← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7591

التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام

عبد المجيد بن سالم المشعبي

Полный текст (321 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الاعتراض أن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ... ﴾ تفصيل لما ذكر من أن الله أراه ملكوت السموات والأرض، وهذا خطأ من وجوه: الوجه الأول: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ... ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ... ﴾ ، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾ جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه، مقررة لما سبق ولحق١، فكونه بلغ مرتبة الموقنين يقضي باستحالة أن يعتقد ألوهية هذه الأصنام والكواكب التي يعبدها قومه٢، وإما أن تكون معطوفة على قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ ... ﴾ كما سبق بيانه في أول الردود. ثانياً: أن معنى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ ... ﴾ يختلف عن المعنى الذي ذهبوا إليه في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ... ﴾ وذلك لأن الله هو الذي أرى إبراهيم في الآية الأولى، أما المعنى الذي ذهبوا إليه في الآية الثانية أن إبراهيم هو الذي استدل حتى توصل إلى الخالق. ثالثاً: لو سلمنا جدلاً أن الآية الثانية: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ... ﴾ تفسير للآية التي قبلها ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ ... ﴾ فما مناسبة ذكر الأرض في الآية الأولى، إذ أن الكواكب والقمر والشمس من السماء، وليس منها شيء في الأرض. رابعاً: أن اليقين ليس بمعنى الاستدلال على الله، ولا يكون الاستدلال مترتباً على اليقين، لأن اليقين هو العلم وزوال الشك٣، فمن

стр. 72

حصل له العلم بربه لا يحتاج إلى الاستدلال ليتوصل إلى معرفة ربه، بل يناظر المخالفين، ويقيم عليهم الحجة، فيكون هذا دليلاً على مذهبهم، لا له. وبهذا يتبين أن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ... ﴾ لا تصلح أن تكون تفسيراً للآية التي قبلها. أما اعتراضه العاشر، وهو (أن الله عطف على هذه القصة قصة أخرى معناها أن إبراهيم تحاج مع قومه) : فالجواب عنه: إن هذه قصة واحدة، وليست قصتين، والمعنى أن إبراهيم بعد أن قرر عقيدة التوحيد، وأن الله هو المستحق للعبادة وحده جادله قومه فيما ذهب إليه بشبه من القول، فكان جوابه عليهم: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ ، أي: تجادلونني في أمر الله، وأنه لا إله إلا هو وقد بصرني وهداني إلى الحق١. وهذا معنى مستقيم لا إشكال فيه. فمن هذا يتضح أن إبراهيم كان مناظراً لقومه، مستدلاً عليهم، مبيناً فساد اعتقادهم في ألوهية الكواكب وإشراكها مع الله في العبادة، وقد أغنت الردود عن سرد الأدلة، واختلف القائلون بهذا القول في توجيه قول إبراهيم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ على أقوال، منها: الأول: أن إبراهيم ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم بالقول بربوبية الكواكب مع أن قلبه كان مطمئناً بالإيمان، ومقصودة من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده، وأن يقبلوا منه٢. قلت: هذا التوجيه لا يصح لما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله

стр. 73

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات١ ثنتين منهن في ذات الله ، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ . قال: بينا هو ذات يوم وسارة إذا أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فسأله عنها: فقال: من هذه؟ قال: أختي ... "٢. ففي هذا الحديث حصر لكذبات إبراهيم ﵇، وإشارة إلى أنها أعظم ما صدر منه عليه السلام٣، ولم يجعل من ضمنها قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ٤، فدل ذلك على أن هذا القول لم يصدر من خليل الرحمن كذباً. ثم إن إبراهيم ﵇ قد اشتهر عنه ذكر آلهتهم بسوء، كما أخبر الله عن ذلك بقوله: ﴿سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ، وعلى هذا فلا فائدة في التورية هنا. الثاني: أن قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم، وهذا الإضمار معروف في العربية، قال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾ ٥، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ ٦، أي: في زعمكم واعتقادكم٧.

стр. 74

الثالث: أن المراد الاستفهام على سبيل الإنكار، والمعنى: أهذا ربي؟ وهذا أسلوب معروف في العربية، كقول الله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ١، أي: أفهم الخالدون؟ ٢ قلت: كلا التقديرين الأخيرين تطمئن إليه النفس –والله أعلم-، ويكون المعنى: أن إبراهيم كان مستدلاً على قومه، مناظراً لهم، يريد بمناظرته هذه إبطال عبادة هذه الكواكب بإقامة الحجة الواضحة، التي لا يشكل على الخصم فهمها، وبالأسلوب الحكيم الذي تتقبله النفوس وتلين معه، فبين لهم أن الكواكب لا تصلح أن تكون آلهة، فقال لهم: هذا ربي في زعمكم واعتقادكم؟ أو قال لهم بصيغة الاستفهام الإنكاري: أهذا ربي؟ فأجابوه نعم، فلما أفل بين أن هذا الآفل لا يستحق أن يكون إلهاً معبوداً بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ، فلما بزغ القمر سألهم السؤال نفسه، وأجابوه بالإجابة نفسها، فلما أفل بين تعريضاً أن الالتجاء يجب أن يكون لله، وأنهم على ضلالة في عبادتهم للكواكب، فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ ، فلما بزغت الشمس سألهم السؤال نفسه، وأجابوه الإجابة نفسها، فلما أفلت بين تصريحاً أنهم على ضلالة، وأنهم مشركون بعبادتهم هذه الكواكب، وتبرأ منهم ومن شركهم، ووجههم الوجهة الصحيحة بإخلاص العبادة لله الذي خلق السموات والأرض، ثم حاجوه فيما ذهب إليه. هذا ما ترجح عندي جمعاً بين الأدلة، والله أعلم بالصواب.

