Полный текст (402 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
(وأما قولكم وقوله من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا فنقول لا شبهة في أن مرتكبه عاص بقصده آثم، لكن لا يكون بهذا مشركاً، وما ذكره في معرض الاستدلال على مدعاه من قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ ومن الحديث ما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة إن أعطي رضى وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" الحديث لا دلالة فيه على
стр. 352
ما ادعاه نعم فيه دلالة على تجح حاله، ولاشك أنه آثم عاص فيما ارتكبه من هذا القصد لا يقال هو كبير مرتبها كافر، لأنا نقول هذا مذهب الخوارج المارقين من الدين كما تقدم) .
فنقول: أيضاً مما يوضح ما قلناه من أن صاحب المقدمة لم يعرف الشرك وأقسامه، ولم يتأمل ماذا يقول في كلامه إذ قد نفى الشرك عمن عمل عملاً يبتغي به ثواب الآخرة مريداً به غير وجه الله، وعمن فرغ قلبه ولسانه للدنيا وما حوته من زينتها وأمتعتها مقبلاً بكليته عليها ومعرضاً عن الله ورحمته وما يوصل إليها، زاعماً صاحب المقدمة أن ذلك لا يسمى إلاَّ معصية مجردة عن الشرك فلا هو سببها ولا مسماه في هذا الباب يرادفها، ثم انه لم يفهم معنى الآية والحديث، وما قاله أهل العلم في القديم والحديث من المفسرين وشراح الحديث، فلذلك تجلى له وهمه وخاطبه كفاحاً ظنه أنه ليس قصدنا من الترجمة وذكر الآية والحديث إلاَّ الشرك اكبر والكفر المخلد في النار الموجب لأنواع الشر، فصدق ما قاله علينا ظنه وأخطأ المعنى فهمه، وذلك أن قوله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... ﴾ الآية نزلت في كل من عمل عملاً يريد به غير الله قاله المفسرون منهم أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في كتابه معالم التنزيل، وروى فيه أن النبي ﷺ قال: "ان أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال: "الرياء" وحكاه البكري تلخيصاً من السنة في معنى الآية ان المرائي لا ثواب له في عمله وإنما يعجل له حظه في الدنيا من صحة وسعة لا ينقص منه شيئاً وهذا مع مشيئة الله وإرادته كقوله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ... ﴾ الآية وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... ﴾ الآية ثم ان كان المرائي مسلماً ففعله ذلك ذنب كبير يؤاخذ به إلاَّ أن يرحمه الله، وإن كان كافراً عجل له ما سبق ويقطع له بالخزي في الآخرة، وقال العوفي عن ابن عباس أن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا وذلك أنهم لا يظلمون نقيراً فمن عمل صالحاً من صوم أو صلاة أو تهجد في الليل لا يعلمه، لا لالتماس الدنيا يقول الله أو فيه الذي التمسه من الدنيا وأحبط عمله في الآخرة وهو من الخاسرين، وروى ذلك عن مجاهد وغيره قالوا ان هذه الآية نزلت في أهل الرياء، قال ابن عباس في رواية عطاء من كان يريد عاجل
стр. 353
الدنيا فلا يؤمن بالبث والثواب والعقاب، وقال أنس والحسن نزلت في اليهود والنصارى، وقال قتادة من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته جازاه الله في الدنيا بحسناته ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها، هذا في الكافر، وأما المؤمن فإرادته الآخرة غالبة فيجزى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في الآخرة وذلك قوله نوف إليهم أعمالهم فيها، وفي حديث أنس المرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا قبض إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيراً" انتهى. فإذا عمل المؤمن عملاً يبتغي به غير الله فإما أن يعمله ملتمساً به منه تعجيل أمر من أمور الدنيا كصحة وعافية وكالذي يعبد الله ليكثر ماله وولده أو يكرمه في الدنيا ويسلمه من آفاتها لا امتثالاً لأمره تعالى وإجلالاً لعظمته، وقياماً بحق عبوديته لأن العمل لذلك من أعلى درجات الإخلاص، وأما أن يعمله ملتمساً به اكتساب محمدة عند الناس أو محبة ومدح منهم، فيظهر في عمله التصنع لهم، فالأول داخل في عموم قول ابن عباس في رواية العوفي عنه أن معنى الآية فيمن عمل صالحاً لا يعمله إلاَّ لالتماس الدنيا يقول الله فيه أوفيه الذي التمسه من الدنيا وأحبط عمله في الآخرة وهو من الخاسرين فلا ثواب له في عمله ذلك.
(فإن قيل) باقي الآية وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ دال بصريحه على أن المقصود منها الكفار المنكرون للبعث وأشباههم، أو اليهود والنصارى، كما هو قول ابن عباس في رواية عطاء ان من كان يريد عاجل الدنيا فلا يؤمن بالبعث والثواب والعقاب، وقول أنس والحسن أنها نزلت في اليهود والنصارى.
(الجواب) أن منكري البعث واليهود والنصارى وسائر أنواع الكفار لا يخرجون عن مضمون معنى الآية وغيرها من سائر القرآن، ان من رغب عن الله وما عنده من الجزاء لأوليائه المؤمنين، وعصى رسله واتبع هواه مريداً للدنيا وزينتها ومؤثرها على إتباع أوامره تعالى واجتناب مناهيه راآي في عمله أو لم يراء أنه ليس له في الآخرة إلاَّ النار
стр. 354
وحبط ما صنعوا فيها، أي ذهب ما عملوا في الدنيا من حسنة، لأنهم وقت البعثة والجزاء لم يروا لها ثواباً وباطل ما كانوا يعملون، أي ماحق مضمحل، وعبر أولاً بالحبوط باعتبار وقت حصول المأمول، وثانياً بالبطلان، باعتبار وقت العمل، وهي في المؤمن العامل لإرادة الحياة الدنيا وزينتها زجر وتهديد لحبوط ثواب ما عمله وخسرانه في الآخرة واستحقاقه دخول النار بذلك إلاَّ أن يرحمه الله ويغفر له، والإشارة ترجع إليه بهذا المعنى، ولهذا قال ابن عباس في الرواية الأخرى عنه وغيره أن هذه الآية فيمن عمل صالحاً من صلاة وصوم ونحوهما لالتماس شيء من الدنيا، وإلا فقد تواترت الأخبار الصحيحة والنقول الصريحة من كلام الله وسنة رسوله أن المؤمن العاصي لا يخلد في النار، وأكثر الصحابة وأهل العلم من المفسرين وغيرهم على أن هذه الآية نازلة في المرائي بعمله، والثاني أعني من يعمل ملتمساً بعمله اكتساب محمدة عند الناس ونحوها فهو أكبر من الأول، لأن العبادات هنا باطلة من أصلها مع بطلان ثوابها فإن كانت فرضاً لا تصح منه ولا تجزئه مع مقارنة الرياء أول العبادة وفعلها لأجله، وهذا هو الذي ذكره مجاهد وغيره أن الآية نزلت فيه ولما ذكر لمعاوية حديث أبي هريرة حديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار وهم الذي تعلم العلم ليقال عالم، وتصدق ليقال جواد، وجاهد ليقال شجاع، وبكى معاوية بكاء شديداً ثم قرأ هذه الآية فالعمل لغير الله شرك سواء كان لإرادة الدنيا هي بنفسها وللسلامة من آفاتها لا لامتثال الأمر والقيام بحق العبودية، أو لالتماس محمدة أو محبة ومدح من أهلها، وقد عقدت الترجمة لذلك مقصوداً بها الشرك الأصغر، وصريح كلام صاحب المقدمة ناف الشرك عن هذا العمل زاعماً أنا نكفر به لأنه كبيرة والخوارج يكفرون بها وقد نسبنا إليهم والى مذهبهم وما هذا الإجراءة وبهتان وقول زور وطغيان. لأنا نقول لاشك أنه شرك أصغر وهو كبيرة لورود الوعيد والعقوبة على فاعله بنص التنزيل والأحاديث الصحيحة المتواترة المشهورة والمصونة عن الأباطيل لكن فاعل الكبائر إذا مات موحداً لا يخلد في النار ولا يكفر صاحبها بمجرد فعلها، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ولحديث عبادة بن الصامت المتقدم ذكره وحديث أبي ذر وغيره المتفق عليه ولأن الشرك الأصغر دون الأكبر فيدخل تحت المشيئة، والآية واردة في الشرك الأكبر بخصوصه على أن طائفة من العلماء مشوا في الآية على ظاهرها للعموم فقالوا ان
стр. 355
الشرك الأصغر لا يغفر إلاَّ بالتوبة منه وإلا فلابد من تطهير فاعله في النار ثم يخرج منها كبقية أهل الكبائر، لأن الآية نص في عدم غفران الشك من حيث هو، لكن الأكبر أهله مخلدون بنص الكتاب والسنة، والأصغر أهله مسلمون بنصهما غير محكوم على صاحبه بالكفر، وإطلاق الآية في عدم غفرانه فارق بينه وبين سائر المعاصي التي هي دونه قابلة للغفران، والجواب عن ذلك ما تقدم من أنه داخل في الدون فهو تحت المشيئة ويصدر من خواص الأمة ولا قائل بوجوب العذاب والحكم به عليهم إذ لا يسلم منه غالباً إلاَّ من عصمه الله وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولأن الغفران اضمحلال الذنب ومحوه وهو عدم وجوده، وبقاؤه موجب للعذاب ما بقي وذلك مخالف للقاعدة في أن أهل الكبائر لا يخلدون لأن خروجهم منها بعد دخولها بالذنب لأمرين:
(الأول) منهما أن الذنب الذي استحق به دخول النار قابل للمغفرة وان لم يوجد الدخول.
