء المفضّل بن سلطان بن شجاع المعروف بابن حاذور المقدّم ذكره ثمّ خرج عنها كما قلنا إلى حمص سنة خمس وخمسين فوليها بدر الدين محمّد بن إبراهيم بن خلّكان المعروف بقاضي تلّ باشَر المقدّم ذكره.
المدرسة الشَرَفيّة - أنشأها الشيخ الإمام شرف الدين أبو طالب عبد الرحمان ابن أبي صالح عبد الرحيم المعروف بابن العجميّ وصرف عليها ما ينيف على أربعمائة ألف درهم ووقف عليها أوقافاً جليلةً ودرّس فسها ولده محيي الدين محمّد وأعاد له فيها عشرة أنفس لم يكن في عصرهم في سائر البلاد مثلهم ولم يدرّس فيها غيره إلى أن قُتِل شهيداً بأيدي التتر بعد استيلائهم على حلب وأمّا الشيخ شرف الدين الواقف المذكور فإنّه تُوفّي بعد استيلاء التتر على حلب في رابع عشرين صفر سنة ثمان وخمسين وستّمائة ودُفن بقبّة كان أنشأها شماليّ المدرسة واشترط أن يُدفَن بها.
المدرسة البَدْريّة - أنشأها بدر الدين بدر عتيق عماد الدين شاذي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب برأس درب البازيار وهي داثرة الآن.
المدرسة الزَيْديّة - أنشأها إبراهيم بن إبراهيم المعروف بأخي زيد الكِيَّال الحلبيّ انتهت سنة خمس وخمسين وستّمائة ودرّس فيها شمس الدين أحمد بن محيي الدين محمّد بن أبي طالب بن العجميّ وعليه انقضت الدولة.
стр. 37
المدرسة السَيْفيّة - أنشأها الأمير سيف الدين عليّ بن عَلَم الدين سليمان بن جندر انتهت سنة سبع عشرة وستّمائة. يدرّس فيها مذهبا الشافعيّ وأبي حنيفة. وأوّل من درّس بها مذهب الإمام الشافعيّ القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف ابن رافع بن تميم المعروف بابن شدّاد ولم يزل بها مدرّساً قريباً من سنة ثمّ استقلّ بها بعده نائبه بها القاضي زين الدين أبو محمّد عبد الله بن الشيخ الحافظ عبد الرحمان الأسديّ ولم يزل بها مدرّساً إلى أن تولّى نيابة الحكم للقاضي بهاء الدين سنة ثلاث وعشرين فوليها نجم الدين محمّد بن أبي بكر بن عليّ بن شاني أبو عبد الله الموصليّ المعروف بابن الخبّاز وكان عالماً فاضلاً ولم يزل بها إلى أن تُوفّي يوم الثلاثاء سابع ذي الحجّة سنة إحدى وثلاثين وستّمائة. فوليها القاضي جمال الدين أبو عبد الله محمّد بن الأستاذ ولم يزل متولّيها إلى أن مات سنة ثمان وثلاثين فوليها ولده محيي الدين محمّد ولم يزل إلى أن كانت فتنة التتر وانقضت الدولة.
المدارس الشافعيّة الّتي بظاهر حلب
المدرسة الظاهريّة - أنشأها السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيّوب صاحب حلب وانتهت عمارتها في سنة عشرة وستّمائة وأنشأ إلى جانبها تربةً أرصدها ليُدفَن بها من يموت من الملوك والأمراء وفوّض النظر في المدرسة إلى القاضي بهاء الدين أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم المعروف بإبن شدّاد وشرف الدين أبي طالب بن العجميّ وشرط أن يكون مشاركاً للقاضي بهاء الدين مدّة حياته وأن يستقلّ بها بعد وفاته ثمّ لعقبه. وأوّل من درّس بها ضياء الدين أبو المعالي محمّد بن الحسن بن أسعد بن عبد الرحمان بن العجميّ وحضر يوم تدريسه السلطان الملك الظاهر بنفسه وعمل دعوةً عظيمةً حضرها الفقهاء واستمرّ المذكور فيها إلى أن تُوفّي بدمشق يوم الاثنين حادي عشر صفر عند عوده من الحجاز سنة خمس وعشرين وكان مولده سنة أربع وستّين وحُمل إلى حلب فدُفن بها. ووليها بعده الشيخ شرف الدين أبو طالب بن العجميّ ولم يزل بها مدرّساً إلى سنة اثنتين وأربعين فاستخلف فيها ابن أخيه عماد الدين عبد الرحيم بن أبي الحسن عبد الرحيم ولم يزل نائباً عنه إلى سنة خمسين فعزله عنها واستناب ولده محيي الدين محمّد ولم يزل بها إلى أن زالت الدولة الناصريّة.
المدرسة الهرويّة - أنشأها الشيخ أبو الحسن عليّ بن أبي بكر الهَرَويّ السائح قبليّ حلب. وأوّ من درّس فيها في زمانه الشيخ موفّق الدين أبو القاسم بن عمر بن فضل الكُرْديّ الحُمَيديّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن خرج عنها كما تقدّم وكانت وفاته سنة عشرة وستّمائة. ثمّ درّس فيها الشيخ الإمام شمس الدين أبو المظفّر حامد بن أبي العميد عمر بن أميريّ بن ورشيّ القزوينيّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفيّ يوم الجمعة ثامن وعشرين جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين وستّمائة وكان مولده سنة سبع وأربعين وخمسمائة ووليها بعده ولده عماد الدين محمّد ولم يزل بها إلى أن كانت فتنة التتر فدثر بعضها ولم يبق بها ساكن وخرب وقفها لأنّه كان سوقاً بالحاضر.
الفردوس - أنشأتها الصاحبة الملكة ضيقة خاتون بنت الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمّد بن أيّوب وهي جليلة كبيرة وجعلتها تربةً ومدرسةً ورباطاً ورتّبت فيها خلقاً من القرّاء والفقهاء والصوفيّة. وأوّل من درّس فيها شمس الدين أحمد بن الزبير الخابوريّ ولم يزل إلى عصرنا وهو سنة ثلاث وسبعين وستّمائة.
المدرسة البُلدُقيّة - أنشأها الأمير حسام الدين بُلْدُق عتيق الملك الظاهر وكان من أيعان الأمراء. وأوّل من درّس بها ركن الدين جبريل بن محمّد ابن عَمّكاويه التركمانيّ وتوفي بها ودرس فيها بعده ولده عزّ الدين أحمد ولم يزل بها إلى أن ولي قضاء الشُغر ووليها بعده جمال الدين محمّد المعرّيّ.
المدرسة القيمريّة - أنشأها الأمير حسام الدين الحسن بن أبي الفوارس القيمريّ في مجاورة المقام سنة ستّ وأربعين وأوّل من درّس بها ركن الدين جبريل المقدّم ذكره جامعاً بينها وبين البُلْدُقيّة وتوفي بها ودرّس فيها بعده ولده عزّ الدين أحمد ولم يزل بها إلى أن ولي قضاء الشُغر ووليها بعده جمال الدين محمّد المعرّيّ.
стр. 38
مدرسة بالجُبيل - أنشأها شمس الدين أبو بكر أحمد بن صالح عبد الرحيم ابن العجميّ وهي تربة ودُفن بها وهي شافعيّة ومالكيّة في سنة خمس وتسعن وخمسمائة والمدرّس بها أخوه الشيخ شرف الدين أبو طالب بن العجميّ.
مدرسة - أنشأها الأمير شمس الدين لؤلؤ عتيق أمين الدين يُمْن عتيق نور الدين رسلان بن مسعود صاحب الموصل. أوّل من درّس بها الشريف عبد الله الحسينيّ ولم يزل بها مدرّساً إلى أن توفيّ في سنة اثنتين وخمسين وستّمائة ووليها بعده شرف الدين عبد الرحمان بن عثمان بن محمد السجاسيّ ولم يزل بها أى أن انقضت الدولة ومات بعدها بأيّام.
مدرسة بالمقام - أنشأها بهاء الدين المعروف بابن أبي سيّال.
مدرسة - أنشأها عزّ الدين أبو الفتح مظفّر بن محمد بن سلطان بن فاتك الحمويّ بالمقام وانتهت في سنة اثنتين وخمسين وستّمائة.
؟ المدارس الحنفيّة
المدرسة الحلاويّة - كانت هذه المدرسة كنيسةً من بناء هيلاني أمّ قسطنطين وقد تقدّم القول في صيرورتها مسجداً مشبعاً فيما تقدمّ من أنّ القاضي أبا الحسن بن القاضي أبي الفضل بن الخشّاب الحلبيّ لمّا حاصر الفرنج حلب في سنة ثمان عشرة وخمسمائة وبعثروا القبور الّتي بظاهرها وأحرقوا من فيها عمد إلى أربع كنائس من الكنائس التي كانت بها وصيّرها مساجد وكانت هذه المدرسة تُعرف قديما بمسجد السراجين ولما ملك نور الدين حلب وقفه مدرسة وجدّد فيه مساكن يأوي إليها الفقهاء وإيواناً وكان مبدأ عمارته في سنة أربع وأربعين وانتهت وجلب إليها من أفامية مذبحاً من الرخام الملكيّ الشفّاف الذي إذا وُضع تحته ضوء بان من وجهه ووضعه فيها وعليه كتابة باليونانيّة تُرجمت فإذا هي: عُمل هذا للملك ذقلطيانوس والنسر الطائر في أربع عشرة درجة من برج العقرب فيكون مقدار ذلك على رأي أصحاب النجوم ثلاثة آلاف سنة. كان الملك العادل نور الدين يملأ هذا الجرن في ليلة السابع والعشرين من رمضان قطائف محشوةً ويجمع عليه الفقهاء المرتّبين بالمدرسة وهي من أعظم المدارس صيتاً وأكثرها طلبةً وأغزرها جامكيّةً ومن شرط الواقف أن يحمل في كلّ شهر رمضان من وقفها ثلاثة آلاف درهم للمدرّس يصنع بها للفقهاء طعاماً وفي ليلة النصف من شعبان في كلّ سنة حلوى معلومةً وفي الشتاء ثمن بياض لكلّ فقيه شيء معلوم وفي أيّام شرب الدواء من فَصْلي الربيع والخريف ثمن ما يحتاج إليه من دواء وفاكهة وفي الموالد أيضاً الحلوى وفي الأعياد ما يرتفقون به فيها دراهم معلومة وفي أيّام الفاكهة ما يشترون به بطّيخاً ومشمشاً وتوتً. ولّما فرغ من بنائها استدعى لها من دمشق الفقيه الإمام برهان الدين أبا الحسن عليّ بن الحسن بن محمّد بن أبي جعفر وقيل جعفر البلخيّ فولاّه تدريسها واستدعى الفقيه برهان الدين أبا العبّاس أحمد بن عليّ الأصوليّ السلفيّ من دمشق ليجعله نائباً عن برهان الدين فامتنع من القدوم فسيّر إليه برهان الدين البلخيّ كتاباً ثانياً يستدعيه فيه ويشدّد عليه في الطلب فأجابه عن كتابه بكتاب استفتحه بعد البسملة:
شعر:
وَلَو قُلْتَ طَأ في النارِ أعْلَمُ أَنّهُ ... رِضىً لَكَ أَوْ مُدْنٍ لَنا مِنْ وِصالِكَ
لَقَدَّمْتُ رِجْلي نَحْوَها فَوَطئْتُها ... هُدىً مِنْكَ لي أَوْ ضِلَّةً مِنْ ضَلالِكَ
стр. 39
ثمّ قدم حلب بعد كتابه فاستنابه برهان الدين البلخيّ ولم يزل نائباً عنه إلى أن مات فخزن عليه برهان الدين حزناً غلب عليه ولمّا فرغ من الصلاة عليه التفت إلى الناس وقال: شمت الأعداء بعليّ لمت أحمد. ولم يزل برهان الدين البخليّ مدرّساً بالمدرسة المذكورة إلى أن خرج من حلب لأمرٍ جرى بينه وبين مجد الدين أبي بكر محمّد بن نُوشْتكين بن الداية لما كان نائباً عن السلطان بحلب وقصد دمشق فأقام بها إلى أن توفي يوم الخميس سلخ شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وتولّى المدرسة بعد خروجه منها الفقيه الإمام عبد الرحمان بن محمود بن محمد بن جعفر الغَزْنويّ أبو الفتح وقيل أبو محمد الحنفيّ الملقب علاء الدين فأقام بها مدرّساً إلى أن توفي بحلب ليبع بقين من شوّال سنة أربع وستّين وخمسمائة وتولّى تدريسها بعده ولده محمود وكان صغيراً فتولّى تدبيره وتربيته الحسام عليّ بن أحمد بن مكّي الرازيّ الورديّ وكان فقيهاً فاضلاً. ثمّ ولي بعده تدريسها الإمام الفاضل رضي الدين محمّد بن محمّد بن محمّد أبو عبد الله السَرَخْسيّ صاحب كتاب المحيط كان قد قدم حلب فولاّه نور الدين محمود بن زنكي التدريس بالمدرسة وكان في لسانه لكنة فتعصّب عليه جماعة من الفقهاء الحنفيّة بحلب وصغّروا أمره عند نور الدين وكانت وفاته يوم الجمعة آخر جمعة في شهر رجب سنة إِحدى وسبعين وخمسمائة. فكتب نور الدين إلى عالي بن إبراهيم ابن إِسماعيل الحنفيّ أبي عليّ الغَزْنَويّ البلقيّ وكان بالموصل في الوصول إلى حلب ليولّيه تدريس المدرسة واتّفق أن أبا بكر بن مسعود بن أحمد الكاسانيّ الملقّب علاء الدين أمير كاسان وكاسان بلدة من فَرْغانة سُيّر رسولاً من الروم إلى نور الدين فعرض عليه المقام بحلب والتدريس بالمدرسة الحلاّويّة فأجابه إلى ذلك ووعده أن يعود إلى حلب بعد ردّ الجواب بالرسالة فعاد إلى الروم ثمّ قدم حلب واتّفق قدومه وقدوم عالي الغَزْنَويّ من الموصل فولي عالي التدريس بالمدرسة الحلاّويّة يوماً واحداً ثمّ أنّ نور الدين استحيا من علاء الدين الكاساني فاستدعى بابن الحليم مدرّس مدرسة الحدّادين إلى دمشق وولى عالي الغَزنَويّ مكان ابن الحليم ثمّ ولي علاء الدين تدريس الحلاويّة ولم يزل علاء الدين بها إلى أن تُوفي يوم الأحد بعد الظهر عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة وكان من ذوي التحصيل والتفريغ والتأصيل صنّف التصانيف البديعة في أحكام الشريعة والكتب التي سار في الآفاق ذكرها واستوى في شياعها خَبرها وخُبرها. وولي التدريس بعده الإمام افتخار الدين عبد المطّلب بن الفضل بن عبد المطلّب بن عبد الملك بن صالح بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس صاحب الرواية العالية الفاخرة والدراية الزاهية الزاهرة شرح الجامع الكبير شرحاً مستوفى وقام بما شُرط فيه ووّفى ولم يزل مدرّساً إلى أن تُوفي في جمادي الآخرة من سنة ستّ عشرة وستمائة. فولي تدريس المدرسة بعده ولده الإمام العلاّمة تاج الدين أبو المعالي الفضل وكان قد جمع بين العلم والكرم وأصبح فيها كنار على علم ولم يخلُ من كان بحلب أو دخلها من الفضلاء والمستفيدين من فوائده ولا عطل جيّد واحد منهم من بوادئ جوده وعوائده خلع في يوم تدريسه عشرين خلعة على من حضر درسه من متميّزي الفقهاء واستمرّ مدرّساً معظّم المكانة إلى أن توفيّ فجأةً في أواخر سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة. فولي تدريسها بعده في أوائل سنة أربع وثلاثين الصاحب الإمام العلاّمة جامع أشتات الفضائل المبرّز في معلوماته على الأواخر والأوائل المضيف إلى عالي الرواية عظيم الدراية الوافر الحظّ من حسن الخطّ المحرّر لما يرويه بالإتقان والضبط جمع خطّه بين تحرير الأصول ورونق الجمال وحاز فيه قصب السبق فأضحى يُباري ابن هلال وحقّق نعته أنّ الأسماء تنزل من السماء حين لُقّب بالكمال كمال الدين أبو القاسم عمر بن قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة المعروف بابن العديم ولم يزل مستمرّاً على تدريسها إلى أن قصد دمشق في خدمة السلطان الملك الناصر فولي تدريسها استقلالاً ولده الإمام العلاّمة الزاهد العابد الخطيب قاضي القضاة مجد الدين أبو المجد عبد الرحمان لما جُمع له من العلم والعمل وارتوى من الرواية التي في علوّها المشايخ الأوّل وانقضت الدولة الناصريّة الدولة الناصريّة وهو بها
стр. 40
مدرّس ولقواعد المذهب فيها مؤسّس ثمّ دخل مصر مع من كُتب عليه الجلاء من أهل حلب.
المدرسة الشاذْبَخْتيّة - أنشأها الأمير جمال الدين شاذْبَخْت الخادم الهنديّ الأتابكيّ كان نائباً عن نور الدين محمود بحلب ولما تمّت استدعى من سِنجار نجم الدين مسلم بن سلامة ليولّيه تدريسها فأمره الملك الظاهر بأن يولي موفّق الدين بن النّحاس فكان أوّل من درّس فيها الفقيه الإمام العالم موفّق الدين أبو الثناء محمود بن هبة الله بن طارق النّحاس الحنفيّ ولم يزل متولّياً تدريسها إلى أن تُوفي يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستّمائة بتلّ عبدة من أعمال حرّان عائداً من رسالة حملها لصاحب تَبْريز من جهة الملك الظاهر ونُقل إلى حلب فدُفن بها وكان عالماً في الخلافيّات حسن المناظرة منصف في المحاورة. وتولّى تدريسها بعده القاضي شمس الدين محمد بن يوسف ابن الخضر المعروف بابن القاضي الأبيض قاضي العسكر العادليّ ولم يزل مدرّسا بها إلى أن تُوفي ليلة الخميس سابع عشر شهر رمضان سنة أربع عشرة وستّمائة. وتولّى تدريسها بعده الصاحب كمال الدين أبو القاسم عمر بن أبي جرادة ولم يزل مدرّساً بها وولده مجد الدين عبد الرحمان ولم يزل ينوب عن والده إلى أن استقلّ بها أخوه جمال الدين محمّد ولد الصاحب كمال الدين إلى أن كانت فتنة التتر سنة ثمان وخمسين.
المدرسة الأتابكيّة - أنشأها شهاب الدين طُغْريل الأتابك عتيق الملك الظاهر غياث الدين غازي نائب السلطنة بقلعة حلب ومدبّر الدولة بعد وفاة معتقه. انتهت عمارتها في سنة ثمان عشرة وستّمائة. وأوّل من درّس فيها الشيخ الإمام العام جمال الدين خليفة بن سليمان بن خليفة القرشيّ الحورانيّ الأصل ولم يزل بها إلى أن توفي في الرابع والعشرين من شوّال سنة ثمان وثلاثين وستمّائة وكان فقيهاً عالناً تفقّه إلى علاء الدين الكاسانيّ ووليها من بعده مجد الدين عبد الرحمان بن كمال الدين بن العديم ولم يزل بها إلى أن خرج من حلب فرارّا من التتر إسوة بأهل بلده وأحرقت في زمان التتر وهي داثرة الآن.
المدرسة الحدّادية - أنشأها حُسام الدين محمّد بن عمر بن لاجين بن أخت صلاح الدين كانت من الكنائس الأربع اّلتي ذكرها فهدمها وبناها بناءً وثيقاً. وأول من درّس بها الفقيه الإمام الحسين بن محمّد بن أسعد بن حليم المعغوتب المجّم وكان فقيهاً عالماً متأدباً ولم يزل بها إلى أن استدعاه نور الدين إلى دمشق. وولي مكانه عالي بن إبراهيم بن إسماعيل الغَزْنَويّ البلقي ولم يزل بها إلى أن توفي إما سنة إحدى أو اثنين وثمانين وخمسمائة وقال مقرّب الدين أبو جعفر عمر بن قُشّام: تُوفيّ عالي سنة خمس وثمانين وخمسمائة وهذان القولان حكاهما كمال الدين بن العديم في تأريخه. ثم وليها بعده موفّق الدين أبو الثناء محمود بن طارق النحّاس الحلبيّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفيّ في السنة الّتي قدّمنا ذكرها عند ذكره في الشاذْنَجْتيّة. ثمّ وليها بعده ولده كمال الدين إسحاق ولم يزل بها مدرساً إلى أن تُوفيّ ليلة الأربعاء مستهلّ شعبان سنة أربع وأربعين وستّمائة. ووليها بعده الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الواحد الأنصاريّ ولم يزل بها مدرّساً إلى أن تُوفيّ يوم الخميس سادس عشر شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة. ووليها بعده ولده فخر الدين يوسف ولم يزل إلى أن قتلته التتر عند استيلائهم على حلب.
стр. 41
المدرسة الجُرْديكيّة - أنشأها الأمير عزّ الدين جُرديك النوريّ بالبلاط في سنة تسعين وخمسمائة وانتهت في سنة إحدى. وأول من ولي تدريسها الشيخ مقرّب الدين أبو حفص عمر بن عليّ بن محمّد بن فارس بن عثمان بن فارس بن محمّد بن قُشّام التميميّ الحنفيّوكان قد تفقّه على الإمام عبد الرحمان الغَزْنَوي وعلى علاء الدين الكاساني ولم يزل مدرساً بها إلى أن تُوفيّ ليلة السبت الثاني من جمادى الآخر سنة ثلاث وعشرين وستمائة وكان مولده ليلة الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ثمّ ولي تدريسها بعده نجم الدين عمر بن أبي يَعْلي عبد المنعم بن هبة الله الرَعْباني ويُعرَف بابن أمين الدولة ولم يزل بها إلى أن عزل نفسه إما في سنة ثلاث أو أربع وأربعين وانقطع في بيته ولم يزل منقطعاً في بيته إلى أن قُتل في بيته عند استيلاء التتر على حلب. ثمّ وليها بعده صفيّ الدين عمر ابن زُقزُق الحَمَويّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن جدّد الطواشي مرشد المظفّريّ بحماه مدرسةً فاستدعاه فتوّجه إليه في سنة اثنتين وخمسين وستّمائة وتولّى بعده محيي الدين محمّد بن يعقوب بت إبراهيم بن النحّاس ولم يزل إلى أن انقضت الدولة الناصريّة.
المدرسة المُقَدَّميّة - أنشأها عزّ الدين عبد الملك المقدّم وكانت أحد الكنائس الأربع التي صيّرها القاضي أبو الحسن بن الخشّاب مساجد في سنة ثمان عشرة وخمسمائة وأضاف إليها داراً كانت إلى جانبها وابتُدئ في عمارتها في سنة خمس وأربعين وخمسمائة. وأوّل من درّس بها برهان الدين أبو العباّس أحمد بن عليّ الأصوليّ المقدّم ذكره. ثمّ وليها بعده السيّد الشريف الإمام العالم افتخار الدين عبد المطّلب بن الفضل الهاشميّ المقدّم ذكره في المدرسة الحلاّويّة ولم يزل بها إلى أن تُوفيّ. ووليها بعده ولده أبو المعالي الفضل ولم يزل بها إلى أن تُوفيّ. وتولاّها بعده شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الواحد الأنصاري ولم يزل بها إلى أن تُوفيّ. ووليها بعده افتخار الدين أبو المفاخر محمّد بن تاج الدين أبي الفتح يحيى بن القاضي أبي غانم محمّد بن أبي جرادة المعروف بابن العديم ولم يزل بها مدرساً إلى أن قُتل عند استيلاء التتر على حلب.
المدرسة الجاوُليَّة - أوّل من درّس بها الشيخ الإمام العالم غلاء الدين أبو بكر بن مسعود أحمد أمير كاسان الكاسانيّ المقدّم ذكره ولم يزل بها مدرّساً إلى أن تُوفيّ. فوليها بعده الشيخ جمال الدين خليفة بن سليمان بن خليفة القرشيّ المقدّم ذكره إلى أن مات. فوليها بعده نجم الدين أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن خُشّنام الكرديّ الهكّاريّ المعروف بالحلبيّ ولم يزل بها مدرّساً إلى أن كانت فتنة التتر فقُتل فيها.
المدرسة الطُمانيّة - أنشأها الأميرُ حسام الدين طُمان النوريّ. أوّل من درّس بها السيّد الشريف افتخار الدين عبد المطلّب ثمّ أثر بها أبا حفص عمر بن حَفّاظ بن خليفة بن حَفَّاظ المعروف بابن العقّاد الحمويّ أحد طلبة علاء الدين الكاساني ثمّ سافر عنها فوليها شهاب الدين أحمد بن يوسف المقدّم ذكره ولم يزل بها إلى أن رحل إلى بغداد في سنة اثنتين وثلاثين وستّمائة فوليها بعده ضياء الدين محمد بن ضياء الدين عمر بن حفّاظ المعروف بالنحويّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفي في سنة اثنتين وأربعين وستّمائة. فوليها بعده شمس الدين محمد الماردانيّ ثمّ رحل عنها فوليها الإمام الأجلّ نجم الدين عبد الرحمان بن إدريس بن حسن الخلاطيّ مولداً الحلبيّ منشأ وعليه انقضت الدولة الناصريّة.
المدرسة الحُساميّة - أنشأها الأمير حسام الدين محمود بن خُتْلو والي حلب كان. أوّل من درّس بها الشيخ بدر الدين يعقوب بن إبراهيم بن محمد بن النحّاس الحلبيّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفي سنة سبع وثلاثين وستّمائة فوليها بعده ولده محيي الدين محمد ولم يزل بها إلى انقضاء دولة الملك الناصر.
стр. 42
المدرسة الأسديّة تجاه القلعة - أنشأها بدر الدين الخادم عتيق أسد الدين شيركوه كانت داراً يسكنها فوقفها بعد موته. أوّل من درّس بها صائن الدين أيوب بن خليل بن كامل ولم يزل بها إلى أن تُوفي غُرّة شعبان من سنة ثلاث وخمسين وستّمائة فوليها بعده قطب الدين محمد بن عبد الكريم بن عبد الصمد ابن هبة الله بن أبي جرادة ولم يزل بها إلى أن تُوفي فوليها بعده الشيخ مجد الدين أبو محمد الحسن بن أحمد بن هبة الله بن أمين الدولة ولم يزل بها إلى أن قُتل في وقعة التتر عند أخذهم حلب.