стр. 75

المطلب الثاني: لم يكن خليل الرحمن منجماً في قول الله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ إن اعتقد ابن الوزير والبيهقي وغيرهما أن إبراهيم تعلق بالكواكب قبل مبعثه فظن أنها ربه كما أسلفت في المطلب الأول، فهؤلاء أتو بما هو أشنع، إذ أنهم اعتقدوا أن إبراهيم ﵇ كان متعلقاً بالكواكب والنجوم بعد مبعثه، مثبتاً أحكاماً وتأثيراً لها، مستدلين بقوله تعالى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ١. فقد ذهب جماعة من الرافضة إلى أن إبراهيم كان عالماً بأحكام النجوم، وأنه كان مستعملاً له٢، ونسبوا هذا القول زوراً وبهتاناً إلى جعفر الصادق٣ ﵀ تفسيراً باطنياً لقوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ، زعموا أنه قال: (حسب –أي: إبراهيم ﵇ فرأى ما يحل بالحسين، فقال: "إني سقيم لما يحل بالحسين"٤. وقد حكى الفخر الرازي نسبة أحكام النجوم إلى إبراهيم ﵇ عن بعض العلماء٥، وهذا القول لا يصح من عدة وجوه:

стр. 76

الوجه الأول: أن ما ذكر عن إبراهيم الخليل ﵇ من أنه تمسك بعلم النجوم حين قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ هو كذب وافتراء على خليل الرحمن ﵇، فإنه ليس في الآية أكثر من أنه نظر نظرة في النجوم، ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ، فمن ظن من هذا أن علم أحكام النجوم من علم الأنبياء، وأنهم كانوا يراعونه فقد كذب على الأنبياء، ونسبهم إلى ما لا يليق، وهو من جنس من نسبهم إلى الكهانة والسحر، وزعم أن تلقيهم الغيب من جنس تلقي غيرهم١. الوجه الثاني: أن الرسل بعثت بمحق الشرك من الأرض ومحق أهله، وقطع أسبابه، ولا شك أن ما وقع فيه قوم إبراهيم من الشرك، فكيف يظن بإبراهيم ﵇ أنه كان يتعاطى علم النجوم، ويأخذ منه أحكام الحوادث٢؟ وهذا بلا ريب من أعظم الأسباب المفضية إلى الشرك. واختلف القائلون بتنزيه الخليل ﵇ عن التنجيم في توجيه الآية: فذهب ابن قيم الجوزية وغيره إلى النظرة التي نظرها إبراهيم ﵇ في النجوم كانت من معاريض الأفعال، كما كان قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ، وقوله عن سارة: "هذه أختي" من معاريض المقال ليتوصل بها إلى غرضه من كسر الأصنام، فلهذا نظر الخليل ﵇ في النجوم نظر تورية وتعريض محض ينفي به عنه تهمة قومه، ويتوصل إلى كيد أصنامهم٣. وذهب قتادة إلى أنه نظر إلى السماء متفكراً فيما يلهيهم به، فقال:

стр. 77

والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم١. قلت الظاهر أن قول قتادة أصوب –والله أعلم- لما يأتي: ١- أن الفعل "نظر" يختلف معناه بحسب ما يتعدى به، فإن تعدى بنفسه فمعناه الانتظار، وإن تعدى بـ"إلى" فمعناه النظر بالأبصار، وإن تعدى بـ"في" فمعناه التفكر والاعتبار٢، ويدل لهذا المعنى الأخير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾ ٣، لذا كان معنى نظر هنا: تفكر ليدبر حجة٤. ٢- إن الرسول ﷺ حدد كذبات إبراهيم ﵇ إنها ثلاث كذبات في قوله: "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات ... " ٥، وكلها من المعاريض، وإن اعتبرنا أن هذه من المعاريض أيضاً عدت كذبة رابعة، وهذا مخالف للحصر الوارد في الحديث. ٣- إن هذا الفعل –وإن صدر على سبيل التعريض- فيه نوع محاباة وتأييد لعبادة النجوم، والمعروف من حال إبراهيم ﵇ خلاف هذا، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ٦، ولو علموا أنه وافقهم في مذهبهم لفرحوا بذلك كثيراً، وحاجوا إبراهيم ﵇ به إذا أنكر عليهم٧.

стр. 78

المطلب الثالث: لم يكن خليل الرحمن يعتقد أن للفلك تدبيراً في هذا الكون: ادعى الرازي أن قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١ دالّ على أن إبراهيم ﵇ كان يعتقد أن للاتصالات والحركات الفلكية تدبيراً في هذا الكون، لما احتج بالإحياء والإماتة من الله، قال المنكر: تدعي الإحياء والإماتة من الله ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية، أو تدعي صدور الإحياء والإماتة من الله تعالى بواسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية، أما الأول فلا سبيل إليه، وأما الثاني فلا يدل على المقصود، لأن الواحد منا يقدر على الإحياء والإماتة بواسطة سائر الأسباب، فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية، وتناول السم قد يفضي إلى الموت. فلما ذكر نمرود٢ هذا السؤال على هذا الوجه أجاب إبراهيم ﵇ بأن قال: هب أن الإحياء والإماتة حصلا من الله بواسطة

стр. 79

الاتصالات الفلكية، إلا أنه لابد لتلك الاتصالات والحركات الفلكية من فاعل مدبر، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو الله تعالى، كان الإحياء والإماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكية أيضاً من الله تعالى، وأما الإحياء والإماتة الصادران عن البشر بواسطة الأسباب الفلكية والعنصرية فليست كذلك، لأن لا قدرة للبشر على الاتصالات الفلكية، فظهر الفرق. وإذا عرفت هذا، فقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ ليس دليلاً آخر، بل تمام الدليل الأول، ومعناه: أنه وإن كان الإحياء والإماتة من الله بواسطة حركات الأفلاك، إلا أن حركات الأفلاك من الله، فكان الإحياء والإماتة أيضاً من الله، وأما البشر فإنه وإن صدر منهم الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السماوية والأرضية، إلا أن تلك الأسباب ليست واقعة بقدرته، فثبت أن الإحياء والإماتة الصادرين من البشر ليست على ذلك الوجه، وأنه لا يصلح نقضاً عليه، فهذا الذي أعتقده في كيفية جريان هذه المناظرة) ١. وأورد عدة إشكالات –نصرة لمذهبه- على القول بأن النمرود قال: أن أحيي وأميت، آتي بالرجلين فأحيي أحدهما، وأقتل الآخر، فقال إبراهيم: إن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. وهذه الإشكالات هي: الإشكال الأول: أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة، ووقعت تلك الشبهة في الأسماع وجب على المحق القادر على الجواب أن يذكر الجواب في الحال، إزالة لذلك التلبيس والجهل عن العقول، فلما طعن الملك