(الثاني) وجود الإيمان الذي ماتوا عليه بخلاف الذنب الذي لا يغفر فإنه يقتضي العذاب الأليم أبداً ولا يضمحل بعذاب مرتكبه لأنه غير قابل للمغفرة قبل العذاب، وكل ما لا يقبل المغفرة قبل العذاب لا يضمحل بوجوده، إلاَّ ترى إلى عذاب الكفار، قال سبحانه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا﴾ وليس هنا ذنب غير قابل المغفرة إلاَّ الشرك الأكبر فإنه لا يغفر بل يعذب أهله العذاب الأكبر فتعين أن يكون الشرك الأصغر ذنباً كبيراً كبقية الذنوب التي تقبل الغفران من علام الغيوب، ومن الدليل أيضاً على أن المريد بعمله غير الله يكون مشركاً قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ولما في المتفق عليه من حديث جندب بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به ومن راآى راآى الله به" وفي المتفق عليه أيضاً من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" ولمسلم من حديث أبي هريرة في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، وله أيضاً من حديثه مرفوعاً قال الله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك
стр. 356
فيه غيري تركته وشركه" وله أيضاً من حديث أبي سعيد مرفوعاً: "ألا أخبركم بما هو أخوف عندي عليكم من المسيح الدجال قالوا بلى يا رسول الله قال الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيحسن صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه" وأخرج أبو يعلى عن ابن مسعود مرفوعاً: "من حسَّن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه " وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" وأخرج البزار بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعاً: "تعرض أعمال بنوا آدم بين يدي الله في صحف مختمة فيقول الله ألقوا هذا واقبلوا هذا كقول الملائكة يا رب والله ما رأينا منه إلاَّ خيراً فيقول ان عمله كان لغير وجهي ولا أقبل من العمل إلاَّ ما أريد به وجهي".
إذا علم ذلك فالمشركون في هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلاً عظيماً كتفاضل المؤمنين في حقيقة الإيمان وتفاضلهم فيه بحسب مقاصدهم، ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، والقيام بحق العبودية إنما يتم بانقطاع القلب إلى الله وتعلقه به، فكلما التفت العبد إلى غيره وأعرض عنه كان فيه من العبودية لذلك الغير بحسب تعلقه به وانقطاعه إليه، ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ان أعطي رضى وإن لم يعط سخط" فسماه النبي ﷺ عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة وذكر فيه ما هر بصيغته وخبر بمعناه، والانتقاش إخراج الشوكة مما هي فيه، وهذه حال من عبد المال وأمتعة الدنيا فرغب فيها ومال إليها وأعرض عن الله لم يفلح وإذا أصابه شر لم يخرج منه لكونه تعس وانتكس هلك وخاب فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي وإذا منع سخط كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ لغير الله فرضاهم وسخطهم لغير الله، وهذا حال عبد ما يهواه من ذلك فهو رقيق له
стр. 357
والرق عبودية كلما استرق القلب واستعبده من الأمور فالقلب عبده ورقيقه، ولهذا يقال في العبد حرٌ ما قنع والحر عبدٌ ما طمع ومنه قول القائل:
قصدت الشام أطلب مستقراً ... فلم أجد لي بأرض مستقراً
أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو إني قنعت لكنت حرا
ويقال الطمع غل في العنق وقيد في الرجل، فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل، ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: الطمع فقر واليأس غنى وان أحدكم إذا أيس من شيء استغني عنه، وهذا مشاهد فان ما لا طمع فيه إذا أيس منه القلب لا يطلبه ولا يطمع فيه فلا يبقى فقيراً إليه رقيقاً له إلاَّ عشق الصورة، وقد يضمحل مع اليأس أيضاً، وقال الخليل صلاة الله وسلامه عليه فابتغوا عند الله الرزق، وذلك أن العبد لابد له من رزق وهو محتاج إليه فإن طلبه من الله كان عبد الله فقيراً إليه، وإن طلبه من مخلوق كان عبداً لذلك المخلوق فقيراً إليه، ولهذا كانت مسئلة المخلوق محرمة في الأصل وإنما تباح عند الضرورة، وتد ورد النهي عنها في أحاديث كثيرة مذكورة في الصحاح والمسانيد والسنن كقوله ﷺ : "لا تزال المسألة بأحدهم حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم" وقال: " من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو خموشاً أو كدوحاً في وجهه" وقوله: " لا تحل المسألة إلاَّ لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع" وهذا المعنى في الصحيح وفيه أيضاً: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" وقد تقدم الكلام على هذا مبسوطاً في بحث الدعاء، فطمع العبد في ربه ورجاؤه منه يوجب عبوديته له وإعراض القلب عن الله وعن رجائه يوجب انصراف قلبه عن عبوديته لاسيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق بحيث يكون قلبه معتمداً إما على رياسة له وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على ساداته وكبرائه كمالكه وملكه وشيخه ومخدومه وغيرهم ممن هو حي قد مات أو يموت قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن يرزقوه أو ينصروه أو يهدوه خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية لهم
стр. 358
بقدر ذلك، وان كان في الظاهر أميراً لهم مدبراً لهم متصرفاً بهم، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر، فالرجل الذي قد تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيراً لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، لاسيما إذا علمت بفقره إليها وعشقه لها وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تحتكم فيه حكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه بل أعظم، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، لأن من استعبد بدنه واسترق وأسر لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً بل يمكنه الاحتيال في الخلاص من ذلك، وأما استرقاق القلب واستعباده لغير الله فهو الذل والأسر والاسترقاق المحض، وما العبودية إلاَّ ما استعبد القلب واسترقه وأسره وهذا هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك مع قيامه بما يقدر عليه مما أمر به من الواجبات، ولهذا من استعبد بحق فأدى حق الله وحق مواليه فله أجران ولو أكره على الكفر تكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك، وهذا بخلاف ما استعبد قلبه لغير الله فصار رقيقاً له فهذا هو الضار في الدين المنقص عن درجة الموحدين وان كان ملك الناس ظاهر، فالحرية في هذا الباب حرية القلب والعبودية عبوديته، كما أن الغنى غنى القلب، وهذا إذا استعبدت صورة مباحة قلبه فكيف بالمحرمة كالمرأة الأجنبية أو الصبي الأمرد أو الدرهم أو الدينار المحرم فهذا هو العذاب الأليم دنيا ودينا، والعاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها واستعبدته رقيا لها اجتمع عليه من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلاَّ ربُّ العباد ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى فدوام تعلق القلب بها بلا فعلها أشد ضرراً ممن يفعل ذنباً، ثم يقلع عنه ويتوب منه ويزول من قلبه أثره، إذ تعلق القلب بالفواحش والظلم والشرك والكذب وابتغاء العلو في الأرض موجب لبقاء عبودية القلب لها ما بقي متعلقاً بها وهو رقيق أيضاً لمن يعينه عليها، وإن كان دونه رتبة والأمور الدنيوية نوعان:
منها ما يحتاج إليه العبد كاحتياجه إلى طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه كما قال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ويكون المال عنده بهذا النوع يستعمله في حاجته بمنزلة دابته التي يركب عليها وبساطه الذي
стр. 359
يجلس عليه بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته فلا هو عبده بذلك ولا رقيقه.
ومنها: ما لا يحتاج إليه فهذا لا ينبغي له أن يعلق قلبه بها لأنه إذا تعلق قلبه بها أقبل بكليته عليها وأعرض عن الله فصار عبداً لها، وربما يكون معتمداً على غير الله فيها فلا تبقى معه حقيقة العبادة لله ولا حقيقة التوكل عليه بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله، فهذا من أحق الناس بقوله ﷺ : "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة" وهذا هو عبد هذه الأمور وإن طلبها من غير الله وهو يسخط أن منعها ويعتمد فيها على غيره لعدم إقباله على الله ورضاه ما رضيه له، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضى الله ويسخطه ما يسخط الله ويحب ما يحب الله ورسوله ويبغض ما يغضبه الله ورسوله ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله، هذا هو الذي يستكمل الإيمان كما في الحديث: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" لا من أحب لغير الله وسخط لغيره واعتمد على غير الله وتوكل على غيره وعمل لغيره، فإن قلبه رقيق عبد لذلك الغير مشرك به شاء أم أبى.
стр. 360
قول البوصيري يا أكرم الخلق وحديث بن مظعون وتزكية الناس ورد قول الخصم فيما يتعلق بقول البوصيري
(وأما قولكم وقوله ما شاء الله وشئت وتضليل قائله وتفريعه عليه تضليل من قال:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
فنقول حاشاه ثم حاشاه من الضلال، والعجب ثم العجب من جراءتك على السلف وتضليل الصالحين الذين قد شاع وذاع بل ملأ الأسماع علمهم وصلاحهم وزهدهم بل إن كان صاحب بردة المديح مشركاً فليس على وجه الأرض موحد، وقد علمت أن الواجب على كل مسلم حمل كلام هذا الرجل الصالح الورع الزاهد وأمثاله على محمل حسن، وحسن الظن بالمسلمين واجب أيضاً مع ظهور ان الحصر الذي
стр. 361
في هذا البيت وأمثاله إضافي بالنسبة إلى المخلوق والمعنى ما لي من ألوذ به من المخلوقات لأجل الشفاعة سواك وليت شعري ما الذي حملك على تضليل هذا الرجل الذي قد توفاه الله قبل أن تخلق بأعوام عديدة أي عداوة حصلت بينك وبينه، أم على أي خصومة لأجلها تعاميت عن هذا الوجه الظاهر الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وحملت كلامه على محمل بعيد غير لائق بحال آحاد عوام الناس وهو الحمل على الحصر الحقيقي حتى حكمت تضليله بسبب هذه المقالة وما أشبهها من قول صاحب البردة. ولن يضيق رسول الله جاهك بي الأبيات كما نقلها عنه إذ لاشك أن مراده منها لن يضيق جاهك عن الشفاعة لي وهذا ظاهر جداً فالويل كل الويل لمن يحكم بتضليل أساطين هذه الأمة بأمثال هذه التمويهات ويظهر الطعن في السلف الصالح لجلب قلوب العوام أو لحب رياسة أو عصبية أو لغرض من الأغراض الفاسدة) .
