Полный текст (402 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مقدمة
...
التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
تأليف: سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلِ اللهم وسلم عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى ذريته وأهل بيته إنك حميد مجيد.. وبعد:
فإن إحياء التراث الإسلامي الذي يتضمن الفهم الصحيح للعقيدة الإسلامية ضرورة في الوقت الحاضر لأنها هي القاعدة الأساسية لبناء المجتمع الإسلامي الصحيح، ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً أن "منهج أهل السنّة والجماعة" في فهم العقيدة الإسلامية هو المنهج الصحيح الذي يجب تقديمه للأمة الإسلامية اليوم لكي تصبح بحق "أمة مسلمة" تستحق نصر الله ورضوانه وعلى هذا فإنه يسر "دار طيبة" أن تقدم هذه الطبعة الجديدة من كتاب "التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولى الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" تأليف سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وتجدد ثوب هذا السفر الجليل بعد أن كان قابعاً في طبعة قديمة متداخلة الكلمات متزاحمة الفقرات قامت بها المطبعة الشرفية في مصر عام١٣١٩هـ- بعد أن دلنا عليها أحد الإخوان- ونظراً لأهميته ونجابته فقد أسرعنا في إخراج هذه الطبعة في ثوبها القشيب بحرف واضح مميز مفصولاً بين فقرات صفحاته وقد أتت الآيات القرآنية بين قوسين كبيرين والأحاديث النبوية بين قوسين صغيرين تمييزاً لها عن سائر الكلام، وكذلك قمنا بعنونة مواضيع الكتاب بعد أن كان كتلة واحدة غير مفصول بين فقراته. وإن كانت هذه الطبعة ينقصها التحقيق العلمي المنشود فإن العذر في ترك ذلك في هذه الطبعة هو الإسراع بإعادة نشر محتوى الكتاب ذوداً عن حياض العقيدة الحقة ونشراً لنورها بين النّاس، وإننا في طبعة قادمة إن شاء الله سنتطرق إلى لبُ الكتاب وجوهره بتحقيق علمي كامل وتعليقات مفيدة تخرج للقارئ الكريم دُرر الكتاب الكامنة وجواهره المستورة.
هذا والله نسأل أن ينفع به قارئه ويجزل الثواب لمؤلفه ويكتب لنا التوفيق بخدمته في طبعة لاحقة إذاعة للخير ونشراً للحق وهو سبحانه المستعان، وصل اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم.
الناشر
في ١ ذي الحجة سنة ١٤٠٤هـ
стр. 2
ترجمة المؤلف
هو الحافظ المحدث الفقيه المجتهد الثقة أوحد الحفاظ/ الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولد سنة ١٢٠٠هـ. كان آية في العلم والحفظ والذكاء، له المعرفة التامة في الحديث ورجاله وصحيحه، وحسنه وضعيفه، والفقه والتفسير، والنحو. وقد أخذ العلم عن أبيه، والشيخ حمد بن معمر، وعن عميه: الشيخ حسين، والشيخ علي والشيخ حسين بن غنام، والشيخ عبد الله بن فاضل، الشيخ عبد الرحمن بن خميس، والشيخ عبد الله الغريب وغيرهم، وأجازه الشيخ محمد بن على الشوكاني.
برع في الفنون، وكانت له اليد الطولى في الحديث ورجاله، ولم ير شخص في زمنه حصل له من الكمال والعلوم والصفات الحميدة سواه على صغر سنه، صنف شرح "كتاب التّوحيد" لجده، فمن بعده عيال عليه فيه، لكنه لم يكمله، وله حاشية على شرحه "والدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك" وله هذا المؤلف الذي نقدمه "التوضيح عن توحيد الخلاق". أخذ عنه العلم عدد كثير من أهل الدرعية وغيرهم.
وكان ﵀ آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم. وقد أكرمه الله بالشهادة سنة ١٢٣٣هـ وذلك عندما وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا بن محمد على باشا بعد دخوله الدرعية واستيلائه عليها فأحضره إبراهيم باشا وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر وإغاظةً له. ثمّ أخرجه إلى المقبرة وأمر الجند أن يطلقوا عليه الرصاص جميعاً فمزقوا جسمه، وفاضت روحه إلى ربه، ﵀، وأجزل مثوبته، وأسكنه فسيح جناته.
"نقلت الترجمة باختصار من كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التّوحيد".
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله مكمل الدين وناصره، ومظهر الحق بسيف الوحي، فبه الشرك والباطل قامعه، الذي أتم علينا وافر نعمته. وتفضل فرضى لنا الإسلام ديناً بكمال منته. وأمرنا أن نستهديه صراطه المستقيم لعظم شأنه وشرفه. وأوضح لنا قواعد دينه الإسلام وملته، ونصب رايات الهدى فهي تنادي لدار الخلد من جنته، المتحبب إلى خلقه بفتح أبواب رحمته. والمحسن إلى أهل ملته الحنيفية بترادف أنواع الخير من نعمته. وميسر لمن اختاره بنصرة دينه أسباب علو الهمة هـ ومانحهم بإقامتهم عليه كشف كل شدة وغمه، والملهم لتوحيده حمداً موافياً لنعمه ومكافئاً لمزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنفع قائلها يوم وعده ووعيده. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله، اللهم فصل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين ما استدار الزمن في تكوّره وتكويره.
أما بعد.
فإن الله عز رجل خلق السموات والأرض وما فيهما من الآيات ليعرف وتعلم حكمته، وقدرته، فيعبد وحده لا يشرك به، ويكون الدين كله بأنواعه له مختص بجلاله. وذلك معلوم ضرورة قال الله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾ وقال عز من قائل: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ وقال تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم﴾ . وقال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم النّاس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض. كما
стр. 4
قال جل ذكره: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ . ومن أعظم القسط التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه. وأن الشرك لظلم عظيم، فالشرك أظلم الظلم والتوحيد أعدل العدل، وأوجب الواجبات وأفرض الطاعات، ولما كان الشرك بالله منافياً بالذات لتوحيده تعالى وإخلاص العبادة له كان اكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك وأباح دمه وماله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيداً لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملاً أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه نداً وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه، رقد أرسل رسله إلى خلقه، وأنزل كتبه ليعلموا ذلك ويتيقنوه إقامة للحجة علهم، كما قال عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ إلى أن قال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ فدين الرسل واحد. لم يختلفوا في شيء من أصله. وإنما تحصل الفترة بين الرسولين فيندرس الدين أو بعضه فيُجهل ويُترك.