стр. 80

الكافر في الدليل الأول بتلك الشبهة، كان الاشتغال بإزالة تلك الشبهة واجباً مضيقاً، فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب؟ ١ الإشكال الثاني: أنه لما أورد المبطل ذلك السؤال، فإذا ترك المحق الكلام الأول، وانتقل إلى كلام آخر أوهم أن كلامه الأول كان ضعيفاً ساقطاً، وأنه ما كان عالماً بضعفه، وأن ذلك المبطل علم وجه ضعفه وكونه ساقطاً، وأنه كان عالماً بضعفه فنبه عليه، وهذا ربما يوجب سقوط وقع الرسول وحقارة شأنه، وأنه غير جائز٢. الإشكال الثالث: وهو أنه وإن كان يحسن الانتقال من دليل إلى دليل، أو من مثال إلى مثال، لكن يجب أن يكون المتنقل إليه أوضح وأقرب، وهاهنا ليس الأمر كذلك، لأن جنس الإحياء لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريك الأجسام فللخلق قدرة عليه، ولا يبعد في العقل وجود ملك عظيم في الجثة أعظم من السماوات، وأنه هو الذي يكون محركاً للسماوات، وعلى هذا التقدير يكون الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس على وجود الصانع، فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح الأظهر إلى الدليل الخفي الذي لا يكون في نفس الأمر قويًّا؟ ٣ الإشكال الرابع: أن دلالة الإحياء والإماتة على وجود الصانع أقوى من دلالة طلوع الشمس عليه، وذلك لأنا نرى في ذات الإنسان وصفاته تبدلات واختلافات، والتبدل قوي الدلالة على الحاجة إلى المؤثر القادر،

стр. 81

أما الشمس فلا نرى في ذاتها تبدلاً، ولا في صفاتها تبدلاً، ولا في منهج حركاتها تبدلاً البتة، فكانت دلالة الإحياء والإماتة على الصانع أقوى، فكان العدول منه إلى طلوع الشمس انتقالاً من الأقوى الأجلى إلى الأخفى الأضعف، وأنه لا يجوز١. الإشكال الخامس: أن نمرود لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله تعالى بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن من عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول: طلوع الشمس من المشرق مني، فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب؟ وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك، فقالوا: إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن تطلع الشمس من المغرب، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسها بكثير من التزام إطلاع الشمس من المغرب إلا أن يكون الدليل على وجود الصانع هو طلوع الشمس من المغرب، ولا يكون طلوع الشمس من المشرق دليلاً على وجود الصانع، وحينئذ يصير دليله الثاني ضائعاً كما صار دليله الأول ضائعاً٢. وفي الرد على ما ذهب إليه الرازي سأسلك مسلكين: إجمالي وتفصيلي. - المسلك الأول: الرد الإجمالي: والرد فيه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: لو كان معنى قول إبراهيم كما ذكر الرازي لم يكن خليل الرحمن عدوًّا لعباد الكواكب والأصنام الذين ألقوه في النار، وهو ﵇ أعظم الناس براءة منهم٣.

стр. 82

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ١، وقال تعالى:﴾ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ... ﴾ ٢. الوجه الثاني: أن الرسل ﵈ إنما بعثوا ليمحقوا الشرك وأسبابه وأهله٣ –كما أسلفت الكلام عن هذا في المطلب السابق- وهم معصومون من الوقوع في الشرك باتفاق الأمة، فكيف نجوز أن يجعل إبراهيم أبو الأنبياء لله شريكاً في تدبير أمور المخلوقات؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم، بل إن إبراهيم أعلم بالله وبوحدانيته وصفاته من أن يصدر منه مثل هذا٤. الوجه الثالث: أن ذلك التقرير الذي قرره الرازي في المناظرة بينه وبين الملك المعطل مما لم يخطر بقلب إبراهيم، ولا بقلب المشرك، ولا يدل اللفظ على البتة، فكيف يسوغ أن يقال إنها هي المرادة من كلام الله تعالى؟ فيكذب على الله وعلى خليله وعلى المشرك المعطل، بل لم يسبق الرازي إلى هذا التقرير أحد٥، والذي فسر السلف به هذه الآية هو: ألم تر يا محمد إلى الذي حاج إبراهيم في ربه؟ حين قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت، يعني بذلك ربي الذي بيده الحياة والموت يحيي من يشاء، ويميت

стр. 83

من أراد بعد الإحياء، قال: أنا أفعل ذلك فأحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله فلا أقتله، فيكون ذلك مني إحياء له، وأقتل الآخر فيكون ذلك مني إماتة له. قال إبراهيم له: فإن الله هو الذي يأتي بالشمس من مشرقها، فإن كنت صادقاً أنك إله فأت بها من مغربها، قال الله : ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ يعني: انقطع وبطلت حجته١. وكلام عامة المفسرين يدور حول هذا المعنى٢. - المسلك الثاني: الرد التفصيلي: ويكون الرد فيه كما يلي: أما الشبهة الأولى، وهي: (أن الخليل يجب عليه إزالة الشبهة الأولى التي ألقاها الملك، ولا يليق تركها) فالرد عليها من وجهين: الوجه الأول: أن الشبهة إذا كانت في غاية البطلان بحيث لا يخفى حالها على أحد لا يمتنع الإعراض عنها إلى ما هو بعيد عن التمويه دفعاً للشغب، وتحصيلاً لما هو المقصود من غير كثير تعب، وأي تلبيس يحصل من هذه الشبهة للعقول حتى يكون الاشتغال بإزالتها واجباً مضيقاً فيخل تركه بالمعصوم٣؟ والناس كلهم يعلمون أن جواب الملك جواب أحمق٤ اعتمد فيه على الإشراك بالعبارة فقط لا حقيقة المعنى٥.

стр. 84

الوجه الثاني: أن تقرير أن إبراهيم دحض شبهة الكافر، ولكن لم يذكر في السياق أولى من توجيه الرازي الفاسد الذي يخل بالمعنى، وبقدر خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام١. والشبه الثانية هي: (أن الانتقال إلى كلام آخر يوهم أن كلامه الأول كان ضعيفاً، وما كان الخليل عالماً بضعفه، ولكن نبهه المبطل على ذلك، وهذا يوجب حقارة شأن الخليل) والرد عليها أن ما ذكره الملك من الجواب معلوم ما فيه من الضعف والفساد، فكيف ينسب الضعف إلى استدلال إبراهيم ﵇؟ ثم إن إبراهيم ﵇ لما رأى قصور فهم الملك وتلبيسه وتمويهه على العامة عارضه بمثال أوضح من المثال السابق لا يستطيع معه التلبيس، ويصل إلى فهم كل غبي٢، فألجم فم الكافر الحجر، لذلك حكى الله عنه بقوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ والشبهة الثالثة هي: (يجب عند الانتقال من دليل إلى دليل أو مثال إلى مثال أن يكون المتنقل إليه أوضح وأقرب، وهنا ليس كذلك، إذا لا يبعد في العقل وجود ملك عظيم في الجثة يكون محركاً للسموات، فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح الأظهر إلى الدليل الخفي) ، والرد عليها من وجهين: الوجه الأول: أن كلتا الطريقتين قويتان، ولكن الطريقة الأولى سلك

