بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب" ١، يحذر النبي ﷺ الناس من اقتفاء أثر أهل الجاهلية بسلوك هذا المسلك.
وبعض العرب كان يصبو إلى الصابئة –الذين كانوا على دين إبراهيم- ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في النجوم السيارة، حتى لا يتحرك ولا يسكن ولا يسافر ولا يقيم إلا بنوء من الأنواء٢، وبعضهم كان يعظم الشمس والقمر، ويعتقد أن الكسوف والخسوف لا يحدثان إلا لموت عظيم أو لحياته فبين النبي ﷺ أن هذا اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران٣ بقوله: "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا" ٤، كما كانوا يجعلون النجوم التي ترمى بها الشياطين دلالة على الحوادث الأرضية من موت وحياة ونحو ذلك، فعن ابن عباس ﵄ قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم. فقال رسول الله ﷺ : "فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى
стр. 107
أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذي يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال. قال: فيستخير بعض أهل السماوات بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون١ فيه ويزيدون" ٢.
وجعلوا انقضاض شيء من البروج الاثني عشر دالاًّ على ذهاب الدنيا٣. ولم يخف عليهم الخط على الرمل بل كان يتخذها رجال منهم صناعة لهم، ويرجع إليهم في معرفة الأمور مستقبلاً غالباً، كما ذكر هذا معاوية ابن الحكم السلمي٤ ﵁ لرسول الله ﷺ حيث قال: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان. قال: "فلا تأتهم"، قال: ومنا رجال يتطيرون قال: "ذلك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم". قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك"٥
ولم يقتصر الحال على نسبة التأثير لهذه الكواكب، بل تعدى إلى عبادة
стр. 108
بعضها، فقد ورد في قوله تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ ١، وهذا إخبار من الله من قبيلة سبأ بأنهم لا يعرفون سبيل الحق الذي هو إخلاص السجود لله وحده، دون ما خلق من الكواكب وغيرها، لذلك اتجهوا إلى عبادة الشمس والسجود لها من دون الله٢، وكان يعتقد هؤلاء أن جميع الموجودات السفلية صادرة من الشمس، لذلك فهي تستحق التعظيم والعبادة، فكانوا يسجدون لها إذا طلعت وإذا غربت، وإذا توسطت الفلك، ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات لتقع عبادتهم وسجودهم له، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تحري الصلاة في هذه الأوقات، قطعاً لمشابهة الكفار، وسدًّا لذريعة الشرك٣، فقال: "إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان" ٤، وكذلك عبدت خزاعة وغيرها الشعري، سن لهم ذلك أبو كبشة٥ رجل من أشرافهم٦،ولهذا ورد ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ ٧،
والشعرى الكوكب المضيء الذي يطلع
стр. 109
بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر، والمقصود بها الشعرى العبور، وأصحاب الصور يرسمونها في السرطان، وقد كان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها، ويعتقد تأثيرها في العالم قال الشاعر:
مضى أيول وارتفع الحرور
وأخبت نارها الشعرى العبور١
وطائفة من قبيلة تميم عبدوا (الدبران) من النجوم، كما عبد بعض طيء الثريا، وهي عدة كواكب مجتمعة، وبعض قبائل ربيعة عبدوا (المرزم) ، والمرزمان نجمان من الشعريين، والرزم بمعنى الجمع، ورزم الشتاء رزمة: برد، وبه سمي نوء المرزم٢.
وعبدت كنانة القمر٣، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير العالم السفلي، ومن شريعة عبادتهم أنهم اتخذوا له صنماً على شكل عجل، وبيد الصنم جوهرة، يعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أياماً معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام الشراب والفرح والسرور٤.
стр. 110
الفصل الرابع: دور أعداء الإسلام في نشر التنجيم
المبحث الأول: دور أهل الكتاب وغيرهم من المشركين في نشر التنجيم بين المسلمين
...
دور أهل الكتاب وغيرهم من المشركين في نشر التنجيم بين المسلمين:
كانت الشعوب والقبائل التي أدخلها المسلمون تحت حكم الإسلام خليطاً من أصحاب عقائد شتى، وأديان متنوعة، وثقافات مختلفة.
فالفرس كانوا على الديانة المجوسية التي بنيت على تعظيم الأنوار، وعلى جعل مبدأ موجودات العالم من اختلاط النور بالظلمة، وعلى الاتجاه إلى الشمس عند السجود ونحو ذلك١. كما كانت الصابئة في حران وفي غيرها من نواحي العراق تعبد الكواكب، وتزعم أن لها تأثيراً في العالم السفلي، وتدعي أن لها أرواحاً، وأنها تتجلى في الكواكب ونحو ذلك٢.
كما كانت المدارس الفلسفية التي تحمل ثقافة اليونان والتي تضم أدياناً مختلفة من يهود ونصارى وصابئة ومجوس وغيرهم منتشرة بين هذه الشعوب كمدرسة الرها، ومدرسة نصيبين، ومدرسة حران، ومدرسة جنديسابور، ومدرسة الإسكندرية٣.
стр. 111
وكانت الفلسفة في نظر أصحاب هذه المدارس هي خلاصة العلوم فالفيلسوف يعرف الطب والحساب والهندسة والموسيقا والنجوم، وتغلب عليه إحدى الصفات لتفوقه في علم من هذه العلوم١.
ويغلب على مدرسة الإسكندرية هذه التوفيق بين الدين والفلسفة، وتعتبر أكبر المدارس ضرراً على عقائد المسلمين٢.
وهذه الأديان والاتجاهات المختلفة أثرت تأثيراً كبيراً في ثقافة شعوبها، مما جعل التنجيم جزءاً من ثقافة هذه الشعوب، وبالتالي جعل نقل هذه الثقافة إلى المسلمين وسيلة لنشر التنجيم بينهم.
وذلك لما فتحت الدولة العباسية أبواب ترجمة كتب اليونان، واستقطبت من الروم كتباً كثيرة في الفلسفة والفلك والطب والتنجيم ونحو ذلك.