وقد بعث الله محمداً ﷺ إلى الخلق على فترة من الرسل وأهل الأرض مَقتَهم الله عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم قبل مبعثه صلوات الله وسلامه عليه، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب إما مبدل، أو مبدل ومنسوخ، والدين كله أو بعضه مجهول متروك، وأمى من عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن أو قبر وتمثال أو غير ذلك، والناس في جاهلية جهلاء من مقالات يظنونها علماً وهي جهل، وأعمال سيئة يحسبونها صلاحاً وهي فساد، وغاية البارع منهم علماً وعملاً أن يحصل قليلاً من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين قد اشتبه عليه حقه بباطله، أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع وأكثره مبتدع. فهدى الله الناس بنبوّة محمد ﷺ وبما جاء به من البينات والهدى
стр. 5
هداية جلت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عموماً وأولي العلم منهم خصوصاً من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علماً وعملاً الخالصة من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها ﷺ لتفاوتا تفاوتاً يمنع معرفة قدر النسبة بينهما. والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية تدل على ذلك ولله الحمد والمنة. (وقد روى مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وان ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضاً" ورواه أيضاً البرقاني في صحيحه وزاد " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي المشركين، وحتى تعبد طوائف من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎".
فملك الأمة لأقطار الأرض، ثم افتراقهم الحاصل لهم، والاختلاف بينهم محقق مضبوط محفوظ عن النبي ﷺ من غير وجه. وكان ﷺ يحذر أمته منه لينجو من شاء الله منهم، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "خط رسول الله ﷺ خطاً ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وخطوطاً عن شماله وقال هذه السبل المتفرقة وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ رواه الإمام أحمد وغيره. ومع أن الله تعالى حذرنا هذه السبل فقضاؤه سبحانه نافذ بما أخر به رسوله ﷺ بما سبق به علم الله تعالى، حيث قال الصادق المصدوق فيما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
стр. 6
قال: قال رسول الله ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن". وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبراً بشبر وذراعاً بذراع" فقيل يا رسول الله فارس والروم قال: "ومن الناس إلا أولئك" فأخبر ﷺ أنه سيكون في أمته مضاهاة لمن سلف من الأم اليهود والنصارى وهم أهل الكتاب وفارس والروم وهم الأعاجم. وقد كان ﷺ ينهي عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء. وليس إخباراً عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه ﵊ أنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة، وأخبر أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة، وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته، وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر: "أن النبي ﷺ خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال إني فرط لكم وإني شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو قال مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها" رفي رواية: "ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" قال عقبة فكان آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر. فعلم بخبره الصادق أنه في أمته قوم مستمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضاً، وقوم منحرفون إلى شعبة من شعب اليهود أو النصارى والمشركين. وفي حديث الثوري وغيره عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك وان بني إسرائيل افترقت على اثنين وسبعين ملة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله قال: "ما أنا عليه وأصحابي" رواه أبو عيسى الترمذي وقال هذا حديث غريب مفسر لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهذا الافتراق مشهور عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن عوف الأشجعي وغيرهم فعن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 7
قال: " تفرقت اليهود على أحد وسبعين فرقة أو اثنين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ". رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وعن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني أهل الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة " وقال: "أنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد ﷺ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به" هذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن عمر. وعن الأزهر بن عبد الله الرازي عن أبي عامر عبد الله بن لحي عن معاوية، رواه عنه غير واحد، منهم أبو اليمان وبقية وأبو المغيرة، ورواه الإمام أحمد وأبو داود في سننه، وقد روى ابن ماجة هذا المعنى من حديث صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن ابن عوف بن مالك الأشجعي، ويروى من وجوه أخر فقد أخبر ﷺ بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة، والثنتان والسبعون لا ريب أنهم الذين خاضوا كخوض الذين من قبلهم. ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي ﷺ إما في الدين فقط، وإما في الدين والدنيا معاً، ثم قد يؤول إلى سفك الدماء لأجل الدنيا فقط. أولها وللدين معاً، أو للدين فقط. وهذا الاختلاف هو ما نهى عنه الله في قوله سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآيات وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إلى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الآية ومنشأ هذا الاختلاف وأصله إما من جهة عدم العمل
стр. 8
بالعلم، كالذي يعرف الحق من الباطل ويميز بينهما ولا يتبع الحق علما ولا قولاً ولا عملاً، وإما من جهة العمل بلا علم فيجتهد في أصناف البدع بلا شريعة من الله ويقول على الله بلا علم.
فالأول: من مشابهة اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ .
والثاني: من مشابهة النصارى الغالين في الدين والقائلين فيه غير الحق والضالين عن سواء السبيل. وقد ابتلى الله طوائف من هذه الأمة من المنتسبين إلى العلم بما ابتلى به اليهود من الرياسة وحب الدنيا وإيثارها وكتم الحق، فإن هؤلاء المنتسبين إلى العلم تارة يكتمون العلم بخلاً به وكراهة أن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضاً برياسة أو مال فيخاف من إظهاره انتقاص رياسته أو ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسئلة أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسئلة فيكتم من العلم ما فيه حجة لخالفه وان لم يتيقن أن مخالفه مبطل، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: أهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الهوى لا يكتبون إلا ما لهم. وكان السلف منهم سفيان بن عيينة وغيره يقولون أن من فسد من علمائنا ففيه شبهة من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، وليس الغرض من هذا تفصيل ما يجب وما يستحب، وإنما الغرض التنبيه على منهاج الحق المتبع وهو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وفي قوله ﵊ فيما رواه العرباض بن سارية السلمي رضى الله عنه: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح ورواه ابن ماجة وفيه قال ﷺ : "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك" وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إني خلفت فيكم ما لم تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض" والنظر بعين الإنصاف إلى ما تشعب فيه الناس، وأصبح غالبهم نابذاً كتاب الله وسنة نبيه وراء ظهره زاعماً أن كتاب الله ما بقي من حكمه الآن إلا