стр. 85

فيها الملك مسلك التمويه والتدليس، أما الطريقة الثانية فلا يستطيع سلوك هذا المسلك فيه١. الوجه الثاني: أن السياق واقع في مدح طريقة إبراهيم في مناظرته للخصوم، وأنها طريقة قوية لا يعتريها نقص ولا خلل، والذي بدلنا على أنها طريقة قوية أن الكافر بهت، فلم يستطيع حولاً ولا طولاً، كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ، فما الداعي إلى التشكيك في طريقة الخليل ﵇؟ أما الشبهة الرابعة وهي: (أن دلالة الإحياء والإماتة على وجود الصانع أقوى من دلالة طلوع الشمس عليه، لأن التبدلات في ذات الإنسان وصفاته أقوى من الدلالة على الحاجة إلى المؤثر القادر على طلوع الشمس، إذ تنتفي عنها التبدلات والاختلافات، فكان العدول إلى طلوع الشمس عدولاً من الأقوى الأجلي إلى الأخفى الأضعف) فالرد عليها من وجهين: الوجه الأول: أن لفظ الآية لا يدل على ما يقوله الرازي، إذ أن استدلال إبراهيم على انفراد الله بالألوهية كان بمجرد الإحياء والإماتة، لا بصفات الإنسان، ولا بالتبدلات الحاصلة فيه، فلذلك لا يستقيم اعتراضه٢. الوجه الثاني: لا نسلم أن الشمس لا يرى في ذاتها وصفاتها تبدلاً، عند الشروق تختلف وتتبدل عما تكون عليه عند الزوال، وتختلف وتتبدل عما تكون عليه عند الغروب، فظهر نقض شبهته من أصلها.

стр. 86

أما الشبهة الخامسة وهي: (أن الملك لا يؤمن أن يقول: طلوع الشمس من المشرق مني، وعند ذلك يلزم إبراهيم بأن تطلع الشمس من المغرب ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام إطلاع الشمس من المغرب) فالرد عليها من وجهين: الوجه الأول: أنه لو كان للملك سبيل في إيراد هذا القول لقاله، ولو كان له سبيل في التمويه فيه لسلك ذلك، كما فعل في الإحياء والإماتة، ولكن لما لم يكن له سبيل في ذلك لقطع إبراهيم ﵇ طريق التمويه عليه انقطع وبهت١. الوجه الثاني: أن ادعاء ذلك يظهر كذبه، إذ من در على أن يأتي بالشمس من المشرق قدر على الإتيان بها من المغرب، فلو ادعى ذلك لسهل عليه الإتيان بالشمس من مغربها عند مطالبة إبراهيم له بذلك، ولكن علم عجزه عن ذلك فبهت٢. ومن هذا يتضح أن نسبة هذا الأمر إلى إبراهيم ﵇ لا تصح بحال.

стр. 87

الفصل الثاني: تنزيه الأنبياء أن يكونوا منجمين الفصل الثاني: تنزيه الأنبياء أن يكونوا منجمين ... الفصل الثاني: تنزيه الأنبياء أن يكونوا منجمين إن هؤلاء المنجمين لم يعرفوا الأنبياء، ولا آمنوا بهم، وإنما هم عندهم بمنزلة أصحاب الرياضيات الذين خصوا بقوة الإدراك، وزكاة النفوس، وزكاة الأخلاق، ونصبوا أنفسهم لإصلاح الناس، وضبط أمورهم، ولا ريب أن هؤلاء أبعد الخلق عن الأنبياء وأتباعهم ومعرفتهم، ومعرفة مرسلهم، وما أرسلهم به، وهؤلاء في شأن والرسل في شأن آخر، بل هم ضدهم في علومهم وأعمالهم وهديهم وإرادتهم وطرائقهم وفي شأنهم كله، وكذلك نجد أتباع هؤلاء ضد أتباع الرسل في جميع أمورهم. وما التنجيم والطلسمات والسحر إلا من صانع المشركين وأعمالهم. وما بعث الرسل إلا بالإنكار على هؤلاء ومحقهم ومحق علومهم وأعمالهم من الأرض١. ثم يأتي من هذا حاله ليؤيد الفاسد وعقيدته الشركية بقصص وحكايات ينسبها إلى أنبياء الله تعالى وصفوته من خلقه فيجعلهم من جملة من أرسلوا إليهم لنبذ عقائدهم فقد جعل هؤلاء علم أحكام النجوم المزعوم من علوم الأنبياء مستدلين٢ بما أورده الخطيب البغدادي٣ رحمه الله تعالى

стр. 88

عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قيل له: هل لعلم النجوم أصل؟ قال: نعم. كان نبي الأنبياء يقال له يوشع بن نون قال له قومه: أنا لا نؤمن لك حتى تعلمنا بدء الخلق وآجاله. فأوحى الله تعالى إلى غمامة فأمطرتهم واستنقع على الجبل ماء صاف، ثم أوحى الله تعالى إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجري في ذلك الماء، ثم أوحى إلى يوشع بن نون أن يرتقي هو وقومه على الجبل، فارتقوا الجبل، فقاموا على الماء حتى عرفوا بدء الخلق وآجاله بمجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار، فكان أحدهم يعلم متى يموت، ومتى يمرض، ومن ذا الذي يولد له، ومن ذا الذي لا يولد له. قال: فبقوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن داود ﵊ قاتلهم على الكفر، فأخرجوا إلى داود في القتال من لم يحضر أجله، ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فكان يقتل من أصحاب داود ولا يقتل من هؤلاء أحد، فقال داود: يا رب أقاتل على طاعتك، ويقاتل هؤلاء على معصيتك، فيقتل أصحابي، ولا يقتل من هؤلاء أحد. فأوحى الله إليه أني كنت علمتهم بدء الخلق وآجاله، وإنما أخرجوا إليك من لم يحضر أجله، ومن حصر أجله خلفوه في بيوتهم، فمن ثم يقتل من أصحابك ولا يقتل منهم أحد، قال داود: يا رب على ماذا علمتهم؟ قال: مجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار. قال: فدعا الله فحبست الشمس، فزاد في النهار. فاختلطت الزيادة بالليل فلم يعرفوا قدر الزيادة، فاختلط عليهم حسابهم. قال علي: فمن ثم ذكره النظر في النجوم) ١.

