← Акыда

Акыда · id 7593

التوضيح المفيد لمسائل كتاب التوحيد

عبد الله الدويش

Полный текст (247 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

باب من الشرك النذر لغير الله وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ "٣٦" وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ "٣٧) . وفي "الصحيح" عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". فيه مسائل: الأولى: وجوب الوفاء بالنذر. الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله فصرفه إلى غيره شرك. الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.

стр. 72

فيه مسائل: الأولى "وجوب الوفاء بالنذر" أي نذر الطاعة لقوله: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" مثل الصلاة والصوم والاعتكاف وغيرها. الثانية "إذا ثبت كونه عبادة فصرفه إلى غير الله شرك" أي لما مدحهم الله على الوفاء بالنذر وأنه يجازيهم عليه دل ذلك على أنه عبادة كما أشار إليه في الشرح. والعبادة إذا صرفت لغير الله صارت شركا. الثالثة "أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به" أي لقوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" وذلك كالزنا وشرب الخمر ونحوهما.

стр. 73

باب من الشرك الاسيعاذة بغير الله تفسير الاستعاذة ... باب من الشرك الاستعاذة بغير الله وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ "٣٨) . وعن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" [رواه مسلم] . فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الجن. الثانية: كونه من الشرك. الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث، لأن العلماء استدلوا به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره. الخامسة: أن كون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية من كف شر أو جلب نفع – لا يدل على أنه ليس من شرك.

стр. 74

فيه مسائل: الأولى "تفسير آية الجن" أي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ معناه أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر فبات في مكان قفر استعاذ بكبير الجن من سفهاء قومه فلما رأى الجن ذلك زادوهم خوفا وذعرا والشاهد من الآية أن هذا مما كانوا يفعلونه في الشرك قبل إسلامهم. الثانية "كونه من الشرك" أي لأن الاستعاذة عبادة أمر الله بإخلاصها له فلما صرفوها إلى الجن صار ذلك شركا. الثالثة "الاستدلال على ذلك بالحديث لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة قالوا لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك" أي أن الإمام أحمد وغيره استدلوا بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق لأن الرسول ﷺ أرشد إلى الاستعاذة به وذكر فضيلة ذلك ولو كان مخلوقا لم يرشد إلى ذلك ولم يأمر به لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. الرابعة "فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره" أي لقوله: "لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك". الخامسة "أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك" أي أنهم إذا استعاذوا بكبير الجن سلموا من شرهم فهذه هي المنفعة ولكن مثل هذا لا يدل على جوازه وأنه ليس من الشرك بل يؤخذ ذلك من أدلة الشرع وهي قد دلت على أنه شرك فإن قدر أن فيه منفعة فهذا لا يبيحه لأن فيه من المفاسد أضعاف ذلك.

стр. 75

باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره وما هي الاستغاثة ؟ ... باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ "٣٩" الآية. وقوله: ﴿إِِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ "٤٠" الآية. وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ "٤١" الآيتان. وقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ "٤٣) . وروي الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ".

стр. 76

فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص. الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ "٤٤) الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر. الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين. الخامسة: تفسير الآية التي بعدها. السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفراً. السابعة: تفسير الآية الثالثة. الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه. التاسعة: تفسير الآية الرابعة. العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله. الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه. الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له. الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.

стр. 77

الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة. الخامسة عشرة: أن هذه الأمور سبب كونه أضل الناس. السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة. السابعة عشرة: الأمر العجيب وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين. الثامنة عشرة: حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد والتأدب مع الله .