стр. 9
مجرد التلاوة باللسان، وأما فهم معانيه وتدبره والعمل بما فيه فلا وصول لأحد إليه، وكذلك الأحاديث. فالقرآن مصرح بنقيض قولهم ورد حججهم قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وقد قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فهذا كله مشعر بأن القرآن محفوظ ومصون عن التبديل والتغيير والنسخ جملة وعدم فهم معانيه وتدبره فإنه للذين آمنوا نور وهدى، ولم ينزله الله إلا للعمل به، وذلك متوقف على معرفة معانيه. وكذلك الأحاديث فإنها تفسر لقرآن، كما أن بعضه يفسر بعضاً. وقد فسره الصحابة ﵃ وتفقهوا في الدين منه. كما تفقهوا من السنة. وكذلك كتب الأئمة الأعلام الذين يؤخذ بأقوالهم من أهل الملة الغراء والمحجة البيضاء المفسرين له والمؤوّلين لمعانيه، والجامعين للأحاديث النبوية، المفارقين كل فرقة غوية، ليس في أيديهم منها إلا مجرد تلاوتها من غير تذكر لها ولما فيها ولا عمل بمعانيها، بل استغنوا عن ذلك كله بزخرفات المبطلين وإتباع حجج المعطلين، وإتباع الهوى وذلك كله من عموم البلوى حتى كتب الفقه التي في أيديهم، ويزعمون العمل بها وبما فيها إنما يأخذون منها ومن معاني ما تضمنته ما كان موافقاً لتحذيق الكلام والتشدق به من تعلم الدعاوي والخصومات وتعليمها، وأما العبادات والحدود فإنما تتلى باللسان تلاوة وقلّ ما توجد عند فقيه مستجمع لها، بل إن وجدت فهي عند الخواص من ذوي الثروة يساطرها مخزونة عنده من غير انتفاخ بها ولا عمل بمعانيها، بل تفاخراً وتكبراً وحب رياسة، وهو ربما لا يعلم اسمها ولا اسم مؤلفها، وينضاف إلى ذلك عداوة الحق ودحضه، وإيثار الباطل وحبه، اجتلاب لقلوب العوام، وجمع الحطام، ففي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "يخرج في آخر الزمان قوم يجتلبون الدنيا بالدين ويلبسون للناس مسوك الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله أبي تغترون وعليّ تجترئون فبي حلفت لأبعثن
стр. 10
على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيراناً" وذكر ابن أبي الدنيا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال علي كرم الله وجهه: " يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود" وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية أن النبي ﷺ قال: " سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفي المؤمن كما يستخفي المنافق فينا اليوم" ومنشأ ذلك وسببه إنما هو الإعراض عن منهاج الرسول وما كان عليه هو وأصحابه صلاة الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، والإقبال والانقياد إلى طاعة هذا العدو اللعين، الذي توعد وجد واجتهد في قوله لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين. وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فلذلك حصل الران والغمرة، ووجدت الغفلة فانعكس الأمر وهجر ما الله به أمر، وارتكب ما عنه نهي وزجر. فصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً واتبعت الأهواء وعمت البلوى، فالآمر بالمعروف ينكر عليه، والمتبع لهواه المنقاد إلى الباطل والمتنسك به يجل ويوقف بين يديه. وقد آل ذلك إلى عمى القلوب، والجهل بما هو من العبيد مطلوب حتى إذا أوجد الله رجلاً أحيا به قلوباً قد انعكفت وانهمكت في أنواع باطل مضاد للحق متناول للشرك الأكبر فما دونه، فبصرهم به وأنقذهم منه ونهاهم عنه ثم قادهم إلى سبيل الخير والنجاة الذي هو منهاج نبيهم وأصحابه وما أنزل القرآن لأجله قام عليه أهل الأهواء فجرحوه وبدعوه، ومنهم من جعل اليهود والنصارى أخف شرّاً منه ومن إتباعه بلا تدبر ولا تذكر ولا تفكر في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ولا في كلام الأئمة الأعلام ممن سلف من الأنام، وما حصل لهم وعليهم من الأذى في ذات الله تعالى حسداً وبغياً، إما لأجل حق عملوا به وقالوه ونهوا عن ضده واجتنبوه أو لتصنيف صنفوه أو على غير ما شيء من ذلك أسلفوه، وإنما هو بسبب عدم موافقتهم لهم فيما اعتادوه.
ومن تأمل أحوال السلف وما جرى عليهم من أنواع البلوى إما قتلاً وإما حبساً أو نفياً أو ضرباً ابتلاء لو ذكرت أسبابه على تفاصيلها وذكر عدد من ابتلى ممن سلف لاحتمل ذلك مجلدات ضخام ولكن لنا في الاختصار أسوة علم علم اليقين أن الله
стр. 11
سبحانه يبتلي أحبابه ابتلاء له فيه حكمة، ولو لم يكن فيه إلا رفع المقامات أو تكفير السيئات، خصوصاً هذا التوحيد فإنه سبحانه من حكمته لم يبعث به نبياً قط إلا جعل له أعداء يؤذونه كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ .
ولما كان العلماء ورثة الأنبياء جعل الله لمن كان منهم عاملاً بعلمه مهتدياً بقول الله متبعاً لسنة رسول الله ﷺ عدواً من الإنس والجن يؤذونه ويشوشون عليه اتباعه ويردون عليه ما قال عن الله ورسوله أقواله، وهذا كله من الله عدل إذ فيه رفع درجات الأنبياء، وإظهار مقامهم صلوات الله وسلامه عليهم، وتكفير سيئات هؤلاء العلماء ورفع درجاتهم وتعظيم أجورهم ﵃، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ومع ذلك فلا بد من نصر ما جاءت به الرسل الذي عملت به هؤلاء العلماء ودعت إليه قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فمن صبر من هؤلاء العلماء المذكورين نصره الله كما نصر رسله، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .
وهكذا لم تزل السلسلة في صعود وهبوط إلى أن حل بهذا الرجل ما حل بالأسلاف الذين خلوا من قبله من صالح سلف الأمة وخيارها. لكن قد هدى الله به أمماً ضلالاً منهمكة في أكبر الكبائر على الإطلاق فحاز من الأجر العظيم مغنماً لقوله ﷺ فيما صح عنه: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء" أخرجه مسلم وابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ فلله الحمد والمنة.
стр. 12
(١) - ما ورد إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الرسائل:
وقد وردت إليه أسئلة من علماء الحرمين والشام وأقطارها، وعلماء نجد وسكانها، وعلماء الاحساء وأتباعها، متعلقة بكشف أحواله، ومما يدعو الناس إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، ومتضمنة للسؤال عن بيان ما يدعيه وما يقوله وما دليله فيه، فأجابهم بإجابة من الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة ما بمثلها يهتدي المهتدون، وعليها يقف المنصفون، وبها يأخذ المستدلون، فهدى الله به من اهتدى وخاض في لجج طغيانه من شقى، ولو ذكرنا ما حصل من ذلك على التفصيل اللائق لطال الفصل، وانعكس الوصل، ولكن يكفي اللبيب ما قد شاع عنه وذاع، وتقطعت به الأسماع، من أن يدعو الناس إلى توحيد الله وحده لا شريك له في عبادته ومعاملته وإخلاص وحدانيته وعبادته بأنواعها له وحده ليكون الدين كله له، وهذا ما دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب.