стр. 112
وكانت بداية ذلك في عهد أبي جعفر المنصور –حيث دخل الدولة الإسلامية كثير من اليهود والنصارى والمجوس والصابئة من المنجمين والفلاسفة الذين تأثروا بتلك المدارس الفلسفية، ومن غيرهم، فوجدها أعداء الإسلام هؤلاء ثغرة يستطيعون بث سمومهم منها بنشر الفلسفة والتنجيم بين أبناء المسلمين، إذ لم يكن دخول هؤلاء بين المسلمين وترجمة كتب الفلاسفة، لهدف مادي أو لهدف نشر العلم على حسب مفهومهم لمعنى العلم- ولكن كان الهدف هو الدعوة إلى نحلتهم، ونصرة مذهبهم، وصرف المسلمين عن دينهم، كما صرح بذلك كثير من كتابهم١.
فنجد نوبخت الفارسي من أوائل من وفد على المنصور وحظي عنده بمنزلة رفيعة٢، وتوارث أبناؤه هذه الصناعة بعده٣.
كما أن يحيى بن أبي منصور المنجم الفارسي المجوسي كان في بلاد المأمون، ورغبة المأمون في الإسلام فأسلم، واستمرت صناعة التنجيم في سلالته٤، كما أن من آثاره، تأديب أبناء موسى بن شاكر٥، وتعليمهم أصناف الفلسفة، مما جعل لهم دوراً كبيراً في نشر الفلسفة فيما بعد، إذ
стр. 113
إنهم تناهوا في طلب العلوم القديمة، وبذلوا فيها الرغائب، وأتعبوا أنفسهم فيها، وأنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها لهم، فأحضروا النقلة من الأصقاع والأماكن المختلفة بالبذل السخي١.
كما أن وجود ما شاء الله المنجم اليهودي، واسمه ميشا بن أبري في زمن المنصور، وبقاؤه إلى عصر المأمون يوضح دوره في هذا الشأن، وخصوصاً إذا علمنا أن الرجل قام بتصنيف كتب في التنجيم مثل كتاب المواليد الكبير، وكتاب القرانات والأديان والملل، والكتاب المسمى بالسابع والعشرين٢.
وكذلك سند بن علي اليهودي كان في زمن المأمون، وكان منجماً، وكان خبيراً بتسيير النجوم، وعمل آلات الرصد والإصطرلاب٣، ولسند هذا زيج٤ مشهور استمر عمل المنجمين به فترة من الزمن، وله تصانيف كثيرة في هذه الصناعة٥.
وكذلك سهل بن بشر بن هاني اليهودي المنجم، كان في خدمة الحسن
стр. 114
ابن سهل١ وزير المأمون، وله في التنجيم كتب كثيرة، منها: كتاب المواليد الكبير، وكتاب تحويل سني العالم، وكتاب المدخل الصغير، وكتاب المدخل الكبير، وغيرها٢.
ومن النصارى الذين كان لهم دور في نشر التنجيم عبد الله بن علي النصراني، ويعرف بالدنداني يكنى أبا علي، وكان منجماً قديم العهد، مشهوراً في زمانه بهذه الصناعة، وصنف فيها٣، كما كان ثيوفل بن توما النصراني المنجم الرهاوي رئيس منجمي المهدي٤.
وأما دور الصابئة فسأكتفي بذكر أشهرهم، وهو ثابت بن قرة بن مروان بن ثابت بن كريا، أو الحسن الحراني الصابىء، من أهل حران، وكان صيرفيًّا بها، ثم لنتقل إلى بغداد، واشتغل بعلوم الأوائل، ومهر فيها، وكان جيد النقل إلى اللغة العربية، حسن العبارة، قوي المعرفة باللغة السريانية، وغيرها من اللغات.
وكان يؤنس المعتضد لما سجنه أبوه، وكان يدخل عليه الحبس ثلاث
стр. 115
مرات يحادثة ويعرفه أحوال الفلاسفة، وأمر الهندسة والنجوم، وغير ذلك، حتى شغف به المعتضد، وأعجب به كثيراً، ولما تولى الخلافة أقطعه ضياعاً، وقربه إليه، وأدخله في جملة من المنجمين١، وكانت تغلب عليه الفلسفة، وألف كتباً كثيرة في فنون من العلم كالمنطق والحساب، والهندسة، والتنجيم، والهيئة، وهو الذي أدخل رئاسة الصابئة إلى العراق، فثبتت أحوالهم، وعلت مراتبهم، وبرعوا، وبلغ ثابت بن قرة هذا مع المعتضد٢ أجل المراتب وأعلى المنازل، حتى كان يجلس بحضرته في كل وقت، ويحادثه طويلاً، ويضاحكه، ويقبل عليه دون وزرائه وخاصته، وله كتاب في طبائع الكواكب، وتأثيراتها، وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائتين٣.
стр. 116
وما ذكرناه آنفاً ما هو إلا نماذج لعمل أعداء الإسلام في نشر التنجيم بين المسلمين واستغلالهم تشجيع الخلفاء بهم وغفلة المسلمين عن خطرهم، فدخلوا على المسلمين من هذه الثغرة.
وبعد أن ترجمت كثير من كتب الفلاسفة انتشرت هذه الكتب، وتصفحها بعض المسلمين، فصاروا يعتقدون كما يعتقد الفلاسفة١، فاعتقدوا أن الأفلاك نفوساً وعقولاً، وجعلوا الحوادث الكون والفساد مدبرة من قبل النفوس الفلكية العاقلة٢.
وأراد الفلاسفة أن يصبغوا عقيدتهم الباطلة شرعية –مستمدين هذه الطريقة من فلاسفة مدرسة الإسكندرية- ليمتصوا بذلك نقمة المسلمين منهم، ولتكون عقيدتهم أدعى لقبول المسلمين إياها، فسموا الأفلاك ملائكة، وسموا ما ادعوه من تدبير الأفلاك للكون بخلافة الملائكة في تدبير خلائقه٣.
ومن عرف مراد الأنبياء ومراد الفلاسفة علم بالاضطرار أن هذا ليس هو ذاك، فقد علم بالاضطرار من دين الأنبياء أنه ليس من الملائكة عندهم من هو رب، ولا من هو قديم أمزلى أبدي لم يزل ولا يزال٤.