стр. 78

فيه مسائل: الأولى "أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص" أي لأن الدعاء عام والاستغاثة دعاء المكروب فهو دعاء مخصوص. الثانية "تفسير قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ " أي لا ينفعك إن دعوته ولا يضرك إن تركت دعاءه. الثالثة "أن هذا هو الشرك الأكبر" أي لقوله: ﴿فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين﴾ أي المشركين والظلم هنا هو الشرك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . الرابعة "أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين" أي لقوله: ﴿فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين﴾ . الخامسة "تفسير الآية التي بعدها" أي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ أي لا يقدر على ذلك إلا الله. السادسة "كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا" أي دعاء غير الله لا ينفع وهو كفر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . السابعة "تفسير الآية الثالثة" أي قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ . الثامنة "أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله كما أن الجنة لا تطلب إلا منه" أي لقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ فتقديم المعمول يفيد الاختصاص أي اطلبوه من عند الله لا من عند غيره. التاسعة "تفسير الآية الرابعة" أي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ

стр. 79

اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ الآيتين. العاشرة "أنه لا أضل ممن دعا غير الله" أي لقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . الحادية عشرة "أنه غافل من دعاء الداعي لا يدري عنه" أي لقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ . الثانية عشرة "أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له" أي لقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ . الثالثة عشرة "تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو" أي لقوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ﴾ . الرابعة عشرة "كفر المدعو بتلك العبادة" أي لقوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ والمعنى أنهم يتبرؤون من ذلك ويجحدونه. الخامسة عشرة "هي سبب كونه أضل الناس" أي لقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . السادسة عشرة "تفسير الآية الخامسة" أي قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ . السابعة عشرة "الأمر العجيب وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين" أي أنهم إذا سئلوا عن ذلك أقروا أنه لا يقدر على ذلك إلا الله وقوله: "يدعونه في الشدائد" كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية، فيلزمهم إفراده بالعبادة دائما لكونه هو القادر على ذلك لا ما عبدوه معه. الثامنة عشرة "حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد والتأدب مع الله" أي لقوله: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" مع كونه مما يقدر عليه ولكنه نهاهم حماية لجناب التوحيد فكيف إذا طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله .

стр. 80

باب قول الله تعالى ﴿ ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وتفسيرها ... باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ الآية. "٤٥" وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ "٤٦" الآية. وفي "الصحيح" عن أنس قال: شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم "؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ "٤٧" وفيه عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" بعدما يقول:"سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ "٤٧" الآية وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال:"يا

стр. 81

معشر قريش" ـ أو كلمة نحوها ـ" اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً". فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين. الثانية: قصة أحد. الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة. الرابعة: أن المدعو عليهم كفار. الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار. منها: شجهم نبيهم وحرصهم على قتله، ومنها: التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم. السادسة: أنزل الله عليه في ذلك ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ "٤٨) . السابعة: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٤٩" فتاب عليهم فآمنوا. الثامنة: القنوت في النوازل. التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم. العاشرة: لعنه المعين في القنوت.

стр. 82

الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه:: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ "٥٠) . الثانية عشرة: جدّه ﷺ في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن. الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: "لا أغني عنك من الله شيئاً" حتى قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً" فإذا صرح ﷺ وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئاً عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه ﷺ لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس الآن ـ تبين له التوحيد وغربة الدين.

стр. 83

فيه مسائل: الأولى "تفسير الآيتين" أي قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً﴾ ففيه الإنكار على من عبد أي معبود كان لأنه لا يخلق شيئا وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ فيها إبطال عبادة كل ما سوى الله لأنه لا يملك القطمير فكيف بما هو أعظم. الثانية "قصة أحد" أي غزوة أحد التي شج فيها وكسرت رباعيته ﷺ وقتل فيها من قتل من الصحابة ففيها أنهم عاجزون لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا بل الأمر كله لله وحده. الثالثة "قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون" أي إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة من صلاة الفجر دعا وأمن الصحابة خلفه. الرابعة "أن المدعو عليهم كفار" أي في ذلك الوقت. الخامسة "أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار منها شجهم نبيهم وحرصهم على قتله ومنها التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم" أي أنهم فعلوا هذه الخصال التي هي من أسباب الدعاء عليهم ولكن أمر الله غالب وهو المتصرف في عباده دون خلقه. السادسة "أنزل الله عليه في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " أي عواقب الأمور بيدي فامض أنت لشأنك ودم على عبادة ربك، قاله ابن عطية. كما أشار إليه في الشرح. السابعة "قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فتاب عليهم فآمنوا" أي صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام وأمثالهم ومنهم من قتل شهيدا.

