Полный текст (247 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يعطاها. فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأتى به فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حمر النعم". يدوكون: يخوضون.
فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه ﷺ .
الثانية: التنبيه على الإخلاص، لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد: كونه تنزيهاً لله تعالى عن المسبة.
الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله.
السادسة: وهي من أهمها – إبعاد المسلم عن المشركين لئلا يصير منهم ولو لم يشرك.
السابعة: كون التوحيد أول واجب.
الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة.
التاسعة: أن معنى: "أن يوحدوا الله"، معنى شهادة: أن لا إله إلا الله.
стр. 37
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب، وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج.
الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم.
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة.
الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.
التاسعة عشرة: قوله: "لأعطين الراية" إلخ. علم من أعلام النبوة.
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضاً.
الحادية والعشرون: فضيلة علي ﵁.
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح.
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر، لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى.
стр. 38
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: "على رسلك".
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة، لقوله: "أخبرهم بما يجب عليهم".
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله تعالى في الإسلام.
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يده رجل واحد.
الثلاثون: الحلف على الفتيا.
стр. 39
فيه مسائل:
الأولى "أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه ﷺ " أي لقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .
الثانية "التنبيه على الإخلاص لأن كثيرا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه" أي لقوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ أي ليعبد الله وحده لا لشيء آخر من تحصيل جاه ومنزلة عند الناس وغيرهما فإن ذلك ينافي الإخلاص.
الثالثة "أن البصيرة من الفرائض" أي لما جعل أتباعه من كان على بصيرة ودعا إلى الله على بصيرة ومن ليس كذلك فليس منهم حقيقة دل ذلك على أنها من الفرائض لأن اتباعه فرض.
الرابعة "من دلائل حسن التوحيد أنه تنزيه الله تعالى عن المسبة" أي لقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وذلك أنه نزه الله أن يكون له شريك فدل على إفراده بالعبادة الذي هو التوحيد حسن مطلوب مأمور به.
الخامسة "أن من قبح الشرك كونه مسبة الله" أي لقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ معناه وقل تنزيها لله أن يكون له شريك أو معبود سواه فلما نزه نفسه عنه دل على قبحه.
السادسة "وهي من أهمها إبعاد المسلم عن المشركين لئلا يصير منهم ولو لم يشرك" أي لقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي لست منهم ولا هم مني أنا منهم بريء وهم مني برآء وقوله "ولو لم يشرك" أي إذا لم يتبرأ من المشركين صار منهم ولو لم
يشرك.
السابعة "كون التوحيد أول واجب" أي حيث لم يؤمروا بشيء من الأعمال قبله بل أمر به قبل كل شيء ولو كان هناك شيء أوجب لبدأ به قبله لما أرسل معاذا.
стр. 40
الثامنة "أنه يبدأ به قبل كل شيء حتى الصلاة" أي لقوله: "فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات".
التاسعة "أن معنى أن يوحدوا الله معنى شهادة أن لا إله إلا الله" أي لقوله: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله" فدل ذلك على أن معناها إفراد الله بالعبادة ليس باللسان فقط.
العاشرة "أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهولا يعرفها أو يعرفها ولا يعمل بها" أي لكونه أمره أن يدعوهم إليها مع أنهم أهل كتاب، ولو كانوا يعرفونها ويعملون بها لما احتاج إلى أمره بذلك.
الحادية عشرة "التنبيه على التعليم بالتدريج" أي لكونه أمره أن يدعو إلى الشهادة أولا ثم الصلاة ثم الزكاة ولم يأمره أن يدعوهم إليها جميعا دفعة واحدة.
الثانية عشرة "البداءة بالأهم فالأهم" أي لكونه بدأ بالتوحيد أولا ثم ثنى بالصلاة ثم ثلث بالزكاة.
الثالثة عشرة "مصرف الزكاة" أي أنها تؤخذ من الأغنياء فترد على الفقراء.
الرابعة عشرة "كشف العالم الشبهة عن المتعلم" أي لقوله: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب" الخ فنبهه بذلك ليأخذ أهبته.
الخامسة عشرة "النهي عن كرائم الأموال" أي لقوله: "إياك وكرائم أموالهم".
