Полный текст (205 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وتسلمها ولده سيف الدين محمد. فلما ملك الملك العادل " نور الدين محمود " دمشق، أخذها منه بعد امتناع وحصار، وعوضه عنها حصن " بو قبيس "، وذلك في شوال من السنة.
وأما بصرى فاستمر فيها فارس الدولة إلى أن قتله فيها زوج ابنته ابن الحاجب حوله في المحرّم سنة خمس وخمسين وخمسمائة، واستولى عليها.
فأخذها منه الملك العادل وأعطها وصرخد لغلامه صديق. وما زالا في يده إلى أن قتله ابن أخته في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، واستولى عليهما.
فاحتال عليه صلاح الدين وأخذهما منه لماّ ملك دمشق، وولّى فيهما من قبله، وما زالا في يده أن فرّق البلاد بين أولاده وأقاربه، فأعطى الشام لولده الملك الأفضل خلا " الكرك " فانه كان للملك العادل فدخل صرخد وبصرى فيما صار في حوزه، فأنعم على أخيه " الظافر " ببصرى. ولم تزل صرخد في يده مع غيرها إلى أن قصد أخوه الملك العزيز صاحب مصر وعمّه العادل، وأخذا منه دمشق في رجب سنة اثنتين وتسعين.
واستبد العادل بدمشق وأعمالها خلا " صرخد " فإنه أقرها في يده، وأخذ " بُصرى " من الملك الظافر.
ولم تزل " صرخد " في يد الأفضل إلى أن توفي الملك العزيز بمصر، وترك ولداً صغيراً جعله ولّي عهده ولقبه الملك المنصور، وأوصى للملك الأفضل بتدبيره وكفالته. فسار إلى مصر في المحرم سنة خمس وتسعين. ثم خرج منها في شعبان إلى دمشق، وحاصر الملك العادل فيها - كما حكيناه في أمراء دمشق - ثم عاد إلى مصر فسار الملك العادل، إليه، وأخرجه منها وعوّضه عنها " سُميْسَاط " وغيرها، مضافة إلى " صرخد ".
فلما وصل إلى الشام جمع غلمان أبيه ووعدهم وعوداً ضمن لهم الوفاء بها إن ساعدوه على أخذ دمشق. وعجّل من وعوده " صرخد " لزين الدين قراجا، وذلك في سنة سبع وتسعين فولّى فيها من قبله. ثم غدر بالأفضل، وصار إلى الملك العادل في سنة ثمان وتسعين.
وعجز الأفضل عن حصار دمشق، فصالح الملك العادل، وسار إلى حمص فأخرج زين الدين نساءه وحريمه من " صرخد ".
ولم تزال صرخد في يد قراجا إلى أن توفي سنة أربع وستمائة، وبقيت في يد أولاده إلى سنة إحدى عشرة فأخذها الملك المعظّم بمرسوم أبيه الملك العادل. وبقيت في يده مدة، ثم أنعم بها على غلامه عز الدين أيبك.
ولم تزل في يده إلى أن حاصر الملك الكامل دمشق وفيها الملك الناصر داود ابن الملك المعظم، وعز الدين أيبك. فلما لم يكن للملك الناصر طاقة به بذل له تسليمها على شروط قرّرها، منها: إبقاء صرخد على عز الدين أيبك، فأجابه إلى كل ما التمسه خلا عز الدين.
وألجأت الملك الناصر ضرورة إلى تسليم دمشق، فلما تسلّمها الملك الكامل خاف عز الدين واستجار بفخر الدين ابن الشيخ.
فلما ركب الملك الكامل في موكبه ركب عز الدين فيه، ولما عاد ونزل دار السعادة، دخل في جملة الأمراء. فلما وضع السماط وجلس الأمراء في مراتبهم، بقي عز الدين قائماً فالتفت الملك الكامل إلى فخر الدين، وأمره أن يأمر عزّ الدين بالجلوس إلى جانبه، فجلس محتشماً، فقال فخر الدين للملك الكامل: إن الأمير عز الدين يريد أن يأكل من الخافقية التي بين يدي السلطان، فرفعها بيده وناوله إيّاها، فقام وقبّل الأرض.
فلمّا فرغ السماط، وخرج الأمراء، وقام الملك الكامل، ودخل إلى الحجرة، وتقدّم إلى جوهر النوبيّ الخادم بأن لا يترك عز الدين يخرج، فاستشعر عزّ الدين القبض عليه، وأقام حتى خرج إليه ومعه ما كان على الملك الكامل من اللباس فألبسه إياه ثم أخذ بيده، وأدخله عليه، فقال له الملك الكامل: " يا عزّ الدين، ما أردت أن يكون للملك النَّاصر عليك منّة. أنا أحق بها منه ". وأمر له بعشرة آلاف دينار وألف قطعة قماش، وأذن له في المسير إلى " صرخد ". فلما خرج قدّم له مركوب السلطان الذي نزل عنه.
стр. 72
ولم تزل في " صرخد " في يده إلى أن تسلمها منه الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل في سنة أربع وأربعين وستمائة، وعوّضه عنها قرقيسيا والخابور، وكانتا في يد الملك الناصر صلاح الدين صاحب حلب، فوصل رسولا الملك الصالح، وهما: فخر الدين ابن السكري وشهاب الدين ابن الغرس في تمكين عز الدين من تسليم قرقيسيا والخابور. فقال لهم: " إني فتحت هذه البلاد بسيفي من الخوارزمية، فما له والتصرف فيما ليس له ". فعادا بهذا الجواب. وكان قصد الملك الصالح إبعاد عز الدين إنه لا بد أن يملك مصر رجل تركي اسمه عز الدين أيبك، فظن أنه هو لما كان يرى فيه من مخايل المملكة.
فلما لم يتم له قصده في إبعاده قبض عليه، وبقي في حبسه إلى أن مات في جمادى الأول سنة ست وأربعين وستمائة بالقاهرة.
ولم تزل صرخد " في يد الملك الصالح ثم في يد ولده الملك المعظم، إلى أن قُتل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة وملك دمشق السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد صاحب حلب، استولى على " صرخد " وبقيت في يده إلى أن خرج عن البلاد بورود التتر إليها واستيلائهم عليها.
فأقطعها أخاه الملك الظاهر سيف الدين غازي فولّي فيها سعد الدّين بن عمر قلج نقيب العسكر، وبقيت في يده إلى أن قصدها التتر بعد أخذهم دمشق، فخربوا شراريف أسوارها، وأبقوها في يده، وجعلوا معه فيها نائبا.
ثم خرج عنها ولحق بهولاكو، ثم أباد الله التتر على يد من بيض الله بجهادهم صحائفه، وقلّد حدُّه جيدَ الملّة الإسلامية مننه وعوارفه، الملك المظفَّر قٌطُر التركي الُمعزي وأعاد المسلمين إلى مراكزهم في البلاد الشامية.
فلما قُتل، وملك مولانا السلطانُ الملكُ الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي البلاد عمرها، وعمر سور " صرخد " وجدّد، وولّى فيها من قبله وهي في يده إلى عصرنا. ولم تزل في يده إلى أن توفي إلى رحمة الله وتولى ولده السلطان الملك السعيد على جميع الممالك بعهدٍ من والده.
وأما بُصْرى فإنها لما صارت إلى الملك المعظم، حين أعطاه أبوه الملك العادل الشام، جدّد قلعتها، وأحكم بناءها وحصَّنها، وبنى ظاهرها بركة للحجاج في غاية الكبر يستقون منها عند دخولهم إلى البرية.
وأنا في هذا متردّد والغالب عندي أن الملك العادل لم يُعط " بصرى " للملك المعظم فيما أعطاه من الشام، بل أعطاها ولده الملك الصالح عماد الدّين اسماعيل، ولم تزل في يده إلى أن حاصرها الملك الصالح نجم الدين أيوب حتى تسلمها من نوابه في رجب سنة أربع وأربعين وستمائة.
وبقيت في يده، ثم في يد الملك المعظّم غياث الدين تورانشاه. ثم لما قتل، وملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب دمشق، ملكها ولم تزل في يده إلى أن استولت عليها التتر فيما استولوا عليه من البلاد.
فلما أتاح الله هلاك عسكر " هولاكو " ومضغوا اللجم بما أصابهم ولاكوا. واسترجع منهم ما ملكوه. وقطع عليهم النهج الذي سلكوه. صارت في يد مولانا السلطان الملك الظاهر، فعَّم الخصبُ أرجاءها. وتبوأ الأمن أفياءها. وهي في يد نوابه إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.
كورة البثينة
ومدينتها أذرعات
قال البلاذري: " لماّ فتح المسلمون بصرى أتاهم صاحب أذرعات فصولح على مثل ما صولح عليه أهل بصرى وعلى أن تكون أرض البثنية خراجاً؛ ومضى يزيد بن أبي سفيان حتى دخلها ".
ولم يتصل بي شيء من ذكرها بعدُ. والظاهر عندي أنها ولايات مضافات إذا ليس فيها مدينة معتبرة فيكون لها ولاية مقرّرة.
كورة الجبال ومدينتها عرندل
على ما وجدته في كتاب فتوح البلدان.
ورأيت في غيره من الكتب أن مدينتها " مآب ".
قال البلاذري: " لماّ ولي أبو عبيدة ابن الجراح الجيش والأمرة ولّي يزيد بن أبي سفيان ففتح عرندل، وغلبَ على أرض الجبال ".
وفي هذه الكورة زُغرْ.
وهي مدينة حارّة، متصلة بالبادية، وبها نيلٌ لا يقصر عن نيل كابل.
ومعان
وهي على سيف البرية، وتسكنها طائفة من اليونان.
ومؤتة
وهي التي قتل فيها جعفر بن أبي طالب الطيار. وهذه كلها مدن قديمة وقع ذكرها في كتب التواريخ والفتوحات، وكتب المسالك والممالك.
ومما هو مستحدث ذكره في هذه الكورة من البلاد
الكرك والشوبك
стр. 73
فأما الكرك: فهو في عصرنا حصن منيع، ومعقل حصين. وله ربضٌ عليه سور. وهو وربضة على جبل. وبين الربض والقلعة خندق عميق، نحو ستين ذراعاً. ويدخل إلى فضاء الحصن من حنية منحوتة في الجبل طويلة عليها بابةٌ وحراسةٌ.
ولما لم أجد له ذكراً فيما طالعته من كتب التواريخ الموضوعة في صدر الإسلام، ولا في الكتب المصنّفة في لمسالك والممالك، لم أزل أبحث عنه إلى أن أخبرني ثقة أعتمد عليه: أنه كان ديراً للنصارى. وكانت العرب تتخطّف منْ فيه من الرهبان مقيم، فسرق الرهبانُ بناءه وحصنوه. ولم يزل ذلك دأبهم في توسعته وتحصينه إلى أن صار حصناً. واستدعوا أليه طائفة من الفرنج المجاورين لهم، وأسكنوهم فيه عندهم يتقوّون بهم على من يقصد أذاهم. فزاده الفرنج تحصيناً. وأقاموا فيه حاكماً ورتبوا له جنداً. وجعلوا يشنّون منه الغارات على ما داناهم من القرى والضياع، إلى أن أجلوْا عنها كثيراً من أهلها، واستولوا عليها، وصيرّوها له عملاً تحميه سيوفهم.
ولم يزل في أيديهم إلى أن ملكة البرنس أرناط صاحب إنطاكية.
وسبب تملكه له أنه لما تخلّص من أسر نور الدين محمود بعد موته، تزوج بزوجة صاحب الكرك بحكم أن زوجها مات فملكه. وكان نور الدّين قد قصده مرّة أخرى في سنة ثمان وستين، وحاصره ثم رحل عنه لسبب ومات، ولم يظفر منه بغرضٍ.
فلما ملك الناصر صلاح الدين في سنة سبع وسبعين قصده عز الدين فرخشاه نائب الملك الناصر صلاح الدين على دمشق والملك العادل من مصر.
وسبب ذلك أن البرنس " أرناط " صاحب الكرك كان من شياطين الإنس وأشدهم عداوة للمسلمين، فجمع عسكراً وعزم على المسير إلى " تيماء "، ومنها إلى مدينة النبي ﷺ ليستولي على تلك البلاد، فسمع عزّ الدين بذلك فجمع العساكر الدمشقية وسار إلى بلده فنهبها.
فلما بلغ أرناط ذلك علم أن المسلمين لا يعودون إلى بلادهم حتى يُفرق جموعه، ففرقهم وانقطع طمعه عما قصده، فعاد عز الدين إلى دمشق.
وغزاه صلاح الدين بنفسه في سنة تسع وسبعين، فملك ربضة وتسلط به على حصاره، ونصب عليه المجانيق فلم ينل منه طائلاً. ورحل عنه في منتصف شعبان.
ثم غزاه في شهر ربيع الآخر من سنة ثمانين، فنصب المجانيق على ربضه، واشتد عليه القتال حتى مُلك، وبقي الحصن. وأمر صلاح الدين بإلقاء الأحجار في المجانيق ليطمه، فلم يقدر أحدٌ على الدنو منه لكثرة الرمي بالنشاب وأحجار المجانيق. فأرسل من فيه إلى الفرنج يستنجدهم، فساروا إليهم في عدةٍ وعديد. فلما بلغ الملك النّاصر رحل عنه وسار إلى " نابلس " فنهبها وخربها، وأحرقها.
ثم أن البرنس طلب الموادعة والمهادنة من صلاح الدين فأجابه، ولم يف. وذلك أنه عبر به " بالشُوبك " قفل من الديار المصرية في حالة المهادنة، فنزلوا عنده بالأمان، فغدر بهم وقتلهم، فنذر صلاح الدين على نفسه أنه متى ظفر به قتله، بسبب ما كان عزم عليه من قصده " المدينة " - صلى الله على ساكنها - وتأكد ذلك بأخذ القفل المذكور.
فلما كانت سنة ثلاث وثمانين، جمع الجموع من الموصل وديار بكر والجزيرة وإربل وبلاد الشرق وبلاد الشام ومصر، ونزل على " الكرك " فحصره، وضيّق عليه.
ثم بلغه أن الفرنج جمعت لدفعه عن الكرك، فرحل وترك عليه أخاه الملك العادل في عسكر.
والتقى السلطان الناصر صلاح الدين بالفرنج على " حطين "، وكانت الواقعة التي أسرت فيها أسرتهمْ، وثلث عروشهم، وزعزعت أسرتهم.
ولم يزل حصن " الكرك " محاصرا إلى أن فتحه الله في شهر رمضان سنة أربع وثمانين، من نائب البرنس " أرناط " بالأمان، بعد أن حوصر سنة ونصفا. وأعطاه لأخيه الملك العادل وأخذ منه " عسقلان ".
وكان البرنس قد أخذه الملك الناصر في وقعة " حطين " أسيراً فوفى بنذره، وقتله بيده. وكان ذلك على الله يسيراً. ولم يزل في يد نواب الملك العادل إلى سنة خمس عشرة وستمائة. وقبل وفاته بمدةّ يسيرة، سلمه لولده المعظّم شرف الدين عيسى بجميع ما فيه من الخزائن والذخائر، فزاد في عمارته وتحصينه، ونقل إليه أرباب الصناعات حتى جعله مدينة لا يحتاج إلى غيره ونصب في قراه الأشجار، وأجرى خلالها العيون.
ولم يزال في يده إلى أن توفي في سلخ ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستماءة، وانتقل إلى ولده الملك الناصر داود.
стр. 74
ولم يزل في يده إلى أن خرج عنه، ووفد إلى حلب مستغيثاً بالملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد على الملكِ الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، فانه كان قد سيّر إلى الحصن فخر الدين بن الشيخ فحاصره، وضايقه حتى قلّت به الأقوات، فخرج عنه بهذا السبب في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين.
وترك به أولاده، وجعل ولاية عهده فيه لولده الملك الأمجد فراسله الملك الصالح، وقرّر معه أنه متى سلّم إليه الحصن عوّضه عنه خمسين ألف ديناراً وإقطاعاً بمصر، فأجابه إلى ذلك، وسيرّ إليه الملك الصَّالح جمال الدين آقوش النجيبي مملوكه، وبعث معه بدر الدين الصوابي وفوض إليه الحكم فيه، وولي كمال الدين ابن شكر النظر فيه وفي أعماله.
وكان تسليمه للملك الصالح في جمادى الأول سنة سبع وأربعين وستمائة، وحمل إليه خزانةً مقدارها ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وولى الربض لرجل يُسمى " الهمام ".
ولم يزل في يده إلى أن توفي وملك بعده ولده الملك المعظم. ولما قتُل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة، وملك الملكُ الناصر صلاح الدّين صاحب حلب دمشق، بعث بدرُ الدين الصوابي إلى قلعة " الشويك " منْ أحضر الملك المغيث عمرَ ابن الملك العادل ابن الملك الكامل في خفية، وكان الملك الصالح قد حبسه بها، فدخل به الكرك ثالث عشر شهر ربيع الأول وأخفاه.
ثم إن رسول الملك الناصر وصل من دمشق يطلب من بدر الدّين تسليم " الكرك " فأنزله وأكرمه. وبعث إلى منْ معه في الحصن من مسحفظيه، وعرَّفهم أنه " لا ينبغي أن يخرخ الحصن عن أحد من أولاد الكامل فإنهم مواليه، وأريد منكم الموافقة على ما أردت ". فأجابوه إلى ما أراد.
فأمر بإحضار الملك " المغيث " فحضر، وحلّفهم له ثم استدعى الرسول وقال له: هذا صاحب الحصن فتحدث معه، فالتفت إليه وبلغه الرسالة، فأجابه بكلام - كان قد قرّر معه بعد أن قام وقبل الأرض - مضمونة: " أني كنت في الحبس، وقد منّ الله بإطلاقي، وليس لي ولا لمنْ بَقيَ منْ أهلي موضع ينضوون إليه، ويعتمدون في النفع عليه، والسلطان - أعز الله نصره - إذا أخذ هذا الحصن لا بدّ له من نائبٍ، والمملوك نائبه فيه، لا أصدرُ ولا أرد إلا عن رأيه ومراسمه. فلم يعارضه الملك " الناصر "، وقبل هذا القول منه وذلك في العشر الأواخر من جمادى الأولى.
ولما صار في يده من غير منازع له فيه ملك بلد " الشوبك " وبقي الحصنُ في يده إلى أن استولت التتر على دمشق في سنة ثمان وخمسين وستمائة، فانضوى إليهم وصيروا معه نائبا في الحصن.
ثم كانت هزيمة التتر على " عين جالوت " في شهر رمضان. وتولى الملك المظفر، فكتابه الملك المغيث في إبقائه على ما في يده، فأجابه إلى أن يبقى معه " الكرك " لا غير. وحل عنه ما كان الملك صلاح الدين الناصر يوسف صاحب الشام أضاف إليه من النواحي وهي: الصلت، والخليل، والبلقاء.
ثم قتل الملك المظفر في بقية السنة، وملك مولانا الملك الظاهر ركن الدّين البلاد، فحمل الملك المغيث الحسد على أن كتب إلى التتر عدة كتب، ووصلته الأجوبة على يد رسول منهم، فخاف أن ينم عليه ذلك، فسيّره تحت الحوطة إلى أبواب مولانا السلطان بالقاهرة.
فما زال السلطان يتحيل على الرسول، ويبسط أمله إلى أن اعترف له مما كاتب به الملك المغيث إلى هولاكو من حثه على النهوض إلى بلاد الشام. ثم ردَف ذلك بأن كتبه وصلتْ إلى الشهرزورية الذين كانوا تحت حرم السلطان بالقاهرة بإفسادهم، فتوجه إليه " يعقوب بن بدل " وأعمامه وأهله.
ووصلت العرب القُصاد الذين قفلوا من عند هولاكو إلى السلطان، فأوقف الفقهاء على الكتب وأخذ فتاويهم بأن قتاله يتعين.
وبرز من القاهرة سادس شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين ووصل إلى غزة سابع عشره، فوصلت إليه عليها أم الملك المغيث، فأقبل عليها وأكرمها وردّها إلى الكرك.
стр. 75
ثم وصل السلطان إلى " الطور " يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى، وكاتب المغيث بالحضور إليه فسوف، ووعد بالحضور، ثم وصل بعد مدافعة كثيرة في سادس عشري جمادى الأولى. وعند وصوله قبض عليه السّلطان، وكان الملك الأشرف صاحب حمص حاضراً في العسكر فأحضروه، وأحضر أكابر الأمراء وأحضر الملك المغيث، وأحضر كتبه إلى التتر، والفتاوى، والقصّاد الذين كانوا يسفرون بينه وبين هولاكوا فعذره، ولم يكن يعرف الباطن في قبضه عليه. ثم بعثه مع الأمير شمس الدين آق سنقر السلحدار الفارقاني أستاذ الدار، فوصل به إلى قلعة القاهرة فحبسه فيها، وكان آخر العهد به، وكان مولده يوم الأربعاء حادي عشر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين.
وسار السلطان إلى " الكرك " وتسلّمه يوم الخميس ثالث عشري جمادى الآخرة، بعد قواعد تقرَّرتْ بينه وبين نّواب الملك المغيث، ودخله السلطان يوم الجمعة ورتَّب فيه من قبله نائباً الأمير عز الدين إيدمر مملوكه وأستاذ داره، وشيده، وحصّنه، وزاد فيه، وحفر خندقه، وأحاط به، ولم يكن فبل ذلك كذلك، ونقل إليه خزائنه وذخائره.
ولم يزل فيه عز الدين متوليه إلى أن عُزل عنه، وولي دمشق، وجعل عوضه منه مملوكه علاء الدين أيدكين الشهابي وذلك في المحرم سنة سبعين. وهو به إلى الوقت الّذي وضعنا فيه هذا التاريخ.
وأما الشوبك: فإني لم أعثر له على ذكرٍ في كتاب من كتب التواريخ المصنفة في صدر الإسلام.
والظاهر أن الحال فيه كالحال في " الكرك " في بنائه، وتملّك الفرنج له، إلى أن فُتح في الوقت الذي فُتح فيه الكرك بعد حصار سنتين وأقطع معه للملك العادل.
ولم يزال في يده إلى أن أعطاه ولده الملك المعظم شرف الدين عيسى فحصنه وحسّنه، ونقل إليه الأشجار من سائر الأقطار حتى صار يضاهي دمشق في روائها، وتدفق مياهها، وطيب هوائها.
ولم تزال في يده إلى أن توفي في ذي القعدة سنة أربع وعشرين، وانتقلت إلى ولده الملك الناصر داود.
ولم تزال في يده إلى أن سأله إياه الملك الكامل في مجلس شراب فخرج له به.
وبقي في يد الملك الكامل إلى أن مات، فقصده الملك الناصر وتعذّرت استعادته عليه.
وبقي في يد الملك العادل إلى أن يقبض عليه. وملك الملك الصالح نجم الدين أيوب أخوه، فاستولى على " الشوبك " وبقي في يده إلى أن مات.
واستولى الملك المغيث ابن الملك العادل عليه عند استيلائه على " الكرك ". ولم يزل في يده إلى أن ملك مولانا الملك الظَّاهر ركن الدين، فسيّر إليه عسكراً فتسلَّمه من صارم الدين قايماز الناصري، وكان نائبا فيه عن الملك المغيث بباطنٍ كان معه، في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وستمائة، ونوابه فيه متصرفون، إلى عصرنا الموضوع فيه هذا الكتاب.
كورة الشراة
ومدينتها أذرح وبها بايع الحسن ﵇ معاوية وفي هذه الكورة الحميمة وبها كانت منازل بني علي ابن عبد الله بن عباس.
وأرض البلقاء
وفيها مُآب، وعمان.
قال البلاذري: " وسار يزيد بن أبي سفيان إلى " عمان "، ففتحها على مثل صلح بُصرى، وغلب على أرض البلقاء.
وقال أيضا: " وتوجه أبو عبيدة بن الجراح في جماعة كثيفة من المسلمين الذين كانوا مع الأمراء فأتى " مآب " وبها العدوّ، فافتتحها على مثل صُلح بُصرى.
قلعة الصلت
وفي هذه الأرض قلعة الصلْت وهي محدثة. ولها عمل متسع بناها الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل. ويقال في سبب بنائه لها أنه عبرت له جوار فخرج عليهنّ طائفة يقال لهم بنو رحمان من قرية تعرف " بكفر يهوذا " فسبوا الجواري، وأخذوا منهن جماعةً.
فلما بلغ المعظم شن عليهم غارة بنفسه فاستأصلهم، وأمر ببناء برج قريباً منهم. فبُنى على قبة جبل يعرف برأس الأمير " قلعة الصلت "، وحصنها، وكان في مكانها شَعْراء ملتفة الأشجار، فقطعها.
ولم تزل في يد الملك المعظم إلى أن توفي في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة، فانتقلت لولده الملك الناصر، وبقيت في يده إلى أن تسلمها منه الملك الصالح نجم الدين أيوب في ذي الحجة سنة أربع وأربعين.
وبقيت في يده، ثم في يد ولده الملك المعظّم إلى أن قُتل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة.