المدرسة القليجيّة - أنشأها الأمير مجاهد الدين محمد بن شمس الدين محمود بن قِليج النوريّ وانتهت عمارتها سنة خمسين. وأوّل من درّس بها الشيخ مجد الدين الحسن المقدّم ذكره جامعاً بينها وبين المدرسة الأسديّة وعليه انقرضت الدولة الناصريّة.
المدرسة الفُطنيسيَّة - أنشأها سعد الدين مسعود بن الأمير عزّ الدين أيبك المعروف بفُطَيْس عتيق عزّ الدين فرُّخشاه بن شاهنشاه بن أيّوب صاحب بعلبكّ كانت داراً يسكنها فوقها بعد عينه مدرسةً وتُوفي المذكور في سنة تسع وأربعين وستّمائة. أوّل من درّس بها أحمد بن محمد بن يحيى القراؤليّ الماردانيّ المعروف بالفصيح وعليه انقضت الدولة الناصريّة.
؟ المدارس الحنفيّة التي بظاهر حلب
المدرسة الشاذْبختيّة - قد تقدّم لنا اسم بانيها. أوّل من درّس بها موفّق الدين أبو الثناء محمود بن النحّاس باعتبار شرط الواقف أن من درّس في الجوّانيّة كان إليه التدريس في البرّانيّة إلاّ أن يرى الناظر أن يفرق بينهما ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفي في التاريخ الّذي قدّمنا ذكره. ثمّ وليها بعده صفيّ الدين محمد بن أحمد بن يوسف الأنصاريّ السلاويّ ولم يزل بها مدرّساً إلى أن مات في شهر رجب سنة ستّ عشرة وستّمائة فوليها بعده ولده شمس الدين محمّد ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفي. فوليها بعده نجم الدين أحمد بن الصاحب كمال الدين بن العديم ولم يزل مدرّساً بها إلى أن مات ببلاد الروم وحُمل إلى حلب فدُفن بها سنة ثمان وثلاثين وستّمائة. فوليها افتخار الدين أبو المفاخر محمد بن يحيى بن محمد بن جَرادة المعروف بابن العديم وعليه انقرضت الدولة وقُتل بحلب.
المدرسة الأشوديّة - أنشأها الأمير عزّ الدين أشود التركمانيّ الياروقيّ. أوّل من درّس بها صفيّ الدين خليل الملقّب بالزُقْزُق الحمويّ ثمّ رحل عنها فوليها بعده شمس الدين محمد الزَرْنيخيّ ثمّ رحل عنها فوليها صائن الدين أيّوب ابن خليل بن كامل المعروف بابن أخت الجمال خليفة ثمّ خرج عنها ودرّس فيها بعده بدر الدين محمد بن يحيى المعروف بالغَوْريّ.
المدرسة السيفيّة بالحاضر - أنشأها الأمير سيف الدين عليّ بن الأمير علم الدين سليمان بن جندر. أوّل من درّس بها عزّ الدين محمد بن أبي الكرم بن عبد الرحمان السنجاريّ انتقل إلى حلب سنة ثمان وتسعين وخمسمائة فتولّى تدريس المدرسة المذكورة ثمّ خرج منها إلى دمشق وأقام بها إلى أن تُوفي سنة ستّ وأربعين بعد أن تولّى نيابة الحكم بها سنة سبع عشرة. فوليها بعد خروجه شرف الدين أبو بكر بن أبي بكر الرازيّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفي سنة ستّ وعشرين وستّمائة فوليها بعده نجم الدين أحمد بن شمس الدين محمد بن يوسف وقد تقدّم ذكر والده ولم يزل بها مدرّساً إلى أن مات قريباً من فتنة التتر.
المدرسة البُلْدُقيّة بالحاضر - قد تقدّم اسم بانيها. أوّل من درّس بها رشيد الدين المعروف بتكملة ثم رحل عنها إلى دُنَيْسَر فوليها بعده شمس الدين محمد بن مصطفى الماردانيّ ولم يكن من ماردان وإنّما هو من خلاط ثم خرج عنها إلى الروم فوليها بعده شرف الدين عمر بن العفيف شيخ خانقاه المقدّم وعليه انقرضت الدولة.
مدرسة النقيب أنشأها السيّد الشريف النقيب عزّ الدين أبو الفتوح المرتضى بن أحمد الإسحاقيّ المؤتمنيّ الحسينيّ على جبل جَوْشَن كان أولاً قد أنشأها مشهداً فصيّره مدرسةً ووقف عليها وقفاً ودرّس فيها سنة أربع وخمسين وستّمائة.
стр. 43
المدرسة الدقّاقيّة - أنشأها مهذّب الدين أبو الحسن عليّ بن فضل الله بن الدقّاق على الفيض. أوّل من درّس بها رشيد الدين المعروف بتَكْمِلة وذلك في سنة ثلاثين وستّمائة ثمّ رحل عنها إلى دُنَيْسَر فوليها بعده برهان الدين إسحاق التركمانيّ ولم يزل بها إلى أن رحل عنها إلى دمشق فوليها بعده شمس الدين الماردانيّ فقوّضها لصهره بدر الدين محمّد الكنجيّ ثم رحل عنها بدر الدين فقوّضها شمس الدين لفخر الدين عبد الرحمان بن إدريس بن حسن الخِلاطيّ وعليه انفضت الدولة الناصريّة.
المدرسة الجماليّة - أنشأها جمال الدولة إقبال الظاهريّ. أوّل من درّس بها شمس الدين عيسى الدمشقيّ ولم يزل بها إلى أن تُوّفي. فوليها بعده جمال الدين يوسف إلى أن مات فوليها قطب الدين محمد بن عبد الكريم بن عبد الصمد المعروف بابن العديم المقدّم ذكره إلى أن مات فوليها بعده نجم الدين سالم بن قُريش المقدّم ذكره إلى أن تُوفي فوليها بعده قاضي البُلسْتَيْن من بلاد الروم ولم يزل بها إلى أن مات فوليها بدر الدين محمد بن نجم الدين أبي الحسن عليّ ابن إبراهيم المعروف بابن خُشْنا وعليه انقرضت الدولة.
المدرسة العلائيّة - أنشأها علاء الدين عليّ بن أبي الرجاء شادّ ديوان الملكة ضيفة خاتون بنت الملك العادل لم أقف لها على ذكرٍ لمن درّس بها.
المدرسة الكماليّة العديميّة - أنشأها الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة المعروف بابن العديم شرقيّ حلب وبنى إلى جوارها تربةً وجوسقاً وبستاناً. ابتدئت عمارتها سن تسع وثلاثين وستّمائة وتمّت في سنة تسع وأربعين ولم يدرّس بها أحد لأنّ الدولة الناصريّة انقرضت قبل استيفاء غرضه فيها.
المدرسة الأتابكيّة - أنشأها الأتابك شهاب الدين طُغْرِيل الظاهريّ المقدّم ذكره تمّ بناؤها في سنة عشرين وستّمائة. وأوّل من درّس بها صفيّ الدين عمر الحمويّ ولم يزل بها إلى أن توّجه إلى حماه ووليها بعده نظام الدين محمد بن محمد بن عثمان البخليّ الأصل البغداديّ المولد والمنشأ ولم يزل بها إلى أن تُوفي بحلب ليلة الأربعاء تاسع وعشرين جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وستّمائة وكان مولده في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة فوليها بعده ولده تقيّ الدين أحمد ولم يزل بها إلى أن يُقتل في فتنة التتر ثمّ وليها في الأيّام الظاهريّة الفقيه فخر الدين عبد الرحمان بن إدريس بن حسن ثمّ خرج عنها إلى ديار مصر.
ذكر ما بحلب من مدارس المالكيّة والحنابلة
مدرسة أنشأها الأمير سيف الدين عليّ بن عَلَم الدين سليمان بن جندر تحت القلعة لتدريس مذهبي مالك وأحمد بن حنبل.
زاوية بالجامع وقفها الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي لتدريس مذهب مالك.
زاوية بالجامع للحنابلة وقفها نور الدين أيضاً.
ذكر أدر الحديث بحلب
فالذي منها في باطنها: زاوية بالجامع ودار أخرى وكلاهما وقف الملك العادل.
ودار أخرى أنشأها القاضي بهاء الدين بن شدّاد.
ودار أخرى أنشأها مجد الدين ابن الداية.
ودار أخرى أنشأها بدر الدين الأسديّ.
ودار أخرى أنشأتها أمّ الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود في الخانقاه التي بنتها.
والذي منها في ظاهرها: زاوية في الفردوس التي قدّمنا ذكرها.
وتربة الملك الأفضل نور الدين عليّ بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف من وقفه.
ودار أخرى أنشأها الصاحب مؤيّد الدين إبراهيم بن يوسف القِفْطيّ كانت قديماً تُعرف بالبدوية تجاه الفردوس.
الباب الثالث عشر في
ذكر ما بحلب وأعمالها من الطلسمات والخواص ّ
حكى لي الشيخ شرف الدين أبو طالب عبد الرحمان بن عبد الرحيم بن عبد الرحمان بن العجميّ المنعوت بشيخ الطائفة عن أسلافه أنّه لم يكن البعوض وهو المسمّى بالبقّ يوجد بمدينة حلب ولا يُعهَد منه شيء إلى أن اتّفقت عمارة نور الدين محمود بن زنكي للفصيل بحلب وتحرير الخندق ففُتحت طاقة أفضت إلى مغارة كانت مسدودةً فخرج منها بقّ كثير وكانت ناحيتها في جانب قلعة الشريف ومن ذلك اليوم ظهر البقّ بحلب وكان الإنسان إذا أخرج يده من داخل السور إلى خارجه سقط البقّ على يده فإذا أعادها من حيث خرجت ارتفع عنها البقّ.
وبباب الجنان طلسم للحيّات في برج يسمّى برج الثعابين لا تضرّ معه بحلب حيّة وإن لسعت.
стр. 44
وبباطن حلب عمود يُسمّى عمود العُسر حكى لي جماعة من أهل حلب أن هذا العمود يُنْتَفع به من عُسر البول فإذا أصاب الإنسان أو الدابّة هذا الداء دير به حوله فيبرأ.
وقال كمال الدين بن العديم في كتاب الربيع تأليف غرس النعمة أبي الحسن محمّد بن هلال الصابئي وقال وحدّثني أبو عبد الله بن الإسكافي كاتب البساسيريّ في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قال: احترق بمدينة حلب عام أوّل برج من أبراج سورها فحكى ذلك للمستنصر خادم كان له بحلب فقال: إن كنت صادقاً ففي هذه السنة يُخطَب لنل بالعراق وذلك عندنا في كتبنا. قال أبو عبد الله: وأتفق لنل ذلك وأقمنا الخطبة في ذي القعدة من سنة خمسين.
ولمّا حُفر بالمسجد الجامع الموضع الّذي بُني فيه المصنع وُجد فيه صورة أسد من الحجر الأسود وهو موضوع على بلاط أسود ووجهه إلى جهة القبلة فاستخرجوه من مكانه فجرى بعد ذلك ما جرى من خراب الجامع إمّا بالزلزلة وإما بالحريق.
قلتُ: قد وقع مثل ذلك في زماننا في أيام دولة الملك العزيز محمّد بن الملك الظاهر غياث الدين وأتابكه ومدبّر دولته شهاب الدين طُغْريل الخادم الظاهريّ طُغْريل بالقلعة داراً ليسكنها فلمّا حُفر أساسها ظهر فيما حُفر صورة أسد من حجر أسود فأزالوه عن موضعه فسقط بعد ذلك الجانب القبليّ من سور القلعة وانهدمت قطعة كبيرة وقد تقدّم لنا بناء هذه الثلمة الّتي تهدمت فيما سلف عند ذكر القلعة.
وفي أعمال حلب ضيعة تُعرَف بعين جارا وبينها وبين الُهوتة حجر قائم كالتَخْم بين أرض الضيعتَيْن فربّما وقع بين أهل الضيعتَيْن شرّ فيكيدهم أهل الهوتة بأن يطرحوا ذلك الحجر القائم فكلّما يقع يخرج أهل الضيعتَيْن من النساء متبرّجات ظاهرات لا يعقلن بأنفسهنّ طلباً للجماع ولا يستقبحن في الحال ما هنّ عليه من غلبة الشهوة إلى أن يتبادر الرجال إلى الحجر فيعيدونه إلى حالته الأولى فيتراجعن النساء إلى بيوتهنّ وقد عاد إليهنّ التمييز لقبيح ما كمنّ عليه من التبرّج. وهذه الضيعة كان سيف الدولة أقطعها أبا عليّ أحمد بن نصر البازيار وكان أبو عليّ يتحدّث بذلك ويسمعه من الناس وقد ذكر هذه الحكاية المحسن بن عليّ التَنوخيّ. والقرية تُعرَف في زماننا هذا بالهوتة لأنّ بها مكاناً منخفضاً كأنّه بركة ولم تزل هذه القرية في إقطاع بني الخشَّاب إلى أن ملك الملك الصالح بن الملك العادل نور الدين محمود بعد وفاة والده وقُتل أبو الفضل ابن الخشّاب فقُبضت فيما قُبض من أملاكهم وإقطاعاتهم. فلّما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين حلب سنة تسع وسبعين ردّ عليهم أملاكهم وأقطع هذه القرية مجد الدين بن الخشّاب. فلّما تُوفي أقطعها بهاء الدين الحسن بن إبراهيم ابن الخشّاب ولم تزل في يده إلى أن تُوفي في سنة ثمان وأربعين وستّمائة. وحكى لي رحمه أنه دامت في يده نيّفاً وأربعين سنة ما خرج إليها خوفاً من أهلها لأنّهم لصوص ومن أن يُحرَّك هذا العمود فأرى ما لا يحلّ لي من تبرّج النساء. ثمّ أقطعت لكمال الدين بن العديم ولم تزل في يده إلى أن استولت التتر على حلب.
وعلى سبعة أميال من منبج حمّة عليها قبّة تسمّى المدير وعلى شفيرها صورة رجل أسود تزعم النساء أنّ كلّ من لا تحبل منهنّ إذا حكّت فرجها بأنف تلك الصورة حبلت.
وذكر الشريف أبو المحاسن بن أبي حامد محمّد بن أبي جعفر الهاشميّ من أولاد عيسى بن صالح أنّه وقف على تأريخ لبعض أجداده ذكر فيه حوادث سنة سبع وستّين وأربعمائة أنّه ظهر بإنطاكية طلسم في جرن على صور الأتراك من نحاس فما حال الحول حتّى ملكها الأتراك. ووُجد الطلسم في دير على بابها وحكى ابن العظيميّ في تأريخه في حوادث سنة سبع وستين وأربعمائة: زُلزِلت أنطاكية وفتح سليمان بن قُطُلْمُش نيقية وأعمالها وظهر بأنطاكية طلسم الأتراك في دير الملك على باب أنطاكية سبعة أتراك من نحاس أتراك من نحاس على خيل نحاس بجعابهم فما حال الحول حتّى فتحها الأتراك. وفي هذا نظر لأنّ سليمان بن قُطُلْمُش فتح إنطاكية في سنة سبع وسبعين اللهمّ إلاّ أن يكون ابن العظيميّ أراد سبع وستّين فغلط بعقد العشرة. وقد ذكر هذه الحكاية حمدان بن عبد الرحيم الأثاربيّ في أخبار الفرنج أنّ أنطاكية خربتها زلزلة عظيمة قبل فتحها وذلك سنة سبع وسبعين.
стр. 45
وحكى القاضي حسن بن الموج الفرعيّ قال: كنتُ قد هربتُ من المجنّ الفوعيّ رئيس حلب إلى أنطاكية وخدمتُ وزير يغي سيان فتركني على عمارة السور وكان قد تهدّم بزلزلة فحُفر أساس بعض الأبراج ونُزل فيه على آخر دمسٍ فوُجد جرن قد انكسر وعليه طابق فكُشف فوُجد فيه سبعة أشخاص من نحاس على أفراس من نحاس عل كلّ واحدٍ ثوب من الزرد معتقلاً ترساً ورمحاً فَحُملت إلى بين يدي الأمير يغي سيان فأحضر مشايخ البلد وسألهم عن الأشخاص فقالوا: لا نعلم غير أنّا نحكي للأمير ما يقارب ذلك لنا دير يُعرّف بدير الملك واسع الهواء فعاب علينا في سنة سبع وسبعين وأربعمائة فتكسّر أكثر خشبه فنقضناه وطلبنا خشباً آخر على مقداره فلم نجد فأشار علينا بعض الصنّاع بتقديم البناء فحفرنا أساساً فلمّا انتهينا إلى أسفله وجدنا أشخاص أتراك من نحاس في أوساطهم القسيّ والنشّاب فلم نحتفل بذلك وعمرنا الحائط فما مضى غير مدّة قصيرة حتى سرق المدينة سليمان بن قُُطُلْمُش في السنة بعينها في أوّل شعبان.
وبناحية الجَزر قرية تُسمّى يَحْمول لا يوجد بأرضها عقرب أصلاً وحكى جماعة من فلاّحيها أنّهم يخرجون في بعض الأوقات يحتطبون بالجبل الأعلى فيأتون بالحطب إلى يَحمول فرّبما تعلّق بالحطب من الجبل عقرب فمتى دخل بها القرية ماتت. ومن العجب أنّ إلى جانب هذه القرية قريتين يُقال لأحدهما الكفر والأخرى بيت رأس وبين جدار هذه وهذه مقدار شوط فرس وفي كلّ واحد منهما من العقارب شيء كثير.
وناحية شيح الحديد لا توجد بها عقرب أصلاً وإنّ الرجل من أهل شيح إذا غسل ثوبه في ماء شيح ثمّ خرج إلى موضع آخر فوضع على ثوبه ماء وعصره وشرّبه من لَدَغَتْه عقرب بريء من وقته وإن قطرت منه قطرة على عقرب ماتت لوقتها وشيح هذه قرية لها كورة وفيها والٍ وهي من أعمال العمق وكانت قديما تُعدّ في أعمال أنطاكية وبها كان مقام يوسف بن أسباط ﵇.
وبشرقي حلب من ناحية الجبل قرية خربة تُعرف بجُبّ الكلب وهي إلى جانب قرية قُبثان الجبل بها بئر ينفع من عضّة الكلب متى نظر المعضوض إلى مائة أو شرب منه أو اغتسل برئ وقُبثان المذكورة وهذه القرية وتلّ أركين متجاورة جارية في ملك الشيخ منتجب الدين أبي المعالي أحمد بن الإسكافيّ. وحكى لي أنّ والده حكى له عن جدّه أنّه لمّا ملك جبّ الكلب كان يتردد إليها الناس للتداوي إلى أن رمت امرأة في البئر خرقة حيض فبطلت منفعته في حدود الخمسمائة وكانت علامة حصول النفع به أنّ المعضوض إذا أبصر النجوم في مائه برئ وإن لم ينفعه سمع نبيح الكلام وإنّه متى رأى النجوم يبول بعد تمام الأسبوع ثلاث جراءً مصوّرةً بأذنابها ورؤوسها. ويُذكر في سبب زوال هذه الخاصيّة منه أن ملك حلب الملك رضوان بن تاج الدولة تُتُش عوّل على توسيع فمه وكان ضيّقاً عليه أربعة أعمدة تمنع أن يُنزل فيه فقال: نعمله حتى يكون الإنسان ينزل إليه ولا يقلّب عليه. فقيل له أنّ هذه الطلسمات لا يجب أن تُغيَّر عن كيفيّاتها فلم يقبل ففتحه فزال عنه ما كان يزيل الأذى وكان يقال إنّ ذلك في سنة ستّ وتسعين وأربعمائة.
وبقرية من جبل السمّاق يقال لها كفر نجد بئر يقصده من دخل في حلقه علقة فشرب منه وطاف حوله سبع مرّات وقعت والخاصيّة فيه إن الإنسان يشرب ماءه بحيث أن يسقط من الماء في البئر ومتى لم يشربه كذلك لم ينفعه وقد شاهدتُ ذلك.
وبمعرّة النعمان عمود فيه طلسم للبقّ وذكر أهل المعرّة أنّ الرجل كان يخرج يده وهو على سور المعرّة إلى خارج السور فيسقط عليه البقّ فإذا أعادها زال عنها وأخبر رجل من أهل المعرّة قال: رأيت أسفل عمود في دار كنتُ بها في معرّة النُعمان ففتحتُ موضعه لأستخرجه فانخرق إلى مغارة فأنزلتُ إليها إنساناً ظنّاً أنّه مطلب فوجدناه مغارةً كبيرة ولم نجد فيها شيئاً ورأيت في الحائط صورة بقّة فمن ذلك اليوم كثر البقّ في معرّة النعمان. وذكر أهل المعرّة أنّ حيّاتها لا تؤذي إذ لدغت كما يؤذي غيرها. وقال كمال الدين: سمعتُ إبراهيم ابن الفهم رئيس المعرّة يقول: إن العمود القائم في مدينة المعرّة هو طلسم الحيّات وهذا العمود قائم مستقرّ على قاعدة بزبرة حديد في وسطه يُميّله الإنسان فيسيل وكذلك حاله مع الريح القويّة ويضع الناس تحته إذا مال الجوز واللوز فينكسر.
стр. 46
وفي ذيل جبل بني عُلَيْم قرية يقال لها نحلة فيها مقابر يُشاهد عليها نور في الليل فإذا قصدها القاصد وقرب منها لا يشاهد شيئاً من النور أصلاً وقد شاهدتُ ذلك دفعات وعلى هذه المقابر كتابة بالروميّة وحكى القاضي بهاء الدين أبو الحسن بن إبراهيم بن الخشّاب ﵀ أنّ الأمير سيف الدين عليّ بن قليج النوريّ أمر بأن تُنقَل تلك الكتابة ودفعها إلى بعض علماء الروم بحلب فترجمها وان فيها: هذا النور موهبة من الله العظيم لنا أو ذكر كلاماً نحو هذا وفيه زيادة عليه. وقرأت في تأريخ كمال الدين أبي القاسم عمر المعروف بابن العديم قال: حضرت بقلعة الراوندان عند الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف فحكى لي أنّ عنده بعمل الراوندان قرية وأشار بيده نحو العرب وقال: هي في ذلك المكان وأنّه يُشاهد فيها نور ساطع إمّا في ليلة الجمعة أو في ليلة سواها ينظر إليه من كان خارجاً عن القرية حتّى إذا قصدها وقرب منها لم ير شيئاً.
ذكر الحمّات الّتي يُنتَفَع بمائها في أعمال حلب
منها حمّه بالسخنة من أعمال قنّسرين ماؤها في غاية الحرارة ينتفعون بها من البلغم والريح والجرب.
وبناحية العمق حمّة أخرى قال ابن أبي يعقوب في كتاب البلدان.
وبكورة الجُومة من أعمال قنّسرين عيون كِبريتيّة تجري إلى الحمّة.
والحمّة بقرية يقال لها جِنْدراس ولها بنيان عجيب معقود بالحجارة يأتيها الناس من كلّ الآفاق فيسبحون فيها للعلل الّتي تصيبهم ولا يُدرى من أين يجيء ماؤها ولا أين يذهب.
طُرف ممّا وُجد مكتوب على أحجار وغيرها بأعمال حلب ونواحيها رأيت إلحاقها بهذا الباب ليكون فيه تذكرة لمن وقف عليه وتبصرة لمن شاقته المطالعة إليه.
وُجد بقنّسرين حجر مزبور مكتوب فيه بالعبرانيّة:
إذا كانَ الأَميرُ وَصاحِباهُ ... وَقاضِي الأَرْضِ يَدْهَنُ في القَضاءِ
فَوَيْلٌ لِلأَمِيرِ وَصاحِبَيْهِ ... وَقاضِي الأَرْضِ مِنْ قاضِي السَماءِ
ونُبش قبر بإنطاكية فأُصيب فيه صفيحة نحاس فيها مكتوب بالعبرانيّة فأتوا بها إلى إمام إنطاكية فبعث إلى رجل من اليهود فقرأه فإذا فيه: أنا عَوْن بن أرميا النبيّ بعثني رّبي إلى إنطاكية أدعوهم إلى الإيمان بالله تع فأدركني فيها أجلي وسينبشني أسود في زمان أمّة أحمد. وكان الذي نبشه أسود. كذا حكاه كمال الدين بسنده وروى عن ابن عبّاس رضه أن الكنز الذي جاء ذكره في القرآن كان بإنطاكية وهو لوح من ذهب مكتوب في أحد جانبيه: لا إله إلاّ الله الواحد الصمد) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (. وكان في الجانب الآخر: عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح وعجباً لمن أيقن بالنار كيف يضحك وعجباً لمن رأى الدنيا وتقلّبها بأهلها ثمّ هو يطمئنّ إليها وعجباً لمن أيقن بالحساب غداً ثمّ لا يعمل.
وقد ورد فيما كان مكتوباً على اللوح خلاف بين المفسّرين هذا الذي ذكرناه أتّمه.
الباب الرابع عشر في
ذكر ما بباطن حلب وظاهرها من الحمّامات
فممّا بباطنها: الحمّام الجديد.
الحمّام السلطانيّة بباب أربعين.
حمّامان بالمَعْقليّة.
حمّامان لمحيي الدين بن العديم.
حمّامان للناصح.
حمّماما الفرقانيّ.
حمّام أنشأه القاضي جمال الدين.
حمّام حُسام الدين بباب أربعين.
حمّام الواسانيّ.
حمّاما عليّ بالمدبغة.
حمّاما الستّ.
حمّاما الحدّادين.
حمّاما القبّة.
حمّام الزّجاجين إنشاء ابن العجميّ.
حمّاما السباعيّ.
حمّام بدرب أتابك.
حمّام العفيف برأس الدلبة.
حمّام الشريف.
حمّام الوزير.
حمّام الشمّاس.
حمّام الوالي بالَجلّوم.
حمّام الصفيّ بالعقبة.
حمّاما الحاجب.