السادسة عشرة "اتقاء دعوة المظلوم" أي لقوله: "واتق دعوة المظلوم" ومعناه اجعل بينك وبينها وقاية بفعل العدل وترك الظلم.
السابعة عشرة "الإخبار بأنها لا تحجب" أي لقوله: "فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".
الثامنة عشرة "من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء
стр. 41
من المشقة والجوع والوباء" أي ما حصل لهم يوم خيبر من الجوع ما حصل لعلي من الرمد وهذا يدل على أنهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا دفعا فكيف بغيرهم فلا يصرف لهم شيء من العبادة بل ذلك كله حق لله تعالى.
التاسعة عشرة "قوله: "لأعطين الراية" الخ، علم من أعلام النبوة" أي لكونه أخبر بذلك فوقع كما أخبر.
العشرون "تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا" أي لكونه عوفي في الحال كأن لم يكن به وجع.
الحادية والعشرون "فضيلة علي ﵁" أي لكونه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.
الثانية والعشرون "فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح" أي أنهم خاضوا فيمن يدفعها إليه وكل منهم تمنى ذلك حرصا على محبة الله ورسوله ولم يبشر بعضهم بعضا بحصول الفتح مع أنه أخبر به.
الثالثة والعشرون "الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع ومنعها عمن سعى" أي لما قدر الله أنها تحصل لعلي حصلت له وهو لم يسع إليها والصحابة لما قدر أنها لا تحصل لهم لم يفدهم سعيهم لها حصولها.
الرابعة والعشرون "الأدب في قوله: "على رسلك"" أي على مهلك بتؤدة وطمأنينة لا بطيش وعجلة فإنها خلاف الأدب.
الخامسة والعشرون "الدعوة إلى الإسلام قبل القتال" أي لقوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام".
السادسة والعشرون "أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا" أي حيث أمر عليا أن يدعو اليهود مع كونهم دعوا قبل ذلك وقوتلوا لما كانوا في المدينة قبل أن يجلوا.
стр. 42
السابعة والعشرون "الدعوة بالحكمة لقوله: "أخبرهم بما يجب"" أي حيث أمره أن يخبرهم بالواجب عليهم كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية.
الثامنة والعشرون "المعرفة بحق الله في الإسلام" أي لما أمره أن يخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه دل ذلك على معرفته وأنه واجب وحق الله في الإسلام فعل الواجبات وترك المنهيات.
التاسعة والعشرون "ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد" أي لقوله: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم".
الثلاثون "الحلف على الفتيا" أي لقوله: "فوالله لأن يهدي الله بك" الخ.
стр. 43
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ "٢٠" الآيه وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ "٢١" الآية. وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ "٢٢" الآية. وقوله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ "٢٣" الآية.
وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ".
وشرح هذا الترجمة: ما بعدها من الأبواب.
فيه أكبر المسائل وأهمها: وهي تفسير التوحيد، وتفسير الشهادة، وبيَّنَها بأمور واضحة.
منها: آية الإسراء، بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون
стр. 44
الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
ومنها: آية براءة، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهاً واحداً، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لادعائهم إياهم.
ومنها قول الخليل "﵇" للكفار ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ "٢٤" فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ "٢٥) .
ومنها: آية البقرة: في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! فكيف لمن لم يحب إلا الند وحده، ولم يحب الله؟!.
ومنها قوله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله" وهذا من أعظم ما يبيِّن معنى "لا إله إلا الله" فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، وياله من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع.
стр. 45
"فيه أكبر المسائل وأهمها وهي تفسير التوحيد وتفسير الشهادة وبينها بأمور واضحة. منها آية الإسراء بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر" أي لما أخبر أنهم يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة دل هذا على صلاحهم ولما أخبر أنهم لا يملكون كشف الضر ولا تحويلا دل هذا على أنهم لا يقدرون على ما طلب منهم ومن طلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك الشرك الأكبر.
"ومنها آية براءة بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وبين أنهم لم يأمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية لا دعاؤهم إياهم" أي هي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله "مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد إلخ" أي كما فسرها لعدي بن حاتم ﵁ حين سمعه يتلوها فقال: "لسنا نعبدهم" إلخ كما سيأتي في باب من أطاع العلماء والأمراء.