واتخذ كثير من هؤلاء الفلاسفة التشيع ستاراً هم كيعقوب بن
стр. 117
إسحاق الكندي١، وابن سينا٢، وإخوان الصفا، وغيرهم، وذلك لعلمهم بأن الشيعة من أجهل الطوائف، وأضعفها عقلاً وعلماً، وأبعدها عن دين الإسلام علماً وعملاً٣.
стр. 118
المبحث الثاني: دور الرافضة في نشر التنجيم بين المسلمين
أقر الرافضة بالتنجيم وبتأثير الكواكب في هذا الكون بالسعود والنحوس والموت والحياة، ونحو ذلك، إلا أنهم أرادوا أن يصبغوا معتقدهم هذا بصيغة إسلامية أشد من صبغة الفلاسفة، وينمقوه أكثر من تنسيق الفلاسفة. فقالوا: إن النجوم مؤثرة في هذا الكون، إلا أن تأثيراتها بفعل الله تعالى، وأنها علامات على حوادث عالم الكون والفساد، إلا أن هذه العلامات ليست لازمة، إذ قد يغير الله تلك العادة لما يراه من المصلحة١، وهذا مبني على عقيدتهم الفاسدة التي يصفون الله فيها بالبداء٢ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وحتى لا يلزموا بظهور الكذب في أكثر الحوادث التي يخبر بها المنجمون، فإن سئلوا عن ذلك قالوا: بدا الله أن يغير هذه العلامة في هذا الموضع.
وخصصت الكلام في هذا المبحث عن دور الرافضة في نشر التنجيم، دون دور غيرهم ممن ينتسب إلى الإسلام، لأن الرافضة أكثر الطوائف كلاماً في التنجيم، وأعظمها أثراً في زرع هذه الصناعة ونشرها، ويتضح هذا الأمر من أربعة أوجه:
стр. 119
الوجه الأول: دور الرافضة الواضح في العمل على تأصيل علم التنجيم بإيراد الشبه، وتدعيمه بالآيات التي يزعمون أنها تؤيد ما ذهبوا إليه، وبالأحداث المكذوبة، وبنسبته إلى الأنبياء، وإلى من زعموا أنهم أئمة لهم، ولا شك في وجود الفرق بين ممن ينسب التنجيم إلى الدين، وبين من ينسبه إلى أحكام استنبطها من النجوم.
الوجه الثاني: استخدموا أساليب متنوعة لغرس التنجيم في قلوب الناس.
الوجه الثالث: تبنى التنجيم كثير من كبار رجالهم، وألفوا فيه كثيراً ممن الكتب، وتقربوا به إلى الخلفاء مما جعل لهم مكانة عند عامة الناس.
الوجه الرابع: تأييدهم للفلاسفة والمنجمين وتمكينهم في الأرض كما فعل النصير الطوسي١ عندما وظف منجمين لرصد الكواكب، وجعل لهم أوقافاً تقوم بمعاشهم، قال ابن القيم في ذلك: (ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد وزير الملاحدة..، شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه فعرضهم على السيف حتى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة والمنجمين، والطبائعيين والسحرة، ونقل أوقاف المدارس، والمساجد، والربط إليهم، وجعلهم خاصته وأولياءه) ٢.
стр. 120
وتتبين هذه الأوجه بما يلي١:
أما دورهم في العمل على تأصيل هذا العلم بإيراد الشبهات، واستخدام الأساليب المتنوعة فسيأتي ذكر الآيات والأحاديث في فصل شبهات المنجمين، والرد عليها إن شاء الله.
وأما بالنسبة هذا العلم للأنبياء ولأئمتهم فهو مبني على اعتقاد هؤلاء أن الأنبياء والأئمة يعلمون الغيب، فما من شاردة، ولا رادة إلا للأنبياء ولأئمتهم نصيب من علمها كما يزعمون٢. ومن هذا المنطلق ومن خوفهم أن يظن أن أهل أحكام النجوم قدروا على ما لم يقدر على مثله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأئمتهم المزعومون جعلوا الأنبياء والأئمة يعلمون علم أحكام النجوم٣.
فمن ذلك قول ابن طاووس: (واعلم أن الأحاديث عن الأنبياء ﵈ من لدن إدريس ﵇ إلى الناطق من عترة النبي ﷺ ، ومن لدن الملوك الذين ذكرت تواريخهم، وتواريخ العلماء المترددين إليهم ما يضيق عم مجلد واحد من ذكر الجميع، ومنهم من هو حجة، وفيهم أعيان معتمد عليهم في تحقيق ما ذكرناه من أن علم النجوم دلالات وعلامات
стр. 121
وآيات لله ﷻ باهرات، وحجج على عبادة ظاهرات١.
ثم ذكر عن النبي ﷺ أنه كان عالماً بالتنجيم فقال: (وإلا فقد كان نبياً صلوات الله عليه عالماً بجميع علوم الأنباء والمرسلين بغير خلاف فيما أعلم بين المسلمين، وهذا علم النجوم أهله مجمعون أنه من علوم إدريس وجماعة من الأنبياء ﵈، وقد روينا نحن وغيرنا بعض ما وقفنا عليه، وإنما معجزة نبينا أنه علم ذلك العلم وغيره من علوم الأنبياء بغير تعليم أحد من البشر، بل من سلطان الأرض والسماء) ٢.
ونسبوا كذلك علم الحروف إلى بعض الأنبياء والمرسلين، وافتروا حديثاً في ذلك عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (خلق الله الأحرف، وجعل لها سراًّ، فلما خلق آدم ﵇ بث فيه السر، ولم يبثه في الملائكة فجرت الأحرف على لسان آدم بفنون الجريان، وفنون اللغات..) ٣ وأخذ بعدد أسماء بعض الأنبياء مبيناً أن هؤلاء كلهم لهم علم بعلم الحروف، وأنهم أخذوها عن طريق الوراثة، فذكر إدريس ونوحاً وإبراهيم، وموسى، وإلياس، وداود، وعيسى، ومحمداً صلوات الله وسلامه عليه، كما ذكر محمد بن علي القمي٤ في كتاب التوحيد شيئاً من نسبة علم حروف الجمل إلى عيسى ﵇، وحث النبي ﷺ على
стр. 122
تعلمه١، وهذه الأحاديث كلها لا يحتج بها، كما سوف أبين في فصل حروف أبي جاد والاستدلال بها على المغيبات إن شاء الله تعالى.