стр. 89

والاستدلال بهذه الرواية باطل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنها باطلة لأن إسنادها ضعيف جداً١، إذ أن فيع غير واحد مجهول٢، بالإضافة إلى ما تحويه من الكفر والشرك. الوجه الثاني: أن المعتمد أن الشمس لم تحبس على أحد إلا على يوشع بن نون عليه السلام٣ لما روى الإمام أحمد ﵀ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشمس لم تحبس على بشر إلا يوشع ليالي سار إلى بيت المقدس" ٤. الوجه الثالث: إن ما ذكره من علم القوم بأوقات آجالهم وغير ذلك من غالب أحوالهم غير مقبول٥ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٦. وأخبار الله لا تبدل ولا تنسخ على مر العصور. واستدلوا أيضاً بما روي عن ميمون بن مهران٧ ﵀ أنه قال:

стр. 90

(إياكم والتكذيب بالنجوم فإنه علم من علم النبوة) ١. وبما روي أيضاً عنه أنه قال: (ثلاث ارفضوهن: لا تنازعوا أهل القدر ولا تذكروا أصحاب نبيكم إلا بخير، وإياكم والتكذيب بالنجوم فإنه من علم النبوة) ٢. وهذا استدلال باطل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن نسبة مثل هذا إلى نبي من الأنبياء المتقدمين لا يثبت إلا بخير من الله تعالى أو بحديث صحيح، وبغير هذا لا يثبت٣. الوجه الثاني: أن الناظر في حال ميمون بن مهران يعلم عدم صحة نسبة هذا القول إليه، فقد أثر عنه الزهد والورع وبغض الكذابين والمحتالين، والعداء للمنجمين والتحذير منهم، ولو كان هذا العلم مأثوراً عن الأنبياء، والنبي ﷺ يحض على تعليمه لكان من أوائل من يعض عليه بالنواجذ، ولكننا نجد من سيرته انه على العكس من ذلك، فقد كان يحذر الناس من اقتفاء أثر هؤلاء بقوله: "لا تجالسوا أهل القدر ولا تسبوا أصحاب النبي ﷺ ، ولا تعلموا النجوم"٤. وبقوله: (أربع لا يكلم فيهن: علي وعثمان والقدر والنجوم) ٥، فكيف يكون من هذا حاله وقوله مشجعاً للعمل بأحكام النجوم؟

стр. 91

الوجه الثالث: على فرض ثبوت هذا القول يحمل على أنه أراد علم التسيير، إذ قد يكون ما عرف من هذا العلم مأثوراً عن أحد الأنبياء، إذ لا مانع من ذلك، ويحمل قوله الآخر على التنكير والتحذير من علم أحكام النجوم. وجعل هؤلاء أول المنجمين آدم ﵇ تارة وإدريس ﵇ تارة أخرى، فما نسب إلى آدم ﵇ ما ذكره علي بن طاووس: (أن الله ﵎ أهبط آدم من الجنة وعرفه علم كل شيء فكان مما عرفه النجوم والطب) ١، وذكر الرازي: (أن أول من أعطي هذا العلم آدم، وذلك أنه عاش حتى أدرك من ذريته أربعين ألفاً، وتفرقوا عنه في الأرض وكان يغتم لخفاء خبرهم عليه فأكرمه الله تعالى بهذا العلم وكان إذا أراد أن يعرف حال أحدهم حسب له بهذا الحساب، فيقف على حالته) ٢، وبيان بطلان هذا القول واضح لمن عنده أدنى علم بأحوال الأنبياء وما يجوز في حقهم وما يمتنع، وأبين هذا من أربعة أوجه: الوجه الأول: أن هذا من بهت المنجمين وافترائهم على آدم وقد عملوا بالمثل السائر: إذا كذبت فأبعد شاهدك٣، إذ أن من نسب إلى آدم ﵇ علم أحكام النجوم المزعوم ليس عنده إلا مجرد القول الخالي من الدليل، والكذب على الأنبياء، ومثل هذه الأخبار لا تثبت إلا بنص من القرآن والسنة، وهم مجردون من ذلك٤.

стр. 92

الوجه الثاني: أن أئمتكم يعترفون أن آدم وأولاده برآء من ذلك، إذ أنهم ينسبون هذا العلم إلى إدريس ﵇، ويزعمون أنه أول من علم هذا العلم، وكان ذلك بعد آدم بزمن طويل، هذا لو ثبت عن إدريس، فكيف وهو كذب عليه١؟ الوجه الثالث: أن الأنبياء معصومون من الكفر بالإجماع٢، وادعاء علم الغيب كفر، لأنه ادعاء شيء استأثر الله به، والتنجيم من هذا القبيل، لذلك فنسبة الأنبياء إلى التنجيم كنسبتهم إلى الكفر. الوجه الرابع: أن الله نزه الأنبياء أن يكونوا سحرة، وذم من يصفهم بهذا الوصف، وكذبهم قال تعالى ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ ٣، والأدلة كثيرة في هذا المعنى. والتنجيم شعبة من السحر كما قال النبي ﷺ : "ما اقتبس رجل علماً من النجوم إلا اقتبس بها شعبة من السحر ما زاد زاد" ٤، فنسبة الأنبياء إلى علم النجوم كنسبتهم إلى السحر، وقد نزههم٥ الله عن ذلك. وقد نسب التنجيم أيضاً إلى إدريس ﵇، وزعموا أنه أول من علم وعلّم أحكام النجوم.

стр. 93

فمن ذلك ما أورده إخوان الصفا في رسائلهم قالوا: (ويحكى عن هرمس المثلث بالحكمة، وهو إدريس النبي ﷺ أنه صعد إلى فلك زحل، ودار معه ثلاثين سنة، حتى شاهد جميع أحوال الفلك، ثم نزل إلى الأرض فخير الناس بعلم النجوم، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ ١) ٢. وما ذكره علي بن موسى بن طاووس عن إدريس: (أنه أول من خط بالقلم، وأول من حسب حساب النجوم) ، ثم قال: (هذا لفظه فيما حكي من التوراة) ٣، وذكر أيضاً: (وكان إدريس أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النجوم والحساب) ٤. وبيان بطلان هذه الادعاءات من خمسة أوجه: الوجه الأول: أنه قول بلا علم، فإن مثل هذا لا يعلم إلا بالنقل الصحيح، ولا سبي للقائل إلى ذلك٥. الوجه الثاني: أن هؤلاء يزعمون أن هذا العلم مأخوذ من إدريس ﵇، بينما نجدهم في كتبهم يصرحون أنهم عرفوه بالتجربة والقياس، فمن ذلك قول ابن أبي الشكر٦: (وذلك مما جربه الحكماء المتقدمون،