"ومنها قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ فاستثنى من المعبودين ربه وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ " أي لما اشتملت على النفي الذي هو قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وعلى الإثبات الذي هو ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ صار فيها تفسير شهادة أن لا إله إلا الله لأن أولها ينفي عبادة كل ما سوى الله وآخرها يثبت العبادة لله وحده لا شريك له.
"ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما ولم يدخلهم
стр. 46
في الإسلام فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله" أي لما أخبر الله أنهم ما هم بخارجين من النار دل على أنهم كفار لأن مثل هذا قد اطرد في القرآن في حق الكفار وقوله: "يحبون الله" لقوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ على أحد القولين فهذه الآية تدل على أنهم كفروا لما أشركوا بين الله وبين أندادهم في هذه المحبة فمن أحب معبوده أعظم من حب الله أو أحب معبوده مطلقا ولم يحب الله فهو أعظم شركا ممن أحب معبوده دون ذلك وإن كان مشركا. وهذه محبة تعظيم وخضوع لا تصلح إلا لله جل وعلا.
"ومنها قوله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال بل ولا معرفة معناها مع لفظها ولا الإقرار بذلك بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له إلخ" أي لما لم يكتف في الحديث بالتلفظ بلا إله إلا الله بل ولا معرفة معناها مع لفظها ولا الإقرار بذلك بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده كما يؤخذ من قوله: "من قال لا إله إلا الله" دل ذلك على أنه حلال الدم والمال إلى أن يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله وهو الكفر بالطاغوت وبغضه وتركه والبراءة منه ومعرفة بطلانه كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فإن شك في ذلك أو توقف لم يحرم دمه وماله فيا له من بيان ما أوضحه وأعظمه وحجة ما أقطعها للمنازع الذي يكتفي بقول هذه الكلمة والتلفظ بها ولو فعل ما فعل مما يهدمها وينافيها. وللعلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ على هذا الحديث كلام حسن ذكره في مصباح الظلام ص ١٦٢، ١٦٣، ١٦٤، ١٦٥ فراجعه.
стр. 47
باب من الشرك الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أودفعه
...
باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ َوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ "٢٧" الآية.
عن عمران بن حصين ﵁، أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: "ما هذه"؟ قال: من الواهنة. فقال: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك، ما أفلحت أبداً" رواه أحمد بسند لا بأس به. وله عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعاً:"من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له" وفي رواية: "من تعلق تميمة فقد أشرك". ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ "٢٨) .
стр. 48
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك.
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح. فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر "٣) .
الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة بل تضر، لقوله: "لا تزيدك إلا وهناً) .
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئاً وكل إليه.
السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك.
الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.
التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر بن عباس في آية البقرة.
العاشرة: أن تعليق الودع عن العين من ذلك.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة، أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة، فلا ودع الله له، أي لا ترك الله له.
стр. 49
فيه مسائل:
الأولى "التغليظ في لبس الحلقة ونحوها لمثل ذلك" أي لما أنكر على من في يده الحلقة من الصفر وغلظ عليه دل على ذلك.
الثانية "أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح فيه شاهد لكلام الصحابة أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر" أي لقوله: "ما أفلحت أبدا"، وكلام الصحابة الدال على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر مثل قول ابن مسعود الآتي: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا".
الثالثة "أنه لم يعذر بالجهالة" أي لكونه لم يستفصله هل كان جاهلا بذلك أم لا مع أن الجهل محتمل.
الرابعة "أنها لا تنفع في العاجلة بل تضره لقوله: "لا تزيدك إلا وهنا" " أي لما لبسها يظن أنها تنفعه في المستقبل أخبر أنها لا تنفعه بل تزيده وهنا وهذا معاملة له بنقيض مقصوده.
الخامسة "الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك" أي لقوله: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا" إلخ الحديث.
السادسة "التصريح بأن من تعلق شيئا وكل إليه" أي وكله الله إلى ما تعلقه ومن وكله إلى غيره فقد خسر وهلك وهذا مأخوذ من قوله: "فإنها لا تزيدك إلا وهنا".
السابعة "التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك" أي لكونه التفت إليها بقلبه في جلب نفع أو دفع ضر وهي لا تنفع ولا تضر.