وأما نسبة هذا العلم إلى أئمتهم فقد أطنبوا فيه، وباعتبار أن مذهبهم أن أقوال الأئمة حجة، تكون هذه النصوص واجبة الأخذ والاعتقاد عندهم. لذلك سمى ابن طاووس في رسالته فرج المهموم باباً باسم: (فيها تذكره من أخبار من قوله حجة في العلوم على صحة علم النجوم٢ ومن هذه النصوص ما لفقوه على الإمام علي ﵁ أنه قابله دهقان بن دهاقين المدائن فقال له: (أيها الدهقان المنبئ بالأخبار، والمحذر عن الأقدار، وما نزل البارحة في آخر الميزان؟ وأي نجم حل في السرطان؟ قال: سأنظر ذلك، واستخرج من كمه إسطرلاباً وتقويماً. قال له أمير المؤمنين: أنت مسير الجاريات؟ قال: لا. فأنت تقضي على الثابتات؟ قال: لا، قال: فأخبرني عن طول الأسد وتباعده من المطالع والمراجع ... ) ٣ ثم أكمل القصة، وفي آخرها أخبر ببعض ما سيقع عن طريق التنجيم، وما نسبوه إلى عبد الله جعفر الصادق (أنه سئل عن النجوم، فقال: لا يعلمها إلا أهل بيت من العرب وأهل بيت من الهند) ٤.
كما أصدروا فتوى باسم جعفر الصادق أنه أحل لهم التنجيم، فقد نقل ابن طاووس عن كتاب التجميل أنه ذكر أن محمداً وهارون ابني أبي
стр. 123
سهل١ قالا: كتبنا إليه ﵇ نحن ولد نوبخت المنجم، وقد كنا كتبنا إليك: هل يحل النظر في علم النجوم؟ فكتب: نعم٢.
وغير هذا كثير ذكره ابن طاووس، والمجلسي٣، ونعمة الله الجزائري٤ عن كثير من علمائهم كالكليني٥، ومحمد بن جرير بن رستم الطبري٦، ومحمد بن إبراهيم النعماني٧، وغيرهم٨، وسنأتي على بعضها في فصل شبهاتهم والرد عليها إن شاء الله.
стр. 124
ونسبوا إلى جعفر الصادق ﵀ كذباً كتاب الجفر١، وهو كتاب يبين حوادث الدنيا على وفق حروف أبي جاد، كما فسرها بذلك علماؤهم، قالوا: (أما الجفر الأكبر فإنه أشار إلى المصادر الوفقية التي هي من أ، ب، ت، ث،.. إلى آخرها وهي ألف وفق، وأما الجفر الأصغر فإنه أشار به إلى المصادر الوفقية التي هي مركبة من أبجد إلى قرشت، وهي سبعمائة وفق) ٢.
كما نسبوا هذا العلم إلى الأنبياء والأولياء، قال علي الحائري٣: (قال بعض العارفين: إن الحروف سر من أسرار الله تعالى، والعمل بها من أشرف العلوم المخزونة، وهو من العلم المكنون المخصوص به أهل القلوب الطاهرة من الأنبياء والأولياء.. ولا بد للشارع في علم الحروف من معرفة علم التصحيف، كتب علي بن أبي طالب ﵇: خراب البصرة بالريح، يعني بالزنج) ٤.
وجعلوا للأيام تأثيراً في قضاء الحوائج، وقسموها إلى سعود ونحوس كما هو الحال في الكواكب والبروج، وتقسيمهم هذه الأيام، وتحديد نوع الأثر لكل يوم على حسب حوادث وقعت قديماً غالباً، قد يصدق وقوع الحوادث في هذه الأيام المذكورة، وقد لا يصدق، مثال ذلك: ما ذكره
стр. 125
نعمة الله الجزائري، ويوسف البحراني١ عن جعفر الصادق قال: (إن اليوم الأول من الشهر خلق الله فيه آدم، وهو يوم مبارك لقضاء الحوائج وللدخول على الحكام والسلاطين، ولطلب العلم والتزويج، وللأسفار والبيع والشراء، وإذا ضل فيه حيوان أو فقد فإنه يرجع إلى صاحبه بعد ثمانية أيام، وإذا مرض فيه مريض فإنه يعافى بإذن الله، وإذا ولد فيه مولود يكون سمحاً مرزوقاً مباركاً إلى آخر عمره) ٢، وفي الرواية المذكورة نفسها أيضاً: (الثالث عشر يوم نحس فليحترز فيه عن الجدل والنزاع، والدخول على الملوك والسلاطين، وحلق الرأس ومسحه بالدهن، وجميع الحوائج، والآبق فيه لا يرجع، ولا يحصل سريعاً، ومن مرض فيه يناله التعب، والمولود فيه لا يكون عمره طويلاً٣، ومثل هذا الإفك ذكروه في بقية الأيام وقسموه على أيام الأسبوع وأيام الشهر.
وكذلك قالوا في الكسوف والخسوف، والزلازل والأمطار والرعود، واعتقاد مثل هذا يعمق عقيدة تأثير الكواكب في نفوس أتباعهم ومصدقيهم، بل هو من جنس تأثير الكواكب الذي نهى النبي ﷺ عن اعتقاده، فيما رواه الشيخان رحمهما الله أن النبي ﷺ قال: "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا
стр. 126
رأيتموهما فصلوا"١، وسأكتفي بذكر مثال واحد بين اعتقادهم في هذه الأمور، قالوا في اعتبار أن الكسوف مؤثر في هذا العالم: (إذا انكسفت –يعني الشمس- في جمادى الآخرة فإنه يموت رجل عظيم بالغرب، ويقع ببلاد مصر قتال وحروب شديدة، ويكون ببلاد الغرب غلاء في آخر السنة) ٢.