стр. 76
وملك الملكُ الناصر صلاح الدين يوسف دمشق في شهر ربيع الآخر من السنة، فملك " قلعة الصَّلت " وبقيت في يده إلى أن انقضت دولته في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة واستولى التتر على البلاد فقصدوها، وبها بدر الدين محمد بن الحاج الناهض أبي بكر الأتابكي، فعصى فيها أياما ثم سلّمها، فأقروه فيها.
ولما أسترجع الملك المظفر قطز البلاد من أيديهم، وكسرهم، كانت فيما استرجع، فأقر بدر الدين فيها.
ولما قُتل الملك المظفر في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، وملك مولانا السلطان الملك الظاهر قصدها، وفيها بدر الدين المذكور، فتسلمها منه في سنة تسع.
وهي في يد نوابه إلى الوقت الذي وضعنا فيه هذا التاريخ. ثم لما توفي الملك الظاهر في ثاني عشر المحرّم سنة ست وسبعين، انتقلت إلى ولده الملك السعيد ناصر الدين بن محمد ابن بركة قان، فلم تزل في يده إلى أن خرج الملك عنه لأخيه الملك العادل سيف الدين سلامش، ليلة الاثنين تاسع عشرين ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين.
وتسلّم تدبير الملك في الأتابكية الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي، فسيّر إليها نواب الملك العادل فاستمروا بها إلى أن جلس الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي، فسير إليها نواب الملك العادل فاستمروا بها إلى أن جلس المنصور سيف الدين قلاوون المذكور على تخت الملك يوم الثلاثاء حادي عشري شهر رجب من سنة ثمان وسبعين، فسير نوابه إليها واستمرت بيده.
قلعة عجلون
وهي بين بلد السواد - من أعمال الأردن - وبين بلاد الشراة. مُحدثة صغيرة على جبل مطلّ على الغور، تُرى من القدس ومن جبال نابلس.
طولها تسع وستون درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة، وعشر دقائق.
والجبل التي هي مبنية عليه يعرف بجبل " عوف " لأنه كان ينزله قوم من " بني عوف "، في أول ولاية الخلفاء المصريين، وكانوا أمراء أولي بأس ونجدة، يقاتل بعضهم بعضاً لتشعب قبائلهم.
ولم زالوا كذلك إلى أيام الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، فأقطع ناحيتهم الأمير عز الدين أسامة، وكان من أكابر الأمراء العادلية. فشرع في بناء قلعة يعتصم بها نوابه من عدوان بني عوف، فمنعوه، فأوهمهم أنه إنما يعمرها حراسة لهم من الفرنج، فأجابوه، وأعانوه على بنائها. فلما كملت استدعى مشايخ بني عوف إليها، ومدّ لهم سماطاً، فلما أكلوا أمر غلمانه بالقبض عليهم وحبسهم.
وقيل: إنه كان في مكانها دير قديم يسكنه نصراني اسمه " عجلون " فهدم وبقيت القلعة مكانه، فسميت باسم الراهب.
وكذلك " الباعوثة " فإنه كان مكانها دير يسكنه نصراني يسمى " الباعوثة " فُسمي باسم الراهب.
وهذا الدير مذكور في كتب الديارات. وكان بها قلض من قبل الخلفاء المصريين، وله من الأقطاع سبع وعشرون قرية، من جملتها " عمْتا " وما زال التوقيع بها في يد عقبة إلى استولى التتر على البلاد، فعدم منهم. وحدود " جبل عوف " من القبلة وادي الزّرقاء الفاصل بين بلد " عجلون " وبين بلد الصلت؛ فكل ما هو في قبليه فمن عمل " الصلت ". وكل ما هو من شماليه من عمل " عجلون " ومن الشرق ينتهي بعضه إلى بلاد تعرف " بالحبابية ". من أعمال " عجلون "، وليست من جبل عوف ولكنها داخلة في الولاية.
وتمام الحد المذكور بلاد السواد، ومن الغرب الغور، ومن الشمال بلد السواد. ولم يزال حصن " عجلون " في يد بانية عز الدين أسامة إلى أن قبضه الملك العادل. وبقي في يده إلى أن سلمه لولده الملك المعظم في سنة تسع وستمائة.
ولم يزل في يده إلى أن توفي في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة، فانتقل إلى ولده الملك الناصر داود فكان في يده مع دمشق والكرك والشوبك.
فلما ملك الملك الكامل دمشق وسلمها للأشراف، أقرّ على الملك الناصر الكرك والشوبك، والأغوار.
وبقيت " عجلون " في يد الملك الأشراف إلى أن توفي في رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكان بنابلس ألمير ظهير الدّين بن سنقر الحلبي في خدمة الملك الناصر، فكاتب النائب المقيم بعجلون، وبذل له أربعين ألف درهماً، وخلعة، ومركوباً، وقماشا، فسلمها إلى نواب الملك الناصر صلاح الدين داود.
ولم تزل في يده ذي القعدة سنة تسع وثلاثين. وفيها استخدم الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم الأمير سيف الدين علي بن قلج النوري، فأقطعه هذه القلعة فيما أقطعه.
стр. 77
ولم تزل في يده إلى أن تسلمها الملك الصالح نجم الدين أيوب أبن الملك الكامل، سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
ولم تزل في يده إلى أن توفي في الخامس عشر من شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة. وولي بعده ولد الملك المعظم. ولم تزل في يد نوابه إلى أن قُتل في المحرم سنة ثمان وأربعين، وملك الناصر صاحب حلب دمشق، فبذل لنوابه مالاً حتى سلْموه له، وانعم على قاضيه بألفي دينار فلم يأخذها.
وبقي الحصن في يده إلى أن استولى التتر على البلاد وانقضت دولة الناصر، وخرج من دمشق هارباً.
فلما نزل التتر على الحصن عصي عليهم من فيه فوصل إليه الملك الناصر المذكور، ودخله، وسلمه إليهم، وذلك في رجب فاستولى على جميع حواصله وذخائره وكان به جوارٍ للملك الناصر فأنزلوهن منه حفاةً عراةً، وهدموا شراريف القلعة.
ولم يزل في أيديهم إلى أن كسروا على " عين جالوت " في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمئة، فتسلمه الملك المظفر، وأمر بعمارته.
ولما قتل الملك المظفر في ذي القعدة من السنة، واستولى الملك الظاهر على البلاد المصرية والشامية صار إليه بعد أن ملك دمشق في صفر سنة تسع وخمسين وستمائة، فجدّده وعمره، ونقل إليه الذخائر، وولّى فيه عز الدين أيبك العلائي. ولم يزل في يده إلى أن نقله قلعة صفد لما فتحها وولّى فيه الأمير سيف الدين وهو بها إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.
ثم لما توفي الملك الظاهر ثامن عشري محرم سنة ست وسبعين صار إلى ولده الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة قان، فاستمر بيده إلى أن خرج الملك عنه لأخيه الملك العادل سيف الدين سلامش ليلة الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين، وولى أتابكيته الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي.
فلم يزال في يد نواب الملك العادل إلى أن جلس السلطان الملك المنصور المذكور، على تخت الملك يوم الثلاثاء خامس عشري شهر رجب من سنة ثمان وسبعين، فسير إليه نوابه واستمر بيده
ذكرُ ما في هذا الجند من البلادِ الساحلية
وهي: عرقة - وجبيل - وصيدا - وبيروت - وأطرابلس فأما عرقة فمدينة قديمة في سفح جبل قليل العلوّ، والبحر منها على ثلاثة أميال. ولها في وسطها حصنٌ عالٍ حصين. وشرب أهلها من مياه تأتيهم من نهر يجري ملاصق لها، عليه أرحاء، وبها قصب السكر؛ وبناؤها بالجصّ والتراب.
طولها ستّ درجة، وعرضها خمس وثلاثون درجة ودقيقتان.
قال البلاذري: " أتى يزيد بن أبي سفيان بعد فتح دمشق - صيدا - وبيروت - وعرقة، وجبيل، وهي سواحل؛ وعلى مقدمته أخوه معاوية ففتحا فتحا يسيراً وأجلى كثيراً من أهلها. وتولى فتح عرقة معاوية بنفسه في ولاية يزيد. ثم إن الروم غلبوا على هذه السواحل في آخر خلافة عمر بن الخطّاب ﵁ وأول ولاية عثمان، فقصدهم معاوية فأخرجهم عنها، ثم رمها وشحنها مقاتلة.
قلتُ: ولم تزل ثغور الشام يتصرف فيها نواب من يلي الأجناد الشامية أيام بني أمية، وصدراً من أيام بني العباس إلى أن ملك العبيديون الشام، فاعتنوا بالثغور، فأفردوها، وولوا في كل ثغرٍ منها والياً من مصر، ورتبوا معه جنداً لحفظه من عدوٍ يقصده.
ولم تزل " عرقة " يتصرف فيها نواب من يلي دمشق، إلى أن خرج ملك الروم " قانورا "، وقصد نواحي حلب وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة فاستولى على كثير من بلاد الشام ثم سار إلى عرقة فأخذها وسبى أهلها في سنة تسع وخمسين وثلثمائة، وذلك في أول مُلك المصريين الشام.
ثم خرج عن البلاد، فعاد المسلمون إليها وسنوها، واستمرت في أيديهم إلى أن قصدها باسيل ملك الأرمن فملكها، وهدمها، وانصرف عنها إلى بلاده وذلك في سنة تسعين وثلاثمائة. ثم عاد المسلمون إليها فعمروها. ولم تزل بعد في يد نواب من يلي دمشق إلى أن تغلب عليها خلف بن ملاعب لما ملك حمص، والأمير يومئذ على دمشق معلىّ حيدرة بن منزو من قبل المستنصر صاحب مصر.
стр. 78
ولم تزل في يده إلى أن أخذ منه حمص تاج الدولة تتش وذلك في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. ولم تزل في يد تاج الدولة تتش، ثم في يد ولده شمس الملوك دقائق، من بعده، إلى أن نزل عليها الفرنج، وفيها نائب له فكتب إليه يستنجده، فبعث إليه ظهير الدين طغتكين الأتابك في عسكر، فالتقى بالفرنج وكانوا سمعوا بمجيئه فساروا إليه، ووقعتْ بينهما حرب كانت على الأتابك، فعاد إلى دمشق، ورجع الفرنج إلى " عرقة " فحاصروها، حتى نفذ قوت من فيها، وتسلّموها بالأمان.
ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها الملك العادل نور الدين محمود سنة سبع وستين وخمسمائة.
وبقيت في أيدي المسلمين إلى أن مات الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتخاذل أولاده بعضهم عن بعض، تغلب عليها البرنس صاحب أنطاكية وأطرابلس.
ولم تزل في يده إلى أن قصدها السلطان الملك الظاهر ركن الدين، ففتحها عند فتحه " حصن الأكراد " في رجب سنة تسع وستين وستمائة.
ولما وقعت بين السلطان الملك الظاهر وبين صاحب أطرابلس الهدنة على المناصفات في البلاد التي في يده، نزل له من " عرقة " ولم ينصفه عليها. وهي في يده في عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.
جُبيل
وهي مدينة حسنة على البحر، لها سور من حجر حصين. وليس بها ماء جار. وإنما يشرب أهلها من الآبار. لم تزل في يد من يلي دمشق منذ فتحت إلى أن انتقلت إلى المصريين، وولوا فيها من قبلهم.
وجرى الأمر فيها على ذلك إلى أن تغلب أمين الدولة أبو طالب بن عمار قاضي " طرابلس " عليها، فيما تغلب عليه من بلاد الشام.
ثم صارت من بعده لفخر الملك أخيه ولم تزل في يده، إلى أن أخرج الفرنج لحصار " أطرابلس "، فنزلوا على حصن " جبيل " وضايقوه حتى ملكوه بالأمان من نواب فخر الملك، ثم غدروا بأهله، وأستأصلوا أموالهم بأنواع العقوبات في سنة سبع وتسعين " وأربعمائة ".
وقرأت في تاريخ ابن الأثير: أنها أخذت بالأمان بعد أخذ أطرابلس، وكان ابن عمار بها في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسمائة، وخرج سالماً إلى دمشق.
ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها صلاح الدين يوسف بن أيوب في جمادي الأول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وبقي في أيدي المسلمين إلى أن باعته الاكراد للفرنج بستة آلاف دينار سنة تسعين وخمسمائة وهي في أيديهم إلى الآن.
صيدا
وهي على ساحل البحر. وعليها سور من حجارة تنسب لرجل من ولد كنعان بن حام. وكورتها كثيرة الأشجار، غزيرة الأنهار، لها أربعة أقاليم، متصلة بجبل لبنان، تشتمل على نيّف وستمائة ضيعة.
وشربُ أهلها من ماء يجري إليها من جبلها في قناة. وبها عينُها المعروفة ينشأ بها في زمن الربيع سمكة على طُول الإصبع، منها الذكور وإناث، لها علامات يعرف بها النوعان، فإذا كان وقت سِفادها أخذت ثم جُففت، فإذا احتاج إليها منْ يريد أن يجمع ما شاء سُحقت بالماء وشُرب منه فلا يصيبه عجز ولا فتور. طالعها القوس والمشتري.
لم يزال حكمها في الولايات حكم ما تقدمها من البلاد الجارية عند جند دمشق، إلى أن أخذها من نواب المستنصر تاج الدولة تتش صاحب دمشق، سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، فخرج إليها أمير الجيوش بدر المستنصري من مصر بعسكر فنازلها، وحاصرها حتى أخذها بالأمان، سنة اثنتين وسبعين، وأخرج منها نواب تاج الدّولة، وولّى فيها من قبله.
ولم تزل في أيدي المصريين إلى أن نزل فيها بغدوين ثالث شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسمائة فسأله أهلها أن يُمهلهم مدةً عّينوها، فأجابهم بعد أن قرر عليهم ستة آلاف دينار مقاطعة. ثم رحل إلى القدس وعاد فملكها بالأمان بعد قتال سبعة وأربعين يوما.
ولم تزل يد الفرنج إلى أن فتحها الملك الناصرُ صلاح الدين بالأمان بعد قتال شديد وحصار عتيد، في العشرين من جُمادى الأول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
وبقيت في يده إلى أن صارت في يد ولده الملك الأفضل لماّ ملك دمشق فصارت إليه في سنة لثنتين وتسعين، فأقطعها لولده الملك المعظم، فأنعم بها على أخيه الملك المغيث.
وبقيت في يده إلى أن استشعر الملك العادل من الفرنج نقض الهدنة التي كانت بينهم وبين الملك الناصر صلاح الدين لما غادروا على البلاد فبعث إليها من هدمها، وذلك في سنة ثلاث وتسعين..
стр. 79
ولم تزل في يد الملك المغيث يوسف ابن الملك المغيث إلى أن توفى في المحرم سنة ثلاثين وستمائة، في حصن كيفا فصارت في يد الأشرف الملك موسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
ولم تزل في يده إلى أن مات، وملك الملك الصالح إسماعيل دمشق فأعطاها فيما أعطى من البلاد للفرنج، فعمروها وحصنوها.
وبقيت بأيديهم إلى أن قصدها الملك الناصر صلاح الدين صاحب حلب سنة إحدى وخمسين وستمائة، فأخذها عنوة، ثم صالحهم على أن تكون مناصفة.
ولم تزل كذلك إلى أن ملك التتر البلاد فاستولى الفرنج عليها. وهي في أيديهم إلى عصرنا هذا.
بيروت
وهي على ضفة البحر. عليها سور من حجارة ولها بمقربة منها جبل فيه معدن الحديد. ولها غيضة أشجار صنوبر تتصل بجنوبها إلى جبال لبنان، تكسيرها اثنا عشر ميلا في مثلها. وشرب أهل بيروت من الآبار.
وهي فرضة لدمشق، لم تزل في يد من يلي دمشق إلى أن عصى " الفتح " مولى مرتضى الدولة أبي نصر منصور بن لؤلؤ صاحب حلب على مولاه بقلعة حلب، ودعا بشعار الحاكم، وأخرجه من حلب، وسلمها لسديد الدولة أبي الحسن علي بن أحمد المعروف بالضيف في رجب سنة ستة واربعمائة، وعوضه عنها بيروت وصيدا وصور. وبقيت في يده إلى أن مات بمصر. إما في سنة ثمان أو تسع وأربعمائة.
ثم صارت إلى نواب الحاكم، واستمرت في يد من يليها من نواب المصريين إلى أن قصدها تاج الدولة تتش، وفيها والً من قبل المستنصر، فاستولى عليها، وخرجت عن أيدي المصريين إلى الترك.
ولم تزل في أيديهم إلى أن قصدها الفرنج وفيها نواب ظهير الدين فملكوها قهراً وغلبة؛ وذلك بعد قتال لم تشاهد الفرنج مثله يوم الجمعة حادي وعشرين شوال، سنة ثلاث وخمسمائة.
ولم تزل في أيديهم إلى أن قصدها الملك الناصر صلاح الدين، فنازلها، وضايقها، حتى ملكها يوم الخميس التاسع والعشرين، من جمادي الأول سنة ثلاث وثمانين. وخمسمائة ولماّ ملكها أقطعها عز الدين أسامة.
ولم تزل في يده إلى أن ملك الملك العادل، وانقضت الهدنة التي قررها صلاح الدين، فأرادوا قصد " بيروت " فسبقهم إليها جيش الملك العادل يريد خرابها فمنعه أسامة، وتكفل بحفظها من الفرنج.
ورحل الفرنج عن " عكا " إلى " صيدا "، وعاد عسكر المسلمين من بيروت فالتقوا بالفرنج تاسع ذي الحجة سنةثلاث وتسعين وخمسمائة، فاستظهر الفرنج عليهم، وساروا إلى بيروت فأخذوها عفواً صفواً بغير قتال.
وما زالت في أيديهم إلى عصرنا الموضوع فيه هذا الكتاب.
أطرابلس
وهي مدينة عظيمة لها سور من حجر منيع. ولها رساتيق وضياع جليلة. وأرضها غورية كثيرة قصب السكر. والبحر يأخذها من ثلاث جهات لها. وينضاف إليها عدة حصون.
وكانت تضاهي دمشق في البساتين، فقطع أشجارها السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس صاحب الديار المصرية عند نزوله عليها - وسنذكره - طولها سبعون درجة ونصف، وعرضها أربع وثلاثون درجة.
قال البلاذري: " لما استخلفت عثمان وولي معاوية الشام وجه معاوية سفيان بن مجيب الأزدي إلى أطرابلس وهي ثلاث مدن مجتمعة. فبنى في مرج على أميال منها حصنا يسمى " حصن سفيان ". وقطع المادة عن أهلها من البحر وغيره، وحاصرهم. فلما اشتد عليهم الحصار اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة، وكتبوا إلى الملك الروم يسألونه أن يمدهم أو يبعث إليهم بمراكب يهربون فيها إلى ما قبلهُ. فوجه إليهم مراكب كثيرة فركبوها ليلاً وهربوا. فلما أصبح سفيان وكان كل ليلة يبيت في حصنه ثم يغدو على العدو فوجد الحصن الذي كانوا فيه خالياً. فكتب بالفتح المبين إلى معاوية فأسكنه جماعة كثيرة من اليهود. وهو الذي فيه الميناء اليوم ".
وقال البلاذري: " وكان معاويه يوجّه في كل عام إلى أطرابلس جماعة كثيفة من الجند يشحنها بها، ويوليها عاملاً، فإذا انغلق البحر قفل العسكر، وبقي العامل في جُمَيعَةٍ يسيرة.
стр. 80
فلم يزال الأمر فيها جارياً على ذلك حتى ولّي عبدُ الملك ابن مروان، فقدم في أيامه بطريق من بطارقة الروم ومعه خلق كثير، فسأل أن يعطي الأمان على أن يقيم بها ويؤدي الخراج، فأجيب إلى مسألته، فلم يلبث إلا سنتين أو أكثر منها بأشهر حتى تحقق قفول الجند عن المدينة أغلق بابها، وأسر من معه من الجند وعدّة من اليهود، ولحق وأصحابه بأرض الروم. فقدر المسلمون عليه بعد ذلك وهو متوجه إلى ساحل للمسلمين في مراكب كثيرة فقتلوه. ويقال: بل أسروه، وبعثوا به إلى عبد الملك فقتله، وصلبه. ويقال: بل تغلب عليها وقتَل من فيها بعد موت عبد الملك، ففتحها الوليد بن عبد الملك ".
ولم تزال أطرابلس يتصرف فيها من يلي دمشق منذ فتحت أيام بني أمية وصدراً من أيام بني العباس إلى أن استولى على دمشق العبيديون لما ملكوا مصر، فأفردوها عن دمشق، وولَّوا فيها من جهتهم.
وأول من وليها ريان الخادم، ثم سند الدولة، ثم أبو السعادة، ثم عليّ بن عبد الرحمن بن حيدرة ثم نزل ثم مختار الدولة بن نزال.
وهؤلاء الولاة لم يتصل بي مدد إقامتهم في الولايات. ثم تغلب عليها قاضيها أمين الدولة أبو طالب الحسن ابن عمار. ولم يزل بها إلى أن توفي سنة أربع وستين وأربعمائة.
وكان ابن عمار هذا من أعقل الناس، وأسدهم رأياً، فقيهاً على مذهب الشيعة. وكانت له دار علمٍ بأطرابلس، فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفا. وهو الذي صنف كتاب " ترويح الأرواح، ومفتاح السرور والأفراح " المنعوت " بجراب الدولة ".
ولما مات كان بأطرابلس سديد الملك بن منقذ هارباً من محمود بن صالح، فشدّ من جلال الملك أبي الحسن بن عليّ بن محمد بن عمار، وعضده بمماليكه ومنْ كان معه فأخرجوا أخا أمين الدولة من أطرابلس، وولّي جلال الملك.
ولم يزل متوليا عليها إلى أن توفي في سلخ شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. وملكها بعده أخوه فخر الملك عمار بن محمد.
وبقي مالكها إلى أن نزل عليها صنجيل بجموعه في شهر رجب سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وحاصرها وضايقها، وأناخ عليها بخيله ورجله. فبعث فخرُ الملك إلى الملوك بالهدايا والتحف يستنجدهم، ويستصرخهم، فلم يُعنْهِ أحد منهم.
فلما لم ير منهم معاضدةً ولا مساعدةً، رغب إلى " صنجيل " في رحيله عنه، وبذل له أموالاً وبعث إليه ميرة، وتضرع جهده، فلم ينفعه ذلك عنده. فلما ضاق بالحصار ذرعاً وعجز عن دفع العدوّ عنه، خرج من أطرابلس قاصداً السلطان محمود بن ملكشاه واستناب فيها ابن عمهّ " أبا المناقب " ورتب معه سعد الدولة فتيان بن الأعسر.
ونفق في الجند ستة أشهر، فجلس أبو المناقب في بعض الأيام في مجلسه وعنده وجوه أهل أطرابلس، فخلط في كلامه فنهاه سعد الدولة، فصاح، وقال: " لا يا سيدي، لا يا سيدي ". ثم جرد سيفه وضرب سعدَ الدولة فقتله، وانهزم من كان في المجلس، فقطع سعد الدولة إرباً إربا.
وقام من المجلس، وصعد إلى السور، وجعل يصفق بإبطيه ويهنبط، فقام أهلُ البلد وقبضوا عليه، واعتقلوه، ونادوا بشعار الأفضل ابن أمير الجيوش، وذلك في شهر رمضان سنة خمسمائة. وفي ثامن وعشرية هلك صنجيل، وتولى مقدّم يسمي السرداني.
ولما بلغ الأفضل ما فعله أهل أطرابلس جهز إليهم جيشاً في البحر، وجعل مُقدمهُ تاج العجم، فعمد تاج العجم إلى أخذ جميع أمواله، وما يحفظ البلدية، فرقي إلى الأفضل أنه يريد العصيان بأطرابلس، فقبض على ما كان حمله في المراكب. وولّي بدر الدولة ابن الطيب الدمشقي، فوصل إلى أطرابلس، وكان أهلها قد ضاقت صدورهم من طول الحصار، ثم رأوا من تخلفه ما رغبهم عنه ونفرهم منه فعولوا على طرده، ثم رأوا إبقاءه لأنهم لا ملجأ لهم إلا المصريين.
ووصلت من مصر مراكب بالغلات والرجال، فقرّر المذكور مع مقدّمي الأسطول البحرية وأعيان البلد وأصحاب فخر الملك وحريمه. فأخذهم وسيرهم في المراكب معهم إلى مصر. وبعث معهم ما كان بأطرابلس من السلاح والذخائر ما لم يكن عند أحد مثله من الملوك، ومائة ألف دينار، فاعتقل أهل بني عّمار بمصر.
وكان فخر الملك لما خرج من أطرابلس سار في البحر إلى بيروت، وقصد دمشق فالتقى بأتابك طغتكين، فأكرمه وسيّر معه ولده تاج الملوك بوري، فوصلا إلى بغداد واجتمعا به فقابلهما بالإكرام وردّ تاج الملوك إلى والده.
стр. 81
وأقام فخر الملك بباب السلطان إلى أنس من نصرته، وبلغه رجوعُ أطرابلس إلى المصريين، ونقل حريمه وأمواله وذخائره وسلاحه، فانكفأ راجعاً إلى دمشق. فدخلها في النصف من المحرم سنة اثنتين وخمسمائة، فأكرمه وأحسن لقياه، وسأله أن يعينه إلى الوصول إلى " جلبة " فأجابه، وسير معه عسكرا إليها فدخلها.