فنقول: أما قول القائل ما شاء الله وشئت أو ما شاء الله وشاء فلان فقد ورد النهي عنه فيما رواه النسائي وصححه عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت فقال النبي: "أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده" وعن حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" رواه أبو داود بسند صحيح، وعن الطفيل أخي عائشة لأمها قال رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود قلت إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير ابن الله قالوا وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد ثم مررت بنفر من النصارى فقلت إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله قالوا وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال هل أخبرت بها أحداً قلت نعم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده" رواه ابن ماجه بإسناد قوي وعن فتيلة بن معبد الجهني أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة وأن
стр. 362
يقولوا ما شاء الله ثم شئت" رواه النسائي وصححه وروى ابن أبي حاتم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، ومنه قول الرجل لصاحبه ما شاء وشئت ولولا الله وفلان، وقال أبو عبد الله الند هو الضد والله تعالى منزه عن الأضداد والأمثال المتخذين من دونه أو معه، ذكره أهل التفسير، واثبات الله سبحانه المشيئة للعباد في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال المفسرون في معناه لمن شاء منكم بدل من العالمين بإعادة الجار يقول ما القرآن إلاَّ موعظة للخلق أجمعين، ثم أبدل فهم لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق، والإيمان بدل بعض من كل ومعناه أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على الحق ثم رد المشيئة إلى نفسه فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فأعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلاَّ بمشيئة الله وتوفيقه، وهذا إعلام منه تعالى بأن الإنسان لا يعمل خيراً إلاَّ بتوفيق الله له ولا شراً إلاَّ بخذلانه وقد ذكر عبد الله بن المبارك عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى قال لما نزلت لمن شاء منكم أن يستقيم قال أبو جهل الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وان شئنا لم نستقم، فأنزل الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وقال عبد الله بن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ أن الضمير في من شاء أي فمن شاء الله إيمانه آمن ومن شاء كفره كفر فالمشيئة حقيقة لله وحده ومشيئة العبد تحت مشيئة الله وقدرته وإرادته خيرها وشرها وحسنها وقبيحها ولا يخرج شيء عن مشيئته وقدرته تعالى، فإن العبد وأعماله مخلوقة لله، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وأعمال العبد كسب له فالله خالق لا مكسب، والعبد مكتسب لا خالق، هذا مذهب أهل السنة والله تعالى يحاسب العبد بميل هواه واختياره المعصية وميله إليها وله الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل، ولو شاء لهدى الناس أجمعين، ونهى الشارع ﷺ عن التشريك في مشيئة الخالق والمخلوق بالواو دليل على الحضرية إذ قد صرح الأصوليون بأن حد النهي استدعاء كف بالقول على سبيل الوجوب وهو الحتم وأنه دال على فساد المنهي عنه في العبادات سواء نهى عنها لعيها كعبادة الحائض، أو لأمر لازم لها كالصلاة
стр. 363
أوقات النهي، وصوم يوم العيد، أو لأمرٍ مطلق على أصح الوجهين، كالوضوء بماء مغصوب، والبيع وقت نداء الجمعة، وفي المعاملات أيضاً، سواء رجع النهي إلى نفس العقد كبيع الحصاة، أو إلى أمر داخل فيه كالنهي عن بيع الملاقيح وهو ما في بطون الأمهات، أو الأمر بالشيء نهى عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده فإذا قال اسكن كان ناهياً له عن التحرك، أو لا تتحرك كان آمراً له بالسكون، فتعين أن يكون النهي عن التشريك أمراً بالتوحيد ولك منصرف إلى الوجوب إذ هو متحتم على كل أحد، كالنهي في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ فكل هذا النهي وما في معناه متضمن الحتم على الخلق عن المنهي عنه سواء كان كفراً أو معصية وقول القائل ما شاء الله وشئت معصية بعد النهي الوارد عن هذه الصيغة بالواو ولا يكفر مرتكبها إلاَّ أنه مشرك شركاً أصغر يجب الكف عنه والتوبة منه تغليباً لجانب أصل الإيمان المستصحب على وجود المعصية الصادرة ممن حكم بإسلامه، وفاعل المعصية المتلبس بها ضال ما لم يتب منها وينحاد عنها فالعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين وقوامه كله لله تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ فقوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
أولى بنهي النبي ﷺ ذلك الرجل عن قوله ما شاء الله وشئت من وجوه:
(منها) أن الرسول ﷺ مبعوث بتحقيق هذا التوحيد وتحريره ونفي الشرك بكل وجه حتى في الألفاظ كقوله لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء محمد بل ما شاء الله وحده، كقوله للرجل القائل ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله وحده".
(ومنها) أن الله سبحانه أثبت لعباده مشيئة كقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ وكإثباته الشفاعة لمن شاء
стр. 364
من خلقه فيمن رضي عنه بعد إذنه فالعبد له مشيئة كسبية ولابد، ولكنها تحت مشيئة الله وإرادته لا توجد إلاَّ بها ولا تصدر إلاَّ عنها، إذ هو الخالق تعالى لأفعال العباد كلها وهو الباعث مقام المحمودية للنبي ﷺ مقاماً محموداً الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وهو المشفع فيمن رضي عنه من أمته، بخلاف الأمور والتصرفات الكونيات التي أسندها سبحانه إلى نفسه، كقوله: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وما يكون إلاَّ له لا يسند لغير لا حقيقة ولا مجازاً لا في الشفاعة ولا في غيرها مما لا يقدر على وجوده إلاَّ الله وهو متوقف على إذنه تعالى ورضاه فلا يقال فيه لأحد من الخلق مالي من ألوذ به سواك، إذ الأمر كله لله، والشفاعة كلها له لعدم وجودها من النبي وغيره إلاَّ من بعد إذن الله له ﷺ ورضا الله عن المشفوع له كغيره من سائر الشفعاء، وإسناد الشفاعة للأنبياء أو غيرهم إنما هو باعتبار وتحقق الإذن لهم فيها لمن ﵁ وارتضى عمله، والسائل لم يحقق في نفسه وجود الشرطين المعتبرين فلا يعلم أهو ممن يأذن الله فيه أم لا، وهل هو ممن ارتضى أم لا، فتعين عليه صرف همته وعزائم أمره في طلب ما هو السبب الموصل والمقتضي من الأعمال الباطنة والظاهرة للرضا عنه والإذن فيه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة عنه: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله إلاَّ الله يبتغي بها وجه الله" وفي رواية خالصاً من قلبه، وقال ﷺ لربيعة ابن كعب الأسلمي خادمه وقد سأله مرافقته في الجنة: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" فكل ما كان الرجل أتم إخلاصاً لله عاملاً بطاعته كان أحق بالشفاعة، وكل ما كان مشغوفاً بالتعلق على أحد من المخلوقين يدعوه ويرجوه كان أبعد الناس عن الشفاعة.
(ومنها) أن سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة قد اتفقوا على أن النبي ﷺ لا يسأل في قبره بعد موته لا استغفاراً ولا شفاعة ولا غيرهما، وقالوا إن الشفيع يطلب من الله ويسأله ولا تنفع الشفاعة إلاَّ بإذنه، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقد ثبت في الصحيح أن سيد الشفعاء ﷺ إذا طلبت منه الشفاعة بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم نوح
стр. 365
وإبراهيم وموسى عيسى فيردونها إلى محمد ﷺ العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: " فاذهب إلى ربي فإذا رأيته خررت ساجداً فاحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع فأقول رب أمتي أمتي فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة"، فالشفاعة كلها لله، وهو تعالى غني عن العالمين وهو وحده يدبرهم كلهم فما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه، لأنه الذي يأذن للشفيع في الشفاعة، وهو الذي يقبل شفاعته كما يلهم الداعي الدعاء، ثم يجبب دعاءه، فالأمر كله له، وإذا كان العبد يرجو شفعاء من المخلوقين ففد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة ولا يقبل شفاعته فيه، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ قال طائفة من السلف كان قوم يدعون العزير والمسيح والملائكة شفاعتهم، فأنزل الله هذه الآية وأخبر فيها أن هؤلاء المسؤولين يتقربون إلى الله ويبتغون مرضاته ويرجون رحمته ويخافون عذابه وأنهم لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا فلا يملكون الشفاعة من دونه ولا يشفعون إلاَّ بإذنه لمن رضي عنه، وأفضل الخلق محمد، ثم إبراهيم، صلى الله عليهما وعلى سائر الأنبياء وسلم، وقد منعوا من الاستغفار لمن لم يرض عنه ولا ارتضى عمله، وما ذاك إلاَّ أنه تعلق على غير الله وأعرض بقلبه عنه فلم يخلص قلبه ولسانه له بل إما جدّ واجتهد في دعاء غير الله ورجائه فيما لا يقدر عليه إلاّ َالله، وأما شابه وفرغ قلبه ولسانه فيما هو الموقع في الشرك نفسه مما هو الأصل في علة عبادة الأصنام الذين قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ... إلى قوله ... قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ ... ﴾ الآية فحسبه سبحانه عن غيره في عدة مواضع من القرآن وعلق على وجود إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له حسماً لمادة الإشراك وقطعاً لما توهم في علته من رجاء الشفاعة والتقريب، فكيف عن المعلول ويعمل فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 366
فيكون الدين كله لله، وقد ثبت في الصحيح: (أن أبا هريرة قال: يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال: "يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلاَّ الله يبتغي بها وجه الله") .
ومعلوم أن إخلاص هذه الكلمة الطيبة ابتغاء وجه الله هو تجريدها من شوائب الشرك، فلا يأله القلب أحداً غير الله، فمن علق قلبه على غير الله وتوكل عليه كان فيه من الشرك بحسب ذلك التعلق قل أو كثر دق أو جل، فإن دعاه ورجاه والتجأ إليه فيما وجوده لا يكون إلاَّ من الله فلا يقدر عليه حتى المسئول لا يناله إلاَّ منه، فهذا الداعي الراجي من أبعد الناس من الشفاعة لتألهه مع الله، فإن أخلص قائل الكلمة الطيبة عمله لله وعلق قلبه ولسانه على الله كان من أحق الناس بالشفاعة وإذا أملها ورجاها من الله وسأله أن يشفع فيه نبيه ووليه حقق الله أمله واستجاب سؤاله فقبله وشفع فيه حيث مات قائلاً لا إله إلاَّ الله خالصاً من قلبه مبتغياً بذلك وجه الله، فإنه سبحانه يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.
والفاسق لا يخرج بفسقه عن حكم الإسلام الموجب للتوارث والمناكحة والولاية الإسلامية فلا يخرج به عن حد الشفاعة لأن هذا مذهب الخوارج المنكرين للشفاعة مستدلين بقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ وأما سلف الأمة وأثبتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ من شفاعته لأهل الكبائر من أمته وغير ذلك من أنواع شفاعته وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة وقالوا إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، قالوا وثبوت الشفاعة بالوصف لا بالشخص إذا لم يقع عليه التعيين من النبي ﷺ كما وصف ﵊ الذين هم أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة وهم القائلون لا إله إلاَّ الله يبتغون بها وجه الله إلى أن لقوا الله، وكما وصف أهل الكبائر من أمته ولم يعين شخصاً من النوعين في هذين الحديثين، وإذا كان كذلك تعين على الشخص دعاء الله أن يجعله من أهل الوصف الذين هم أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ ، فإن كان من أهل الكبائر فقد سأل الله أن يتوب عليه ويجعله من المخلصين وإذا كان من
стр. 367
المخلصين فقد رغب إلى الله وسأله أن يزيده مما هو فيه من العمل الصالح والقول الراجح ويثبته عليه حتى يلقاه فينال السعادة الأبدية.