أما دور رجال الرافضة في نشر التنجيم فهو أن أبا جعفر المنصور ومن بعده من الخلفاء قربوا الأعاجم لترجمة الكتب اليونانية والسريانية، وكان من المقربين عندهم بعض الرافضة، وذلك معرفتهم باللغة الفارسية، إذ أن كثيراً من كتب الفلاسفة ترجمت باللغة الفارسية في عهد الملك أردشير ابن بابك٣. وبوجود هذا العنصر في هذا المركز تهيأت له فرصة الاختلاط بالناس بصورة أكبر، وفرصة التأليف في التنجيم، وترجمة كتب الفلاسفة بصورة أوسع وآمن في نفس الوقت. وهذا الوجود وهذا الاختلاط وهذا التأليف وهذه الترجمة كلها من الأسباب الرئيسية لوجود التنجيم ونشره.
فمن هؤلاء المنجمين الذين وجدوا في الدولة العباسية من الرافضة، وكان لهم دور في نشر التنجيم بين المسلمين أبو سهل بن نوبخت، وآل نوبخت معروفون عند الإمامية بولايتهم لمذهبهم٤، وأبو سهل هذا فارسي، منجم، حاذق، خبير باقتران الكواكب وحوادثها المزعومة٥،
стр. 127
قام بالتنجيم مقام أبيه، وحاز هو وبنوه الشهرة الواسعة في علم النجوم وترجمة أصوله وفصوله إلى العربية، ولم يقتنعوا بترجمة علم النجوم فقط، بل نقلوا إلى لغة الضاد كتب الفلاسفة في أنواع العلوم من لغتها الفارسية١.
والفضل بن أبي سهل بن نوبخت، مذكور مشهور، من أئمة متكلمي الرافضة، وكان في زمن هارون الرشيد، وولاء القيام على خزانة كتب الحكمة، وكان ينقل من الفارسي إلى العربي ما يجده من كتب الحكمة الفارسية، وله من التصانيف في التنجيم: كتاب البهطان في المواليد، كتاب الفأل النجومي كتاب المواليد، كتاب المدخل، كتاب تحويل سني المواليد، كتاب المنتحل من أقاويل المنجمين في الأخبار والمسائل والمواليد وغيرها٢.
وعبد الله بن أبي سهيل بن نوبخت المنجم، منجم مأموني كبير القدر في صناعته، يعلم المأمون قدره في ذلك٣.
والحسن بن موسى النوبختي، يكنى أبا محمد، متكلم رافضي فيلسوف ثقة عند الإمامية٤، كان حسن المعرفة بالنجوم، كثير الكلام فيه، وله فيه مصنفات، توفي سنة عشر وثلاثمائة٥.
وأحمد بن محمد بن خالد البرقي أبو جعفر، أصله كوفي، ثقة عند
стр. 128
الرافضة١، له من التصانيف في علم النجوم: المحاسن وكتاب النجوم، وكتاب الجمل٢.
وأحمد بن محمد بن عاصم أبو عبد الله، ويقال له: العاصمي، ثقة عند الرافضة، له كتاب في علم النجوم٣.
ومحمد بن أبي عمير، يكنى أبا أحمد، من موالي الأزد، من أوثق الناس عند الرافضة، توفي سنة سبع عشرة ومائتين للهجرة٤، وذكر ابن طاووس معرفته بالنجوم، ثم قال: (ولو لم يكن في الشيعة عارفاً بالنجوم إلا محمد بن أبي عمير لكان حجة في صحتها وإباحتها، لأنه من خواص الأئمة والحجج في مذاهبهم ورواياتهم) ٥.
ومحمد بن مسعود العياشي، من أهل سمرقند، من فقهاء الشيعة الإمامية، أو حد دهره وزمانه في معرفة علومهم، له كتاب النجوم والفأل والعيافة والزجر٦.
وأبو الحسن علي بن أحمد العمراني، من أهل الموصل، كان جماعة للكتب، ويقصده الناس من المواضع البعيدة للقراءة عليه٧، وذكر ابن
стр. 129
طاووس أنه على مذهبهم١، وله من التصانيف: كتاب "المواليد" و"الاختيارات"٢.
وأبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني، له قدر عظيم عند الرافضة، وله من المصنفات رسالة في الحلال والحرام من علم النجوم٣. قلت: وهذه الرسالة هي التي تسمى (فرج الهموم في تاريخ علماء النجوم) ، وقد تضمنت بيان جواز الاشتغال بعلم أحكام النجوم، ونفي أن تكون النجوم مدبرة مختارة، وبين أن هذا هو مذهب الإمامية الرافضة، وسرد الأدلة على ذلك، وذكر فيها ما أسند إلى الأئمة من الأقوال والأفعال الدالة على جواز تعلم هذه الصناعة، واستخدامهم لها، وفسر كلام المخالفين له تفسيراً يتناسب ومذهبه، كما ذكر في هذه الرسالة جملة من منجمي الرافضة غير من ذكرتهم. فمن طلب الاستزادة رجع إلى هذه الرسالة، وإلى كتب رجال الرافضة٤. وهذه الكتب كلها مشهورة عند الرافضة، كما أن هؤلاء الرجال مذكورون في عداد الرافضة، بل ويفتخر الرافضة اليوم بتأليف هؤلاء لهذه الكتب.
قال صاحب الذريعة: (نعم اهتمت الشيعة بالنجوم، وترجموا كتبها القديمة، وعرضوها على أئمتهم، وبعد أخذ موافقتهم أدخلوها في العلوم الإسلامية، وخدموا بها الأمة جمعاء) ٥.
стр. 130
الفصل الخامس: التنجيم في العصر الحاضر
الفصل الخامس: التنجيم في العصر الحاضر
...