القول على خطبة رسالة عبد الله الراوي:
وقد وردت إليه رسالة تنسب إلى عبد الله أفندي الراوي البغدادي خطيب المسجد المنسوب للوزير سليمان باشا، وقيل لعبد القادر الجيلي رحم الله روحه ونور مرقده وضريحه، وكان إرسالها بأمر الوزير سليمان باشا المقيم فيه الآن، هداه ربنا الرحمن في السر والإعلان، ومضمونها: أن التوحيد إنما هو مختص بمعنى الربوبية، فالإله اسم مختص بالخالق الرازق الضار النافع وهو الله، ولا يكون اسماً لغيره إلا إن اعتقد أن ذلك الغير يوجد ذلك الضر والنفع اعتقاداً علمياً مع اعتقاد ذلك الغير أيضاً شريكاً لله حتى يطلق على ذلك المعتقد اسم المشرك واسم الكفر الموجب لسفك دمه وخلوده في النار، فأما من قال بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله وآمن بالله واليوم الآخر ثم دعا غير الله من ولي أو ملك أو نبي بشيء لا يقدر عليه إلا الله تعالى، واعتقد في ذلك الغير أنه يضر وينفع فهو يعتقد فيه ذلك الذي لا يقدر عليه إلا الله، ولكن لا يعتقد أنه
стр. 13
شريك لله. بل إذا سئل فقيل له الله شريك، قال لا. ولكني أدعو هؤلاء لقربهم وصلاحهم، فهم يكشفون شدتي، ويفرجون كربتي، وأطلب منهم شفاعتهم، فإن ذلك لا يخرج عن الملة بل فيه مجرد الحرمة والإثم فقط. ثم استثنى جواز سؤال الشفاعة منهم في هذه الدار وأنه إن دعاهم لشفاعتهم له وطلبها منهم فلا بأس بذلك، وفيه أيضاً: أن تارك الصلاة عامداً لا يكفر فلا يقتل وفيها أيضاً: جواز شد الرحال إلى زيارة القبور، وانه قريب من الواجب حيث كانت قبور الأنبياء، وفيها مسائل ومسائل واعتراضات كما سنذكرها إن شاء الله تعالى، وقد أرسلها الوزير المكرم لننظر فيها ثم نجيب عنه، فنقول بعد الاستعانة بالله والاتكال عليه والبراءة من الحول والقوة.
أما قولكم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وجنده وحزبه وعلى من تبعهم بإحسان، وقفى أثرهم إلى آخر الزمان.
فنقول هذا الابتداء بالبسملة، والحمد له، والاستعانة، والاستغفار، والاستعاذة بالله من شرور النفس وسيئات الأعمال والاخبار، بأن من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له والشهادة بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، والاخبار بإرساله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وإنشاء الصلاة عليه وعلى آله وأصحابه وجنده وحزبه ومن تبعهم بإحسان وقفي أثرهم إلى آخر الزمان، مشروع للتأسي بالكتاب العزيز ومأمور به في قوله ﷺ : "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر" وفي رواية فهو أجذم. وفي رواية فهو أقطع. والأبتر في اللغة مقطوع الذنب. والأجذم مقطوع الأنف. والأقطع مقطوع اليد. أطلق الشارع ﷺ كلا منها في الحديث على ما فقدت البركة منه تشبيهاً له بما فقد ذنبه الذي به تكمل خلقته؛ أو بمن فقدت يداه اللتان يعتمدهما في البطش ومحاولة تحصيل ما يروم تحصيله. فإطلاق كل منها في هذا على وجه التشبيه البليغ أو الاستعاذة، ومعنى ذلك في هذا المعنوي ناقص البركة فهذا حث منه ﷺ على البدء بالبسملة التي هي سبب لتمام البركة في كل ما يهتم به شرعاً، وكما أن الحديث وارد بالبدء بالبسملة فكذلك
стр. 14
الحمدلة. ولذلك المصنفون يجمعون بينهما. لكن الابتداء بالبسملة حقيقي، وبالحمدلة إضافي، ليندفع التعارض. والاسم مشتق من السمو، وهو العلو، أو من السمة وهي العلامة. وفيه ست لغات كما هي مبسوطة في محالها من مطولات ومختصرات، ووشرت سينه للتمييز بينه وبين الفاصل للميم عنه. ولذلك كان عمر بن الحطاب ﵁ يضرب الناس على توشيره، وعلى مد الألف المتصلة به قدام الباء، التي وضعت عوضاً عن الألف المتصلة بالباء في حال انفرادها عن السين، كما في باسم ربك، وأفردت نقطة الباء التي تحت الاسم إشارة إلى تفرده تعالى بالألوهية والوحدانية، ودورت ميمه إشارة إلى احاطة ملكه جميع الكائنات، فاجتمع فيه معنى الألوهية والربوبية، ثم هذا المبدوء به المذكور في صدر المقدمة يحتاج كل ذاكر له وقائل به إلى علم معانيه والعمل بما يدعيه، فإن معنى قول القائل بسم الله، أي أستعين وأتبرك بكل اسم للذات الأقدس، المسمى بهذا الاسم الأنفس، الموصوف بكمال الإنعام وما دونه، فالباء متعلقة بمحذوف مقدر بقوة المذكور وكونه فعلاً أولى لأنه الأصل في العمل، وعمل الاسم بالحمل عليه وخاصاً من مادة المفعول أولى أيضاً، فمريد السفر يقدر بسم الله أتبرك وأستعين به على السفر، والمؤلف يقدر على التأليف، فهو في معنى أسافر أو أؤلف ونحو ذلك، لما فيه من الاستعانة والتبرك في جميع أجزاء الفعل، بخلاف الابتداء والافتتاح سواء قلنا معنى الباء الاستعانة أو المصاحبة أو التعدية، وكونه مؤخراً عن لفظ بسم الله أولى أيضاً، ولا يجوز بينهما والأولى تأخيره عن الرحمن الرحيم لمن أتى بهما، وذلك لأن رتبة العامل التقديم، فتأخيره لنكتة وهي إفادة الاهتمام مطلقاً والاختصاص والحصر غالباً وهو من حمر القلب ان كان المشركون يتبركون بأسماء آلهتهم وما يعبدون من دون الله، أو من قصر الإفراد ان كانوا يتبركون بالابتداء بأسماء الله وأسماء آلهتهم، واستظهره السعد وغيره.
فلذلك وجب على الموحد قصر الاستعانة والتبرك على اسم الله ﵎، أي الإتيان بما يفيد ذلك وان لم يلاحظه أو لم يعرفه، ولا يغني عنه كون المتكلم لا يعتقد ذلك لعدم إطلاعه عليه ومعرفته إياه، إذ الجهل بالشيء لا يزيل حكمه. وأما قوله تعالى اقرأ باسم ربك فللاهتمام بالقراءة لخصوص المحل، فان أول هذه السورة أول ما نزل من القرآن واقرأ فيها راجع للبسملة لأنها بعض ذلك الأول ومقدمة عليه، فهي أول آية نزلت على الإطلاق كما اقتضى الاختصاص والحصر، إياك نعبد وإياك نستعين، والمعنى نخصك بالعبادة
стр. 15
والاستعانة، فلا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك، ففي تقديم اسم الله اهتمام به للتعظيم واختصاص أيضاً، وحصر للذوق السليم، وتنبيه على أنه ينبغي للعابد أن يكون نظره ابتداء إلى المعبود ثم إلى العبادة، لا من حيث أنها عبادة صدرت عنه بل من حيث أنها نسبة شريفة إليه، ووصلة بينه وبين معبوده، وقدمت العبادة على الاستعانة لتوافق رؤوس الآي، ولأن تقديم الوسيلة التي هي القربة والأعمال الصالحة على طلب الحاجة أدعى إلى القبول والإجابة، وللإشارة إلى أنه لا توجد العبادة من العابد إلا مع الاستعانة، ولذلك قيل إن الواو للحال، وكرر الضمير إشارة إلى حصر الاستعانة به تعالى، وذكر السين في بسم الله للفرق بين التيمن واليمين.