(ومنها) أن هذه المقالة مشاكلة قول المشركين وعقيدتهم حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يشفعون لهم عنده ويقربونهم لديه كقوله: ﴿تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى﴾ وكما دعو العزير والمسيح والملائكة يقربونهم إلى الله ويحببونهم إليه ويشفعون لهم لديه فرد عليهم وعابهم لذلك ولامهم عليه، وأخبر أن الولاية كلها له فليس لخلقه من دونه ولي ولا نصير ولا شفيع إلاَّ من بعد إذنه، وأنه لا يأذن لهم بها إلاَّ لمن رضى عنه كقوله جل شأنه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقوله عن الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقوله عن الرسل: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ... ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ .
(ومنها) أن الله نفى الملك في ذلك اليوم عن غيره فلا يملك أحد عن أحد شيئاً ولا يغني عنه شيئاً ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ بل أخبر أن الأمر كله له فقال ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وقال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وفي القراءة الأخرى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقال : ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . والآيات في هذا الباب كثيرة جداً، وفي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم:: قال الله يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلاَّ نفسه".
(ومنها) أن الله أمر نبيه ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين، وأنه
стр. 368
لا يخلص أحداً منهم إلاَّ إيمانه بربه ، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من الخلق كائناً من كان فليتبرأ منه فقال : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها كما قال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ وقال: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وفي صحيح مسلم: " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلاَّ دخل النار" وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: لما أنزل الله وأنذر عشيرتك الأقربين أتى النبي ﷺ لصفا فصعد عليه ثم نادى يا صباحاه فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء ورجل يبعث رسوله فقال رسول الله ﷺ : "يا بني عبد المطلب يا بني فهر أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني" قالوا نعم قال: "فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد" قال أبو لهب تباً لك سائر اليوم ما دعوتنا إلاَّ لهذا. وفي رواية عنه ألهذا دعوتنا جميعاً. وفي رواية أخرى ألهذا جمعتنا، فأنزل الله تبت يدا أبي لهب. وروى البخاري عن عائشة قالت لما أنزل الله وأنذر عشيرتك الأقربين، قام رسول الله ﷺ فقال: "يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا عباس بن عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم" وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال لما أنزل الله هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين دعا رسول الله ﷺ فعم وخص، فقال: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من النار، فإني والله ما أملك لكم من الله شيئاً" وخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما
стр. 369
من الله لا أغني عنكما من الله شيئاً سلاني من مالي ما شئتما" وتفرد به البخاري عن معاوية عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه وقوله ﷺ يا صفية عمة رسول الله يا فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله لا أغني عنكما من الله شيئاً. أمر منه ﵊ لهما حقيقة في فعل الطاعة، وعمل الإيمان نهى لهما عن الاتكال عليه مع وجودهما لأنهما وقت قوله مؤمنتين به عاملتين بما أمرهما وتذكاراً لغيرهما أيضاً، فلا يغني عن الله أحد، كما لا يجير عليه أحد. وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ذكر جماعة من المفسرين أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي والحسن وعطاء عن ابن عباس، قال هو الشفاعة في أمته وقال محمد بن علي يا أهل العراق تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وإنا أهل البيت نقول أن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وهي والله الشفاعة ليعطينها في أهل لا اله إلاَّ الله حتى يقول يا رب رضيت وزدني على أمتي في أمتي فكل هذا نؤمن به ونسلمه ولكن لا يخرج عما قاله أهل السنة والجماعة من أن ثبوت الشفاعة في أهل لا اله إلاَّ الله وهم الموصوفون بهذه الكلمة الطيبة فيرضيه ربه فيهم لأجلها لا بالشخص فلا تعين لأحد بعينه إذا لم يرد فيه نص فتعين على كل أحد صرف همته ورجاؤه في تلك الكلمة الطيبة التي هي السبب في وجود الشفاعة مع الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ لا في مجرد ذات النبي ﷺ أو شفاعته أهمل ما جاء به أو عمله لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقوله ﷺ لصفية وفاطمة لا أغني عنكما من الله شيئاً مع إيمانهما وعملهما ﵄ يشير إلى عدم الاتكال عليه وعلى شفاعته كما قدمناه آنفاً. فهو أمر لهما بإخلاص العمل لله والدوام والاستمرار عليه وليكون توجههما واتكالهما على الله وغيرهما بالأولى.
(ومنها) أن هذه المقالة قد اتخذها أولو التزيي من العباد والزهاد، وأولي العلم المتزيين به أوراداً يتلونها في الصباح والمساء، بل جعلوها تضاهي كلام الله وذكره في البركة يتلونها وينشدونها عقبهما تبركاً بها، وبعد ختم كلام الله والصلاة على نبيه كذلك، ويزعمون أن الختمة المقروءة من القرآن إذا لم تتل هذه المقالة عقبهما ولا توجد
стр. 370
في ضمنها فتلك الختمة ناقصة الثواب. وليس لها رونق يزداد ويتزايد ولا أنس فيها يخضر ويشاهد، والويل كل الويل عندهم لمن عاب عليهم ذلك أو أنكر صنيعهم فيما هنالك، فهم قد اتخذوها ديناً وقربة حتى في المسجد الحرام تجاه الكعبة طهره الله وصانه، وجعل المتقين أولياءه وسكانه، بل في كل آن ومكان، والله يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وفي حديث عائشة الذي في الصحيح من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
(وقوله) صاحب المقدمة العجب ثم العجب من جراءتك على السلف دعوى بغير علم وتعجب بلا فهم وتزكية على الله وحكم لمن قولهم غير مناسب في الشريعة والله بهم أعلم، وثناء على ما اعتقدوه وتقرير لما قالوه في القصيدة من الأوراد ونشدوه لحصول البركة ورفع كل شدة ودليل ما قلناه فيه أمور:
(منها) مخالفة الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ وقوله تعالى: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾ وأما السنة فأخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: " إن كان أحداً مادحاً أخاه لا محالة فليقل أحسب فلاناً إن كان يرى أنه كذا وكذا ولا أزكي على الله أحداً" فقد أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نزكي على الله أحداً، وأمرنا أن نقول في التزكية أحسبه كذا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً، ومما (قالت أم العلاء ﵂ لعثمان بن مظعون أخي رسول الله ﷺ من الرضاعة وقد انتقل إلى رحمة الله شهادتي عليك لقد أكرمك الله قال لها رسول الله ﷺ : " وما يدريك أن الله أكرمه؟ قالت بأبي أنت وأمي والله لا أدرى، فقال رسول الله ﷺ أما عثمان فقد أتاه اليقين وإني لأرجو له الخير، ووالله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بي") أخرجه البخاري، وهو قد طعن علينا في عقيدتنا وعاب أمرنا ونهينا وزكاه على الله قاطعاً علينا في صريح كلامه بما تخيله في باله وقام في ذهنه مما يهواه مرامه فلذلك زكى على الله هذا الرجل الذي الله أعلم به وبأمره منا ومنه وعلمه وزهده فإن وجدا ظاهراً فإسناد على حقيقتهما وباطنهما إلى الله أنسب وأصوب إذ ما من أحد يظهر لنا
стр. 371
منه حسن عمله إلاَّ الله والله أعلم به، وقد انعقد إجماع أهل السنة على عدم الجزم لأحد بعينه بجنة أو نار إلاَّ من نص عليه النبي ﷺ ، ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، حتى الكلم في سبيل الله المفضي إلى الشهادة التي أثنى الله عليها في كتابه أسند النبي ﷺ علمه إلى الله كما في المتفق عليه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلاَّ جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك" اعلاماً منه ﷺ بأن علم حقائق أعمال العباد وصلاحهم بصلاح نياتهم وأعمالهم، وعلم ذلك عند الله ومع المعاملة بالظاهر فلا جزم ويتوقى كل كلام معلول مخالف.
(ومنها) تعليقه توحيد أهل الملة الحنيفية الذي قال الله فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وقال عنهم نبيهم ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله " على وجود توحيد هذا الرجل الواحد الذي الله أعلم به وبحقيقة أمره وإثباته شركهم بشركه.
(ومنها) نفيه التوحيد عن جميع من على وجه الأرض وتكفيرهم وإثبات شركهم بوجود شرك رجل واحد ليس عند الأمة نص فيه، في قوله بل إن كان صاحب بردة المديح مشركاً فليس على وجه الأرض موحد فبكلامه عرف قدره وعلم أنه قد تعدى طوره.
(ومنها) تعليقه مستحيلاً وجوده وهو نفي التوحيد عن جميع الأمة وإثبات شركهم على ممكن وهو وجود شرك رجل واحد ليس عند الأمة من حقيقة أمره نص إذ الرجل الواحد الذي ليس فيه نص قد وقد، وأما الأمة فلاناً بالنص القطعي.
(ومنها) إثباته الإيهام في تلك المقالة وأنها تحتاج إلى محمل حسن يليق بها وبقائلها، والمقرر عند الأمة المحفوظ عنها أن الكلام الموهم إذا لم بكن من كلام الله ورسوله المشابه لا تجوز قرابته ولا النظر إليه بحلاف كلام الله ورسوله فيجب الإيمان
стр. 372
به وتلقيه وإن لم يفهم معناه، وهؤلاء يتخذون هذا الكلام الموهم أصلاً في عقيدتهم ويتلونه أوراداً في الصباح والمساء وبعد ختم القرآن في كل آن ومكان.