الفصل الخامس: التنجيم في العصر الحاضر
انتشرت صناعة التنجيم في العصر الحاضر انتشاراً كبيراً، وأصبح التنجيم في أغلب صورة وسيلة من وسائل ابتزاز أموال الآخرين، وتنجيم هؤلاء يقوم غالباً على التمويه على الناس، ودراسة أحوال الضحية بما يتضح من شكلها، وبما ينطق لسانها، من خلال استدراج ذكي يصطادون به الكلمات من أفواه السذج من الناس، ثم يرتبون على ذلك أخباراً بأمور عامةـ غالباً ما يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية، وتتفق مع دراستهم السابقة لحاله كالأمور العاطفية، والمالية، والصحية، ونحو ذلك، فإذا حصل ما يحصل للمرء عادة موافقاً لتمويهات المنجم شهر ذلك بين الناس، فأخذ البهتان يغزو القلوب الخالية من الإيمان، والبعيدة عن منهج الله، وأصبح لهؤلاء النصابين صيت، ولإفكهم الواضح زبائن ومروجون. ولوجود هذه الطبقة من الناس بالإضافة إلى رقي وسائل الإعلام وغيرها من المخترعات الحديثة اتخذ التنجيم في عصرنا الحاضر صوراً تختلف أكثرها عن صور التنجيم الماضي، ووسائل تختلف أكثرها عن وسائل المتقدمين، جعلت للتنجيم انتشاراً سهلاً بين عامة الناس، ومن هذه الوسائل المستخدمة ما يلي:
الوسيلة الأولى انتشار التنجيم عبر وسائل الإعلام كالصحف والمجلات وغيرها، وتعتبر هذه الطريقة أوسع الطرق انتشار التنجيم، ويكون التنجيم عادة في هذه المجلات والصحف تحت عنوان: الأبراج، أو الحظ والأبراج، أو حظك والنجوم، أو نحو هذه العناوين، ويستخدم
стр. 131
كتابها فيها طريقة التموية، والكلام المجمل –كما أسلفت الكلام عن ذلك في بداية الفصل- وأذكر مثالاً لذلك من مجلة (كل العرب) تحت برنامج الحظ والنجوم يقول المحرر: (الحمل: العشر الأول: على تيار عاطفي، قد يؤدي إلى النجاح أو السعادة، رغم نزعة بالغة نحو التردد أو الإهمال، أو الهجومية في الكلام، اهدأ.
العشر الثاني: اندفاعك مجدي في هذه الأيام، وقد تكون أهدافك في متناول اليد، ومبادراتك مثمرة مع نتائج واضحة ملموسة) ١، وتتضح من هذا المثال طريقة هؤلاء في التموية في الكلام المجمل، وبالإضافة إلى ما ذكرنا، فإن أحكام بروجهم المزعومة متناقضة فيما بينها، ولعل نجومهم تدلي لكل منهم بحكم يختلف عن الحكم الذي تدلي به للأخر، فنجد المحرر في المجلة السابقة الذكر يذكر صفات مواليد برج الأسد من (٢٤ يوليو إلى ٢٣ أغسطس) وما سيحدث لهم في مستقبل أيامهم فيقول: (العشر الأول: أجواء قد تكون ملائمة على الصعيد الفكري أو الدراسي. مع سهولة في الابتكار أو الكتابة، قد تشعر بأن الظروف ليست مائدة في المائة في صالحك، مما قد يسبب تأخيراً في مشاريعك. العشر الثاني: جدي، العشر الثالث: على تيار عصبي مع نزعة خفيفة نحو خوض المعارك كلامياً) ٢.
أما في مجلة الصياد، وفي نفس المواليد يقول المحرر: (حافظ على أسرار الناس، ولا تخن الأصدقاء، وتضعهم في موقف حرج، استمتع بكل لحظة حياتك هذا الأسبوع لأنها قد تبعدك عن الجو لفترة طويلة.
стр. 132
خطر يهدد حياتك العاطفية. لا تتردد في قول الحقيقة) ١.
ولا أدري كيف تتفق الأجواب الملائمة على الصعيد الفكري والدراسي مع وجود أخطار على الحياة العاطفية؟ أم كيف تتفق الجدية مع خيانة الأصدقاء وإفشاء أسرار الناس؟
ولو أردنا تتبع هذه الفجوات لوجدنا أن جدارهم كلها مهلهلة من كثرة الخروم والفجوات، ولطال بنا المقام، وهو لا يحتمل الإطالة، وما أشرنا إليه فيه كفاية عن ذكر أمور لا تخرج عن ذلك.
والذي يلفت الانتباه هنا أن هذه الطريقة التي توجد في الجرائد والمجلات هي طريقة الشيعة نفسها في سرد تنجيمهم، وإن صاغها محررو الجرائد والمجلات بأسلوب مبسط يوافق العصر الحاضر، وإلا فالطريقة نفسها، ففي الكشكول ذكر المؤلف تحت عنوان سعد أيام الشهور ونحوستها، وفي اليوم الثاني من الشهر: (تزوج، وأت أهلك من السفر، واشتر وبع، واطلب في الحوائج، واتق فيه السلطان..) ٢، ومثل هذا ذكر في بقية الأيام ما يبين أثر هذه الطائفة في التنجيم –كما أشرت إلى ذلك في الفصل الماضي-.
ومن دور وسائل الإعلام الغربية في نشر التنجيم أن الرائي البريطاني الرسمي (التلفزيون) أذاع في شهر المحرم من عام ١٤٠٦هـ برنامجاً كبيراً عن أعمال السحر والشعوذة والطلاسم٣ في بريطانيا استغرق أمسية كاملة، عرض فيه حياة بعض هؤلاء المشعوذين، وتحدثوا عن مواهبهم
стр. 133
وقدراتهم المزعومة في معرفة المستقبل والتأثير فيه١.
الوسيلة الثانية: انتشار التنجيم عبر الكتب المؤلفة في هذا الفن، وتنتشر هذه الكتب في كثير من الدول الإسلامية وغيرها، مع وجود سهولة في بيعها وشرائها وتداولها، مما يجعل للخرافة أرضاً خصبة تنمو فيها وتثمر، ولا يستغرب إذا وجدت في هذه البلد مكتبات ومطابع تتبنى طباعة ونشر مثل هذه الكتب، كمكتبة الجمهورية العربية بمصر، ومكتبة القاهرة، ومطبعة دار الطباعة المحمدية بمصر أيضاً، وكالمكتبة الحديثة، والمكتبة الأهلية للنشر والتوزيع في بيروت وغيرها. وهذه الكتب منها ما هو قديم: ككتاب بغية الطالب في معرفة الضمير للمطلوب والطالب والمغلوب والغالب٢، وكتاب مجموعة ابن سينا الكبرى، وكتاب شمس المعارف وكتاب منبع أصول الحكمة٣ وغيرها.
ومنها ما هو مؤلف حديث، وهي كثيرة جداً، منها كتاب مفاتيح الحظ، وكتاب حظك معك٤، وكتاب أحكام الحكيم في علم التنجيم، ودليل الحيران في طالع الإنسان٥، وغيرها من الكتب.