стр. 84

الثامنة "القنوت في النوازل" أي لما دعا عليهم في الصلاة بعد فعلهم ما فعلوه دل على القنوت في النوازل. التاسعة "تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم" أي لكونه سمى صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام. الحادية عشرة "قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ " أي أنه جمعهم فأنذرهم فعم وخص وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئا. الثانية عشرة "جده ﷺ بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون وكذلك لو يفعله مسلم الآن" أي أنه لما جمعهم وأنذرهم قال عمه أبو لهب: "تبا لك ألهذا جمعتنا" ونسبوه إلى الجنون وكذلك لو أن مسلما أخذ يصدع بالحق بين الناس ويحذر من الباطل لنسب إلى الجنون بسبب غربة الدين. الثالثة عشرة "قوله للأبعد والأقرب: "لا أغني عنك من الله شيئا" حتى قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا" فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين وآمن الإنسان أنه ﷺ لا يقول إلا الحق ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم يتبين له التوحيد وغربة الدين" أي من آمن أنه لا يغني عن أقرب الناس إليه شيئا لتصريحه بذلك ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس أي من أنه يملك وينفع ويضر ويعلم الغيب تبين له التوحيد أي أنه الإقبال على الله وحده لأنه الذي بيده الأمر دون من سواه وتبين له غربة الدين لأجل أن أكثر الخلق تركوا التوحيد ووقعوا في الشرك حيث تركوا إخلاص العبادة لله وحده وأقبلوا على عبادة من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا بنص الآيات والأحاديث.

стр. 85

باب قول الله ﴿ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية وبيان معناها ... باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ "٥١) . وفي "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك. حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ـ ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ـ وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه ـ فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها عن لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء". وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة ـ أو قال رعدة ـ شديدة خوفاً من الله . فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجداً. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي

стр. 86

جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ". فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية. الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصاً من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب. الثالثة: تفسير قوله: ﴿رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ "٥٢) . الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك. الخامسة: أن جبريل هو الذي يجيبهم بعد ذلك بقوله: "قال كذا وكذا". السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل. السابعة: أن يقول لأهل السماوات كلهم، لأنهم يسألونه. الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم. التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله. العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله. الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين. الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضاً. الثالثة عشرة: إرسال الشهب. الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة

стр. 87

يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه. الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان. السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة. السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟!. التاسعة عشرة: كونهم يلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها. العشرون: إثبات الصفات خلافاً للأشعرية المعطلة. الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي كانا خوفاً من الله . الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجداً.

стр. 88

فيه مسائل: الأولى "تفسير الآية" أي قوله تعالى: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي زال عنها الفزع والمراد به الملائكة. الثانية "ما فيها من الحجة على إبطال الشرك خصوصا ما تعلق على الصالحين وهي الآية التي قيل إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب" أي بسبب أمور أربعة: الأول: أنهم لا يملكون شيئا، الثاني: أنهم لا يملكون قسطا من الملك، الثالث: أنهم لا يعاونون الله لغناه عن جميع خلقه، الرابع: أنهم لا يملكون الشفاعة إلا بإذنه لمن ارتضى، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام في الباب الذي بعده. الثالثة "تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ " أي أخبروا أن الله لا يقول إلا حقا وهو العلي الذي علا على جميع خلقه علو الذات وعلو القهر وعلو القدر الكبير الذي لا أكبر منه جل وعلا. الرابعة "سبب سؤالهم عن ذلك" أي لما كانوا يصعقون حين يسمعون كلام الله فلا يفهمونه فإذا زال ذلك عنهم سألوا عنه فأخبروا. الخامسة "أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: قال كذا وكذا" لأنه الملك الموكل بالوحي وهو أول من يرفع رأسه. السادسة "ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل" أي لأنه الملك الموكل بالوحي ويدل ذلك على فضله. السابعة "أنه يقول لأهل السموات كلهم لأنهم يسألونه" أي لقوله: "ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها". الثامنة "أن الغشي يعم أهل السموات كلهم" أي لقوله: "فإذا سمع ذلك

