← Акыда

Акыда · id 7597

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق

محمد بن علي بن غريب

Полный текст (402 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

استحسانه ومشروعيته ولذلك لم يفعله النبي ﷺ ولا أمر به بل نهى عنه وأخبر أنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء، وفي البخاري من حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ : "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال عمران لا أدري ذكر اثنين أو ثلاثة بعد قرنه " ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن". (ثم النذر) الجائز ثلاثة أقسام: (أحدها) ما علق على وجود نعمة أو دفع نقمة فإذا وجد ذلك لزم الوفاء به لعموم قول النبي ﷺ من نذر أن يطيع الله فليطعه ولذمه الذين ينذرون ولا يوفون كما في حديث عمران بن حصين المتقدم. (والثاني) ما علق على شيء لقصد المنع منه أو الحث عليه، كقوله ان دخلت الدار فعلي لله كذا، وان لم أخبرك بما يكون فلله علي كذا، وهذا القسم هو نذر اللجاج والغضب وقد اختلف في لزوم الوفاء به، وللشافعي قول موافق للرواية الصحيحة عن أحمد أنه يخير بين الوفاء فيما نذر وبين كفارة يمين، لما روي عمران بن حصين قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين" رواه سعيد بن منصور في سننه ولأنها يمين فيخير فيها بين الأمرين. (الثالث) ما ينذر من الطاعة بلا تعليق كصلاة وصوم وحج واعتكاف وقراءة وعيادة مريض فيلزم الوفاء به عند عامة أهل العلم. وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يلزم الوفاء بما لا نظير له بأصل الشرع ولا أصل له في الوجوب كالاعتكاف وعيادة المريض لأن النذر فرع على المشروع فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع، وحجة ملزمي الوفاء حديث عمر وعائشة بنت أبي بكر ﵄ وذم النبي ﷺ الذي ينذرون ولا يوفون، والنذر المطلق غير المقيد بشيء، كقوله لله علي نذر أكثر أهل العلم منهم مالك يوجبون فيه كفارة يمين، كقوله ان فعلت كذا فلله علي نذر وفعله، ففيه كفارة يمين، لما روى عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" رواه ابن ماجه والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب قالوا وهذا نص في المسألة فلا يعدل عنه.

стр. 317

والنذر غير الجائز قسمان: (أحدهما) نذر فعل معصية كشرب خمر، وقتل معصوم، وصوم يوم عيد، أو حيض أو أيام التشريق فيحرم الوفاء به، لقول النبي ﷺ : "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ولأن معصية الله ﵎ لا تباح في حال من الأحوال، وهل ينعقد أم لا، جمهور العلماء على أنه لا ينعقد لأن في قوله فلا يعصه دليلاً على عدم انعقاده ولقوله ﷺ : "لا وفاء لنذر بمعصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" رواه أبو داود. وأصله في الصحيحين. وقال بعضهم وهو الإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه ينعقد لأن وجود النذر كوجود اليمين، وعدم جواز الوفاء به لا يمنع انعقاده، ويكفر كفارة يمين. وهذا مروي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵃، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى إلاَّ أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال فيمن نذر ذبح آدمي معصوم يلزمه ذبح كبش ويطعمه للمساكين، وهذا القول أحد الروايتين عن عبد الله بن عباس ﵄. (الثاني) النذر لغير الله ولأجله عقدت الترجمة، كالنذر لإبراهيم الخليل، أو محمد النبي الأمي ﷺ ، أو ابن عباس ﵄، أو الشيخ عبد القادر، أو الحضر، أو لملك من الملائكة أو جني أو شجرة فلا خلاف بين من يعتد به من علماء المسلمين أنه من الشرك الاعتقادي، لأن الناذر لم ينذر هذا النذر الذي لغير الله إلاَّ لاعتقاده في المنذور له أنه يضر وينفع، ويعطي ويمنع، إما بطبعه، وإما بقوة السببية فيه، ويجلب الخير والبركة ويدفع الشر والعسرة، والدليل على اعتقاد هؤلاء الناذرين وشركهم حكيهم وقولهم أنهم قد وقعوا في شدائد عظيمة فنذروا نذراً لفلان وفلان أصحاب القبور من الأنبياء والمشايخ وللغار الفلاني والشجرة الفلانية فانكشفت شدائدهم واستراحت خواطرهم، ويقول أحدهم مرضت فنذرت للشيخ فلان فشفافي وعافاني، ويقول الآخر خرج علي المحاربون واشتد علي الأمر فنذرت لشيخي ووسيلتي ومعتقدي الولي الفلاني، وانتدبته فأجابني كشف شدتي وفرج كربتي، ويقول الآخر ركبت البحر فحصل الطهف وكثرة الأمواج والريح فنذرنا أصحاب السفينة، ودعونا الولي الفلاني، ومعتقدنا الذي في جزيرة أو محل كذا ونذرنا له كذا وكذا فأسكن الريح

стр. 318

وأبطل الموج وركد سفينتنا فسلمنا واسترحنا فلما قدمنا إلى مكانه ابتدر إلينا سادن القبر يلاقينا قائلاً ان الشيخ أخبرني وهو في قبره ان له عندكم نذر كذا وكذا، وأرسلني إليكم لأقبضه منكم فيوفون فيتعجبون منه ويزيدون له في الاعتقاد فيه والنذر له، وتثبت عندهم ولايته، وضره ونفعه، فيدعونه ويرجونه ويرسلون له من المكان البعيد شمع العسل يوقد في قبته عند قبره ويأتون إليه بالجوخ وأنواع الخرق يضعونها تغشية على تابوته واعلاماً عند ضريحه. وقد قام بنفوسهم ان هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، ومن تأمل القرآن، وسنة المبعوث به ونظر أحوال السلف الصالح، علم أن هذا النذر نظير ما جعلته المشركون لآلهتهم في قوله تعالى: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ حذو القذة بالقذة واعتقاد هؤلاء في المنذور له أعظم من اعتقاد أولئك في المجعول له، لأنهم يعتقدون فيهم الضر والنفع والعطاء والمنع لا بهم، إذ الأول شرك غالب الآخرين، والثاني هو شرك الأولين، ألا يرى أن الحلف بالله وحده عند هؤلاء لا يرضون به ولا يكتفون ولا يكون عندهم قسماً بل لا يكون قسماً مؤكداً إلاَّ إذا كان بمعتقدهم سواء كان ميتاً أو غيره ولا يقدمون على الحلف به كاذباً خوفاً منه نفسه أن يصيبه بضر في جسده أو ماله أو عياله ويقدمون عليه بالله كاذباً ولا يخافون ولا يبالون بل لا يعدونه يميناً. هذه عقيدة الخواص منهم لا العوام الطغام فلذلك له ينذرون ومنه يرجون ويخافون وعليه يتوكلون وإياه يدعون ويستعينون وبه يستغيثون، ومن خالفهم في ذلك وأنكر عليهم يخرجونه ويدعونه وينالون منه، ولا من الله يبالون ولا يخافون لأن ما اعتقدوه وقالوه هو الدين عندهم وكأنه هو المطلوب منهم، فهؤلاء المشركون مبطلون يضيفون قضاء حوائجهم من المنذور له إلى خصوص النذر مع أن جنسه لا أثر له في ذلك، وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أن نذر طاعة الله فضلاً عن معصيته ليس سبباً لجلب خير ولا لدفع شر إنما الخير الذي يحصل للناذر يوافق النذر موافقة كما يوافق سائر الأسباب فلا ينسب إليه أثر ولا سيئة فأما نسبة التأثير إليه في جلب الخير أو دفع الشر أو رفعه وأنه من المنذور له أو هو متسبب فيه بشفاعته واسطة للناذر الذي يدعوه ويتوكل عليه ويرجوه يشفع له في كل ما نابه وكشف ما أهمه فلا شبهة أن هذا هو الشرك الأكبر والكفر الاعتقادي لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 319

مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ والنذر عبادة قربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له ولتعلق قلبه بواسطته وتألهه له بدعائه إياه ونذره له وتوكله عليه ولحديث حصين بن المنذر: "أن رسول الله ﷺ قال له: "يا حصين كم تعبد قال سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء قال فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء فأمره النبي ﷺ بالإسلام فأسلم" خرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي) ولحديث القوم الصالحين الذين افتتن بهم قومهم خرجه البخاري في صحيحه، وأهل التفسير كابن جرير وغيره، ولاعتقاد قريش في اللات والعزى ومناة، وأما نسبة السببية في النذر خاصة دون المنذور له فلا يعتقد فيه ضر ولا نفع ولا سببية لهما وإنما نذر له ليكون النذر وحده سبباً في حصول المطلوب فهذا نذر معصية لا كفر ولا يجوز الوفاء به لقوله ﷺ : "من نذر أن يعصى الله فلا يعصه" رواه البخاري عن عائشة ولنهيه ﷺ عن وفاء نذر المعصية لله، وعن العقر والذبح لغير الله رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أنس والنذر لغير الله من ذلك، وفي معناه ولا يجوز الوفاء به وإن تصدق بما نذره من ذلك على مستحقي الصدقة من الفقراء الصالحين غير سدنة القبور وخادميها العاكفين عليها لقبض النذور كان خيراً له وأنفع عند الله ﵎، وجواز الاعتقاد في أن هذا النذر هو السبب في حصول المطلوب لا بد له من دليل لا يمكن وجوده على ذلك لنهي النبي ﷺ عنه وإخباره أنه لا يرد شيئاً ولا يقدمه ولا يؤخره ولا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره له، كل ذلك مروي في الصحيح عنه ﷺ ولو نذر فعل قربة من صلاة أو ذبح نسك في مكان معد على قبر نبي أو صالح أو تمثالهما أو أحدهما وذلك المكان يقصد لدعائه ورجائه أو للدعاء عنده أو لم يقصد لذلك ولكن نية الناذر التقرب بعمله لديه والتبتل إليه حرم النذر والوفاء مثل تحريمهما في مكان فيه وثن من أوثان الجاهلية أو عيد من أعيادهم، وذلك لما روى أبو داود عن أبي قلابة: (أن ثابت بن الضحاك حدثه قال نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة فقال النبي ﷺ : "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد" قال لا قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم" قال لا فقال رسول الله ﷺ : "فأوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ") وبوانة بضم الباء