كما [تصدر الآن بانتظام آلاف الكتب حول كيفية الاستفادة من التنجيم في مسائل المال والأعمال والسفر والزواج..] ٦.
стр. 134
الوسيلة الثالثة: وجود معاهد تقوم بتعليم التنجيم، وإعطاء المتعلمين شهادات بذلك: تنتشر الآن في كثير من أنحاء العالم معاهد تتيح للباحث دراسات جادة في كيفية صناعة التنجيم، حتى إن جامعة هارفارد قبلت في عام ١٩٦٠م رسالة دكتوراة تقدم بها طالب في موضوع التنجيم، وأنشئت في بريطانيا كلية للدراسات التنجيمية١.
كم أنشئ في مصر معهد للغرض نفسه، يسمى بمعهد الفتوح الفلكي العام لمصر والأقطار الشرقية، ويقوم المعهد بتدريس العلوم الفلكية الروحانية داخل المعهد وخارجه، ويتم تدريس الذين هم خارج المعهد عن طريق المراسلة، وذلك بإرسال برامج الدروس إلى عمله أو منزله أو بلده أو دولته، وتقع هذه الدروس في مائتين درس مشتملة على دراسة المسائل الشخصية والطوالع الميلادية، والأحوال الجوية، وتأثيرها على الأرض، والأحوال الزراعية، والتخرص بغلائها ورخصها، وكثرتها وقلتها في أي زمان ومكان، وغير ذلك من مسائل التنجيم، فإذا اجتاز الطالب هذه المراحل منح شهادة على ذلك٢.
الوسيلة الرابعة: إنشاء اتحاد للمنجمين: أنشئ في العالم ـكثر من اتحاد للمنجمين، ولكن أشهرها وأوسعها صيتاً هو الاتحاد العالمي للفلكيين الروحانيين في فرنسا، والذي يقوم على إدارته حميد الأزري٣ كرئيس
стр. 135
لهذا الاتحاد، والألوسي١ نائباً عنه، ويضم هذا الاتحاد خمسة وخمسين ألف عضو لا يؤخذ منهم رسوماً للاشتراك، ويتردد عليهم أناس من طبقات مختلفة، ومن جنسيات متنوعة٢.
والشيء الذي يؤكد كذب هؤلاء وبطلان ادعاءاتهم أن الرئيس ونائبه عندما سئلوا عن مصدر هذا العلم صرح الرئيس بأنه إيحاء عن طريق الجن٣، وصرح الآخر أنه أخذه عن طريق الوراثة٤، ولم أسمع من قبل أن العلوم تنتقل عن طريق الوراثة إلا من هذا.
بل اعترف رئيس الاتحاد بأن ٩٩%من السحرة دجالون يريد به المنجم والعراف ونحوهم٥، وبدون استثناهم من الدجالين، بل يعتبر نفسه أنه أفضلهم، فإذا أثبتنا أنه من ضمن الدجالين كملت النسبة. حيث إن أقواله اشتملت على تناقضات كثيرة مما يبين صناعتهم هذه قائمة على الكذب على الناس وإيهامهم أن النجوم هي التي دلت على هذه الأحكام، والنحوم بريئة من ذلك، فمثلاً
стр. 136
ذكر الأزري في موضع: (أن قراءة الأشياء هذه –يعني المغيبات- تعود إلى حسابات فلكية، وتعود إلى أمور تعلمناها بعون الله) ١، وذكر في موضع آخر أن معرفته هذه كانت عن طريق الجن فقال: (عندما كان عمري خمس عشرة سنة، كنت أسير في أحد أزقة بغداد، وإذا بصوت يقول: قف يا حميد! ووقفت فلم أجد أحداً.. فمشيت فإذا بصوت يقول: يا حميد قف! ارتبكت.. وضعت جلبابي في فمي، وحاولت الجري، فوقفت قدماي تماماً لمدة سبع ثوان، فإذا بماء يسقط!!
وفي يوم ثاني حدثت أمور ثانية. وكنت أنظر إلى شخص فأقول عنه إنه سيموت، وبالفعل يحدث ذلك، فخفت من ذلك، كنت أقول لنفسي: غداً سيحدث كذا، فإذا به يحدث!
ثم بعد فترة.. قابلت شخصاً أشك أنه جنبي! وقال لي: ألا تعرف إنساناً يعرف قراءة الكف؟ ثم أعاد السؤال. فقلت: أنا أعرف. فقال: تعال. وعندما أمسكت كفه رحت في حالة من الغيبوبة، فإذا بي أذكر له كل شيء عنه) ٢، والذي يدل على دجله أيضاً أنه ذكر كل شيء عنه وما زال يشك هل هو جني أم لا؟
أما الألوسي نائبه فهو أشد تناقضاً، وأكثر جرأة في الباطل، إذ إنه تارة يدعي معرفة مستقبل الدول من النجوم، وتارة يدعي أنه يغمض عينيه ويستطيع أن يخبر بكل ما سيحدث، وتارة يدعي أنه يستطيع أن يخبر بكل ما سيحدث عن طريق المراسلة من الشخص السائل٣، وقد أتى بما
стр. 137
لم تأت به الأوائل. فإذا كانت هذه أحح حال رؤسائهم، فما بالك بمن تحتهم؟
الوسيلة الخامسة: الجهود الشخصية، وتتمثل في وجود منجمين دجالين يعملون لأنفسهم، دون أن تكون لهم مشاركة مع غيرهم من المنجمين، وهؤلاء ينتشرون تقريباً في جميع أرجاء العالم إما متسترين أو ظاهرين بحسب محاربة الدولة لهم أو سكوتها عنهم، ويعلن هؤلاء عن أنفسهم في الجرائد والمجلات، ويقومون أحياناً بالدعاية لأنفسهم في دليل الهاتف، وأحياناً في محطات الحافلات، وقطار الأنفاق، وقد يوزعون منشورات تشرح الخدمات التي يقدمونها، ويزعمون فيها أنهم أفضل من منافسيهم، كما هو الحال في أمريكا والمغرب١ ومصر وغيرها من البلدان٢.