(والله) أصله اله زيدت فيه اللام وشددت وفتحت همزته فصار الله؛ وهو علم على ذاته تعالى وتقدس يوصف ولا يوصف به (والرحمن الرحيم) اسمان بنيا للمبالغة من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمن أبلغ من الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، وإنما قدم، والقياس يقتضى الترقي لأنه صار كالعلم من حيث أنه لا يوصف به غيره تعالى لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره، أو لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها، فيكون كالتتمة، وفي إيثار هذين الوصفين المفيدين المبالغة في الرحمة إشارة لسبقها وغلبتها على أضدادها وعدم انقطاعها، فلينظر القائل بسم الله أهو عامل بمعناه، لقصره الاستعانة والبركة على اسم الله خاصة، فلا يعتقد معنى ذلك في غيره تعالى كما كان يعتقده المشركون في آلهتهم ولا يرضى به أيضاً، وان أشعر تقديم العامل بالاحتمال فاعتقاده باق على حاله، أو هو يعتقد ذلك المعنى في غير الله مع كونه إنما ذكر اسم الله خاصة، أو لم يعتقده لكنه يرضى به من غيره، فهذا لم يقصر الاستعانة والبركة على اسم الله وان أتى بما يفيدهما لفظاً، لأن عقيدته أفسدت عليه.
(ومعنى الحمد لله) أي جنس الوصف بالجميل أو كل فرد منه مملوك أو مستحق للمعبود بالحق المتصف بكل كمال على الكمال. والحمد هو الثناء بالصفات الجميلة الاختيارية، والأفعال الحسنة المرضية، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا. وفي الاصطلاح فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه على الحامد أو غيره. والشكر لغة هو الحمد ومعناه اصطلاحاً صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه لما خلق لأجله.
стр. 16
قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ وبين الحمد والشكر اللغوي عموم وخصوص من وجه، فان الحمد مورده خاص، ومتعلقه عام، والشكر مورده عام، ومتعلقه خاص كقوله:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
(ولينظر القائل الحمد لله) أيضاً هل هو خاص بالمعبود بالحق المتصف بكل كمال على الكمال بما هو حق له، فما كان من جلب نفع أو كشف ضر فلا ينسبه إلا إليه تعالى ويثني عليه به، لأنه المنعم الحقيقي. وغيره وان أسدى معروفاً فالثناء عليه مجاز، لأن الله هو الخالق لذلك الغير، وهو المعطي له ما أسداه وحببه إليه وقواه عليه، فهو سبحانه المعطي المانع الضار النافع، وأزمة الأمور كلها في يده ومرجعها إليه، فصار معنى الحمد مختص لله تعالى بهذا الاعتبار، وان أثنى على الناس خيراً، أو هو ينسب شيئاً من ذلك لغيره تعالى فقد عدله به. وان قال الحمد لله لفظاً، فان كان قد خص المعبود بما هو حق له فقد أتى بمعنى أحمده، لأن معناه أصفه بجميع صفاته التي كل منها جميل، وأثنى عليه بها فان رعاية الجميع أبلغ في التعظيم، وهذه الصيغة يدل معناها على إيجاد الحمد الذي هو الثناء على الله بجميع المحامد لا الإعلام بذلك، وان لم يخصه تعالى بما هو حقه لم يأت بالمعنى وإنما هو مجرد لفظ خال منه.
(ومعنى) أستعينه أي أطلب المعونة في أموري كلها منه، فأنا متوكل عليه ومتبرئ من حولي وقوتي ولا أرضى من نفسي ولا من غيري إلا بذلك، فان عمل به فقد أتى بمعناه، وإلا فهو مجرد لفظ.
(ومعنى) استغفره أي أطلب منه المغفرة. ثم إن كان المستغفر قد فعل ذنباً أقلع عنه وندم عليه وعزم أن لا يعود إليه فذلك توبة، وإلا فهو مجرد دعاء، والمستغفر المقيم على ذنبه كالمستهزئ بربه.
(ومعنى) أعوذ أي ألوذ وأتحصن واعتصم وأستجير بالله من شر هذه النفس الأمارة أن تصدني عن فعل ما أمرت به، أو تحثني على فعل ما نهيت عنه، فيحصل لي الشر من قبلها لأنها قد حسنت لي سيئات الأعمال، فأعوذ بالله من شرها ومن سيئات أعمالها. فعلامة الصدق في ذلك فعل المأمورات واجتناب المنهيات والانقياد إلى قول الله والإتباع لدين محمد بن عبد الله، وإلا فهو مجرد لفظ خال من معناه. (ومعنى) من يهد الله فلا مضل له أي من يرشده الله إلى
стр. 17
سبيل الرشاد وهو الصراط المستقيم الذي أنعم الله به على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فلا محيد له عن ذلك، ومستهل الهداية دخول الدليل إلى الفؤاد والانبساط له كما يراد، ثم خفة الطاعة بعد القيام بمعنى الشهادتين والحمد على الخروج من ساحة الإضاعة ونور البصيرة وجلاء عين السريرة والسلوك في مدارج السالكين، ومناهج المتقين، والسفر إلى أعلى عليين، ومحبة أرحم الراحمين، والإقتداء بأفضل المرسلين، وأما من كان من الضالين- أي الهالكين الغائبين- عن الهدى الزائغين عنه بتقدير الله عليه ذلك فلا هادي له مصداقه قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ بل قلبه عن الحق مقفل قد نابذ جميع أوامر الله ، وانتقش في خاطره الكثيف بغض الحق وأهله، وامتلأ قلبه وقالبه بحب الباطل وأهله، والشيطان وحزبه والتلذذ بكل نوع من الطغيان، فنفرت منه كل جارحة عن حزب الرحمن، لا شيء أحب إليه من إطفاء نور الإيمان وتكثير جند الطغيان، وفي المعنى يقول الرحمن: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ وهذه الآية على هؤلاء أشد بلية وأجل رزية، فإنهم يحاولون بجدهم وجهدهم إغواء المؤمنين، ونقض عهدهم مع الموحدين ليراجعوا إلى ما هم عليه من الباطل والطغيان. ومن ذاق طعم الإيمان لأن يقذف في النار أحب إليه من أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه رب العالمين. فحلاوة الإيمان لا ألذ منها عند الموحدين، ثم النصر والتأييد لهم في كل حين. وحزب الشيطان يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. والمهتدي إذا صارت نفسه لوامة خاف من مورثات الندامة فحزن على ما فات وخاف مما هو آت. ومقام الخوف من أجلّ المقامات ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ وقد أخبر ﷺ أنه أخوف الأمة لمولاه. فلينظر الإنسان من أي الفريقين هو أمن حزب الرحمن، أم من أولياء الشيطان الذين لم ينقادوا لإتباع ما جاءت به الرسل فقلب قلبه عن الحق بعدم الانقياد كما قال تعالى ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وكقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فجعل علة التقليب والطبع عدم الانقياد لاتباع ما جاءت به الرسل، وذلك أنه تعالى قد فطر عباده على الهدى فمن بقي على الفطرة وقبل ما جاءت به الرسل زاده هدى ولطفاً وتوفيقاً. ومن
стр. 18
غير الفطرة وعاند ما جاءت به الرسل ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، ويسره للعسرى وخذله. (ثم ليعلم) أن إرادته تعالى الخير من عباده، وإرادته الشر لا يستلزم وقوع المراد منهم ضرورة، إنه أراد ذلك فهم مع بقائهم مختارين كما أراد الإيمان منهم فهو أراد وقوع الخير منهم وهم مختارون، فقد يقع ما أراده تعالى منهم وقد يتخلف هذا بخلاف ما يريده تعالى من أفعاله فإنه لا يتخلف عن إرادته وقوع مراده مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بخلاف الأول ومنه ﴿يريد الله أن يتوب عليكم﴾ فإن المراد يريد منكم أن يتوب عليكم فيتوب عليكم أي يتقبل توبتكم، إلا أن مع إرادته تعالى الخير لعبده يكون أقرب إلى فعل ما أراده منه لأنه من اللطف، وعكسه إرادته بعبده الشر. إذا عرف هذا فليجعل هذا البحث نصب العينين فقد زلت بجهله عوالم وتهاوش حوله طوائف ولم يقع لهم محرراً مقرراً.