حمّام القاضي بهاء الدين بباب العراق.
حمّام الوالي بباب العراق.
حمّام شمس الدين لؤلؤ.
حمّاما ابن أبي عصرون.
حمّام العوافي بباب الجنان.
حمّام أبي حصين.
حمّام حمدان.
حمّام البدر بن مِهْمان دار.
حمّاما موغان.
حمّام الشُحَيْنة برأس التلّ.
حمّام ابن خرتش.
حمّاما السرور.
حمّام الكامليّة.
حمّاما ابن الخشّاب.
حمّام ابن العجميّ بباحسيتا.
حمّام ابن الملك المعظّم.
حمّام الشريف عزّ الدين بدرب الخرّاف.
стр. 47
حمّام إنشاء ابن نصر الله.
حمّامان بدار الزكاة.
حمّام الفُسَيْتِقَة.
حمّام الفُصَيْصيّ.
حمّاما ابن الأَيْسَر.
حمّاما السابق.
حمّام برأس التلّ أيضاً.
حمّام العرائس.
حمّام الفرّائين.
حمّامان بالقلعة.
حمّامات الدور بحلب
حمّام بدار المعظّم.
حمّام بدار جمال الدولة.
حمّام بدار شمس الدين لؤلؤ.
حمّام بدار علاء الدين طايْ بُغا.
حمّام بدار الأمير سعد الدين بن الدرويش.
حمّام بدار في أدر بني الخشّاب.
حمّام بدار ظفر بباب أربعين.
حمّام بدار علاء الدين بن الناصح بالتنانيريّين.
حمّام بدار سيف الدين أحمد بن الناصح برأس درب الخرّاف.
حمّام بدار سيف الدين عليّ بن قليج.
حمّام بدار عماد الدين أخيه.
حمّام بدار بدر الدين الوالي.
حمّام بدار الشريف الزجّاج بقلعة الشريف.
حمّام بدار نظام الدين الوزير في باب النصر.
حمّام بدار أتابك.
حمّام بدار جمال الدولة إقبال الظاهريّ.
حمّام بدار صارم الدين أزبك الظاهريّ.
حمّام بدار حسام الدين عليّ بن بهاء الدين أيّوب.
حمّام بدار الصاحب جمال الدين الكرم.
حمّام بدار الرئيس صفيّ الدين طارق.
حمّام بدار شهاب الدين بن عَلَم الدين.
حمّام بدار الملك رشيد.
حمّام بدار الأمير سيف الدين بَكْتوت العزيزيّ.
حمّام بدار صاحب شَيْزَر.
حمّام بدار نجم الدين الجوهريّ.
حمّام بدار ابن بقا.
حمّام بدار عماد الدين عبد الرحيم بن العجميّ.
حمّام بدار الجمال عثمان بن العجميّ.
حمّام بدار عزّ الدين الحمويّ.
حمّام بدار قيصر في درب العدول.
ذكر الحمّامات الّتي بظاهرها
الّتي منها بالحاضر: حمّاما السوق.
حمّاما الركن.
حمّام الكامليّة.
حمّام الإدريسيّ.
حمّام ابن الدِزْمش.
حمّام القاضي.
حمّام أسد الدين.
حمّام بني عصرون.
حمّام ابن الدِزْمش بحارة الحوارنة.
حمّام الخان.
حمّام الشهاب داود.
حمّام ابن العسقلانيّ.
حمّام البدويّة.
حمّام مدرسة بُلْدُق.
حمّام إنشاء ابن سلاح دار.
حمّام الجوهريّ إنشاء سعد الدين بن الدرويش.
حمّام قرب دار حبيب الكُرْديّ.
حمّاما سوق التبن بالرابية.
حمّام الظاهريّة.
حمّام طمان بالظاهريّة.
حمّام البغرسيّ بالظاهريّة.
حمّام بجسر الأنصاريّ.
الحمّامات الّتي بالمقام
حمّام شبل الدولة.
حمّام النقيب.
حمّام أمير جاندار.
حمّام الخادم.
حمّام الملك المعظّم.
حمّام فخر الدين الوالي.
حمّام أمير حاجب.
حمّام قيصر.
حمّام حسام الدين طُرُنْطاي العزيزيّ.
حمّام العميد يوسف.
حمّام وقف المدرسة الظاهريّ.
الحمّامات الّتي بالياروقيّة
حمّام الملك الظافر.
حمّام عزّ الدين ميكائيل.
حمّام ابن سُنْقُريّ.
الحمّامات الّتي خارج باب إنطاكية
حمّام الجسر.
حمّاما قيصر.
حمّام الحافظيّ.
حمّام الزَمْلَكانيّ.
حمّام عريف الصاغة.
الحمّامات الّتي بالحَلْبة
حمّاما الشهاب بن العجميّ.
حمّام فخر الدين إياس.
الحمّامات الّتي بالبساتين
حمّام ببستان تحت مشهد الدكّة.
حمّام ببستان ابن تُلَيْل الذهب.
حمّام بستان مشهد الحسين عم.
حمّام بستان شمس الدين خضر بن الوالي.
حمّام بستان الوزير ابن حرب.
حمّام بستان المضيق تُعرَف بابن حَسُّون.
حمّام بستان النقيب محمّد بن صدقة بالخنّاقيّة.
حمّام بستان الملك.
حمّام بستان بالخنّاقيّة أيضاً.
حمّام بستان ابن عبد الرحيم.
حمّام بستان الأزرق.
حمّام بستان تاج الملوك المعروف بالناصح.
حمّام بستان الرئيس صفيّ الدين طارق.
حمّام بستان ابن حرب المنتقل إلى قرطايا.
حمّام بستان الوالي.
حمّام بستان جمال الدولة.
حمّام بستان شمس الدين لؤلؤ.
حمّام بستان الشريف.
حمّام بستان بَكْتاش والي القلعة.
حمّام بستان فخر الدين بن الخشّاب.
حمّام بستان كافي اليهوديّ بالهزّازة.
حمّامات ثلاثة ببساتين السلطان.
الحمّامات الّتي خارج باب الجنان:
حمّام المساطيح.
حمّام ابن السروجيّ.
حمّام الجسر.
حمّام المضيق.
حمّام الدرويش.
стр. 48
حمّام بالهزّازة.
الحمّامات الّتي بالرَمادة:
حمّام الملاّح.
حمّاما فخر الدين الوالي.
حمّاما جمال الدولة.
حمّام بدر الدين بن أبي الهيجاء.
حمّام بهاء الدين بن أبي الهيجاء.
حمّامان ببانقوسا أحدهما لابن أبي الحصين والأخرى تُعرَف بالمغارة.
وبدار فخر الدين الوالي حمّام.
وهذه الحمّامات التي ذكرتُها بحسب ما وصل إليه علمي وفارقتُ عليه بلدي في سنة حمّام فخر الدين أخي شمس الدين لؤلؤ.
سبع وخمسين وستّمائة. وهي على هذه الكثرة كانت لا تكفي من بحلب ولقد بلغني أنّها في العصر الّذي وضعتُ فيه هذا الكتاب دون العشرة. إنّ في ذلك لعبرةً لمن يتفكّر أو يخشى وتذكرةً يتحقّق بها القدرة على الفناء بعد المنشأ.
الباب الخامس عشر في
ذكر نهرها وقنيّها الداخلة إلى البلد
نهر قُوَيْق له مخرجان شاهدتُهما وبين حلب وبينهما أربعة وعشرون ميلاً أحدهما في قرية يُقال لها الحُسَيْنيّة بالقرب من عزاز تخرج الماء من عين كبيرة فتجري في نهر ويخرج بين جبلَيْن حتّى يقع في الوطأة الّتي قبليّ الجبل الممتدّ من بلد عزاز شرقاً وغرباً. والمخرج الآخر يجتمع من عيون ماء من سِنياب ومن قرى حولها كلّها من بلد الراوندن فتجتمع مياه تلك الأعين وتجري في نهر يخرج من فم سنياب فيقع في الوطأة المذكورة ويجتمع النهران فيصيران نهراً واحداً في بلد عزاز وهو نهر قُوَيْق ثمّيجري إلى دابق ويمرّ بمدينة حلب وتمدّه عيون قبل وصوله إليها وكذلك بعد أن يتجاوز وتدّه العين المباركة فيقوى وتدور به الأرحاء. وأول هذه الأرحاء قرية مالِد من شماليّ حلب. ويسقي في طريقه مواضع كثيرة حتى ينتهي إلى قنسرين ثم يمرّ إلى المطخ فيغيض في الأجم. وحكى جماعة أنّ نهر قويق يغيض في المطبخ ويخرج إلى بحيرة أفامية وأنّ قويق إذا مدّ في الشتاء احمرّ ماء بحيرة أفامية فاستدلّوا بذلك على ما ذكروه. والمسافة بين مغيضه وأفامية مقدار أربعة عشر ميلاً.
وقال أبو زيد البَلْخيّ في تأريخه: ومخرج نهر من حدود دابق دون حلب بثمانية عشر ميلاً ويغيض في أجمة أسفل حلب.
وقال ابن حَوقَل النَصيبينيّ فيما وقفت عليه فيه: ولها - يعني حلب - وادٍ يُعرف بأبي الحسن قُوَيْق وشرب أهلها منه وفيه قليل طفس.
وذكر الحسن بن أحمد المهلّبي في كتاب المسالك والممالك الّذي صنعه للعزيز الفاطميّ لمّا ذكر حلب قال: وشرب أهلها من نهر على باب المدينة يُعرَف بقُوَيْق ويُكنيه أهل الخلاعة أبا الحسن.
وقال أبو الحسين بن المنادي في كتابه المسمّى بالحافظ: مخرج قُوَيْق نهر حلب من قرية تُدعى سِنياب على سبعة أميال من دابق يمرّ إلى حلب ثمانية عشر ميلاً ثمّ إلى المرج الأحمر اثني عشر ميلاً ثم يغيض في الأجمة فمن مخرجه إلى مغيضه اثنان وأربعون ميلاً والمرج الأحمر هذا هو المعروف الآن بمرج تلّ السلطان وإنّما عُرف بتلّ السلطان لأنّ السلطان ألب أرسلان السلجوقيّ نزل في خيم به مدّةً فنُسب إليه.
جاء عن بعض المفسّرين في قوله تعالى:) إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (كان ذلك على نهر حلب يُقال له قويق.
أحسن ما وُصف به من الشعر قول أبي بكر أحمد بن محمّد الصَنَوْبَريّ في القافيّة وهي:
قُوَيْقُ لَهُ عَهْدٌ لَدَيْنا ومِيثاقُ ... وَهَذِي العُهُودُ وَالمَواثيقُ أَطْواقُ
نَفَي الخَوْفَ أَنّا لا غَريقٌ نَرى لَه ... فَنَحْنُ عَلى أَمْنٍ وَذَا الأَمْنُ أَرْزاقُ
وَنَزَّهَهُ أَلاَّ سَفينَةُ تَمْتَطِي ... َمطاهُ لَها وَخْدٌ عَلَيْهِ وَإِعناقُ
وَأَنْ لَيْسَ يَعْتاقُ التَماسيحُ شُرْبَهُ ... إِذا اعْتاقَ شَرْبَ النِيلِ مِنْهُنَّ مُعْتاقُ
وَلا فيهِ سِلَّوْرٌ وَلَو كانَ لَمْ أَكُنْ ... أَرَى أَنَّهُ إِلاَّ حَميمٌ وغَسّاقُ
بَلَى تُعْلِنُ التَسْبِيحَ في جَنَباتِهِ ... عَلاَجِمُ بِالتَسْبِيحِ مُذْ كُنَّ حُذّاقُ
أَقامَتْ بِهِ الحِيتانُ شَوْقاً ولَمْ يَزَلْ ... يُقامُ عَلى شَطَّيْهِ لِلطَّيْرِ أَسْواقُ
وَسُرْبِلَ بالأَرْحاءِ مَثْنىً وَمَوْحَداً ... َكما سَرْبَلَتْ غُصْناً مِنَ البانِ أَوْراقُ
وَفاضَتْ عُيونٌ مِنْ نَواحِيهِ زُرَّفٌ ... وَلَمّا تُعاوِنْها جُفونٌ وَآماقُ
стр. 49
هُوَ الماءُ إِنْ يُوصَفْ بِكُنْهِ صِفاتِهِ ... فَلِلْماءِ إِغضاءٌ لَدَيْهِ وإِطراقُ
فَفِي اللَوْنِ بَلُّوْرٌ وَفي اللَّمْعِ لُؤْلُؤٌ ... َوفي الطِيبِ قِنْدِيدٌ وَفي النَفْعِ دِرْياقُ
إِذا عَبِثَتْ أَيْدي النَسِيمِ بِوَجْهِهِ ... وَقَدْ لاحَ وَجْهٌ مِنْهُ أَبْيَضُ بَرَّاقُ
فَطَوْراً عَلَيْهِ مِنْهُ دَرْقٌ خَفِيفَةٌ ... وَطَوْراً عَلَيْهِ جَوْشَنٌ مِنْهُ رَقْراقُ
وَلَمْ يَعْدُهُ نِيلْوفَرٌ مُتَشَوِّفٌ ... بأرْؤُسِ تِبْرٍ وَالزبْرَجَدُ أَعْناقُ
لَهُ وَرَقٌ يَعْلُو عَلى الماءِ مُطْبِقٌ ... كَأَطْباقِ مَدْهُونٍ تَلَتْهُنّ أَطباقُ
وَقَدْ عابَهُ قَوْمٌ وَكُلُّهُمُ لَهُ ... عَلَى ما تَعَاطَوْه مِنْ العَيْبِ عُشاقُ
يَهابُ قُوَيْقٌ أَنْ يُمَلَّ فَإِنّما ... يُقِيمُ زَماناً ثُمّ يَمْضِي فَنَشْتاقُ
وَقالوا: أَلَيْسَ الصَيْفُ يُبْلي لِباسَهُ ... فَقُلْتُ: الفَتَى في الصَيْفِ يُقْنِعُهُ طاقُ
وَما الصُبْحُ إِلاَّ آئِبٌ ثُمّ غائِبٌ ... تُوارِيهِ آفاقٌ وتبديه آفاقُ
وَما البَدْرُ إِلاَّ زائِدٌ ثُمَّ ناقِصٌ ... لَهُ في تَمامِ الشَهْرِ حَبْسٌ وَإِطْلاقُ
وَلَوْ لَمْ تَطَاوَلْ غَيْبَةُ الوَرْدِ لَمْ تَتُقْ ... إِلَيْهِ قلُوبٌ تائِقاتٌ وَأَحْداقُ
وِلِوْ دامَ في الحُبِّ الوِِصالُ وَلَمْ يَكُن ... ِفراقٌ َولا َهجْرٌ لما اشتاقَ ُمشتاقُ
َوَفضْلُ الغَنِى لا َيسْتَبّينُ ِلِذي الغِنَي ... ِإذا َلمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ الفَضْلَ إِمْلاقُ
قُوَيْقٌ رَسيلُ الغَيْثِ يَأْتِي وَيَنْقَضِي ... وَيَأْتِي انْسِياقاً تارةً ثُمّ يَنْساقُ
وله فيه:
قُوَيْقُ عَلَى الصَفْراءِ رُكِّبَ جِسْمُهُ ... رُباهُ بِهَذا شُهَّدٌ وَحَدائِقُهْ
فَإِنْ جَدَّ جِدُّ الصَيْفِ غادَرَ جِسْمَهُ ... ضَئِيلاً وَلَكِنَّ الشِتاءَ يُوافِقُهْ
يريد أنّ أصحاب الأمزجة الصفراويّة تنحل أجسامهم في الصيف ويوافقهم الشتاء ويريد أنّ قويق يقلّ ماؤه في الصيف حتّى يبقى حول المدينة كالساقية وربّما انقطع بعض السنين بالكليّة. والصنَوْبري يذكر مدّه في الشتاء:
قُوَيْق إِذا شَمَّ رِيحَ الشِّتَاءِ ... أَظْهَرَ تِيهاً وَكِبْراً عَجِيبا
وَنَاسَبَ دِجْلَةَ وَالنِيلَ وَال ... فُراتَ بهاءً وحُسْناً وَطِيبَا
وَإنْ أَقْبَلَ الصَيْفُ أَبْصَرْتُهُ ... ذَلِيلاً حَقيراً حَزيناً كَئِيبا
إِذا ما الضَفادِعُ نادَيْنَهُ ... قُوَيْقُ قُوَيْقُ أَبى أَنْ يُجِيبا
فَيَأْوِينَ مِنْهُ بقايا كُسِي ... ن مِنْ طُحْلُبِ الصَيْفِ ثَوْباً قَشِيبا
وَتَمْشِي الجَرادَةُ فيهِ فَلا ... تَكادُ قَوائِمُها أَنْ تَغِيبا
وقال أبو نصر محمّد بن محمَّد بن إبراهيم بن الخضر الحلبيّ:
ما بَرَدَى عِنْدِي وَلا دِجْلَةٌ ... وَلا مَجارِي النِيلِ مِنْ مِصْرِ
أَحْسَنُ مَرْأَى مِنْ قُوَيْقَ إِذا ... أَقْبَلَ في المَدِّ وَفِي الجَزْرِ
يَا لَهْفَتا مِنْهُ عَلَى نَغْبَةٍ ... تَبِلُّ مِنِّي غُلَّةَ الصَدْرِ.
وقال:
لِلهِ يَوْمٌ مَدَّ في صَدْرِهِ ... قُوَيْقُ مَقصُورٌ جناحَيْهِ
مُصْنَدَلاً يَلْثِمُ ماءُ الحيا ... مِنْهُ لِمُخْضَرِّ عِذارَيْهِ.
وقد وصفته الشعراء كثيراً لكنّا اقتصرنا على ما ذكرناه لعلمنا أنّ الصَنَوْبَريّ لا يشقّ غباره في وصف حلب ولا ما فيها أحد عداه ولا يبلغ العشر من مداه.
ذكر القنيّ المتفرّعة عن القناة العظمى
стр. 50
هذه القناة قيل هي عين إبراهيم الخليل عم وهي تأتي من حَيْلان قرية شماليّ حلب وقيل إنّ الملك الّذي بنى حلب وزن ماءَها إلى وسط المدينة وبنى عليها وهي تأتي إلى مشهد العافية تحت بُغاذين وتركّب بعد ذلك على بناء محكم رُفع لها لانخفاض الأرض في ذلك الموضع ثمّ تمرّ إلى أن تصل إلى بابِلَّى وهي ظاهرة في مواضع ثمّ تمرّ في جباب قد حُفرت لها إلى أن تنتهي إلى باب القناة وتظهر في ذلك المكان ثمّ تمرّ تحت الأرض إلى أن تدخل إلى باب أربعين وتنقسم في طرق متعدّدة إلى البلد وقيل إنّ الملك الّذي بنى حلب لمّا انتهت القناة أعطى للصانع الّذي ساق الماء عليها مائة ألف دينار.
ولأهل حلب صهاريج في دورهم فيها الماء منها إلاّ ما كان من الأمكنة المرتفعة كالعقبة وقلعة الشريف فإنّ صهاريجهم من المطر وكان الّذي حفرها أجراها إلى كنيسته التي جدّدتها هَيْلاني أمّ قسطنطين وصارت كما قدّمنا مدرسةً.
وقيل إنّ القناة دثرت وإنّ عبد الملك بن مَرْوان جدّدها في ولايته والذي أدخلها إلى حلب الشيخ الأمين بن الفُصَيْصيّ الذي تغلّب على قنّسرين ولم يدخلها داره حتّى لا يُقال عنه لحظّ نفسه.
وقد قيل إنّ هذه القناة إسلاميّة والصحيح أنّها روميّة وكانت لا تدخل في قديم الزمان إلاّ إلى الجامع فقط.
وفي أيّام نور الدين محمود " بن " زنكي أخرج منها قطعةً إلى المطهرة التي غربيّ الجامع بسوق السلاح. وعُمل منها قسطل إلى رأس الشُعَبييّن وأخرج نور الدين المكور قطعةً أخرى إلى الخشّابين وساق منها إلى الرَحْبة الكبيرة داخل باب قنّسرين ثمّ انقطع ذلك كلّه بعد وفاة نور الدين ولم ندرك من القناة شيئاً سوى قسطل الخشّابين فقط.
فلمّا كانت سنة خمس وستّمائة سيّر الملك الظاهر غياث الدين غازي بن الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق فأحضر صنّاعاً وخرج بنفسه وأوقفهم على أصل هذه القناة الّتي يخرج من حَيْلان وأمرهم باعتبار الماء الخارج منها وما ويصل منه إلى حلب فأخبروه الصنّاع أنّ مقدار الماء الخارج من أصل القناة مائة وستّون إصبعاً ووصل إلى حلب عشرون إصبعاً لا غير فضمن له الصنّاع أنّهم يكفوا جميع سكك حلب وشوارعها وأدرها ومدارسها وربطها ويفضل منه كثير يُصرَف إلى البساتين والأراضي فشرع الملك الظاهر فيها وبدأ أولاً بإصلاح المجرى الّذي لها من حَيْلان إلى بلد حلب وباشر لك بنفسه وأحضر إليها جميع الأمراء فضربوا خيمهم على سيفها ثمّ أمر بذرعها من حَيْلان إلى باب حلب فكانت خمسة وثلاثين ألف ذراع بذراع النجّارين وهو ذراع ونصف ثمّ قسم قطعاً على الأمراء وأضاف إليهم صنّاعاً وفعَلةً وحمل إليهم الكلس والزيت والحجارة والآجرّ فأُصلحت جميعها وكانت منكشفةً لا سقف لها فقطع الطوابيق من الصخور الصلبة وطبّقها جميعها إلاّ مواضع جعلها برسم تنقيتها وشرب الماء منها وأُجري جميع المجرى إلى باب حلب في ثمانية وخمسين يوماً.
ولمّا اتّصلت بالبلد أمر ببناء القساطل. فأوّل قسطل بناه القسطل الّذي على باب أربعين تحت الرباط الّذي بناه الأمير شهاب الدين طُغريل الأتابك من رأس خندق الروم وصورته حوض طوله عشرون ذراعاً في رأسَيْه المشرقيّ والمغربيّ قبّتان في وسطيهما كالصهريجّيْن لكلّ واحد منهما أنبوب مقدار الإصبع يفيض ليلاً ونهاراً. ووّلى عمارته فخر الدين موسى بن شمس الخلافة محمّد بن مختار المصريّ. ثمّ ساق هذه القناة إلى داخل باب أربعين. ثم أخذ منها قطعةً ودخل بها إلى المعقليّة وأمر قبُني قسطل على باب المسجد المعروف ببني الأستاذ. ثم بُني قسطل آخر في وسط المعقليّة ثم بُني قسطل في آخر المعقليّة بينه وبين القسطل وثلاثمائة ذراع ثمّ ساق الماء منها إلى المسجد الّذي داخل باب النصر وعمل عنده قسطلاً أيضاً ثمّ ساق الماء منه إلى قدّام باب النصر وعمل حوضاً كبيراً طوله قريب من عشرين شبراً فيه ثلاثة أنابيب تفيض ليلاً ونهاراً ثمّ من هذا القسطل إلى باحَسيتا وعمل فيها قسطلَيْن وهناك انتهى طريق المعقليّة.
стр. 51
ثمّ ساق من أصل القناة من باب أربعين إلى الطريق الآخذ إلى مدرسة ابن أبي عصرون وكنيسة اليهود وتفترق قدّام كنيسة اليهود قسمَيْن قسم يأخذ إلى السويقة وقسم يأخذ إلى البلاط وما يليه وهذا الطريق الآخذ إلى البلاط فيه قسطل في رأس العقبة قدّام دار الملك الظاهر. ثمّ يخرج إلى عند مسجد البلاط وهناك قسطل ثمّ يسير إلى رأس درب الدَيْلَم وهناك قسطل ثمّ يسير إلى رأس درب البازيار وهناك قسطل ثمّ يسير إلى عند حمّام ابن أبي عصرون وهناك قسطل ثمّ يسير إلى رأس درب شراحيل وهناك قسطل والقسم الآخر يأخذ إلى مسجد المُزَيْبلة وهناك قسطل ثمّ إلى عند حمّام أوْران وهناك قسطل ثمّ إلى وسط السدلة وهناك قسطل ثمّ إلى باب الجنان إلى عند مسجد القصر وهناك قسطل ثمّ يعود إلى الطريق الآخذ إلى سويقة اليهود يسير الماء إلى عند دور بني القَيْسَرانيّ وهناك قسطل ثمّ ساقه إلى أوّل سويقة اليهود في رأس الطريق الآخذ إلى باب النصر وعمل حوضاً كبيراً يفيض منه ثلاثة أنابيب ليلاً ونهاراً ثمّ ساق منه إلى وسط السويقة عند دار الصبغ وعمل هناك قسطلاً ثمّ ساق منه إلى رأس السويقة وبنى تحت قبلة المسجد المعلّق في وسط الطريق الآخذ إلى البلاط قسطلاً وهناك انتهى طريق السويقة.