(ومنها) مبادرة فهمه الذي قام في ذهنه إلى أنا إنما فهمنا من المقالة في نفيه فيها ذات الخالق نفسه تعالى وتقدس ولذلك قال إن الحصر الذي في هذا البيت وأمثاله إضافة بالنسبة إلى المخلوق، والمعنى ما لي من ألوذ به من المخلوقات لأجل الشفاعة سواك، ولم يعلم ويحقق أن هذا المفهوم معطل لا يقول به أحد، بل ذات الله تعالى وتقدس ووجوده. ثابت عند الخاص والعام حتى عباد الأصنام مقرون بخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومدبر أمورهم كما قرر هم في سورة يونس والمؤمنين والزخرف وأمثالها من السور التي أخبر الله فيها أنهم يعرفون خالقهم ورازقهم فأقروا واعترفوا أنه الله مدبر كل شيء ومليكه ولكن أشركوا معه في عبادته وعطلوا معاملته الشاملة لإخلاص ألوهيته وتكذيب رسله فيما جاؤوا به من عنده ومنهم من يكذبهم ظاهراً وباطناً، ومنهم من يكذبهم ظاهراً وهو تعلم صدقهم باطناً كما قال جل شأنه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وكما اختلفت أقوالهم في الرسل كذلك اختلفت أقوالهم وآراؤهم في الكتاب بين مكذب وقائل إنه شعر إنه سحر، وكل ذلك لا يدل على أنهم مكذبون بذات الله بل أقروا به تعالى وعرفوه ولكنهم لم يوحدوه، والقصد بالقرآن والرسل توحيد الله بعبادته، وإفراده تعالى بمعاملته المختصة بجلاله من الأعمال الظاهرة والباطنة، ونبذ ما خالفهما من الأقوال والأفعال والاعتقادات، فبذلك يحصل الإيمان بهما واتباعهما ولا أعظم مخالفة من اعتقاد ما هما بخلافه، ولم ينزل القرآن ويرسل الرسل إلاَّ بنفيه وليكون الدين كله لله والأمر كله له، والجاعل الدين أو بعضه لغير الله قولاً أو فعلاً أو اعتقاداً لم يؤمن بالقرآن معنى وان آمن به لفظاً ولم يؤمن بالرسول حقاً، وإن آمن به ظاهراً، وليس اختلافنا مع أعدائنا إلاَّ بذلك لأنا نقول الدين كله لله والأمر كله له، فليس للخالق من دونه ولي ولا نصير، قال : ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ... ﴾ الآية وقال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي
стр. 373
أَوْلِيَاءَ ... ﴾ الآية وهم يقولون بل لهم ولي ونصير ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وبقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ وتقدم معنى ذلك في بحثه فنحن حول هذه المسألة من أول أمرنا إلى آخر عصرنا ندندن فلا نشير إلاَّ إليها، ولا نجاهد إلاَّ عليها، مع أنهم بدؤنا أولاً ليرجعونا إلى ما كنا عليه من عبادة الطين والأحياء من الشياطين ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وقد قدمنا الكلام على قوله: (يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به. سواك) وان هذه المقالة مردودة من أوجه تقدم ذكرها آنفاً.
(ومنها) قوله ليت شعري ما الذي حملك على تضليل هذا الرجل الذي توفاه الله قبل أن تخلق بأعوام عديده، أي عداوة حصلت بينك وبينه، أم على أي خصومة لأجلها تعاميت عن هذا الوجه الظاهر الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وحملت كلامه على محمل بعيد غير لائق بحال آحاد عوام الناس وهو الحمل على الحصر الحقيقي، يعني به نفي ذات الله، حتى حكمت بتضليله بسبب هذه المقالة إلى قوله فالويل كل الويل لمن يحكم بتضليل أساطين هذه الأمة بأمثال هذه التمويهات ويظهر الطعن في السلف الصالح لجلب قلوب العوام أو لحب رياسة أو عصبية أو لغرض من الأغراض الفاسدة.
فهو قد قال فينا وافترى علينا تضليل هذا الرجل الذي قولنا فيه والله أعلم به منا ومن غيرنا إلاَّ أن كلامه ذلك غير مناسب من مثله، بل الواجب عليه وعلى جميع الخلق الانقطاع إلى الله وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه، والاستقامة على ما هو السبب في حصول شفاعته ﷺ من الأعمال المرضية لرب العالمين، والمقربة إليه في كل حين، الشاملة خصال الإيمان، وأركان الإسلام، فيكون كالذين حكى الله عنهم في القرآن أنهم توسلوا إليه فيما يرضيه مما أمرهم به، ونهاهم عن ضده في كتابه، وعلى ألسنة رسله، ولكن أبى الله أن يصلح بالحفظ إلاَّ كتابه، أو يمنع بالعصمة إلاَّ رسوله، والذي يعترى العقول إما فتحاً وإما شطحاً، والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وإخلاص معاملته لله وحده لا شريك له، وطاعة رسوله، ويدور على ذلك ويتبعه أين وجده، ويعادي فيه ويوالي فيه، ونحن لم نعاد هذا الرجل ولم نحكم عليه
стр. 374
بالضلال بل قولنا فيه الله أعلم وأولى به، ولكن مقالته لا تقال بل يكف عنا لورود النهي عنها وعن أمثالها، ولأن الأمر كله لله والخلق لا يغنون عن الحق شيئاً بل من ﵀ فهو المرحوم، ومن أبعده فهو المبعد، فلا أحد كائناً من كان يدخل الجنة إلاَّ بفضل الله ورحمته حتى الأنبياء، فغيرهم بالأولى، وكل من حكم بإسلامه شرعاً فهو المسلم والله أعلم بعاقبة أمره، فلا نشهد لمعين بالنار وأن ارتكب المعاصي في الدنيا، لا مكان أنه تاب أو كانت حسناته محت سيئاته، أو كفر الله عنه بمصائب، أو غير ذلك مما هو فضل الله وعفوه، وان ارتكب كفراً عاملناه بما ظهر لنا منه، وأمره إلى الله، ولا لمعين بجنة وان اكتسب أعمالاً صالحة في الدنيا، إذ لا يعلم ما في نفس الأمر إلاَّ الله، فلا يقطع لمعين بشيء من دونه بلا نص من الشارع ﷺ ، وللعلماء في الشهادة بالجنة ثلاثة أقول:
منهم من لا يشهد بالجنة لأحد إلاَّ للأنبياء وهذا قول محمد بن الحنفية والأوزاعي.
والثاني أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه نص وهذا قول أكثر أهل الحديث.
والثالث نشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون كما في البخاري من حديث أنس بن مالك قال مر بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال النبي ﷺ : "وجبت" ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شراً فقال: "وجبت" فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت يا رسول الله قال هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيثم عليه شراً فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض"، وقال ﷺ : " توشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار" قالوا بم يا رسول الله قال: "بالثناء الحسن والثناء السيء" فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار، وكان أبو ثور يقول أشهد أن أحمد بن حنبل في الجنة، ويحتج بهذا، والمؤمن بالله ورسوله باطناً وظاهراً الذي قصد إتباع الحق وما جاء به الرسول إذا أخطأ ولم يعرف الحق كان أولى أن يعذره الله في الآخرة من المتعمد العالم بالذنب فإن هذا عاص مستحق للعذاب بلا ريب، وأما ذاك فليس متعمداً للذنب بل هو مخطىء والله قد تجاوز لهذه الأمة الخطأ والنسيان، والعقوبة الحاصلة في الدنيا تكون لدفع ضرره عن المسلمين، وإن كان في الآخرة خيراً ممن لم يعاقب كما يعاقب
стр. 375
المسلم المتعدي للحدود ولا يعاقب أهل الذمة من النصارى واليهود، والمسلم خير منهم في الآخرة، والمسلم المذنب الذي ذنبه خاص أخف شراً عند الله ممن ذنبه اكتسبه الناس منه، وأفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، ثم بعدهم التابعون، فلا ينتصر لشخص انتصاراً عاماً مطلقاً إلاَّ رسول الله ﷺ ، ولا لطائفة انتصاراً مطلقاً عاماً إلاَّ للصحابة فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه حيث داروا، وكذا التابعون لهم بإحسان فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بحلاف عالم من العلماء أو قائل قولاً فقد يصيب وقد يخطىء، بل جل أصحاب مجتهد من المجتهدين قد يكون الصواب معهم وقد يكون مع غيرهم ممن قد خالفهم، وكل قول لم يرد به الكتاب والسنة ولا قاله صدر سلف هذه الأمة استنباطاً منهما أو من أحدهما بل قالوا خلافه فهو خطأ لا يعمل به ولا يقر عليه قائله، فكيف وصاحب المقدمة قد افترى وأصمته حمية الجاهلية فيما منه جرى بقوله أم على أي خصومة لأجلها تعاميت عن هذا الوجه الظاهر الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو قد أثبت بيننا خصومة رجماً بالغيب مع أنها لا تكون إلاَّ بين موجودين في الدنيا لا بين معدومين أو أحدهما إلاَّ من ورد فيه النص بعينه بعداوته لله ورسوله كأبو جهل وأبي لهب وأمثالهما ممن عينته السنة فعداوته متحتمة على العالم به وإن لم يعاصره، أو من تواترت عنه الأخبار بين المسلمين بأنه محاد لله ورسوله متعد حدوده فإنه يكره هو وعمله لظاهر إساءته، والله متولي أمره، والحامل له على هذا الافتراء إثباته تلك المقالة واستحسانه إياها التي قد خالفت الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة، وجعل تأويله لها مماثلاً كلام الله الذي قال تعالى فيه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فجعل ذلك التأويل لتلك المقالة وما شاكلها مما بعدها مماثلاً للتنزيل مشابهاً له في صحته وإعجازه والإيمان به وتلقيه وعدم رده والاعتراض عليه، وأهل التصحيح يردون على أهل الصحيح ويناظرونهم وكل يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ كلام الله ورسوله، وما لم يوافقهما فهو باطل مردود لا يعمل به وشفاعة الرسول ﷺ ثابتة في الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة، ولكن بالوصف لا بالشخص ومن مات لا يشرك بالله شيئاً فهو من ذوي الوصف، وكذا شفاعة غيره ﷺ ، فعلى الإنسان الاجتهاد فيما هو الموجب لها لينالها بفضل الله ورحمته ورضاه عنه وإذنه للشافع، وعليه أيضاً إخلاص عمله لله وقصده طاعة الله فيما أمر به
стр. 376
والانتهاء عما نهى عنه، وهو يحب صلاح المأمور به وإقامة الحجة عليه قاصداً أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فلا يغضب على من خالفه مجتهداً معذوراً لا يغضب الله عليه، ولا يرضى عمن كان جاهلاً سيىء القصد ليس له علم ولا حسن قصد، بل بحمدً من حمده الله ورسوله، ويذم من ذمه الله ورسوله، وتصير موالاته ومعاداته على دين الله ورسوله، لا على هوى النفس، وأصل الدين الذي لا فتنة فيه أن يكون الحب لله والبغض لله، والموالاة لله والمعاداة لله، والعبادة لله والاستعانة بالله، والاتكال على الله، والخوف من الله والرجاء لله، والإعطاء لله والمنع لله، وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله الذي أمره أمر الله ونهيه نهي الله ومعاداته معاداة الله وطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وصاحب الهوى يعميه هواه ويصمه، فلا يستحضر في قوله وعقيدته ما لله ورسوله في ذلك، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه هواه، ويغضب لما يغضب له هواه، فلم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا بل قوله وعقيدته وحميته مجرد هوى، وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً جانبوا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ فكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وإذا كان المسلم الذي يقاتل الكفار قد يقاتلهم شجاعة وحمية ورياء وذلك ليس في سبيل الله فكيف بأهل البدع الذين يخاصمون ويقاتلون عليها فإنهم يفعلون ذلك شجاعة وحمية وميل نفس وهوى، وربما يعاقبون لما اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله لا بمجرد الخطأ الذي اجتهدوا فيه، ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لأن أتكلم في علم يقال لي فيه أخطأت أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيه كفرت والله أعلم.