стр. 94

والفضلاء المتأخرون) ١. بل والرازي نفسه ذكر هذا عند عرضه للأدلة فقال: (وليست الكواكب موكلة بالفساد والصلاح، ولكن فيها دليل بعض الحوادث عرف ذلك بالتجربة) ٢، بل وبعض كبرائهم يصرح أن صناعتهم قائمة على الخرص والتخمين كقول إمامهم أبي نصر الفارابي٣: (إنك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت مكان السعد نحساً، ومكان النحس سعداً، أو مكان الحار بارداً، ومكان البارد حاراً، أو مكان الذكر مؤنثاً، ومكان المؤنث ذكراً، وحكمت لكان حكمك من جنس أحكامهم تصيب تارة وتخطيء تارة وتخطيء أخرى) . وما كان بهذه المثابة من الكذب والتخمين ينزهون عنه معلميهم كبقراط٤ وأفلاطون٥ وغيرهم من الفلاسفة، الذين يوجد في كلامهم

стр. 95

من الكذب والباطل ما لا يوجد في كلام اليهود ولا النصارى، فإن كانوا ينزهون هؤلاء عنه، فكيف يجوز نسبة ذلك إلى نبي كريم١؟ وبذلك يظهر تناقض أقوالهم مما يدل دلالة واضحة على كذبهم٢. الوجه الثالث: إن كان بعض هذا العلم مأخوذاً من نبي –كما تزعمون-، فمن المعلوم قطعاً أن فيه من الكذب والباطل أضعاف ما هو مأخوذ عن ذلك النبي، ومعلوم قطعاً أن الكذب والباطل الذي في ذلك أضعاف الكذب والباطل الذي عند اليهود والنصارى فيما يخبرون به عن الأنبياء، مع أن أصل دين اليهود والنصارى مأخوذ عن المرسلين قطعاً، ومع ذلك فقد حرفوا وبدلوا كذبهم وكتموا، وعهدهم أقرب إلينا عهداً من إدريس، ونقلة دينهم أعظم من نقلة علم أحكام النجوم، وأبعد عن تعمد الكذب والكفر بالله من هؤلاء، فما ظنك بما نقل عن إدريس٣؟ الوجه الرابع: أن هذا العلم متضمن للسحر والتقرب إلى الكواكب فما كان من هذه الأحكام من جنس السحر فمن الممتنع أن يكون نبي من الأنبياء ساحراً، وهم يذكرون أنواعاً من السحر، ويقولون: هذا يصلح لعمل الشرائع والسنن، ومنها ما هو دعاء للكواكب، وعبادة لها، وغير ذلك من أنواع الشرك التي يعلم كل من آمن بالله ورسوله بالاضطرار أن نبياًّ من الأنبياء محال أن يأمر بشيء من ذلك ولا علمه، وإضافة ذلك إلى نبي من الأنبياء كإضافة من أضاف السحر إلى سليمان ﵇ لما سخّر

стр. 96

الله له الجن، فرد الله هذا القول بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ١. الوجه الخامس: من المعلوم من حال هذه الأمة ما نسب إلى جعفر الصادق ﵀ من جنس هذه الأمور مما يعلمه كل عالم بحال جعفر أنه مكذوب عليه، وافترى عليه الرافضة افتراءات كثيرة، لا يشك أحد في كذبها عليه، كما أنهم افتروا على عليّ بن أبي طالب ﵁ وكذبوا عليه، حتى إن بعض الشيعة نسبة إلى الألوهية، وأضاف كثير من طوائف الباطنية مذهبها إليه، فهذه الافتراءات على عليّ بن أبي طالب ﵁ وأهل بيته في الزمن القريب، فكيف الظن بما ينسب إلى إدريس ﵇ مع تباعد الزمان، وتنوع الحدثان، واختلاف الملل والأديان٢. وما اقتصر أذى هؤلاء على الأنبياء السابقين، بل تسابقوا ليؤذوا رسول الله ﷺ بأكاذيبهم وأباطيلهم فادعوا أالنبي ﷺ من المنجمين، وأنه كان يحض على تعلمه، بل ويعلمه أصحابه، واستدلوا بأمرين: الأمر الأول: قال ابن طاووس في معرض استدلاله على جواز التنجيم: (إن الروايات الواردة في صفات النبي ﷺ يفيد كثير منها أنه لم يكن كاهناً ولا ساحراً، وما وجدنا إلى الآن فيها وما كان عالماً بالنجوم، فلو كان المنجم كالكاهن والساحر ما كان يبعد أن تتضمنه بعض الروايات في ذكر الصفات) ٣.

стр. 97

الأمر الثاني: الأحاديث الواردة في تعظيم الكواكب، والتشاؤم من بعضها مما يدل على أن رسول الله ﷺ مؤيد لعلم النجوم، من ذلك١: ١- ما روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا" ٢. ٢- من الناس من يروي أنه ﷺ قال: "لا تسافروا والقمر في العقرب" ٣.

стр. 98

٣- ما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال الشمس والقمر واستدبارهما١. ٤- أنه لما مات ولده إبراهيم انكسفت الشمس، ثم إن الناس قالوا: إنما انكسفت لموت إبراهيم. فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" ٢. ٥- حديث أبي ذر رضي الله عنه٣ قال: "لقد توفي رسول الله ﷺ وتركنا ولا طائر يطير بجناحيه إلا وقد ذكر لنا منه علماً"٤. وبيان بطلان استدلالهم نذكره فيما يلي: فأما الأمر الأول وهو استدلال ابن طاووس فهو استدلال باطل

стр. 99

لا يصح، وذلك أن انتفاء السحر عن النبي ﷺ في بعض الروايات كما ذكر دال على انتفاء التنجيم عنه، وذلك لأن علم أحكام النجوم شعبة من شعب السحر كما قال النبي ﷺ : "ما اقتبس رجل علماً من النجوم إلا اقتبس بها شعبة من السحر زاد ما زاد" ١. وانتفاء السحر عن النبي ﷺ يدل على انتفاء أجزائه وشعبه، كما أن التنجيم داخل في الكهانة أيضاً وهو فرع عنه، وانتفاء الكهانة عن النبي ﷺ ينفي أن يكون منجماً. أما الأمر الثاني: وهو استدلالهم بحديث ابن مسعود المتقدم فهو مردود أيضاً لأن معنى الحديث أمسكوا عن الخوض في علم النجوم والعمل به وتصديق قائله٢، وعلى هذا لا دلالة لهم فيه، بل هذا الحديث حجة عليهم لا لهم، إذ لو كان علم أحكام النجوم حقًّا لا باطلاً لم ينه عنه النبي ﷺ ، ولا أمر بالإمساك عنه، فإنه لا ينهى عن الكلام في الحق بل يدل الحديث على أن الخائض في هذا العلم خائض فيما لا علم له به، فأين ما يدل على صحة علم أحكام النجوم في هذا الحديث٣؟ واستدلالهم بنا روي عن النبي ﷺ من النهي عن السفر والقمر في العقرب باطل أيضاً، إن أن هذا المروي كذب مختلق باتفاق أهل الحديث٤.