ولم تزل الفرنج على أطرابلس مجدين في حصارها، وأهلها يتكرر استصراخهم إلى الملوك ولا يجابون، وضعفوا عن مدافعة العدو وممانعته.
وعمل الفرنج أبراجاً وأسندوها إلى السور، وأشرفوا بها على البلد وأوصلوا منها النكاية إلى كل أحد، فطلبوا الأمان فأجيبوا.
واستعجل بعض الجند في النزول إلى البر قبل إحكام عَقد الأيمان، فدخل الفرنج من حيث خرج الجندي، فقتلوا وسبوا من كان فيها، وأخذوا ما لا يحصى من السلاح والمال. وذلك في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة بعد أن حاصروها سبع سنين وأربعة أشهر.
ولم تزل في أيديهم - خذلهم الله - إلى أن ملك مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس بلاد مصر والشام، فشن عليها الغارات مرة بعد أخرى، إلى أن نزل عليها في شوال سنة تسع وستين. وملكها حينئذ البرنس بيمند صاحب أنطاكية، فصالحه ودخل تحت طاعته، وناصفه على جميع ما في يده من البلاد.
وسيأتي ذلك مفصلاً.
ما كان في يد الفرنج
حصن ابن عكار - وحصن الاكراد - وشقيف تيرون فأما حصن ابن عكار فطوله سبعون درجة وعشرون دقيقة، وعرضه أربع وثلاثون درجة وخمس عشرة دقيقة.
ويغلب على ظني أنه محدث البناء، لأني لم أجد له ذكراً فيما طالعته من كتب التواريخ المتقدمة في التأليف. والذي وصل علمي أليه، ووقف اطلاعي عليه، أن بانيه محرز بن عكار، ولم يزل في يد عقبة إلى أن ملكه منهم أسدُ الدولة صالح بن مرداس في سنة " ست " عشرة وأربعمائة.
ولم يزال في يده إلى أن قتل على " الأقحوانة " بالأردن في سنة عشرين وأربعمائة، فاستولى عليه متولّي أطرابلس من قبل الظاهر ابن الحاكم صاحب مصر.
ولم تزل بأيدي نواب العُبيديين إلى أن تغلبت التركُ على الشام، وملك تاج الدولة تتش دمشق، فاستولى عليه. وصار في أيديهم إلى أن سلمه ظهير الدين طغتكن الأتابك للفرنج سنة ثلاث وخمسمائة، مصانعة، بعد أن ملكوا أطرابلس وعجز عن دفعهم عن البلاد المجاورة لدمشق.
ووقعت بينهم الهدنة على أن يكن حصن مصياف وحصن الأكراد، داخلين في الموادعة، ويحمل أهلها مالا معينا في كل سنة على الفرنج فأقاموا على ذلك مدة يسيرة ثم غدروا وعادوا إلى عادتهم من العيث والفساد.
وأما حصن الأكراد فحكى منتجب الدين يحيى بن أبي طيء النجار الحلبي في تاريخه، في سبب نسبته إلى الأكراد: أن شبل الدولة نصر بن مرداس صاحب حمص أسكن فيه قوما من الأكراد في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة فنسب إليهم، وكان من قبل يسمى " حصن السفح ". طوله سبعون درجة وخمس وعشرون دقيقة، وعرضه أربع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة.
ولم أطلع بعد سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة على شيء من أخباره إلى أن كانت أيام الأتابك ظهير الدّين طغتكن بدمشق، وقعت الهدنة التي قدمنا ذكرها.
ثم خرج بعدها طنكريد صاحب إنطاكية في حشده وجنده، فنزل على حصن الأكراد، فتسلمه من أهله في بقية سنة ثلاث وخمسمائة.
ولم تزل الفرنج في هذا الحصن غير مكترثين بالجيوش، ولو كانوا في أكثر من القطر عدداً. وأغزر من البحر مدداً. يشنون منه الغارات. ويدركون الثارات. ويتوقلون منهما في الرافعة برجيْ سماء. ويتسلطون بهما على استنزال مولانا السلطان الظاهر، فأنهد إليهما عزمات تُباري الرياح الهوج. ويقصر عمّا يناله أيدي فتكاتها عوج. فأوطأ غوريهما ونجديهما رجاله وخيله. ودأب في قتالهما نهاره وليلة. حتى أخذ من فيه بالنواصي. وأنزلهم من أحسن القلاع والصياصي.
شرح الحال في ذلك: نزل - أيده الله بنصره - على حصن الأكراد، يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب، ونصب أسواره المجانيق. وكانت له ثلاث أسوار وثلاث باشورات وواصل الحصار إلى أن هدم الأسوار يوم الأربعاء العشرين من الشهر.
ثم أخذت إحدى الباشورات في الحادي والعشرين، وتأخر ما بقي منها لترادف الأمطار، إلى أن فُتحت الثانية، يوم السبت سابع شعبان، وتعرف " بالحدادية ".
стр. 82
ثم فُتحت يوم الأحد الخامس عشر من شعبان، على يد نقابي الملك السعيد ومباشرة ملك الأمراء بدر الدين بيليك الخزندار.
ثم دخلت العساكر الحصن بالسيف، وقتلوا من فيه من الإسبتار، وأسروا الجبلية، وعفا عن الفلاحين لعمارة البلاد.
فلما رأى أهل القلعة ما حل بأهل البلد، طلبوا الأمان، فأجيبوا. وتسلمها مولانا السلطان يوم الاثنين خامس وعشرين شعبان. وخرج من فيها إلى أطرابلس يسر الله فتحها.
ثم رحل السلطان بعد أن ترك عليه الأمير عز الدين أيبك الأفرم لعمارة أسواره، وولى فيه نائبا، ونزل على حصن ابن عكار، يوم الثلاثاء ثالث عشري شهر رمضان، وكان به قوم من الفرنج سفهاء لا يفترون عن قول القبيح فنصب عليه المجانيق، ورماه بحجارتها من يومه.
وفي اليوم الثاني من نزوله، وصل المولى الصاحب بهاء الدين، وأنا معه في خدمته من دمشق. وكان خروجه منها يوم الخميس تاسع عشري الشهر. فلما لقي السلطان سُر به، وقال له: " ببركات قدومك تفتح هذا الحصن " وأمر أن تضرب خيمتُه قريباً من خيمته.
ثم اجتمعت به وقلت له: " استعجل مولانا الصاحب في المجيء من دمشق، والقلعة حصينة يطول المقام عليها ". فقال لي: " طيبْ قلبك ما نعيد حتى يأخذها مولانا السلطان ". وتقدم السلطان للأمراء بقطع الأحطاب من الشَّعاري للنقوب، ونقل الحجارة من المجانيق. وجدّ في القتال، ودأب في النزال إلى أن رمى بالمجانيق الذي كان منصوباً، قبالة البرج الشرقي، حجارة عديدة فتحت طاقة في جانب البدنة، وذلك يوم الأحد ثاني عشري التاسع والعشرين، فخرج منهم رسول يطلب لهم الأمان ودام تردّده إلى أن استقر والقاعدة إلى أن يأمنهم من القتل ويمكنهم من الوصول إلى أطرابلس.
وتسلم مولانا السلطان الحصن ورفعت سناجقه عليه، وسألوه أن يبيتوا في القلعة، فأجابهم. وخرجوا بكرة الثلاثاء سلخ الشهر، وسيرهم السلطان بأجمعهم صحبة الأمير بدر الدين بيسري، فأوصلهم إلى أطرابلس.
ثم دخل الحصن وأشرف عليه، ورتب فيه نواباً وأمره بحمل المجانيق إلى حصن الأكراد، فحملها الأجناد على أكتافهم، لأن الأمطار ترادفت فلم يكن للجمال نهوض على الأرض خوفاً من الزلق في اللَّثَق.
وعيََّد السلطان عيد الفطر يوم الأربعاء، ثم رحل إلى " بُرج صافيتا "، حتى تكامل عسكره. وكان هذا الحصن صغيراً فلما أطلق ريدَ افرنس من الأسر سنة ثمان وأربعين، عاد إلى الساحل وطاف بلاده، فرأى هذا الحصن فاستصغره، فزاد فيه زيادة كثيرة من ناحية الجنوب، ورفع بناءه وهو على جبل يحيط به جبال مشرفة عليه، والله أعلم.
وهو بيد مولانا السلطان الملك الظاهر رُكن الدين إلى تاريخنا هذا. ثم انتقل إلى ولده الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة بحكم وفاته - قدس الله روحه -.
فلما خرج المُلْكُ عن الملك السعيد إلى أخيه الملك العادل سيف الدين سلامش ليلة الاثنين ثامن ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين، صار الملك العادل إلى أن جلس السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي العلائي على تخت الملك يوم الثلاثاء حادي شهر رجب الفرد سنة ثمان وسبعين، فاستمرّ بيده.
الباب الرابع في
ذكر بلاد جند الأردن ومن ملكها
طبرية - بيسان - بانياس - صفد - هونين وتبين - شقيف أرنون - شقيف تيرون - كوك - قلعة الطور - صُوْر - عكا - حيفا.
قال أبو العباس أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب ابن واضح في " كتاب البلدان ": ولجند الأردن من الكور: طبرية وهي القصبة.
والقدس من أجل كورها.
والسّواد.
وبيسان.
ولم يذكر بانياس ولا ذكرها ابن حوقل أيضاً، وكأنها في غالب الظن مُحدثة.
هذه الكورة البرية.
فأما كورة البحرية: فصور.
وعكا.
وحيفا.
ولم يذكر ابن أبي يعقوب ولا ابن حوقل " حيفا " وكأنها محُدثة أيضا.
والله أعلم.
قلتُ: لم يزل الأردن وفلسطين في يد بني أمية ونوابهم إلى أن انقرضت دولتهم، في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وبويع السفاح عبدُ الله بن محمد فهزمه واستولى على بلاد الشام بأسرها في شوال سنة اثنتين وثلاثين، وولَّى فيها من قبله.
ولم تزل بلادُ جُنديْ الأردن وفلسطين في يد نواب بني العباس، إلى أن وليها عيسى بن الشيخ من قبل المهتدي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فأظهر الخلاف عليه، وتغلب على دمشق في سنة خمس وخمسين.
стр. 83
ولم يزال متغلباً إلى أن ولي المُعتد الخلافة، فبعث إليه " أماجور " بجيش فأخرجه عن البلاد، واستولى على ما كان بيد " أماجور "، وولى فلسطين والأردن محمد بن رافع وبقيا في يده إلى أن خرج أحمد بن طولون من مصر وسار إلى " الرملة " قتلقاه محمد بن رافع سامعاً مطيعاً فأقرَّه على ولايته.
ولم تزل في يده إلى أن توفي أحمد بن طولون، في ذي القعدة سنة سبعين ومائتين وتولّى ولده خُماريه، فأظهر محمد بن رافع الخلاف عليه. ودعا لأبي العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق فجهز خمارويه محمد بن أحمد الواسطي وسعيداً الأيسر، فقصدا فلسطين والأردن وطردا ابن رافع عنهما.
فوصل المعتمد إلى دمشق. ثم توجه إلى مصر وخرج إليه خمارويه منها، فالتقيا في ذي القعدة على " الطواحين " من عمل فلسطين الساحل. وهذه الواقعة تعرف " بالطواحين " فانهزم خمارويه، ثم تراجع، ووقعت الكسرة على " المعتمد " واستولى " خمارويه " على الأردن وفلسطين.
ولم تزل في يده نوابه إلى أن قتل بدمشق في ذي القعدة، سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وولّي بعده ولداه أبو الجيش، ثم هارون.
ولم يزل الأردن وفلسطين في أيديهما إلى سنة سبع وثمانين. وفيها قصد الشام عليّ بن عبد الله القرمطي واستولى على فلسطين، فسير هارون من قبله عسكرا كسر القرمطي واستولى على الجنديْن، وولّى فيهما مولاه صوارتكين.
وبقيا في يده إلى أن بعث المكتفي محمد بن سليمان الواثقي، ودخل دمشق. ثم خرج منها وسار إلى الأردن وفلسطين فسلمها له صوارتكين فولى فيهما أحمد بن كيغلغ ثم عاد إلى بغداد.
فاستخلف عليهما أحمد بن كيغلغ يوسف ابراهيم، فقصد القرامطة بلاد الشام واستولوا على الأردن، وقتلوا يوسف وذلك سنة ثلاث وتسعين ومائتين، فقصده عسكر المكتفي فطرده عن البلاد.
وعادت إلى نواب أحمد بن طولون واستمرت في أيديهم إلى أن عقد المقتدر لولده أبي العباس وهو ابن أربع سنين على الشام ومصر، وولى عليهما نيابة عنه مؤنس المظفر وذلك في سنة إحدى وثلاثمائة.
ثم صارت إلى محمد بن طغج الإخشيد في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ولم تزل في يديه إلى أن وصل محمد بن رائق إلى دمشق من قبل الرّاضي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. ثم خرج منها واستولى على الأردن وفلسطين، فخرج إليه الإخشيد من مصر وهزمه وأسر ولده. ثم تدعيا إلى الهدنة على أن تكون فلسطين للأخشيد مع مصر، ويكون الأردن لمحمد بن رائق.
ولم يزال الأمر فيهما على ذلك إلى أن قتل ابن رائق، فولى المتقي الإخشيد أجناد الشام ومصر.
ودامت ولايتها في يده وفي يد عقبة من بعده إلى أن ملك القائد جوهر مصر، وخرج منها إلى الشام. وكان إذ ذاك متولياً على دمشق والأردن وفلسطين الحسنُ بن عبد الله ابن طغج. فلما بلغه ذلك خرج إلى " الرملة " في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة فقصده " جوهر " وكسره وأسره، واستولى على فلسطين والأردن ودمشق.
ولم تزل في يده إلى أن استولى الحسين القرمطي على الأردن وفلسطين في سنة ستين. وبقيا في يده إلى أن كسر على القاهرة في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة واستعيدت البلاد.
ولم يزل جندُ الأردن وفلسطين يليهما نواب العبيديين أصحاب مصر، وجرى الأمر على ذلك إلى أن تغلبت الترك على الشام، فتفرقت بلادها في أيدي المستولين عليها.
وهذا الذي سقناه قول مجمل تدعونا الضرورة إلى تفصيله.
فأما بلاد جند الأردن فان بلادها قسمان كما قلنا فيما حكيناه عن أبي يعقوب: بَرّيَّة وبحرية.
وقصبته طبرية: قرأت في تاريخ " محبوب بن قسطنطين " ما صورته: " ملك طبياروس قيصر ثلاثاً وعشرين سنة، وكان عمره ثمانيا وسبعين سنة. وفي أول سنةٍ من مُلكه عرضت زلازل عظيمة، وسقطت منها مواضع كثيرة. وفي السنة السابعة من ملكه بنى " هرودس " مدينة، وسماها طبرية على اسم طبياروس الملك.
وهي في سفح جبل مطل على البحيرة المنسوبة إليها، وعليها سور حصين. وبها حمامات تنصب إليها مياه حارّة من حمامات في الشتاء والصيف. ماؤها في أول خروجه يسمط من الجلد ويسلق فيه البيض. ومن خارجها أيضا حمامات يقصدها أرباب العاهات من المجذومين والمجروبين والمفلوجين فيتعالجون بالاستحمام بمائها، فتزول عنهم أوصابهم.
стр. 84
وأما بحيرتها: فطولها اثنا عشر فرسخاّ، وعرضها فرسخان. ماؤها حلو، يخرج منه " نهر الأردُنّ " المعروف " بالشريعة "، ويصبّ في البحيرة الميتة.
وهذه البحيرة في طرف الغور، لا يعيش فيها حيوان ولهذا سُميت بالميتة، وبعض الناس يسميها بالمنتنة.
ويقال إن موضعها ديار قوم لوط. طولها: ثمان وستون درجة وخمس وأربعون دقيقة، وعرضها: اثنتان وثلاثون درجة. صاحب ساعة بنائها المريخ، وطالعها الدالي وزحل.
قال البلاذري: " افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن عنوة، خلا طبرية، فإن أهلها صالحوه على أنصاف منازلهم وكنائسهم بعد حصار أيام. ثم إنهم نقضوا الصلح في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ فأمر أبو عبيدة عمرو ابن العاص بغزوهم، فسار إليهم في أربعة آلاف، ففتحها على مثل فتح شرحبيل. وقيل بل فتحها شرحبيل ثانية بغير قتال ".
لم تزل طبرية في يد من يلي الجند منذ فُتحت إلى أن كانت دولة المستنصر العُبيدي صاحب مصر. وفيها قصدها أتسز بن أوق التركي فملكها، وذلك في سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وبقيت في يده إلى أن قتله تاج الدولة تتش، وأخذ منه دمشق، واستولى على ما كان بيده من البلاد.
ولم تزل في يده ولده شمس الملوك دقاق من بعده إلى أن قصده الفرنج بلاد الشام في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، فملكوا القدس وما صاقبها من البلاد. فخرج ظهير الدين طغتكين أتابك شمس الملوك دقاق إلى " طبرية "، فأخرج منها مصحفا كان فيها من المصاحف التي سيرها عثمان ﵁ إلى الأمصار. وحمله إلى دمشق، وكاني يوم دخوله إليها يوماً مشهوداً.
ثم ساروا إليها فملكوها. وبقيت في أيديهم إلى أن وقع ظهير الدين بجرفاس القومص صاحب طبرية في شوال سنة إحدى وخمسمائة، وقرر قحف رأسه، وشرب به الخمر وهو ينظر إليه، وعاش ساعة ثم مات. ولم يملك طغتكين " طبرية ".
وبَنَت الفرنج في طبرية قلعة - لما ملوكه - على بحيرتها. ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها السلطان الملك الأشرف الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
وأقطعها الأمير سعد الدين مبارك بن تميرك، وملم تزل في يده مدة أيام الملك الناصر، وبعده في أيام ولده الملك الأفضل وبعض أيام الدولة العادلية، إلى أن توفي سعد الدين المذكور سنة ثمان وستمائة.
وانتقلت إلى ولده فتح الدين أحمد، فانضم إلى خدمة الملك المعظم شرف الدّين عيسى ابن الملك العادل، فقايضه بصفد وطبرية، تسعين قرية من خبز الصخرة بنابلس والقدس.
واستمرت طبرية في يد نواب الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى أن توفي في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة. وملكها بعده ولدهُ الناصر داود.
ولم تزل في يده إلى أن خرج الملك الكامل من الديار المصرية فملكها. ولم تزل في يد نُوابه إلى أن توفي في رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة، واستولى عليها الملكُ الجواد بحكم النيابة عن الملك العادل ابن الملك الكامل.
ولم تزل في يد الملك الجواد إلى أن قايض دمشق بسنجار وملك الملك الصالح نجم الدين أيوب " طبرية "، واستمرت في يده إلى أن قبض عليه، وحمل إلى الكرك، وملك الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل دمشق وطبرية. وأعطاها الملك الصالح عماد الدين إسماعيل للفرنج فيما أعطاه من البلاد، في أوائل سنة ثمان وثلاثين وستمائة فعمروها.
ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها عسكر الملك الصالح نجم الدين أيوب عنوة، على يد وزيره ومقدّم جيوشه معين الدين بن الشيخ. وبقيت خراباً وبلادهما في يد الملك الصالح نجم الدين أيوب، إلى أن توفي في شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة.
وملكَ بلادَ طبرية الملك المعظم تورانشاه ولده، فلم تزل في يده، إلى أن قتل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة. وملك دمشق الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد بن غازي بلادها، والمدينة خراب.
ولم تزل في يد الملك الناصر إلى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، صالح الكند إسطبل على أن تكون " طبرية " مناصفة، وكان نُصفها للفرنج ونصفها للملك الناصر. واستمر ذلك إلى انقضاء الدولة الناصرية في صفر سنة ثلاث وخمسين وستمائة. فاستولى عليها التتار فيما استولوا عليه من البلاد. ولم تزل في أيديهم إلى أن كسروا في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة.
стр. 85
فاستمرت في يد الفرنج إلى أن ملك السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس - خلد الله ملكه - صفد في شوال سنة أربع وستين وستمائة، فاستولى على طبرية وبلادهما. وهي في يده إلى تاريخ وضعنا كتابنا هذا، وهو سنة أربع وسبعين وستمائة. فأمر بعمارتها فعمرت. وجمع إليها أهلها إلى الآن.
بيسان
وهي مدينة الغور. ولها قلعة صغيرة من بناء الفرنج محدثة. يحيط بها الماء من سائر جهاتها، يُعبرُ إليها على جسر.
والغور: مكان غائر في الأرض جداً بين جبلين. فيه قرى وضياع، تخترقها العيون والأنهار والأودية. وأهله سمر الألوان إلى السواد لحرارته. ولهذا به النخل وقصب السكر، والموز.
وهو على قسمان - على ما حكاه ابن حوقل -: " حدَّ منه الأردن إلى أريحا وبَيْسان، فإذا جاوزها كان من حدِّ فلسطين، وهو يمتد مع طول بحيرة طبرية على بيسان حتى ينتهي إلى زغر وارداً إلى البحيرة الميتة، وإذا امتدَّ فيه السائر أداه إلى أيلة ".
لم يزل حكم بيسان في الولايات حكم سائر بلاد الأردنّ في الانتقالات، إلى أن استولى عليها الفرنج في سنة اثنتين وتسعين عند استيلائهم على القدس.
ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها الملك الناصر صلاح الدين يوسف في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. واستمرت في يده وأيدي بنيه - على الترتيب الذي تقدّم ذِكره - إلى أن استولى عليها التتار فيما استولوا عليه في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة.
وملكها الملك المظفر سيف الدّين قُطُز في رمضان من السنة المذكورة.
وملكها السلطان الملك الظاهر في ذي الحجة من السنة، واستمرت في يده إلى تاريخ وضع هذا الكتاب، وهو سنة أربع وسبعين وستمائة.
ثم لما توفي الملك الظاهر في ثامن عشري محرّم سنة ست وسبعين، صار إلى ولده السعيد ناصر الدين محمد بركة قان.
فلم يزل في يده إلى أن خرج الملك عنه لأخيه الملك العادل سيف الدين سلامش ليلة الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين، وولي تدبير ملكه وأتابكية عسكره الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي العلائي، فسير إليه نواباً عن الملك العادل.
فلم يزل بأيديهم إلى أن جلس السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي المذكور على تخت الملك، يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رجب الفرد من سنة ثمان وسبعين، فسير إليه نوابه، فهو بأيديهم إلى الآن.
بانياس
وهي مدينة مكورة " الجولان ". ولها قلعة تسمى " الصُبيبة " بناها الفرنج بعد الخمسمائة. طولها ثمان وسبعون درجة وثلاثون دقيقة. وعرضها ثلاث وثلاثون درجة. طالعها برج السنبلة هرة صاحب ساعة بنائها الزهرة.
لم يتصل بعلمي شيء من مبدأ أمرها إلاّ ما قرأته في تاريخ لطيف لأحد بني منقذ، وهو عبد الرحمن بن محمد: أن بانياس سلّمت لينال التاجي، ولم يذكر ممن تسلمها في سنة إحدى وخمسمائة.
ثم إن طنكريد صاحب إنطاكية وصل إلى أطرابلس لمحاكمة بين صاحب أطرابلس وبين صنجيل، في سنة اثنتين وخمسمائة. ثم عاد فنزل على بانياس، والقوتُ فيها قليل جدا، فلم يمانع، فدخلها، ونهبها، ورحل عنها. فخرج إليها ظهير الدين طغتكين، فرم شعثها، وأصلح فاسدها، وولاَّها الأمير مسعود، فأقام فيها إلى سنة ست وخمسمائة. ثم عزله عنها، وولاّه " صور "، وأقطعها ولده الملوك بُوري.
ولم تزل في يده إلى أن صانع بها " ظهير الدين " خواجا بهرام، داعي الباطنية في سنة عشرين وخمسمائة. وكان هذا الرجل في غاية الاستتار والاختفاء، وتغيير الزيّ بحيث يطوف البلاد والمعاقل، ولا يعرف أحد شخصه إلى أن حصل في دمشق بتقرير قرره نجم الدين إيغازي بن أرتق مع الأمير ظهير الدين طغتكين أتابك، فأكرم لاتقاء شره وشرّ جماعته. فلما تأكدت بينهما الحرمة التمس من ظهير الدين حصناً يأوي إليه، ومعقلا يحتمي به، ويعتمد " عليه " فسلم إليه ثغر بانياس.
وما زال به إلى أن خرج بجمعه وحشمه قاصداً حرب أهل " وادي التيم ". فلقوْه في الطريق، ومقدم ضحاك ابن جندل، واقتتلوا فقتل ومنْ نعه. وعجّل الله بأرواحهم إلى النار، وأخلى منهم المنازل والديار، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
стр. 86
وبقي في بانياس نائبه إسماعيل فأرسل إلى الفرنج يبذل لهم تسليم الحصن ليأمن بهم. فوصلُوه، وتسلَّموه منه، وأقام تحت أيديهم حتى هلك في أوائل سنة أربع وعشرين. فاستولى عليه الفرنج وبقي في أيديهم، إلى أن سار إليه شمس الملوك إسماعيل ابن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين طغتكين الأتابك، ونزل عليه يوم الأربعاء رابع عشري المحرم سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
وذكر بعض جماعة أن قلعة " الصبيبه " بُنيت بعد مُلكها الفرنج سنة أربع وعشرين، وهم الذين أنشأُها. فملكه عنوة في يومه بعد قتال وحصار.