стр. 89

أهل السموات صعقوا". التاسعة "ارتجاف السموات بكلام الله" أي لقوله: "أخذت السموات منه رجفة". العاشرة "أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله" أي كما ذكره في آخر الحديث وذلك والله أعلم لأنه الملك الموكل بالوحي. الحادية عشرة "ذكر استراق الشياطين" أي أنهم يركب بعضهم بعضا فيسترقون السمع من السماء أو من السحاب كما في الحديث الآخر. الثانية عشرة "صفة ركوب بعضهم بعضا" أي كما وصف سفيان بن عيينة أحد رواة الحديث فبدد بين أصابعه وحرف كفه. الثالثة عشرة "إرسال الشهاب" أي أن الشيطان إذا أراد استراق السمع أرسل عليه الشهاب. الرابعة عشرة "أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه" أي لقوله في الحديث: "فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه". الخامسة عشرة "كون الكاهن يصدق في بعض الأحيان" أي لأجل ما أتاه به وليه من الشياطين لا لكونه صدقه عن علم. السادسة عشرة "كونه يكذب معها مائة كذبة" أي يخلط مع تلك الكلمة الواحدة مائة كذبة ليروج بها على الناس فيقبلوا كذبه. السابعة عشرة "أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" أي لاغترار الناس بها وغفلتهم عما قارنها من الكذبات.

стр. 90

الثامنة عشرة "قبول النفوس للباطل كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة" أي أن كونهم اغتروا بواحدة فصدقوه بها في كل ما قال ولم يعتبروا بمائة فيردوا بها الباطل، من قبول نفوسهم للباطل. التاسعة عشرة "كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها" أي هذا من أسباب ترويج ما يقوله الكاهن من الباطل، ولو أنهم قالوا إنه يكذب كثيرا ولم يغتروا بهذه الكلمة لسلموا من باطله ولم يرج عليهم. العشرون "إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة" أي مثل صفة الكلام من قوله: "تكلم بالوحي" وقوله: "سمع صوته أهل السماء" أنه بصوت، ومثل صفة العلو من قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . الحادية والعشرون "أن تلك الرجفة والغشي خوفا من الله " أي كما ذكره في الحديث وفيه أن السموات تخاف الله حقيقة بما جعله فيها. الثانية والعشرون "أنهم يخرون سجدا" أي كما ذكر في الحديث.

стр. 91

باب الشفاعة وتفسيرها وما ورد فيها من الآيات والأحاديث ... باب الشفاعة وقول الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ "٥٣" وقوله: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ "٥٤" وقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ "٥٥" وقوله: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ "٥٦" وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ َمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ "٥٧" الآيتين. قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ "٥٨" فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تُشفع. وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن

стр. 92

الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه. فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيات. الثانية: صفة الشفاعة المنفية. الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة. الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود. الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ ، وأنه لا يبدأ بالشفاعة أولاً، بل يسجد، فإذا أذن الله له شفع. السادسة: من أسعد الناس بها؟. السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله. الثامنة: بيان حقيقتها.

стр. 93

فيه مسائل: الأولى "تفسير الآيات" أي آية الأنعام والزمر والبقرة والنجم وسبأ. الثانية "صفة الشفاعة المنفية" أي هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. الثالثة "صفة الشفاعة المثبتة" أي هي التي تطلب من الله وتكون بشرطين: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له. الرابعة "ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود" أي شفاعته ﷺ لأهل الموقف حتى يقضى بينهم فيستريح أهل الجنة من كرب الموقف. الخامسة "صفة ما يفعله ﷺ أنه لا يبدأ بالشفاعة بل يسجد فإذا أذن له سجد" أي مع كونه أفضل الخلق فكيف بغيره، وهذا يدل على أن الأمر كله لله. السادسة "من أسعد الناس بها" أي هم من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه فصارت مختصة بأهل التوحيد. السابعة "أنها لا تكون لمن أشرك بالله" أي أنه لما خصها بأهل التوحيد دل ذلك أنها لا تكون لمن أشرك بالله. الثامنة "بيان حقيقتها" أي أن الله يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود.