الثامنة "أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك" أي من الشرك لكون حذيفة لما قطعه تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ .
стр. 50
التاسعة "تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر كما ذكر ابن عباس في آية البقرة" أي لما تلا حذيفة هذه الآية النازلة في المشركين الشرك الأكبر على من علق في يده الخيط من الحمى دل على مثل ذلك وقوله: "كما ذكر ابن عباس" أي أن ابن عباس لما استدل بقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ في سورة البقرة على قول الرجل: "والله وحياتك يا فلان وحياتي، ولولا كلبه هذا لأتانا اللصوص" إلخ، وهو شرك أصغر والآية نازلة في الكفار الذين يشركون مع الله غيره في عبادته دل على مثل ذلك.
العاشرة "الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له" أي ترك الله له أي معاملة له بنقيض مقصوده كما دل عليه حديث عقبة بن عامر ﵁.
стр. 51
باب ما جاء في الرقي والتمائم تفسير الرقى والتمائم
...
باب ما جاء في الرقي والتمائم
في "الصحيح" عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت. وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" [رواه أحمد وأبو داود] . وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: "من تعلق شيئاً وكل إليه". [رواه أحمد والترمذي] .
"التمائم": شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن، فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁.
و"الرقى) : هي التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة.
و"التولة) : شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا رويفع! لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمداً بريء منه".
стр. 52
وعن سعيد بن جبير ﵁، قال: "من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة" [رواه وكيع] . وله عن إبراهيم "١" قال: كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقي والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاثة كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أم لا؟.
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين، من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وتراً.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف، لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
стр. 53
فيه مسائل:
الأولى "تفسير الرقى والتمائم" أي الرقى هي التي تسمى العزائم، والتمائم شيء يعلقونه يزعمون أنه يدفع العين.
الثانية "تفسير التولة" أي ما يصنعون يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته وهو ضرب من السحر.
الثالثة "أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء" أي كما دل عليه حديث ابن مسعود لما فيه من تعلق القلب على غير الله إلا ما دل الدليل على جوازه ولم يعلق العبد قلبه عليه كما رخص في الرقى ما لم تكن شركا.
الرابعة "أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك" أي ليس مما نهي عنه إذا اجتمعت شروطه وهي أن يكون بأسماء الله وصفاته وأن يكون باللسان العربي وما يعرف معناه وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بنفسها بل بتقدير الله كما ذكره الشارح عن السيوطي.
الخامسة "أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أم لا" أي هل هي مما نهي عنه أم لا والراجح أنها داخلة في المنهي عنه لأمور ثلاثة: عموم النهي ولا مخصص، وكون المعلق لها يمتهنها بدخول الخلاء وهي عليه،
وكون ذلك وسيلة إلى تعليق ما ليس من القرآن كما أشار إلى ذلك في الشرح.
السادسة "أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك" أي مما نهي عنه لكونه أمر بقطعه وتوعد من تقلده.
السابعة "الوعيد الشديد على من تعلق وترا" أي لقوله: "أو تقلد وترا" إلى أن قال: "فإن محمدا بريء منه".
стр. 54
الثامنة "فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان" أي لقول سعيد بن جبير: "إنه كعدل رقبة".
التاسعة "أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود" أي قول إبراهيم النخعي: "كانوا يكرهون التمائم كلها" لم يرد به جميع الصحابة الذين تقدم عنهم الخلاف في تعليق التمائم من القرآن وإنما
أراد أصحاب عبد الله بن مسعود فإنهم أخذوا بقوله في النهي عن ذلك مطلقا ولم يخالفه واحد منهم.
стр. 55
باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما
...
باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَ اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ "٢٩" الآيات.
عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر! إنها السنن، قلتم ـ والذي نفسي بيده ـ كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ " ٣٠" لتركبن سنن من كان قبلكم". [رواه الترمذي وصححه] .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النجم.
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك، لظنهم أنه يحبه.
الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل.
стр. 56
السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: "الله أكبر إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم" فغلظ الأمر بهذه الثلاث.
الثامنة: الأمر الكبير، وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا﴾ ٣١) .
التاسعة: أن نفي هذا معنى "لا إله إلا الله) ، مع دقته وخفائه على أولئك.
العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر، لأنهم لم يرتدوا بهذا.
الثانية عشرة: قولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر" فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك.
الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب، خلافاً لمن كرهه.
الرابعة عشرة: سد الذرائع.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية، لقوله "إنها السنن".
الثامنة عشرة: أن هذا عَلم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر.
стр. 57
التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. أما "من ربك) ؟ فواضح، وأما "من نبيك) ؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما "ما دينك) ؟ فمن قولهم: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا﴾ إلخ.
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين.
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يُؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لقولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر.
стр. 58
فيه مسائل:
الأولى "تفسير آية النجم" أي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ فاللات صخرة كان يلت عليها السويق للحاج، والعزى شجرة يعبدونها.
الثانية "معرفة صورة الأمر الذي طلبوا" أي أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها.
الثالثة "كونهم لم يفعلوا" أي لأنه لما نهاهم أطاعوه وتركوا قولهم.
الرابعة "كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه" أي لما طلبوا ذلك من النبي ﷺ علم أنهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك إذ لا يظن بهم أنهم يطلبون ما علموا أنه معصية.
الخامسة "أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل" أي أنهم لما جهلوا مثل هذا وهو أنهم طلبوا التقرب إلى الله بالشرك لجهلهم مع كونهم مع النبي ﷺ فغيرهم أولى بالجهل خصوصا مع ما حدث من كثرة الجهل وخفاء العلم.
السادسة "أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم" أي بسبب الصحبة للنبي ﷺ وغير ذلك ومع هذا أنكر عليهم فالإنكار على غيرهم أولى.
السابعة " أن النبي ﷺ لم يعذرهم بل رد عليهم بقوله: "الله أكبر إنها السنن لتتبعن سنن من كان قبلكم" فغلظ الأمر بهذه الثلاث" أي أنه أنكر عليهم ورد عليهم ما قالوه وغلظ عليهم بهذه الثلاث أي قوله: "الله أكبر" و "إنها السنن" وقوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم".
الثامنة "الأمر الكبير وهو المقصود أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجعل لنا إلها" أي لما كان المقصود أن كلا طلب أن يجعل له شيء يألهه
стр. 59
جعل طلبتهم كطلبة بني إسرائيل وإن لم يسموه إلها لكن لما كانت الحقيقة واحدة أنكر عليهم ولم ينظر إلى كونهم سموها ذات أنواط فالمشرك مشرك ولو سمى شركه ما سماه كما أشار إلى ذلك في الشرح.
التاسعة "أن نفي هذا من معنى لا إله إلا الله مع دقته وخفائه على أولئك" أي نفي اعتقاد البركة في الأشجار والأحجار وغيرها من معنى لا إله إلا الله ولذلك أنكر النبي ﷺ عليهم ذلك ولو كان لا ينافي لا إله إلا الله لما أنكره عليهم ولكن لدقته خفي عليهم.
العاشرة "أنه حلف على الفتيا وهو لا يحلف إلا لمصلحة" أي لما قال: "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى".
الحادية عشرة "أن الشرك فيه أكبر وأصغر لأنهم لم يرتدوا بهذا" أي لما شبه مقالتهم بمقالة بني إسرائيل وجعل ذلك اتخاذ إله مع الله صار هذا شركا أصغر ولو كان أكبر لأمرهم بتجديد إسلامهم والذي منعهم من الردة كونهم لم يفعلوا.
الثانية عشرة "قولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر" فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك" أي الذين قالوا ذلك كانوا قريب عهد بشرك لم يسلموا إلا من قريب بخلاف السابقين الأولين فإنهم لم يصدر منهم شيء من ذلك.
الثالثة عشرة "التكبير عند التعجب خلافا لمن كرهه" أي لقوله: "الله أكبر إنها السنن".
الرابعة عشرة "سد الذرائع" أي أنه لما بادرهم بالإنكار عليهم مجرد القول ولم يصبر عن الإنكار إلى أن يفعلوا صار هذا سدا للذريعة.
الخامسة عشرة "النهي عن التشبه بأهل الجاهلية" أي لما نهاهم عن اتخاذ ذات أنواط وأخبر أنه من سنن الذين قبلهم دل ذلك على النهي عن التشبيه بهم.