وبقي في يده إلى أن سَّلمه شهاب الدين محمود ابنُ تاج الملوك بوري، لما ملك دمشق لفلك بن فلك صاحب بيت المقدس سنة أربع وثلاثين.
وبقي في يد الفرنج إلى أن ملك الملك العادل نور الدين محمود دمشق في سنة وأربعين وخمسمائة فنزل على بانياس، فاخذ في يوم الاثنين مستهلّ ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وبقيت في يده إلى أن مات وانتقلت لولده الصالح إسماعيل.
فلم تزل عليها إلى أن استولى عليها فيما استولى عليه من البلاد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب فأعطاها ولده الأفضل لما أعطاه الشام.
وبقيت في يده إلى أن استولى عليها الملك العادل عند أخذه دمشق، فأقطعها ولده العزيز عُثمان. وبقيتْ في يده إلى أن توفي في شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة.
وملك بعده ولدهُ الملك الظاهر. ثم توفيّ في بقية السنة وولي بعده أخوه الملك السعيد.
وبقيتْ في يده إلى أن أخذها منه الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل في سابع عشر ذي الحجة سنة أربع وأربعين وستمائة.
ولم تزل في يده إلى أن توفي فخرج الملك السعيد من مصر وتسلم القلعة من غلمان أبيه، وكانوا بها من جهة الملك الصالح.
وبقي فيها إلى أن ملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد دمشق، فخاف منه فخرج عن القلعة إلى مصر.
وبقيت في يد نوابه. ثم إنه خرج من مصر، فقبض عليه عسكر السلطان الملك الناصر فحملوه إليه، فحبسه في قلعة " البيرة، وبعث إلى القلعة من تسلمها في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وستمائة.
وبقيتْ في يده إلى أن انقرضت دولته، واستولى التتر على البلاد في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، فأخرجوا الملك السعيد من " البيرة "، واحسنوا إليه وأعطوه " بانياس ".
وبقيت في يده إلى أن كسر الملك المظفر قُطُز التركي المعزي صاحب مصر التتر في رمضان من السنة، وأخذ الملكُ السعيد أسيرا فيمن أخذ من الأسرى، فقتل صبراً فإنه كان على المسلمين أشد من التتر، وكان قد تنصر في هوى زوجة " هولاكوا "، وعلق في صدره صليباً، وكتب عليه: " حبيس المسلمين طليق التتر ".
وتسلم الملك المظفر " بانياس " فيما ملك من البلاد وبقيت في يده إلى أن قتل في بقيت السنة، وملك مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس البلاد استولى عليها بعد أن تسلم دمشق في صفر سنة تسع وخمسين وستمائة.
وبقيت في يد نوابه إلى أن خرج - أعز الله نصرته وجعل الملائكة أسرته - في بقية السنة التي ملكها فيها إليها.
فعقد فيها للمولى الأمير الكبير ملك الأمراء بدر الدين " بيليك الخزندار الظاهري مملوكه على بنت بدرِ الدين " صاحب الموصل، وملكه " بانياس "، فولى فيها من قبله، وذلك في العشر الأول من شوال من السنة، يجتلب دور خيرها. ويجتلب دور ميرها. ويجتني قطاف ريعها. ويجتلي ألطاف ربعها. وتلك نعمة يمنها عليه أن عبد له رقاب رعيته. وذلل له صعب الدهر بما أخلص له من طويته. وكيف لا ينيله رتبةً تبعد عن الأطماع منالها. ويُحلهُ منزلة يودّ من في الأفلاك أنهم نُزالها، وهو ذو الهمة التي سمت على الهمم. وهمت بمكارم الشيم. وامتاز بها عن أقرانه. وجُعلت علما في برد قرانه.
ثم لما توفي الملك الظاهر، وولي الأمر من بعده الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة قان ولده، صارت إليه بعد وفاة والده في ثامن عشري المحرم من سنة ست وسبعين.
стр. 87
فلم تزل في يده إلى أن خرج الملك عنه لأخيه الملك العادل سيف الدين سلامش، ليلة الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين. وولي أتابكية الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي، سير إليها نواب الملك العادل فلم تزل في أيديهم إلى أن جلس السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون المذكور على تخت الملك، يوم الثلاثاء حادي عشري شهر رجب، من سنة ثمان وسبعين، فسيرَّ إليها نوّابه، واستمرت بأيديهم.
ذكرُ حصون هذا الجند
صفد
كانت أولاً تلاً. وكان على التل قريةٌ عامرة، تحت " برج اليتيم ". وما زالتْ في أيدي المسلمين إلى أن استولى عليها الفرنج فيما استولوا عليه من البلاد الشامية، فبناها الداوية في سنة خمس وتسعين وأربعمائة.
لم تُذكر في شيء من الكتب الموضوعة في التاريخ في صدر الإسلام.
وهي قلعة حصينة على جبل يحتف به جبال وأوديةٌ. طولها: ثمان وستون درجة وثلاثون دقيقة. وعرضها: اثنتان وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة.
فتحها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بعد حصار شديد بالأمان، في رابع عشر شوال سنة أربع وثمانين. وأنعم بها على سعد الدين مسعود بن مبارك بن تميرك. فلم تزل في يده إلى أن مات في سنة ثمان وستمائة. وانتقلتْ إلى ولده فتح الدين أحمد.
وبقيت في يده مدةً يسيرة، إلى أن أخذها منه الملك المعظم شرف الدينّ عيسى. وأعطاه سبعين ضيعةً من خبز الصخرة من نابلس والقدس، عوضا عنها وعن طبرية. ثم أعطاه إياها خارجا عن " طبرية ".
فبقيت في يده إلى سنة ست عشرة وستمائة. فأخذها منه وسلط عليها وعلى القدس يد النقض. وخلط لهما بالعرض. وذلك في سنة سبع عشرة وستمائة.
وسبب أخذها وخرابها: أن الفرنج لما ملكوا " دمياط " في سنة خمس عشرة، خاف أن يعجز " فتحُ الدين " عن حفظها من الفرنج.
وبقيت خرابا، وبلادُها في يد منْ يملك دمشق لا يهتم ببنائها ملك، إلى أن أعطاها الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك العادل للفرنج، فيما أعطاهم من البلاد، في سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
فلمَّا ملكوها استدعوا أسرى من المسلمين الذين كانوا في بلاد الفرنج " وكانوا ألف نفس، والفرنج " دون المائتين فاجتمع الأسرى وعزموا على الوثوب بالفرنج.
ثم إنهم فكّروا أن لا بدّ لهم من ملجأ يلجئون إليه، ويعتمدون في الذب عنهم عليه. فكتبوا إلى الأمير سيف الدين عليّ ابن قليج النوري وهو إذ ذاك في قلعة " عجلون " من قبل الملك الناصر داود ليكتب إليه في أن يأمرهم بالوثوب على الفرنج، ويبعث إليهم من يتسلم الحصن، فبعث سيفُ الدين إلى الملك الناصر داود ابن الملك المعظم صاحب الكرك إذ ذاك الكتاب. فلما وقف عليه سيره إلى الملك الصالح عماد الدين إسماعيل فأرسله إلى الداوية، فلمّا اطلعوا عليه أخذوا الأسرى ودخلوا بهم " عكا " فذبحوهم عن آخرهم لا جزاه الله خيراً وأعظم لهم أجراً -.
فبمثل هذه الحسنات - أي التي حصلت لهم - تُرقم الصحائف. ويستمطر بأكفها سحب اللطائف. ثم عمروها بمساعدة الملك الصالح لهم، ولم تزل في أيديهم إلى أن قصدها الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحيّ صاحب الديار المصرية والشامية. ونزل عليهما في ثامن شهر رمضان سنة أربع وستين. ونقل إليها المجانيق من دمشق، وبانياس، وعجلون، ونصبها، ونصب الستائر من تاريخ النزول إلى ثاني شوّال.
ووقع الزحف عليها واشتد القتال والحصار، وأخذت عليها النقوبُ من كل الجهات حتى ملكت الباشورة يوم الثلاثاء خامس عشر شوال. ونصبت السلالم على القلعة، والسلطان يُباشر القتال بنفسه، ويدخل في النقوب، لا يستظل بخيمة، ولا يجلس لراحة، تقع حجارة المنجنيق من القلعة إلى جانبه، لا يصده ذلك عن غرضه. ولا يمنعه عن القيام بشؤون الجهاد ومفترضه.
فلما تحقق من فيها أن لا ملجأ لهم منه إلاَّ إليه أذعنوا بالتسليم. فشرط عليهم أن يسلموها بما فيها، ولا يأخذوا منها شيئاً دقّ ولا جلَّ. فأجابوا.
ورفعت على الحصن سناجق السلطان. ووقف بنفسه الكريمة على بابه، حتى يخرج من فيه بمراى منه. فلما لمْ يبقى منهم أحد، دخل إليه ملك الأمراء بدر الدين الخزندار، وتسلمه فاطلعه جماعة من اتباعهم، أنهم أخذوا من الحاصل شيئاً كثيراً، فأمر بتفتيشهم، فوجد معهم أشياء نفيسة، فأخذت منهم، وضربت رقابهم صبراً.
стр. 88
ثم رتب السلطان فيها واليا. ورحل عنها في سابع عشر شوال. وأمر بعمارتها وتحصينها، والزيادة فيها. وحمل إليها الذخائر والسلاح. وجعل فيها أربعة وخمسين مملوكاً من مماليكه، وأقطعهم في بلد إقطاعاً. وقدّم عليهم الأمير علاء الدين كندغدي. وولى في قلعتها مجد الدين الطوري، وصير نيابته في بلدها إلى الأمير عز الدين أيبك العلائي. ثم لما توجه مولانا السلطان إلى الشام في جمادى سنة خمس وستين، في خفٍ من عسكره، استصحب معه أصحاب أصناف الصناعات. وقصد " صفد " فعمرّ الباشورة، وبنى فيها أبرجة، وأسواقاً، وخانات، وحمامات، فصارت بما أحدثه فيها من أحسن القلاع وأمنعها. وأطيب البقاع وأخصبها.
ولم تزل بيده إلى ان توفي في ثامن عشري المحرم من سنة ست وسبعين، فصارت إلى ولده الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة قان. واستمرت في يده الى أن خرج الملك عنه لأخيه الملك العادل سيف الدين سلامش ليلة الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وستمائة.
هونين وتبين
وهما حصنان منيعان بناها الفرنج بعد الخمسمائة وهما بين جبل عوف وبين بانياس وصور، فتحهما السلطان الملك الناصر ﵀.
نزل على تبنين في يوم الأحد ثامن عشر جُمادى الأُولى فنصب عليها المجانيق، وضيق عليهم بالزحف. وكان بها رجال أبطال مُشدَّدُون في دينهم، فأعانه الله عليهم. وفتحها يوم الأحد ثامن عشر من الشهر، وأسر منْ بقي بها بعد القتل. وفتح هُنين بعدها بقليل. وأنعم بهما على مجد الدين أحمد، وهو فخر الدين جركس، ثم استعادهما منه. وأنعم بهما على الأمير فخر الدين أياس جركس، فولى عليهما مملوكاً له يقال له " صارم قايماز ".
" وظلاَّ كذلك " إلى أن تسلمهما الملك المعظم شرف الدين عيسى صاحب دمشق في سنة سبع عشرة وستمائة، وأخربهما، وأقطعهما لأخيه الملك المغيث محمود.
واستمرا في يده إلى أن توفي، وملكهما ولدهُ الملك المغيث يوسف. وبقيا في يده إلى أن توفي في أيام الملك الأشرف في " حصن كيفا " في المحرم سنة ثلاثين وستمائة.
فصارا إليه، وبقيا في يده إلى أن توفي. فصارا إلى الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، وبقيا في يده إلى أن أعطاهما للفرنج " سير فليت " في سنة ثمان وثلاثين وستمائة مع ما أعطاهم من الحصون فملكهما الفرنج، ولم يزالا بأيديهم إلى أن تسلمهما مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس في شوال أربع وستين وستمائة. ولم يبق لقلاعهما أثر غير البلاد، فإنها في يده إلى يومنا هذا، وهو تاريخ وضع الكتاب. والله أعلم.
شقيف أرنون
بنته الفرنج. وهو مطل على جبل مطل على بيروت، وصيدا. طوله ثمان وسبعون درجة وثلاثون دقيقة؛ وعرضه ثلاث وثلاثون درجة.
لم يتصل بعلمي فيما طالعته من الكتب من أمر هذا الحصن إلاَّ ما أنا ذاكره: وهو أن ضحاك بنّ جندل رئيس " وادي التيم " تغلَّب عليه، وأخذه من نواب الحافظ عبد المجيد صاحب مصر، يوم الجمعة لستّ بقين من المحرم سنة ثمان وعشرين وخمسمائة فسار إليه شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك بوري فتسلمه.
ولم يزلْ بيده أخيه شهاب الدّين من بعده إلى أن سلّمه لفلك ملك الفرنج، في سنة أربع وثلاثين. ولم يزل بأيدي الفرنج إلى أن فتحه الملك الناصر صلاحُ الدّين يوسف، في خامس عشر شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وخمسمائة، فأقطعه الأمير عز الدّين سياروخ.
فلم يزل إلى أن تغير الناصر على عز الدين سياروخ، فأقطعه الأمير فخر الدّين أياس جركس، ثم استعاده الملك الناصر منه لما تغير عليه، ثم أعاده إليه لما رضي عنه. فلمَّا صار في يده حصنه، وزاد فيه أبرجة.
ولم يزل في يده إلى أن توفي في سنة ثمان وستمائة، فأقطعه الملك العادل ولده الملك المغيث عمر، ولم يزل في يده إلى أن تُفي ودفن بسفح " قاسيون " في تربة أخيه الملك المعظم شقيقه، حياة والده الملك العادل في سنة ست وستمائة. فصار إلى ولده من بعده الملك المغيث محمود.
ولم يزل بيده إلى أن توفي في المحرم من سنة ثلاثين على " حصن كيفا " فصار إلى الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك العادل صاحب دمشق، إذ ذاك، وبقي في يده، إلى أن تُوفي في المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة، فصار إلى الملك الصالح إسماعيل.
стр. 89
وبقي في يده إلى أن أعطاه فيما أعطى من الحصون للفرنج في الهُدنة التي كانت سبباً لإبقاء دمشق في يده في أول سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
ولما أمر نائبه فيه بتسليمه للفرنج أبي وامتنع وقال: " والله، لا جعلته في صحيفتي ". فسار إليه وضربه حتى قتله، واستأصل ماله، وهو الحاج موسى، وكان أولاً مشارف مطبخ الملك الصالح، فقرب منه وكان واليّا للشقيف من قبله، وكان معه معتمد يقال له " الشهاب أحمد الشقيفي ".
فلمَّا علم من بالحصن أن الملك الصالح قد عزم على تسليمه للداوية، اجمعوا رأيهم على عدم تسليمه للفرنج، وعصوا به، وكاتبوا الملك الناصر داود ابن الملك المعظم صاحب الكرك، فسير عليهم من بعض أصحابه رجلا يقال له فخر الدين العيداني يصعد إلى القلعة، ونادوا بشعار الملك الناصر صاحب " الكرك ".
فلمّا تحقق الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل صاح دمشق إذ ذاك حميتهم للمسلمين، وانتصارهم للدّين خرج بعساكره، ونازل الحصن وضايقهم حتى أخذه. وطلبوا الأمان منه، وقالوا: " أنت أمَرْتنا أن نُسلمه إلى نُوَّابِ الداويّة، ونحن فما يحل لنا أن نسلمه للفرنج، ونحنُ نسلمه إليك، وأنت تفعل فيه ما تختار " فتسلمه الدَّاويةّ.
ولماّ تسلَّموه لم يزل بأيديهم إلى أن قصده مولانا السلطانُ الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي، فنزل عليه بعد أخذ " يافا " يوم الثلاثاء ثامن عشر شهر رجب سنة ست وستين وستمائة. ونصب عليه المجانيق.
واتّفق أن السلطان أتي بقاصدٍ من أهل " عكا " معه كتب إلى من بالحصن، يهوّنون عليهم أمر العسكر، ويُوصفهم بحفظ أماكن في الحصن يُخشى عليهم منها. فاستدعى السلطان من يكتب بالفرنجي، وأمره أن يكتب كتابا ذكر فيه أمارات هي في الكتاب الذي وقف عليه. وحذر الكمندور صاحب الحصن منْ وزيره، وكتاباً آخر إلى الوزير يحذره من الكمندور، وأوصل الكتابين إليهما بحيلة. فحين وقفا على كتابيهما وقع الخلف بينهما، والحصار مع ذلك ملازم لهم. وألجأهم الخلف إلى أن راسلوا، وقرروا معه تسليم الحصن، بشرط أن يبقى عليهم نفوسهم. فأجابهم إلى ذلك، وتسلم الحصن يوم الأحد تاسع عشري رجب، واصطنع الكمندور المذكور.
ورتب فيه عسكراً، ورحل عنه عاشر شعبان، وكانت عدة من " بالشقيف " أربعمائة وثمانين رجلاً واثنين وعشرين أخا من الداوية. وحملهم السلطان على الجمال إلى " صور "، وسير معهم من يحفظهم.
شقيف تيرون
حكمه حكم " شقيف أرنون ". لم يزل في يد منْ ملك شقيف ارنون إلى أن تسلمه الفرنج فيما تسلموه من الملك الصالح إسماعيل في أوائل سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
فلم يزل في أيديهم إلى أن ملك الملك الناصر صلاح الدّين يوسف ابن الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر غياث الدين غلزي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب - صاحب حلب - دمشق، في ربيع الأول من سنة ثمان وأربعين وستمائة. فسير عسكر مقدمة سعد الدين بن نزار متوالي " صيدا " فنول عليه، وانتزعه من يد الفرنج.
ولم يزل في يد نواب الملك الناصر المذكور إلى أن خرج من دمشق في صفر سنة ثمان وخمسين، واستولى التتار على دمشق، فقصده شهاب الدين بن بُحْتر من قبل التتر، ونزل عليه، وضايقه بالرجال فسلمه الوالي إليه، وأخربه.
ولم يزال خراباً إلى أن ملك الملك الظاهر ركن الدين بيبرس دمشق في صفر سنة تسع. فأمر بعمارته وحمل إليه زردخاناه وذخائر.
وهو في يد إلى حين وضع هذا التاريخ.
كوكب
طولها ثمان وخمسون درجة. وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وعشرون دقيقة. وهي كما قال الاصفهاني: راسية، راسخة، شماء، شامخة.
قصدها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فنازلها بالعدة والعديد. والأيد العتيد. والبطش الشديد. فلما رأى من فيها من الفرنج أن لا طاقة لهم بمزايلته. ولا دفع لمنازلته. أذعنوا إلى الأمان. فتسلمها في منتصف ذي القعدة سنة أربع وثمانين. وأنعم بها على الأمير صارم الدّين قايماز النجمي.
وبقيت في يده إلى أن مات في أيام العادل، فأقطعها عز الدين أسامة. ولم تزل في يده إلى أن قبض العادل، سنة سع وستمائة، وأقطعها ولده الملك المعظم. وبقيت في يده إلى أن أخربها لما خرب " صفد " و " القدس " خوفا عليها من الفرنج.
ولم تعمر بعد.
قلعةُ الطور
стр. 90
طولها: ثمان وسبعون درجة وخمس وعشرون دقيقة. وعرضها: اثنتان وعشرون درجة وعشرون دقيقة.
أنشأها الملك العادل سيف الدّين أبو بكر محمد بن أيوب على جبل " الطور " منيعةً حصينةً، فقصدها الفرنج لماَّ تبعوا الملك العادل سنة أربع عشرة ونازلوها، وحاصروها، ونصبوا عليها المجانيق، وبها الأمير بدرُ الدّين محمد بن أبي القاسم الكردي الهكّاري مُركز. فلما نزل الفرنج عليها نزل إليهم وقاتلهم، فطعن منهم فارساً، وطعنه الفارس فماتا معاً.
ثم إنهم عجزوا عنها فرحلوا، وخرّبها الملك العادل بعد ذلك.
ذكر ما في جند بلاد الأردن من البلاد الساحلية
منها صُور وهي مدينة حسنة حصينة، يحف البحر منها بثلاث جهات. ولها ربضٌ يُعمل فيه الزجاج الُمحكم، والفخار.
قال البلاذري: " فتح شرحبيل عكَّا، وصُور، وصفوريّة ". وقال أيضا: " إن أبا عبيدة وجه عمرو بن العاص إلى سواحل الأردن، فكسرتهم الروم، وجاءتهم المدد من ناحية هرقل، فكتب عمرو إلى أبي عبيدة يستمده، فوجه أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان، وعلى مقدمته معاوية أخوه، ففتح يزيد وعمرو سواحل الأردن: صور وعكا ".
وفي سنة اثنتين وأربعين: نقل معاوية من فرس بعلبك وحمص وإنطاكية إلى سواحل الأردن صور وعكا. ورمّهما عند ركوبه إلى " قبرس " ثم إن عبد الملك بن مروان جدَّدهما، وقد كانتا خربتا.
ولم تزل في صور - على ما حكيناه - من تنقل ولايات جُند الأردن في أيدي الولاة إلى أن ملك العُبيديون مصر ودمشق، وما بينهما من البلاد، فولَّوا في الثغور ولاة من جهتهم، وأقطعوها من الأعمال، ورتبوا فيها غزاةً براً وبحراً.
وجرى الأمر في " صور " على ذلك.
فلما كانت سنة سبع وثمانين عصى أهلها على " الحاكم "، وقتلوا أصحابه فيها، وولَّوا عليهم رجلاً ملاحاً من البحرية يعرف " بعلاّقة ". فندب إليهم " أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة " و " ياقوت الخادم " وجماعة من عبيد الشرا. وسير في البحر قطائع مشحونة بالرجال والعدد، وأمر أهل " أطرابلس " و " صيدا " بالمسير إليها، فاجتمع الروم، وكتب إليه يستنجده، فأنفذ إليه أسطولاً مشحوناً بالمقاتلة. ووقع القتال بين الفريقين، فهزم الله فريق الفرنج، فأخذت أكثر مراكبهم. وفُتحت أكثر مرابكهم. وفُتحت البلد عنوة، ونُهبت، وأسر " علاقة " وجماعة من أصحابه، وحُمل إلى " مصر " فسُلخ حيا وحُشي جلده تبنا، وصٌلب، وقُتل أصحابه صبراً.
وولّي " صور " أبو عبد الله الحسين بن حمدان. وجرى الأمر في النّواب، على ما حكيناه، إلى أن تغلب عليها قاضيها عينُ الدَّولة ابن عقيل. وعصى فيها واستبدّ بها، وخلع طاعة " المستنصر ". وذلك في سنة وخمسين وأربعمائة، فسيرّ إليه من مصر أمير الجيوش بدر المستنصري. فحاصر " صور " وضايقها، فاستنجد عين الدولة قُرلو التركي فرحَّل " بدراً " عنها بعد أن أشرف على أخذها. واستمرت في يد عين الدولة، إلى أن مات في سنة خمس وستين.
وتولى بعده ولده " نفيس " ومعه أخواه، وأصروا على العصيان، إلى أن خرج عسكر من مصر في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة إلى " صور " ومقدمه منير الدولة الجيوشي فعجز أولاد عين الدولة عن مدافعته وممانعته، فسلَّموها له، وتولاّها.
ولم تزل في يده إلى أن عصى فيها على " الُمستعلي "، فجهز إليه منْ مصر عسكراً، وكان أهل " صور " قد كرهوا خلفه وعصيانه، فحين اشتد القتال نادوا بشعار " المستنصر " وأمير الجيوش، فهجم العسكر البلد، وأسروا " منير الدولة " وخلقاً ممن تابعه على العصيان. وحُملوا إلى مصر في اليوم الرابع عشر من جمادى الأولى سنة ست وثمانين وأربعمائة، فضُربت رقابُهم، ولم يعف عن أحد منهم، وقُطع على أهل البلد ستّون ألف دينار جناية.
وولّي فيها رجلٌ يعرف " بالكتيلة " فأقام فيها إلى أن عصى بها على " المستعلي " سنة تسعين. فخرج إليه عسكرٌ من مصر في أول شهر رمضان، فنزل عليها، وحاصرها حتى فتحها عنوة، وقتل خلقا من أهلها، وأخذ " كُتيلة " أسيراً، وحُمل إلى مصر، وقتل بها، ووُلي " بصورة " والٍ.
ولم تزل في أيديهم أن بلغ واليها عز الملك أنوشتكين عزم بغدوين على قصد " صور "، فبادر بمراسلة أتابك ظهير الدّين طغتكن أمير دمشق يستصرخه ويستنجده، ويبذل له تسليم البلد إليه، وسأله المبادرة والتعجيل، فبادر ظهير الدين بانفاذ عسكر من الأتراك إلى " صور " وأردفهم بخلق من العرب.