стр. 377
بحث قوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾
وأما قولكم وقوله تعالى ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ وما ذكر فيه من الرواية عن عبد الله بن عباس أنهما آدم وحواء وأن الشيطان أتاهما ولم يزل بهما حتى سمَّيا ولدهما عبد الحرث ... الخ ما قال. فنقول هذه الرواية وما أشبهها لا أصل
стр. 378
لها رأساً بل لا يلتفت إليها في حق الأنبياء المعصومين عن أمثال هذه الأمور بل الواجب على كل مؤمن أن يحكم بكذبها ويحمل قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ على أن الخطاب في خلقكم لقريش وحدهم لا لبني آدم كلهم والنفس الواحدة قضى وجعل منها زوجها أي جعلها عربية قرشية من جنسه لأنه خلقها منه وإشراكهما بتسميتهما إبنيهما عبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي والضمير في يشركون لهما ولا عقابهما، وعلى هذا فليس الضمير في جعلا لآدم وحواء وهذا الذي عليه أكثر المفسرين وإن صح أنه لآدم وزوجته فأين الدليل على الشرك في ألوهيته، ولعله أي الشرك المذكور في الآية هو الميل إلى طاعة الشيطان، وقبول وسوسته مع الرجوع إلى الله تعالى بلا مطاوعة للشيطان وذلك الميل المتفرع على الوسوسة غير داخل تحت الاختيار فلا يكون معصية وذنباً، ولعله كان قبل، وان أبيت عن هذا كله فهو على تقدير المضاف أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما وكيف لمن في قلبه ذرة من إيمان أن يصدق بهذه الحكاية مع أن الآية التي تتلوها تنادي على كذبهما وهي قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهم الأصنام كما عليه المفسرون، مع أن الأصنام لم تعبد من دون الله إلاَّ قريباً من زمن نوح) .
الجواب عما هذى به الخصم في هدا المقام
فنقول هذا مما يؤيد ما قلناه في صاحب المقدمة من أنه يرد من تلقاء نفسه بلا تحقيق ولا تحقق فيما قاله الأئمة الأعلام من أولي العلم والفهم وما نقلته الرواة وتلقته بالقبول الجهابذة الثقات، فإنه قد فهم من معنى الشرك المذكور في هذه الآية شرك الألوهية في آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام فلذلك أوجب نفي رجوع الضمير الذي في الآية عنهما جعل من لازم جواز ثبوته إليهما شركهما في الألوهية، ونسبنا إلى تكفير الأنبياء والصالحين وما ذاك إلاَّ لعدم فهمه ومعرفته معنى الشركة التي في الآية مع ما نقله السلف من صحة رجوع الضمير إليهما، بل في معرفة معنى الشرك من حيث هو وأقسامه والجهل فينا وفي عقيدتنا وفيما قلناه وعنينا وذلك من وجوه.
стр. 379
(الوجه الأول) ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: "لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحرث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره" وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار عن عبد الصمد بن عبد الوارث ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد مرفوعاً. وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعاً، وقال هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الحاكم أيضاً وصححه عن سمرة عن النبي ﷺ بلفظه المتقدم، ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم مرفوعاً، ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث هلال بن فياض قال الحافظ ابن كثير وشاذ لقب لهلال وعمر بن إبراهيم هو البصري قد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به لكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة وقد روى الحديث عنه مرفوعاً وموقوفاً.
(الثاني) ما قاله أهل التفسير قاطبة عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حواء ثم انتشر الناس منهما كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ... ﴾ الآية فكلهم قد فسروا قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها الآية بآدم وحواء عليهما الصلاة والسلام، وأسندوا بيان النفي الواحدة المخلوق منها سائر البشر وبيان الزوج المجعول منها إلى سائر الآيات المعني بها آدم وزوجته حواء والتثنية التي في قوله فلما آتاهما صالحاً جعلا له راجعة لهما.
(الثالث) ما أجمع عليه المفسرون وقالوا بعبارات متفقة المعنى مختلفة اللفظ عن ابن عباس من طريقين أو ثلاثة:
الأول منهما: ما قاله محمد ابن إسحاق بن يسار عن داود بن الحصين عن
стр. 380
عكرمة عن ابن عباس قال كانت حواء تلد لآدم عليهما الصلاة والسلام أولاداً فيعبدهم لله نحو عبد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت، فأتى إبليس آدم وحواء فقال إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه أولاً لعاش فولدت له غلاماً فسمياه عبد الحرث ففيه أنزل الله هو الذي خلقكم من نفس واحدة.. إلى آخر الآية.
الثاني: ما قاله العوفي عن ابن عباس أيضاً في قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله فمرت به فشكت أحملت أم لا لخفته، فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين، فأتاهما الشيطان فقال هل تدريان ما يكون بهيمة أم لا وزين لهما الباطل إنه غوي مبين وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا فقال لهما إنكما إن لم تسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث لم يخرج سوياً ومات كالأول فسمياه عبد الحرث فذلك قول الله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ .
الثالث: ما قاله عبد الله بن المبارك عن شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما يعني آدم وحواء أتاهما إبليس وقد حملت حواء فقال إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني ايل فيخرج من بطنك فيشقه أو لأفعلن وأفعلن فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت الثانية فأتاهما أيضاً فقال أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت لتفعلن وتطيعاني أو لأفعلن يخوفهما فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت الثالثة فأتاها فذكر لهما ما قاله أولاً فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحرث فذلك قول الله فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما. رواه ابن أبي حاتم في مستدركه.
وجاء في الحديث خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض، وقد تلقى الأثر الوارد في خدع إبليس لآدم وحواء جماعة من السلف كمجاهد وعكرمة وسعيد ابن جبير، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والسدي، وجماعة آخرون من السلف والخلف، ومن المفسرين المتأخرين جماعة لا تحصى كثرتهم إلاَّ ما ذهب إليه الحسن
стр. 381
البصري رحمه الله تعالى من أنه ليس المراد من سياق الآية آدم وحواء بل المراد من ذلك المشركون من ذريتهما ولهذا قال تعالى ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وذكره تعالى آدم وحواء في أول الآية كالتوطئة لما بعدها من الوالدين وهو كالاسترداد من ذكر الشخص إلى الجنس كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم المزين بها ليست هي التي يرجم بها وإنما هو استطراد من شخص المصابيح أي جنسها وهذا له نظائر في القرآن كثيرة. قال الإمام أبو الحسين بن مسعود البغوي وهذا القول حسن لولا قول السلف مثل عبد الله بن عباس ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة من المفسرين أنه آدم وحواء، ومعنى ما تأوله الحسن وعكرمة أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتاهما بقرينة قوله أيشركون بالجمع فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما أقام الأبناء مقام الآباء في إضافة الفعل إلى الأبناء والفاعل إنما هو الآباء كقوله تعالى مخاطباً اليهود الموجودين في زمن النبي ﷺ : ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْل﴾ وقوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ وأمثال ذلك.
(الرابع) ما قاله ابن كيسان هم الكفار سموا أولادهم بعبد العزى وعبد مناف وعبد شمس وعبد اللات وعبد مناة.
(الخامس) قولنا وعقيدتنا ما قاله السلف واعتقدوه في قوله تعالى جعلا له شركاء فيما آتاهما يعني في طاعته ولم يكن شركهما في عبادته فإن كل اسم معبد لغير الله كعبد الحرث وعبد العزى وعبد هبل وعبد عمرو وعبد الكعبة وما أشبه ذلك حرام لا يجوز التسمية به باتفاق من يعتد به من أهل العلم، وتحرم طاعة الآمر بذلك فلا يحل التسمية بعبد علي ولا عبد الحسين ولا عبد الكعبة، فكيف بكلب علي وعبد الحرث الذي هو الشيطان، وقد روي ابن أبي شيبة من حديث هانىء بن شريح قال: "قدم على النبي ﷺ قوم فسمعهم يسمون رجلاً عبد الحجر فقال: "ما اسمك" قال عبد الحجر فقال رسول الله إنما أنت عبد الله" وقد تقدم حديث عبد الصمد بن عبد الوارث وسمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحرث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان
стр. 382
وأمره" رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه الترمذي في تفسير الآية، ورواه الحاكم في مستدركه وصححه، ورواه ابن مردويه في تفسيره من حديث هلال بن فياض، والشرك في طاعته هو امتثال أمره وقبول قوله، وليس ذلك شركاً في العبادة كما قلناه وقررناه، ولكنهما زعما أن الحرث سبب نجاة الولد وسلامة أمه فلذلك أضافا ولدهما إليه، لا على جهة أن الحرث مالكه ومعبوده، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوكه، كما يستعمل اسم الرب مضافاً إلى من لا يراد أنه معبوده، وكمن نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف على جهة الكرم والتواضع لا على أن الضيف ربه ومعبوده، قال يوسف صلى الله على محمد وعليه وسلم لعزيز مصر إنه ربي، ولم يرد أنه معبوده، فكذلك هنا ولكن المناسب لهما عدم طاعته وعدم قبول قوله وامتثال أمره إذ هو الذي قد غرهما وخدعهما فأخرجهما وفرق بينهما للعداوة الأزلية لهما ولذريتهما أبد الآبدين ودهر الداهرين وبعد يوم الدين.