стр. 60
السادسة عشرة "الغضب عند التعليم" أي لقوله: "الله أكبر إنها السنن" الخ الحديث.
السابعة عشرة "القاعدة الكلية لقوله: "إنها السنن" " أي أن كل ما كان من سنن الكفار فهو مذموم لأنه جعل هذه الكلمة المذمومة من سننهم فدل ذلك على أن سننهم مذمومة.
الثامنة عشرة "أن هذا علم من أعلام النبوة لكونه وقع كما أخبر" أي لما أخبر أنهم يتبعون سنن من كان قبلهم ووقع ذلك دل على نبوته ﷺ .
التاسعة عشرة "أن ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا" أي لما ذم قولهم: "اجعل لنا ذات أنواط" وجعله كقول بني إسرائيل قاصدا ذمه دل ذلك على أن ما ذموا به فهو لنا لنحذره لئلا يحصل لنا من الذم مثل ما حصل لهم ولو كان
خاصا بهم لما حسن التشبيه بهم.
العشرون "أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. أما "من ربك" فواضح وأما "من نبيك" فمن إخباره بأنباء الغيب وأما "ما دينك" فمن قولهم: اجعل لنا إلها إلخ" أي لما أنهم استحسنوا مثل هذا ولم يقدموا عليه حتى سألوا النبي ﷺ دل ذلك على أن العبادات مبناها على الأمر أي على التوقيف ولو لم تكن على التوقيف لما احتاجوا إلى سؤاله. وأما قوله: "ففيها التنبيه على مسائل القبر" إلخ، فإن وجه ذلك أنهم لما لم يدعوا في الشجرة أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت دل ذلك على أنهم مقرون بذلك لله وأن الله هو الرب الخالق الرازق وأما دلالتها على نبوته فإنه أخبر أنهم يفعلون كفعل بني إسرائيل فوقع كما أخبر فدل على نبوته وأما دلالته على قوله: "ما دينك" فتؤخذ من إنكاره عليهم قولهم: " اجعل لنا ذات أنواط" لأن فيه طلب البركة من غير الله وهذا ينافي دين الإسلام فإنه يقتضي إقبال القلب على الله في كل حال إلخ ما ذكره في الحديث عن قوم موسى.
стр. 61
الحادية والعشرون "أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين" أي إنه لما ذم قولهم وجعله كقول بني إسرائيل دل على ذم سنتهم كما دل قوله: "لتركبن سنن من كان قبلكم" على ذم سنة المشركين.
الثانية والعشرون "أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لقولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر"" أي أن سبب قولهم هذا وجود بقية من تلك العادة بعد إسلامهم لم تذهب من قلوبهم ففيه التحرز من ذلك لئلا يصدر من الإنسان شيء من ذلك وهو لا يشعر.
стр. 62
باب ما جاء في الذبح لغير الله الأيات والأحاديث الدالة على ذلك
...
باب ما جاء في الذبح لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ َبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ "٣٢" الآية، وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ "٣٣) .
عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن ووالديه. لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض" [رواه مسلم] .
وعن طارق بن شهاب، أن رسول الله ﷺ قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب" قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لأحدهما قرب قال: ليس عندي شيء أقرب قالوا له: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة" [رواه أحمد] .
стр. 63
فيه مسائل:
الأولى: تفسير ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾ .
الثانية: تفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك.
الخامسة: لعن من آوى محدثاً وهو الرجل يحدث شيئاً يجب فيه حق لله فيلتجيء إلى من يجيره من ذلك.
السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك في الأرض وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير.
السابعة: الفرق بين لعن المعيّن، ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.
الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصاً من شرهم.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل، ولم يوافقهم على طلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا منه إلا العمل الظاهر.
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافراً لم يقل: "دخل النار في ذباب) .
стр. 64
الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك".
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.
стр. 65
فيه مسائل:
الأولى "تفسير ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ " أي ذبحي وهو الشاهد من الآية.
الثانية "تفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ " أي أخلص لربك صلاتك ونحرك والشاهد قوله: "وانحر" فلما أمر بإخلاصه لله وقرنه بالصلاة دل على أنه عبادة.
الثالثة "البداءة بلعنة من ذبح لغير الله" أي لكونه أعظم الذنوب.