стр. 91
فلما بلغ بغدوين اتفاقُ عزّ الملك وظهير الدّين بادر إليها، ونزل عليها في الخامس والعشرين من جُمادي الأول سنة خمس وخمسمائة. وقطع شجرها ونخلها، وبنى بيوتاً للإقامة عليها، وقاتلها دفعات لم يقض في واحدة منها وطراً.
فلما بلغ ظهير الدّين نزول بغدوين على " صُور " خرجَ من دمشق، وشن الغارات في البلاد التي في يد الفرنج، فقتل وأسر وأحرق. وعمل الفرنج على " صُور " برجين وزحفوا بهما عليها؛ طول الصغير منهما نيف وأربعون ذراعاً، والكبير أكثر من خمسين. فخرج أهل صور بالنفط والحطب، وألقوه قريبا من البُرج الصغير لعدم تمكنهم من إيصال ذلك إليه. فهبت ريح، فألقت النار على البُرجفأحرقته، واشتدَّ بينهما القتال، وعجز الفرنج عنها فرحلوا ورحل طغتكين إلى دمشق.
ثم عاد عزم بغدوين على منازلة صور في سنة ست، فبلغ ذلك عزّ الملك فأجمع وأهل البلد على مكاتبة طغتكين بتسليمها إليه، وأرسلوا إلى الأمير سيف الدين مسعود متولّي بانياس من قبل ظهير الدّين، وسألوه أن يتحدث لهم مع ظهير الدّين في نصرتهم وتسلم البلد منهم، فوصل مسعود إلى دمشق، ولم يكن بها ظهير الدّين، فتحدَّث مع ولده تاج الملوك بوري في انتهاز الفرصة في تسلم صور.
وكتب إلى أبيه - وكان بحماة - في ذلك فولى مسعوداً صور، وأقطع بانياس تاج الملوك ولده، وسيرّ جماعةً وافرة من الأتراك. فتوجه بهم مسعود إلى صور تقوية لها، وطّيب نفوس أهلها، وأجروا على الرسم في السكة والخطبة للآمر بأحكام الله.
وكتب ظهير الدين إلى الأفضل أمير الجيوش بمصر، يُعلمه: " أن بغدوين قد جمع، وحشد للنزول على صُور، وأن أهلها استنجدوا بي عليه، والتمسوا مني نصرتهم، فلم يمكنّي إلا متابعتهم ومطاوعتهم، حماية للدين، ورعاية المسلمين. ومتى وصل اليها من جهتكم من ينصرها، ويذب عنها، سلمتها إليه، وأخرجت نُوَّابي عنها ".
فوصل إليها من مصر فيه غلة ورجال وسلاح، ورسولٌ يشكر للأتابك فعله وهو بدر بن أبي الطيب الدمشقي الذي كان بأطرابلس والياً، فزال طمع الفرنج عنها، وطالبوا الموادعة من أتابك، فوادعهم، واستقرت في يد مسعود إلى سنة ست عشرة.
وفيها وصل من مصر أسطول مشحون بالرجال والغلات، فلما عزموا على الرجوع، خرج " مسعود " لتوديعهم فقبظوا، عليه، وحملوه إلى مصر.
وكان سبب القبض: أن عزّ الملك تتابعت كتبه بما يعتمد " مسعود " مع الرعية من الأضرار بهم والمخالفة للعادة الموافقة لهم. ولما وصل إلى مصر أكرم.
فلما بلغ الفرنج رجوعها طمعوا فيها، فأخذوا في التأهب لقصدها. فكتب من فيها إلى " الآمر " فخرج أمره بردّ ولايتها إلى ظهير الدين طغتكين، وكتب له منشور بالولاية، فندب إليها ظهير الدين قوماً لا كفاية لهم، فازداد طمع الفرنج فيها، فنازلوها في شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة، وضايقوها الى أن قلَّت الأقواتُ بها.
وخرج ظهيرُ الدين من دمشق بعسكره إلى " بانياس "، وكتب إلى مصر يسأل من أميرها معونة بمراكب في البحر، فلم يُحبه إلى ذلك. فلما علم ظهيرُ الدين عجزه عن دفع الفرنج عنها، ووقع في نفسه اليأس منها، راسل الفرنج بالترغيب والترهيب إلى أن استقر الحال بينه وبينهم أن يسلمها لهم بحيث يؤمن جميع من فيها؛ ويخرج من أراد الخروج من العسكرية والرعية بما يقدرون عليه من أموالهم ويقيم من أراد الإقامة.
ووقف ظهيرُ في عسكره بإزاء الفرنج، وأذن للناس في الخروج، فحمل كل منهم ما أطاق حمله من ماله وأثاثه، ولم يتعرض لأحد منهم بأذى. ولم يبقى بها إلا من عجز عن الخروج. وتسلمها الفرنج في اليوم الثالث والعشرين من جُمادى الأولى من السنة.
وبقيت في أيديهم إلى أن قصدها الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ونزل عليها في ثاني عشري شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وقاتلها، وضايقها برَّا وبحرّا، إلى أن هجم عليه الشتاء وتراكمت الأمطار، وترادفت بعوثها من سائر الأقطار، فرحل عنها على نية العود إليها.
ودامتْ في أيديهم إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب. فالله تعالى يؤيد الملة الإسلامية بنصر من عنده وينزل الكفار من صياصيهم. ويمكن أيدي فتكاكتها من نواصيهم ويستأصل بسيوف عزماتها شأفةّ أديانهم وأقاصيهم.
عكا
ويقال فيها عكة أيضا طولها: سبع وستون درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وخمس وعشرون دقيقة.
стр. 92
وهي مدينة واسعة الأرجاء، كثيرة الضياع، ولها مرسىّ مأمون.
وهي في عصرنا قفل بلاد الساحل، وقصبة ما فيه من الحصون والمعاقل، قد تقدم لنا فتحها عند ذكرنا صُور.
ثم قال البلاذري - بعد الكلام الذي أوردناه هناك -: " لما كانت سنة تسع وأربعين، خرجت الروم إلى السواحل وكانت الصناعة بمصر فقط. فأمر معاوية بن أبي سفيان بجمع الصناع والنجارين فجمعوا، ورتبهم في عكا، وعمل بها دار الصناعة، فلما ولي هشام بن عبد الملك نقل الصناعة إلى صور.
ثم لما كانت سنة سبع وأربعين ومائتين، أمر المتوكل بترتيب المراكب بعكا وجميع السواحل، وشحناها بالمقاتلة ".
ولم تزل في يد من يلي جُند الأردن - على ما قدمناه من العذر في الإجماع - إلى أن ملك المصريون، وأجروا البلاد الساحلية، على القاعدة التي حكيناها عنهم.
فلما كانت سنة أربع وستين وأربعمائة، قصدها أتسز بن أوق التركي، فملكها، فخرج إليها أمير الجيوش بدر المستنصري، من مصر، في سنة خمس، فحاصرها حتى استولى عليها، وأخرج نُواب أتسز منها، وأقام بها والياً عليها الى سنة ست وستين.
فاستدعاه المستنصر إلى مصر، وولاه تدبير دولته، فولى فيه من قبله، وترك أمواله وحريمه فيها، فسيَّر أتسزُ منكلي التركي، فحاصرها حتى افتتحها، وقتل الوالي الذي كان بها، وأحسن إلى حريم أمير الجيوش، ولم يتعرض لماله.
فلما ملكها سير أتسز إلى عكا والياً من قبله، فلم يجب منكلي إلى تسليمها إليه، وقال: " أنا أخذت هذه المدينة بسيفي ". فنازعه الوالي فقتله، وخلع طاعة أتسز. وخرج إلى " طبرية "، فولى عليها من قبله، فقصده أتسز في بقية السنة، والتقى به على طبرية فهزم عسكره وقتله.
وكان أبو منكلي نائبا عنه بعكا، لما خرج عنها، فأخذ حريم أمير الجيوش وأمواله، وركب في البحر وسار إلى أمير الجيوش بمصر، فأقبل عليه، وولاّه " عكا " إلى أن عصى فيها سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة فخرج إليه نصير الدولة الجيوشي، فحاصره وضايقه، إلى أن تسلمها منه، وولّي فيها ...
ولم تزل بعدُ في أيدي العبيديين، إلى أن نزل عليها بغدوين صاحب البيت المقدس، وبها زهر الدولة نبا الجيوش، نائباً عليها، في عسكر كثيرا، براً وبحراً، فقاتلها إلى أن عجز أهلها عن حمايتها. وخرج عنها واليها، وأنفذ يلتمس الأمان له ولأهل " عكا " لإياسه من وصول نجدة أو معونة من مصر، فلم يجبه بغدوين لما رأى من عجزهم وضعفهم، وجدّ في قتالها حتى أخذها عنوة في سنة " سبع وتسعين وأربعمائة "، في أيام الآمر.
وبقيت في يد الفرنج إلى أن قصدها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بعد كسرة الفرنج على " حطين " وأسر ملوكهم، ونزلها يوم الأربعاء سلخ شهر ربيع الآخر، وقاتلها حتى أخذها عنوة، واستنقذ من كان فيها من أسراء المسلمين، وكانوا زهاء أربعة آلاف نفس، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر.
وبقيتْ في يده إلى أن قصدها الفرنج، ونازلوها يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة في جموع كثيرة.
فسار إليهم صلاح الدين، وواقعهم عليها وقائع لم يمكنه في شيء منها دفعهم عنها. وتتابع قتالهم إلى أن دخلوها على حين غفلة يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين.
وبقيت في أيديهم بعد إلى عصرنا، الذي وضعنا فيه هذا الكتاب، يسرّ الله فتحها، وسنى للملة الإسلامية نُجحها.
حيفا
وهي فرضة لطبرية وبينهما ثلاث مراحل.
ما زالت على القاعدة التي قررناها في الولايات والانتقالات في أيدي المسلمين، إلى أن نازلها الفرنج في سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وحاصروها، وضايقوها. فبينما هُم ليلةً إذ سمعوا فيها صيحة عظيمة. فلما أصبح الصباح فتح من فيها أبوابها وخرجوا بالسلاح، وقاتلوا من عليها من الفرنج، حتى قتلوا عن آخرهم. ودخل الفرنج المدينة فوجدوهم قد قتلوا أولادهم ونساءهم.
ولم تزل في أيدي الفرنج إلى أن فتحها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ثلاث وثمانين.
فلم تزال في يده إلى أن نزل عنها للفرنج فيما نزل عنه لهم في المهادنة، التي وقعت بينه وبينهمن وذلك في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ولم تزل بَعدُ في أيديهم.
الباب الخامس في
ذكر بلاد جند فلسطين
الرملة - القدس - الخليل - نابلس - قيسارية - أرسوف - يافا - عسقلان - غزة.
في ذكر بلاد جُند فلسطين
стр. 93
الرملة واللد قال هشام بن محمد الكلبي: سمّيت فلسطين بفلسطين بن كسلوخيم من بني يافث بن نوح.
وكانت قصبته أولاً لدّ. ولم تزال على هذا الشأن إلى أن " ولى الوليد بن عبد الملك أخاه سليمان جند فلسطين، فنزل لُد، ثم أحدث مدينة الرملة، ومصرها، واختلط مسجدها. وكان في موضعها " رملة ". فبقي على المدينة اسمها، وصارت القصبة وخربت " لُدّ ".
طولها: ستّ وثلاثون درجة وخمس عشرة دقيقة. وعرضها: أربع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. طالعها برج النور. صاحب ساعة بنائها عطارد.
لم تزل الرملة مذ مصرت عامرة الأسواق. ودارّة الأرزاق. ينتابها السّفّار. ويحط بها التجار. إلى أن جاءتها زلزلة، في العاشر من جمادى الأولى سنة ستين وأربعمائة هدمت دورها، وشقَّت سؤرها، وعفت الآثار. وأطلعت الماء من الآبار. وانشقت منها صخرة بيت المقدس والتأمت. فانتقلت أكثر أهل " الرملة " بعدُ إلى " إليا " فعمروها، ومصروها.
ولم تزل " الرملة " تنتقل في أيدي الولاة بتنقل الجّند منذ فتحت إلى صارت في أيدي العبيديين.
ولم تزل في أيديهم إلى أن خرج مفرج ابن الجراح على العزيز وخلع طاعته، في سنة إحدى وستين وثلاثمائة وتغلب على فلسطين وبلاده.
وبقيت في يده إلى أن خرج إليه من مصر بلتكين التركي فأخرجه من الرملة، ولم تزل بعد في أيدي العبيدين إلى أن قصده أتسز بن أوق التركي في سنة ثلاث وستين وأربعمائة الرملة، فملكها وولى فيها.
ولم تزل في يده إلى أن خرج إليه نصير الدولة بعسكر من مصر، فاستعادها وقصد دمشق مُحاصراً لها، فحاصره فيها، فاستنجد بتاج الدولة تتش صاحب حلب يومئذ، فسار إليه، فلما بلغ نصير الدولة مسيرة رحل عن دمشق، وذلك في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
ثم أن تاج الولة قتل أتسز وملك دمشق وسار إلى الرَّملة، فملكها وولى فيها.
ولم تزل في يده إلى أن قصدها عسكر من مصر مقدمه منير الدولة، فاستعادها في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. ولم تزل في أيديهم إلى أن حاصرها الفرنج، وأخذوها في سنة إحدى وتسعين.
ولم تزل في أيديهم إلى أن ملكها وملك معها " لُدّ " الملك الناصرُ صلاح الدين، يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان، سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
ولم تزل في يده إلى أن وقعت الهدنة بينه وبين الفرنج في سنة ثمان وثمانين، فنزل لهم عن بلادٍ، وجعل " لد " و " الرملة " بينه وبينهم مناصفة.
ولم تزل على ذلك أيام العزيز، والأفضل، والعادل، والمعظم، والكامل، إلى أن ملك ولده العادل، فنقضوا هذه المناصفة، وتغلبوا عليهما.
وبقيتا في أيديهم إلى أن فتحها مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدّين بيبرس الصالحي، في سنة أربع وستين، فعمر الرملة وصير لها هملاً وولى فيها عاملا وقاضيا، وقواها وصيرها مصراً، وجمع إليها الناس من كل قطرٍ، وأسكنهم فيها، وأنزلهم في نواحيها.
إيلياء
وهي مدينة بيت المقدس مبدأ بنائه قرأت في كتاب " الكامل في التاريخ ": " قيل: أصاب الناس في زمن داود ﵇ طاعون جارف، فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس. وكان يري الملائكة تعرج منه إلى السماء " فلهذا قصده ليدعوه فيه. فلما وقف موضع الصخرة دعا " الله تعالى في كشف الطاعون فاستجاب له فاتخذ ذلك الموضع مسجداً. وكان الشروع في بنائه لإحدى عشرة سنة خلت من ملكه. وتوفي قبل أن يتم بناؤه. وأوصى ولده سليمان بإتمامه وقتل القائد الذي قتل أخاه ايشا بن داود.
فلما توفي ودفن تقدّم لإنفاذ أمره، فقتل القائد، واستلم بناء المسجد، فبناه بالرخام، وزخرفه بالذهب ورصعه بالجواهر، قوي على ذلك جميعه بالجنّ والشياطين ".
فلما تم بناؤه اتخذ يوم الفراغ منه عيداً عظيماً وقرب قربانا فتقبله الله منه.
وقيل: إن سليمان هو الذي ابتدأ بعمارته. وكان داود أراد أن يبنيه. فأوحى الله إليه أن هذا البيت مقدس. وانك قد صبغت يدك بالدماء فلست بانيه. ولكن ابنك سليمان يبنيه لسلامته من الدماء فلما ملك سليمان بناه.
وقرأت في " كتاب الأخبار الطوال " تأليف أبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري ﵀:
стр. 94
" كان داود ﵇ ابتدأ بعمارة بيت المقدس، فتوفي قبل إتمامه فاستتمه سليمان، وأتم بناء مدينة " إيليا ". وكان أبوه ابتدأها قبله. وبنى المسجد بناء لم يرى الناس مثله. وكان يضيء في ظلمة الليل " الحندس " إضاءة السراج الزاهر، لكثرة ما جعل فيه من الذهب والجواهر. وفرغ منه في سبع سنين. وجعل اليوم الذي فرغ منه عيداً في كل سنة ".
وقرأت في " تاريخ محبوب قسطنطين المنبجي " قال: " مكتوب أن بعد ما خرج نوح من السفينة بزمان قبل أن سكن إبراهيم في أرض الموعْد، من بلاد الشامن بنى " ملكزدق " الحبر على قبر آدم بيت المقدس. وأن الله ﵎ خصه، وعرفه، مكان قبر آدم ﵇ ".
" وعن كعب قال: بنى سليمان بيت المقدس على أساسٍ قديم كما بنى إبراهيم الكعبة على أساس قديم " قال: والأساس القديم الذي كان لبيت المقدس أسسه سام بن نوح. ثم بناه داود، وسليمان ﵉ على ذلك الأساس.
لمعة من فضائله
عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " من زار بيت المقدس محتسباً لله حرم الله لحمه وجسمه على النار ".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنما الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدكم هذا، ومسجد ايليا ".
وعن كعب قال: " إن الله ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين. وعن ابن حليس أن عبد الملك سأل نوفاص البكالي هل سمعت في بيت المقدس شيئاً قال نوف: في كتاب الله المنزَّل أن الله يقول: فيك ستّ خصالٍ، فيك مقامي، وحسبي، ومحشري، وجنتي، وناري، وميزاتي ".
وعن وهب بن منبه: قال " أهل بيت المقدس جيرانٌ الله . وحق على الله تعالى أن لا يعذب جاره ".
وعن كعب قال: " لا تقوم الساعة حتى يزور البيت الحرام بيت المقدس، فينقادا إلى الجنة جميعا وفيهما أهلوهما ".
وعن عبد الملك الجزري أنه قال: " إذا كانت الدنيا في بلاء وقحط كان الشام في رخاء وعافية. وإذا كان الشام في بلاء وقحط كانت فلسطين في رخاء وعافية. وإذا كانت فلسطين في بلاء وقحط كان بيت المقدس في رخاء وعافية ".
وقال خالد بن معدان: " مقبور بيت المقدس لا يعذب ".
فضل الصخرة
عن ابن عباس ﵁ قال " صخرةُ بيت المقدس من صخور الجنة ".
وعن سعيد بن عبد العزيز قال: " لما فتح عمر بن الخطاب ﵁ بيت المقدس وجد على الصخرة زبلاً كثيرا مما طرحه الروم غيظاً لبني إسرائيل، فبسط عُمر رداءه، وجعل يكنس ذلك الزبل، وجعل المسلمون يكنسون معه.
وعن شيخ من ولد شدّاد بن أوس عن أبيه عن جده قال: فتقدّم عمر ﵁ حتى ملأ أسفل ثوبه من المزبلة التي كانت في بيت المقدس، فحمل وحملنا في ثيابنا مثل ما حمل حتى ألقيناه في الوادي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لما أسري بي إلى بيت المقدس مرّ بي جبريل ﵇ إلى قبر إبراهيم ﷺ ، وقال: انزلْ فصلْ ها هنا ركعتين فإن ها هُنا قبر أبيك إبراهيم. ثم مرّ بي ببيت لحم، فقال: انزلْ فصلّ ها هنا ركعتين فانَّ ها هنا ولد أخوك عيسى. ثم أتي بي إلى الصخرة فقال: من ها هُنا عرج أمر ربك إلى السماء، فألهمني الله أن قُلتٌ: نحن بموضع عرج منه أمر ربي فصليت بالنبيين، ثم عرج بي إلى السَّماء.
ذكر خراب بيت المقدس بعد بنائه ِ
стр. 95
اختلف العلماء في السبب المقتضي لخرابه، وفي أي زمان خرب ومن أخربه اختلافاً كثيراً، ملخصه: أنه خرب مرتين فُسر بهذا القول، قوله تعالى:) وقَضَيْنا إلى بَني إسرَائيلَ في الكِتَاب لَتُفْسِدُنَّ في الأَرض مَرَّتَيْن وَلَتَعْلُنَّ عُلُوَّا كبيراً. فإذَا جَاء وَعْدُ أُولاَهُما بَعَثْنا عَليْكم عِباداً لنا أُولي بَأسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدَّيَار وكان وَعْداً مَفْعُولاً. ثُم رَدَدْنا لَكمُ الكَرَّةَ عَلَيْهم وَأمْدَدْناكم بأمْوالٍ وَبَنين وجعلَناكُم أكثَر نَفِيرا. إن أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُم لأَنْفُسِكُمْ وَإنْ أسأتُمْ فَلَها فإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرة لِيَسُؤُوا وُجُوهَكُم وَلِيدْخْلُوا الَمسْجدَ كما دَخَلُوه أولَ مرةٍ وليُتَبَّرُوا ما عَلَوْا تتْبِيراً. عَسَى رَبُّكُمْ أن يَرْحَمَكم وإن عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً (.
المرة الأولى:
خربة بخت نصر. ويقال فيه بخت ناصر. وسببُ خرابه له مختلف فيه. فقال قوم: قتل بني إسرائيل يحيى بن زكريا. والمحققون من أصحاب التواريخ والسير يدفعون هذا القول وينكرونه، فانَّ بخت نصر عندهم غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم " شعيا " في عهد أرميا بن حلقيا. وبين عهد أرميا وقتل يحيى أربعمائة وإحدى وستون سنة عند اليهود والنصارى. ويزعمون أن ذلك في كتبهم وأسفارهم. وأن الذي أخذ بثأر جرواش. وهي المرة الأخيرة.
ويُقال: إن الذي استعمله بهمن بن بشتاسب ابن لهراسب. وكان بخت نصر خدم جده وأباه، وخدمه أيضاً. وعمّر طويلاً. فأرسل بهمن رسلاً إلى ملك بني إسرائيل بالبيت المقدس فقتلهم الإسرائيلي. فغضب بهمن من ذلك واستعمل بخت نصر على إقليم بابل. وسيره في الجنود الكثيرة فأوقع بهم.
وحكى أبو حنيفة الدينوريّ في " كتاب الأخبار الطّوال " شيئاً غير هذا: " وهو أن سليمان بن داود ﵉، لما مات اجتمع عظماء فارس وأشرافها ليختاروا رجلاً من ولد كيقباذ الملك فيملكوه عليهم، فوقع اختيارهم على الهراسف " وأن لهراسف " عقد لابن عمه بخت نصر بن كامجار بن كيانبه في اثني عشر ألف رجل من خيله. وأمره أن يحارب الشام فيحارب ارخبعم بن سليمان فان كان الظفر له قتل من قدر عليه من عظماء مدينة بني إسرائيل وهي إيليا وهدمها.
فسار بخت نصر حتى أتى الشام فشن بها الغارات، " وعاث " فانهزم ملوكه منه وهرب أرخبعم من بيت المقدس " فنزل فلسطين فتوفي بها " وأقبل بخت نصر " حتى " ورد ايليا، فدخلها لا يمتنع منه أحد. فوضع في بني إسرائيل السيف، فقتل منهم ثلاثمائة ألف نفس، وسباهم، وهدم المدينة فلم يدع فيها بيتا قائماً، ونقض المسجد. وحمل ما كان فيه من الذهب والفضة والجوهر وحمل كرسي سليمان. وقفل راجعاً إلى العراق.
وكان في الأسرى دانيال النبي ﵇ فسار حتى قدم على لهراسف الملك وهو نازل بالسوس، فمات عنده.
ويقال إن البيت المقدس بقي خراباً إلى أن عمره " كورش " الفارسي. واسمه في اللغة الفارسية " بهمن ".
فإنه أذن لبني إسرائيل في العود إلى أورشليم، وبنى إيليا والبيت المقدس وذلك بعد سبعين سنة من خرابه.
وفي أثناء هذه الفترة أمر الله أرميا - وهو المسمى عُزَيْراً - بالخروج من مصر وعوده إلى الشام. فسار حتى أشرف على بيت المقدس وهو خراب فقال:) أني يُحيِى هَذِه اللهُ بَعْدَ مَوْتها فَأَمَاتهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ (بعد أن عمر بيت المقدس.
المرة الثانية:
خربه " جرواش " ملك بابل. ويُحكى في سبب ذلك: أن ملكهم " هيرودس " أراد أن يتزوج بنت امرأةٍ له، فنهاه يحيى بن زكريا عن ذلك، فطلبت المرأة منه قتل يحيى. فأرسل إليه فأحضروه، ودعي بطشتٍ فذبحه فيه، وهو يقول: لا يحلّ لك.
وبقي دمه يغلي، فطرح عليه تراب حتى بلغ سور المدينة فلم يسكن، فسلط الله عليهم جرواش في جمع عظيم فحصرهم، فلم يظفر بهم، فأراد الرجوع فأتته أمراء من بني إسرائيل فقالت: بلغني أنك تريد العود، فقال: نعم، وقد طال المقام وقلت الميرة. فقالت: إن فتحت لك المدينة أتقتل من آمرك بقتله؟ قال: نعم. قالت: فتكف إذا أمرتك؟ قال: نعم. قالت: اقسم جندك أربعة أقسام ثم أرفعوا أيديكم إلى السماء وقولوا اللهم إنا نستفتحك على دم يحيى بن زكريا.