واتفقوا على عصمة الأنبياء من تعمد الكبائر قبل الوحي وبعده، وتنازعوا هل تقع منهم بعض الصغائر مع التوبة منها أو لا تقع بحال، فقال كثير من المتكلمين من الشيعة والمعتزلة وبعض أهل الحديث من أهل السنة منهم ابن السبكي وغيره لا تقع منهم الصغيرة بحال ولا قبل النبوة ولا بعدها زادت الشيعة لا يمكن وقوعها منهم خطأ ولا عمداً، والصحيح عند السلف وجمهور أهل الفقه والحديث والتفسير لا تقع الصغائر منهم عمداً. واتفقوا على وقوعها منهم سهواً وخطأً. كما نقله السعد التفتازاني في حاشية الكشاف إلاَّ ما يدل على الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة فلا يجوز عليهم، واشترط جمع من المحققين أن ينبهوا على ما فعلوه سهواً فينتهوا عنه، وقال قوم من علماء أهل السنة من أهل الحديث من أصحاب الأشعري وغيرهم وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه علهم أجمعين تقع منهم بعض الصغائر مع التوبة منها والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وإذا ابتلي بعض الأكابر بما يتوب منه فذلك لكمال النهاية لا لنقص البداية، كما قال بعضهم لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه، وفي الأثر أن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة، وأن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، يعني أن السيئة يذكرها ويتوب منها فيدخله ذلك الجنة، والحسنة يعجب بها ويستكبر فيدخله ذلك النار.
стр. 383
وأيضاً فالحسنات والسيئات متنوع بحسب المقامات، كما يقال حسنات الأبرار سيئات المقربين، فمن فهم ما تمحوه التوبة وترفع صاجها إليه من الدرجات وما تفاوت الناس فيه من الحسنات والسيئات زالت عنهم الشبه في هذا الباب، وأقر الكتاب والسنة على ما فيهما من الهدى والصواب، وقد اتفق الأمة على أن من سوى الأنبياء ليس بمعصوم لا من الخطأ ولا من الصواب، سواء كان صديقاً أو لا، وعلى أن محمداً رسول الله ﷺ معصوم فيما يبلغه عن الله ﵎، فإن مقصود الرسالة لا يتم إلاَّ بذلك، وكل ما دل على أنه رسول الله من معجزة فهو يدل على ما قاله رسول الله ﷺ : "فإني لا أكذب على الله" واتفقوا أيضاً على أنه لا يقر على الخطأ كما أنه لا ينطق عن الهوى وعلى أنه ﷺ أخوف الأمة لمولاه وأشدهم خشية منه وتضرعاً إليه ورغبة فيما لديه. فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان يدعو ربه ويعترف له بذنبه كما في قوله: "اللهم أنت الملك لا إله إلاَّ أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً فإنه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت ... " الحديث وأمثاله إظهاراً للعبودية، وافتقاراً للصمدية، وتشريعاً للأمة، وبياناً لشكر النعمة، قال الأئمة كل يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ رسول الله ﷺ فإنه الذي أوجب الله على أهل الأرض الإيمان به وطاعته بحيث يجب عليهم أن يصدقوه بكل ما أخبر ويطيعوه في كل ما أمر، فقد ذكر الله طاعته واتباعه في قريب من أربعين موضعاً في القرآن، قال عز من قائل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... ﴾ الآية وقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً..﴾ إلى قوله ... ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ... ﴾ الآية. وطاعة الله والرسول هي عبادة الله التي خلق لها الجن والإنس، فهي غايتهم التي يحبها الله ورسوله ويرضاها ويأمرهم بها، وإن كان قد شاهد من بعضهم ما هو خلاف ذلك وخلقهم له فتلك غاية شاءها وقدرها وهذه غاية يحبها ويأمر بها ويرضاها. والعبادة لله أن تجمع غاية الحب له بغاية الذل له والانقياد إليه
стр. 384
فكل خير وكمال ومقام وما يقرب إليه مما يحمد من العباد ويطلب منهم شرعاً ويرضاه لهم فهو داخل في طاعة الله ورسوله ومستلزم ذلك والنص في وجوب الطاعة قاض في عصمة صاحب الرسالة.
(فإن قيل) قد اتفقوا على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين معصومون من تعمد الكبائر قبل الوحي وبعده كما قلتم به وقاعدتكم في الشرك الأصغر أن حكمه من اكبر الكبائر عندكم وذلك مناف لجعل الضمير في قوله تعالى جعلا له شركاء فيما آتاهم عائداً إلى آدم وحواء صلى الله عليهما وسلم إذا كان آدم نبياً معصوماً عن الكبائر أن يفعلها هو بنفسه فكيف يوافق حواء على الشرك بالله.
(الجواب) أن آدم وحواء ﵉ لم يعتقدا أن ذلك الاسم معصية لله ولم يقصدا به مضارة نهيه تعالى أو عدم فعل أمره بل إنما طاوعا اللعين فيما قاله لهما مكافأة لشره وخوفاً على ولدهما من ضره بتوعده لهما فيه وهما لم يطاوعاه أولاً لعلمهما بعداوته وأنه الذي أخرجهما مما كانا فيه من النعيم، ثم أدركتهما شفقة الولد فطاوعاه في التسمية فبذلك أشركا في طاعته لا في عبادته وكذلك قوله تعالى فعصى آدم ربه فغوى مع قوله فدلاهما بغرور، فإن اللعين غرهما بالقسم لهما أنه ناصح في قوله لهما ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ فخدعهما لظنهما أن لا أحد يحلف بالله كاذباً فأكلا ولم يقصدا المعصية لأنهما لم يعتقدا أن النهي راجع إلاَّ لما قال لهما وأقسم لهما فيه فتعين نفي تعمد الكبائر على الأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام وقوله تعالى فعصى آدم ربه فغوى باعتبار الأكل من الشجرة المنهي عنها بمطاوعة الغار.
(فإن قيل) كيف يتفقون على تحريم الاسم المعبد لغير الله وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميلة تعس عبد القطيفة" وصح عنه ﷺ أنه قال: " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" ودخل عليه رجل وهو جالس بين أصحابه فقال أيكم ابن عبد المطلب فقالوا هذا وأشاروا إليه.
стр. 385
(الجواب) أن قوله تعس عبد الدينار الحديث لم يرد به الاسم وإنما أراد به الوصف والدعاء على من يعبد قلبه الدينار والدرهم واختارهما على عبودية ربه ﵎، وقوله أنا ابن عبد المطلب ليس من باب إنشاء التسمية بذلك وإنما هو من باب الإخبار بالاسم الذي يميز به المسمى دون غيره والاخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم، وقد كان الصحابة ﵃ يسمون بني عبد شمس وبني عبد الدار بأسمائهم ولا ينكر عليهم النبي ﷺ لأن باب الاخبار واسع يجوز فيه ما لا يجوز في الإنشاء فتحرم التسمية أيضاً بملك الملوك وسلطان السلاطين وشاه شاه لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن أخنع اسم عند الله رجل يسمى ملك الأملاك" وفي رواية اخنى بدل اخنغ وفي رواية لمسلم أبغض رجل عند الله يوم القيامة وأخسه رجل كان يسمى بملك الأملاك لا مالك إلاَّ الله ومعنى أخنع وأخنى: أوضع.
وأما الأسماء المكروهة، فمنها ما رواه مسلم في صحيحه عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله ﷺ : "لا تسمين غلامك يساراً ولا حرباً ولا نجاحاً ولا أفلح فإنك تقول أثم فلان فيقال لا" قال ابن القيم والمذكور في الحديث إنما هن أربع لا يزدن عليها، وهذه الجملة الأخيرة ليست من كلام رسول الله ﷺ وإنما هي من كلام الراوي، وقال أيضاً قلت وفي معنى هذا مبارك ومفلح وخير وسرور ونعمة، وما أشبه ذلك لوجود المعنى الذي كرهت تلك الأمور الأربعة لأجله فإنه يقال أعندك خير أعندك سرور أعندك نعمة فيقول لا فتشمئز القلوب من ذلك وتستطير منه. ومنه التسمية بأسماء الشياطين، كخنزب والولهان، وأسماء الفراعنة والجبابرة كفرعون وقارون وهامان والأسماء التي تكرهها النفوس ولا تلائمها كحرب ومرة. وقد كان النبي ﷺ يشق عليه الاسم القبيح ويكرهه جداً من الأشخاص والأماكن والقبائل والجبال حتى أنه مر في مسير له بين جبلين فسأل عن اسمهما فقيل فاضح ومخز، فعدل عنهما ولم يمر بينهما، وكان ﷺ شديد الاعتناء بذلك، ومن تأمل السنة وجد معاني الأسماء مرتبطاً بها حتى كأن معانيها مأخوذة منها وكأن الأسماء مشتقة من معانيها فتأمل قوله ﷺ : " أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله" وقوله لما جاء سهيل بن عمرو يوم الصلح: "سهل أمركم" وتأمل تغييره الأسماء غير المناسبة كما في
стр. 386
الصحيحين أن رسول ﷺ أتى بالمنذر بن أسيد حين ولد فوضعه على فخذه فأقاموه فقال: " أين الصبي" قال أبوه أسيد قلبناه يا رسول الله قال ما اسمه قال فلان قال "ولكن اسمه المنذر"، وفي سنن أبي داود من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "ما اسمك قال حزن، قال: "أنت سهل" قال لا السهل يؤطا ويمتهن قال سعيد فظننت أن سيصيبنا بعد حزونة، قال أبو داود وغيره رسول الله ﷺ اسم العاص والعتلة وشيطان والحكم وغراب وشهاب وخباب فسماه هاشماً وسمى حرباً سلماً، وسمى المضطجع المنبعث، وأرضا يقال لها عفرة خضرة، وشعب الضلالة سماه شعب الهدى، وبنو الزنية سماهم بنو الرشدة، وسمى بنى معاوية بني رشدة، قال أبو داود وتركت أسانيدها للاختصار، وتأمل أيضاً حثه على تحسين الاسم كما في حديث أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماكم" رواه أبو داو بإسناد حسن وعن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" رواه مسلم في صحيحه. وقوله أن الأصنام لم تعبد من دون الله إلاَّ قريباً من زمن نوح قد ذكر المفسرون عند قوله تعالى كان الناس أمة واحدة، عن قتادة عق عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال وكذلك في قراءة عبد الله كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث محمد بن بشار ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وكذا رواه أبو جعفر الرازي عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرأها كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في الآية قال كانوا على الهدى جميعاً فاختلفوا فبعث الله النبيين فكان أول من بعث نوح، وهكذا قال مجاهد كما قال ابن عباس أولاً، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله أمة واحدة يقول كفار فبعث الله النبيين، قال الحافظ ابن كثير والأول عن ابن عباس أصح إسناداً ومعنى لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحاً ﵇ فكان أول رسول إلى أهل الأرض. ولهذا ذكر سبحانه في سورة يونس ما كان الناس إلاَّ أمة واحدة فاختلفوا فذمهم على الاختلاف بعد أن كانوا على دين واحد فعلم أن ما كانوا عليه حق والله أعلم.