стр. 320

الموحدة من أسفل موضع في أرض اليمن ولا تخفى مناسبة الآية والحديث لذكر الترجمة إذ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ شامل لنذر الطاعة والقربة ونذر المعصية المغفورة والمحبطة، وقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ القرآن دال بمنطوقه ومفهومه وصريحه وكتابته أن الله لا يأمر إلاَّ بالطاعة قولاً وعملاً واعتقاداً، وينهى عن المعصية قولاً وعملاً واعتقاداً، فتعين أن يكون الحث على الوفاء بالنذر ومدح الوافين إذا كان في طاعة لله وقربة إليه وإلا فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ حنفاء لله غير مشركين به وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ومن أعظم الزور والفواحش معاصي الله بأنواعها الشاملة للنذر لغيره تعالى سواء كان نذر شرك أصغر أو كان شركاً أكبر فإن النذر لغير الله لا يتناول إلاَّ هذين النوعين ولا يخزج عنهما فلا ينعقد. وجواز الوفاء به متوقف على انعقاده وعدم الاثمية فيه، فذا عن اللزوم، هذا الذي عليه العلماء جمة لا كما زعمه صاحب المقدمة فإنه إنما نفى اللزوم خاصة وأسنده إلى اتفاق العلماء وأبقى جواز الوفاء به وصنيعه يدل على عدم فهمه وقصور إطلاعه، فإن نصوص العلماء قاطبة ناطقة بعدم جواز الوفاء بنذر المعصية وعللوا بنهيه صلوات الله وسلامه عليه عن عصيان الله بالنذر وفيه، ولأن في الجواز تقريراً لمعصية الله وهي منتفية شرعاً وعقلاً هذا مع اختلافهم في انعقاد نذر فعل المعصية كقطيعة رحم وقتل معصوم وشرب خمر وصوم يوم عيد، وتقدم أن الجمهور لا يرى انعقاده وان من رآه لا يجوز الوفاء به بل يوجب فيه كفارة اليمين، وإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يوجب في نذر قتل المعصوم ذبح كبش وإطعامه المساكين، وأما النذر لغير الله فإنه وإن كان نوعاً منه فلا أحد ممن يعتد به من العلماء يقول بجوازه أو انعقاده أو جواز الوفاء به، نعم قال بعض العلماء من الشافعية وغيرهم فيمن نذر لميت أو نحوه شمعاً أو زيتاً ونحوه وقصده أن يكون نذره وسيلة في قضاء ما طلبه أو منع ما قصده ولم يقصد ذلك من الميت نفسه ولا أن يكون سبباً فيه ان هذا النذر حرام لا يجوز الوفاء به وإن تصدق بثمن ما نذره من ذلك أو عينه على المساكين المستحقين كان خيراً له عند الله ﵎ وأنفع انتهى، وقوله ﷺ : " ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه" وقوله: "أنه لا وفاء لنذر في معصية " شامل لكل نذر معصية إما هو بنفسه أو ما هي وصف له، وإن لم يكن هو معصية كنذر الرجل نحر الإبل وذبح النسك أو فعل قربة في مكان معهود فيه

стр. 321

شرك، وما هو من أفعال الجاهلية فإن الحكم يتبع الوصف إيجاداً، واعداماً، جوازاً، ومنعاً، وهو سبب للحكم فإن وجد فهو مانع من الوفاء وإن لم يكن النذر في نفسه معصية لله، كفعل القربة، ولذلك سأل النبي ﷺ الرجل لما قال: يا رسول الله إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة فقال له هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد قال لا قال فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال لا قال فأوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم"، رواه أبو داود في سننه وغيره، فلما ظهر للنبي ﷺ عدم المانع لجواز الوفاء وهو فقد الصفة المحرمة في الصورتين قال له فأوف بنذرك، يعني حيث ليس هناك ما يوجب تحريم الذبح في ذلك الموضع فكان جوابه ﷺ فيه أمر بالوفاء عند الخلو من الصفة المانعة للنذر الجائز مع فقدها، ونهى عن الوفاء به مع وجودها، وأصل الوفاء بالنذر الجائز معلوم. فبين ﷺ ما لا وفاء فيه واللفظ العام إذا ورد على سبب فلابد أن يكون السبب مندرجاً فيه والله أعلم.

стр. 322

الاستعاذة بغير الله وتفصيل الكلام فيها (وأما قولكم وقوله ومن الإشراك الاستعاذة بغير الله فهذا غير مسلم أنه من الإشراك الاعتقادي وما استدل عليه من قوله وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن لا دلالة فيه عليه أصلاً) . فنقول قد تقدم تعريفنا معنى الاستعاذة في أول الكتاب عند قوله ونعوذ بالله من شرور أنفسنا والاستعاذة الالتجاء إلى الله والملاذ بجانبه من كل شر، والعياذ يكون لدفع الشر، والملاذ لطلب الخير كما قال المتنبي: يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ... ولا يهضمون عظماً أنت جابره

стр. 323

ومن لاذ واستجار واعتصم بغير الله فقد خاب وخسر وأشرك لله قوله واعتقاده، قال سبحانه تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فبين في هذه الآيات بل بالقرآن كله أن ليس دونه لخلقه ولي ولا نصير، وان لا أحد يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً فلا يوجدان إلاَّ بتقديره ومشيئته، وأنه الخالق للسبب والمسبب، وأن النزغ من الشيطان والاستعاذة منه لا تكون إلاَّ بالله السميع العليم، وان ليس للعين سلطان قهر وغلبة واستيلاء على عباد الله المنقادين لأمره المؤمنين به وبرسله وما أرسلوا به المفوضين أمورهم إلى خالقهم وإلههم فلا يتمكن من قلوبهم فيصدهم عن ذكره وتوحيده فيقعوا لي ذنب لا تجامعه المغفرة، بل إنما يكون ذلك على أوليائه المنقادين لأمره الذين يتولونه والذين هم به مشركون، لإعراضهم عن توحيد خالقهم، والاستعاذة بغير الله إعراض عن توحيده ونفي لتفرده تعالى بملك الضر والنفع والعطاء والمنع والاستغاثة والقرب، وتعطيل لمعاملته وافضاله مزيده، والمستعيذ بغيره متخذ ولياً ونصيراً من دونه لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.. إلى قوله ... إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فمن استعاذ بغير الله على هذا الوجه فهو بمن استعاذ به مشرك في قوله وعقيدته إذ تعلق قلبه في المستعاذ به من المخلوقين برجائه والملاذة به، والالتجاء إليه، والتوكل عليه، هو الحامل والمقتضي له على الاستعاذة به، وذلك هو الشرك الاعتقادي، ولهذا كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض قفرة أي خالية قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح فأنزل الله : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ﴾ أي يلوذون ويستعيذون ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ أي فزاد الإنس الجن المستعاذ بهم رهقاً، سفهاً وإثماً وطغياناً بقولهم سدنا الإنس والجن وكذا

стр. 324

ما في صحيح مسلم عن خولة بنت حكيم قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من دخل منزلاً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" وفي المسند للإمام أحمد عن أبان بن عثمان عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : "من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يضره شيء" قال الخطابي قال العلماء لا يستعاذ بغير الله أو صفاته، إذ كل ما سواه تعالى وصفاته مخلوق، ولذلك وصفت كلماته تعالى بالتمام وهو الكمال، وما من مخلوق إلاَّ وفيه نقص والاستعاذة بالمخلوق شرك مناف لتوحيد الخالق لما فيه من تعطيل معاملته تعالى الواجبة له على عبيده انتهى. وبهذا احتج السلف كالإمام أحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق قالوا وقد استعاذ النبي ﷺ بكلمات الله التامات فلا يستعاذ بمخلوق، ولما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً " فنهى عن الرقي التي فيها شرك كالتي فيها استعاذة بالمخلوقين الجن أو غيرهم، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال ... ﴾ الآية ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والاقسام التي يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغيره التي تتضمن الشرك، بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه، من ذلك كما تقدم خشية أن يكون فيه شرك بخلاف ما كان من الرقى المشروعة فإنه جائز، ومما يؤيد أن الاستعاذة بالمخلوق شرك اعتقادي، جعل المستعيذ نصيباً من ماله مأكولاً كان أو غيره لمن استعاذ به من الجن لائذاً به وعائذاً ليرفع عنه أو غيره ما حل به من المس واللمم أو يدفع ما يحذره من سائر الألم قائلاً أعوذ وألوذ بفلان وفلان ومن ساد من انس وجان من شر كذا وكذا ثم ينحر النحيرة لسكان الأرض من الجيران ليرفعوا عنه أو يدفعوا ما حل به وكان، ويدس ما نحره لهم في التراب ليكون لهم خالصاً وبهم سائغاً، وبعضهم يقول أعوذ بأبي الجان وشهاب الشيطان من العين وما كان من شر كيت وكيت، ونحو هذه الاستعاذات التي هي شرك اعتقادي من هؤلاء المفتونين عبدة الشياطين، ولفظ الاستعاذة بالمخلوق شرك قولي ناشيء عن الاعتقادي، فقول صاحب المقدمة الاستعاذة بغير الله غير مسلم أنه من الإشراك الاعتقادي دال بصريحه على أنه لم يميز اللازم من الملزوم ولم يعرف المقتضي المشؤم وذلك من وجوه. (أحدها) أنه ما دليله فيه إلاَّ أنه لا يسلم من غير دليل من الكتاب والسنة