стр. 52
ثمّ ساق القناة من أصل الماء الّذي تحت القلعة إلى رأس السوق وبنى في رأس الطريق الآخذ إلى أسواق حلب وقصبة البلد مصنعةً في الأرض وجعل ماء القناة جميعها يجتمع في تلك المصنعة. ثمّ جعل فيها مقاسم يخرج الماء فيها على السويّة فيتفرّق في حلب على السواء فأخرج منها طريقاً إلى الجامع وما يضاف إليه وطريقاً إلى كتّاب الأسود وما يليه وطريقاً إلى باب العراق وما يليه وطريقاً إلى القطيعة وما يليها. فأمّا طريق الجامع فبنى عليه في رأس درب العدول قسطلاً ثمّ منه إلى رأس الصاغة تحت المسجد المعلّق قسطلاً وأخذ منه هناك إلى حمّام العفيف بن زَرْيق التي عند حبس الدُلْبة ثمّ أخذ من قسطل رأس الصاغة إلى رأس سوق النطّاعين في شرقيّ الجامع وبنى هناك قسطلاً وفيه ينقسم الماء ثلاثة أقسام قسم منه فوّارة الجامع وقسم يشقّ وسط الجامع ويسير إلى المطهرة الغربيّة وما يتّصل بها وقسم يأخذ إلى باب قنّسرين وما يليه. فأمّا قسم الفوّارة ففاضله ينصرف إلى صهاريج الجامع ومصانعه ويمدّ المطهرة الغربيّة وأمّا القسم الّذي يخرج إلى المطهرة فإنّه منه إلى درب الخرّاف وهناك قسطل ثمّ منه إلى رأس درب الصبّاغين وهناك قسطل ثمّ منه إلى المسجد الّذي قدّام باب أنطاكية وهناك قسطل فيه سبعة أنابيب يفيض ليلاً ونهاراً. وأمّا الطريق الّذي يخرج إلى باب قنّسرين وما يليه فيخرج إلى رأس سوق العطّارين العتيق ورأس المرّبعة وينقسم هناك قسمّيْن قسم يأخذ إلى الخشّابين وقسم يأخذ إلى دار الزكاة فأمّا قسم دار الزكاة فيسير إلى المطهرة الصغيرة المعروفة بتلّ فيروز ورأس سوق العطر ثمّ من هناك إلى حمّام دار الزكاة ثمّ منها إلى باب دار الزكاة وهناك قسطل ثمّ منه إلى دار الزكاة فيفيض في بركة في وسطها وهناك آخر هذا الطريق. وأمّا طريق الخشّابين فيسير إلى رأس قنّسرين وقسم إلى الزّجاجين. فأمّا قسم الزّجاجين فيسير إلى رأس درب أسد الدين الآخذ شمالاً إلى سوق الأساكفة والبرّ وهناك قسطل ثمّ يسير إلى عند مسجد المجنّ وهناك قسطل ثمّ يسير إلى رأس درب البيمارستان وهناك قسطل ثمّ إلى رأس درب الحطّابين وهناك قسطل تفيض فيه ثلاثة أنابيب ليلاً ونهاراً. وأمّا طريق باب قنّسرين فيسير إلى رأس درب ابن أبي سواد وهناك قسطل ثمّ يسير إلى عند المسجد المعروف بابن الإسكافيّ وهناك قسطل ثمّ يسير إلى الرحبة إلى عند مسجد المحصَّب وهناك قسطل وينقسم الماء هناك ثلاثة أقسام قسم يأخذ إلى ربع بني الطُرَيْرة قدّام المسجد المعروف بالرئيس صفيّ الدين طارق في رأس درب الماسح وهناك قسطل وهو آخر هذا الطريق وقسم يأخذ إلى باب قنّسرين وقسم يأخذ إلى الجرن الأصفر فيسير إلى عند دار غرس الدين قليج وهناك قسطل خلف تربة بني الخشّاب ثمّ يسير إلى الجرن الأصفر عند المسجد وهناك قسطل ثمّ يسير إلى الرحبة الصغيرة وهناك قسطل ثمّ يسير إلى عند درب بني بكران عند باب أتّون حمّام الشريف وهناك قسطل وهو آخر هذا الطريق. وأمّا القسم الّذي يأخذ إلى باب قنّسرين فيسير إلى قدّام باب قنّسرين وهناك قسطل يفيض فيه ثلاثة أنابيب ليلاً ونهاراً ثمّ يخرج منه الماء الظاهر في البلد بتحت برج الغنم مقابل سوق الأعلى وهناك قسطل وحوض كبير يفيض فيه ثلاثة أنابيب ليلاً ونهاراً.
стр. 53
وأمّا الطريق الّذي من المصنعة إلى كتّاب الأسود فيسير إلى تحت المسجد المعلّق المعروف ببني الطَرْسُوسيّ وهناك قسطل ثمّ إلى المسجد المعلّق الّذي على سطح كتّاب الأسود وهناك قسطل ثمّ إلى الحدّادين إلى قدّام المدرسة الحنفيّة وهناك قسطل ثمّ إلى الأسفريس إلى عند المسجد المعروف ببني دايح وهناك قسطل وينقسم الماء هناك قسمّيْن قسم يأخذ إلى عمود العُسر وهناك قسطل وهو آخر هذه الطريق. وقسم يأخذ إلى عند مسجد الجبليّ وهناك قسطل ثمّ يدخل من هناك إلى درب البنات وهناك قسطل وهو آخر هذه الطريق. وأمّا الطريق الّتي تأخذ من المصنعة إلى باب العراق فتسير إلى خلف مدرسة القاضي بهاء الدين ابن شدّاد عند حمّام النِفَّريّ ودار الحديث وهناك قسطل وينقسم الماء هناك قسمَيْن قسم يأخذ إلى باب العراق وقسم يأخذ إلى باب القطيعة وقلعة الشريف. فأمّا الّذي يسير إلى باب العراق فينتهي إلى داخل باب العراق وهناك قسطل ثمّ يخرج إلى ظاهر السور من شماليّ باب العراق وهناك حوض عظيم يفيض فيه ثلاثة أنابيب ليلاً ونهاراً ثمّ يسير الماء منه إلى تحت التواثير قدّام الباب الّذي يُؤخَذ منه إلى مقام إبراهيم ﵇ والمقابر وهناك قسطل عند مسجد الأراحي ثمّ يسير منه إلى المدرسة الّتي جدّدها الملك الظاهر تربةً فيفيض في بركتها وينقسم الماء هناك قسمَيْن قسم يسير إلى قدّام خان السبيل الّذي بناه سيف الدين بن عَلَم بن جَنْدَر وهناك قسطل يفيض في بركة أمام الخان ليلاً ونهاراً. وأمّا الطريق التي تأخذ إلى رأس القطيعة وقلعة الشريف فإنّه يسير إلى رحبة السوق التي تأخذ إلى حمّام حمدان وهناك قسطل ثمّ منه إلى عند مسجد الشجرة وهناك قسطل ثمّ يسير إلى خرابة خليج إلى عند المسجد وهناك قسطل ثمّ ينقسم الماء هناك قسمَيْن قسم يأخذ إلى حمّام القاضي ابن الخشّاب في رأس درب الحديد وهناك قسطل وقسم يأخذ إلى قلعة الشريف إلى عند مسجد القبّة وهناك قسطل ثمّ يسير هذا إلى الطريق الّتي ظاهر باب قنّسرين إلى فندق الخاصّ الكبير فيفيض إلى بركة وفي ظاهر هذا الفندق من القبلة مقابل الحمّام المعروفة بسوق التبن قسطل ثمّ يسير منه إلى باب الرابيّة القبليّ وهناك قسطل ثمّ يسير منه إلى كنف الخندق ثمّ يسير منه إلى يسرى حمّام القاضي وهناك قسطل ثمّ يسير منه إلى المدرسة الّتي أنشأها سيف الدين بن عَلَم الدين سليمان بن جَنْدَر فيفيض في بركتها ثمّ يسير الفائض إلى بركة الجامع فيفيض ليلاً ونهاراً ويتّصل بالقساطل الّتي ذكرناها في طريق مدرسة سيف الدين إلى جامع أسد الدين. وهذا آخر ما جدّده الملك الظاهر وأنشأه من القساطل الّتي تجري فيها المياه ويُنْتَفَه بها سوى ما هو سائح إلى برك المساجد والمدارس والربط والحمّامات والدور والبساتين وغير ذلك وصُرف على هذه القساطل والطرقات أموال كثيرة ووقف عليها الملك الظاهر أوقافاً سنيّة وتجدّد في أيّام الملك الناصر صلاح الدين بن الملك العزيز ابن الملك الظاهر بظاهر البلد بسبب سوق الماء إلى حمّام سعد الدين بن الدِزْمِشْ أربعة قساطل أحدها بسوق الخيل سيق إليه الماء من القسطل الّذي خارج باب المقام عند مسجد الأراحي وساق من القسطل المذكور قسطلاً إلى آخر السوق الآخذ من باب الرابيّة إلى الحاضر من قبليّ السوق وقسطلاً بالقرب من جامع أسد الدين بالحاضر وساق الماء فيه إلى قسطل على باب داره.
وكان يدخل وإلى حلب قناة من جهة باب قنّسرين ولمّا عمل الشيخ منتجب الدين بن الإسكافيّ المصنعة وقد نُبش فاستدللتُ بذلك على صحّة ما قيل ورأيتُ جماعةً من الصنّاع يقولون إنّ القناة إسلاميّة جلبها إلى حلب ابن الفصيصيّ حين حُبس في حلب وكانت هذه القناة قد فسدت طريقها إلى البلد وسدّ مخارج الماء منها فكثر ماؤها وجرى في القنوات والقساطل كما قدّمنا. فقال أبو المظفّر محمّد بن محمّد الواسطيّ المعروف بابن سُنَيْنير يمدحه بما فعل من هذه المكرمة الّتي عنّ نفعها وشاع برّها وصنعها:
رَوَّى ثَرَى حَلَبٍ فَعادَتْ رَوْضَةً ... أُنُفاً وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَشْكو الظَما
أَحْيا مَوَاتَ رُفاتِها فَكَأَنّهُ ... عِيسى بِإِذْنِ الله أَحْيا الأعْظُما
لا غَرْوَ أَنْ أَجْرى القناةَ جَداولاً ... فَلَطالَما بِقَناتِهِ أَجْرى الدِمّا
стр. 54
الباب السادس عشر في
ذكر ارتفاع قصبة حلب فقط
ذكر منتخب الدين أبو زكريّاء يحيى بن أبي طيءّ النجّار الحلبيّ في الكتاب الّذي وضعه في تأريخ حلب وسمّاه عقود الجواهر في سيرة الملك الظاهر قال: حدّثني كريم الدولة بن شرارة النصرانيّ وكان مستوفي دار حلب يومئذ أنّه عمل ارتفاع حلب سنة تسع وستّمائة في الأيّام الظاهريّة دون البلاد الخارجة عنها والضياع والأعمال فكان مبلغه ستّة ألف ألف وتسعمائة ألف وأربعة وثمانين ألف وخمسمائة درهم. وممّا أحطتُ به علماً في أيّام السلطان الملك الناصر أنّ ارتفاعها على القاعدة في ارتفاعها في آخر دولته مع حلوله دمشق وخلوّها منه فكان تفصيل ذلك: ألف ألف ومائَتْي ألف دار الزكاة ستّمائة ألف العشر مائتَيْ ألف الوكالة ثلاثمائة ألف وثمانين ألفاً سوق الخيل والجمال والبقر ثلاثمائة ألف وخمسين ألفاً دار كورة الجوانيّة مائة ألف البطيخ ثمانين ألفاً دار كورة البرّانيّة العنب خمسين ألفاً الخضر مائة ألف وخمسين ألفاً المدبغة مائة ألف دكّة الرقيق ثمانين ألفاً صبغ الحرير أربعمائة ألف وخمسين ألفاً سوق الغنم ثلاثمائة ألف سوق التركمان للغنم خمسين ألفاً عرصة الخشب أربعين ألفاً ضمان الأوتار خمسة آلاف المسابك عشرين ألفاً البيلونة عشرين ألفاً سمسرة الخضر خمسين ألفاً البساتين مائة ألف دار الضرب أربعمائة ألف درهم الرباع مائة ألف درهم الحكورة عشرين ألف درهم ذخيرة الحطب والفحم عشرة آلاف درهم المصابن مائة ألف درهم عداد العرب ثلاثمائة وخمسين ألف درهم الملح المجلوب مائة ألف درهم المسالخ مائة ألف درهم الاجتياز بخان السلطان عشرين ألف درهم القلي مائة ألف درهم الساسة مائة ألف وخمسين ألف درهم عداد التركمان بحلب ثلاثين ألف رأس قيمتها ستّمائة ألف درهم وغنم مائة ألف درهم الجوالي ستّمائة ألف درهم الفرح واللَطَف ثمانين ألف درهم حمَّام السلطان ستّين ألف درهم السجون خمسين ألف درهم نحيرة الذمّة عشرين ألف درهم البقل خمسين ألف درهم القبّانين خمسين ألف درهم الحديد خمسين ألف درهم القنَّب ثمانين ألف درهم الحرير ثلاثين ألف درهم الخراج عشرة آلاف درهم ضمان المزابل ثلاثمائة ألف درهم.
المواريث الحشريّة تقديراً لا تحريراً
الباب السابع عشر في
ذكر ما مُدحت به حلب نثراً ونظماً
ذكر الحسن بن أحمد المهلّبيّ في كتاب المسالك والممالك الّذي وضعه للعزيز الفاطميّ: فأما حلب فهي قصبة قنّسرين العظيمة ومستقرّ السلطان وهي مدينة جليلة عامرة آهلة حسنة النازل عليها سور من حجر في وسطها قلعة على تل. هذا قوله والصحيح أنها في طرفها. ثمّ قال: لا تُرام وعليها سور حصين وبحلب من الكور والضياع ما يجمع سائر الغلاّت النفيسة وكان بلد مَعَرّة مِصرين إلى جبل السُماق بلد التين والزبيب والفستق والسّماق والحبّة الخضراء يخرج عن الدّفي الرخص ويُحمَل إلى مصر والعراق ويُجهَّز إلى كلّ بلد وبلد الأثارب وأرْتاح إلى نحو جبل السّماق أيضاً بمثل بلد فلسطين في كثرة الزيتون ولها ارتفاع جليل من الزيت العراق يُحمل إلى الرقّة إلى الماء إلى كلّ بلد.
стр. 55
فأمّا خلق أهلها فهم أحسن الناس وجوهاً وأجساماً والأغلب على ألوانهم الدرّيّة والحمرة والسمرة وعيونهم سود وشهل وهم أحسن الناس أخلاقاً وأتمّهم قامةً. وذكر كلاماً كثيراً لا يليق بما نحن بصدده أضربنا عنه وعلى كلّ حال فإنها أعظم البلاد جمالاً وأفخرها رتبة وجلالاً مشهرة الفخار عالية البناء والمنار ظلّها ضاف وماؤها صاف وسعدها واف ووردها لعليل النفوس شاف وأنوارها مشرقة وأزهارها مؤنقة وأنهارها غدقة وأشجارها مثمرة مورقة نشرها أوضع من نشر العبير وبهجتها أبهج منظراً من الزمن النضير خصيبة الأرزاق جامعة من أشتات الفضائل ما تعجز عنه الآفاق لم تزل منهلاً لكلّ وارد وملجأ لكل قاصد يستظلّ بظلّها العفاة ويُقصَد خيرها من كلّ الجهات لم تَرَ العيون أجمل من بهائها ولا أطيب من هوائها ولا أحسن من بنائها ولا أظرف من أبنائها فلله درّ سعد الدين محمّد بن الشيخ الإمام محيي الدين محمّد بن عليّ بن العربيّ الطائيّ الحاتميّ رحه حيث يقول حين حلّ بفنائها وشاهد ما يقصر عنه الوصف من محاسن أبنائها:
حَلَبٌ تَفُقُ بِمائِها وَهَوائِها ... وَبِنائِها وَالزُهْرِ مِنْ أَبنائِها
نُورُ الغَزالّةِ دُونَ نورِ رَحابِها ... وَالشهْبُ تَقْصُرُ عَنْ مَدا شُهْبانِها
طَلَعَتْ نُجُومُ النَصرِ مِن أَبْراجِها ... فِبُرُوجُهأ تَحْكي بُرُوجَ سَمائِها
وَالسُورُ باطِنُهُ فَفِيهِ رَحْمَةٌ ... وَعَذابُ ظاهِرِهِ عَلَى أعْدائِها
بَلَدٌ يَظَلُّ بِهِ الغَرِيبُ كَأنَّهُ ... فِي أهْلِهِ فاسْمَعْ جَمِيلَ ثَنائِها
وقد مدحها جماعة من الفضلاء ومن هو معدود من أكابر العلماء مثل البحتريّ والمتنبيّ والصنوبريّ وكُشاجِم والمعرّيّ والخفاجيّ وابن حَيّوش والوزير المغربيّ وأبو العبّاس الصفريّ وأبو فراس والحَلَويّ وابن سَعْدان وابن حرب الحلبيّ وابن النحّاس وابن أبي حصينة وابن أبي الحديد وابن العجميّ والملك الناصر. فمّما قاله البحتريّ:
أَقامَ كُلُّ مُلِثِّ الوَدْقِ رَجَّاسِ ... عَلَى دِيارٍ بِعُلْوِ الشَأْمِ أَدْراسِ
فِيها لِعَلْوَةَ مَصْطافٌ وَمُرْتَبَعُ ... مِنْ بانَقُوسا وَبابِلاّ وَبِطْياسِ
مَنازِلٌ أَنْكَرَتْنا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ ... وَأُوحِشَتْ مِنْ هَوانا بَعْدَ إِيناسِ
يا عَلْوَ لَوْ شِئْتِ أَبْدَلْتِ الصُدُودَ لَنا ... وَصْلاً وَلانَ لِصَبٍّ قَلْبُكِ القاسي
هَلْ ِلي سَبِيلٌ إِلَى الظُهْرانِ مِن حَلَبٍ ... وَنَشْوَةٍ بَيْنَ ذاكَ الوَرْدِ وَالآسِ
وله من أبيات:
نَاهِيكَ مِنْ حُرَقٍ أَبِيتُ أُقاسِي ... وَجُرُوحَ حُبٍّ ما لَهُنَّ أَواسِ
تَجْرِي دُمُوعِي حِينَ دَمْعِكَ جامِدٌ ... وَيَلِينُ قَلْبِي حِينَ قَلبُكَ قاسِ
يا بَرْقِ أَسْفَرَ عَنْ قُوَيْقَ فَطُرَّتْي ... حَلَبٍ فَأعْلَى القَصْرِ مِنْ بِطْياسِ
عَنْ مَنْبَتِ الوَرْدِ المُعَصْفَرِ صِبْغُهُ ... فِي كُلِّ ضَاحِيَةٍ وَمَجْنَى الآسِ
أَرْضٌ إِذا استَوْحَشْتُ ثُمَّ أَتَيْتُها ... حَشَدَتْ عَليَّ فَأَكْثَرَتْ إِيناسي
ومما جاء في شعر المتنبّي في ذكر حلب:
كُلَّما رَحَّبَتْ بِنا الرَوْضُ قُلنا: ... حَلَبٌ قَصْدُنا وَأَنْتِ السَبيلُ
فِيكَ مَرْعَى جِيادِنا وَالمطَايا ... وَإِلَيْها وَجِيفُنا وَالذَمِيلُ
وَالمُسَمُّونَ بِالأَمِيرِ كَثِيرٌ ... وَالأَمِيرُ الَّذِي بِها المأْمُولُ
الَّذي زُلْتُ عَنْهُ شَرْقًا وَغَرْباً ... وَنَداه مُقابِلِي مَا يَزُولُ
وممّا قاله أبو بكر أحمد بن الحسن الصنوبري في وصفها الأبيات الطنانة التي يصف فيها حلب وقراها ومنازلها ومتنزهاتها:
أَحبَسا العِيسَ اْحَبساها ... وَاْسأَلا الدارَ اسْأَلاها
أَسْأَلا أَيْنَ ظِباءُ الد ... ارِ أَمْ أَيْنَ مَهاها
حَبَّذا الباءَتُ باءَا ... تُ قُوَيْقٍ وَرُباها
بانَقُوساها بِها با ... هَى المُباهِي حِينَ باها
وبِبا صَفْراوبابِ ... لاّ وَبامضتْلِي وَتاها
لا قَلَى صَحْراءَ بافر ... قل شوقي لا قلاها
لا سَلا أَجْبالَ باس ... لِّينَ قَلْبي لا سَلاها
стр. 56
وَبِباسَلِّينَ فَلْيَبْ ... غِ رِكابِي مَنْ بَغاهِا
وَإلى باشَلَقِيتا ... ذُو التَناهِي يَتَناهَى
وَبُعاذِينَ فَواها ... لِبُعاذِينَ وَواها
بَيْنَ نَهْرٍ وَقَناةٍ ... قَدْ تَلَتْهُ وَتَلاها
وَمَجارِي بِرَكٍ يَجْ ... لُو هُمُومِي مُجْتَلاها
وَرِيَاضٌ تَلْتَقِي آ ... مالُنا فِي مُلْتَقاها
زادَ أَعْلاها عُلُوّاً ... جَوْشَنٌ لَمّا عَلاها
وَازْدَهَتْ بُرْجَ أَبِي الحا ... رِثِ حُسْناً وَازْدَهَاها
وَاطَّبَتْ مُسْتَشْرِفَ الحِص ... نِ اشْتِياقاً وَاطَّباها
وَلَدَي المُنْيَةِ فَازَتْ ... كُلُّ نَفْسٍ بِمُناها
وَمَقِيلِي بِرْكَةُ التَ ... لِّ وَسَيْباتُ رَحاها
بِرْكَةٌ تُرْبَتُها الكا ... فُورُ وَالدُرُّ حَصاها
كَمْ غَزانِي طَرَبِي حِي ... تانُها لَمّا غزاها
بِمُرُوجِ النَهْرِ أَلْقَتْ ... عِبرُ لَذّاتِي عَصاها
وَبِمَغْنَى الكامِلِيّ اس ... تَكْمَلَتْ نَفْسِي غِناها
كَلأَ الرامُوسَةَ الحَسْ ... ناءَ رَبِّي وَرَعاها
وَجَزَى الجَنَّاتِ بالسَعْ ... دِيّ نُعْمَى أَنْ جَزاها
وَفَدَى البُسْتانَ مِنْ فا ... رِسَ صَبٌّ وَفَداها
وَعَرَتْ ذا الجَوْهَرِيّ ... المُزْنُ مَحْلُولاً عُراها
وَاذْكُرا دارَ السّلَيْما ... نِيَّةِ اليَوْمِ اذْكُراها
فَهْيَ فِي مَعْنَى اسْمِها حَذْ ... وبحذوٌ وَكَفاها
وَصِلا سَطْحِي وَأَحْوا ... ضِي خَلِيليَّ صِلاها
وَرِدا سَاحةَ صِهْرِي ... جِي عَلَى شَوْقٍ رِداها
وَامْزُجا الراحَ بِماءٍ ... مِنْهُ أَوْ لا تَمْزُجاها
ثم جاءت الأبيات التي قدمناها في وصف الجامع. ثم قال:
وَعَلَى حالِ سُرُورِ ال ... نَفْسِ مِنّي وَأَساها
جشَجْوُ نَفْسِي بابُ قِنَّسْ ... رِينَ رَهْنٌ وَشَجاها
جَدَثٌ أَبْكِي الَّتي فِي ... هِ وَمِثْلي مَنْ بَكاها
يعني بُنَيَّةً ماتت بحلب ودفنها خارج باب قنّسرين وبنى على قبرها قبّةً وكتب عليها أشعاراً يرثيها:
أَنا أَحمِي حَلَباً دا ... راً وأََحْمِي مَنْ حَماها
أَيُّ حُسْنٍ ما حَوَتْهُ ... حَلَبٌ أَوْ ما حَواها
سَرْوُها الدانِي كَما تَدْ ... نُو فَتاةٌ لِفَتاها
آسُها الثاني القُدُودَ ال ... هِيفَ لمّا أَنْ ثَناها
نَخْلُها زَيْتُونُها أَوْ ... لا فَأََرْطاها عَصاها
قَبجُها دُرّاجُها أَوْ ... فَحُباراها قَطاها
ضَحِكَتُ دُبْسَيَّتاها ... وَبَكتْ قُمْرِيتاها
بَيْنَ أَفْنانٍ يُناجي ... طائرَيْها طائِراها
رُبَّ مُلقَى الرَحْلِ مِنْها ... حَيْثُ يَلقَى بِيعَتاها
طَيَّرَتْ عَنْهُ الكَرَى طا ... ئِرَةٌ طارَ كَراها
وَدَّ إِذْ فاهَتْ بِشَجْوٍ ... أَنَّهُ قبَّلَ فاها
صبَّةٌ تَنْدُبُ صَبّاً ... قَدْ شَجَتْهُ وَشَجاها
زُيِنَتْ حَتَّى انْتَهَتْ فِي ... زَيْنَةٍ فِي مُنتَهاها
فَهْيَ مَرْجانٌ شَواها ... لازَوَرْدٌ دَفَّتاها
وَهْيَ تِبْرٌ مُنْتَهاها ... فِضَةٌ قِرْطَمتاها
قُلِدَتْ بِالجَزْعِ لمَّا ... قُلِدَتْ سالِفَتاها
حَلَبٌ أَكْرَمُ مَأْوّى ... وَكَريمٌ مَنْ أواها
بَسَطَ الغَيْثُ عَلَيْها ... بُسْطَ نُوْرٍ ما طَواها
وَكَساها حُلَلاً أَبْ ... دَعَ فِيها إذْ كَساها
حُلَلاً لُحْمَتُها السَوْ ... سَنُ وَالوُرْدُ سُداها
إِجْنِ خَيْريًّا بِها بِال ... لَحْظِ لا تَسْأَمْ جَناها
وَعُيُونُ النَرْجِسِ الُمنْ ... هَلِّ كَالدَمْعِ نَداها
وَخُدُودّا مِنْ شَقِيقِ ... كَلَظَى الخَمْرِ لَظاها
وَثَنايا أُقْحُوَانا ... تِ سَنَى الدُرِّ سَناها
ضاعَ آذَرْيُونُها إِذْ ... ضاعَ مِنْ تِبْرٍ ثَراها
وَطَلا الطَلُّ خُزاما ... ها بِمسْكٍ إِذْ طَلاها
واقْتَضَى النِيلُوفِرُ الشَوْ ... قَ قُلُوباً وَاقْتَضاها
стр. 57
بِحَواشٍ قَدْ حَشاها ... كُلُّ طِيبٍ إِذْْ حَشاها
وَبِأَوْساطٍ على حذْ ... وِ الزَنابِيرِ حَذاها
فاخِرِي يا حَلَبُ المُزْ ... نَ تَزِدْ جاهَكَ جاها
إِنَها إِنْ تَكُنْ المُدْ ... نُ رِخاخاً كُنْتِ شاها
وقال أيضاً:
سَقَى حَلبَ الُمْزنُ مَغْنَى حَلَبْ ... فَكَمْ وَصَلتْ طَرَباً بِالطَرَبْ
وَكَمْ مُسْتَطابٍ مِنْ العَيْشِ لَذَّ ... بِها لي إِذا العَيْشِ لِمْ يُسْتَطَبْ
إِذا نَشَرَ الزَهْرُ أَعْلامَهُ ... بِها وَمَطارِفُهُ وَالعَذَبْ
غَدا وَحَواشِيهِ مِنْ فِضَّةٍ ... تِرُوقُ وَأَوْساطُهُ مِنْ ذِهَبْ
زَبَرْجَدُهُ بَيْنَ فِيرُوزَجٍ ... عَجِيبٍ وَبَيْنَ عَقيقٍ عَجَبْ
يُلاعِبُهُ الرِيحُ صَدْرَ الضُحَى ... فَيَجْلِي إِلَيْنا جَلاءَ اللُعَبْ
وقال أيضاً:
سَقَى حلباً ساقِي الغَمامِ وَلا وَنَى ... يَرُوحُ عَلَى أَكْنافِها وَيُبَكْرُ
هِيَ المَأَلَفُ المَأْلُوفُ وَالمَوْطِنُ الَّذِي ... تَخَيَّرْتُهُ مِنْ خَيْرِ ما أَتَخَيَّرُ
صَحِبْتُ لَدَيْها الدَهْرُ وَالدَهْرُ أَبْيَضٌ ... وَنادَمْتُ فِيها العَيْشَ وَالعَيْشُ أَخْضَرُ
لَنا في بُعاذيِنٍ مَصِيفٌ وَمَرْبَعٌ ... وَفِي جَوِ باَصفْرا مَبْدَى وَمَحْضرُ
رِباعُ بَنِي الهَمَّاتِ حَيْثُ تَشاءَمُوا ... لِيُعْرَفَ مَعْرُوفٌ وَيُنْكَرَ مُنْكَرُ
تُرَى تُرَبٌ شَتَّى فَتُرَبٌ مُصَنْدَلٌ ... يُنَافِسُهُ في الحُسْنِ تُرَبٌ مُزَعْفَرُ
وَرَوْضَا تَلاقى بَيْنَ أَثْناءِ نَبْتِهِ ... مُمَسَّكُ نَوْرٍ يُجْتَنَى وَمُعَنْبَرُ
وممّا قاله أبو الفتح محمود بن الحسن بن السندي المعروف بكُشاجِم يصف حلب:
أَرَتْكَ يَدُ الغَيْثِ آثارَها ... وَأَعْلَنَتِ الأَرْضُ أَسْرارَها
وَكانَتْ أَكَنَّتْ لِكانُونِها ... خَبِيّاً فَأَعْطَتْهُ آذارَها
فَما تَقَعُ العَيْنُ إِلاَّ عَلَى ... رِياضٍ تُصَنِّفُ نُوّارَها
يُفَتِّحُ فِيها نَسِيمُ الصَبا ... جَناها فَيَهْتِكُ أَسْتارَها
وَيَسْفَحُ فِيها دَماءَ الشَقِي ... قِ إِذا ظَلَّ يَفْتَضُّ أَبْكارَها
وَيُدْنِيْ إِلى بَعْضَها بَعْضَها ... كَضّمِ الأَحِبَّةِ زُوّارَها
تَغُضُّ لِنَرْجِسِها أَعْيْناً ... وَطَوْراً تُحَدِّقُ أَبْصارَها
إِذا مُزَنَةٌ سَكَبَتْ ماءَها ... عَلَى بُقْعَةٍ أَشْعَلَتْ نارَها
وَما أَمْتَعَتْ جارَها بَلْدَةٌ ... كَما أَمْتَعَتْ حَلَبٌ جارَها
هِيَ الخُلْدُ تَجْمَعُ ما تَشْتَهِي ... فَزُرْها فَطُوبَى لِمَنْ زارَها
وَلِلَّهْوِ فِيها شُهُورُ الرَبِي ... عِ حِينَ تُعَطِّرُ أَزْهارَها
إذا ما اسْتَمَدَّ قُوَيْقُ السَما ... ءَ بِها فَأَمَدَّتْهُ أَمْطارُها
وَأَقْبَلَ يَنْظِمُ أَنْجادَها ... بِفَيْضِ المِياهِ وَأَغْوارَها
وَدار بِأَكْنافِهِا دَوْرَةً ... فَنَسَّى الأَوَائِلَ بِرْكارَها
كأَنَّ هُلُوكاً حَبَتْهُ السِوا ... رُ أَوْ سَلَبَ الكَفُّ أُسْوارَها
ومما قاله أبو العلاء أحمد بن سليمان المعرّيّ في مدحها:
ياشاكِي النُوبِ إنْهَضْ طالِباً حَلَباً ... نُهُوضَ مُضْنىً لِجِسْم الداءِ مُلْتَمِسِ
وَاخْلَعْ حِذاءَكَ إنْ حاذَيْتَها وَرَعاً ... كَفِعْلِ مُوسى كَلِيمِ اللهِ فِي القُدُسِ
وقال أيضاً:
حَلَبٌ لِلوارِدِ جَنَّةُ عَدْنٍ ... وَهْيَ لِلغادِرِينَ نارُ سَعِيرُ
وَالعَظِيمُ العَظِيمُ يَكْبُرُ في عَيْ ... نَيْهِ مِنْها قَدْرُ الصَغِيرِ الصَغِيرِ
فَقُويْقُ في أُنْفُسِ القَوْمِ بَحْرُ ... وَحَصَاةٌ مِنْه نَظِيرُ ثَبِيرِ
ومما قاله أبو محمد عبد الله بن محمد بن سنان الخفاجيّ الحلبيّ متشوّقاً لحلب وهو بديار بكر:
خَلِيليَّ مِنْ عَوْفِ بنِ عُذْرَةَ إِنَّني ... بِكُلِّ غَرامٍ فِيكُما لَجَدِيرُ
كَفى حَزَناً أَنِّي أَبِيتُ وَبَينَنَا ... وَسِيعُ الفَلا وَالسامِرُونَ كَثِيرُ
стр. 58
وَأُصْبِحُ مَغْلوباً عَلَى حُكْمِ رَأْيِهِ ... وَقَدْ عِشْتُ دَهْراً مَا عَليَّ أَمِيرُ
أَشِيمُ رِكابِي فِي بِلادٍ غَرِيبَةٍ ... مِنَ العِيسِ لَمْ يُسْرَحْ بِهِنَّ بَعِيرُ
فَقَدْ جُهِلَتْ حَتَّى أَرادَ خَبِيرُها ... بِوِادِي القَطِينِ أَنْ يُلُوحَ سَنِيرُ
وَكَمْ طَلَبَتْ ماءَ الأَحصِّ بِآمِدٍ ... وَذَلِكَ ظُلمٌ للرَجاء كبيرُ
عِدُوها قُوَيْقاً وُاطْلُبُوا لِجَنِينِها ... بِجلنبِ جِسْمِي أَنْ تَهُبَّ دَبُورُ
فَواللهِ ما رِيحُ الصَبا بِحَنِينِهِ ... إِلَيْها وَلا ماءُ الأَحَصِّ نَمِيرُ
سَقَى الهَضْبَةَ الأَدْماءَ مِنْ رُكْنِ جَوْشَنٍ ... سِحابٌ يُسَدِّي نَوْرَهُ وَيُنِيرُ
وَحَلَّ عُقُودَ المُزْنِ فِي حَجَراتِهِ ... نَسِيمٌ بِأَدْواءِ القُلُوبِ خَبِيرُ
فَما ذَكَرَتْهُ النَفْسُ إِلاَّ تَبادَرَتْ ... مَدامِعُ لا يُخْفَى بِهِنَّ ضَمِيرُ
وقال أيضاً في مثل ذلك:
قُلْ لِلنَسّيمِ: إِذا حَمَلْتَ تَحيَّةً ... فَاهْدِ السَلامَ لِجَوْشَنٍ وَهِضابِهِ
وَاسْأَلْهُ: هَلْ سَحَبَ الرَبِيعُ رِداءَهُ ... فِيها وَجَرَّ الفَضْلَ مِنْ هُدّابِهِ
وَتَبَسَّمَتْ عَنْهُ الرِياضُ وَأَفْصَحَتْ ... بِثَناءٍ بارِقِهِ وَمَدْحِ سَحابِهِ
وَلَقَدْ حَنَنْتُ وَعادِلي مِنْ نَحْوِهِ ... شَجَنٌ بَخِلْتُ بِهِ عَلى خُطّابِهِ
وَصَبابَةٌ عَلِقَتْ بِقَلْبِ مُتَيَّمٍ ... وَصَلَ الغَرامُ إِلَيْهِ قَبْلَ حِجابِهِ
وَإِذا الغَرِيبُ صَبا إِلى أَوْطانِهِ ... شَوْقاً فَمَعْناهُ إِلى أَحْبابِه
وممّا قاله أبو الفتيان محمّد بن سلطان بن حيّوس من قصيدة مدح بها الأمير شرف الدولة أبا المكارم مسلم بن قريش لمّا فتح حلب في شهور سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة:
ما أَدْرَكَ الطَلَباتِ غَيْرُ مُصَمِّمِ ... إِنْ أَقْدَمَتْ أَعداؤُه لَمْ يُحْجِمِ
لا يَشْتَكُونَ إِلَيْكَ نائِبَةً سِوَى ... تَقْصِيرِهِمْ عَنْ شُكْرٍ هذِي الأَنْعُمِ
أَقْدَمْتَ أَمْنعَ مُقدِمٍ وَغَنِمْتَ أَوْ ... في مَغْنَمِ وَدِمْتَ أَسْعَدَ مَقْدَمِ
وَلَقَدْ ظَفِرْتَ بِما يَعِزُّ مَرامُهُ ... إلآَّ عَلَيْكَ فَدُمْ عَزِيزاً وَاسْلَمِ
كانَتْ تُعَدُّ مِنَ المَعاقِلِ بُرْهَةً ... وَسَمَتْ بِمُلْكِكِ وَهْي بَعْضُ الأَنْجُمِ
فَضَلَتْ عَلى كُلِّ البِقاعِ وَبَيَّنَتْ ... فَضْلَ الصَبُورِ عَلى المُمِضِّ المُؤْلِمِ
مَنْ ذادَ عَنْها نَخْوَةً لَمْ يَخْشَ مِنْ ... عَنَتِ العِتابِ وَلا مَلامِ اللُوَّمِ
ومّما قاله الأمير أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة المعرّيّ حين ظفر معزّ الدولة أبو علوان ثِمال بن صالح بن مِردْاس برفق الخادم حين ندبه المستنصر صاحب مصر لمحاصرة حلب فهرب أصحاب رفق وأُسر بعد أن أقام محاصراً حلب مدّةً ووقع برأسه ضربةٌ مثخنة فتُوفّي بها:
يا رفْقُ رِفْقاً رُبَّ فَخْلٍ غَرَّه ... ذا المَشْرَبُ الأَهْنَى وَهذا المَطْعَمُ
حَلَبٌ هِيَ الدُنيا وَمَطْعَمُها لَنا ... طَعْمانِ شُهْدٌ فِي المَذاقِ وَعَلْقَمُ
قَدْ رامَها صِيدُ المُلُوكِ فَعاوَدُوا ... عَنْها وَما غَنِمُوا وَلكِنْ أَغْنَمُوا
وممّا قاله الوزير أبو القاسم الحسين بن عليّ بن الحسين بن المغربيّ في ذلك:
أَمّا إلى حَلَبِ فَقَلْبِي نازِحٌ ... أَبَداً وَماءُ عَلاقَتِي مُتَصَوِّبُ
بَلَدٌ عَرَفْتُ بِها العَذُولَ مُكَمَّماً ... عَنِّي وَشَيْطانَ الغَوايَةِ يَحْلِبُ
أَيّامَ أَرْكَبُ مِنْ شَبابِي جامِحاً ... فَيَمُرُّ بِي فِيما يَشاءُ وَيَذْهَبُ
هَيْهاتَ لا تِلْكَ اللَيالي عُوَّدٌ ... أَبَداً وَلا ذاكَ الزَمانُ مُعَقِّبُ
لَهْفِي عَلَيْهِ وَإِنْ تَمَطَّقَ عاذِلٌ ... فِيهِ وَأَفْصَحَ عَنْهُ حَيْسٌ مُهْذَبُ
وقال أيضاً:
يا صاحِبَيَّ إِذا أَعْياكُما سَقَمِي ... فَلَقِيانِي نَسِيمَ الرِيحِ مِنْ حَلَبِ
стр. 59
مِنَ البِلادِ الَّتِي كانَ الصِبا سَكَتي ... فِيها وكانَ الهَوَى العُذْريُّ مِنْ أَرَبي
وقال أيضاً:
مِلْ بِي إِلى حَلَبٍ أُعَلِّلْ ناظِري ... فِيها غَداةَ تَحُثُّ بِي الأَشْواقُ
بَلَدٌ أَرَقْتُ بِهِ مِياهَ شَبِيبَتي ... حَيْثُ النَجِيعُ إِذا أَرَدتُ مُراقُ
وممّا قاله أبو العبّاس بن عبد الله الصفريّ في مثل ذلك:
سَقى الأَكْنافَ مِنْ حَلَبِ سَحابٌ ... يُتابِعُ وَدْقهْ الُمنهِلَّ وَدْقُ
وَلا بَرِحَتْ عَلَى تِلْكَ المَغانِي ... مَزادُ المُزْنِ مَتْأَقَةً تُشَقُّ
وقال أيضاً يتشوقّ حلب وهو في دمشق:
مَنْ مُبلغ حلب السلام مضاعفاً ... من مغرم في ذاك أَعْظِمُ حاجِه
أَضْحَى مُقِيماً فِي دِمَشْقَ يَرَى بِها ... عَذْبَ الشَرابِ مِنَ الأَسَى كأُجاجِه
وممّا قاله أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان في مثل ذلك:
أَلشامُ لا بَلَدُ اَلجزِيرَةِ لَذَّتِي ... وَقُوَيْقُ لا ماءُ الفُراتِ مُنائِي
وَأَبِيتُ مُرْتَهَنَ الفُؤَادِ بِمَنْبِجَ ال ... سَوْداءِ لا بالرَقَّةِ البَيْضاءِ
وقال أيضاً:
ارْتاحَ لَمّا جازَ إِرْتاحاً ... وَلاحَ مِنْ جَوْشَنَ ما لاحا
لَمّا رَأَى مَسْحَبَ أَذْيالِهِ ... باحَ مِنَ الحُبِّ بِما باحا
مَلْعَبُ لَهْوٍ كُلَّما زُرْتُهُ ... وَجَدْتُ فِيهِ الرُوحَ وَالراحت
وممّا قاله أبو الحسن عليّ بن الحسن بن عنتر بن ثابت الحلويّ:
لَئِنْ سَمَحَتْ أَيْدي اللَيالِي بِرِحْلةٍ ... إِلى حَلَبٍ حَلَّ الحَيا عِندَها الحُبا
شَكَرْتُ لِما أَوْلَتْ يَداً غُرْبَةُ النَوَى ... زَمانِي بِها شُكْرَ المُجازَى عَلَى الحِبا
وقابَلْتُ مَغْناهُ وَقَبَّلْتُ مَبْسِماً ... يُحَيّي فَيَحْيا عِنْدَهُ مَيِّتُ الصِبا
فأَهْلاً وَسَهْلاً بِالشَمالِ تأَمُّهُ ... وَسَقِياً وَرَعياً لِلجَنوبِ وَلِلصَبا
وممّا قاله المهذّب عيسى بن سعدان الحلبيّ من أبيات يتشوّق إليها:
عَهْدِي بِها فِي رِواقِ الصُبْحِ لامِعَةً ... تلْوِي ضَفائِرَ ذاكَ الفاحِمِ الرَجِلِ
وَقَوْلُها وَشُعاعُ الشَمْسِ منْخَرِطٌ: ... حُيّيْتَ يا جَبَلَ السُمّاقِ مِنْ جَبَلِ
يا حَبَّذا التَلَعَاتُ الخُضْرُ مِنْ حَلَبٍ ... وَحَبَّذا طَلَلٌ بِالسَفْحِ مِنْ طَلَلِ
يا ساكِني البَلَدِ الأَقْصَى عَسَى نَفَسٌ ... مِنْ سَفْحِ جَوْشَنَ يُطفي لاعِجَ الغَلَلِ
طالَ المُقامُ فَواشَوْقي إِلى وَطَنٍ ... بَيْنَ الأَحَصِّ وَبَيْنَ الصَحْصَحِ الرَمِلِ
ماذا يُرِيدُ الهَوَى مِنِّي وَقَدْ عَلِقَتْ ... إِنِّي أَنا الأَرْقَمُ بنُ الأَرْقَمِ الدَغِلِ
وقال أيضاً:
يا دِيارَ الشَامِ حَيّاكِ الحَيا ... وَسَقَى ساحَتَكِ الغَيْثُ الهَمُولْ
وَتَمَشَّتْ فِي نَواحِي حَلَبٍ ... شارِداتُ الرَوْضِ وَالساارِي البَلِيلْ
تَدْرُجُ الرِيحُ عَلَى ساحاتِها ... وَيُحَيِها الفُراتُ السَلْسَبِيلْ
كُلَّما مَرَّ عَلَيْها سُحْرَةً ... عَبَّقَ المِسْكُ بِها وَالزَنْجَبِيلْ
لا عضدا الثأثُورَ مِنْ شَرْقِيّها ... عَقْبَهُ المَنْدِلُ وَالريِحُ البَليلْ
ومما قاله الخطيب أبو عبد الله محمّد بن الواحد بن حرب وهو بالبيرة يتشوق حلب من أبيات:
يَقَرُّ لِعَيْنِي أَنْ أَرُوحَ بِجَوْشَنٍ ... وَماءُ قُوَيْقٍ تَحْتَهُ مَتَسَرِّبا
لَقَدْ طُفْتُ فِي الآفاقِ شَرْقاً وَمَغْرِباً ... وَقَلّبْتُ طَرْفِي بَيْنَها مَتَقَلِّبا
فَلَمْ أَرَ كَالشَهْباءِ فِي الأَرْضِ مَنْزِلاً ... وَلا كَقُوَيْقِ فِي المَشارِبِ مَشْرَبا
جَعَلْتُ استِعارَ الوجْدِ لِي بَعْدَ بُعْدِكُمْ ... شِعاراً وَمَجْرَى مُذهَبِ الدَمْع مَذْهَبا
لَعَلَّ زَماناً قَدْ قَضَى بِفِراقِنا ... يُرِيني قَرِيباً شَمْلَنا مُتَقَرِبا
وممّا قاله أبو نصر محمّد بن محمّد بن الخضر الحلبيّ:
يا حَلَباً حُيّيْتِ مِنْ مِصْرِ ... وَجادَ مَغْناكِ حَيا القَّطرِ
стр. 60
أَصْبَحْتُ في جِلَّقَ حَرّانَ مِنْ ... وَجْدِ إِلَى مَرْبَعِكِ النَضْرِ
وَالعَيْنِ مِنْ شَوْقِ إِلَى العَيْنِ وَال ... فَيْضِ غَدَتْ فائِضةً تَجْرِي
ما بَرَدَى عِنْدِي وَلا دِجْلَةٌ ... وَلا مَجارِي النِيلِ مِنْ مِصْرِ
أَحْسَنُ مَرْأًى مِنْ قُوَيْقٍ إِذا ... أَقْبَلَ في المَدِّ وَفي الجَزْرِ
يا لَهْفَتا مِنْهُ عَلَى جُرْعَةٍ ... تُبَلُّ مِنْهُ غُلَّةُ الصَدْرِ
كَمْ فِيكَ مِنْ يَوْمٍ وَمِنْ لَيْلَةٍ ... مَرَّ لَنا مِنْ غُرَرِ الدَهْرِ
ما بَيْنَ بِطْياسٍ وَحَيْلانَ وَال ... مَيْدانِ وَالجَوْسَقِ وَالجِسر
وَرَوْضُ ذاكَ الجَوْهَريّ الَّذِي ... أَرْواحُهُ أَذْكَى مِنَ العِطْرِ
وَزَهْرُهُ الأَحْمَرُ مِنْ ناضِرِ ال ... ياقُوتِ والأَصْفَرُ كَالتِبْرِ
وَالنَوْرُ فِي أَجْيادِ أَغْصانِهِ ... مُنَظَّمٌ أَبْهَى مِنَ الدُرِّ
مَنازِلٌ لا زال خَلْفُ الحيا ... عَلَى رُباها دائِمُ الدَرِّ
تاللهِ لا زِلْتُ لَها ذاكِرا ... ما عِشْتُ فِي سِرِّي وَفي جَهْرِي
وَكَيْفَ يَنْساها فَتىً صِيغَ مِنْ ... تُرْبَتِها الطَيِّبَةِ النَشْرِ
وَكُلُّ يَوْمٍ مَرَّ فِي غَيْرِها ... فَغَيْرُ مَحْسُوبٍ مِنَ العُمْرِ
إنْ حَنَّ لي قَلْبٌ إِلَى غَيْرِها ... فَلا غَرْوَ حَنِينُ الطَيْرِ لِلوَكْرِ
يا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَراها وَهَلْ ... يَسْمَحُ بالقُرْبِ بِها دَهْرِي
قال الأمير ركن الدين أحمد بن قرطايا: أنشدني موفّق الدين أبو القاسم ابن أبي الحديد الكاتب يتشوَّق حلب من أبيات:
وَكَيْفَ أُداوِي بِالعِراقِ مَحَبَّةً ... شامِيَّةً إنَّ الدَواءَ بَعيدُ
فعملتُ له أوّلاً وهو:
سَلامٌ عَلَى الحَيَّ الَّذي دُونَ جَوْشَنٍ ... سَلامٌ يُرِثُّ الدَهْرَ وَهُوَ جَدِيدُ
تَضُوعُ بِمَسْراه البِلادُ كَأَنَّما ... ثَراها مِنَ الكافُورِ وَهْوَ صَعِيدُ
فَليِ أَبَدًا شَوْقٌ إِلَيْهِ مُبَرِحٌ ... وَلِي كُلُّ يَوْمٍ أَنَّةٌ وَنَشِيدُ
وَكَيْفَ أُداوِي بِالعِراقِ مَحَبَّةً ... شَامِيَّةً إِنَّ الدَواءَ بَعِيدُ
ومن القصائد البديعات المستحسنات قصيدة قالها أبو محمّد عبد الرحمان بن بدر بن الحسن بن المفرّج النابُلُسيّ يذكر فيها ظاهر حلب ممّات يلي الميدان الأخضر الّذي جدّده الملك الظاهر غازي بن يوسف:
فَحَبَّذا فِي حَلَبٍ مَسارِحٌ ... لِلحُسْنِ رُوحُ الرُوحِ فِي عِيانِها
وَحَبَّذا ما تَمْرَحُ الأََعيُنُ فِي ... مُرُوجِهِ الفَيْحاءِ مِنْ مَيْدانِها
وَما اكْتَسَتْ أَقطارُهُ مِنْ حُلَلٍ ... تَنَوَّقَ الصانِعُ فِي أَلْوانِها
وَما جِرِى حَوْلَيْهِ مِنْ جَداوِلٍ ... عْيْنُ الَحياةِ الوِرْدُ مِنْ غُدْرانِها
رَحْبُ مَجالِ الَخيْلِ مُمْتَدُّ مَدَى ال ... سابِقِ فِي الَحلْبَةِ مِنْ فُرْسانِها
لا يَبْلُغُ الغايَةَ مِنْ أَقطارِهِ ... إِلاَّ فَتًى يُطْلِقُ مِنْ عِنانِها
يَشْرَحُ إِذ يُحلُّهُ صَدْرُ الفَتَى ... وَتَمْرَحُ الِجيادُ فِي أَرْسانِها
فَما لَمِلْكٍ لَذَّةٌ أَحْلَى بِهِ ... مِنْ كُرَةِ اللَعِبِ وَصَوْلَجَانِها
مُمَهَدُ البُقْعَةِ للمَجْرَي بِهِ ... مَنَزِّهُ الرُقْعَةِ عَنْ شَيْطانِها
كَأَنَّهُ بَعْضُ مُرُوجِ الجَنَّةِ ال ... فَيْحاءِ قَدْ زُحْزِحَ عَنْ رِضْوانِها
ثمّ ذكر القصر الذي بُني هناك فأضربنا عن ذكره إذ هو ليس مما نحن بصدد ذكره.