стр. 387
الكلام في العبادة والعبودية
وأما قول صاحب المقدمة (كيف يكون قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ بياناً لمعنى العبادة إلى قوله اعلم ان للطاعة مراتب، الأولى أن يلاحظ فيها الثواب ودرء العقاب مع الامتثال وتسمى عبادة، والثانية أن لا يلاحظ إلاَّ تشرف النفس بالتقريب إلى الله وتسمى عباده، الثالثة أن لا يلاحظ إلاَّ الله ويسمى عبودية وهذه أعلى المراتب وفي تقديم إياك على نعبد إشارة إليه) .
فنقول: قد قال الجوهري العبادة والطاعة والخضوع والتذلل لا يستحقه إلاَّ الله ، ويسمى العبد عبداً لذلته وانقياده لمولاه، وقال الفخر إسماعيل أبو البقاء العبادة ما أمر به شرعاً من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، وقوله تعالى ادعوا ربكم أمر منه تعالى بدعائه فهو عبادة بل هو مخها كما قدمناه، قال أبو علي الدقاق ليس شيء أشرف ولا أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية قال في المطلع ولهذا وصف الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بالعبودية في أشرف مقاماته حين دعا الخلق إلى توحيد الحق وعبادته قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وحين أنزل عليه القرآن قال عز من قائل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ مع أنه ﷺ حبيب الله وخليله كما ثبتت خلته في الصحيح قال بعضهم:
لا تدعني إلاَّ بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
ونحن قد قدمنا مراتب العبادة في بحث إرادة الإنسان بعمله الدنيا وأنها على ثلاثة أنواع باعتبار نياتهم في طاعة الله ﵎، لأن العبد إما أن يلتمس بعمله من ربه أمراً من أمور الدنيا كصحة وعافية وتكثير ماله وولده أو سلامتها، وأما أن يلتمس به محمدة عند الناس ومحبة ومدحاً منهم، وأما أن يعمل امتثالاً لأمره تعالى وتقدس
стр. 388
وإجلالاً لعظمته وقياماً في عبوديته، وهذا الثالث من أعلى درجات الإخلاص كما عليه الصحابة والتابعون وتبعهم فيه المحققون من علماء كل مذهب، وان شابه خوف من الله ورجاء، وأما الأول والثاني فقد تقدم الكلام عليهما مبسوطاً.
وهذه المراتب التي ذكرها صاحب المقدمة لا يخرج كل منها عن الإخلاص لأن الموحد لا يخلو عن أن يكون خائفاً من ربه راجياً فهي في الحقيقة ترجع إلى معنى واحد إذ من لاحظ بعمله الله لا يعلم هو مقبول منه أم لا فهو خائف راج قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ وما يذكر عن بعض الشيوخ أنه جعل الخوف والرجاء من مقامات العامة فالمراد به أن المقربين يلاحظون بعبادتهم وجه الله فيقصدون رضاء الله والتلذذ بالنظر إليه كما قال الجنيد فهم يرجون حصول هذا المقصود المطلوب ويخافون حرمانه فلم يخلوا عن الخوف والرجاء لكن مرجوهم ومخوفهم بحسب مطلوبهم، ومن قال منهم لم أعبدك شوقاً إلى جنتك ولا خوفاً من نارك فهر يظن أن الجنة اسم لما يتمتع فيه من نعيم المخلوقات، والنار اسم لما يعذب فيه من ألم المخلوقات، وهذا قصور وتقصير منهم عن فهم مسمى الجنة بل كل ما أعد الله لأوليائه فهو في الجنة والنظر إليه في الجنة ولهذا كان أفضل الخلق ﷺ يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، ولما سئل بعض أصحابه عما يقول في صلاته قال إني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ قال حولها ندندن، وأما التألم بالنار فهو أمر ضروري ومن قال لو أدخلتني النار لكنت راضياً. فهو عزم منه على الرضا والعزائم قد تنفسخ عن وجود الحقائق ومثل هذا يقع في كلام بعض القوم مثل ما قال سمنون:
فليس لي في سواك حظ ... فكيف ما شئت فامتحني
فابتلى بعس البول فجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول ادعوا لعمكم الكذاب، وبعض من تكلم في علل المقامات جعل الحب والرضا والخوف والرجاء من مقامات العامة بناء على مشاهدة القدر وان من نظر إلى القدر فشهد توحيد الأفعال حتى فنى من لم يكن وبقى من لم يزل، وهذا الكلام مستدرك حقيقة وشرعاً، أما الحقيقة فإن الحي لا يتصور أن لا يكون حساساً محباً لما يلائمه مبغضاً لما ينافره ومن
стр. 389
قال أن الحي يستوي عنده جميع المقدورات، فهو أحد رجلين إما أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل، وإما أنه مكابر معاند، وأما الشرع فمن زعم أن المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا يشهد فرقاً فإنه غالط بل لابد من الفرق لأنه أمر ضروري، لكن من خرج عن الفرق الشرعي بقي في الفرق الطبيعي ويبقى متبعاً لهواه لا مطيعاً لمولاه، ولهذا لما وقعت هذه المسألة بين الجنيد وأصحابه ذكر لهم الفرق وهو أن يفرق العبد بين المأمور والمحظور وبين ما يحبه الله وما يكرهه مع شهوده المقدر الجامع فيشهد الفرق في الجميع فيكون عابد الله قاصد المطلوب خائفاً حرمانه، ومن دعائه ﵁ اللهم إني أسألك منك ما هو لك وأستعيذ بك من كل أمر يسخطك اللهم لا تشغلني بشغل من شغله عنك ما أراده منك إلاَّ أن يكون لك اللهم اجعل غاية قصدي بك ما هو لك ولا تجعل قصدي إليك ما أطلبه منك يا أرحم الراحمين، وقال الشيخ عبد القادر الجيلي رحم الله روحه ونوّر ضريحه: خصال الأولياء أربعة أوصاف، العبودية بالخوف من الله ورجائه، ونعوت الربوبية بمشاهدة المقدورات، والإشراف على مما كان وما يكون بعلم الشريعة، والوقوف عندها والدخول على الله في كل يوم سبعين مرة بتجديد التوبة وكثرة الاستغفار انتهى. وقال محمد بن الحنفية ليس لأبدانكم قيمة إلاَّ الجنة فلا تبيعوها إلاَّ بها وما كرمت على عبد نفسه إلاَّ هانت عليه الشهوات انتهى. قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والمؤمن العامل إذا رجا بعمله ما وعده عليه مولاه لا يخرج برجائه ذلك عن الإخلاص الذي هو أعلى مراتب العبودية، وإنما اختلف الناس في مقاصد العبادات وصفاتها، فمنهم من يقول كلما كان أشق على النفس وأشد إبانة لشهوتها فهو أفضل، ومنهم من يقول ان أفضلها ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية، ومنهم من يقول فضل بعضها على بعض لا لعلة بل يرجع فيه إلى المشيئة والصواب أن أفضلها ما كان لله أطوع وللعبد أنفع، فما كان صاحبه أكثر انتفاعاً به وكان صاحبه أطوع لله به من غيره فهو أفضل وذلك أن تكون العبادة تابعة لما جاء به الرسول فعلاً أو تركا. والجواب لأهل القول الأول أن يقال لهم الجهاد أعظم مشقة من هذا كله فإنه بذل النفس وتعريضها للموت ففيه غاية الزهد المتضمن لترك الدنيا كلها
стр. 390
وفيه جهاد النفس في الباطن، وجهاد العدو في الظاهر، فهو أفضل من الجوع والسهر والصمت والخلوة ونحو ذلك. وعن الثاني فلا ريب أن عبادات الموحدين كصلاتهم وصيامهم وحجهم أدعى إلى العدل الذي هو جماع الواجبات العقلية من عبادات غيرهم التي ابتدعوها فإنها متضمنة للظلم النافي للعدل، وعن الثالث أن يكون الأمر في ذلك راجعاً إلى مشيئة الله وتعبده للخلق وحينئذ فمن تكون عباداته تابعة لأمر الله الذي جاء به الرسول ﷺ ليكون متعبداً بما أمر الله به بخلاف من تكون عباداته من عندياته ابتدعها من غير أن يأتيه بها الرسول من عند الله فإنها غير مقبولة بل وزرها أعظم وليس شيء من أعمال البر إلاَّ ودونه عقبة تحتاج إلى الصبر فيها، فمن صبر على شدتها أفضى إلى السهولة والراحة وإنما هي مجاهدة النفس ثم مخالفة الهوى ثم مكابدة ترك الدنيا ثم الإقبال على ربه خائفاً راجياً ثم اللذة والنعيم، هكذا ذكره شارح الحكم محمد المغربي الفاسي.
وقول صاحب المقدمة وفي تقديم إياك على نعبد إشارة إليه ليس كذلك لأن معنى التقديم الحصر وهو نفي العبادة عما سوى الله وإثباتها له وحده وليس له مخصص في بعض تلك المراتب التي ذكرها دون بعض إذ من لاحظ بطاعته امتثال أمر الله ﵎ مع خوفه ورجائه لا يقال أنه مشترك مع الله في العبادة ولا محتملها بعدم ملاحظته الله وحده لوجود ملاحظة أمره تعالى مع ملاحظة الثواب ودرء العقاب إذ هو مخلص بذلك بإجماع الأمة ولا فيه ما يوهم عدمه وخوف الله ورجاؤه وامتثال أمره عبادة، وحيث لوحظت تلك العبادة لا تكون معبودة ولا احتمال فيها والله تعالى أعلم.
следующие страницы →