стр. 325

وكلام الأئمة غرضه ولا استدلال ضده. (الثاني) أن قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ دالة الآية بمنطوقها ومفهومها ان الاستعاذة بغيره تعالى من الجن واقعة اعتقادية، لحديث كردم بن أبي السائب الأنصاري قال خرجت مع أبي إلى المدينة وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ بمكة وآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملاً من الغنم فوثب الراعي فنادى يا عامر الوادي جارك. فنادى مناد لا نراه يا سرحان أرسله فإذا الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة فأنزل الله على رسوله ﷺ الآية. (الثالث) أنه لو لم يعتقد فيه القدرة على تحصيل ما يرومه منه ودفع ما يخشى شره لما استعاذ به. (الرابع) نفيه الاستدلال بالآية على أن الاستعاذة بغير الله شرك اعتقادي لقوله لا دلالة فيه عليه أصلاً والله قد أنزلها بسبب الشرك الاعتقادي في عامر الوادي. (الخامس) ان حكم الآية عام في كل مستعيذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو إذ العبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مع ملاحظته وعدم القصور عليه. (السادس) ما قاله عبد الرحمن الجلال السيوطي في كتابه الخصائص الكبرى ان من التلاوة على الجن المستفاد من شرورهم بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول رب العالمين إلى من طرق الدار من العمار والزوار والصالحين لا طارق يطرق إلاَّ بخير يا رحمن، أما بعد: فإن لنا ولكم في الحق سعة فإن تك عاشقاً مولعاً أو فأجراً مقتحماً أو راعياً حقاً مبطلاً هذا كتاب الله ينطق علينا وعليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ورسلنا يكتبون ما تمكرون، اتركوا صاحبنا هذا وانطلقوا إلى عبدة الأصنام وإلى من يزعم أن مع الله إلهاً آخر، لا اله إلاَّ هو، كل شيء هالك إلاَّ وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، تغلبون لا تنصرون، تفرق أعداء الله بلغت حجة الله

стр. 326

ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، دال بمنطوقه على أن الاستعاذة لا تكون إلاَّ بالله لأنه ذكر صفة ما كأنه في كتاب النبي ﷺ رسول الله إلى سائر الإنس والجن إلى من طرق الدار من العمار والزوار والصالحين طالباً منهم فيه الحق على ضمن ما في كتاب الله وهو القرآن من تحريم ظلم المسلمين عليهم فلا يظلمونهم ولا يتعدون عليهم، بل يفعلون ما حكم عليهم القرآن وطلبه منهم ويتركون ما نهوا عنه، ولذلك قال هذا كتاب الله ينطق علينا وعليكم بالحق، فإن القرآن الكريم ناطق بتحريم ظلم المسلمين بعضهم بعضاً. حاكم بذلك على الإنس والجن، ولهذا قال بلغت حجة الله، وناسبت الحوقلة لط هذا الحال لأنه أمر مهم وما ذكرت على كل مهم إلاَّ فرجه الله، ثم استكفاهم الله السميع العليم فقال فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم.

стр. 327

نداء غير الله هو الدعاء الذي هو العبادة (وأما قولكم وقوله باب قوله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ يعني من يدعو غير الله نبياً أو غيره يكون مشركاً كما يدل عليه سياق كلامه قلنا ان أردت من الدعاء العبادة كما هو معنى الدعاء في الآية فمسلم لكن لا نسلم أن الداعي غير الله يعبده بل إنما يناديه ويلزم من النداء ذلك وإلا لزم تكفير كل من نادى غيره ولا يقول به أحد من الأمة بل من جميع الأمم) . فنقول من له أدنى لب من عقل ومعرفة في أي فن عرف بهما حق الله الخاص بجلاله وهو عبادته التي أمر بها في النص المتضمنة السؤال من نيل أفضاله وحق المسلمين بعضهم على بعض وما يقدرون عليه، ففرق بين العادة والعبادة، فإنها اسم جامع لكل ما يحبه ويرضاه، ويثبت عليه مما أمر به من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ثم ان كان ما أمر به مختصاً بجلالة لفظه ومعناه فلا يصرف لغيره تعالى من ذلك الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه أو رفعه إلاَّ الله وحده، فمن دعا به غير الله

стр. 328

من سائر الخلق واستعان به فيه فقد عبده به، وهذا المعنى مما عناه المفسرون تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في قولهم أي تعبدون وقوله ﴿والذين تدعون من دونه﴾ أي تعبدون وأمثال ذلك ولهذا قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ فإن المشركين لما أحبوا مع الله كحب الله وظنوا ان ما تألهته قلوبهم تشفع لهم عند الله وتقربهم منه دعوهم لذلك والتمسوا البركة عندهم راجين الشفاعة منهم واتخذوهم أسباباً في قضاء حوائجهم من عند خالقهم، ولذلك قال تعالى عنهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وإذا كان اتخاذهم أسباباً في قضاء حوائجهم من عند الخالق ودعاؤهم ورجاؤهم إياهم في ذلك يكون عبادة لهم مع إقرارهم بربوبيته تعالى وملكه وجميع الكائنات وأنه تعالى الذي بيده ملكوت كل شيء وهو الذي يجير ولا يجار عليه فهو الضار النافع المعطي المانع، فكيف بمن اعتقد الضر والنفع والعطاء والمنع فيمن دعاه وسماه وسيلة وزعم أن الله جل شأنه قد أمر بذلك فهو يدعوه قضاء حوائجه وتفريج كرباته والبركة في ماله وأولاًده ويتبتل إليه في ذلك وليس معه من التوحيد إلاَّ مجرد ادعاء، لأن صنيعه ذلك في قوله وفعله وعقيدته مكذب له فيما ادعاه بجعله نداً له مماثلاً له في عبادته ومعاملته المختصة بجلاله، فمعنى قوله تعالى أيشركون أي أيعبدون بما هو مختص بجلال الله خالق جميع المخلوقات ورب كل الكائنات من نسبة عبودية أسماء المخلوقين إليه وتوكلهم في رجائهم وجميع أمورهم عليه فيجعلون ذلك لغيره وهو ما لا يقدر على خلق شيء وهم يخلقون أي مخلوقون وما لا يقدر على خلق شيء لا يتأله في العبادة فلا يتخذ لها معبوداً لا في القول ولا في الاعتقاد، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ حين سأل النبي ﷺ أي الذنب أعظم قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" والند المثل قال الله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ والداعي غير الله فيما لا يقدر عليه غيره جاعل لله نداً من خلقه فيما يستحقه تعالى من الألوهية المقتضية للرهبة والرغبة والاستعاذة وذلك كفر بإجماع الأمة لأن الله سبحانه

стр. 329

وتعالى هو المستحق للعبادة لذاته فإنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب بالرغبة لديه والفزع عند الشدائد إليه، وما سواه فهو مفتقر بالعبودية مقهور بها، فكيف يصلح أن يكون إلهاً مرغوباً مرهوباً مدعواً قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْأِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ... ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ فالله هو المستحق أن يدعى ويرجى ويعبد بكل ما أمر به لذاته قال الله الحمد لله رب العالمين فذكر الحمد بالألف واللام التي تقتضي الاستغراق لجميع المحامد فدل على أن الحمد كله لله ثم حصره في قوله إياك نعبد وإياك نستعين فهو تفصيل لقوله الحمد لله رب العالمين. (إذا علم هذا) فالمقصود من قوله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً ... ﴾ الآية وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ الآية إقامة الحجة على أن كل ما سوى الله لا يصلح إلهاً معبوداً لأنه غير خالق لأفعال نفسه ولا غيرها فلا يدعى بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلاَّ الله وحده، ولا تنسب عبودية المخلوقين إليه ولا يرجى ولا يتوكل عليه بل لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له مخلصين له الدين ولو كره المشركون ولذلك قال والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير الذي هو قشر النواة ولفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين. (أحدهما) دعاء العبادة وهو دعاء الله لامتثال أمره في قول : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..﴾ الآية. (الثاني) دعاء المسألة وهو دعاؤه سبحانه في جلب المنفعة ودفع المضرة بقطع النظر عن الامتثال، ولفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معناه، وهو الدعاء الشامل للعبادة والمسألة، وقد فسر قوله تعالى وقال ربكم ادعوني استجب لكم بوجهين:

стр. 330

(أحدهما) ما هو عام في الدعاء وغيره وهو العبادة وامتثال الأمر له أستجب لكم أي كما أثبكم كما قال في الآية الأخرى ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي يثيبهم عل أحد التفسيرين ويزيدهم من فضله. (الثاني) ما هو خاص، معناه سلوني أعطكم كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا بثلث الليل الآخرة فيقول من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" فذكر أولاً لفظ الدعاء ثم ذكر السؤال والاستغفار. والمستغفر سائل كما أن السائل داع، لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل الطالب للخير وغيرهما جميعاً بعد ذكر الداعي الذي يتناولهما وغيرهما فهو من باب عطف الخاص على العام، وهذا المعنى الثاني أعني الخاص هو الأظهر لوجهين. (أحدهما) ما رواه النعمان بن بشير قال قال رسول الله ﷺ : "ان الدعاء هو العبادة" وفي رواية مخ العبادة ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..﴾ الآية رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، فاستدلاله ﵊ بهذه الآية على الدعاء دليل على أن المراد منها سلوني، وخطاب الله لعباده المكلفين بصيغة الأمر منصرف عند الأصوليين إلى الوجوب ما لم يقم دليل يصرفه إلى الاستحباب، ومفيد أيضاً قصور فعله على الله فلا يجعل لغيره حيث كان عبادة قولية أو فعلية، ولهذا أمر الله الخلق بسؤاله فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: "سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل" وفيه عن أبي هريرة مرفوعاً: "من لا يسأل الله يغضب عليه " وفيه أيضاً أن الله يحب الملحين في الدعاء، وفي حديث آخر ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع، وفي المعنى أحاديث كثيرة صحيحة. (الثاني) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وكل سائل راغب فهو عابد للمسؤول وكل عابد له فهو أيضاً

стр. 331

راغب وراهب يرجو رحمته ويخاف عذابه فكل عابد سائل وكل سائل عابد قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ ولا يتصور أن يخلو داع الله، دعاء عبادة، أو دعاء مسئلة، من الرغب والرهب والخوف والطمع والرغبة إلى الله والرهبة والخوف منه والطمع عنده، ليس ذلك يكون لغيره فلا يصرف ما هو مستحق به إلى غيره من سائر الخلق إذ فيه تعطيل معاملته المقتضية لإلوهيته وصمديته مع عجز المدعو وضعفه وافتقاره إلى خالقه فإن توحيد الإلهية يتضمن إخلاص ذلك كله له قال جل شأنه: ﴿له دعوة الحق﴾ وقال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ والشرك بالرجل المعتقد صلاحه وقربه وولايته أو بقبره أقرب إلى النفوس وأحب إليها من الشرك بخشبة أو حجر مصور على صورته وتمثاله، فمن دعا غير الله بما لا يقدر عليه الخلق أو قال أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل أحد غير الله أو معه فقد أشرك في ربوبيته وعطل معاملته وعبادته المقتضية لإلوهيته وصمديته، ولهذا قال النبي ﷺ لابن عباس ﵄: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك أو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح فهذا يدل بصريحه على أنه لا نفع ولا ضر ولا قبض ولا بسط ولا خفض ولا رفع ولا حركة ولا سكون إلاَّ والله سبحانه هو فاعله وخالقه وقابضه وباسطه ورافعه وحافظه، فلا يدعى ولا يرجى غير الله، ولا يتوكل إلاَّ عليه، ولا يستعان إلاَّ به، كما قال علي ﵁ لا يرجو عبد إلاَّ ربه ولا يخافن عبد إلاَّ ذنبه، والرجاء بفضل الله ورحمته، وهذا المشهد فيه الكلمات