стр. 96
ففعلوا فخرب سور المدينة فدخلوها، فأمرتهم العجوز أن يقتلوا على دم يحيى ابن زكريا، حتى يسكن. فلم يزل يقتل حتى قتل سبعين ألفاً فسكن الدم. فأمرته بالكف فكف. وخرب البيت المقدَّس وأمر أن تلقى فيه بالجيف وعاد.
وكانت هذه المرة بعد رفع عيسى ﵇ إلى السماء، ولم يزل خراباً إلى أن عمرته هيلاني أم قسطنطين. وحكى أصحاب تواريخ الروم: أن سبب عمارتها له أن والدها قسطنطين لما صار الملك إليه طوعت له نفسه أن يبني مدينة يجعلها مقر ملكة، ومركز سلطانه، فخرج من " رومية "، وسار إلى أرض بوزنطا فبنى فيها مدينة، وسماها " القسطنطينية " باسمه وصار يغير على بلاد برجان لما جاورهم، فكانت الحرب بينهم وبينه سجالا، نحواً من سنة، إلى أن كانت عليه. فقتل من أصحابه خلق كثير، وخاف البوار. فرأى في النوم كان رماحاً نزلت من السماء، فيها عذب وأعلام على رؤوسها صلبان من الذهب والفضة والحديد والنحاس. وقيل له: خذ هذه الرماح وقاتل بها عدوّك تنصر.
فجعل يحارب بها في النوم، فرأى عدوه منهزماً بين يديه فاستيقظ من رقدته، ودعا بالرماح، وركب عليها صلباناً ورفعها على عسكره، وزحف على عدوّه فكسره.
وسار إلى بيعته وسأل عن تلك الصبان، وهل تعرفون ذلك في شيء من الآراء والملك، فقيل له أن بيت المقدس مجمع لهذا المذهب. فبعث إلى بيت المقدس وأحضر ثلاثمائة وثلاثة عشر أسقفاً فعرفوه دين النصرانية، فرجع إليه وترك اليونانية، وأمر رعيته بمتابعته على النصرانية.
ثم خرجت أمة هيلاني إلى الشام، وبنت الكنائس، وصارت إلى بيت المقدس فبنته، وعمرته، وزخرفته، وطلبت الخشبة التي صُلب عليها المسيح، بزعمهم، فحلتها بالذهب. واتخذت لوجودها عيداً وهو عيد الصليب.
هنا انتهى بنا القول في بناء البيت المقدس قبل ظهور ملَّة الاسلام. وسنذكر ما جدّده فيه خلفاءُ بني أمية، والعبيديون، أصحاب مصر عند ذكرنا لمزارات الشام - إن شاء الله تعالى -.
مدينة بيت المقدس
والصفة التي عليها في عصرنا أنها على جبل يصعد إليها من كل جانب وهي طويلة.
وفي طرفها الغربي: " باب المحراب "، وهذا الباب عليه قبة داود ﵇.
وفي طرفها الشرقي: " باب الرحمة "، وهو مُغلق لا يفتح إلاّ من عيد الزيتون إلى مثله.
ولها في جهة الجنوب: باب يسمى " باب صهيون ".
ومن الشمال: باب يسمى " باب الغُراب ". ومتى دخل الداخل من باب المحراب يسير نحو المشرق في زقاق شارع إلى الكنيسة العظمى المعروفة بكنيسة القيامة، والمسلمون يسمونها قمامة وهي من عجائب الدنيا بناءً.
ذكر فتحها وملوكها
قال البلاذري: " قدم أبو عبيدة على عمرو بن العاص وهو يحاصر إيليا في سنة عشرة، فطلب أهلها من أبي عبيدة الأمان والصلح على مثل ما صُولح عليه أهل مُدن الشام من أداء الجزية والخراج على أن يكون متوالي العقد لهم عمر بن الخطاب بنفسه. فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك. فسارع عمر ﵁، حتى نزل " بالجابية " من دمشق، ثم صار إلى إيليا فأنفذ صلح أهلها، وكتب لهم بذلك ". وذلك في سنة سبع عشرة.
ولم تزل بعدُ في الولاية على ما قررناه في غيرها من البلاد المضافة إلى الأجناد.
فلما صارت إلى المستنصر صاحب مصر خرج أتسز بن أوقى التركي فقصد أرض فلسطين فملك الرَّملة، وبيت المقدس من نوابه سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
وبقيت في يده إلى أن خرج بدر المستنصري في سنة خمس وستين فاستعاد الرملة والقدس وولى فيهما من قبله. ثم عاد إلى مصر في سنة ست، فعاد أتسز إلى القدس فملكه في بقية السنة.
ولم يزال في يده إلى أن قصد مصر بعسكره، فكسر في رجب سنة تسع وستين وعاد منهزماً إلى دمشق. فجمع، وخرج إلى القدس وكان من فيه وثبوا على من عندهم من الأتراك من أصحابه، فقتلوا أكثرهم، والتجأ من بقي منهم إلى محراب داود فتحصنوا به. وأقاموا حتى وصل أتسز إلى القدس فراسلهم في الدخول في الطاعة فأبوا فنازلهم في شعبان؛ وأقام مدة يحاصرهم إلى أن فتح له القيم محراب داود، فدخل المدينة بالسيف، وقتل عامة أهلها واستمر القتل فيها ثلاثة أيام، ولم يبقى منهم إلاّ من استجار بالصخرة والمسجد الأقصى.
стр. 97
وبقي بيت المقدس في يده إلى خرج نصير الدولة الجيوشي، فاسترجع القدس وما كان قد استولى عليه من بلاد فلسطين والأردن، ونزل على دمشق فحاصرها وهو فيها فكتب إلى تاج الدولة صاحب حلب يستنجده، فلما سار إليه رحل نصير الدولة وقصد مصر، فلما قُتل تاج الولة أتسز سار إلى القدس فملكه فيما ملك. وذلك في سنة إحدى وسبعين.
ولم يزال " القدس " في أيدي نوابه، إلى أن أقطعه الأمير أرتق بن أكسب، وبقي في يده ولديه من بعد إيغازي وسكمان، إلى أن قصده الأفضل أمير الجيوش شاهنشاه ابن الجيوش بدر المستنصري من مصر في عسكر. فنزل عليها في شعبان سنة تسعين وأربعمائة، وحاصرها، وضايقها، ونصب عليها المجانيق فهدم بها ثلمةً من السور، وأشرف من فيها على الغلبة. فبعث سكمان إلى الأفضل يطلب منه الأمان له ولأخيه إيغازي ولأصحابهما، فأجابهما. وتسلم البلد وولي فيه من قبله وذلك في سنة إحدى وتسعين، وخرج سكمان وأخوه إلى دمشق.
وبقي " القدس " في أيدي المصريين إلى أن قصدها الفرنج في سنة اثنتين وتسعين، وحاصروها أشد حصار حتى ملكوه، في اليوم الثاني من شعبان من السنة عنوة، بعد إعطائهم الأمان لمن فيه، فأحرقوا - لعنهم الله - المصاحف، وأخربوا المساجد؛ وكان ملكهم كندفري.
وأقام فيه إلى أن مات وولّي أخوه بغدوين بعده، ودام مالكه إلى أن أصابه جرح على العرش فمات منه في التاسع من ذي الحجة، سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
وتولاه بعده القمص بغدوين صاحب الرها بعهد من بغدوين الأول، فسار إليه، وملكه وسكنه، وبقي في يده إلى أن مات بالفالج بي نابلس وبيت المقدس ليلة الاثنين حادي عشري شهر رمضان سنة خمس وعشرين وخمسمائة.
وملك بعده، بعهدٍ منه، زوجُ ابنته فُلك بن فُلك، وبقي في يده إلى أن وقع عن فرسه، وهو يطارد أرنباً في أرض عكّا، فغاصت في صدره، وعجل الله بروحه إلى النار، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.
وولي بعده البلاد أكبر أولاده، وبقي حاكما على ما كان بيد أبيه من البلاد إلى أن مات في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.
وولي بعده أخوه هفري وهلك في سنة ثمانين. وتولّى بعده ولدٌ له صغير، وفوض تدبير دولته لقومص بن بارزان صاحب أطرابلس وكان ابن عمه.
وبقي في يده إلى أن قصده الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فنصب عليه المناجيق، وسلّط على سوره النقوب، ممَّا يلي " وادي جهنم " إلى أن تسلمه يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب سنة ثمان وثمانين.
ومن الاتفاقات العجيبة والمصادفات الغريبة أن القاضي مُحي الدين بن الزكي مدح الملك الناصر صلاح الدين، لما فتح حلب بقصيدة، هنأه فيها، جاء منها: وفتحكم " حلباً " في النصف من صفرٍ مُبشر بفتوح " القدس " في رجبِ.
ومن رسالة للقاضي الفاضل
عبد الرحيم بن علي البيساني في فتح القدس ولما لم يبقى إلاّ القدس وقد أجتمع إليها منهم كل شريد طريد. واعتصم بمنعتها كل قريب منهم وبعيد. وظنوا أنها من الله مانعتهم. وأن كنيستها إليه شافعتهم.
فلما نزلها الخادم رأي بلداً كبلاد. وجمعاً كيومِ التناد. وعزائم قد تألبت وتآلفت على الموت فنزلت بعرصته. وهان عليها موردُ السيف وأنْ تموت بغصته. فزاول البلد من جانبٍ فإذا أوديةٌ عميقة. ولجج وعرةٌ غريقة. وسور قد انعطف عطف السوار. وأبرجةٌ قد نزلت مكان الواسطة من عقد الدار. فعدل إلى جهةٍ أخرى كان للمطامع عليها مُعرج. وللخيل فيها مُتولج.
فنزل عليها، وأحاط بها، وقرب منها " وضرب خيمته " بحيث يناله السلاح بأطرافه. ويزاحمه السور بأكتافه. وقابلها ثم قاتلها. ونزل عليها ثم نازلها. وبرز إليها ثم بارزها. وحاجزها ثم ناجزها. فضمها ضمة ارتقب بعدها الفتح. وصدع جمعها فإذا هم لا يصبرون على عبودية الحد عن عتق الصفح. فراسلوه ببذل قطيعة إلى مُدة. وقصدوا نظرة من شدة وانتظار النجدة. فعرفهم الخادم في لحن القول. وأجابهم بلسان الطول.
стр. 98
وقدم المنجيقات التي تتولى عُقُوبات الحصون عصيها وحبالها. وأوتر لهم قسيها التي تضرب ولا تفارقها سهامها، ولا تفارق سهامها نصالها. فصافحت السور فإذا سهامها في ثنايا شرفاتها سواك. وقدم النصر نسراً من المنجنيق يُخلد إخلاده إلى الأرض، ويعلُو علوه إلى السماك. فشج مدارع أبراجها. وأسمع صوت عجيجها " صم أعلاجها ". ورفع مثار عجاجها. فأخلى السور من السيارة. والحرب من النظارة. فأمكن النقاب. أن يسفر للحرب النقاب. وأن يعيد الحجر إلى سيرته " الأولى " من التراب. فتقدم إلى الصخر فمضغ سرده بأنياب معوله. وحل عقدهِ بضربهِ الأخرق الدال على لطافة أنمُلِه. وأسمع الصخرة الشريفة حنينة باستقالته. إلى أن كادت ترق لمقالته. وتبرأ بعض الحجارة من بعض. وأخذ الخراب عليها موثقاً فلن يبرح الأرض. وفتح في السور باباً. سدَّ منْ نجاتهم أبوابا. " وأخذ يفت في حجره فقال عنده الكافر: يا ليتني كنت ترابا ". فحينئذ يئس الكفار من أصحاب الدور. كما يئس الكفار من أصحاب القبور. وجاء أمر اللهِ وغرهم بالله الغرور..
وفي الحال خرج طاغية كفرهم. وزمام أمرهم. ابن بارزان - لعنه الله - سائلاً أن يؤخذ البلد بالسلم لا بالعنوة. وبالأمان لا بالسطوة. وألقى بيده إلى التهلكة. وعلاهُ ذُل الملكة بعد عزّ المملكة. وطرح جنبه على التراب وكان جنباً لا يتعاطاه طارح. وبذل مبلغاً من القطيعة لا يطمح إليه طرف آمل طامح. وقال: ها هنا أسارى مسلمون يتجاوزون الألوف، وقد تعاقد الفرنج على أنه إن هُجمتْ عليْهم الدَّار. وحملت الحرْبُ على ظهورهمُ الأوزار. بُدى بهم فعجلوا. وثني بنساء " الفرنج وأطفالهم " فقتلوا. ثم استقلوا بعد ذلك فلم يقتل خصم إلاّ بعد أن ينتصف. ولم يفل سيفٌ منْ يد إلا بعدْ أن تنقطع أو تنقصف.
فأشار الأمراء " بالأخذ " بالميسور. من البلد المأسور. فإنه لو أخذ حربا فلا بدَّ أن يقتحم الرجل الأنجاد. وتبذل نفوسها في آخر أمر قد نيل من أوله المراد. وكانت الجراحُ في العساكر قد تقدم منها ما أعتقل الفتكات. واعتاق الحركات. فقبل منهم المبذول عنْ يدٍ وهمْ صاغرون. وانصرف أهل الحرب عن قدرةٍ وهم ظاهرون.
وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكان. فخدمها الكُفر إلى أن صارت روضة جنان. لا جرم أن الله " أخرجهم منها وأهبطهم. وأرضى أهل الحق وأسخطهم. فإنهم خذلهم الله " حموها بالأسل والصفاح. وبنوها بالعمد والصفاح. وأودع الكنائس بها وبيوت الديوية " والاسبتارية " منها كل غريبة من الرّخام الذي يطردُ ماؤه. ولا ينطرد لألآؤه. قد لطف الحديد في تجزيعه. وتفنن في توشيعه. إلى أن صار الحديد. الذي فيه بأس شديد. كالذهب الذي فيه نعم عتيد.
فما ترى إلاّ مقاعد كالرياض لها من بياض الترخيم رقراقْ. وعمداً كالأشجار لها من التنبيت أوراق.
وأوعز الخادم بردّ " الأقصى " إلى عهده المعهود. وأقام له من الأئمة من يوفيه ورده المورود.
وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع شعبان فكادت السماوات يتفطرن للسجوم لا للوجوم. والكواكب منها تنتشر للطرب لا للرجوم. ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طريقها مسدودة. وطهرت قبور الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة.
وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها. وجهرت الألسنة بالله أكبر، وكان سحر الكفر يعقدها. وجهر باسم أمير المؤمنين في وطنه الأشرف من المنبر. فرحب به ترحيب من بر لمن برّ وخفق علماه في حفافيه. فلو طار سروراً لطار بجناحيه.
وكتابُ الخادم وهو مجدُّ في استفتاح " بقية " الثغور. واستشراح ما ضاق بتمادي الحرب من الصدور. فإن قوى العساكر قد استنفدت مواردها. وأيام الشقاء قد أوردت مواردها.
هذا ما وقع عليه اختيارنا من الرسالة، على أننا أتينا بخبر الفتح على سياقاته وألحقنا فيها طليعة الكلام بساقته.
خطبة القاضي محيي الدين بن الزكي
اقتضبتُ من الخطبة التي خطب بها القاضي محيي الدين بن الزكي، حين فتح البيتْ المقدس شذوراً. وفيتُ بها من وعودي نذوراً. إذ هي والكتابُ الفاضليّ رضيعا لبان البراعة، وحليفان أطالا على السيف لسان البراعة.
قال بعد أن ذكر ما في الكتاب العزيز من التحميد.
стр. 99
الحمد لله معز الإسلام بنصره. ومُذل الشرك بقهره. ومُصرَّفِ الأمور بأمره. ومديم النعم بشكره. ومستدرجِ الكافرين بمكره. الذي قدر الأيام دولاً بعدله. وجعله العاقبة للمتقين بفضله وأفاء على عباده من ظله. وأظهر دينه على الدين كله. القاهر فوق عباده فلا يمانع. والظاهر على خليقته فلا ينازع. والآمر بما يشاء فلا يراجع. والحاكم بما يُريد فلا يدافع.
أحمدهُ على إظهارهْ. وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره. وتطهير بيته المقدّس من أدناس الشرك وأوظاره. حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره.
وأشهد أن لاَ إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد. الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد شهادة من طهر بالتوحيد قلبه. وأرضى بها ربه.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله رافع الشك. وداحض الشرك وراحض الإفك. الذي أسري به من المسجد " الحرام إلى هذا المسجد " القصى، وعُرج به منه إلى السماوات العُلي. إلى سدرة المنتهي. عندها جنة المأوى. ما زاغ البصرُ وما طغى.
صلى الله عليه وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان. وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البلد شعار الصلبان. وعلى أمير المؤمنين عثمان " بن عفان " ذي النورين جامع القرآن. وعلى أمير المؤمنين علي بنْ أبي طالب مُزلزل الشرك ومكسّر الأوثان. وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
أيها الناس.
أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى. والدرجة العُليا. لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة. من الأمة الضالة. وردها إلى مقرها من الإسلام. بعد ابتذا لها في أيدي المشركين قريبا ًمن مائة عام. وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه. وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليه رواقه واستقر فيه رسمه. ورفع قواعده بالتوحيد فإنه بني عليه. وبالتقوى فانه أسس على التقوى منْ خلفه ومن بين يديه.
فهو موطن أبيكم إبراهيم ومعراج نبيكم محمد ﵊. وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام. وهو مقر الأنبياء ومقصد الأولياء. ومقرٌ الرسل ومهبط الوحي. ومنزل ينزل " به " الأمر والنهي. وهو في أرض المحشر. وصعيد المنشر. وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين. وهو المسجد الذي صلى فيه رسول الله عليه وسلم بالملائكة المقربين. وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله، وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروحه " عيسى " الذي شرف الله برسالته. وكرمه بنبوته. ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته. فقال تعالى:) لَنْ يَسْتَنْكفَ المسَيحُ أنْ يَكُونَ عَبْداً لله (. وقال:) لقد كَفَر الّذين قالوا إِن الله هو المسيحُ ابنُ مَرْيَم (.
وهو أول القبلتين. وثاني المسجدين. وثالث الحرمين. لا تشدّ الرحالُ بعد المسجدين إلاّ إليه. ولا تعقدُ الخناصر بعد المواطَنيْن إلاّ عليه. ولولا أنكم ممن اختاره الله من عباده. واصطفاه منْ سكان بلاده. لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار. ولا يباريكم في شرفها مبار. فطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية. والوقعات البدرية. والعزمات الصديقية. والفتوحات العمرية. والجيوش العثمانية. والفتكات العلوية. جددتم للإسلام أيام القادسية. والوقعات اليرموكية. والمنازلات الخيبرية. والهجمات الخالدية.
فجازاكم الله عن نبيه محمد ﷺ أفضل الجزاء. وشكر لكم ما بذلتموه من مُهجكُم في مقارعة الأعداء. وتقبل منكم ما تقربتم به إليه من مُهراق الدماء. وأثابكم الجنة فهي دار السعداء. واقدروا - رحمكم الله - هذه النعمة حق قدرها. وقوموا لله تعالى بواجب شكرها. فلهُ الفضل والنعمة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة. وترشيحكم لهذه الخدمة. فهذا هو الفتح الذي فتحت لهُ أبواب السماء. وتبلت بأنواره وجوه الظلماء. وابتهج به الملائكة المقربون. وقر به عيناً الأنبياء والمرسلون. فإذا عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يفتح عليه البيت المقدس في آخر الزمان. والجند الذي تقوم بسيوفهم بعد فترة من الرسل قواعد الإيمان. فيوشك أن تكون التهاني به بين أهل الخضراء أكثر من التهاني به بين أهل الغبراء.
стр. 100
أليس هو البيت الذي ذكره الله في كتابه. ونصَّ عليه في خطابه. فقال تعالى:) سُبحان الذي أسْرى بِعَبْده لَيْلاً مِنَ الَمسجِد الحَرَام إلى الَمسْجدِ الأَقْصَى الّذي بَاَرَكْنَا حَوْلَهُ (.
أليس هو البيت الذي عظمته الملل وأثنت عليه الرسُل. وتُليتْ فيه الكُتُبُ الأَربعة المنزَّلة من إِلهكم .
أليس هو البيت الذي أمسك الله فيه الشمس على يوشع لأجله أن تغرب. وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب.
أليس هو البيت الذي أمر الله موسى أنْ يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلاّ رجلان. وغضب الله عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبةً للعصيان.
فاحمدوا الله الذي أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل وقد فضلهم على العالمين. ووقفكم لما خذل " فيه " من كان قبلكم من الأمم الماضين. وجمع لأجله كلمتكم وكانت شتى. وأغناكم بما أمضته كأن وقد عن سوف وحتى.
فليهنكم أن الله قد ذكركم به فيمن عنده. وجعلكم بعد أن كنتم جنوداً لأهويتكم جنده. وشكر لكم الملائكة المنزلون على ما أهديتم إلى هذا البيت من طيب التوحيد. ونشر التقديس والتحميد. وما أمَطْتُم عن طُرُقِهِم فيه من أذى الشرك والتثليث. والاعتقادِ الفاسد الخبيث. فالآن تستغفر لكم أملاك السماوات. وتصلي عليكم الصلوات المباركات.
فاحفظوا - رحمكم الله - هذه الموهبة فيكم واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى الله التي من تمسك بها سلم. ومن اعتصم بعُروتها نجا وعُصم. واحذروا من اتباع الهوى، وموافقة الرَّدى. ورجوع القهقري والنكول عن العدَى. وخُذوا في انتهاز الفُرصة. وإزالة ما بقي من الغصة. وجاهدوا في الله حق جهادِه. وبيعوا، عباد الله، أنفسكم في رضاه إذ جعلكم من عباده. وإياكم أن يستزلكم الشيطان. وأن يتداخلكم الطغيان. فيخيل لكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد. وبخيولكم الجياد. وبجلادكم في مواطن الجلاد. والله ما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم.
واحذروا - عباد الله - بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل والمنح الجزِيل. وخصكم بهذا النصر المبين. وأعلق أيديكم بحَبْلِهِ المتين. أن تقترفوا كبيراً من مناهيه. وان تأتوا عظيماً من معاصيه. فتكونوا) كالَّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً (، والذي) آياَتنا فاْنْسَلَخ مِنْهَا فأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ منَ الْغَاوين (.
والجهاد الجهاد، فهو من أفْضَل عِباداتكم. وأشرف عاداتكم. انصروا الله ينصركم اذكروا أيام الله يذكركم. اشكروا الله يزدكم ويشْكُركم. خذوا في حسم الداء. وقطع شأْفَة الأعْداء. وتطهير بقية الأرض التي أَغْضبتِ الله ورسوله. واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله. فقد نادت الأيام بالثارات الإسلامية. والملة المحمدية. الله أكبر. فتح ونصر. وغلب الله وقهر. أذل الله من كفر.
واعلموا - رحمكم الله - أن هذه فرصةٌ فانتهزوها. وفريسةٌ فناجزوها. وهمهٌ فأخرجوا لها هممكم وأبرزوها. وسيروا إليها سرايا عزماتكم وجهزوها. فالأمور بأواخرها. والمكاسب بذخائرها. فقد أظفركم الله بهذا العدو المخذول وهم مثلكم أو يزيدون. فكيف وقد أضحى في قبالة الواحد منهم منكم عشرون. وقد قال الله تعالى:) إن يكن منكم عشرونَ صابرون يغْلبُوا مائتين (أعاننا الله وإياكم على اتباع أوامره والازدجار بزواجره. وأيدنا معشر المسلمين بنصر من عنده:) إن ينْصُرْكم اللهُ فلاَ غالب لكُم، وإن يخذُلكم فمنْ ذا الذي ينْصُرُكم منْ بعْده (.
وتمامْ الخُطبة والخُطبة الثانية قريب مما جرت به العادةُ من الدعاء للخليفة والسلطان.
رجعنا ولم يزال القدس في يد الملك الناصر، بعد أن فتحه، إلى أن أقطع البلاد بين أولاده. فكان للملك الأفضل منْ دمشق إلى العريش، خلا الكرك والشورك، فإنهما كانا للملك العادل. فأقطع القدس عز الدين جُرديك النوري.
ثم حصل بينه وبين أخيه العزيز شنأن، ونفرت أكابر الأمراء الصلاحية، فخرج فارس الدين ميمون القصري، وسنقر الكبير فقطعا نابلس مع غيرهما فلحقوا بالعزيز وحرضوه على قصد الأفضل.
فخرج من مصر بعد أن أقطع القدس علم الدين قيصر وذلك في سنة تسعين، يريد دمشق، فطرأ بينهما ما حكيناه في " أمراء دمشق ".
ثم وقع الاتفاق على أن تبقى فلسطين للعزيز، والأردن للأفضل، وعاد العزيز إلى مصر.
стр. 101
ولما صارت فلسطين في يده، أقطع القدس لأبي الهيجاء السمين، فعصى عليه في سنة اثنتين وتسعين، فقصده. وفيها الملك العزيز دمشق، وسلّمها لعمه الملك العادل، ونزل له عن القدس، واسترجعه من أبي الهيجاء، وأقطعه سنقر الكبير، ثم استعاده منه، وأقطعه ميمون القصري سنة أربع وتسعين.