قال أبو المحاسن بن نوفل الحلبيّ:
صَبٌّ بِأنْواعِ الهُمُومِ مُوَكَّلُ ... وَأَقَلُّها لا يُستَطاعُ فَيُحْمَلُ
فَدُمُوعُهُ لا تَأْتَلي مَسْفُوحَةً ... لِوَمِيضِ بَرْقٍ أَوْ حَمامٍ يَهْدِلُ
أَوْ نَفْحَةٍ نَقَلَتْ لَهُ مِنْ جَوْشَنٍ ... وَهِضابِهِ الأَخْبارَ فِينا تَنْقُلُ
تَأْتِي وَذَيْلُ رِدائِها مِنْ ماءِ وَرْ ... دِ قُوَيْقِهِ عِطْرُ النَسِيمِ مُصَنْدَلُ
стр. 61
فَتَظَلُّ وَهُوَ مَكَرَّرٌ تَسْأَلُها ... تَتْلُو عَلَيْهِ وَذُو الصِبابَةِ يَسْأَلُ
فَتُعِيدُ جامِحَهُ ذَلُولاً طائِعاً ... وَالشَوْقُ لِلصَعْبِ الجَمُوحِ مُذَلِّلُ
شَوْقَاً إِلَى بَلَدٍ يَكادُ لِذِكْرِهِ ... يَقْضي جَوىً لَكِنَّهُ يَتَحَمَّلُ
وَيَلُوذُ بِالآمالِ عَلَّ بَعِيدَها ... يَدْنُو وَجامِحَها يَلِينُ وَيَسْهُلُ
وقال نور الدين عليّ بن موسى بن سعيد الغرناطيّ ببغداد يتَشوّق حلب:
حادِيَ العِيسَ كَمْ تُنِيخُ المَطايا ... سُقْ فَرُوحِي مِنْ بُعْدِهِمْ فِي سِيلقِ
حَلَباً إِنَّها مَقَرُّ غَرامِي ... وَمَرامِي وَقِبْلَةُ الأَشْوَاقِ
لا خَلا جَوْشَنٌ وَبِطْياسُ وَالسَعْ ... دِيُّ مِنْ كُلِّ وَابِلٍ وَغَيْداقِ
كَمْ بِها مَرْتَعاً لِطَرْفٍ وَقَلْبٍ ... فِيهِ يُسْقَى المُنَى بِكَأْسِ دِهاقِ
وَتَغَنّي طُيُورِهِ لاِرْتِياحٍ ... وَتَثَنِّي غُصُونِهِ للِعِناقِ
وَعَلَى الشَهْبَآءِ حَيْثُ اسْتَدارَتْ ... أَنْجُمُ الأُفْقِ حَوْلَها كَالنِطاقِ
وَمَجَرُّ الصَبا بِشَطِّ قُوَيْقٍ ... لا عَدَتْهُ حَدائِقُ الأَحْداقِ
وقال الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمّد بن الملم الظاهر يتشوّق حلب وهو بدمشق:
سَقَى حَلَبَ الشَهْبَآءَ فِي كُلِّ لَزْبَةٍ ... سَحابةُ غَيْثٍ نَوْءها لَيْسَ يُقْلِعُ
فَتِلْكَ رُبُوعِي لا العَقِيقُ وَلا الحِمَى ... وَتِلْكَ دِيارِي لازَوَردٌ وَلَعْلَعُ
وعلى أثر ذكر الشهباء فإنّ من أحسن ما نبتُه من أوصافها ما قاله السريّ الرّفاء في قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
وَشاهِقَةٍ يَحْمِي الحِمامَ سُهُولُها ... وَيَمْنَعُ أَسْبابَ المَنايا وَعُورُها
إذا سَتَرَتْ غُرَّ السَحابِ وَقَدْ سَرَتْ ... جَوانِبُها خِلْتَ السِحابَ سُتُورَها
وَإِنْ عادَ خَوْفاً مِنْ سُيوفِكَ رَبُّها ... يَدُورُ بِها أَضْحَى لَدَيْكَ أَسِيرَها
مُقِيماً يَمُرُّ الطَيْرِ دونَ مَقامِهِ ... فَلَيْسَ تَرَى عَيْناهُ إِلاَّ ظُهُورَها
بَعَثْتَ إِلَى عَلْيائِها الأُسْدَ فَانْثَنَتْ ... تُساوِرُ بِالبِيضِ الصَوارِمِ سُورَها
وللخالديين من قصيدتَيْن مدحا بهما سيف الدولة ويهنّيانه فيهما بفتح حلب جاء في إحداهما في صفة القلعة:
وَخَرْقَآءُ قَدْ تاهَتْ عَلَى مَنْ يَرُومُها ... بِمَرْقَبِها العالِي وَجانِبِها الصَعْبِ
يَزُرُّ عَلَيْها الجَوُّ جَيْبَ غَمامِهِ ... وَيُلْبِسُها عِقْداً بِأَنْجُمِهِ الشُهْبِ
إِذا ما سَرَى بَرْقٌ بَدَتْ مِنْ جِلالِهِ ... كَما لاَحتِ العَذْرآءُ مِنْ جِلَلِ الحُجْبِ
فَكَمْ ذِي جُنُودٍ قَدْ أَماتَتْ بِغُصَّةٍ ... وَذِي سَطواتٍ قَدْ أَبانَتْ عَلَى عَتْبِ
سَتَموْتَ لَها بالرَأْيُ يُشْرِقُ فِي الدُجَى ... وَيَقْطَعُ فِي الجُلَّى وَيَصْدَعُ فِي الهَضْبِ
فَأبْرَزْتَها مَهْتُوكَةَ الجَيْبِ بِالقَنا ... وَغادَرْتَها مَلْطُومَةَ الخَدِّ بِالتُرْبِ
وجاء في الأخرى:
وَقَلْعَةٍ عانَقَ العَيُّوقَ سافِلها ... وَجازَ مِنْطَقَةَ الجَوْزاءِ عالِيها
لا تَعْرِفُ القَطْرَ إِذْ كانَ الغَمامُ لَها ... أرْضاً تَوَطَّأَ قُطْرَيْهِ مَواسِيها
إذا الغمامَةُ راحَتْ خاضَ ساكِنُها ... حِياضَها قَبْلَ أَنْ تُهْمَى عَزالِيها
يُعَدُّ مِنْ أَنْجُمِ الأَفْلاكِ مَرْقَبُها ... لَوْ أَنَّهُ كانَ يَجْرِي فِي مَجارِيها
عَلَى ذُرىً شامِخٍ وَعْرٍ قَدِ امْتَلأَتْ ... كِبْراً بِهِ وَهْوَ مَمْلُؤٌ بِها تِيها
لَهُ عُقابُ الجَوِّ حائِمَةٌ ... مَنْ دُونِها فَهْيَ تَخْفَى فِي خَوافِيها
رَدَتْ مَكائِدَ أَمْلاكٍ مَكائِدُها ... وَقَصَّرَتْ بِدَواهيهِمْ دَواهِيها
أوْطَأْتَ هِمَّتَكَ العَلْياءَ هامَتَها ... لَمَّا جَعَلْتَ العَوالِي مِنْ مَراقِيها
فَلَمْ تَقِس بِكَ خَلْقاً فِي البَرِّيَّةِ إِذْ ... رَأَتْ قَسِيَّ الرَدَى في كَفِّ باريها
стр. 62
وقال الفقيه الوزير أبو الحسن عليّ بن ظافر بن حسين المعروف بابن أبي المنصور يصف قلعة حلب من قصيدة مدح بها الملك الظاهر بن يوسف بن أيّوب:
وَفَسِيحَةُ الأَرْجآءِ سامِيَةُ الذُرَى ... قَلَبَتْ حَسِيؤاً عَنْ عُلاها الناظِرا
كادَتْ لِفَرْطِ سُمُوِّها وَعُلُوِّها ... تَسْتَوْقِفُ الفَلَكَ المُحِيطَ الدائرا
وَرَدَتْ قَواطِنُها المَجَرَّةَ مَنْهَلاً ... وَرَعَتْ سَوابِقُها النُجومَ أزَاهِرا
شَمَّآءُ تَسْخَرُ بِالزَمانِ وَطالَما ... بِشواهِقِ البُنيانِ كانَ الساخِرا
وَيَظَلُّ صَرْفُ الدَهْرِ مِنْها خائِفاً ... وَجِلاً فَما يُمْسِي لَدَيْها حاضِراً
وَيَشُوقُ حُسْنُ رَوائِها مَعَ أَنَّها ... أَفْنَتْ بِصِحَتِها الزَمانَ الغابِرا
فَلأَجْلِها قَلْبُ الزَمانِ قَدِ انْثَنَى ... قَلِقَاً وَطَرْفُ الجَوِّ أمْسَى ساهِراً
غَلاَّبَةٌ غُلْبَ المُلُوكِ فَطالَما ... قَهَرَتْ مَنِ اغْتَصَبَ المَمالِكَ قاهِرا
غَنِيَتْ بِجُودِ مَلِيكِها وَعَلَتْ بِهِ ... حَتَّى قَدِ امْتَطَتِ الغَمامَ الماطِرا
فَتَرَت وَتَسْمَعُ للِغَمتمِ بِبَرْقِهِ ... وَالرَعْدِ لَمْعاً تَحْتَها وَزَماجِرا
وأنشد لي الشيخ الإمام العالم الفاضل بهاء الدين محمّد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر بن النحّاس الحلبيّ لنفسه يتشوّق حلب:
سَقَى حَلَبَاً سُحْبٌ مِنَ الدَمْعِ لَمْ تَزَلْ ... تَسُحُّ إذا شَحَّ السَحابُ غَمائِما
وَحَيَاً الحَيا قِيعانَها وَأَكامَها ... وَأَخْرَجَ فِيها لِلرَبِيعِ كَمائِما
بِلادٌ بِها قَضَّيْتُ لَهْوي وَصَبْوَتِي ... وَصاحَبْتُ فِيها العِيشَ جَذْلانَ ناعِما
وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جَلَدِي تُرابُها ... وَعَقَّ بِها عَنِّي الشَبابُ تَمائِما
وله أيضاً:
سَقَى زَماناً تَقَضَّى فِي رُبا حَلَبٍ ... مِنَ السَحابِ مُلَثُّ المُزْنِ هَطَّالُ
وَلا عَدا رُبْعَها غِيثٌ يُراوِحُهُ ... يَجُثُّهُ مِنْ حُداةِ الرَعْدِ أَزْجالُ
مَنازِلٌ لَمْ أَزَلْ أَلهُو بِمَرْبَعِها ... بِها نَعَمْتُ فَلا حالَتْ بِها الحالُ
أَصْبُو إِلَيْها وَلا أُصْغي لِلائِمةٍ ... ما لَذَّةُ العِشقإِلاَّ القِيلُ وَالقالُ
فصل. - قد أوردنا في وصف حلب وقلعتها من المنظوم محاسن ما وقفنا عليه وأوصلتنا الاستطاعة إليه ورأينا ما أثبتناه منه وإن كان قليلاً كافياً ولما يلحق النفوس من داء التضجّر شافياً ولا غِنى له عن أن يُضاف إليه من المنثور ما يفوق الدرّ ويزيّن لو رُصّع في التيجان الجباه الغرّ إذ هو حليفه وصديقه لا بل توءمه وشقيقه فربّ مؤخّر يُراد به التقديم ومصغّر وفُر حظّه من التحبيب والتعظيم.
من رسالة للقاضي الفاضل كتب بها عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى أخيه الملك العادل أبي بكر محمد بفتح حلب: قد علم المجلس السامي موضع حلب من البلاد وموقعها من المراد وفاتحة النجدة بها من الله في الجهاد وفادحة فتحها في الكفّار والأضداد وكتابنا وقد أُنعم بها ما شفيت للسيف فيها غُلّة ولا أُتي فيها بما يشقّ على أهل الملّة ولا عدَوْنا ما يبني للمسلمين العزّة ويورث عدوّهم الذلّة وعُوّض عماد الدين عنها من بلاد الجزيرة سِنجار ونصِيبين والخابور والرقّة وسَروج فهو صرف بالحقيقة أخذنا فيه الدينار وأعطيناه الدرهم ونزلنا عن السوار وأحرزنا المعصم وكتابنا هذا وقد تمكنّتُ أعلامنا موفيةً على قلعتها المنفية وتفرّقتُ نوّابنا في مدينتها موفّيةً بمواعد عدلنا الجليلة اللطيفة فانتظم الشمل الّذي كان نثيراً وأصبح المؤمن بأخيه كثيراً وذهب الكلال وأُرهف الكليل ونُزع الغُلّ وشفي الغليل.
стр. 63
وكتب عماد الدين أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن حامد الأصفهاني في مثل ذلك: صدرت هذه المكاتبة مبشّرةً بما منّ الله تع به من الفتح العزيز والنصر الوجيز والنجح الحريزوالنعمة الّتي جلت الغمّاء فجلّت وحلت في مداق الشكر وحلت وعلت بها كلمة الدين فانهلت وأنهلت وعلّت وطالت يدها بالطول وبأيديها أطلّت وذلك فتح حلب الّذي درّ حلبه ونجح طلبه وبلغ أمد الفلج غلبه ووضّح لحب هذه الدولة القاهرة لحبه فإنه قد سُكنت الدهماء مذ سكنت الشهباء وبشَّرت أختها السوداء لمّا كانت لنا في فتحها اليد البيضاء فاخضرت الغبراء وآلت ألاّ تغبر بعدها إلاّ في سبيل الله الخضراء وتلاها فتح حارم الّتي انجلت به الداهية الحمراء وعلت بالعواصم لفتح بني الأصفر رايتنا الصفراء واهتزت طرباً إلى الجهاد في أيدي شائميها ومشرعيها البيضاء والسمراء فقد زال الشغب وأسفر عن الراحة التعب واتّحدت كلمة الإسلام وعساكره وصدقت زواجره وربحت بالتنقل في الأسفار متاجره وكتب محي الدين محمّد بن علي بن الزكي قاضي دمشق إلى الملك الناصر بفتح حلب:) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجّل لكم هذه وكفّ أيدي الناس عنكم (وبعدُ فالحمد لله الّذي أنجز لملانا فتح الله على يدَيْه مشارق الأرض ومغاربها ووطّأ له ذرّ الممالك وغواربها وبلغ نفسه النفيسة من الدنيا والآخرة آمالها ومطالبها وأنال ملّة الإسلام ببقائه أوطارها ومآربها وأعز به معتقدها ومصاحبها وأذلّ بسطوته ملحدها ومحاربها ولا زالت عزماته مؤيدةً منصورة وراياته على رؤوس المعاقل مرفوعة منشورة وأعلامه على وهاد الأرض ويفاعها موصوفة مشهورة وقلوب المؤمنين بحياته ونصره جذلةً مسرورة وجموع الكفر وصور الصلبان بسيفه مغلولة مكسورة من النصر المتينوالفتح المبين والقدرة والانتصار والنصر والاقتدار والظفر والاستظهار ونيل الأمل وبلوغ الآوطار من فتح هذا المعقل الّذي أجمعت العقول على اختياره وتفضيله وعجزت الخواطر لولا ظهوره إلى عالم الحسّ عن تصويره في عالم الخيال وتمثله وسار ذكره والعجب به في الأقطار وطار بأجنحته التيه والترفع عن حصون الأرض كل مطار وشمخ بأنف العجب عن عدّه مع غير السحب بل الشهب فيا لها من شهباء ليس لها سوى السحاب سرج والريح لجام وعذراء لم يُفضَض لها بغير اختيار ختام وحسناء حليتها الأنجم الزهر وخمارها الغمار وذات إباء لا تعطي كفاً للأمس إلا حكم له بها الإسلام وناشز على الخطاب فلا تأذن في عقد إلا إذا كان خطيبة الإمام وصعبة على المذلّلين فلا تُؤخذ إلا بكف من اجتمعت عليه الكلمة لها زمام سافر النقية لمحولة لثمها وعليها من الحماية والحميّة نقاب ولثام فهي نهد والأرض لها صدر وألِف والبلاد لها سطر وطائر والمعاقل عندها غواشِ وراكب الحصون بين يديها مواشِ وفارس والمدن رجالاتهاوعانس والسعادة دلالاتها ونجم الأرض وسماؤه وموج البحر ماؤه وعَلَم والبلاد جيشه لا بل طود حلم يؤمِن على تعاقب الأيام وتوالي الأعوام عجلته وطيشه تفي إذا غدر الزمان وتصفو إذا تكدّر الإخوان وتحفظ إذا أضاع الأعوان وتظهر الحبّ والمقة إذا فركت الحرب العوان ترفّع سمعها عند العذل ولا يصل إليها كلام الواشٍ وتسمو بنظرها عن الخديعة فلا يميل بناظرها ساعٍ بها ولا ماشٍ وتأنف أن تعطي مقادتها إلا لأكرم الأكفاء ولا ترضى أن تستشعر من جهازها إلاّ بشعار الوفاء فهي بالإضافة إلى سائر الحصون المانعة كإضافة سميّها في جلالة قدره ومنافعه إلى سائر المائعات.
وذكر الشيخ الصالح الإمام العالم أبو جعفر أحمد بن جُبَيْر في كتاب وضعه ذكر رحلته وم رأى فيها من البلاد حلب فقال: بلدة قدرها خطير وذكرها في كل زمان يطير خطّابها الملوك كثير ومحلها من النفوس أثير فكم هاجت من كفاح وسُلّت عليها من بيض الصفاح لها قلعة شهيرة الامتناع ثابتةالارتفاع معدومة الشبيه والنظير في القلاع تناهت حصانةً أن تُرام أو تُستطاع قاعدة كبيرة ومائدة في الأرض مستديرة منحوتة الأرجاء موضوعة على نسبة اعتدال واستواء فسبحان من أحكم تدبيرها وتقديرها وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها عتيقة في الأزل حديثة وإن لم تزل قد طاولت الأيام والأعوام وشيّعت الخواصّ والعوامّ.
стр. 64
ثمّ قال لله درّه فلقد نطق بما آلت حالها إليه من الخراب وبلي به أهلها من الشتات والاغتراب فندبها وبكاها وتظلّم من الأيّام وشكاها: هذه منازلها وديارها فأين سكانها وعمّارها وتلك مدّة ملكها وبناؤها فأين أمراؤها الحمدانيّون وشعراؤها أجل فني جميعهم ولم يأن بعد فناؤها هذه حلب كم أدخلت من ملوكها في خبر كان ونسخت ظرف الزمان بالمكان أُنِّث اسمها فتحلّت بزينة الغوان ودانت بالغدر فيمن خان وتجلّت عروساً بعد سيف دولتها ابن حمدان هيهات سيهرم شبابها ويُعدَم خطّابها ويسرع حين خرابها.
القسمُ الثاني منَ الكِتاب في
ذكر ما هُو خارج عن دمشق
وهو مُضاف إليها: وَهُو ستَّةُ أبواب
الباب الأول في
ذكر أنهارِهَا وقَنَوَاتِهَا
في ذكر أنهارها
أصلها من عين تخرج من تحت " بيعة الفيجة وتظهر عند الخروج من الشِّعب، بموضع يُعرف بالنيرب وهو على جبل،. وينصبّ هذا الماء كالنهر العظيم، له صوت هائل يسمع على بُعد ويُرى نزوله وخرير دوية من أعلى الجبل على قرية آبل حتى ينتهي إلى المدينة.
وتتفرع منه الأنهار المعروفة وهي سبعة: ١ - نهر بردا.
٢ - ونهر ثورا.
٣ - ونهر يزيد.
٤ - ونهر قناة المزة.
٥ - ونهر باناس.
٦ - ونهر داريا.
٧ - ونهر داعية: وهو نهر لا يستعمل ماءُه للشرب، لأَن أَوساخ البلد وأقذارها تنصب إليه، فتسقي به البساتين لا غير.
وبها عين تسمّي عين الكرش من شماليهما.
فأما نهر يزيد: فالذي أسند ابن عساكر في " تاريخ دمشق عن زُفر قال: " سأَلت مكحولاً عن نهر يزيد، وكيف كانت قصته قال سأَلت منّي خبيراً. أَخبرني الثقة أَنَّه كان نهراً نباطيا يجري شيئاً يسقي ضيعتين في الغوطة، لقومٍ يُقال لهم بنو فوقا. ولم يكن فيه شيء لأَحد غيرهم، فماتوا في خلافة معاوية، ولم يبقَ لهم وارثٌ، فأخذ معاوية ضياعَهم وأَمواَلهم.
فلم يزال كذلك حتى مات معاوية، ووُلّي ابنه يزيد، فنظر إلى أَرضٍ ليس لها ماء - وكان مهندساً - ونظر إلى النهر فإذا هو صغير، فأَمر بحفره، فمنعه من ذلك أَهل الغُوطة، ودافعوه، فلطف بهم على أَن ضمن لهم خراجَ سنتهم من ماله، فأَجابوه إلى غير ذلك. فاحتقر نهراً في سعة ستة أشبار، وله ملء جنبتيه. وكان على ذلك كما شرط لهم. فهذه قصة نهر يزيد.
ومات في سنة أربع وستين - ولم يزل هذا النهر على ما أنبطه يزيد - حتى ولي هشام بن عبد الملك، فسأله أهل " حرستا " شرب سقائهم وماءً لمسجدهم. فكلّم فاطمة بنت يزيد في ذلك، فأجابته على أن يحتفر نهراً صغيراً يجري إلى مسجدهم للشّرب لا غير. وفتحَ الحجرَ الذي يمرّ الماء بقرية حرستا فِتراً في فتر مستدير، يجري لهم من الأرض على مقدار شبر من ارتفاع بطن الأرض.
وسأله عبدُ العزيز - مولى هشام - أَن يُجري لهم شيئاً يَسقي ضيعَته، فأجابه بعد أن سأل في أمره يوم الأَربعاء، وصُيرت لهم ماصية فتحُها في أصغر من شبر.
ثم سأله خالد على أن يسقي ضيعته فأجابه إلى يوم الخميس فَهُيئت عليه ماصية كحكايته.
" وأقام رجل من أهل دمشق يقال له جرجة بن قعرا عند سليمان " ابن عبد الملك شاهديْن يشهدان أن له في النهر قناةً تجري إلى حمام له بِديْره، وزعم أنها كانت عجمية، فسجل له سليمان بذلك سجلاَّ، وهي رطل من الماء يجري في سيلون في ديره.
وقلّ الماء في ولاية سليمان بن عبد الملَك حتى لم يبقى في " بردا " إلاّ شيء يسير. فشكوا ذلك إلى سليمان فوجه سليمان بن عبد الملك " عبيد بن " أسلم مولاه إلى أصل العين لكرايتها، فدخلوا لكرايتها، فبينما هم كذلك إذ هم بباب من حديد مُشبك يجري الماء من كُوىً فيه، يسمعون داخلها صوت ماء كثير، ويسمعون اضطراب الأسماك فيها، فكتبوا إلى سليمان بذلك، فأمرهم أن لا يحركوا شيئا، وأن يكروا بين يديه فأكروا.
ولم يزل كذلك إلى ولاية هشام بن عبد الملك، لم يكن فيه شيء أكثر من هذا. فشكا أهل " بردا " قلة الماء إلى هشام بن عبد الملك، فأمر القاسم بنَ زياد أن يماز لهم الأنهار فمازها فأعطى: أهل " نهر " يزيد: ستَ َّ عشرة مسكبة.
وأعطى الغور الكبير: خمس مساكب.
والغور الصغير: أربع مساكب.
ونهر داريا: ست عشرة مسكبة.
ونهر ثورا: اثنتين وأربعين مسكبة، وفيه يومئذ أربع عشرة ماصية تسقي وليس عليها رحا. ونهر قينية: إحدى عشرة مسكبة.
стр. 65
ونهر باناس: ثلاثين مسكبة، ومسكبة حملت فيه.
ليزيد بن أبي مريم مولى سهل بن الحنظلية، وثلاث مساكب للفضل بن صالح الهاشمي " حملت فيه " من بعد.
ونهر مجدول: اثنتي عشرة مسكبة.
ونهر داعية: ثلاث عشرة مسكبة.
ونهر حيوة: - وهو نهر الزلف -: اثنتي عشرة مسكبة.
ونهر التومة العليا: خمس مساكب.
ونهر التومة السفلي: أربع مساكب ونهر الزابون: أربع مساكب.
ونهر الملك: أربع مساكب.
والقناة لم تكن تمتاز يومئذ تأخذ ملء جنبتيها.
وكان الوليد بن عبد الملك لما بنى المسجد اشترى ماءً من نهر السكون يقال له " الوقية " فجعله في القناة إلى المسجد. والحجر شبر ونصف. وثقب الثقب شبراً في أقل من شبر، على أنه إذا انقطعت القناة أو اعتلت ليس لأحد أن يأخذ من ماء الوقيّة شيئاً، ولا لأصحاب القساطل فيها حق. فإذا جرت يأخذ كلُّ ذي حق حقه، وتفتح القساطل على الوَلاء.
وقال يزيد: أنا أدركت القناة يدخل فيها الرجلُ يسير فيها وهي مسقوفة يمد يديه فلا ينال سقفها، وليس فيها شيء مثلوم. ومات يزيد بن معاوية في رجب سنة أربع وستين فهذه قصة " نهر " يزيد.
وولّي سليمان بن عبد الملك سنة ستّ وتسعين، وتوفي يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسعة وتسعين.
فهذه الأنهار التي ينتفع بها الدَّاني والقاصي. وينقسم منها الماء الأرضين في الجداول من المواصي، ويدخل من بعضها الماء إلى البلد في القُنيِ، وينتفعُ به الناس الانتفاع العام على الوجه الهَني، ويتفرق إلى البرَك والحمَّامات، ويجري في الشوارع والسقايات.
ذكْرُ القُنِيّ
وبدمشق قنيّ لها أوقاف معينة، ومنها ما ليس له وقف، وإنما يجري عليها من المسلمين إسعاف، وأنا ذاكرٌ جميعها ومثبت عددها ليعرفها من أحبَّ أن يُعدّدها.
فمن ذلك ما هو في الجانب القبلي: ١ - قناة ابن الفاخوري، عند مسجد السقطّيين وباب الجابية، لها وقف.
٢ - قناة عند درب القصّاعين، تجديد الملك العادل.
٣ - قناة في أول القصّاعين، عن يمنة الداخل.
٤ - قناة أخرى في القصّاعين، عل دار ابن النقار.
٥ - قناة أخرى " فيها " عند دار سندقرا.
٦ - قناة أخرى، عند دار ابن الخيَّاط.
٧ - قناة عند سقاية الشيخ.
٨ - " قناة في القيسارية الفخرية ".
٩ - قناة القلانسيين برأس الخوَّاصين، لها وقف.
١٠ - قناة في درب السُّوسي، عند سوق عليّ.
١١ - قناة في دَرب الجلاَّدين، لها وقف.
١٢ - قناة عند السَّجن الجديد، أنشأها الملك العادلُ نورُ الدّين.
١٣ - قناة عند مسجد واثلة، تعرف بحسين الشّنباشي كانت قد خرّبت فَجدَّدها.
١٤ - قناة الزلاَّقة، لها وقف.
١٥ - قناة عند حمَّام ابن أبي نَصر.
١٦ - قناة أخرى عند الحمّام.
١٧ - قناة عند سوق الصَّرف، لها وقف.
١٨ - قناة ابن القصيعة، في السوق الكبير عند رأس درب الريحان.
١٩ - قناة الملح، عند رأس سوق البزوريين وطرف سوق الجلاَّدين، لها وقف.
٢٠ - قناة في الفُندق، عند سوق البزوريّين.
٢١ - قناة عند فندق البيع.
٢٢ - قناة في درب الجمحّي، أنشأها نصر بن قوام الصافي.
٢٣ - قناة في درب القرشيّين، في درب النخلة مجاورة الحمام.
٢٤ - قناة في درب الناقديّين.
٢٥ - قناة عند دكّان ابن مقلّد الشوّا، في قبّة اللّضحم.
٢٦ - قناة في درب البقل، وتعرف بابن عُنقود.
٢٧ - قناة في حارة الخَطاب، تعرف بابن عبد الرزاق المحتسب.
٢٨ - قناة أخرى، في داخل حارة الخاطب.
٢٩ - قناة عند حمَّام الجبن.
٣٠ - قناة سوق اللؤلؤ.
٣١ - قناة ابن شفون في طرف سوق اللؤلؤ.