стр. 332

الكونيات وهو علم معرفة صفة الربوبية الأول، وعلم معرفة صفة الألوهية الثاني، وهو كشف التكليفات، فالتحقيق بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء يكون عن كشف علم الألوهية، والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم يكون بعد كشف علم الربوبية، وهو علم التدبير الساري في الأكوان كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فإذا تحقق بهذا المشهد ووفقه الله تعالى لذلك بحيث لا يحجبه مشهد الربوبية عن مشهد الألوهية فهو السعيد في العبودية، فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين، فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف والكرم والجمال داخل في مشهد الألوهية، وجميع مشاهد العظمة والكبرياء والملك والقهر والجلال داخل في مشهد الربوبية، ولهذا قيل إن هذه الآية جمعت سر القرآن، بل سائر الكتب الإلهية كلها ترجع إليه وتدور عليها، أعني إياك نعبد وإياك نستعين، لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء الذي لازمه الدعاء والإنابة والرغبة والرهبة والتوكل، وآخرها اقتضى عبادته بالتفويض والتسليم وترك الاختيار، وجميع العبوديات داخلة في ذلك، فلا يدعى بما لا يقدر عيه إلاَّ الله غيره، ولا يرجى فيه إلاَّ هو، ولا يستغاث إلا به، لأنه لا حول وهي الحركة والتحول من حال إلى حال، ولا قوة على ذلك الحول إلاَّ بالله، سواء ذلك الحول والقوة الموجودة في السماء والأرض والآدميين والملائكة والجن وسائر الدواب وغيرها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال النبي ﷺ لحصين كم تعبد قال ستة في الأرض وواحداً في السماء قال فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء ... الحديث، رواه الإمام أحمد والترمذي. فهذا يوجب انقطاع تعلق القلب بغيره تعالى وإن كان ملكاً أو نبياً فكيف بالمشايخ الأولياء العلماء، أو بالفجار الدجالين الأشقياء، فإن غاية الراجي لهم الداعي منهم المتوكل عليهم أن يقول مرادي يشفعون لي، فقطع سبحانه مادة ذلك كله قطعاً شافياً، فأخبر تعالى في محكم كتابه أنه ما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه، ونفى أن يشفع أحد لأحد إلاَّ بإذنه، وأعلن بأن سائر الشفعاء لا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى أو هم من خشينه مشفقون وقال يومئذ لا تنفع الشفاعة إلاَّ لمن أذن له الرحمن ورضي له قولاً ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء وأفضلهم

стр. 333

صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ورأى ربه سجد له وحمده بمحامد يفتحها عليه ولا يبتدىء بسؤال الشفاعة حتى يقال له أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع. والموفق إذا حقق قيام الله ﵎ على جميع الأشياء وتصرفه ني جميع الكائنات وتدبيره أمور كل المخلوقات أغناه ذلك عن التعلق على سواه فأخلص له توكله ورجاءه ودعاءه والتجاءه بقصوره ذلك على سيده ومولاه فيما أسره وأبداه من جلب خير ينفعه، أو كشف ضر يضره، وهو القائم على كل نفس بما كسبت فأمره نافذ فيها، وقضاؤه وقدره حاكم عليها، وأزمة الأمور كلها في يده ومرجعها إليه ومدعى الإيمان بذلك لازمة الشهادة في قوله وعقيدته بأن المعطي والمانع والضار والنافع والخافض والرافع والمعز والمذل هو الله وحده، وأن الأمر كله له والشفاعة كلها له والدين هو له وحده، مختص بجلاله فلا يتأله بدعاء ما لا يقدر عليه إلاَّ الله غيره، ولا يرجو إلاَّ هو ولا يتوكل إلاَّ عليه، ولا يعتقد أن جالب الخير أو كاشف الضر إلاَّ الله وحده، فإن أسدى إليه أحد من الخلق معروفاً لقدرتهم عليه كان نظره أولاً إلى الخالق فيشكره على ما أولاه من نعمه فإنه سبحانه المعطي للمخلوق ما أسداه وحببه إليه وقواه عليه، ثم لينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافئه عليه ويثني عليه خيراً لقوله ﵇: "من أسدى إليكم معروفاً فكافؤه فإن لم تكافؤه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه" وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" رواه أبو داود في سننه وأخرجه الترمذي وقال صحيح وعن أسامة بن زيد ﵄ قال قال رسول الله: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء" رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : " من أعطى عطاء فوجد شيئاً فليكافىء به فان لم يجد فيثني فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره" رواه أبو داود، وذلك لأن النعم كلها من الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ فإن الله سبحانه هو المعطي على الحقيقة فإنه الذي خلق الأرزاق كلها وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده وإذا حقق ذلك عاملاً به كان مستعيناً بالله متوكلاً عليه راغباً وراهباً إليه ولأن في استعانة الله وحده فائدتين.

стр. 334

(الأولى) أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في أعمال الطاعات. (الثانية) أنه لا معين له على صالح دينه ودنياه إلاَّ الله ، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن" وكان النبي ﷺ يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا:، الحمد لله نستعينه ونستهديه" ومن دعاء القنوت الذي كان يدعو به عمر وغيره اللهم إنا نستعينك ونستهديك، وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وكان من دعائه ﷺ رب أعني ولا تعن علي، وفي دعائه أيضاً ﷺ لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: "اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلاَّ بك" وكان من دعاء موسى ﵊ لما ضرب البحر فانفلق: "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلاَّ بك". وإذا كان هذا الدعاء وأمثاله هو دعاء العبادة المشتمل على الاستعانة من رب العالمين بالنص عند كل علماء المسلمين، فلو صرف لغير الله من سائر الخلق لكان معبوداً به، والداعي عابد المدعو ومستعين به ومتوكل عليه، ولا يقال ليس هو عابداً ولا مستعيناً لأنه إنما يناديه فقط، فيصرف العبادة والاستعانة وجود النداء كما فهمه صاحب المقدمة معللاً لزوم العبادة كل منادي، وعدم تكفير كل من نادى غيره، لأنا نقول علة التكفير وجود دعاء العبادة الشاملة لدعاء المسئلة التي هي حق الله، وصرفه إلى غيره سواء وجد النداء أو لم يوجد، وليس العلة وجود النداء نفسه خالياً من العبادة، وبهذا يعلم ما ذكره المفسرون تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي تعبدون ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي تعبدون وأمثاله، وذلك لأن العبد محتاج إلى الاستعانة بالله في كل الأفعال المأمورات، وفي ترك المحرمات، وفي

стр. 335

الصبر على المقدورات، كما قال يعقوب ﵇ لبنيه ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا، وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا، وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ولما بشر النبي ﷺ عثمان بالجنة على بلوى تصيبه قال: الله المستعان، ولما دخلوا على عثمان فضربوه جعل يقول والدماء تسيل عليه لا إله إلاَّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعينك عليهم وأستعينك على جميع أموري وأسألك الصبر على ما ابتليتني، وروى أبو طلحة أن النبي ﷺ قال في بعض غزواته حين لقي العدو: "يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين" قال أبو طلحة فلقد رأيت الرجال تصرع. أخرجه أبو الفتح الأصبهاني فالعبد محتاج في مصالح دينه ودنياه، وكل ما لا يقدر عليه إلاَّ الله منهما لا يجوز أن يسأل من غيره فلا يعبد إلاَّ الله، ولا يتوكل إلاَّ عليه، ولا يستعان إلاَّ به، لأن ما سواه مفتقر إليه مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون معبوداً قال عز من قائل: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ولهذا لما سأل ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله ﷺ مرافقته في الجنة وكان خادماً له كأتيه بوضوئه وحاجته فقال سلني فقلت أسألك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك فقلت هو ذلك قال فأعني على نفسك بكثرة السجود، رواه مسلم، لم يبادر ﷺ بقوله نعم افعل أجعلك معي إشارة إلى أن الأمر بيد الله وأن كثرة السجود بإخلاص هي الوسيلة في قضاء الحاجة ونيل المسؤول والسائل لم يسأل النبي ﷺ أن يدخله الجنة وإنما سأله أن يكون رفيقاً له في الجنة ومعناه صحبته وعدم فراقه فيه كحالته معه في الدنيا فأجابه ﷺ بقوله فأعني على نفسك بكثرة السجود تعليماً له أن نفس دخول الجنة ثابت بوعد الله تعالى لمن مات لا يشرك به شيئاً فهو رحمة من الله وفضل ورفع الدرجات، ومرافقة الصالحين الأحباب بسبب كثرة الأعمال الصالحة وإخلاصها لله على أن سؤاله النبي ﷺ مرافقته الجنة معناه دعاء الله أن يكون كذلك، كما قاله المحققون من أهل العلم واتفقوا على أن النبي ﷺ لا يسأل بعد موته لا استغفاراً ولا دعاءً ولا غيرهما فان الدعاء عبادة مبناها على التوقيف والإتباع لا على الأهواء والابتداع ولو كان هذا من العبادات لسنه الرسول ﷺ ولكان أصحابه أعلم بذلك وأتبع له، وقوله