ومات العزيز في سنة خمس وتسعين، وجعل الأفضل أتابكاً لوالده الملك المنصور بمصر.
فلما ملك الملك العادل مصر مع ما كان بيده من البلاد أقطع دمشق والأردن وفلسطين لولده الملك المعظم شرف الدّين عيسى، واستمرت في يده إلى أن توفي الملك العادل في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة.
وبقيت البلاد في يده إلى أن قصدت الفرنج دمياط واستولوا عليها فاستنجده أخوه الملك الكامل صاحب مصر، فلما وصل إليه شكا ما الفرنج عليه من القوة، وسأله أن يعطيه القدس، وكوكب، والطور، ليعطيها للفرنج عوضاً عن دمياط، فأسرها في نفسه ووعده فيها بما طاب به قلبه.
ولما تضايق بالملك الكامل الأمر في حصار " دمياط " بعث أخاه الملك المعظم إلى أخيه الملك الأشرف يستنجده، وهو بحران، فأخرب القدس في طريقه وكوكب، حتى لا ينتفع بهما الفرنج، ولا يرغبون فيهما. وبقي في يده خرابا إلى أن توفي سنة أربع وعشرين وستمائة.
فخرج الملك الكامل إلى الشام في شوال سنة خمس وعشرين فولى في بلاد فلسطين، وكان الانبرطور قد وصل إلى عكا، والملك الكامل في بنابلس، فكتب إليه الإمبراطور أن يسلم القدس وجميع ما فتحه صلاح الدين ويلقاه. وتردّدت الرسل بينهما في ذلك، وكان للملك الكامل غرض في تملك دمشق، فجمع الأمراء واستشارهم فكلّ منهم أشار بالعود إلى " تل العجول " خلا الأمير سيف الدين ابن أبي زكري فانه قال: " أبق دمشق على ابن أخيك الملك الناصر، واطلبه، واطلب أخاك الملك الأشرف وعسكر حلب. ونقاتل هذا العدوّ فإما لنا وأمّا علينا، ولا يقال عن السلطان أنه أعطى الفرنج القدس ". فامتعض لذلك وقبض عليه وسيره إلى فحبسه فيها.
وعاد إلى " تل العجول " واستدعى الملك الأشرف من دمشق، وكان قد وصل إليها ليدفعه عنها، فلما غلب على الملك رغبته في تملك دمشق في تملك دمشق أذعن لتسليم القدس للإمبراطور، فتسلمه في حادي عشر شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين.
واستمر القدس في أيدي الفرنج إلى أن توفي الملك الكامل في سنة خمس وثلاثين بدمشق وملك الملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود ابن الملك العادل بعده، فقايض الملك الصالح نجم الدين أيوي ابن الملك الكامل عن دمشق بسنجار وغيرها، فوصل إلى دمشق، ثم خرج منها إلى نابلس في سنة سبع وثلاثين قاصداً مصر، وفيها أخوه الملك العادل، فاستولى على دمشق الملك الصالح عماد الدين إسماعيل. وقبض الملك الناصر على الملك الصالح بنابلس إسماعيل، وحبسه في الكرك، وجمع عسكرا عظيماً ونزل به على القدس، يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى من السنة، وكان الفرنج قد عمروا به برجاً يعرف " ببرج داوُد " وحصنوه، فنصب عليه المجانيق وضايقه إلى أن تسلمه يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة.
وملك بيت المقدس وولى فيه منْ قبله.
وكتب كتاباً بيده إلى الخليفة المستنصر من إنشائه نُسختهُ: أدام الله ظل الديوان العزيز النبوي ما دامت الأيام والسنون. وفتح بعزمه مستغلق الحصون. وأذاع ببركته سر النصْر المصُون. وأطلع البشائر بابه يانعةَ الثمار، ناضرة الغُصون. وقضى لأوليائه بنيل الُمنى، ولأَعدائه بنيل المُنون. العبدُ يُقبل العتبة الشريفة التي تسر بتقبيلها القلوب، وتقر بتقريبها العيون. وتودّ لو اكتحلتْ بإثمد تُرابها الجُفون. ويصف شوقه إلى الخدمة التي تحقق في نعمها الآمال وتصدق في كرمها الظنون. ومواظبته على الطاعة التي هو وأسلافه عليها يحيون. وعليها يموتون وعليها يُبْعثُون.
стр. 102
ويُنهي أنه طالع المقام الشريف بأمره الهدنة وانقضاء مُدتها. وانفساخ عُقدتها. وعند ذلك أخلى الفرنج - خذ لُهم الله - القدس الشريف من سكانه. وانتقل كل منهم عن وطنه إلى صيره منْ أوطانه. وأقام به كند من كُنُودهم. ومقدَّم من جُنودهم. وهو فارس مشهور من فرسانهم. وطاغية يُذكر من شُجعانهم. كان قد عمر قلعة القدس في مدّة الُهدنة وحصنها. وملأها بالعُدد والآلات وشحنها. ووصلها ببرج يقال له " برج داود " النبي ﵊ ابتناهُ لنفسه مسجداً. واتخذه لخلوته معبداً.
وهو برج عظيم المقدار والحجم. مُبار في المنعة الجبل وفي الرفعة النجم. ينقلبُ البصر عن نظره خاسئاً وهو حسير. ويتهم الراوي في خبره ولو أنه به خبير. قد بُني بالصفاح والعمد. وتأنَّّق بانوه في إحكامه فما طال عليهم الأمد.
وهو من أَسفله إلى ثلاثة قد صب فيه الحجر والكلسُ صبا. ورُدم بقوَّة بحيث لو حضره يأجوجُ ومأجوج ما استطاعوا أن يُظهروه ولا استطاعوا له نقبا. فكأن الله قد أَلانَ لدَاوُدَ الصًّخر كما أَلان له الحديد في بنيانِه. أَوْ كأنه استعان في اتقانه بجنّ سليمانه. واستغرى اللَّعين معه طائفة من شجعان الأبطال وأبطال الشجعان. ومن المشهورين بالشدة والبأس إذ التقى الجمعان. قدْ ركُبوا في الغيّ رُؤوسهم. ووطَّنوا على القتل نفوسهم. يتهافتوُن على نار الحرب تهافُت الفراش. وَيَردُن حيِاضَ المنُون ورود الإبل العطاش. لا يلتقون سهام القسيِّ إِلاَّ بنحورهم. ولا حجارة المنجنيق إِلاَّ بصدورهم. وبايعوه على الموت وحالفُوا. وطاوعوه على الضلال فما عصوا ولا خالفوا.
ثم عمدوا إلى القلعة والبُرج فستروهما بالستائر المخلدة. والخشب المسندة. والعمد الممدّدة. وأوقدوا للحرب نار الشيطان الموصدة. لا بل نار الله الموقدة. فزل العبدُ عليهم بطائفة من عسكره. وراوحهم وغاداهم بالمناوشة في أصائل الحصار وبكره. ورجا بالمطاولة أن يسلموها من غير إراقة دم. أو قتل موحدٍ يفتدي من المشركين بأمم.
فتجمعوا على الضلال وتألبوا. وحادوا عن طريق الرشاد وتنكبوا. وتوثبوا لنصر اصليب وتصلبوا.
فقاتل العبد صليبهم بصليب من الرأي لا يعجم عوده. وقابل جأشهم بجيش من المصابرة لا يفل جنوده. وجرد لهم جماعة من عبيد الديوان تُرسل إليهم البوائق من نبالها. وتشهر عليهم الصواعق من نصالها.
ونصب عليها المناجيق التي تزحم الحصون بمناكبها. وتحرق شياطينها برجوم حجارتها بدلاً من نجوم كواكبها، ومن شأنها أنها إذا قابلتْ بلدةً أذتْ بكظمها. وقضت برغمها. وأنزلتها على حكمها. فرمتهم بثالث الأثافي من جبالها. وسحرت أعينهم إلا أن الله ما أبطل سحر عصيها ولا سحرَ حبالها.
وأحد النقابون في الأسوار نقوباً سفرت نقابها. ورمى الزراقون في الستائر نيراناً هتكت حجابها.
وكان الملاعين قد طمحت إلى الممانعة عيونهم. وغلقت بالمصابرة زهونهم. وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم. فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا. وجزاهم بما كسبوا. ومكن أيدي المؤمنين من نواصيهم. وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب منْ صياصيهم.
وطلعت على الأسوار المنيفةُ، من الأعلام الشريفة، الرايةُ التي أعادت بسناها آية الليل لكن من آياته النهار إبصار. وأعظم من النيرين الشمس والقمر ضياء وأبداراً.
وأخذ العبد القلعة وتسلمها. وافترع ذروتها العُليا وتسنمها. وتبرجت له أبراجها المصونة وتجلت. ومُدتْ له أرضها فألقت ما فيها وتخلت.
ولجأت من الملاعين طائفة إلى " برج داود " ترجو حقن دمائها. وتقنع بسلامة ذمائها. وما علموا أنهم دخلوا منه سجْناً لا حصناً. ونزلوا به قبراً عجل لهم، وهم في قيد الحياة دفنا.
وسيروا رسولاً لهم الأمان على نفوسهم وأموالهم. والخروج بما يقدرون عليه من أسلحتهم وأثقالهم. فما سمع العبد لرسولهم كلاما. ولا شفا لغُلتهِ أو أما. ولا عرج على مخاطبته حتى يقول لجهالته سلاما. بل أمر الحجارين أن يحدوا في نقب جداره من جميع أقطاره. ويجتهدوا في قطع حدماره بقلع أحجاره. ويوقد على عدوّ الله ناراً تحرقه في الدنيا قبل أن يحرقه الله في الآخرة بناره.
فعادوا بعدَ ذلك سألوا الأمان على نفوسهم. والخروج بمجرد نفوسهم. فأجابهم العبد إلى هذه المسألة الهينة الممكنة. وخرجوا وقد ضُربت عليهْمْ الذلةُ والمسكنة.
стр. 103
وصارت إلى العبد القلعة إرثاً عن أبيه، والبرجُ إرثاً من سميه. وهطل عليهم سحاب بركة الديوان العزيز بوسميه ووليّه. واجتمع شمل المساجد الثلاثة بما منح الله من التأييد. فاغترق شمل تثليث الشرك باجتماع ثلاثة التوحيد. وعطف الله على حزب الإيمان بالنصر. وعاد على حزب الطغيان بالكسر.. وأضحى الباطلُ وقد عاوده ذله. ورد الله الحق إلى نصابه وإليه يرجع الأمر كلّه.
والعبد يظن أن الله تعالى ما أعاد هذا البيت إلى العدوّ بعد فتوحه. ولا نقله عن الهداة من أُمة محمد إلى الغواة من عبده مسيحة. إلاّ ليسطر فتحه في سيرة مولانا أمير المؤمنين، كما سطره في سيرة أمير المؤمنين جده. ويجري على يد العبد وذويه فيكون قد جرى على يد عبد الديوان ويد جُنده.
وكلما يجدد الله للعبد من قصر عزيز. وظفر وجيز. فهو بعناية إمامه الذي يستخرج له التوفيق من وعائه. ويُمد في القرب بجيوش عساكرِه وفي البعد بجيوش دُعائه.
وقد سير العبد عبد الديوان " سرخاب " رسوله ليتلوا " سورة الفتح " من حفظه. ويشرح صورة الأمر من لفظه. فإنه كان للفتوح حاضراً. ولقتال العدو مُباشراً.
والعبد متردد بين أن يجعل عين هذه القلعة بالهدم أثراً. وعيانها بالردم خبرا. ليخمد سرر شرها. ويؤمن غائلة أمرها. وينقطع رجاء الكافر من نزلها وحصرها وبين أن يبقيها معقلا لهذا البيت الشريف. وموئلاً للمجاورين فيه من طائفة الدين الحنيف.
وأما برج داود فقد تقدم عزم العبد على أن يغض من طرفه. ويجدع من أنفه. ويقلل من ارتفاعه. ويُسهل من امتناعه. ويجعله مسجدا للركوع والسجود. لا معقلا للجموع والحشود. ومعبداً يُلتزم بمزاره. لا حْصناً يعتصم بأَسْوَارِهِ.
وهو يسترشد في ذلك هدي الديوان العزيز الذي عليه معتمده. وإليه مرجعه فيما يصدروه ويورده. والله تعالى يجعل حزب الديوان وعبيده حزب الله الغالب. وحزب عدوه وعدو دينه حزب الشيطان الهارب ويقضي له ولمن اعتلق به ببلوغ المطالب والمآرب.
رجعنا ولم يزل القدس في يد الملك الناصر داود إلى أن اتفق مع الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق والملك المنصور إبراهيم صاحب حمص على مصالحة الفرنج ليعينوهم على قتال الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر وأعطوهم صفد والشقيف والقدس وغيرها، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وستمائة، فدخل الفرنج القدس، ورفعوا الصليب على الصخرة وأخرجوا من فيه من المجاورين إلى الخليل، واستمر في ايدي الفرنج، إلى ان جاءت الخوارزمية إلى الشام، في سنة إحدى وأربعين باتفاق مع الملك الصالح نجم الدين.
وهجموا القدس وقتلوا من فيه من الفرنج، وطهروا الصخرة من أوضارهم، وذلك في سنة اثنين وأربعين.
ثم خرج إليهم من مصر عسكر مقدمه الأمير ركن الدين بيبرس الكنجي فقاتلوا الملك الصالح والملك المنصور، والفرنج على غرة فكسروهم وتبعوهم. وولي في القدس من قبل الملك الصالح، وأقطع بلاده الخوارزميه.
وما برحوا في تلك البلاد يدينون بالعيث والفساد، إلى أن كسرهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب على القصب، من أعمال حمص، سنة أربع وأربعين وستمائة.
وبقيت منهم شرذمة رجعت إلى القدس، وتغلبوا عليه فخرج عليهم عسكر من مصر مقدمة فخر الدين بن الشيخ، فأتى على بقيتهم، واستعاد القدس، وبقي في يد نوابة إلى أن انزل الملك الناصر إليه من الكرك، واستولى عليه في بقية سنة أربع وأربعين.
ثم استعاد الملك الصالح سنة خمس وأربعين، ولم يزل في يده إلى أن مات، وولي بعده ولده الملك المعظم توران شاه، ثم قتل في المحرم سنة ثمان وأربعين.
وملك الملك الناصر حلب، دمشق والأردن وفلسطين، فلم يزل القدس في يده إلى أن صالح الملك المعز عز الدين أيبك صاحب مصر، فنزل له عنه، وذلك في سنة إحدى وخمسين.
وبقي في يده إلى قتل الفارس أقطاي التركي في شعبان سنة اثنين وخمسين، وخرج من مصر مماليك السلطان الملك الصالح البحرية إلى الملك الناصر يستنصرونه، فسير عسكراً إلى القدس فاستعاده.
ولم يزل في يده إلى أن خرج من دمشق فاراً من التتر في سنة ثمان وخمسين.
فلما استولى التتر على البلاد دخلوه وقتلوا به نويسا وبقي في أيديهم إلى أن كسرهم المظفر على " عين جالوت " ثم قتل.
стр. 104
وصارت البلاد لمولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس، فرتب له في كل سنة خمسة آلاف درهم برسم مصالح الحرم. وبني بخارج البلد خاناً للسبيل، ونقل إليه الباب الذي كان على دهليز القصر الذي يدخل منه إلى البيمارستان بالقاهرة.
وبنى فرناً وطاحوناً، ووقف عليه ثلاثة قراريط بالطرة من أعمال دمشق، وثلث وربع قرية المشارفة، ونصف قرية من أعمار القدس.
وشرط أن يصرف ذلك في خبز وفلوس، وإصلاح زرابيل من بيت في هذا الخان من المسافرين، وذلك في سنة اثنين وستين وستمائة.
مدينة الخليل ﵇
قال ابن حوقل النصيبي: " هي مدينة صغيرة كالقرية تعرف بمسجد إبراهيم. وفي مسجدها الذي يقام فيه الجمعة قبر إبراهيم واسحق ويعقوب ﵊ صفاً. وكل قبر منها تجاه قبر امرأته. والمدينة في وهدة بين جبال كثيفة الشجار من الزيتون والتين والجميز " وقرأت في كتاب أبى يعلى حمزة بن أسد التميمي الذي وضعه " ذليلاً لتاريخ دمشق " قال: " وفي هذه السنة - يعني سنة ثلاث عشرة وخمسمائة - ورد الخبر من بيت المقدس بظهر قبور الخليل وولديه إسحاق ويعقوب - عليهم الصلاة والسلام - هم مجتمعون في مغارة بأرض بيت المقدس، وكأنهم أحياء لم تبل أجسادهم، ولا رم لهم عظم ".
وحكى علي بن أبي بكر الهروي السائح: " حدثني جماعة من مشايخ الخليل: لما كان زمان بغدوين انخسف موضع في هذه المغارة، فدخل جماعة من الفرنج إليها بإذن الملك، فوجدوا فيها إبراهيم واسحق ويعقوب وقد بليت اكفانهم، وهم مسندون إلى حائط ورؤوسهم مكشوفة، فجدد الملك بغدوين أكفانهم، ثم سد الموضع، وذلك في سنة ثلاث عشر وخمسمائة ".
قلت: ولم يزل حكم هذه المدينة في الولايات حكم ما تقدمها من بلاد هذا الجند إلى ان أخذ الفرنج القدس في سنة اثنين وتسعين وأربعمائة فاستولوا عليها لأنها ضمناً وتبعاً للقدس.
ولم يزل في أيديهم إلى أن فتحها السلطان الملك الناصر صلاح الدين عند فتحه للقدس، في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. ولما ملكه بني القبة والجامع، ووقف عليه وقوفاً برسم الواردين عليه، وهي التي تسمى " ضيافة الخليل ".
ولم تزل في يد من يلي دمشق إلى ان مات الملك المعظم سنة أربع وعشرين وستمائة. وخرج الملك الكامل من مصر، وولى فيه. ولما فتح دمشق وسلمها للأشرف أعطى " الخليل " للملك الناصر ابن الملك المعظم، وبقي في يده إلى أن استدعى الملك الصالح الخوارزمي إلى الشام، وجرى المر فيه على ما جرى في نابلس في تنقلها بين الملك الناصر والملك الصالح إلى أن استبد به الملك الصالح في سنة ثلاث وأربعين.
وبقي في يده إلى أن توفي، وولي بعده ولده الملك المعظم توران شاه، ثم قتل، واستولى على البلاد الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب، لما ملك دمشق، وأعطاه الملك المغيث فيتح الدين عمر ابن الملك العادل سف الدين أبي بكر أبن الملك الكامل.
وما زال في يده إلى أن خرج عن طاعة الملك الناصر في سنة خمس وخمسين وستمائة فاسترجعه الملك الناصر ثم تغلب عليه الملك المغيث في سنة سبع، فاسترجعه الملك الناصر في بقية السنة، وصار في يده إلى يده إلى أن أقطعه الملك المغيث في رجب من سنة سبع وخمسين وستمائة.
ثم انقضت دولة الملك الناصر في سنة ثمان وخمسين، وصار في أيدي التتر مع ما صار إليهم من البلاد، فسلموه للملك المغيث صاحب الكرك، فلم يزل في يده إلا أن الملك مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين البلاد أخذه منه، وأقطعه لمملوكه الأمير عز الدين إ يدمر نائبه بالكرك.
وبقي في يده إلى أن ولاه دمشق، فاسترجعه منه، واقطعه علاء الدين ايدكين الدمياطي في سنة سبعين لما استخلفه في " الكرك " عنه.
نابلس
وهي مدينة السامرة، وبها البئر التي حفرها يعقوب النبي ﷺ وبها الجبلان المقدسان، وهما طور سينا، وطور تينا المقسم به في كتاب العزيز وهو قوله:) والتّين والزَّيْتون (. ويقال إن تحت المدينة مدينة أخرى منقورة في الحجر.
قال البلاذري: " ثمّ أن عمرو بن العاص فتح غزة في خلافه أبي بكر ﵁، ثم فتح بعد ذلك سبسطية ونابلس، إلى أن أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومنازلهم وعلى أن الجزية في رقابهم والخراج على أرضهم ".
стр. 105
طولها ست وستون درجة، طالعها برج الثور، صاحب بنائها الزهرة، لم تلزم في يد من يلي من المسلمين إلى أن استولى عليها الفرنج عند استيلائهم على القدس في سنة اثنين وتسعين وأربعمائة.
فلم تزل في أيديهم إلى أن فتحها الملك الناصر صلاح الدين بالمان على يد حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين بعد حصار شديد ومضايقة في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وأقطعها عند فتحها حسام الدين المذكور، وبقيت في يده إلى أن مات فأقطعت لعماد الدين أحمد ابن الأمير سيف الدين المشطوب.
وبقيت في يده إلى أن مات صلاح الدين في سنة تسع وثمانين، وولي ولده الفضل بعده، فخرج عنه جماعة من الأمراء الصلاحية مغاضبين، ولحقوا بالملك العزيز صلاح الدين صاحب مصر، فاقطع نابلس الأمير فارس الدين ميمون القصري وسنقر الكبير الدوادار.
وبقيت في أيديهما إلى سنة اثنين وتسعين، فأضيف ما كان بيد سنقر منها إلى فارس الدين ميمون القصري.
ولم تزل في يد ميمون إلى أن مات العزيز في سنة خمس وتسعين فاسترجعها الملك الفضل، وبقيت في يده إلى أن أخذ الملك العادل مصر وما كان بيده من البلاد الشامية - كما حكيناه قبل - وذلك في سنة ست وتسعين فاقطع ولده الملك المعظم الشام من النبك إلى العريش.
وما زالت في يده إلى أن توفي في ذي القعدة، فصارت نابلس إلى الملك الناصر فيما صار إليه من البلاد. وبقيت في يده إلى أن قصد الملك الكامل الشام في سنة خمس وعشرين. وولي على نابلس، ولم تزل في أيدي نوابه إلى أن أخذ دمشق في شعبان سنة ست وعشرين فأعادها إلى الملك الناصر فيما أعاد إليه من البلاد.
ولم تزل في يده إلى ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل دمشق من الملك الجواد بن مودود في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين. ثم خرج إلى نابلس فاستولى عليها، وقصد الملك الصالح إسماعيل دمشق فأخذها.
فلما بلغ ذلك الملك الصالح نجم الدين، خرج من نابلس يريد استرجاع دمشق، ثم أحس من عسكره نفاقاً، فرجع إلى نابلس، فقبض عليه الملك الناصر داود صاحب الكرك، وحبسه عنده، وولي في نابلس.
وبقي الملك الصالح محبوساً في الكرك إلى أن خرج في شهر رمضان من السنة، وملك مصر في ذي القعدة، ودخل معه إليها الملك الناصر معاضداً له، فخرج الملك الصالح إسماعيل من دمشق في بقية سنة سبع وثلاثين فاستولى على نابلس، وولى فيها.
ولم تزل في يد نوابه إلى أن خرج الملك الناصر من مصر إلى الكرك، فلما حل به راسل الملك الصالح في إعادة نابلس عليه، فأجابه بعد تمنع وتردد.
ولم تزل في يده إلى أن كانت بينه وبين الملك الصالح وحشة، فبعث إليها من أخذها وولي فيها، وذلك في سنة أربعين ثم حصلت بينهما مهادنة وموادعة فأعادها إليه.
ولم تزل في يده إلى أن وطئت الخوارزمية البلاد في سنة اثنين وأربعين، فاخرج الملك الصالح نجم الدين أيوب إليها من استولى عليها. وبقيت في يده إلى ان صالح الملك الناصر في سنة ثلاث وأربعين فأعادها عليه.
فلما ملك الملك الصالح دمشق في هذه السنة، خرجت الخوارزمية عن طاعته واستولوا على نابلس، ثم حصل بينهم وبين الملك الناصر اتفاق فأعدوها عليه.
وبقيت في يده إلى أن كسرت الخوارزمية في المحرم سنة أربع وأربعين، ثم تراجعوا واجتمعوا، وعادوا إلى القدس فملكوه، وملكوا نابلس، فخرج عليهم عسكر الملك الصالح من مصر فكسرهم وأجلاهم عن البلاد وعادت ونابلس إليه.
ولم تزل في يده إلى أن توفي على " المنصورة " من أعمال مصر في شعبان سنة سبع وأربعين وتسعمائة. وملك ولده الملك المعظم، ثم قتل في محرم سنة ثمان فصارت البلاد إلى الملك الناصر صلاح الدين صاحب حلب، فولى في نابلس في جماد الأولى من هذه السنة.
ولم تزل في يده إلى أن هزمه عسكر مصر المعز عز الدين أيبك التركي، وعاد إلى دمشق، فخرج من الكرك ركن الدين خاص ترك الكبير، ومعه عسكر فاستولى على نابلس للملك المغيث ابن الملك العادل ابن الملك الكامل صاحب الكرك.
ومازالت في يده إلى أن خرج الفارس أقطاعي بعسكر من مصر، فدفع عن نابلس عسكر الكرك، واستولى عليها فخرج عليه عسكر الملك الناصر فأزاله عنها، وولى فيها.