стр. 94

باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وتفسير الهداية ... باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ "٥٩" الآية. وفي "الصحيح" عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ "٦٠" الآية. وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ "٦١) . فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله:: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ "٦٢) . الثانية: تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ "٦٣" الآية.

стр. 95

الثالثة: وهي المسألة الكبرى – تفسير قوله ﷺ : "قل: لا إله إلا الله" بخلاف ما عليه من يدعي العلم. الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذ قال للرجل: "قل لا إله إلا الله". فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام. الخامسة: جدّه ﷺ ومبالغته في إسلام عمه. السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه. السابعة: كونه ﷺ استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك. الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان. التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر. العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك، لاستدلال أبي جهل بذلك. الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم، لأنه لو قالها لنفعته. الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين، لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته ﷺ وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم، اقتصروا عليها.

стр. 96

فيه مسائل: الأولى "تفسير ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ " أي إنك يا محمد لا تهدي من أحببت والمراد هداية التوفيق والإلهام والقبول وإنما القادر على ذلك هو الله وأما هداية الدلالة والإرشاد فيقدر عليها كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . الثانية "تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ " أي ما يصلح لهم ولا ينبغي لهم أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أقرب الناس إليهم مادام أنهم ماتوا على غير الإسلام. الثالثة "وهي المسألة الكبرى تفسير "قل لا إله إلا الله" بخلاف ما عليه من يدعي العلم" أي أن تفسيرها إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه ولذلك لما فهم هذا كفار قريش لم يقولوها بخلاف من بعدهم ممن يدعي العلم فإنهم لما خفي عليهم هذا صاروا يقولونها وهم متلبسون بالشرك لظنهم أنه لا ينافيها. الرابعة "أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذا قال للرجل: "قل لا إله إلا الله" فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام" أي أنهم عرفوا مراده وهو أنه يقتضي ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله فلذلك نهوا أبا طالب عن قولها وهذا يدل على أنهم أعلم بأصل الإسلام من كثير من أهل هذه الأزمان. الخامسة "جده ﷺ ومبالغته في إسلام عمه" أي أنه لما قال: " قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله" ثم أعاد ذلك عليه دل على شدة مبالغته ﷺ في ذلك. السادسة "الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه" أي كونهم عارضوا قول النبي ﷺ لعمه: "قل لا إله إلا الله" بقولهم: "أترغب عن ملة عبد المطلب" دل ذلك

стр. 97

على أنها منافية للإسلام وأن عبد المطلب غير مسلم. السابعة "كونه ﷺ استغفر له فلم يغفر له بل نهي عن ذلك" أي لقوله: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فنزل قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . الثامنة "مضرة أصحاب السوء على الإنسان" أي أن أبا جهل ومن معه نهوه عن قول لا إله إلا الله وقالوا له ما قالوا فصار جلوسهم في تلك الحالة عنده مضرة عليه. التاسعة "مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر" أي لما كانت ملة عبد المطلب معظمة عند أبي طالب امتنع عن الإسلام بسببها ولو كان لا يعظمها لما شق عليه أن يرغب عنها. العاشرة "استدلال الجاهلية بذلك" أي أن أبا جهل ومن معه استدلوا بتعظيم أبي طالب لملة عبد المطلب فجعلوها أعظم حائل بينه وبين قول لا إله إلا الله. الحادية عشرة "الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم لأنه لو قالها لنفعته" أي لقوله: في الحديث: "أحاج لك بها عند الله" فدل على أنها تنفعه لو قالها في تلك الحال. الثانية عشرة "التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها مع مبالغته ﷺ وتكريره فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها" أي قولهم: "أترغب عن ملة عبد المطلب".