стр. 336

تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوك ... ﴾ الآية فإتيانه ﷺ للاستغفار مخصوص بوجوده في الدنيا، ولهذا لم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين مع شدة احتياجهم وكثيرة مدلهماتهم، وهم أعلم بمعاني كتاب الله وسنة رسوله وأحرص إتباعاً لملته من غيرهم، بل كانوا ينهون عنه وعن الوقوف عند القبر للدعاء عنده، منهم الإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي وهم من خير القرون التي قد نص عليها النبي ﷺ في قوله خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران لا أدري أذكر ثنتين أو ثلاثاً بعد قرنه، رواه البخاري في صحيحه مع أنه ﷺ حي في قبره حياة برزخية أقوى من حياة الشهداء ولكنه قد انتقل من هذه الدار إلى دار القرار بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولهذا استسقى أصحابه بعمه العباس كما رواه البخاري عن أنس، ولم يأتوا إلى قبره ولا وقفوا عنده وما ذهب إليه طائفة من متأخري الفقهاء من استغفار الله في حضرة القبر مستندين إلى الآية وقصة الأعرابي فلا يعتد به لما تقدم عن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وقولهم في معنى الآية ومثل هذه الحكاية لا يثبت بها حكم شرعي لاسيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأولى بالعمل من غيرهم بل لو لم يكن مكروهاً عندهم شديداً لما نهوا عنه وعن فعله وليس الدين بالعقل إنما هو بالتوقيف والنقل كيف وقد آل بهم هذا الأمر إلى الفتنة العظمى التي هي الشرك بالله من دعائه ورجائه والتوكل عليه ﷺ . (وأما حق المسلمين) بعضهم على بعض مما يقدرون عليه والعادة جارية فيه بينهم فمنه توادهم وتعاطفهم وتراحمهم والنصح لهم والتيسير على معسرهم ومعاونة أخرقهم، وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وفي رواية لمسلم: "المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وفي رواية له أيضاً: "المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينيه اشتكى كله وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله" وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي

стр. 337

صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وفيه أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان في عون أخيه ... الحديث" وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يثلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة" وخرج الطبراني من حديث كعب بن عجرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نفس عن مؤمن كربة من كربه نفس الله عنه كربة يوم القيامة ومن ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربته" وخرج الإمام أحمد من حديث مسلمة عن مخلد عن النبي ﷺ قال: "من ستر مؤمناً في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة ومن نجى مكروباً فك الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" فقوله ﷺ : "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل وقد تكثرت النصوص من هذا المعنى كقوله ﷺ : " إنما رحم الله من عباده الرحماء" وقوله: "ان الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا" والكربة هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب، وتنفيسها أن يخفف عنه منها مأخوذ من تنفس الخناق كأنه يرخي له الخناق حتى يأخذ نفساً، والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن نزيل عنه الكربة فتنفرج عنه كربته ويزول همه وغمه، فجزاء التنفس التنفس وجزاء التفريج التفريج، كما في حديث ابن عمر ﵄ وقد جمع بينهما في حديث كعب بن عجرة ﵁ وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض، وإتباع الجنازة، وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" متفق عليه، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً ولا ننكر ثبوت حق المسلمين بعضهم على بعض ولا مناداة بعضهم بعضاً فيما يقدر عليه الخلق من سائر أمورهم الجارية بينهم وإنما قولنا وإرادتنا في عبادة الله وحده التي ليس لخلقه منها شيء البتة، وذلك يوجب

стр. 338

الاعتماد على الله في القول والاعتقاد الشامل جميع الأحوال، ولهذا يذكر الله الأسباب وينهىعن الاعتماد عليها، ويأمر بأن لا يرجى إلاَّ الله وحده، كما قال تعالى لما أنزل الملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وقال: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وقد قدمنا أن الدعاء نوعان دعاء عبادة، ودعاء مسئلة، وكلاهما لا يصلح إلاَّ لله. فمن جعل مع الله إلهاً آخر قعد مذموماً مخذولاً، والراجي سائل طالب فلا يصلح أن يرجو إلاَّ الله ولا يسأل غيره، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك" والمتشرف الذي يستشرف بقلبه، والسائل الذي يسأل بلسانه، وفي الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (أصابتنا فاقة فجئت إلى رسول الله ﷺ لأسأله فوجدته يخطب الناس وهو يقول: "أيها الناس والله مهما يكن عندنا من خير فلن ندخره عنكم وأنه من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطى أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر والاستغناء أن لا يرجو بقلبه أحداً فيستشرف إليه" ولهذا كان الغنى غنى القلب كما قال النبي ﷺ : " ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس" ولهذا قيل: إذا رزقت من الدنيا قناعة ... فأنت ومالكها سواء والاستعفاف أن لا يسأل بلسانه أحداً، ولهذا لما سئل أحمد بن حنبل عن التوكل فقال قطع الاستشراف إلى الخلق، أن لا يكون في قلبك أن أحداً يأتيك بشيء، فقيل له فما الحجة في ذلك فقال قول الخليل لما قال له جبريل هل لك من حاجة فقال أما إليك فلا، فهذا وما يشبهه مما يبين أن العبد في طلب ما ينفعه ودفع ما يضره لا يوجه قلبه إلاَّ إلى الله ولهذا قال المكروب لا اله إلاَّ أنت، ومثل هذا ما في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلاَّ الله العظيم الحليم، لا إله إلاَّ الله رب العرش العظيم، لا إله إلاَّ الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم " فإن هذه الكلمات فيها تحقيق التوحيد، ومسألة العبد ربه وتعلق رجائه به

стр. 339

وحده لا شريك له، وفي لفظ خير يتضمن الطلب والناس وإن كانوا يقولون بألسنتهم لا إله إلاَّ الله فقول العبد مخلصاً من قلبه له حقيقة أخرى وبحسب تحقيق التوحيد تكمل طاعة الله، فيتيقن محقق التوحيد العامل بالطاعة أنه لا نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع إلاَّ من الله وحده، فإن سأل مخلوقاً شيئاً يقدر عليه الخلق من أمورهم الجارية بينهم فحصل له ما سأله أو منع منه كان نظره إلى الخالق في أنه سبحانه المعطي لهذا المسؤول ما أسداه وحببه إليه وقواه عليه، أو لم يقدر منه شيئاً بل كره دفعه إليه فمنعه عنه وإن يكن الدفع واجباً فمنعه المسؤول قادراً عليه عوقب شرعاً مع بقائه مكلفاً مختاراً لعموم خطاب الشرع له ومع جواز سؤال الخلق بعضهم بعضاً مما يقدرون عليه من أمورهم الدنيوية فسؤال الله دون خلقه مطلقاً هو المتعين عقلاً وشرعاً وذلك من وجوه متعددة. (منها) أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل وذلك لا يصلح إلاَّ لله وحده، وهذا هو حقيقة العبادة التي تختص بإله الخلق كلهم، ولهذا كان الإمام أحمد يقول في دعائه: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك وفي هذا المعنى يقول بعضهم: ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... بدلاً وان نال الغنى بسؤال وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلاً ... فابذله للمتكرم المفضال ولهذا المعنى كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم كما ثبت ذلك في الصحيحين لأنه أذهب عز وجهه وصيانته وما يأتيه في الدنيا فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه المعنوي فلا يبقى له عند الله وجاهة، وقد بايع النبي ﷺ جماعة من الصحابة أن لا يسألوا الناس شيئاً منهم الصديق وأبو ذر وثوبان فكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحداً أن يناوله ﵃. (ومنها) أن سؤاله الله عبودية عظيمة لأنها إظهار للافتقار إليه واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج وفي سؤال المخلوق ظلم لأن المخلوق عاجز عن جلب الخير

стр. 340

لنفسه ودفع الضر عنها، فكيف يقدر على ذلك لغيره، وسؤاله إقامة له مقام من يقدر وليس هو بقادر، ويشهد لهذا المعنى الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي ﷺ : " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص الخيط إذا أدخل البحر" وفي الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث: " وذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام إذا أردت شيئاً فإنما أقول له كن فيكون" فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر إن هذا إلاَّ عجب العجب. (ومنها أن الله) يحب أن يسأل ويغضب على من لا يسأله فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه ويحب الملحين في الدعاء. (ومنها) أن الله يستدعي من عباده سؤله وينادي كل ليلة هل من سائل فأعطه سؤله هل من داع فأستجيب له وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ فأي وقت دعاه العبد وجده سميعاً قريباً مجيباً ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب.

стр. 341

الاستغاثة بغير الله وتفصيل الكلام فيها (وأما قولكم وقوله من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. فنقول إن أراد بالاستغاثة، التي جعل مرتكبها كافراً، الاستغاثة به على اعتقاد أن غيره تعالى قادر بقدرة مؤثرة على جلب نفع له أو دفع مضرة عنه فلا شبهة في كفر من يعتقد ذلك، وإن أراد بمطلق الاستغاثة، يكون المرتكب مشركاً فغير مسلم إذ لا شك في أن للعبد قدرة كاسبة وما يفعل من فعل فهو بتأثير الله وكسب من العبد وحال دعاء غيره تعالى قد علم مما تقدم آنفاً والآية المذكورة لله معرض الاستدلال لا تصلح له دليلاً) فنقول هذا مما يؤيد ما قلناه من أن صاحب المقدمة إنما يقول من