стр. 106
ولم تزل في يده إلى أن خرج عليها الملك المغيث في آخر سنة خمس وخمسين وستمائة، منابذاً لطاعة الملك الناصر، وولى فيها فخرج عليها عسكر الملك الناصر، فهزموه، وصعد إلى الكرك وولى فيها.
وبقيت في يد نوابه إلى ان انحازت البحرية والشهرزورية لصاحب الكرك وخرج بهم إلى نابلس، فاستولى عليها وولى عليها وذلك في سنة سبع وخمسين، فخرج عليهم الملك الناصر بعسكره فهزمهم عنها.
وبقيت في يده إلى أن استولت التتر على البلاد الشامية فخرج إليها الملك الظاهر أخو الملك الناصر من دمشق منابذاً طاعة أخيه فاستولى عليها، ثم خرج السلطان الملك الناصر من دمشق إلها ورتب فيها عسكراً، وقدم عليه مجير الدين ابن أبي زكري، فوصل عليها كشلو خان مقدم التتر فقتل ابن أبي زكري ونور الدين الأكتع وابن درباس وغيرهم من المراء الذين كانوا في العسكر، ثم أخذوها وبقيت في أيديهم إلى أن كسرهم الملك المظفر في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة. واسترجع منهم البلاد، ثم قتل ﵀ في بقية السنة.
وصارت البلاد إلى مولانا السلطان الملك الظاهر فولى فيه عشر نابلس نوابه فيه، إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.
قيسارية
وكانت مدينة على سيف البحر، حصينة، منيعة، لها ربض كبير.
البلاذري: " وولّى عمر بن الخطاب ﵁ يزيد بن أبي سفيان فلسطين مع ما ولاه من أجناد الشام. وكتب أليه يأمره بغزوة قيسارية، وقد كانت حُصرت قبل ذلك فنهض إليها في سبعة عشر ألفاً، فقاتله أهلها فمرض، وعاد إلى دمشق. واستخلف عليها أخاه معاوية " بن أبي سفيان ففتحها، وكتب إليه بفتحها، فكتب به يزيد إلى عمر. وللما توفي يزيد بن أبي سفيان كتب عمر إلى معاوية " بتوليته على ما كان يتولاه يزيد فشكر أبو سفيان ذلك لعمر. وقال: وصلتكم رحمٌ ".
فحاصرها معاوية حتى فتحها في شوال سنة تسع عشرة قسراً، وبعث بفتحها تميم بن زرقاء عريف خثعم إلى عمر ﵁ فقام عمر على المنبر ونادى في الناس ألا إن قسارية قد فتحت.
ولما فتحت وجد بها من المرتزقة سبعمائة ألف، ومن السامرة ثلاثون ألفاً ومن اليهود مائتا ألف ووجد فيها ثلاثمائة سوق قائمة كلها، وكان يحرسها في كل ليلة على سورها مائة ألف. وحوصرت سبع سنين إلا شهراً واحداً.
وقال أيضاً عمن حدثه: إن الروم خرجت في أيام ابن الزبير إلى قيسارية، فشعشها، وهدمت مسجدها الجامع، فلما استقام لعبد الملك " بن مروان " الأمر رمّ قيسارية، وبنى مسجدها وشحنها بالرجال.
ولم تزل يليها من جند فلسطين إلى أن أخذها الفرنج سنة أربع وتسعين وأربعمائة بالسيف، وقتلوا من فيها من الرجال.
ولم تزل بأيديهم إلى أن أخذها منهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على يد بدر الدين دلدرم الياروقي وعون الدين قليج في سنة ثلاث وثمانين. واستمرت في يده إلى أن خرجت عنه في البلاد التي وقعت عليها الهدنة فيما بينه وبين الفرنج في سنة ثمان وثمانين.
واستمرت في أيديهم إلى كسر عسكر ريد افرنس على دمياط في سنة سبع وأربعين وستمائة وأسر، ثم أطلق، فنزل الساحل، وعمر قيسارية وشيدها وحصنها.
ولم تزل في أيديهم إلى أن ملك مولانا الملك الظاهر البلاد، قصدها ونازلها، وحاصرها حتى فتحها فتحا عنوة سنة ثلاث وستين وستمائة، وخرّبها حتى لم يدع لها أثراً.
أرسوف
طولها سبع وستين درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وخمس دقائق.
ليس لها في الفتوح العُمري ذكر، ولا فيما وقفت عليه من الكتب المؤلفة في صدر الإسلام.
وأول ما أحاط به علمي من أمرها أن الفرنج تسلَّموها في سنة أربع وتسعين وأربعمائة بالأمان، ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
ولم تزل في يده إلى أن دخلت في البلاد التي وقعت الهدنة عليها بينه وبين الفرنج في سنة ثمان وثمانين.
ولم تزل بأيديهم إلى أن كُسر ريد افرنس على دمياط، وأسر في سنة سبع وأربعين وستمائة، ثم أطلق، في سنة ثمان ونزل الساحل فعمر قيسارسة - كما قلنا - وأرسوف، وحصنها، وشيدها.
стр. 107
وما زالت في يد الفرنج إلى أن قصدها مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبر، ونازلها في شهر رجب من سنة ثلاث وستين وستمائة، حتى ملكها عنوة في ثاني عشر الشهر، وأخرجها على يد جيوشه ملك الأمراء بدر الدين بيليك الخزندار، فإنه فيها بلاء عجبت السيوف من مضآئه، واعانته الأقدار على إمضائه.
يافا
وهي على ساحل البحر، كانت عامرة، عليها سور مُحكم البناء. ولها قلعة شاهقة في الهواء. وليس لها ذكر في الفتوح العمري.
والّذي اتصل بعلمي من أمرها أن فلسطين لما انتهت في الولايات إلى المستنصر العُبيدي صاحب مصر خرج عليه أتسز بن أوق التركي في سنة ثلاث وستين وأربعمائة وقصد يافا، فأخرج منها نوابه، وعاد إلى دمشق، فخرج إليه عسكر من مصر مقدَّمهُ نصرُ الدَّولة وولّي فيها.
ولم تزل في أيدي العُبيديين إلى أن ملك تاجُ الدولة الشام فملك فلسطين وولّى في بلاده نوابه، وذلك في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
ولم تزل في يده إلى أن قُتل في سنة ست وثمانين، فخرج الأفضل أمير الجيوش إلى الشام من مصر، فاستعاد يافا فيما استعاده من بلاد فلسطين، وولَّى فيها. وبقيت في أيدي نُوابهم إلى أن قصدها كندفري فتسلمها في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، فشيدها، وعمرها، وسلّمها إلى طنكريد صاحب إنطاكية.
ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها عنوة الملك الناصر صلاح الدين في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، على يد أخيه الملك العادل، وخربها، وبقيت خرابا إلى أن تقررت الهدنة بين الملك الناصر وبين الفرنج، وشرَطوا عليه إبقاءَها في أيديهم.
فلم تزل في أيديهم إلى أن خرج الملك العادل سيف الدين ابن أبي بكر أيوب من دمشق لما بلغه إغارة الفرنج على بلاد الساحل وذلك في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة فأغار على مرج عكا، وقصد يافا، ففتحها عنوة في شوال من السنة.
ولم تزل في يده إلى أن خرج الفرنج، وملكوا بيروت فخرج إليهم الملك العزيز من مصر، ووقعت الهدنة بينه وبينهم، وأعيدت يافا إليهم في سنة أربع وتسعين. فلم تزل في أيديهم إلى أن أطلق ريد افرانس من الأسر في سنة ثمان وأربعين وستمائة، وصار إلى الساحل فعمرها، وبنى قلعتها، وجدد أبنيتها.
وبقيت في أيديهم إلى أن قصدها السلطان الملك الظاهر، ونازلها في العشرين من جمادى الآخرة من سنة ست وستين وستمائة، فحضر عنده رسول من صاحبها بالإقامة على ما جرت به العادة، فقبض إليه، وسار إلى " يافا " ليلاً، وعسكره لابسٌ، فصبحهم بكرة فهرب من كان بالمدينة إلى القلعة، وهي على رابية عالية حصينة، فلم تغن عنهم شيئاً، وفتحها بعد يومين من نزوله عليها بالأمان، وخربها، وهي الآن خراب يباب
عسقلان
طولها خمس وستون درجة. وعرضها إحدى وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. طالعها الأسد صاحب ساعة بنائها المشتري.
قال البلاذري: " وكتب عُمر إلى معاوية يأمره بتتبع ما بقي من فلسطين، ففتح عسقلان صلحاً بعد كد. ويقال إن عمرو بن العاص كان قد فتحها، ثم نقض أهلها وأمدهم الرُّوم، ففتحها معاوية وأسكنها الروابط، ووكّل بها الحفظة ".
وقال أيضاً عمن حدثه من أهل عسقلان: إن الروم أخربتها وأجلت أهلها عنها في أيام ابن الزّبير فلمّا ولي عبد الملك بن مروان بناها وحصنها.
ولم تزل في يد من يلي فلسطين - إلى ما حكيناه - منذ فتحت إلى أن صارت في أيدي المصريين، فلما كانت أيام الآمر بأحكام الله كان بها من قبله والياً بشمس الخلافة، فراسل بغدوين ملك الفرنج، وهادنه وأهدى إليه وامتنع به من حكم المصريّين عليه.
فوصلت إلى الآمر الأخبار بذلك، فبعث عسكراً وقدّم عليه قائداً، وأوعز إليه أن يمر بعسقلان، ويظهر أنه يريد الغزاة، وكتب معه كتابا إلى " شمس الخلافة " يأمره فيه بالنهوض معه، وأوصى القائد بالقبض عليه إذا خرج إليه. فلما قارب عسقلان استدعاه فامتنع من الحضور وجاهر العصيان، وأخرج منْ كان معه من الجند المرتبين معه خوفاً منهم.
فلما بلغ الآمر ذلك خاف على عسقلان أن يأخذها الفرنج فأرسل إلى شمس الخلافة، وطيب قلبه، وأقطعه بلاداً بمصر حتى انقاد له، ثم إنه خاف ممن معه فيها، فأحضر جماعة من الأرمن، واتخذهم جنداً، فأنكروا عليه فعله، ووثبوا عليه فقتلوه، ونهبوا داره، وكتبوا إلى الآمر بذلك فبعث عليهم والياً، وذلك في أخر سنة أربع وخمسمائة.
стр. 108
واستمرت في أيدي أصحاب مصر إلى أن تغلب الفرنج على بلاد الساحل، فكانت آخر ما تغلبوا عليه. وسبب تأخرها أنها ليس لها ميناء يُرسي فيها المراكب، ولم تؤخذ حتى تكررت منازلة الفرنج لها مراراً عديدة.
وأول من نزل عليها كندفري، ثم أخوه بغدوين، ثم الونس، ثم فلك بن فلك، وقطعوا أشجارها وكرومها، ورتبوا في الحصون المجاورة لها خيلا، تغاديها وتراوحها الغارات، وعمروا بالقرب منها في سنة أربع وأربعين وخمسمائة غزة ، وسكنوها ومدَّوها بالرجال والفرسان.
فلما بلغ أهلها الجهد كتبوا إلى الملك العادل أبي الحسن علي بن السلاّر، يستنجدونه، فبعث أسامة بن مرشد بن منقذ الكناني إلى الملك نور الدين محمود إلى الشام يلتمس منه أن ينزل على طبرية، ليشغل الفرنج عن التعرض بعسقلان، وبعث معه عسكراً، وأعطاه مالاً، وأمره أنه متى لم يجد من نور الدين عوناً أن يديون بالمال من قدر عليه.
فسار ابن منقذ الملك العادل فوجده محاصراً دمشق، وهو في شُغل بها عن الالتفات إلى غيرها، فاعتذر عليه، ومكنه من التديون، فدون في ثمانية أيام ثمانمائة وستين فارساً، وسار بهم إلى عسقلان، وأقام يحارب الفرنج أربعة أشهر لا ينقضي يوم منها بلا إغارة ثم أستدعي إلى مصر، فرحل عنها، وأقام الحصار عليها حتى مات فلك بن فلك، وملك بعده ولده الأكبر بغدوين فجدّ في حصارها، وعمل عليها برج خشب، وقاتلها حتى ملكها بالأمان في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة وكان بها والٍ يسمى تميماً فلما خرج منها حمل معه رأس الحسين ﵇ إلى القاهرة.
ولم تزل في أيديهم إلى أن نازلها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ونصب عليها المجانيق، وقاتلها قتالا شديدا حتى تسلمها يوم السبت سلخ جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وأخربها، ولم تزل في يده إلى أن تغلب الفرنج.
وبقيت في أيديهم إلى أن تقررت الهدنة بينهم وبين الملك الناصر، وشرط عليهم عودها إليه وتخريبها، فأخربها في شعبان سنة ثمان وثمانين، وكان عليها سور محكم البناء، بحيث أنه كان عرضه في موضع تسعة أذرع، وفي موضعٍ عشرة.
ولم تزال خراباً إلى أن ملكها الملك الصالح دمشق وأعطى الفرنج بلاداً كانت فيها وذلك سنة ثمان وثلاثين فعمروها.
ولم تزل في أيديهم إلى أن قصدها عسكر الملك الصالح نجم الدين ومقدمه معين الدين بن الشيخ فحاصرها حتى أخذها عنوة، وهدمها في مستهل جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وستمائة.
وبقيت في يده إلى أن توفي الملك المعظم ولده، فيما ملك بعده، إلى أن قتل، وملكها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد صاحب فيما ملكه من دمشق والسواحل.
ثم خرجت عنه في صلح الملك المعز في سنة إحدى وخمسين وستمائة، ثم عادت إليه في سنة اثنتين وخمسين ثم خرجت عنه إلى التتار عند استيلائهم على البلاد، ثم عادت إلى الملك المظفر سيف الدين قطز صاحب الديار المصرية في شهر رمضان، من سنة ثمان وخمسين وستمائة.
ثم ملكها السلطان الملك الظاهر فيما ملك في أواخر السنة المذكورة، ثم خرج إليها في سنة تسع وستين، وأخرب ما كان باقيا من قلعتها، وهي بيده إلى الآن.
غزة
وتُعرف بغزة هاشم، وهو هاشم بن عبد مناف، أبو عبد المطلب، لأنه كان كثير التردد إليها، وبها قبره.
وهي نشز مرتفع على البحر، وقد تقدّم لنا فتحها، وعمارة الفرنج لها.
طولها أربع وستون درجة وخمسون دقيقة، وعرضها إحدى وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. طالعها الثور، صاحب ساعة بنائها المشتري.
ولما فتحت عسقلان، فُتحت بغير قتال في تاريخها، ولم تزل في يد صلاح الدين، ثم من بعده في يد العزيز، وفي أيامه أغارت الفرنج عليها، وعلى الداروم، فأمر بخراب قلعة الداروم.
ولم تزل غزة في يده، ثم في يد الأفضل أخيه، ثم في يد عمه الملك العادل، ثم في يد ولده الملك المعظم، ثم صارت في يد الملك الكامل، إلى أن مات، فتغلب عليها الملك الناصر ابن الملك المعظم، وولّى فيها.
وما زالت في يده إلى أن كانت بينه وبين الملك الجواد حرب استظهر عليه فيها الملك الجواد، فاستولى على غزة، وولَّى فيها من قبله.
ثم خرج عسكر الفرنج فاستولوا على غزة فأخرج إليهم الملك العادل سيف أبو بكر ابن الملك الكامل صاحب مصر عسكراً فدفعهم عنها وكسرهم وأعادها للملك الناصر.
стр. 109
وبقيت في يده إلى أن ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل، فولّى فيها من قبله، واستمرت في يده إلى أن مات فصارت إلى ولده الملك المعظم إلى أن قُتل.
وملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد صاحب حلب دمشق، واستولى عليها فيما استولى عليه من بلاد الشام، وما زالت بيده إلى أن نزل عنها مع القدس للملك المعزّ عز الدين أيبك التركي صاحب مصر.
وبقيت في يده إلى أن خرجت البحرية من مصر عند قتل الفارس آقطاي التركي، فاسترجعها الملك الناصر وأقطعها لجماعة منهم.
وما زالت في يد الملك الناصر صلاح الدين إلى أن صارت البحرية إلى الملك المغيث صاحب الكرك، صارت دُولاً بين الملك المغيث وبين الملك الناصر إلى أن استبد بها الملك الناصر في سنة سبع وخمسين وستمائة.
وبقيت في يده إلى أن خرج أخوه الملك الظاهر من دمشق منابذاً، واستولى عليها لما استولى على نابلس.
ثم انقرضت دولة الملك الناصر في هذه السنة عند استيلاء التتر على البلاد، فلم يدر بعد فيها ديار، إلى أن كسر الملك المظفر سيف الدين قطز المعزي التركي صاحب مصر التتر، على " عين جالوت "، واسترجع البلاد، فتراجع إليها أهلها وعمرت.
وهي في عصرنا - الذي وضعناه فيه هذا الكتاب - فيها نواب مولانا السلطان الظاهر ركن الدُّنيا والدّين بيبرس الصالحي - خلد الله ملكه وجعل الأرض بأسرها ملكه -.
الباب السادس في
ذكر ما بمجموع هذه الأجناد الثلاثة من المزارات
ما يختص بلاد جند دمشق
منها: في بعلبك على باب البلد من الشمال، قبر مالك بن الأشتر النخعي والصحيح أنه بالمدينة.
وبها: قبر حفصة زوج النبي ﷺ ، والصحيح أنها أم حفص أخت مُعاذ بن جبل فإن حفصة ماتت بالمدينة.
وبها: دير الياس النبي ﵊، ويقال إنه كان محبوسا به.
وبقلعتها: مشهد إبراهيم الخليل ﵊.
وبها: الوادي، والصخر الهائل، وقيل إنه الذي أنزل فيه:) وثمودَ الَّذين جَابُوا الصَّخْرَ بالوَاد (والصحيح أن الوادي هو وادي القرى، وقوم ثمود كانوا به.
وبها قبر أسباط.
ومن أعمالها قرية يقال لها الكرك: بها قبر نوح ﵊ وقيل فيه غير ذلك، ونحن نذكره عند ذكرنا القدس.
وتحت الكرك أيضاً قبر جبلة بنت نوح، بقرية يقال لها عرجوس وقبر شيث بن نوح. وقيل قبر شيث بجبل أبي قبيس، والصحيح أن الذي بجبل أبي فبيس هو قبر شيث بن آدم.
وبالبقاع: قبر شيبان الراعي، وله حكاية.
ومما بنواحي حوران
منها: قرن الحارة: قرية بها مولد إدريس ﵊.
دير أيوب: قريةٌ كان بها أيوب ﵊ وبها ابتلاه الله ... وبها العينُ التي ركضها برجله، والصخرة التي كان يجلس عليها، وبها قبره.
نَوَى: قرية بها قبرٌ سام بن نوح عليهما الصلاة والسلام.
المحّجة: قرية بها شهداء من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وبها حجر ذُكر أن النبي ﷺ جلس عليه. والصحيح أنه صلوات الله عليه ما تعدّى " بُصرى ". وذكروا أن بجامعها سبعين نبياً.
بُسْر: قرية بها قبر اليسع.
نجران: فرية بها أصحاب الأخدود.
بُصرى: بلدة بها مسجد النبي صلى الله عليه وسل، صلَّى بذلك الموضع. وشرقيها: قريةٌ تعرفُ ب " ديبين "، بها قدم رسول الله ﷺ ، في صخرة سوداء على ما ذكروا. والله أعلم.
وقبلي بُصرى: دير، يُقال له دير الباعقي، كان به بحيرا الراهب، وبه اجتمع برسول الله ﷺ .
صرخد: بلدة بها مشهد، ذكروا أن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام كانا به لما خرجا من التية، وبه قدم هارون، والله أعلم.
وُتْر: قرية بها مسجد، ذكروا أن الزبير بن العوَّام ﵁ بناه.
إمْنان: قرية بها مسجدٌ، ذكروا أن موسى بن عمران ﵊، سكن في موضعه. وبه موضعُ عَصَاه في الصخْر. والله أعلم.
جبلُ بني هلال
تحته قُرى مذكورة في التوراة يقال لها " البثنية " منها: قرية تعرف بالمالكية بها قدح وخشب، ذكروا أنه كان لرسول الله ﷺ .
الحُميمَة: قريةٌ بها قبر محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس ﵃.
стр. 110
غوْر نَابُلسُ: به قرية لها عَمَتَّا بها قبر أبي عبيدة ابن الجراح وقد زرناه بطبرية.
أريحا: بها قبر ذكروا أنه قبر موسى بن عمران ﵇ والله أعلم. وورد أن أريحا مدينة الجبارين.
السَّوَاد: بلد به قرية، يقال لها المُهَيْد، ذكروا أن إبراهيم ﵊ وُلد بها. وقد ذكرنا مولده فيما تقدم.
البلقاء: بلد به الكهف والرقيم، وعنده مدينة يقال لها عَمَّان بها آثار قديمة.
قال الهروي: وقد زرنا الكهف والرقيم ببلاد الروم عند مدينة يقال لها أّبسس، خربة، بها آثار عجيبة، قريبة من مدينة أبلستين. وقيل هي مدينة دقيانوس. " وبالمغرب موضع يقال له جنان الورد في بر الأندلس به الكهف والرقيم، وبه قوم موتى لا يبالون. كما ذكر أهل الموضع. وذكروا أن طليطلة هي مدينة دقيانوس " والصحيح الذي ببلاد الروم.
مآب: به قرية يقال لها سيحان، بها قبر ينزل عليه النور ويراه الناس، وهو على جبل، والنَّاس يزعمون أنه موسى بن عمران ﵊.
صَرَفة: قرية بها قبر، يزعمون أنه قبر يوشع بن النون وقد تقدم قول آخر فيه وهو الصحيح.
الطُّور - ومؤتة
قُرى بها قبر جعفر بن أبي طالب الطيار، وقبر زيد ابن حارث، وعبد الله بن رواحة، والحارث بن النعمان، وعبد الله بن سهيل، وسعد بن عامر بن النعمان القيسي، وأبي دُجانه الأنصاري واسمه سماك.
وباللجّون: مقام إبراهيم ﵇.
ولاوي: قرية بها قبر لاوي بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام.
ظهر الحمار: قرية بها قبر بنيامين أخي يوسف الصديق ﵉.
مدينة نابلس:
ظاهرها مسجد، ذكروا أن آدم ﵊ سجد في ذلك الموضع. وبها الجبل الذي يعتقد اليهود أن إسحاق ﵊، فدي عليه وهذا الجبل تعتقد فيه اليهود، وهو مذكور عندهم في التوراة واسمه كريزِم. والسِّامرةتصلي إليه. وبها عين تحت كهف يعتقدون فيها، ويزورونها.
بُلاطة: قرية من أعمال نابلس، بها عين الخضْر، وحقل يوسف الصديق، وقبر يوسف عند الشجرة. وهو الصحيح.
وعورتا: قبر يوشع بن النون ومفضل ابن عمّ هارون، ويقال بها سبعون نبياً.
سَيْلُون: قريةٌ كان يعقوب ﵊ ساكناً بها، وإن يوسف ﵊، خرج منها مع إخوته، والجبّ الذي رُمي فيه بين سنْجيل ونابلس، عن يمين الطريق.
ما في بلاد جُند الأردن من المزارات
مدينة طبرية
ممن شرقي بحيرتها: قبر سليمان بن داود عليهما الصلاة والسَّلام. والصحيح أن سليمان دُفن إلى جانب أبيه في بيت لحم. وهما في المغارة التي بها مولد عيسى ﵊ ومن شرقيها أيضاً: قبر لقمان الحكيم، وابنه على ما قيل.
وبطبرية: قبر أبي عبُيدة بن الجراح وزوجته، على ما قيل. وقيل بالغور. وقيل ببيسان.
وفي لحف جبل طبرية: قبر أبي هريرة على ما قيل. وقيل قبرهُ بالبقيع. وقيل: بالعقيق.
وبطبرية: عينُ ماء تُنسب إلى عيسى ﵊ وكنيسة الشجرة، ولهذا الموضع حكاية عجيبة ذكرت في الإنجيل لعيسى ﵊ مع الصباغ.
وبظاهر طبرية: مشهدٌ به قبر سُكينة بنت الحسن ﵇، فيما قال. وبها قبر يقال إنه قبر عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب ﵇.
دير فاخور: موضع تعمد فيه المسيح، من يوحنَّا المعمداني على الأردن على ما ذكروا.
ومن أعمال طبرية: قرية يقال لها أرْبَد: بها قبر أم موسى بن عمران ﵊، عن يمينه الطريق، وبها أربعة من أولاد يعقوب عليهم الصلاة والسلام، وهم: دَان، وأيساخار، وزبولون، وكاد وفي الطريق إلى بانياس: قصر يعقوب، وبيت الأحزان وجبّ يوسف ﵊. والصحيح أن جبّ يوسف في طريق القدس، عند بلد يقال لها سنجيل.
حطين: ويقال حُطيْم قرية بها قبر شعيب وقبر زوجته، على ما قيل.
الشجرة: قرية بها قبرُ صديق بن صالح، وقبر دحية الكلبي، في مغارة على ما قيل.
كفر كنه: قرية بها مقام يونس، وقبر ابنه، والله اعلم.
رُومة: من أعمال طبرية، بها قبر يهوذا بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام على ما زعم.
следующие страницы →