الرابعة " لعن من لعن والديه ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك" أي إما مباشرة أو تتسبب إلى ذلك.
الخامسة "لعن من آوى محدثا وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق الله" أي مثل حد زنا أو سرقة فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك أي يمنعه من أن يقام عليه الحد وهذا على رواية الكسر للدال.
السادسة "لعن من غير منار الأرض وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك فتغيرها بتقديم أو تأخير" أي علامات حدودها وهذا من ظلم الأرض الذي ورد فيه الوعيد.
السابعة "الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم" أي أن الثاني جائز كما في هذا الحديث وأمثاله وأما الأول ففيه خلاف فمن العلماء من أجازه ومنهم من منع منه وصفته أن يقول لمن يراه يسرق مثلا: لا تسرق لعنك الله.
الثامنة "هذه القصة العظيمة وهي قصة الذباب" أي لكونها صارت سببا لدخول أحدهما النار والآخر الجنة.
التاسعة "كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده بل فعله
стр. 66
تخلصا من شرهم" أي لم يقصده قبل أن يطلبوا منه فلما خاف من شرهم تقرب حينئذ بذلك الذباب تخلصا منه وليس معناه أنه لم يقصده مطلقا إلا إن قيل يؤاخذون بما فعلوه ولو كانوا مكرهين.
العاشرة "معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم مع أنهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر" أي كونه صبر على القتل مع أنه لو وافقهم ظاهرا لسلم منه، دليل على شدة كراهته للشرك وهذا كالذي قبله محمول على كونهم لا يعاقبون على ما فعلوه مكرهين.
الحادية عشرة "أن الذي دخل النار مسلم لأنه لو كان كافرا لم يقل دخل النار في ذباب" أي هو مسلم قبل أن يقرب الذباب لا بعده وإلا لما دخل النار.
الثانية عشرة "فيه شاهد للحديث الصحيح: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك"" أي لكون هذا لما قرب الذباب دخل النار والآخر لما ضربت عنقه دخل الجنة.
الثالثة عشرة "معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان" أي لكونهم قالوا: "قرب ولو ذبابا" فقصدوا استمالة قلبه ولو لم يريدوا ذلك لما اكتفوا بالذباب لأنه لا فائدة فيه لأكل ونحوه.
стр. 67
باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ "٣٤" الآية.
عن ثابت بن الضحاك ﵁، قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأله النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد"؟ قالوا: لا. قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم"؟ قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ :"أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" [رواه أبو داود، وإسنادها على شرطهما] .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ "٣٥) .
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البيِّنة ليزول الإشكال.
الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع.
стр. 68
السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية ولو بعد زواله.
السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله.
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة، لأنه نذر معصية.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده.
العاشرة: لا نذر في معصية.
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
стр. 69
فيه مسائل:
الأولى "تفسير قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ " أي مسجد الضرار نهى الله نبيه ﷺ أن يصلي فيه والشاهد أن هذا المسجد لما أسس على الكفر نهى الله نبيه ﷺ أن يصلي فيه فكذا المواضع المعدة للذبح لغير الله لا يذبح المسلم فيها لله وهذا من أحسن القياس.
الثانية "أن المعصية قد تؤثر في الأرض وكذلك الطاعة" أي لما قصد المنافقون المعصية في مسجد الضرار أثر ذلك فيه فمنع الله نبيه ﷺ من الصلاة فيه ومسجد قباء لما كان أهله يحبون أن يتطهروا طاعة لله أمر الله نبيه ﷺ أن يقوم فيه.
الثالثة "رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال " أي أن هذا الرجل لما نذر أن ينحر ببوانة احتمل أن يكون فيه محذور أو لا يكون فهذه المسألة المشكلة فسأله عن ذلك فلما أجابه ظهر أن ليس فيه محذور وهذه المسألة البينة فحينئذ أمره بالوفاء بنذره لعدم المانع من ذلك.
الرابعة "استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك" أي لما كان هذا المكان محتملا لكونه محل وثن من أوثانهم أو عيد من أعيادهم أولم يكن استفصله النبي ﷺ .
الخامسة "أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع" أي لكون النبي ﷺ لم ينكر عليه ذلك وأمره بالوفاء بنذره.