стр. 98

باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ "٦٤) . وفي "الصحيح" عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ "٦٥" قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم، عبدت) . وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" [أخرجاه] . وقال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو". ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً.

стр. 99

فيه مسائل: الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده، تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب. الثانية: معرفة أول شرك حدث على وجه الأرض أنه بشبهة الصالحين. الثالثة: أول شيء غيّر به دين الأنبياء، وما سبب ذلك مع معرفة أن الله أرسلهم. الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها. الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل، فالأول: محبة الصالحين، والثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئاً أرادوا به خيراً، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره. السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح. السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد. الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدعة سبب الكفر. التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل. العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه. الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح. الثانية عشرة: معرفة: النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.

стр. 100

الثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها. الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه، فهو الكفر المبيح للدم والمال. الخامسة عشرة: التصريح أنهم لم يريدوا إلا الشفاعة. السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك. السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين. الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين. التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده. العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء.

стр. 101

فيه مسائل: الأولى "أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين له غربة الإسلام ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب" أي من فهم باب سبب الكفر هو الغلو في الصالحين والتغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح وأن الغلو في قبور الصالحين يجعلها أوثانا تعبد، تبين له غربة الإسلام لكون أكثر الخلق جعلوا مثل هذا هو أفضل الأعمال وكفروا من نهى عنه وهذا من قدرة الله وتقليبه للقلوب لما أعرضت عن الشرع ولم تؤمن به كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ . الثانية "معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه بشبهة الصالحين" أي لما غلا هؤلاء في الصالحين حدث الشرك فيمن بعدهم بسببه. الثالثة "أول شيء غير به دين الأنبياء وما سبب ذلك مع معرفة أن الله أرسلهم" أي هو بعبادة غير الصالحين وسبب ذلك الغلو الذي فعله هؤلاء فلما ماتوا وأتى من بعدهم فعبدوهم لظنهم أن الأولين أرادوا ذلك. الرابعة "قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها" أي لما أوحى إليهم الشيطان ذلك قبلوه ولو أنهم رجعوا إلى الشرع وعملوا به لما قبلوا ما أوحاه إليهم الشيطان ولكنهم استحسنوا ما قالوه فحصل ما حصل. الخامسة "أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل فالأول محبة الصالحين والثاني فعل أناس من أهل العلم شيئا أرادوا به خيرا فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره" أي أن سبب هذا الكفر خلط الحق بالباطل فالأول الذي هو الحق محبة الصالحين والثاني الذي هو الباطل ما فعله الأولون من نصب الأنصاب إلى مجالسهم وهذا فعلوه من باب المحبة لهم فصار هذا العمل المركب من الحق

стр. 102

والباطل سببا لعبادة من أتى بعدهم لهم من دون الله لكونهم ظنوا أنهم ما صوروا صورهم إلا ليعبدوهم ولو أن الأولين فهموا أن المحبة تحصل بدون تصوير صورهم والغلو فيهم لما حصل ذلك ولكنهم التبس عليهم الأمر وهذا من مكائد الشيطان التي كاد بها بني آدم قديما وحديثا ولم يسلم منها إلا القليل. السادسة "تفسير الآية التي في سورة نوح" أي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ الآية. السابعة "جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد" أي أن هؤلاء نقص في قلوبهم الحق فلم يكتفوا بمحبة الصالحين والاقتداء بهم بل زادوا عليه الباطل وهو أن نصبوا إلى مجالسهم أنصابا وعكفوا على قبورهم وهذا من جبلة الآدمي إنه كان ظلوما جهولا. الثامنة "فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر" أي أن الكفر الذي حصل في الأرض بسبب ما ابتدعه هؤلاء من تصوير صورهم والغلو فيهم. التاسعة "معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل" أي لما عرف الشيطان أن ما تؤول إليه البدعة هو الكفر حسنها لهم ولم ينظر إلى حسن مقصدهم فيفسده عليهم بل زادهم رغبة فيه حتى يحصل ما يريد من الكفر. العاشرة "معرفة القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه" أي القاعدة الجامعة تقتضي النهي عن الغلو مطلقا لأنه يؤول إلى الكفر. الحادية عشرة "مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح" أي لأنه صار سببا لعبادة هؤلاء من دون الله. الثانية عشرة "معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها" أي معرفة النهي عن الصور والحكمة في إزالتها لأن بقاءها سبب لعبادتها من دون الله ولو بعد حين.