стр. 100

واستدلالهم بأن النبي ﷺ نهى عند قضاء الحاجة من استقبال الشمس والقمر واستدبارهما يرد عليه من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن النبي ﷺ لم ينقل عنه ذلك في كلمة واحدة، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل ولا منقطع، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع يتعلق به ذنب أو أجر، وكأن هؤلاء –والله أعلم- لما رأوا بعض الفقهاء قالوا في كتبهم في آداب التخلي: (ولا تستقبل الشمس والقمر) ظن أنهم إنما قالوا ذلك لنهي النبي ﷺ عنه فاحتجوا به١. الوجه الثاني: ما لهذا ولأحكام النجوم، فإن كان هذا دالاًّ على دعواهم من تأثير الكواكب في العالم السفلي فدلالة النهي عن استقبال القبلة على هذا التأثير أول وأقوى، مما يقتضي أن يكون عدم استقبال القبلة له تأثير في العالم السفلي٢. الوجه الثالث: أن في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ المتفق عليه دلالة على جواز استقبال الشمس والقمر وردًّا على قول هؤلاء وهو قول النبي ﷺ : "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره شرقوا أو غربوا" ٣. فالحديث صريح فيه جواز استقبال القمرين واستدبارهما إذ لا بد أن يكونا في الشرق أو الغرب غالباً٤.

стр. 101

واستدلالهم بأن النبي ﷺ قال يوم موت ولده إبراهيم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ... " يرد عليه أن هذا الحديث صحيح، وهو من أعظم الحجج على بطلان قولهم، فإنه ﷺ أخبر أنهما آيتان من آيات الله، وآيات الله لا يحصيها إلا الله كالمطر والنبات والحيوان والليل والنهار ... ، وآيات الله دالة عليه فهما آيتان لا ربان، ولا إلهان، وليس لهما تصرف في ذواتهما البتة فضلاً عن إعطائهما كل ما في العالم من خير وشر وصلاح وفساد١. وإن كانوا يستدلون بكونها آية من آيات الله لها تأثير في العالم وجب أن يجعلوا كل آية من آيات الله لها تأثيراً في العالم، فإن منعوا هذا بطل استدلالهم. ثم إن النبي ﷺ نفى أن يكون للكواكب تأثير في هذا العالم بقوله: "لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"، فأين هذا المعنى من دعواهم أن النبي ﷺ مؤيد لهذا العلم. واستدلالهم بحديث أبي ذر يرد عليه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن هذا الحديث من أعظم الأدلة على بطلان قولهم وتكذيبهم فيما يدعونه من علم أحكام النجوم، فإنه ﷺ ذكر لهم كل شيء حتى الخراءة، وذلك فيما رواه مسلم ﵀ عن سلمان الفارسي ﵁ قال: "قيل له: نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم"٢، وقد ذكر لهم من علم كل طائر، وكل حيوان، وكل ما في العالم، ولم يكر لهم من علم أحكام النجوم شيئاً البتة، وهو

стр. 102

صلى الله عليه وسلم أجل من هذا وأعظم، قد صانه الله تعالى عن ذلك، وإنما الذي ذكر لهم هذه الأحكام المشركون عباد الأصنام والكواكب. أفلا يستحيي رجل أن يذكر رسول الله ﷺ في هذا المقام١؟ الوجه الثاني: أن النبي ﷺ ذكر لأمته من تكذيبهم وكفرهم والبراءة منهم والإخبار بأنهم وما يعبدون من دون الله حصب جهنم٢. الوجه الثالث: هل كان رسول الله ﷺ ، أو أحد من أهل بيته، أو أحد من صحابته مثبتاً لأحكام النجوم، عاملاً بها في حركاته وسكناته وأسفاره كما هو المعروف عن المشركين وأتباعهم حتى يكون هذا العلم مأثوراً عنهم. من هذا تبين أن نسبة علم أحكام النجوم إلى الأنبياء، والقول بأنه من علوم النبوة كذب وهراء، لا يجوز لأحد أن يعتقده، إذ أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا لمحق الشرك وقطع أسبابه، واعتقاد أن هذه الكواكب مدبرة لهذا العالم، أو لها تصريفاً في العالم السفلي، أو أنها علامات على الحوادث السفلية من الشرك الذي بعث الأنبياء لمحقه.

стр. 103

الفصل الثالث: التنجيم عند العرب في الجاهلية الفصل الثالث: التنجيم عند العرب في الجاهلية ... الفصل الثالث: التنجيم عند العرب (في الجاهلية) كان العرب في الجاهلية يعرفون التنجيم، ويعتقد كثير منهم تأثير النجوم في أحوال العالم السفلي، وكانوا يعدونه نوعاً من أنواع الكهانة. فالكهانة عندهم على أنواع شتى وهي: إما أن يكون لأحدهم رئيًا١ من الجن وتابعاً يلقي إليه الأخبار بما يسترقه من السمع من السماء، أو بما يطلع عليه مما يغيب عن الناس غالباً، وإما أن يستند على الظن والتخمين، فيزعم أنه يعرف الأمور الخافية بمقدمات وأسباب تسبق الحوادث، وهو العرَّاف، وإما أن يستند على ظنون كاذبة وأوهام لا حقيقة لها، ويزعم أنه عرفها بالتجربة والعادة وهو المنجم٢. ومما يؤيد اعتبار العرب التنجيم من الكهانة جواب قس بن ساعدة٣ عندما سأله ملك الروم: خبرني هل نظرت في النجوم؟ قال: ما نظرت فيها إلا بما أردت به الهداية، ولم أنظر فيما أردت به الكهانة، ثم قلت في النجوم: علم النجوم على العقول وبال وطلاب شيء لا ينال ضلال