стр. 342

عندياته وأنه لم يعلم معاني كلام الله وآياته، وسنة الرسول وأصحابه، وما قاله أهل اللغة في معنى الاستغاثة من أنها طلب الغوث من الغير، قال أهل اللغة المستغاث به هو المطلوب منه الغوث، والمستغيث هو الذي يطلب الإغاثة من غيره، وكذلك ما ذكره النحاة كلهم في باب الاستغاثة، وما نقلوه عن العرب من الفرق بين المستغاث به والمستغاث من أجله، كقولهم يالله للمسلمين بفتح لام المستغاث به وخفض لام المتسغاث من أجله، ومنه قول المهاجري يا للمهاجرين وقول الأنصاري يا للأنصار فاستغاث هذا بالمهاجرين وهذا بالأنصار فقال رسول الله ﷺ : "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ " فالمستغاث به عندهم هو الذي يدعى ويسأل ويطلب منه الغوث، والمنادي هو داعي المنادى لكن فرقوا بين دعاء المستغاث به وغيره، كما فرقوا بين دعاء الندبة وغيره، كقوله يا حسرتا على ما فرطت، وقولهم يا أبتاه يا عمران ونحو ذلك مما يلحقون في آخره ألفاً لأجل مد الصوت إذ النادب الحزين يمد صوته وهو يندب ما قد فات فيمد الصوت في آخر دعائه كقوله يا أسداه يا ركناه يا أبتاه حتى قالوا يا أمير المؤمنيناه يا عبد الملكاه إذ نداء الندبة يقوله الإنسان عند حدوث أمر عظيم، ويقوله للتوجب، كقول سارة حين بشرت بإسحق يا ويلتي، بخلاف المستغيث فإنه يدعو المستغاث به كما يدعو غيره فيقول يا لزيد كقوله يا زيد لكن دل بهذه الصيغة أنه يطلب منه الإعانة على ما يهمه من أموره مطلقاً، بخلاف النداء المجرد فإنه لا يدل على ذلك فالمستغيث بالشيء داعيه مع زيادة طلب الإغاثة، ومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، وهو موجود في جميع الكتب المتداولة التي يذكر فيها مثل هذا في كتب اللغة والنحو والتفسير ودواوين العرب وغير ذلك، أن المستغيث بالشيء هو الذي يطلب منه الغوث، وهم يقولون استغثته واستغثت به، كما يقولون استعنته واستعنت به، ودعوته ودعوت به، وبين المعنيين فرق لطيف، وهو أنهم إذا عدوه بنفسه لاحظوا أنه فاعل الغوث بنفسه، وإذا عدوه بالباء لاحظوا أنه معين على ذلك، فكأنه إذا قال استغثت فلاناً قال طلبت منه أن يغيثني وإذا قال استغثت به تضمن معنى استغثته واستغثت به على أن يغيثني، فالباء فيه متضمنة معنى كتبت بالقلم فالاستغاثة عامة في المعنى الاستغاثة وزيادة، هذا هو معناها في القرآن في قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم أي تستجيرون به من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر عليه وكذلك السنة في قوله ﷺ :

стр. 343

" والله لا يأخذ أحدكم شيئاً بغير حقه إلاَّ لقي الله يحمله يوم القيامة فيأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك شيئاً قد بلغت ويأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغت" رواه البخاري فالمستغاث به مسؤول مطلوب. ومن المعلوم ضرورة أن ما جاء به الرسول ﷺ لم يشرع فيه للأمة أن تدعوا أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاثة ولا غيرها ولا بلفظ الاستعاذة ولا غيرها كما أنه لم يشرع لها السجود لغيره تعالى، بل نهى عن ذلك كله وأخبر أنه من الشرك المنافي لما جاء به، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة جعل ذلك مما لا بأس به، ولهذا عمت دعوة الأموات والاستغاثة بهم عند نزول الكربات يسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، فكان ما يفعلونه بالأموات أعظم من عبادتهم واعتقادهم في رب الأرض والسموات، لأنهم أنما يقصدونهم في ضرورة نزلت بهم فيدعونهم دعاء المضطرين ولقضاء حاجاتهم منهم أو بهم راجين، بخلاف عبادتهم لله ودعائهم إياه، فإنما يفعلونه على وجه العادة، واشتراط صاحب المقدمة اعتقاد قدرة مؤثرة على جلب نفع له أو دفع مضرة عنه، دال على عدم معرفة أقسام الشرك الموجب للكفر الاعتقادي وخلود أهله في النار فإن ذلك المشروط إنما هو شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته وأنه لم يكن معدوماً أصلاً بل لم يزل ولا يزال والموجد للحوادث أسباب أثرت فيها واقتضت إيجادها هي بنفسها أو شرك القدرية القائلين بأن الحيوان توجد منه قدرة على خلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله تعالى، أو شرك الجهمية والقرامطة الذين لم يبقوا لله اسماً ولا صفة ولا قدرة تامة، بل جعلوا المخلوق له قدرة مؤثرة وأما تعطيل معاملته تعالى عما أوجب على عبيده والشرك فيها فليس عنده من ذلك تمييز ولا معرفة، والحاجب عن ذلك شهود القيومية التي يشترك فيها وفي معرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر، وأما شهود الألوهية التي دعت إليه الرسل حيث أمروا بعبادة الله وحده وطاعته فإن العبد إذا فتحت عين بصيرته له فرق بينه وبين قسيمه الأول ففعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وعلم حكم المأمور به فعلاً وتركاً وكفراً أو معصية، والمنهي عنه كذلك ووالى أولياء الله وعادى أعداءه وصار على ملة إبراهيم ودين محمد ﷺ ، ومن لم يقل بالفرق بين القسمين كان خارجاً عن حقيقة الإيمان كما أنه خارج عن شريعة

стр. 344

الإسلام فليس معه حقيقة إيمانية ولا شريعة إسلامية وإنما معه حقيقة خلقية قد أقر بها عباد الأصنام الذين هم مشركون، وذلك أن شهود القيومية بلا جمع بينه وبين شهود الألوهية ممتنع طبعاً وشرعاً إذ لا يغني أحدهما عن الآخر، فمن لم يشهد الفرق الشرعي الإلهي كان مع الفرق الطبيعي النفساني أو فرق شيطاني، ومن لم يعبد الرحمن عبد الشيطان: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ... ﴾ إلى قوله ﴿.. فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ وذكر الرحمن يراد به الذكر الذي أنزله الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ... ﴾ إلى قوله.. ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ فمن أعرض عن هدى الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه فلم يفرق بين ما أمر الله به وما نهى عنه كان معرضاً عن ذكره المنزل فيقيض له شيطاناً يصده عن سبيل الله، فيقول ويعمل بمجرد هواه، ومن أضل من اتبع هواه بغير هدى من الله، ولو كان مثل هذا ذكر الله ولم يشهد إلاَّ القيومية العامة لم يشهد ما جاء به الكتاب المنزل بل يكون من أعظم أتباع الشياطين الخارجين من الدين، كما تخرج الشعرة من العجين، ومع كون العبدله قدرة كسبية لا يخرج من مشيئة رب البرية، فلا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله ولا يستعان به، ولا يتوكل عليه فيه، ولا يطلب من الغائب أو الميت ما يطلب من الحي الحاضر، فليس في المخلوقات شيء ينفع ويضر استقلالاً، إذ ليس فيها ما يستقل بأحداث غيره ونفعه، ولا يفعل شيئاً إلاَّ بإذن الله، كما ليس فيها من يعطي ويمنع بهذا الاعتبار، وكما أن من أسمائه تعالى المعطي المانع الضار النافع، وكان النبي ﷺ يقول في دبر كل صلاة: " اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وكان يقول في رقيته: " اذهب الباس رب البأس رب الناس لا شفاء إلاَّ شفاؤك" وفي رواية: "لا شافي إلاَّ أنت شفاء لا يغادر سقماً" وكذلك النفع والضر المعتاد كالصحة والمرض والغنى والفقر والأمن والخوف واليسر والعسر الحقيقيين لا يفعله رسول ولا غيره، وهذا ليس بخفي على عموم المؤمنين فضلاً عن علمائهم، وان وقع في كثير من ذلك ما وقع من العامة ونحوهم ممن ينتسب إلى الزهد والصلاح فهؤلاء وأمثالهم حقهم أن يرجعوا إلى العلم الموروث عن الرسول ﷺ وتكون عبادتهم وأعمالهم مقيدة بالشريعة النبوية والعلم الموروث لا بما يخطر لهم من الآراء والأهواء، قال : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وفي الصحيحين من حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه

стр. 345

قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وقال عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله بما أحبه ورآه بل لا يعبده إلاَّ بما كان عبادة عند الله وهى العبادة الشرعية، ودين الإسلام مبني على أصلين (أحدهما) أن لا نعبد إلاَّ الله (الثاني) أن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع، كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملاً قال أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه، قال ان العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، ولهذا قال الإمام أحمد إن أصول الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث، حديث الحلال بين والحرام بين الحديث، وحديث إنما الأعمال بالنيات الحديث، وحديث من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، وذلك أن الدين فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، فالمنهي عنه ذكره في حديث الحلال بين والحرام بين، والمأمور به أمران: عمل باطن وهو إخلاص الدين لله، وعمل ظاهر وهو ما شرع لنا من واجب ومستحب، وأهل الضلال كالمشركين والنصارى يفارقون هذين الأصلين يعبدون غير الله ويبتدعون عبادة لم يأذن بها الله كما ذكر الله ذلك عنهم في سورة الأنعام والأعراف وبراءة وغيرهن من السور وقد أمرنا الله أن نقول في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون" وهم مبتدعون والمشركون يذهبون إلى ما ذهب إليه الضالون ابتداعاً يشرعون ديناً لم يأذن به الله فهم يدعون غير الله ويستغيثونه بما لا يقدر عليه الخلق فلا يكون عملهم لله خالصاً ولا للشريعة موافقاً وبذلك كانوا ضالين، فإن قيل يجوز أن يكون لفظ الاستغاثة بغير الله بمعنى التوسل فمعنى قول المستغيث أستغيث برسول الله وبفلان الولي أي أتوسل برسول الله أو بالولي، ويصح حينئذ أن يقال نجوز الاستغاثة في كل ما يطلب من الله بالأنبياء والصالحين، بمعنى أنه يجوز التوسل بهم في ذلك ويصح لفظاً ومعنى. الجواب أن هذا باطل من وجوه: أحدها: أن لفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل

стр. 346

بمعنى الطلب من المستغاث به فقول القائل استغثت فلاناً واستغثت به بمعنى طلبت منه الإغاثة لا بمعنى توسلت به، وقد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن الاستغاثة لا تجوز بغير الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، وقول القائل استغثت به بمعنى توسلت بجاهه، هذا كلام لم ينطق به أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازاً ولم يقل أحد مثل هذا ولا معناه لا مسلم ولا كافر، والقائل أستغيث بفلان عندك أن تفعل بي كذا وكذا ناطق بما لم ينطق به أحد في اللغة بل ولا من سائر الأمم. الثاني: أنه لا يقال إستغثت إليك يا فلان بفلان أن تفعل بي كذا، وإنما يقال استغثت بفلان أن يفعل بي كذا، فأهل اللغة يجعلون فاعل المطلوب هو المستغاث به نفسه، ولا يجعلون المستغاث به واحداً والمطلوب آخر، فالاستغاثة طلب منه لا به، وقولهم يالله للمسلين أحدها مطلوب، والآخر مطلوب له لا مطلوب به. الثالث: أن من سأل بشيء أو توسل به لا يكون مخاطباً له ولا مستغيثاً به، لأن قول السائل المتوسل أتوسل إليك يا الهي بفلان إنما هو خطاب لله لا لذلك المتوسل به بخلاف المستغاث به فإنه مخاطب مسؤول منه الغوث فيما سأل من الله فحصلت المشاركة في سؤال ما لا يقدر عليه إلاَّ الله وكل دعاء شرعي لابد أن يكون الله هو المدعو فيه كالأدعية التي جاء بها الكتاب والسنة مما قص الله عن عباده الصالحين من أهل السموات والأرضين ومما شرعه لعباده المؤمنين ومما أخبر به عن خلقه واحتج به عليهم في أن لا يعبدوا غيرهم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ وقال ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ وقال عن إبراهيم ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى، فالاستغاثة بالنبي ﷺ ، أو بغيرهم من الأنبياء والصالحين وغيرهم في كل ما يستغاث الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله قول لم يقل به أحد من علماء المسلمين، ولا من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم ولا أئمة الفتيا المعتد بهم ولا علماء الحديث والتفسير، بل قائل هذا القول مغتر على الله ملبس على المسلمين، ولا يخرج مدلول قائل ذلك في اللغة المعروفة عن أن يكون

стр. 347

كفراً، إذ معناه طلب الإغاثة والتخليص من جنس الكربة والشدة، سواء كان طلب ذلك من الخالق أو المخلوق، وإذا كان كذلك فهذا القول يقتضي أنه يطلب من المخلوق الحي أو الميت إزالة الأمراض والأسقام، وكشف الجدب والقحط بإنزال المطر وإسقام الأنام، وكشف كل شدة وتفريج كل غمة، والنصر على الأعداء في الدين وإزالة الكفار والمشركين، وذلك هو الكفر برب العالمين، والمضاهاة للنصارى والمشركين، مع اعتقاد هذا المستغيث السائل أن لمن استغاثه وسأله من المخلوقين قدرة كاسبة وأن سائر فعله كائن بتأثير الله وكسب من العبد، ولكنه سأله ما استغاث فيه ملاحظاً ومجرد المسؤول إما نفس المخلوق المستغاث، أو على معنى أن جاهه قادر على تحصيل ما طلب منه استقلالاً، ولا يخرج مدلول استغاثته عن أن يكون مسؤولاً مأمولاً هو بنفسه ما طلب منه مما لا يقدر عليه إلاَّ الله زيادة على اعتقاده قدرة الجاه على إيجاد المطلوب وتحصيله. الرابع: أن لفظ التوسل والتوجه ومعناهما يراد به أن يتوسل إلى الله ويتوجه إليه بدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم عند خالقهم في حال دعائهم إياه فهذا هو الذي جاء في ألفاظ السلف من الصحابة رضوان الله عليهم كما في صحيح البخاري: (أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس وقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون) فهذا إخبار عن عمر ﵁ عما كانوا يفعلون وتوسل منهم بدعاء العباس كما كانوا يفعلون بدعاء النبي ﷺ وكذلك معاوية بن أبي سفيان لما استسقى بأهل الشام توسل بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي، وهذا هو الذي عناه الفقهاء في كتاب الاستسقاء في قولهم يستحب أن يستسقي بالصالحين وإذا كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل، وكذلك الأعمى الذي أتى النبي ﷺ فقال ادع الله أن يعافيني قال: "ان شئت دعوت لك وإن شئت صبرت فهو خير لك" قال ادع لي فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك سيدنا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي اللهم فشفعه في" وقد طلب من النبي ﷺ الدعاء ليشفعه الله بدعائه ﷺ ، كما طلب الصحابة من النبي الاستسقاء فدعا الله له وأمره ﷺ أن يسأل الله قبول شفاعته

стр. 348

فيه، وقوله يا محمد إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي هذه لتقضي خطاب لحاضر معاين في قلبه، كقولنا في صلاتنا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وكاستحضار الإنسان محبه أو مبغضه في قلبه فيخاطبه بما يهواه بلسانه، وهذا كثير في لسان الخاصة دون العامة ومعناه أتوجه إليك بدعاء نبيك أو شفاعته المشتملة على الدعاء لي ولهذا قال في تمام الحديث اللهم شفعه في وهذا متفق على جوازه وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه سواء كان بلفظ الاستغاثة أم بغيرها ومنه ما قص الله عن الإسرائيلي المستغيث بموسى على القبطي لط قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أو كاستشفاع الأمة من أهل الموقف بالأنبياء والطواف عليهم يسألونهم أن يشفعوا إلى الله من أهل الموقف عامة، وأما المخلوق الغائب أو الميت فلا يستغاث ولا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلاَّ الله البتة. الخامس: أن التوسل فيه اجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة والتابعين طلب الدعاء من النبي أو الصالح أو التوجه بدعائه كما تقدم عنهم، ودعاؤه ﷺ من أعظم الوسائل عند الله، وأما معناه في لغة هؤلاء المعاندين فهو أن يسأل الله بذات ذلك المخلوق ويقسم عليه تعالى به، أو يسأل ذلك المخلوق نفسه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله يتقرب بذاته ويسأل منه شفاعته، والله تعالى واحد لا شريك له في عبادته ولا في معاملته، بل هو أحد صمد متعال عن الأنداد والأضداد، ولا يقسم عليه تعالى بشيء من مخلوقاته فلا يقال أقست عليك يا رب بنبيك أو بجاهه، ولا بملائكتك ولا بعبادك الصالحين ولا بكعبتك كما لا يجوز القسم بهذه الأشياء، ومجرد ذوات الأنبياء والصالحين ومحبة الله لهم وحصول الجاه لهم عنده ليس بها ما يوجب حصول مقصود السائل بلا سبب بينه وبينهم من محبتهم وطاعتهم وإتباعهم فيما جاءت الرسل به فيثاب على ذلك، ويكون محباً لله طائعاً أمره راضياً عنه فيستجيب له ويزيده من فضله ويقبل دعاءهم له وشفاعتهم فيه كما قال جل شأنه: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وعلامة محبة الله إتباع الرسول في كل ما جاء به، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فأما مجرد سؤاله بهم وبجاههم من غير

стр. 349

إتباع لما جاء به الرسول فلا ينفعه وان عظم جاه المسؤول به عند الله، ولا ينال نصيباً من شفاعته لوجود المنافي الذي هو عدم الاتباع فيما جاء به الرسول من التوحيد لإله كل العبيد، ومع عدم المنافي ووجود التوحيد فلا نقول إن سؤال الله بأحد من خلقه كفر، بل مكروه كراهة تحريم على الأصح، كما قال به جمهور العلماء لما فيه من الأقسام على الله بخلقه، وهو تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات ولكن كثير من الناس تعود ذلك كما تعود الحلف بهم، حتى يقول أحدهم وحقك على الله أو وحق هذه الشيبة على الله، والله إنما يقسم عليه بأسمائه وصفاته؛ كما قال جل شأنه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وكالأحاديث الواردة في السنن عن بريدة بن الحصيب أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا اله إلاَّ أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يلد ولم يكن له كفواً أحد فقال: "لقد سألت بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" أخرجه أبو داود وغيره وأخرجه أبو حاتم في صحيحه ولفظه عن بريدة أنه كان مع النبي ﷺ في المسجد فإذا رجل يصلي ويدعو اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا اله إلاَّ أنت الأحد الصمد ... وذكر الحديث بتمامه وفي السنن عن أنس أنه كان مع النبي ﷺ جالساً في حلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد وتشهد دعا فقال في دعائه اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا اله إلاَّ أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي ﷺ : "أتدرون بما دعا" فقالوا الله ورسوله أعلم فقال: " والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى" ورواه أبو داود وغيره ورواه أبو حاتم في صحيحه واللفظ له عن أنس، ومن قال أسألك بإيماني بك وبرسولك ومحبتي له ونحو ذلك فقد أحسن، قال تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ... ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وقال تعالى عن الحواريين: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ وكان ابن مسعود ﵁ يقول اللهم إنك أمرتني فأطعتك ودعوتني فأجبتك فاغفر لي، ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر فآووا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة ثم دعوا الله بأعمالهم ففرج عنهم

стр. 350

الحديث في الصحيحين عن ابن عمر، وأما توسل السائل في قوله اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ففيه قولان للعلماء: قال الشيخ أبو الحسن القدوري في كتابه المسمى بشرح الكرخي المعروف والمشهور عنه وقد عقد فيه فصلاً في باب الكراهية ونقل فيه عن بشر بن الوليد أنه قال سمعت أبا يوسف يقول قال أبو حنيفة ﵁: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلاَّ به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك وهو قول أبي يوسف فإنه قال بمعاقد العز من عرشك هو الله فلا أكره هذا أو أكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام، قال القدوري المسألة بخلفه تعالى لا يجوز لأنه لاحق للمخلوق على الخالق فلا تجوز، وقال البلدجي في شرح المختار أيضاً، وأما حديث أبي سعيد أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فقد رواه عطية العوفي وفيه وهن ومع تقدير ثبوته إنما هو سؤال الله بأفعاله لأن حق السائلين أن يجيبهم وحق المطيعين أن يثيبهم، كقوله: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقوله ﷺ في حديث معاذ بن جبل: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم" أو هو سؤاله بأعمالهم، لأن المشي إلى الطاعة وسؤاله امتثالاً لأمره عمل طاعة، وذلك من أعظم الوسائل المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وقد أجمع العلماء أنها القربة ولا قربة أعظم من عمل الطاعة والله أعلم.