السادسة "المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية ولو بعد زواله" أي لقوله: "فهل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية" ولو لم يكن ذلك مؤثرا لما حسن السؤال عنه ولم يفرق بين كونه موجودا الآن أو فيما مضى.
السابعة "المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله" أي لقوله:
стр. 70
"وهل كان فيها عيد من أعيادهم" وهذه كالتي قبلها. وقوله: "ولو بعد زواله" لأن كان بمعنى وجد وهو يصدق على ما كان موجودا الآن أو قبل ثم زال والله أعلم.
الثامنة "أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة لأنه نذر معصية" أي أنه نذر معصية ولو لم يكن ذلك معصية لما حسن التعقيب به ونذر المعصية لا يجوز الوفاء به كما دل عليه حديث عائشة المذكور في الباب بعده.
التاسعة "الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده" أي أنه لما جعل نذر الذبح في مكان عيد المشركين نذر معصية ومنع من الوفاء به مع كون الناذر لم يقصده دل ذلك على الحذر من مشابهتهم.
العاشرة "لا نذر في معصية" أي لقوله: " لا وفاء لنذر في معصية الله".
الحادية عشرة "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك" أي كما أشار إليه في الحديث ومعناه أن يضيف النذر إلى ملك الغير كقوله: "إن شفى الله مريضي لأتصدقن بمال فلان" ذكر معناه في الشرح.
стр. 71
باب من الشرك النذر لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ "٣٦" وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ "٣٧) .
وفي "الصحيح" عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
فيه مسائل:
الأولى: وجوب الوفاء بالنذر.
الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله فصرفه إلى غيره شرك.
الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
стр. 72
فيه مسائل:
الأولى "وجوب الوفاء بالنذر" أي نذر الطاعة لقوله: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" مثل الصلاة والصوم والاعتكاف وغيرها.
الثانية "إذا ثبت كونه عبادة فصرفه إلى غير الله شرك" أي لما مدحهم الله على الوفاء بالنذر وأنه يجازيهم عليه دل ذلك على أنه عبادة كما أشار إليه في الشرح. والعبادة إذا صرفت لغير الله صارت شركا.
الثالثة "أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به" أي لقوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" وذلك كالزنا وشرب الخمر ونحوهما.
стр. 73
باب من الشرك الاسيعاذة بغير الله تفسير الاستعاذة
...
باب من الشرك الاستعاذة بغير الله
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ "٣٨) .
وعن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" [رواه مسلم] .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الجن.
الثانية: كونه من الشرك.
الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث، لأن العلماء استدلوا به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره.
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية من كف شر أو جلب نفع – لا يدل على أنه ليس من شرك.
стр. 74
فيه مسائل:
الأولى "تفسير آية الجن" أي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ معناه أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر فبات في مكان قفر استعاذ بكبير الجن من سفهاء قومه فلما رأى الجن ذلك زادوهم خوفا وذعرا
والشاهد من الآية أن هذا مما كانوا يفعلونه في الشرك قبل إسلامهم.
الثانية "كونه من الشرك" أي لأن الاستعاذة عبادة أمر الله بإخلاصها له فلما صرفوها إلى الجن صار ذلك شركا.
الثالثة "الاستدلال على ذلك بالحديث لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة قالوا لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك" أي أن الإمام أحمد وغيره استدلوا بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق لأن الرسول ﷺ أرشد إلى الاستعاذة به وذكر فضيلة ذلك ولو كان مخلوقا لم يرشد إلى ذلك ولم يأمر به لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
الرابعة "فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره" أي لقوله: "لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك".
الخامسة "أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك" أي أنهم إذا استعاذوا بكبير الجن سلموا من شرهم فهذه هي المنفعة ولكن مثل هذا لا يدل على جوازه وأنه ليس من الشرك بل يؤخذ ذلك من أدلة الشرع وهي قد دلت على أنه شرك فإن قدر أن فيه منفعة فهذا لا يبيحه لأن فيه من المفاسد أضعاف ذلك.
стр. 75
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره وما هي الاستغاثة ؟
...
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ "٣٩" الآية. وقوله: ﴿إِِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ "٤٠" الآية. وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ "٤١" الآيتان. وقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ "٤٣) .
وروي الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ".
следующие страницы →