٣٢ - قناة المناخليّين والأَبّارين، في سوق الطير، بناها ابن نجاح، لها وقف.
٣٣ - قناة الثلاَّج، عند دار البطيخ.
٣٤ - قناة في أول درب الفرّاش، عند دار سليمان، جددها ابن منقذ.
٣٥ - قناة أخرى، في درب الفرّاش، عند دار ابن علاَّن.
٣٦ - قناة أخرى في درب الفراش، بناها أبو يعلى النصراني.
٣٧ - قناة تحت الكشك.
٣٨ - قناة درب العلف ٣٩ - قناة سويقة كنيسة مريم.
٤٠ - قناة درب الحجر.
٤١ - قناة أخرى في دار بطيخ.
٤٢ - قناة أخرى في درب الحجر تعرف بابن خطية.
٤٣ - قناة العميد بن الجسطار، عند مسجده.
٤٤ - قناة في سويقيه الباب الشرقي، عند رأس درب الداراني.
٤٥ - قناة داخل الباب الشرقي.
стр. 66
٤٦ - قناة خارج الباب الشرقي، مُلاصقة الباشورة.
ومن شامي البلد: ٤٧ - قناة في درب الشعارين.
٤٨ - قناة في درب الهاشميّين، عند الحمام الجديد.
٤٩ - قناة أخرى، عند دار ابن كجك.
٥٠ - قناة عند دار علّي كرد.
٥١ - قناة في القلعة المحروسة، عند الباب.
٥٢ - قناة أُخرى قبليّ القلعة.
٥٣ - قناة في أَول درب اللبان.
٥٤ - قناة أخرى، في فندق عزّ، في الدرب المذكور، عند المدرسة، تعرف بقناة السبع.
٥٥ - قناة عند طرف درب اللّبان، ومدرسة أنشأها الملكُ العادلُ.
٥٦ - قناة عند دار ابن يغمور، عند التوتة من حجر الذَّهب.
٥٧ - قناة في رأس درب الأنصار ودار البابا.
٥٨ - قناة عند المدرسة المعينية.
٥٩ - قناة على باب حمّام القصير.
٦٠ - قناة عند دار " البسار " ... وطاحونته.
٦١ - قناة عند دار إسماعيل الطَّيب.
٦٢ - قناة عند خضر بن عمر بن بختيار السلاَّر في الافتريس.
٦٣ - قناة أخرى في الافتريس عند دار جناح الدّضولة.
٦٤ - قناة السباع.
٦٥ - قناة ابن حرور، عند باب الخوَّصين، لها وقف.
٦٦ - قناة في دهليز دار الشَّريف ابن أبي الجبنّ.
٦٧ - قناة ابن الحبوبي في درب معن.
٦٨ - قناة أخرى، في درب معن.
٦٩ - قناة بزان الكردي، عند مدرسته.
٧٠ - قناة باب الخضراء، عند المدرسة الأمينيّة.
٧١ - قناة في داخل الخضراء، تحت المنارة الشرقية.
٧٢ - ٧٣ - قناتا باب البريد.
٧٤ - قناة باب الجامع الغربي، عند سقاية باب البريد.
٧٥ - قناة الطَّرايفيّين، تحت المنارة الغربية عند البيمارستان.
٧٦ - قناة عند دار الحكم.
٧٧ - قناة عند دار ابن صميد في سوقية باب البريد.
٧٨ - قناة أخرى بقربها عند دار ابن أبي الحسن السَّلحدار.
٧٩ - قناة في دهليز دار إلى جانب دار ابن العزي.
٨٠ - قناة عند رباط النَّساء ودار أبي زرعة.
٨١ - قناة عند حمام العقيقي.
٨٢ - قناة خلف دار أتابك طَغتكنين.
٨٣ - قناة في دهليز الشنباشي، معطلة.
٨٤ - قناة أخرى في هذا الدرب، عند الفرن.
٨٥ - قناة في دهليز دار الشريف أبي تراب، ويعرف بابن منزو.
٨٦ - قناة في مسجد باب الفَراديس، داخل الباب.
٨٧ - قناة عند دار السَّلار ودار عطاء، محاذي دار أتابك.
٨٨ - قناة النطافين، على باب الجامع.
٨٩ - قناة دار العميد أبي يعلى القلانسي.
٩٠ - قناة داخل دار السميساطي.
٩١ - قناة داخل درب بوقة، عند باب النطافين.
٩٢ - قناة حربور عند مدرسة الحنابلة.
٩٣ - قناة عند دار العكبري، خلف دار النحاس خربت.
٩٤ - قناة بسوق القمح، لها وقف.
٩٥ - قناة ابن المغربيّ، في درب الرَّيحان.
٩٦ - قناة في درب تليد.
٩٧ - قناة في سوق أُم حكيم، وهو سوق العلبيّين.
٩٨ - قناة الرّحبة.
٩٩ - قناة زقاق العجم، لها وقف.
١٠٠ - قناة في مشهد الراس، على باب الجامع.
١٠١ - قناة جَيرون، وتعرف بقناة القثاء، لها وقف..
١٠٢ - قناة دار خديجة، خربت.
١٠٣ - قناة في درب كشك.
١٠٤ - قناة أخرى فيه.
١٠٥ - قناة أخرى، في درب خفيف عند دار ابن الشيرجي.
١٠٦ - قناة في سقيفة القطيعي، عند المدرسة التي في باب طرخان.
١٠٧ - قناة اللحّامين، على باب جيرون.
١٠٨ - قناة في عقبة الصوف، وعطلة.
١٠٩ - " قناة أخرى في درب عقبة الصوف، معطلة ".
١١٠ - قناة في قيسارية الفرش معطلة.
١١١ - قناة الوزير أبي علي المرذقاني، على باب داره.
١١٢ - قناة عند دار ابن أخيه كريم الملك.
١١٣ - قناة عند دار ابن المصيصي تعرف بسمنديار، معطّلة.
١١٤ - قناة عند دار ابن البري ومسجد الأذرعي.
١١٥ - قناة داخل باب السّلامة، إِنشاء الملك العادل ١١٦ - قناة في زقاق صفوان.
١١٧ - " وفيه قناة أخرى معطلة ".
١١٨ - " قناة في طرف الأسكافة العتق ورأس سوق الأحد ".
١١٩ - قناة عند دار ابن الشحادة.
١٢٠ - قناة سوق الأحد، لها وقف.
١٢١ - قناة سوق الغزل العتيق، لها وقف.
١٢٢ - " قناة ابن أبي الحديد ".
١٢٣ - " قناة صالح في الفورنق، لها وقف ".
١٢٤ - قناة على باب الجينيق، في السقاية.
١٢٥ - قناة خواجا يعقوب، في الجينيق.
١٢٦ - قناة ابن الماشكي.
١٢٧ - قناة عند دار الشريف أحمد، وهي دار ابن بوري خان.
стр. 67
١٢٨ - قناة في درب العلوي النافذ الى المربعة، عند دار صالح ابن أسد الكاتب، وتعرف بدار عضب الدولة.
١٢٩ - قناة في رحيبة خالد بن أسيد.
١٣٠ - قناة المنحدرة، فيعند قنطرة ابن مدلج.
١٣١ - قناة الزينبيّ في سويقة باب توما.
١٣٢ - قناة داخل الباب، عند مسجد صعلوك، معطلة.
١٣٣ - قناة عند دار ابن الشواء.
١٣٤ - قناة النيبطن.
فهذه قنيّ البلدة ومبلغها مائة ونيّف وثلاثون قناة.
وفي ظاهر البلد من القبلة: ١ - قناة بهاء الدولة، عند جسر سوق الدواب.
٢ - قناة على الباب الصغير.
٣ - قناة في الشاغور.
٤ - قناة قرب المصلى مجدّدة.
ومن شامه: ٥ - قناة على باب توما، ملاصقة للسور.
٦ - قناة في عقب الجسر والسبع أنابيب، وفيها أربعة عشر أنبوباً.
٧ - قناة على باب الفراديس، عند السقاية.
٨ - قناة في طرف زقاق الرمان، عند مسجد القصب.
٩ - قناة في عقب الجسر، مقابل مسجد بُزان.
١٠ - قناة في وسط العُقيبة.
١١ - قناة على باب مسجد فيروز.
١٢ - قناة عند النهر، في وسط مقبرة باب الفراديس.
١٣ - قناة عند دار أُم البنين.
١٤ - قناة عند حمّام رَاهب في العقيبة.
١٥ - قناة عند مقبرة شمس الدولة.
١٦ - قناة عند مسجد الوزير.
ومن غربيه: ١٧ - قناة في مسجد الجنان.
١٨ - قناة على بابه.
١٩ - قناة على باب الجابية، ملاصقة للباب.
٢٠ - قناة في قصر حجّاج.
فذلك تسع عشرة قناة، والله أعلم.
الباب الثاني في ذكْر ما بنواحي دمشق من الجبال
جبل لبنان - جبل الجليل - جبل سنير
قد تقدم لنا ذكر قاسيون عند ذكرنا للمزارات بما أغنى عن إعادة ذكره في هذا المكان.
جبل لبنان: ومن جبالها لبنان وهو جبل معمور بالأبدال والسياح والمنقطعين إلى الله تعالى عن الخلق لما فيه من الأشجار، والأنهار وفيه سائر الحشائش ومنها يرتزق الصالحون. ومما جاء في فضل لبنان من الحديث قوله ﷺ :) أحد. جبل من جبال الجنة؛ وطور جبل من جبال الجنة؛ ولبنان من جبال الجنة (.
وعن ابن عباس ﵄: أن البيت أسس على خمسة أحجار: حجر من حراء، وحجر من طور سيناء، وحجر من لبنان، وحجر من ثبير، وحجر من جوديّ. وفي رواية: عوض عن ثبير طور زَيتا. وفي رواية: عوضُ عن ثبير أحد.
وعن كعب قال: جبل لبنان كان عصمة الأنبياء. وجاء عنه: أنه أحد الأجبل الثمانية أجبل تحمل العرش يوم القيامة.
وعن أبي الزاهرية فيما أسنده عنه الحافظ ابن عسكر في قوله تعالى:) وَيَحمِلُ عَرْشَ رَبَّكَ فَوْقَهُم يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (. قال: جبل لبنان أحد حملة العرش يوم القيامة.
جَبَلُ الجلِيل: قال ابن أبي يعقوب: " ومن كور دمشق صيدا، جبل الجليل. ذكر في الإنجيل، وإنما سمّي بذلك لأن الله ﵎ لما أوحي إلى الجبال إني أريد أن أتجلى لموسى على بعضك تطاولتْ وشمخت غير جبل الجليل فإنه استخزى وتطامن فسمي جبل الجليل.
وقد جاء عن رسول الله ﷺ : أنه قال الجليل جبل مقدّس، وإن الفتنة لما ظهرت في بني إسرائيل أوحى الله تعالى إلى أنبيائهم أن يفرّوا بدينهم إلى جبل الجليل.
قال ابن أبي يعقوب في كتابه الذي وضعه في البلاد: " ومن كور دمشق جبل الجليل، وأهله قوم من عاملة " جبل سنير: وعدّ ابن أبي يعقوب في كور دمشق جبل سنير. وأهله بنو ضبةّ وبه قوم من كلب.
الباب الثالث في
ذكر ما احتوى عليه جُنْدُ دمشق من الكور
وهي قسمان بريّة وبحريّة.
فأما البرية: ١ - ف كورة البقاع: ومدينتها بعلبك.
٢ - وكورة حوران: ومدينتها بصرى.
٣ - وكورة البثنية: ومدينتها أذرعات.
٤ - وكورة الظاهر: ومدينتها أذرعات.
٥ - وكورة الغور: ومدينتها أريحا؛ ويجمعها أرض البلقاء.
٦ - وكورة الجبال: ومدينتها عرندل.
٧ - وكورة الجولان: ومدينتها بانياس.
٨ - وكورة الشراة: ومدينتها أذرح.
٩ - وكورة زُغَر.
كورة البقاع
ذكر بعلبك
стр. 68
هي مدينة على جبل، ولها قلعة محكمة البناء عليها سور مبني بالحجر الصلد سعته عشرون شبراً وبها بئر يسمّى " بئر الرحمة "، لا ينبع الماء فيه إلا إذا أغلق بابها وانقطع الماء عنها، وفي حال دخول الماء إلى القلعة لا يرى فيها ماء قطّ. والماء يشق البلد والقلعة ويدخل دورها، وعليه أرحاء. بها من عجائب المباني الملعب وهو الهيكل الذي كان فيه المسمّى بعل المذكور في الكتاب العزيز. طالعها الميزان والزهرة. طولها ثمان وستون درجة وعشرون دقيقة عرضها ثلاث وثلاثون درجة وخمس وأربعون دقيقة؛ ساعة بنائها الزهرة.
قال البلاذري: " ولماّ فرغ أبو عبيدة من أمر مدينة دمشق سار إلى حمص فمرّ ببعلبك، فطلب أهلها الأمان والصلح، فصالحهم على أن أمنهم على نفوسهم وأموالهم وكنائسهم فكتب لهم: " بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب أمان لفلان ابن فلان، وأهل بعلبك رومها وفرسها وعربها، على أنفسهم وأموالهم وأولادهم ودورهم وكنائسهم داخل المدينة وخارجها وعلى أرحائهم. وللروم أن يرعوا سرحهم ما بينهم وبين خمسة عشر ميلاً. ولا " ينزلوا " قرية عامرةً. فإذا مضى شهر ربيع الآخر وجمادى الأول ساروا إلى حيث شاءوا. ومن أسلم منهم، كان له ما لنا وعليه ما علينا. ولتجارهم أن يسافروا إلى حيث شاءوا من البلاد التي صالحنا عليها وعلى من أقام منهم الجزْية والخراج.
شهد الله وكفى بالله شهيداً " لم تزل بعلبك يليها نواب من يلي دمشق من الأمراء منذ فتحت إلى أن صارت في أيدي نواب المعزّ صاحب مصر، لماّ ملك دمشق في سنة إحدى وستين وثلاثمائة. ولم تزل في أيديهم إلى أن نزل عليها الشمشقيق متملّك الروم وأخذها وأخرجها، ثم رحل عنها وذلك في سنة أربع وستين وثلاثمائة.
فعاد إليها نواب المصريين بدمشق فعمروها؛ ولم تزل بأيديهم إلى أن قصدها صالح بن مرداس وتغلب عليها وعلى ما جاورها من البلاد سنة ست عشرة وأربعمائة ولم تزل في يده إلى أن قتل على " الأقحوانة " من الأردن، سنة عشرين في وقعةٍ كانت بينه وبين القائد أنوشتكين الدّزبري وصارت إلى المتولي على دمشق من قبل المصريين.
ولم تزال في أيديهم إلى أن تغلب عليها مسلم بن قريش لما قصد دمشق، وحاصرها، وترك فيها عود بن الصيقل وأقطعه البقاع.
فلما رجع مسلم من أعمال دمشق إلى بلاده خرج عود ابن الصيقل إلى بعض ضياع بعلبك فكبسه تاج الدولة تُتُش وأخذه أسيراً، وتسلم منه بعلبك، وولّى فيها مملوكه فخر الدولة كمشتكين الخادم، وذلك في سنة ست وتسعين وأربعمائة. وبقي فيها إلى أن مات تاج الدولة.
وولي بعده ولده شمس الملوك دُقاق فأقره عليها ولم يزل بها إلى أن مات شمس الملوك وولي بعده أخوه أرتاش دمشق فأقره عليها، وبقيت في يده إلى أن خرج من دمشق إلى بعلبك لأمر استشعره من ظهير الدين أتابك طغتكين - كما حكيناه في أمراء دمشق - ثم ولي أتابك طغتكين دمشق استقلالاً فأقرّه عليها فلما كانت سنة ثلاث وخمسمائة اتصل بظهير الدين أتابك أن كمشتكين التاجي راسل الفرنج وحملهم على الغارات والفساد في بلاد دمشق، وأنه سير أخاه باي تكين إلى دركات السلطان في التوصل في فساد حاله عند السلطان.
فسار ونزل على بعلبك وأرسل إلى كمشتكين، ولاطفه، ووعده، فأصر على العصيان، فقاتلها حتى تسلمها في الثاني والعشرين من رمضان من السنة المذكورة. وصفح عن كمشتكين. وعوّضه عن بعلبك صرخد وولى فيها من قبله.
ولما مات طغتكين، وولي ولده تاج الملوك بوري، أعطى بعلبك لولده جمال الدين محمد، ولم تزل في يده إلى أن قتل أخوه بدمشق في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوّال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
فسار جمال الدين إلى دمشق فملكها وأعطى بعلبك معين الدين أنر فولى فيها من قبله فقصدها عماد الدين زنكي ونصب عليها المجانيق إلى أن ملكها يوم الخميس ثالث عشر من صفر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. ودامت في يده إلى أن قتل على " قلعة جعبر " ليلة الأحد السادس من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
فاسترجعها معين الدّين أنر وسلّمها إلى الحاجب شجاع الدَّولة عطاء الخادم، فأقام فيها إلى أن قتله مجير الدين أبق ابن جمال الدّين، في سلخ ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بدمشق.
стр. 69
فملك بعده ابن أخيه الأمير ضحّاك بن خليدٍ رئيس وادي التَّيم، وبقي فيها إلى أن ملك نور الدين دمشق، يوم الأحد تاسع صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة، فوصل ضحاك إلى خدمته فقبض عليه وأخذه معه، وسار إلى بعلبكّ فقاتلها، وضيق عليها إلى أن تسلمها يوم الخميس السابع من شهر ربيع الآخر من السنة وولي فيها.
ثم إنه حَبس فيها أسرى من الفرنج فوثبوا في قلعتها، وملوكها، يوم الأحد مستهل ذي القعدة سنة ست وخمسين وخمسمائة. فسار إليها المسلمون من كل ناحية ودخلوا إليها من نقب دُلوا عليه فأخذوا وقتلوا.
وتوفي نور الدين يوم الأربعاء الحادي عشر من شوّال سنة تسع وستين وخمسمائة.
وبقيت بعلبك في يد ولده الملك الصالح إسماعيل إلى أن ملكها الملك الناصر صلاح الدين فيما ملكه من البلاد في شهر رمضان، سنة سبعين وخمسمائة. وأقطعها لشمس الدين محمد المقدّم، فعصى على صلاح الدين فيها سنة ثلاث وسبعين، فقصده على صلاح الدين، ونزل عليه في سنة أربع، ونزل على بعلبك فأجاب إلى التسليم فتسلمها وأعطاها لأخيه الملك المعظم تورانشاه.
وبقيت في يده إلى أن أخذها منه وعوضه عنها الإسكندرية وأقطعها لابن أخيه عز الدين فرخشاه.
ولم تزل في يده إلى أن توفى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وتولاَّها ولده الملك الأمجد بهرام شاه ولم تزل في يده إلى أن قصده الملك الأشرف موسى لماّ ملك دمشق في سنة سبع وعشرين، فتسلّمها منه، وبقيت في يده إلى أن توفى رابع المحرم سنة خمس وثلاثين.
وولّي دمشق الملك الصالح عماد الدين إسماعيل واخوه، فاستولى على بعلبك. وبقيت في يده بعد أخذ الملك الصالح نجم الدين أيوب دمشق إلى أن صار مع الخوارزمية، والتقى بعسكر الملك الصالح الناصر صلاح الدين صاحب حلب، فكسر. فخرج من دمشق حسام الدين بن أبي علي بعسكر، ونزل على بعلبك، وفيها أولاد الملك الصالح إسماعيل وحريمه، فحاصرها حتى تسلمها، يوم الأربعاء الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وستمائة. ولم تزل في يد الملك الصالح نجم الدين إلى أن توفي في النصف من شعبان سنة سبع وأربعين.
وملك ولده الملك المعظّم تورانشاه، وببعلبك نائبا عن أبيه الأمير سعد الدين الحميدي، فأقرّه فيها.
ولما قُتل الملك المعظم في المحرّم سنة ثمان وأربعين، واستولى على دمشق الملك الناصر صاحب وتسلّم حصونها، سيّر إلى الأمير سعد الدّين الأمير شرف الدين عيسي بن أبي القاسم فتحدَّث معه في تسليمها، فأبى، وقال: " في عنقي يمين للملك الأوحد ابن الملك المعظم، لا يمكنني التسليم إن لم يعوّضوه عنها ". فعّين له السلطان قرى من الأعمال الجزرية، تغلّ في السنة مائة ألف درهم. فسلّمها في جمادى الآخرة من السَّنة.
وبقيت في يد الملك الناصر إلى أن خرج هارباً من دمشق لما ملك التتر البلاد، وبقي الزين الحافظي بدمشق يتولّى أمرها.
وكان في بعلبك من قبل الناصر والٍ الحاجب شجاع الدّين إبراهيم، فسيّر إليه الزّين الحافظي كتابه ورسوله يطلب منه تسليم بعلبك لنوّاب التتر، فأبى، واستعد للحصار وبذل نفسه في طاعة الله.
فلما وصل كتبغا بعساكره وتسلم قلعة دمشق، قصد بعلبك وحاصرها، فقال من فيها من الفقهاء لشجاع الدين: " لا يحلّ لك العصيان لأنك تقتل خلقاً كثيراً ". فأذعن للتسليم، وخرج إلى دمشق، ومعه أولاد أخيه.
فكتب الحافظي إلى هولاكو يعرّفه أن المذكور عصى منْ دون من كان في الحصون، وأنه باغٍ، وأن قتله واجب. فلما وصل إليه الكتاب ووقف " عليه " كتب خلفه إلى كتبُغا بقتل المذكور. فلما وصل إليه الكتاب أحضر الحافظي وقال له: " هذا خطّك؟ " اعترف. فقال: " كيف تكتُب في أقوام أنا أمنتهم، وأمرُ هولاكو لا يُخالف، والله ما يضربُ رقبته إلاَّ أنت بيدك، وإلاَّ ضربتُ رقبتك ". فأحضر الحاجب المذكور وأحضر معه والي قلعة دمشق فانه كان قد عصى - وقد قدمنا ذكرَه - فقام وضربَ عُنقيْ الاثنين بيده بإثمهما.
ولم تزل بعلبك في يد نُواب التتر إلى أن انتزعتِ البلادُ منهم بكسرتهم على " عين جالوت " - وقد قدمنا ذكرها في غير ما موضع -.
стр. 70
وصارت البلاد في يد مولانا السلطان الملك الظاهر بعد قتل الملك المظفر، وتغلّب الأمير علم الدين سنجر الحلبي على دمشق، ونُعت بالملك المجاهد ولّي في بعلبك وبقيت في يده إلى أن قُبض عليه وحمل إلى مصر في سادس عشر صفر من سنة تسع وخمسين وستمائة.
وملك السلطان الملك الظاهر دمشق وبعلبك فيما ملك من البلاد، فأمر بعمارة قلعتها وتشييد سورها وبناء دورها، وقوّاها بالعَدَدِ والعُدَد، وشحنها بما لم تسمح به نفس أحد، ونوّابه متصرفون فيها إلى الوقت الذي وضعنا فيه كتابنا هذا وهو سنة أربع وسبعين وستمائة.
ولم يزل الولاة من قبله عليها إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى، وانتقلت جميع الممالك إلى ابنه السلطان الملك السعيد بعهدٍ من والده. فأقر الوالي الذي من جهة والده على حاله وهو نجم الدين حسن أحد رجال الحلقة المنصورة بدمشق المحروسة.
وأول من ولي عليها من قبل السُّلطان الملك الظاهر - رحمه الله تعالى - عزّ الدين أيبك الإسكندراني الصالحي ثم نقل إلى الرحبة. وولي كمال الدين إبراهيم بن شيت إلي أن توفي بحلبا في حادي عشر صفر سنة أربع وسبعين وستمائة. وولي نجم الدين ُحسن واستمر به السلطان الملك السعيد بعد أبيه - كما قد ذكرنا - إلى أن خرج الُملكُ عن الملك السعيد الى أخيه الملك العادل سيف الدين سُلامش وتسلّم المُلك الملك المنصور سيف الدّين قلاوون الألفي العلائي أتابكا. فسير عليها نوّاب الملك العادل، فلم تزل بها إلى أن جلس السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون المذكور على تخت الملك، يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رجب في سنة ثمان وسبعين، فسيّر إليها نوابه واستمرت في يده.
كورة حوران
وقصبتها بصْرى
وهي مدينة على سيف البرية، لها ذكر في حديث النبيّ ﷺ لأنه دخلها قبل بعثته، وهو تاجر لخديجة، وفيها لقي بُحيْرا الراهب وبها قبره إلى عصرنا. طولها سبعون درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة، طالعها برج السنبلة، ساعة بنائها عطارد.
قال البلاذُري: اجتمع المسلمون عند قدوم خالد ابن الوليد على بُصْرى، ففتحوها صلحاً، وانبثوا في أرض حَوران فغلبوا عليها.
وفي هذه الكورة:
قلعة صرخد
وهي محدثة، فصارت القصبة لكورة حوران. طولها سبعون درجة وخمس دقائق، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة، وعشرون دقيقة.
ولم تزل " بُصرى " و " صرخد " على الإضافة لدمشق يليهما نائب من جهة من يليها، إلى أن ملك " تاج الدولة تُتُش " دمشق، ولّى فيها ولديه تكين وفلّوس.
فلما مات تاج الدولة أقرهما فيهما أخوهما شمس الملوك دُقاق لما ملك دمشق بعد أبيه. وبقيت في أيديهما إلى أن أستبد ظهير الدّين طغتكين الأتابك بدمشق، وطلب منهما أن ينزلا عنهما، فلم يجيبا فقاتلهما، حتى عجزا عن دفعه. فطلبا منه الأمان على أنفسهما وأموالهما ويسلّمانها إليه بمهلة اقترحاها عليه، وإقطاعاً يعوضهما عنهما، فأجابهما إلى غير ذلك ورحل عنهما. فلما انقضى أجل المدة سلماها إليه، ووفى لهما بما وعدهما به من الأمان والإقطاع، وذلك في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
فولاّهما ظهير الدين فخر الدولة كمشتكين التاجي لما أخذ منه بعلبك. فكان مقامه بقلعة صرخد ومملوكه التنتاش ببصرى، واستمرت ولايتهما إلى أن مات فخر الدولة كمشتكين " ليلة الأحد سابع من شهر ربيع ... سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فصار التنتاش إلى " صرخد " فملكها واظهر مشاققة ظهير الدين طغتكين، فبعث معين الدين أنر إلى صرخد بعسكر، فالتقى بالفرنج ومعهم التنتاش فكسرهم، وعادوا مخذولين. وسار معين الدّين فنزل على الحصن في ذي القعدة سنة إحدى وأربعين، وقاتلهما حتى أخذهما في المحرم سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
ثم انفصل التنتاش عن الفرنج، وعاد إلى دمشق بغير تقرير حالٍ ولا أمان، وكان في أيام ولايته قبض على أخيه " خُطلخ " وكحله، وأخرجه من صرخد فأقام بدمشق. فلما وصل إلى دمشق حاكمه أخوه عند القاضي فقضى له عليه بالكاحل فكحله.