стр. 103

الثالثة عشرة "معرفة شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها" أي قصة الصالحين من قوم نوح ومعرفة شدة الحاجة إليها لئلا يجهلها الإنسان فيفعل كما فعلوا ومع هذا غفل عنها أكثر الناس فوقعوا فيما وقع فيه قوم نوح. الرابعة عشرة "وهي أعجب وأعجب قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث ومعرفتهم بمعنى الكلام وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات فاعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال" أي أعجب شيء قراءة من يدعي العلم في هذه الأوقات قصة قوم نوح مع معرفتهم بمعنى الكلام ولكن حيل بينهم وبين معرفة التوحيد حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات فصوروا صور الصالحين وعظموا قبورهم وعبدوهم وجعلوا هذا الذي نهى الله ورسوله عنه هو أفضل الأعمال وإذا نهاهم أحد عن هذا حكموا عليه بالكفر والخروج عن الإسلام وقالوا: تنقصت الصالحين. وهذا معنى قول المؤلف: "فاعتقدوا أن ما نهى الله عنه ورسوله" إلخ، فما في كلامه مصدرية أي اعتقدوا أن نهي الله ورسوله - كما في بعض النسخ - فهم في الحقيقة قد عكسوا القضية فجعلوا الكفر إسلاما والإسلام كفرا. الخامسة عشرة "التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة" أي أن الذين عبدوا هؤلاء الصالحين لم يريدوا إلا الشفاعة وإلا فكانوا مقرين أن الله هو الخالق الرازق النافع الضار. السادسة عشرة "ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك" أي ظن الذين عبدوهم أن الذين قبلهم أرادوا الشفاعة وهم لم يريدوها وإنما فعلوا ذلك ليتذكروا أفعالهم. السابعة عشرة "البيان العظيم في قوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين" أي لا تمدحوني بالباطل ولا تتجاوزوا الحد في مدحي فتعبدوني كما عبدت النصارى المسيح لما غلوا فيه وهذا

стр. 104

من كمال نصحه ﷺ . الثامنة عشرة "نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين" أي المتكلفين المتشددين في غير موضع التشديد ومن التنطع رفع المخلوق فوق منزلته. التاسعة عشرة "التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده" أي أن صور هؤلاء الصالحين وأنصابهم لم تعبد حتى فقد العلم فيؤخذ منه معرفة قدر وجود العلم ومضرة ذهابه لأن بوجوده حصل التوحيد وبفقده وجد الشرك. العشرون "أن سبب فقد العلم موت العلماء" أي إذا ذهب أهله فقد كما في الحديث الصحيح: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء" الحديث.

стр. 105

باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده في "الصحيح" عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها في أرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين، فتنة القبور، وفتنة التماثيل. ولهما عنها قالت: لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال ـ وهو كذلك ـ: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً، [أخرجاه] . ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا

стр. 106

تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن ـ وهو في السياق ـ من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبْنَ مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجداً، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد" [رواه أبو حاتم في صحيحه] . فيه مسائل: الأولى: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجداً يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل. الثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر في ذلك. الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك. كيف بيّن لهم هذا أولاً، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم. الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر. الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم. السادسة: لعنه إياهم على ذلك.

стр. 107

السابعة: أن مراده ﷺ تحذيره إيانا عن قبره. الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره. التاسعة: في معنى اتخاذها مسجداً. العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجداً وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته. الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد. الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع. الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلّة. الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة. الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة. السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.