وبعض المشعوذين يستخدمون نساءً لهم في الأماكن العمومية: كالحمامات، والأسواق، والمستشفيات مقابل عمولة نقدية٣.
الوسيلة السادسة: استخدام المبتكرات الحديثة كالحاسب الآلي (الكمبيوتر) ، والبريد، ونحو ذلك.
وأول من استخدم الحاسب الآلي في حسابات التنجيم هي امرأة بريطانية من أصل يوناني تدعى كاتيا ثيودوسيو، وتعتبر هذه المرأة من أشهر المنجمات في بلدها، وهي متخصصة في مجال المال والأعمال، ولم تكتف بهذا الاستخدام للحاسب الآلي بل أكبت خلال خمسة عشر شهراً على تغذية الذاكرة الإلكترونية بأربعين ألف معلومة مستقلة عن التنجيم،
стр. 138
لإنتاج أجهزة الحاسب الآلي تستعمل للتنجيم، يستطيع أن يستخدمها الجمهور بدون معرفة لحسابات التنجيم١.
وأصبح لهذه الطريقة رواجٌ في السويد، حيث يوجد بعض المنجمين يستخدمون الحاسب الآلي، ويطلبون من الضحية أن يكتب اسمه وتاريخ وساعة ميلاده على بطاقة، ثم يضعون المعلومات التي في هذه البطاقة في الحاسب الآلي، فتخرج صحيفة بها الطالع في الأيام المقبلة أو لعدة سنوات. كما أن للبريد في بعض الدول دوراً في أخذ المعلومات إلى المنجم ومنه٢.
الوسيلة السابعة: استخدام بعض الدول للتنجيم في الأمور السياسية: كاستخدام المخابرات الأمريكية التنجيم في هذا الغرض، حيث نقلت جريدة المدينة عن مدير سابق لوكالة المخابرات الأمريكية المركزية الأمريكية، وهو ما يلز كوبلند أنه ذكر (أن علم التنجيم والطوالع كان يقع ضمن اهتمامات الوكالة المركزية خلال الفترة التي عمل فيها بالوكالة في الستينات وقال في رسالة نشرتها له صحيفة التايمز البريطانية في عددها الصادر هنا أمس الأول في باب رسائل من القراء أن الوكالة كانت تنظم في عهده دورات منتظمة، وخاصة حول ما أسماه بفنون التنجيم الحديثة لتدريب عملائها في هذا المجال، وأضاف أن الوكالة المركزية قامت في السابق بزرع المتخرجين من هذه الدورات في قصور عدد كبير من زعماء العالم الثالث) ٣.
стр. 139
ويجب التنبه في هذا الموضع إلى كلمة درجت على ألسنة العوام في عصرنا الحاضر، وهي: (من حسن طالع كذا أن كان كذا) ، وهذا بللا ريب أحد صور إسناد الأمور لمطالع النجوم، وله حكم مقالة أهل الجاهلية: (مطرنا بنوء كذا) الذي سيأتي بيانه في فصل حكم الاستسقاء بالنجوم إن شاء الله.
استمرار عبادة الكواكب إلى عصرنا الحاضر:
أما عباد الكواكب فما زالوا على عقيدتهم القديمة من عبادة الكواكب والتقرب لها ونحو ذلك، وينتشر هؤلاء في بعض البلدان كالعراق وغيرها، ويطلق عليهم اسم الصابئة١.
стр. 140
الباب الثاني: أحكام التنجيم
الفصل الأول: الحكمة من خلق النجوم
الفصل الأول: الحكمة من خلق النجوم
...
الباب الثاني: أحكام التنجيم
ويشتمل على ستة فصول:
الفصل الأول: الحكمة من خلق النجوم.
الفصل الثاني: حكم الاستسقاء بالنجوم.
الفصل الثالث: حكم تعلم علم الفلك.
الفصل الرابع: الأدلة على فساد صناعة المنجمين، وأنها ظنون كاذبة.
الفصل الخامس: شبهات المنجمين والرد عليها.
الفصل السادس: حكم التنجيم.
стр. 141
الفصل الأوا: الحكمة من خلق النجوم
خلق الله النجوم لحكمة سامية، أرشدنا الله تعالى إليها، ووردت هذه الحكم مجموعة فيما رواه البخاري تعليقاً أن قتادة قال: ( ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ١، خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك٢ أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف مالا علم له به) ٣، ومن هذا تبين أن الحكم التي اتضحت لنا من خلق النجوم ثلاث، وهي:
١- أن تكون زينة للسناء: وقد دلت نصوص القرآن الكريم على هذه الحكمة في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً ٤ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ ٥، أي: زينا السماء بالكواكب لمن نظر إليها وأبصرها٦، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ ٧،وقوله:
لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ١، وقوله حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ ٢.
وبينها النبي ﷺ فيما رواه مسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنهم بينما هم جلوس مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وُلد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ : "فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون" ٣.
٣- أن تكون علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر: وكذلك جعل الله تعالى هذه النجوم أدلة في البر والبحر للناس ليهتدوا بها إذا ضلوا
стр. 144
الطريق أو تحيروا فيه١، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٣.
هذه هي الحكم التي من أجلها خلقت النجوم، فمن الواجب أن تجعل النجوم فيما جعلت من أجله، لا يتجاوز بها ذلك، كما قال قتادة ﵀: (فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به) ٤.
стр. 145
الفصل الثاني: حكم الاستسقاء بالأنواء
الفصل الثاني: حكم الاستسقاء بالأنواء
...
الفصل الثاني: حكم الاستسقاء بالأنواء١
منازل القمر ثمان وعشرون٢ منزلة٣، قد أشار الله إليها بقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٤، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها٥، أما الشمس فتقطع كل منزلة في ثلاثة عشر يوماً تقريباً إلا الجهمية فتقطعها في أربعة عشر يوماً٦، لذلك فإن سقوط كل نجم من هذه بعد ثلاثة عشر يوماً خلا الجهبة فسقوطها بعد أربعة عشر يوماً، حيث تنقضي السنة بانقضاء سقوط النجوم كلها٧، وما من نجم يسقط إلا ويطلع رقيبه في الوقت نفسه الذي يسقط فيه٨، فمن حين سقوطه إلى