стр. 351

من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا (وأما قولكم وقوله من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا فنقول لا شبهة في أن مرتكبه عاص بقصده آثم، لكن لا يكون بهذا مشركاً، وما ذكره في معرض الاستدلال على مدعاه من قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ ومن الحديث ما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة إن أعطي رضى وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" الحديث لا دلالة فيه على

стр. 352

ما ادعاه نعم فيه دلالة على تجح حاله، ولاشك أنه آثم عاص فيما ارتكبه من هذا القصد لا يقال هو كبير مرتبها كافر، لأنا نقول هذا مذهب الخوارج المارقين من الدين كما تقدم) . فنقول: أيضاً مما يوضح ما قلناه من أن صاحب المقدمة لم يعرف الشرك وأقسامه، ولم يتأمل ماذا يقول في كلامه إذ قد نفى الشرك عمن عمل عملاً يبتغي به ثواب الآخرة مريداً به غير وجه الله، وعمن فرغ قلبه ولسانه للدنيا وما حوته من زينتها وأمتعتها مقبلاً بكليته عليها ومعرضاً عن الله ورحمته وما يوصل إليها، زاعماً صاحب المقدمة أن ذلك لا يسمى إلاَّ معصية مجردة عن الشرك فلا هو سببها ولا مسماه في هذا الباب يرادفها، ثم انه لم يفهم معنى الآية والحديث، وما قاله أهل العلم في القديم والحديث من المفسرين وشراح الحديث، فلذلك تجلى له وهمه وخاطبه كفاحاً ظنه أنه ليس قصدنا من الترجمة وذكر الآية والحديث إلاَّ الشرك اكبر والكفر المخلد في النار الموجب لأنواع الشر، فصدق ما قاله علينا ظنه وأخطأ المعنى فهمه، وذلك أن قوله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... ﴾ الآية نزلت في كل من عمل عملاً يريد به غير الله قاله المفسرون منهم أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في كتابه معالم التنزيل، وروى فيه أن النبي ﷺ قال: "ان أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال: "الرياء" وحكاه البكري تلخيصاً من السنة في معنى الآية ان المرائي لا ثواب له في عمله وإنما يعجل له حظه في الدنيا من صحة وسعة لا ينقص منه شيئاً وهذا مع مشيئة الله وإرادته كقوله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ... ﴾ الآية وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... ﴾ الآية ثم ان كان المرائي مسلماً ففعله ذلك ذنب كبير يؤاخذ به إلاَّ أن يرحمه الله، وإن كان كافراً عجل له ما سبق ويقطع له بالخزي في الآخرة، وقال العوفي عن ابن عباس أن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا وذلك أنهم لا يظلمون نقيراً فمن عمل صالحاً من صوم أو صلاة أو تهجد في الليل لا يعلمه، لا لالتماس الدنيا يقول الله أو فيه الذي التمسه من الدنيا وأحبط عمله في الآخرة وهو من الخاسرين، وروى ذلك عن مجاهد وغيره قالوا ان هذه الآية نزلت في أهل الرياء، قال ابن عباس في رواية عطاء من كان يريد عاجل

стр. 353

الدنيا فلا يؤمن بالبث والثواب والعقاب، وقال أنس والحسن نزلت في اليهود والنصارى، وقال قتادة من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته جازاه الله في الدنيا بحسناته ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها، هذا في الكافر، وأما المؤمن فإرادته الآخرة غالبة فيجزى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في الآخرة وذلك قوله نوف إليهم أعمالهم فيها، وفي حديث أنس المرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا قبض إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيراً" انتهى. فإذا عمل المؤمن عملاً يبتغي به غير الله فإما أن يعمله ملتمساً به منه تعجيل أمر من أمور الدنيا كصحة وعافية وكالذي يعبد الله ليكثر ماله وولده أو يكرمه في الدنيا ويسلمه من آفاتها لا امتثالاً لأمره تعالى وإجلالاً لعظمته، وقياماً بحق عبوديته لأن العمل لذلك من أعلى درجات الإخلاص، وأما أن يعمله ملتمساً به اكتساب محمدة عند الناس أو محبة ومدح منهم، فيظهر في عمله التصنع لهم، فالأول داخل في عموم قول ابن عباس في رواية العوفي عنه أن معنى الآية فيمن عمل صالحاً لا يعمله إلاَّ لالتماس الدنيا يقول الله فيه أوفيه الذي التمسه من الدنيا وأحبط عمله في الآخرة وهو من الخاسرين فلا ثواب له في عمله ذلك. (فإن قيل) باقي الآية وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ دال بصريحه على أن المقصود منها الكفار المنكرون للبعث وأشباههم، أو اليهود والنصارى، كما هو قول ابن عباس في رواية عطاء ان من كان يريد عاجل الدنيا فلا يؤمن بالبعث والثواب والعقاب، وقول أنس والحسن أنها نزلت في اليهود والنصارى. (الجواب) أن منكري البعث واليهود والنصارى وسائر أنواع الكفار لا يخرجون عن مضمون معنى الآية وغيرها من سائر القرآن، ان من رغب عن الله وما عنده من الجزاء لأوليائه المؤمنين، وعصى رسله واتبع هواه مريداً للدنيا وزينتها ومؤثرها على إتباع أوامره تعالى واجتناب مناهيه راآي في عمله أو لم يراء أنه ليس له في الآخرة إلاَّ النار

стр. 354

وحبط ما صنعوا فيها، أي ذهب ما عملوا في الدنيا من حسنة، لأنهم وقت البعثة والجزاء لم يروا لها ثواباً وباطل ما كانوا يعملون، أي ماحق مضمحل، وعبر أولاً بالحبوط باعتبار وقت حصول المأمول، وثانياً بالبطلان، باعتبار وقت العمل، وهي في المؤمن العامل لإرادة الحياة الدنيا وزينتها زجر وتهديد لحبوط ثواب ما عمله وخسرانه في الآخرة واستحقاقه دخول النار بذلك إلاَّ أن يرحمه الله ويغفر له، والإشارة ترجع إليه بهذا المعنى، ولهذا قال ابن عباس في الرواية الأخرى عنه وغيره أن هذه الآية فيمن عمل صالحاً من صلاة وصوم ونحوهما لالتماس شيء من الدنيا، وإلا فقد تواترت الأخبار الصحيحة والنقول الصريحة من كلام الله وسنة رسوله أن المؤمن العاصي لا يخلد في النار، وأكثر الصحابة وأهل العلم من المفسرين وغيرهم على أن هذه الآية نازلة في المرائي بعمله، والثاني أعني من يعمل ملتمساً بعمله اكتساب محمدة عند الناس ونحوها فهو أكبر من الأول، لأن العبادات هنا باطلة من أصلها مع بطلان ثوابها فإن كانت فرضاً لا تصح منه ولا تجزئه مع مقارنة الرياء أول العبادة وفعلها لأجله، وهذا هو الذي ذكره مجاهد وغيره أن الآية نزلت فيه ولما ذكر لمعاوية حديث أبي هريرة حديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار وهم الذي تعلم العلم ليقال عالم، وتصدق ليقال جواد، وجاهد ليقال شجاع، وبكى معاوية بكاء شديداً ثم قرأ هذه الآية فالعمل لغير الله شرك سواء كان لإرادة الدنيا هي بنفسها وللسلامة من آفاتها لا لامتثال الأمر والقيام بحق العبودية، أو لالتماس محمدة أو محبة ومدح من أهلها، وقد عقدت الترجمة لذلك مقصوداً بها الشرك الأصغر، وصريح كلام صاحب المقدمة ناف الشرك عن هذا العمل زاعماً أنا نكفر به لأنه كبيرة والخوارج يكفرون بها وقد نسبنا إليهم والى مذهبهم وما هذا الإجراءة وبهتان وقول زور وطغيان. لأنا نقول لاشك أنه شرك أصغر وهو كبيرة لورود الوعيد والعقوبة على فاعله بنص التنزيل والأحاديث الصحيحة المتواترة المشهورة والمصونة عن الأباطيل لكن فاعل الكبائر إذا مات موحداً لا يخلد في النار ولا يكفر صاحبها بمجرد فعلها، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ولحديث عبادة بن الصامت المتقدم ذكره وحديث أبي ذر وغيره المتفق عليه ولأن الشرك الأصغر دون الأكبر فيدخل تحت المشيئة، والآية واردة في الشرك الأكبر بخصوصه على أن طائفة من العلماء مشوا في الآية على ظاهرها للعموم فقالوا ان

стр. 355

الشرك الأصغر لا يغفر إلاَّ بالتوبة منه وإلا فلابد من تطهير فاعله في النار ثم يخرج منها كبقية أهل الكبائر، لأن الآية نص في عدم غفران الشك من حيث هو، لكن الأكبر أهله مخلدون بنص الكتاب والسنة، والأصغر أهله مسلمون بنصهما غير محكوم على صاحبه بالكفر، وإطلاق الآية في عدم غفرانه فارق بينه وبين سائر المعاصي التي هي دونه قابلة للغفران، والجواب عن ذلك ما تقدم من أنه داخل في الدون فهو تحت المشيئة ويصدر من خواص الأمة ولا قائل بوجوب العذاب والحكم به عليهم إذ لا يسلم منه غالباً إلاَّ من عصمه الله وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولأن الغفران اضمحلال الذنب ومحوه وهو عدم وجوده، وبقاؤه موجب للعذاب ما بقي وذلك مخالف للقاعدة في أن أهل الكبائر لا يخلدون لأن خروجهم منها بعد دخولها بالذنب لأمرين: (الأول) منهما أن الذنب الذي استحق به دخول النار قابل للمغفرة وان لم يوجد الدخول. (الثاني) وجود الإيمان الذي ماتوا عليه بخلاف الذنب الذي لا يغفر فإنه يقتضي العذاب الأليم أبداً ولا يضمحل بعذاب مرتكبه لأنه غير قابل للمغفرة قبل العذاب، وكل ما لا يقبل المغفرة قبل العذاب لا يضمحل بوجوده، إلاَّ ترى إلى عذاب الكفار، قال سبحانه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا﴾ وليس هنا ذنب غير قابل المغفرة إلاَّ الشرك الأكبر فإنه لا يغفر بل يعذب أهله العذاب الأكبر فتعين أن يكون الشرك الأصغر ذنباً كبيراً كبقية الذنوب التي تقبل الغفران من علام الغيوب، ومن الدليل أيضاً على أن المريد بعمله غير الله يكون مشركاً قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ولما في المتفق عليه من حديث جندب بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به ومن راآى راآى الله به" وفي المتفق عليه أيضاً من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" ولمسلم من حديث أبي هريرة في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، وله أيضاً من حديثه مرفوعاً قال الله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك
следующие страницы →