(ومعنى نشهد) أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أي أذعن بقلبي واعترف بلساني وأعمل بمقتضى ذلك أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله؛ فمن عبد من دونه أو معه فعبادته زور وظلم وبهتان، وأنا برئ من العابد وعبادة المعبود واشتقاق الإله من التوله، ومعناه المألوه وهو الذي تتألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والإجلال والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل والإنابة وذبح النسك. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ فالمحبة التي في الله غير التي كحب الله لأن الأولى محمودة شرعاً كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله والثانية تأله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكذلك الخوف ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والتوكل ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ فهذا كله يفيد الحصر. ثم استعمل في كل ما يعبد بما تقدم ذكره من دون الله أو معه، فنفى ذلك بلا النافية للجنس وأثبت الألوهية لمستحقها وهو الله بألا المفيدة للحصر.
(وحده) أي حال كونه مفرداً بها عما سواه (لا شريك له) حال ثانية مؤكدة للأولى. أي لا شريك له في هذه الألوهية التي نفيت عن غيره واختصت بجلاله وعظمته، فالعبادات بأنواعها له خاصة به ليس لأحد منها شيء البتة، فهذه الكلمة
стр. 19
الطيبة التي قد قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد وبها أمر الله سبحانه جميع العباد، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسنة رسله إليها فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وأساس الفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. ضد الكلمة الخبيثة التي كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فهي خراب الكائنات وعليها تثبت أنواع المنكرات، وبها وجد الذل والصغار ولأجلها فتحت أبواب النار فكل من لم يعمل بمعنى هذه الشهادة التي قد شهد بها فهو كاذب في ادعائه إياها كما كذب الله الذين شهدوا بالرسالة فلم يعملوا بمعناها. (وان محمداً عبده ورسوله) أي أشهد أن محمداً عبده ورسوله، فمحمد اسمه ﷺ وكنيته أبو القاسم، وسمي به لكثرة خصاله الحميدة سمي به قبله سبعة عشر شخصاً على ما قاله ابن الهائم عن بعض الحفاظ، بخلاف أحمد فإنه لم يسم به قبله عبد قالي أبو علي الدقاق ليس شيء أشرف ولا أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية، ورسوله إلى كافة الخلق. والرسول إنسان ذكر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه أخص من النبي. فبينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة وينفرد أحدهما في أخرى، وهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين، وحجة على المعاندين، وحسرة على الكافرين، (أرسله بالهدى ودين الحق) الذي هو التوحيد بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. فأنعم به على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكوراً فأمده بملائكته المقربين، وأيده بنصره وبالمؤمنين، وأنزل عليه كتابه المبين الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشكر واليقين، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وفرض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه وسد الطرق كلها إليه وإلى جنته، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال، والفرقان المبين الذي باتباعه يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فلم يزل ﷺ مشمراً في ذات الله لا يرده عنه راد، صادعاً بأمره لا يصده عنه صاد، صادع إلى أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، فأشرقت برسالته الأرض بعد
стр. 20
ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، وامتلأت به الدنيا نوراً وابتهاجاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً فلما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى، والمحل الأسنى، وقد ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء، فصلى الله وسلم وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من عباده عليه. كما وحد الله وعرف به ودعا إليه. ومن لازم صحة هذه الشهادة الإيمان بما أرسل به وهو التوحيد قولاً وعملاً واعتقاداً، وتصديقه بجميع ما أخبر به وإلا فهو مكذب ودين الحق هو المؤيد المنصور لقوله تعالى ﴿ليظهره﴾ أي يعليه ويعزه ﴿عَلى الدِّين كله﴾ سائر الأديان المخالفة لدينه (صلى الله وسلم عليه) قال الأزهري معنى الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي التضرع والدعاء بخير، وقال أبو العالية صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، والسلام إما بمعنى التحية أو بمعنى السلامة من النقائص والرذائل وتستحب الصلاة عليه بتأكد، وتتأكد كلما ذكر. وقيل بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه (وعلى آله) وهم في مقام الدعاء أتباعه على دينه عند أكثر أهل العلم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي أتباعه. وقيل هم الأتقياء من أمته. وأما في مقام الزكاة فهم أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب ابني عبد مناف، وقدموا على الصحب للأمر بالصلاة عليهم وإضافته إلى المضمر جائزة عند الأكثر، وعمل أكثر المصنفين عليه، ومنعه جمع منهم الكسائي والنحاس والزبيدي (وصحبه) جمع صاحب، وجمع الصحب أصحاب، والصحابي من لقي النبي ﷺ واجتمع به مؤمناً ومات على ذلك. وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام، وفي الجمع بين الصحب والآل مخالفة للمبتدعة لأنهم يوالون الآل دون الصحب (وجنده) هم خاصته من المؤمنين (وحزبه) المعاونين له بالنصرة (وعلى من تبعهم بإحسان) لم يغيروا بعدهم ولم يبدلوا سيرتهم الحسنى (وقفى أثرهم) على السيرة المحمودة (إلى آخر الزمان) فمن لم يتبع بل غير وبدل فهو مبتدع، وقد أثنى الله على الذين يطلبون المغفرة من ربهم لأنفسهم ولمن سبقهم من المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فهذا هو المطلوب بعكس
стр. 21
ما عليه أهل الأهواء من الوثوب على مسبة الحق الذي جاء من عند الله فهو له غير محبوب، وتفريق كلمة المؤمنين وسب أكابر الصحابة والتابعين.