ولما فتح معين الدين " صرخد " و " بُصرى " سلّم " صرخد " للأميرمجاهد الدين بثزان بن مامين الكردي، وسلّم بصرى على حاجبه فارس الدّولة صُرخك. فأما صرخد فأقام بها مجاهد الدّين إلى أن توفي ليلة الجمعة ثاني صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
стр. 71
وتسلمها ولده سيف الدين محمد. فلما ملك الملك العادل " نور الدين محمود " دمشق، أخذها منه بعد امتناع وحصار، وعوضه عنها حصن " بو قبيس "، وذلك في شوال من السنة.
وأما بصرى فاستمر فيها فارس الدولة إلى أن قتله فيها زوج ابنته ابن الحاجب حوله في المحرّم سنة خمس وخمسين وخمسمائة، واستولى عليها.
فأخذها منه الملك العادل وأعطها وصرخد لغلامه صديق. وما زالا في يده إلى أن قتله ابن أخته في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، واستولى عليهما.
فاحتال عليه صلاح الدين وأخذهما منه لماّ ملك دمشق، وولّى فيهما من قبله، وما زالا في يده أن فرّق البلاد بين أولاده وأقاربه، فأعطى الشام لولده الملك الأفضل خلا " الكرك " فانه كان للملك العادل فدخل صرخد وبصرى فيما صار في حوزه، فأنعم على أخيه " الظافر " ببصرى. ولم تزل صرخد في يده مع غيرها إلى أن قصد أخوه الملك العزيز صاحب مصر وعمّه العادل، وأخذا منه دمشق في رجب سنة اثنتين وتسعين.
واستبد العادل بدمشق وأعمالها خلا " صرخد " فإنه أقرها في يده، وأخذ " بُصرى " من الملك الظافر.
ولم تزل " صرخد " في يد الأفضل إلى أن توفي الملك العزيز بمصر، وترك ولداً صغيراً جعله ولّي عهده ولقبه الملك المنصور، وأوصى للملك الأفضل بتدبيره وكفالته. فسار إلى مصر في المحرم سنة خمس وتسعين. ثم خرج منها في شعبان إلى دمشق، وحاصر الملك العادل فيها - كما حكيناه في أمراء دمشق - ثم عاد إلى مصر فسار الملك العادل، إليه، وأخرجه منها وعوّضه عنها " سُميْسَاط " وغيرها، مضافة إلى " صرخد ".
فلما وصل إلى الشام جمع غلمان أبيه ووعدهم وعوداً ضمن لهم الوفاء بها إن ساعدوه على أخذ دمشق. وعجّل من وعوده " صرخد " لزين الدين قراجا، وذلك في سنة سبع وتسعين فولّى فيها من قبله. ثم غدر بالأفضل، وصار إلى الملك العادل في سنة ثمان وتسعين.
وعجز الأفضل عن حصار دمشق، فصالح الملك العادل، وسار إلى حمص فأخرج زين الدين نساءه وحريمه من " صرخد ".
ولم تزال صرخد في يد قراجا إلى أن توفي سنة أربع وستمائة، وبقيت في يد أولاده إلى سنة إحدى عشرة فأخذها الملك المعظّم بمرسوم أبيه الملك العادل. وبقيت في يده مدة، ثم أنعم بها على غلامه عز الدين أيبك.
ولم تزل في يده إلى أن حاصر الملك الكامل دمشق وفيها الملك الناصر داود ابن الملك المعظم، وعز الدين أيبك. فلما لم يكن للملك الناصر طاقة به بذل له تسليمها على شروط قرّرها، منها: إبقاء صرخد على عز الدين أيبك، فأجابه إلى كل ما التمسه خلا عز الدين.
وألجأت الملك الناصر ضرورة إلى تسليم دمشق، فلما تسلّمها الملك الكامل خاف عز الدين واستجار بفخر الدين ابن الشيخ.
فلما ركب الملك الكامل في موكبه ركب عز الدين فيه، ولما عاد ونزل دار السعادة، دخل في جملة الأمراء. فلما وضع السماط وجلس الأمراء في مراتبهم، بقي عز الدين قائماً فالتفت الملك الكامل إلى فخر الدين، وأمره أن يأمر عزّ الدين بالجلوس إلى جانبه، فجلس محتشماً، فقال فخر الدين للملك الكامل: إن الأمير عز الدين يريد أن يأكل من الخافقية التي بين يدي السلطان، فرفعها بيده وناوله إيّاها، فقام وقبّل الأرض.
فلمّا فرغ السماط، وخرج الأمراء، وقام الملك الكامل، ودخل إلى الحجرة، وتقدّم إلى جوهر النوبيّ الخادم بأن لا يترك عز الدين يخرج، فاستشعر عزّ الدين القبض عليه، وأقام حتى خرج إليه ومعه ما كان على الملك الكامل من اللباس فألبسه إياه ثم أخذ بيده، وأدخله عليه، فقال له الملك الكامل: " يا عزّ الدين، ما أردت أن يكون للملك النَّاصر عليك منّة. أنا أحق بها منه ". وأمر له بعشرة آلاف دينار وألف قطعة قماش، وأذن له في المسير إلى " صرخد ". فلما خرج قدّم له مركوب السلطان الذي نزل عنه.
стр. 72
ولم تزل في " صرخد " في يده إلى أن تسلمها منه الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل في سنة أربع وأربعين وستمائة، وعوّضه عنها قرقيسيا والخابور، وكانتا في يد الملك الناصر صلاح الدين صاحب حلب، فوصل رسولا الملك الصالح، وهما: فخر الدين ابن السكري وشهاب الدين ابن الغرس في تمكين عز الدين من تسليم قرقيسيا والخابور. فقال لهم: " إني فتحت هذه البلاد بسيفي من الخوارزمية، فما له والتصرف فيما ليس له ". فعادا بهذا الجواب. وكان قصد الملك الصالح إبعاد عز الدين إنه لا بد أن يملك مصر رجل تركي اسمه عز الدين أيبك، فظن أنه هو لما كان يرى فيه من مخايل المملكة.
فلما لم يتم له قصده في إبعاده قبض عليه، وبقي في حبسه إلى أن مات في جمادى الأول سنة ست وأربعين وستمائة بالقاهرة.
ولم تزل صرخد " في يد الملك الصالح ثم في يد ولده الملك المعظم، إلى أن قُتل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة وملك دمشق السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد صاحب حلب، استولى على " صرخد " وبقيت في يده إلى أن خرج عن البلاد بورود التتر إليها واستيلائهم عليها.
فأقطعها أخاه الملك الظاهر سيف الدين غازي فولّي فيها سعد الدّين بن عمر قلج نقيب العسكر، وبقيت في يده إلى أن قصدها التتر بعد أخذهم دمشق، فخربوا شراريف أسوارها، وأبقوها في يده، وجعلوا معه فيها نائبا.
ثم خرج عنها ولحق بهولاكو، ثم أباد الله التتر على يد من بيض الله بجهادهم صحائفه، وقلّد حدُّه جيدَ الملّة الإسلامية مننه وعوارفه، الملك المظفَّر قٌطُر التركي الُمعزي وأعاد المسلمين إلى مراكزهم في البلاد الشامية.
فلما قُتل، وملك مولانا السلطانُ الملكُ الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي البلاد عمرها، وعمر سور " صرخد " وجدّد، وولّى فيها من قبله وهي في يده إلى عصرنا. ولم تزل في يده إلى أن توفي إلى رحمة الله وتولى ولده السلطان الملك السعيد على جميع الممالك بعهدٍ من والده.
وأما بُصْرى فإنها لما صارت إلى الملك المعظم، حين أعطاه أبوه الملك العادل الشام، جدّد قلعتها، وأحكم بناءها وحصَّنها، وبنى ظاهرها بركة للحجاج في غاية الكبر يستقون منها عند دخولهم إلى البرية.
وأنا في هذا متردّد والغالب عندي أن الملك العادل لم يُعط " بصرى " للملك المعظم فيما أعطاه من الشام، بل أعطاها ولده الملك الصالح عماد الدّين اسماعيل، ولم تزل في يده إلى أن حاصرها الملك الصالح نجم الدين أيوب حتى تسلمها من نوابه في رجب سنة أربع وأربعين وستمائة.
وبقيت في يده، ثم في يد الملك المعظّم غياث الدين تورانشاه. ثم لما قتل، وملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب دمشق، ملكها ولم تزل في يده إلى أن استولت عليها التتر فيما استولوا عليه من البلاد.
فلما أتاح الله هلاك عسكر " هولاكو " ومضغوا اللجم بما أصابهم ولاكوا. واسترجع منهم ما ملكوه. وقطع عليهم النهج الذي سلكوه. صارت في يد مولانا السلطان الملك الظاهر، فعَّم الخصبُ أرجاءها. وتبوأ الأمن أفياءها. وهي في يد نوابه إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.
كورة البثينة
ومدينتها أذرعات
قال البلاذري: " لماّ فتح المسلمون بصرى أتاهم صاحب أذرعات فصولح على مثل ما صولح عليه أهل بصرى وعلى أن تكون أرض البثنية خراجاً؛ ومضى يزيد بن أبي سفيان حتى دخلها ".
ولم يتصل بي شيء من ذكرها بعدُ. والظاهر عندي أنها ولايات مضافات إذا ليس فيها مدينة معتبرة فيكون لها ولاية مقرّرة.
كورة الجبال ومدينتها عرندل
على ما وجدته في كتاب فتوح البلدان.
ورأيت في غيره من الكتب أن مدينتها " مآب ".
قال البلاذري: " لماّ ولي أبو عبيدة ابن الجراح الجيش والأمرة ولّي يزيد بن أبي سفيان ففتح عرندل، وغلبَ على أرض الجبال ".
وفي هذه الكورة زُغرْ.
وهي مدينة حارّة، متصلة بالبادية، وبها نيلٌ لا يقصر عن نيل كابل.
ومعان
وهي على سيف البرية، وتسكنها طائفة من اليونان.
ومؤتة
وهي التي قتل فيها جعفر بن أبي طالب الطيار. وهذه كلها مدن قديمة وقع ذكرها في كتب التواريخ والفتوحات، وكتب المسالك والممالك.
ومما هو مستحدث ذكره في هذه الكورة من البلاد
الكرك والشوبك
стр. 73
فأما الكرك: فهو في عصرنا حصن منيع، ومعقل حصين. وله ربضٌ عليه سور. وهو وربضة على جبل. وبين الربض والقلعة خندق عميق، نحو ستين ذراعاً. ويدخل إلى فضاء الحصن من حنية منحوتة في الجبل طويلة عليها بابةٌ وحراسةٌ.
ولما لم أجد له ذكراً فيما طالعته من كتب التواريخ الموضوعة في صدر الإسلام، ولا في الكتب المصنّفة في لمسالك والممالك، لم أزل أبحث عنه إلى أن أخبرني ثقة أعتمد عليه: أنه كان ديراً للنصارى. وكانت العرب تتخطّف منْ فيه من الرهبان مقيم، فسرق الرهبانُ بناءه وحصنوه. ولم يزل ذلك دأبهم في توسعته وتحصينه إلى أن صار حصناً. واستدعوا أليه طائفة من الفرنج المجاورين لهم، وأسكنوهم فيه عندهم يتقوّون بهم على من يقصد أذاهم. فزاده الفرنج تحصيناً. وأقاموا فيه حاكماً ورتبوا له جنداً. وجعلوا يشنّون منه الغارات على ما داناهم من القرى والضياع، إلى أن أجلوْا عنها كثيراً من أهلها، واستولوا عليها، وصيرّوها له عملاً تحميه سيوفهم.
ولم يزل في أيديهم إلى أن ملكة البرنس أرناط صاحب إنطاكية.
وسبب تملكه له أنه لما تخلّص من أسر نور الدين محمود بعد موته، تزوج بزوجة صاحب الكرك بحكم أن زوجها مات فملكه. وكان نور الدّين قد قصده مرّة أخرى في سنة ثمان وستين، وحاصره ثم رحل عنه لسبب ومات، ولم يظفر منه بغرضٍ.
فلما ملك الناصر صلاح الدين في سنة سبع وسبعين قصده عز الدين فرخشاه نائب الملك الناصر صلاح الدين على دمشق والملك العادل من مصر.
وسبب ذلك أن البرنس " أرناط " صاحب الكرك كان من شياطين الإنس وأشدهم عداوة للمسلمين، فجمع عسكراً وعزم على المسير إلى " تيماء "، ومنها إلى مدينة النبي ﷺ ليستولي على تلك البلاد، فسمع عزّ الدين بذلك فجمع العساكر الدمشقية وسار إلى بلده فنهبها.
فلما بلغ أرناط ذلك علم أن المسلمين لا يعودون إلى بلادهم حتى يُفرق جموعه، ففرقهم وانقطع طمعه عما قصده، فعاد عز الدين إلى دمشق.
وغزاه صلاح الدين بنفسه في سنة تسع وسبعين، فملك ربضة وتسلط به على حصاره، ونصب عليه المجانيق فلم ينل منه طائلاً. ورحل عنه في منتصف شعبان.
ثم غزاه في شهر ربيع الآخر من سنة ثمانين، فنصب المجانيق على ربضه، واشتد عليه القتال حتى مُلك، وبقي الحصن. وأمر صلاح الدين بإلقاء الأحجار في المجانيق ليطمه، فلم يقدر أحدٌ على الدنو منه لكثرة الرمي بالنشاب وأحجار المجانيق. فأرسل من فيه إلى الفرنج يستنجدهم، فساروا إليهم في عدةٍ وعديد. فلما بلغ الملك النّاصر رحل عنه وسار إلى " نابلس " فنهبها وخربها، وأحرقها.
ثم أن البرنس طلب الموادعة والمهادنة من صلاح الدين فأجابه، ولم يف. وذلك أنه عبر به " بالشُوبك " قفل من الديار المصرية في حالة المهادنة، فنزلوا عنده بالأمان، فغدر بهم وقتلهم، فنذر صلاح الدين على نفسه أنه متى ظفر به قتله، بسبب ما كان عزم عليه من قصده " المدينة " - صلى الله على ساكنها - وتأكد ذلك بأخذ القفل المذكور.
فلما كانت سنة ثلاث وثمانين، جمع الجموع من الموصل وديار بكر والجزيرة وإربل وبلاد الشرق وبلاد الشام ومصر، ونزل على " الكرك " فحصره، وضيّق عليه.
ثم بلغه أن الفرنج جمعت لدفعه عن الكرك، فرحل وترك عليه أخاه الملك العادل في عسكر.
والتقى السلطان الناصر صلاح الدين بالفرنج على " حطين "، وكانت الواقعة التي أسرت فيها أسرتهمْ، وثلث عروشهم، وزعزعت أسرتهم.
ولم يزل حصن " الكرك " محاصرا إلى أن فتحه الله في شهر رمضان سنة أربع وثمانين، من نائب البرنس " أرناط " بالأمان، بعد أن حوصر سنة ونصفا. وأعطاه لأخيه الملك العادل وأخذ منه " عسقلان ".
وكان البرنس قد أخذه الملك الناصر في وقعة " حطين " أسيراً فوفى بنذره، وقتله بيده. وكان ذلك على الله يسيراً. ولم يزل في يد نواب الملك العادل إلى سنة خمس عشرة وستمائة. وقبل وفاته بمدةّ يسيرة، سلمه لولده المعظّم شرف الدين عيسى بجميع ما فيه من الخزائن والذخائر، فزاد في عمارته وتحصينه، ونقل إليه أرباب الصناعات حتى جعله مدينة لا يحتاج إلى غيره ونصب في قراه الأشجار، وأجرى خلالها العيون.
ولم يزال في يده إلى أن توفي في سلخ ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستماءة، وانتقل إلى ولده الملك الناصر داود.
стр. 74
ولم يزل في يده إلى أن خرج عنه، ووفد إلى حلب مستغيثاً بالملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد على الملكِ الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، فانه كان قد سيّر إلى الحصن فخر الدين بن الشيخ فحاصره، وضايقه حتى قلّت به الأقوات، فخرج عنه بهذا السبب في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين.
وترك به أولاده، وجعل ولاية عهده فيه لولده الملك الأمجد فراسله الملك الصالح، وقرّر معه أنه متى سلّم إليه الحصن عوّضه عنه خمسين ألف ديناراً وإقطاعاً بمصر، فأجابه إلى ذلك، وسيرّ إليه الملك الصَّالح جمال الدين آقوش النجيبي مملوكه، وبعث معه بدر الدين الصوابي وفوض إليه الحكم فيه، وولي كمال الدين ابن شكر النظر فيه وفي أعماله.
وكان تسليمه للملك الصالح في جمادى الأول سنة سبع وأربعين وستمائة، وحمل إليه خزانةً مقدارها ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وولى الربض لرجل يُسمى " الهمام ".
ولم يزل في يده إلى أن توفي وملك بعده ولده الملك المعظم. ولما قتُل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة، وملك الملكُ الناصر صلاح الدّين صاحب حلب دمشق، بعث بدرُ الدين الصوابي إلى قلعة " الشويك " منْ أحضر الملك المغيث عمرَ ابن الملك العادل ابن الملك الكامل في خفية، وكان الملك الصالح قد حبسه بها، فدخل به الكرك ثالث عشر شهر ربيع الأول وأخفاه.
ثم إن رسول الملك الناصر وصل من دمشق يطلب من بدر الدّين تسليم " الكرك " فأنزله وأكرمه. وبعث إلى منْ معه في الحصن من مسحفظيه، وعرَّفهم أنه " لا ينبغي أن يخرخ الحصن عن أحد من أولاد الكامل فإنهم مواليه، وأريد منكم الموافقة على ما أردت ". فأجابوه إلى ما أراد.
فأمر بإحضار الملك " المغيث " فحضر، وحلّفهم له ثم استدعى الرسول وقال له: هذا صاحب الحصن فتحدث معه، فالتفت إليه وبلغه الرسالة، فأجابه بكلام - كان قد قرّر معه بعد أن قام وقبل الأرض - مضمونة: " أني كنت في الحبس، وقد منّ الله بإطلاقي، وليس لي ولا لمنْ بَقيَ منْ أهلي موضع ينضوون إليه، ويعتمدون في النفع عليه، والسلطان - أعز الله نصره - إذا أخذ هذا الحصن لا بدّ له من نائبٍ، والمملوك نائبه فيه، لا أصدرُ ولا أرد إلا عن رأيه ومراسمه. فلم يعارضه الملك " الناصر "، وقبل هذا القول منه وذلك في العشر الأواخر من جمادى الأولى.
ولما صار في يده من غير منازع له فيه ملك بلد " الشوبك " وبقي الحصنُ في يده إلى أن استولت التتر على دمشق في سنة ثمان وخمسين وستمائة، فانضوى إليهم وصيروا معه نائبا في الحصن.
ثم كانت هزيمة التتر على " عين جالوت " في شهر رمضان. وتولى الملك المظفر، فكتابه الملك المغيث في إبقائه على ما في يده، فأجابه إلى أن يبقى معه " الكرك " لا غير. وحل عنه ما كان الملك صلاح الدين الناصر يوسف صاحب الشام أضاف إليه من النواحي وهي: الصلت، والخليل، والبلقاء.
ثم قتل الملك المظفر في بقية السنة، وملك مولانا الملك الظاهر ركن الدّين البلاد، فحمل الملك المغيث الحسد على أن كتب إلى التتر عدة كتب، ووصلته الأجوبة على يد رسول منهم، فخاف أن ينم عليه ذلك، فسيّره تحت الحوطة إلى أبواب مولانا السلطان بالقاهرة.
فما زال السلطان يتحيل على الرسول، ويبسط أمله إلى أن اعترف له مما كاتب به الملك المغيث إلى هولاكو من حثه على النهوض إلى بلاد الشام. ثم ردَف ذلك بأن كتبه وصلتْ إلى الشهرزورية الذين كانوا تحت حرم السلطان بالقاهرة بإفسادهم، فتوجه إليه " يعقوب بن بدل " وأعمامه وأهله.
ووصلت العرب القُصاد الذين قفلوا من عند هولاكو إلى السلطان، فأوقف الفقهاء على الكتب وأخذ فتاويهم بأن قتاله يتعين.
وبرز من القاهرة سادس شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين ووصل إلى غزة سابع عشره، فوصلت إليه عليها أم الملك المغيث، فأقبل عليها وأكرمها وردّها إلى الكرك.
стр. 75
ثم وصل السلطان إلى " الطور " يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى، وكاتب المغيث بالحضور إليه فسوف، ووعد بالحضور، ثم وصل بعد مدافعة كثيرة في سادس عشري جمادى الأولى. وعند وصوله قبض عليه السّلطان، وكان الملك الأشرف صاحب حمص حاضراً في العسكر فأحضروه، وأحضر أكابر الأمراء وأحضر الملك المغيث، وأحضر كتبه إلى التتر، والفتاوى، والقصّاد الذين كانوا يسفرون بينه وبين هولاكوا فعذره، ولم يكن يعرف الباطن في قبضه عليه. ثم بعثه مع الأمير شمس الدين آق سنقر السلحدار الفارقاني أستاذ الدار، فوصل به إلى قلعة القاهرة فحبسه فيها، وكان آخر العهد به، وكان مولده يوم الأربعاء حادي عشر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين.
وسار السلطان إلى " الكرك " وتسلّمه يوم الخميس ثالث عشري جمادى الآخرة، بعد قواعد تقرَّرتْ بينه وبين نّواب الملك المغيث، ودخله السلطان يوم الجمعة ورتَّب فيه من قبله نائباً الأمير عز الدين إيدمر مملوكه وأستاذ داره، وشيده، وحصّنه، وزاد فيه، وحفر خندقه، وأحاط به، ولم يكن فبل ذلك كذلك، ونقل إليه خزائنه وذخائره.
ولم يزل فيه عز الدين متوليه إلى أن عُزل عنه، وولي دمشق، وجعل عوضه منه مملوكه علاء الدين أيدكين الشهابي وذلك في المحرم سنة سبعين. وهو به إلى الوقت الّذي وضعنا فيه هذا التاريخ.
وأما الشوبك: فإني لم أعثر له على ذكرٍ في كتاب من كتب التواريخ المصنفة في صدر الإسلام.
والظاهر أن الحال فيه كالحال في " الكرك " في بنائه، وتملّك الفرنج له، إلى أن فُتح في الوقت الذي فُتح فيه الكرك بعد حصار سنتين وأقطع معه للملك العادل.
ولم يزال في يده إلى أن أعطاه ولده الملك المعظم شرف الدين عيسى فحصنه وحسّنه، ونقل إليه الأشجار من سائر الأقطار حتى صار يضاهي دمشق في روائها، وتدفق مياهها، وطيب هوائها.
ولم تزال في يده إلى أن توفي في ذي القعدة سنة أربع وعشرين، وانتقلت إلى ولده الملك الناصر داود.
ولم تزال في يده إلى أن سأله إياه الملك الكامل في مجلس شراب فخرج له به.
وبقي في يد الملك الكامل إلى أن مات، فقصده الملك الناصر وتعذّرت استعادته عليه.
وبقي في يد الملك العادل إلى أن يقبض عليه. وملك الملك الصالح نجم الدين أيوب أخوه، فاستولى على " الشوبك " وبقي في يده إلى أن مات.
واستولى الملك المغيث ابن الملك العادل عليه عند استيلائه على " الكرك ". ولم يزل في يده إلى أن ملك مولانا الملك الظَّاهر ركن الدين، فسيّر إليه عسكراً فتسلَّمه من صارم الدين قايماز الناصري، وكان نائبا فيه عن الملك المغيث بباطنٍ كان معه، في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وستمائة، ونوابه فيه متصرفون، إلى عصرنا الموضوع فيه هذا الكتاب.
كورة الشراة
ومدينتها أذرح وبها بايع الحسن ﵇ معاوية وفي هذه الكورة الحميمة وبها كانت منازل بني علي ابن عبد الله بن عباس.
وأرض البلقاء
وفيها مُآب، وعمان.
قال البلاذري: " وسار يزيد بن أبي سفيان إلى " عمان "، ففتحها على مثل صلح بُصرى، وغلب على أرض البلقاء.
وقال أيضا: " وتوجه أبو عبيدة بن الجراح في جماعة كثيفة من المسلمين الذين كانوا مع الأمراء فأتى " مآب " وبها العدوّ، فافتتحها على مثل صُلح بُصرى.
قلعة الصلت
وفي هذه الأرض قلعة الصلْت وهي محدثة. ولها عمل متسع بناها الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل. ويقال في سبب بنائه لها أنه عبرت له جوار فخرج عليهنّ طائفة يقال لهم بنو رحمان من قرية تعرف " بكفر يهوذا " فسبوا الجواري، وأخذوا منهن جماعةً.
فلما بلغ المعظم شن عليهم غارة بنفسه فاستأصلهم، وأمر ببناء برج قريباً منهم. فبُنى على قبة جبل يعرف برأس الأمير " قلعة الصلت "، وحصنها، وكان في مكانها شَعْراء ملتفة الأشجار، فقطعها.
ولم تزل في يد الملك المعظم إلى أن توفي في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة، فانتقلت لولده الملك الناصر، وبقيت في يده إلى أن تسلمها منه الملك الصالح نجم الدين أيوب في ذي الحجة سنة أربع وأربعين.
وبقيت في يده، ثم في يد ولده الملك المعظّم إلى أن قُتل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة.
следующие страницы →