стр. 108

فيه مسائل: الأولى "ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح ولو صحت نية الفاعل" أي ذكر أنهم شرار الخلق عند الله ولعنهم على ذلك. الثانية "النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك" أي الصور لقوله: "وصوروا فيها تلك الصور" وغلظ الأمر بقوله: "أولئك شرار الخلق عند الله". الثالثة "العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك كيف بين لهم هذا أولا ثم قبل موته بخمس قال ما قال ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم" أي أنه بالغ في النهي عن العبادة عند القبور فذم الذين يبنون المساجد على قبور أنبيائهم ويصورون صورهم ثم قبل موته بخمس ليال نهى عن اتخاذ القبور مساجد كما في حديث جندب ثم لما كان في السياق نهى عنه كما في حديث عائشة: "لما نزل برسول الله ﷺ إلخ". الرابعة "نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر" أي لقولها: "يحذر ما صنعوا" إلخ. الخامسة "أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم" أي لقوله: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". السادسة "لعنه إياهم على ذلك" أي لقوله: "لعنة الله على اليهود والنصارى". السابعة "أن المراد تحذيره إيانا عن قبره" أي أنه لعنهم تحذيرا لنا أن نفعل عند قبره مثل ما فعلوا فيصيبنا من اللعنة ما أصابهم.

стр. 109

الثامنة "العلة في عدم إبراز قبره" أي هي ما ذكره من الوعيد على اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فصار هذا سببا في عدم إبراز قبره لئلا يتخذ مسجدا. التاسعة "في معنى اتخاذها مسجدا" أي بإيقاع الصلاة عندها تكون قد اتخذت مساجد. العاشرة "أنه قرن بين من اتخذها مساجد وبين من تقوم عليه الساعة فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته" أي كما في حديث ابن مسعود: "إن من شرار الناس إلخ" وقوله: "فذكر الذريعة إلى الشرك" يعني قوله: "والذين يتخذون القبور مساجد" لأنه ذريعة ووسيلة إلى الشرك وقوله: "مع خاتمته" يريد قوله: "من تقوم عليهم الساعة" لأنها لا تقوم إلا على شرار الخلق كما ثبت في الحديث وخاتمة ذلك هي الشرك، وأهله شرار الخلق الذين تقوم عليه الساعة. الحادية عشرة "ذكره في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما أشر شرار أهل البدع بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة وهم الرافضة والجهمية وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور وهم أول من بنى عليها المساجد" أي ذكر ذلك كما في حديث جندب وقوله: "بل أخرجهم بعض أهل العلم" إلخ، أي بسبب كفرهم وقوله: "وهم الرافضة" يعني غلاة الشيعة سموا بذلك لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين وجه الرد عليهم أنه نهى عن اتخاذ القبور مساجد وهم يتخذونها مساجد وقوله: "ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" ففيه فضيلة أبي بكر وهم يبغضونه ويسبونه وقوله: "وبسبب الرافضة" إلخ، أي أنهم لما غلوا في أهل البيت حتى عبدوهم مع الله وبنوا على قبورهم المساجد واتخذوها مشاهد حدث الشرك. وأما الجهمية فهم نفاة الأسماء والصفات أهل التعطيل نسبة لإمامهم جهم بن صفوان ووجه الرد عليهم قوله في الحديث: "فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا" وهم ينفون ذلك.

стр. 110

الثانية عشرة "ما بلي به ﷺ من شدة النزع" أي كما في حديث عائشة: "فإذا اغتم بها كشفها". الثالثة عشرة "ما أكرم به من الخلة" أي لقوله: "فإن الله قد اتخذني خليلا". الرابعة عشرة "التصريح بأنها أعلى من المحبة" أي لكونه نفى أن يتخذ أحدا من أهل الأرض خليلا مع إخباره بحبه لعائشة وأبيها وغير واحد من الصحابة. الخامسة عشرة "التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة" أي لقوله: "لاتخذت أبا بكر خليلا". السادسة عشرة "الإشارة إلى خلافته" أي لما خصه بهذه المنقبة العظيمة دل ذلك على الإشارة إلى أنه أحق بالخلافة من غيره مع غيرها من الفضائل التي اختص بها.
следующие страницы →