وما أمروا إلا ليستغفروا لهم ... فسبوا كراماً سبهم لم يحلل
وقال الإمام مالك ﵀: من أصبح وفي قلبه بغض لأحد من الصحابة فقد أصابته الآية يعني قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ .
وصرح بعض الحنفية بتكفير الرافضة لسبهم الصحابة. فقال صاحب تبيين المحارم:
واعلم أن الروافض كفار عندنا لأنهم يسبون أبا بكر وعمر ﵄ وكذا من أنكر خلافتهما يكفر عندنا في الأصح وقد أثنى الله سبحانه على السابقين من الأولين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وإنما المتبع لهم العامل بمنهاجهم، والمقتدي بهديهم هو الذي لم يحدث في الدين ولم يغير ما جاءت به سنة سيد المرسلين.
стр. 22
سبب تأليف الرسالة:
وأما قولكم (وبعد فلما أن ورد كتابكم إلى حضرة سليمان باشا طلبتم منه أن يجمع علماء مملكته لينظروا في كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب كي يطلعوا على ما انطوى عليه من الأحكام ويميزوا بين ما يستوجب النقض والإبرام صدر منه الأمر الواجب القبول والإتباع وأشار إليّ وإشارته حكم وطاعته غنم فامتثالاً لأمره نظرنا فيه فبعد أن طالعناه، وفهمنا فحواه، وجدناه كتاباً جامعاً لشتات من المسائل مشتملاً على عدة رسائل لكنه قد جمع فيه بين غث وسمين، وقوي ووهين ووجدنا أحواله أحوال من عرف من الشريعة شطراً، ولم يمعن فيها نظراً، ولا قرأ على أحد ممن يهديه إلى النهج القويم ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي هي الصراط المستقيم.
فنقول (وبعد) هذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من غرض إلى غرض آخر ويندب الإتيان بما في الخطب والمكاتبات كما كان ﷺ يأتي بها في خطبه ومكاتباته. رواه عبد القادر الرهاوى في الأربعين له عن أربعين صحابياً، وأول من تكلم بها داود ﷺ فهي فصل الحطاب الذي أوتيه، والصحيح أنه فصل الخصومات كما عليه جل العلماء، وقيل أول من تكلم بها يعرب بن قحطان، وقيل قس بن ساعدة، وقيل غير ذلك، وهي من الظروف التي تقع على الزمان والمكان، ويجوز هنا إرادة كل منهما، وهي مبنية على الضم لنية معنى المضاف إليها ويجوز نصها لنية لفظه كما لو ذكر وان لم ينو شيء من ذلك جاز تنويها نصباً وضماً، والواو نائبة عن أما، وأما نائبة عن مهما، والأصل مهما يكن من شيء بعد الحمدلة إلى آخره. (فلما) أو غير ذلك (ان ورد) من ورد الشيء إلى مستقره أي وصل (كتابكم) أي مكتوبكم (إلى الوزير) المذكور اسمه أعلاه وفقه الله وهداه وأصلح أحوالنا وإياه (وطلبتم منه أن يجمع علماء مملكته) أي دولته وسلطته وهم علماء بلده المقيمون فيه.
стр. 23
ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وذكر من أخذ عنه العلم:
(لينظروا في كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب) بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن إدريس بن على بن محمد بن علوي بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيع بن ساعدة بن ثعلبة بن ربيعة بن ملكان بن عدي بن عبد مناة بن تميم ولد سنة ١١١٥ دخل البصرة والحجاز وأخذ العلم عن جماعة، منهم الشيخ علي أفندي الداغستاني لما اجتمع به في المدينة المنورة مجاوراً بها شيخ مشايخ الشام بأجمعهم بعد الشيخ أبي المواهب والشيخ إسماعيل العجلوني فان أبا المواهب الكبير وهو المحدث عبد الباقي متقدم عليه والشيخ العجلوني كان في عصره وأخذ أيضاً عن عبد الله بن إبراهيم نزيل المدينة والمشهور بها وأخذ أيضاً عن عبد اللطيف الاحسائي العفالقي وأخذ أيضاً عن محمد العفالقي الاحسائي فقد قرأ على الشيخ عبد الله بن إبراهيم وأجازه من طريقين:
(أحدهما) : عن ابن نصر الله عن الشيخ محمد البلباني عن الشيخ أحمد بن علي الوفائي المفلحي عن الشيخ موسى الحجاوي عن القاضي برهان الدين بن مفلح وهما عن والده نجم الدين بن مفلح عن والده القاضي صاحب الفروع عن جده عبد الله بن مفلح عن الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية عن شمس الدين بن أبي عمر عن عمه موفق الدين بن قدامة عن الشيخ عبد القادر الجيلي عن القاضي أبي يعلى المرداوي عن ابن حامد عن أبي بكر الخلال عن أبي بكر المروزي عن الإمام أحمد عن سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ عن جبرائيل ﵇ عن رب العزة ﵎.
стр. 24
(والثاني) : عن عبد القادر التغلبي عن عبد الباقي أبي المواهب المحدث عن الشيخ أحمد الوفائي عن موسى الحجاوي عن أحمد الشويكي عن العسكري عن عبد الرحمن بن رجب عن ابن القيم عن تقي الدين أحمد بن تيمية عن شمس الدين نجل أبي عمر عن عمه موفق الدين عن الشيخ عبد القادر الجيلاني عن أبي الوفا بن عقيل عن القاضي أبي يعلى عن ابن حامد عن أبي بكر المروزي عن الخلال عن الأثرم عن الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة أيضاً عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي ﷺ عن جبرائيل ﵇ عن الله ﵎.
وقد أجازه أيضاً كل من الشيخ علي أفندي، وعبد الله بن إبراهيم، وعبد اللطيف العفالقي، في كل ما حواه ثبت الشيخ عبد الباقي أبي المواهب الحنبلي قراءة وتعلماً وتعليماً من صحيح البخاري بسنده إلى مؤلفه، وصحيح مسلم بسنده إلى مؤلفه، وشروح كل منهما، وسنن الترمذي بسنده، وسنن أبي داود بسنده، وسنن ابن ماجة بسنده، وسنن النسائي الكبرى بسنده، وشن الدارمي ومؤلفاته بالسند، وسلسلة العربية بسندها عن أبي الأسود عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكتب النووي كلها وألفية العراقي، والترغيب والترهيب، والخلاصة لابن مالك، وسيرة ابن هشام، وسائر كتبه، ومؤلفات ابن حجر العسقلاني، وكتب القاضي عياض، وكتب القراآت وكتاب الغنية لعبد القادر الجيلي، وكتاب القاموس بالسند إلى مؤلفه، ومسند الإمام الشافعي، وموطأ مالك، ومسند الإمام الأعظم، ومسند الإمام أحمد، ومسند أبي داود ومعاجم الطبراني وكتب السيوطي فقه الحنابلة وسلسلتها وأصولهم. ثم أنه رجع إلى نجد فوجد أهلها ضالين وعلى أصنام يعبدونها من دون الله عاكفين ما بين أشجار وأحجار وغيران وطواغيت من الإنس والجان فاتنين ومفتونين فلم يسعه إلا الصدع بالحق والإعراض عن المشركين، والنصيحة لهؤلاء العاكفين عملاً بنصيحة الدين وخوفاً من حلول اللعنة إلى يوم الدين ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ فتحتم عليه البلاغ والعلم والتعليم.