стр. 104

ماذا طلابك علم شيء أغلقت من دونه الأفلاك ليس ينال هيهات ما أحد بغامض قدره يدري كم الأرزاق والآجال إلا الذي فوق السماء مكانه فلوجهه الإكرام والإجلال وكان يسود بين العرب نسبة النحوس والسعود إلى الكواكب١. وخصوصاً في أشعارهم. فمن ذلك قول عبيد بن الأبرص الأسدي٢: ولتأتين بعدي قرون جمة ترعى محارم أيكة ولدوداً فالشمس طالعة، وليل كاسف والنجم يجري أنحسًا وسعودًا٣ وقول خفاف بن ندبة السلمي٤: كأن كوكب نحس في معرسه أو فارسيًّا عليه سحق سربال٥ وقول الحارث بن حلزة اليشكري٦: لا يرتجي للمال، يهلكه سعد النجوم إليه كالنحس٧

стр. 105

وقال آخر: والكوكب النحس يسقي الأرض أحياناً١ أما نسبة المطر إلى الأنواء والنجوم فهو منتشر بينهم بصورة كبيرة، إذ أنهم ينسبون المطر إلى النجم الطالع، وقيل إلى الساقط٢، ولم يكن أهل الجاهلية يعتقدون أن المنشأ للمطر والخالق له هذا الكواكب، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٣، والذي يدل على نسبتهم المطر إلى الأنواء قول النبي ﷺ في ذلك: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" ٤، فجعل الذي يستسقي بالنجوم مشابهاً لأهل الجاهلية في هذا الفعل تنفيراً منه، لذلك ورد التغليظ في النهي عن القول بقول أهل الجاهلية هذا في حديث زيد بن خالد الجهني٥ أنه قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن

стр. 106

بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب" ١، يحذر النبي ﷺ الناس من اقتفاء أثر أهل الجاهلية بسلوك هذا المسلك. وبعض العرب كان يصبو إلى الصابئة –الذين كانوا على دين إبراهيم- ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في النجوم السيارة، حتى لا يتحرك ولا يسكن ولا يسافر ولا يقيم إلا بنوء من الأنواء٢، وبعضهم كان يعظم الشمس والقمر، ويعتقد أن الكسوف والخسوف لا يحدثان إلا لموت عظيم أو لحياته فبين النبي ﷺ أن هذا اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران٣ بقوله: "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا" ٤، كما كانوا يجعلون النجوم التي ترمى بها الشياطين دلالة على الحوادث الأرضية من موت وحياة ونحو ذلك، فعن ابن عباس ﵄ قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم. فقال رسول الله ﷺ : "فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى

стр. 107

أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذي يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال. قال: فيستخير بعض أهل السماوات بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون١ فيه ويزيدون" ٢. وجعلوا انقضاض شيء من البروج الاثني عشر دالاًّ على ذهاب الدنيا٣. ولم يخف عليهم الخط على الرمل بل كان يتخذها رجال منهم صناعة لهم، ويرجع إليهم في معرفة الأمور مستقبلاً غالباً، كما ذكر هذا معاوية ابن الحكم السلمي٤ ﵁ لرسول الله ﷺ حيث قال: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان. قال: "فلا تأتهم"، قال: ومنا رجال يتطيرون قال: "ذلك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم". قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك"٥ ولم يقتصر الحال على نسبة التأثير لهذه الكواكب، بل تعدى إلى عبادة

стр. 108

بعضها، فقد ورد في قوله تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ ١، وهذا إخبار من الله من قبيلة سبأ بأنهم لا يعرفون سبيل الحق الذي هو إخلاص السجود لله وحده، دون ما خلق من الكواكب وغيرها، لذلك اتجهوا إلى عبادة الشمس والسجود لها من دون الله٢، وكان يعتقد هؤلاء أن جميع الموجودات السفلية صادرة من الشمس، لذلك فهي تستحق التعظيم والعبادة، فكانوا يسجدون لها إذا طلعت وإذا غربت، وإذا توسطت الفلك، ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات لتقع عبادتهم وسجودهم له، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تحري الصلاة في هذه الأوقات، قطعاً لمشابهة الكفار، وسدًّا لذريعة الشرك٣، فقال: "إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان" ٤، وكذلك عبدت خزاعة وغيرها الشعري، سن لهم ذلك أبو كبشة٥ رجل من أشرافهم٦،ولهذا ورد ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ ٧، والشعرى الكوكب المضيء الذي يطلع

стр. 109

بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر، والمقصود بها الشعرى العبور، وأصحاب الصور يرسمونها في السرطان، وقد كان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها، ويعتقد تأثيرها في العالم قال الشاعر: مضى أيول وارتفع الحرور وأخبت نارها الشعرى العبور١ وطائفة من قبيلة تميم عبدوا (الدبران) من النجوم، كما عبد بعض طيء الثريا، وهي عدة كواكب مجتمعة، وبعض قبائل ربيعة عبدوا (المرزم) ، والمرزمان نجمان من الشعريين، والرزم بمعنى الجمع، ورزم الشتاء رزمة: برد، وبه سمي نوء المرزم٢. وعبدت كنانة القمر٣، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير العالم السفلي، ومن شريعة عبادتهم أنهم اتخذوا له صنماً على شكل عجل، وبيد الصنم جوهرة، يعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أياماً معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام الشراب والفرح والسرور٤.

стр. 110

الفصل الرابع: دور أعداء الإسلام في نشر التنجيم المبحث الأول: دور أهل الكتاب وغيرهم من المشركين في نشر التنجيم بين المسلمين ... دور أهل الكتاب وغيرهم من المشركين في نشر التنجيم بين المسلمين: كانت الشعوب والقبائل التي أدخلها المسلمون تحت حكم الإسلام خليطاً من أصحاب عقائد شتى، وأديان متنوعة، وثقافات مختلفة. فالفرس كانوا على الديانة المجوسية التي بنيت على تعظيم الأنوار، وعلى جعل مبدأ موجودات العالم من اختلاط النور بالظلمة، وعلى الاتجاه إلى الشمس عند السجود ونحو ذلك١. كما كانت الصابئة في حران وفي غيرها من نواحي العراق تعبد الكواكب، وتزعم أن لها تأثيراً في العالم السفلي، وتدعي أن لها أرواحاً، وأنها تتجلى في الكواكب ونحو ذلك٢. كما كانت المدارس الفلسفية التي تحمل ثقافة اليونان والتي تضم أدياناً مختلفة من يهود ونصارى وصابئة ومجوس وغيرهم منتشرة بين هذه الشعوب كمدرسة الرها، ومدرسة نصيبين، ومدرسة حران، ومدرسة جنديسابور، ومدرسة الإسكندرية٣.
следующие страницы →