فشرع في ذلك وهو على الله متوكل، وبآيات الله متفكر وبحبله معتصم بعد أن طرأ في خلده وخطر في هاجسه أنه مما هم به على خطر، وأنه من ذلك على حذر، فلما أن توكل على الذي ليس دونه مفر ولا يغني عنه مقر، كفاه ومنحه وحباه.
стр. 25
فأدركت العناية الإلهية والهداية الربانية من أراد الله هدايته لإقامة دين الإسلام والتمسك في سبل السلام أمير بلدته التي فيها محلته مرحوم الودود محمد بن سعود، فشرح الله لذلك صدره ويسر له أمره ففتحت عين بصيرته وانجلت غشاوة سريرته، فسمع ووعى وذكر وأوعى، وزادته العناية توفيقاً والهداية في قلبه ترقيقاً، فأجد وأمد وعن ساعده شمر، واجتهد مقبلاً على إقامة التوحيد وداعياً إليه العبيد، فلذلك عاداه أهل هذا الباطل وأقاموا بأنواع العداوة عليه فأجمعوا جدهم وجهدهم من خيلهم ورجالهم ومدافعهم التي هي غاية ما عندهم ليرجعوه هو واتباعه عن إقامة التوحيد، والدعاية إليه وإخلاص الوحدانية والعبادة كلها بأنواعها لله وحده، إلى ما كانوا عليه من الطغيان، وعبادة الشيطان، من الإنس والجان، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون. ولم يزل ذو العناية الهداية معتصماً بحبل الله معداً لأولياء الشيطان ما استطاع من قوة الآلات ومن رباط الخيل في سبيل الله تمثلاً قوله تعالى في الآيات البينات: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ فأعز الله به الإسلام والمسلمين وألف به بين قلوب المؤمنين وظهر الحق وانتصر الدين وقمع الباطل وأولياءه المشركين وهكذا لم يزل الأمر حتى توفاه الله إليه، وأختار له ما لديه من النعيم المقر أبد الآبدين قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ فقام مقامه وانتصب انتصابه ناصر السنة والدين وخاذل البدعة والمشركين المجاهد في سبيل الله إيماناً واحتساباً والداعي إلى الله إيجاباً نجله الأواه المعتصم بالله الحميد المحمود، عبد العزيز بن محمد بن سعود، فجاهد في الله واجتهد، وبذل نفسه لله وأمد، فأفشى الله به الإسلام وأوسعه، واضمحل به الباطل وقمعه، ولا قام صاحب باطل وهوى على إطفاء نور الله إلا وأهلكه الله في ساعة قصيرة فلله الحمد والمنة، حتى وقع في الإسلام وقائع غرائب وعجائب كما مضى في صدر سلف هذه الأمة عيناً بعين ومثلاً بمثل ما لو جمع ذلك لاحتمل مجلدات لكثرة البلاوي والوقائع الغريبات بمعادات هذا الدين، والتصديق والانقياد لقول أعدائه من شياطين الإنس المفتونين إذ
стр. 26
قالوا وكذبوا وشنعوا وان لم يحققوا ويتحققوا، فقد آل الأمر إلى تجذيب النساء مع الرجال من تحت أستار الكعبة في وقت الشريف مسعود، فحبس وعذب، وسرقن عن بلد الله الحرام من كان فيه تهمة من هذا الحق والتنسك به وانتساب إليه، وغرب عداوة للدين وطواعية لشياطين الإنس المعاندين بلا مراجعة ولا مفاكرة ولا عداوة دنيوية سابقة وإنما هو عناد وطعن في الحق المراد بلا تحقق ولا تذكر ولا تفكر، ولما حذر الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذا الشرك الأكبر فعنه أنذر وأقام عليه البراهين من القرآن والسنة وكلام الأئمة فقرر وحرر أحب أن يجمع فيه كتاباً مختصراً جامعاً لمعنى دين الرسل من أولهم إلى آخرهم ومعرفته، ومعنى دين المشركين المتقربين إلى الله بأبغض الأشياء إلية من أعمال المعاندين، بأدلته الجامعة من الكتاب والسنة وكلام صاع سلف الأمة، وليس هو يدعو الناس إلى التزام بمذهب معين فيجمعهم عليه، وينكر كلام واجتهاد الأئمة المجتهدين من غيره، ولا إنه يدعي الاجتهاد بنفسه، وإنما يدعوهم إلى العلم والعمل بمعنى هذه الكلمة الطيبة التي أرسلت بها الرسل وأنزلت في تقريرها الكتب للعلم بها والعمل بمعناها، وترك الكلمة الخبيثة عملها ومنشأها وسماه (كتاب التوحيد) فيما هو حق على العبيد، وكشف شبه المرتاب فيما التبس عليه من الخطأ والصواب، فشاع وذاع ونفع من الله إنفاد وأطاع، وقد أرسل نسخة منه ولي الأمر المجاهد الأواه من ذكر اسمه المنيف أعلاه، إلى جانب العزيز المكرم سليمان باشا، محبة إليه ونصيحة وحرصاً عليه وفضيلة وليتأمل بعين الإنصاف هو ومن كان عالماً من أهل الإنصاف، فيعمل بعد تحققه ذلك بإقامة الدين ويترك قول الشياطين المعاندين، ويحقق التوحيد المطلوب من العبيد، وما أصبح عليه غالب الناس من جعلهم من لا يداني رسول الله ﷺ الذي خاطبه ربه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بل لعله عدو لرسول ﷺ الله بمنزلة رب العالمين والسموات السبع، والأرضين السبع، ورب العرش العظيم، فيعذرنا في أمرنا ونهينا ولا يطيع الخصم فينا، لأنّ العاقل اللبيب إذا فهم ذلك وأتقنه تيقن أن أمرنا الذي قمنا به وباشرناه واجب ومتحتم علينا قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
стр. 27
الْمُنْكَرِ﴾ ولا منكر أعظم ولا أكبر من الشرك بالله، ونحن قد مكننا الله في الأرض ولله الحمد فلا عذر لنا، ومن لم يمكنه الله فيها ولم يقدر على إظهار ما طلب منه وجب عليه شرعاً أن يأوى إلى من ينصره حيث وجد ويعاونه على البر والتقوى كي يطلعوا على ما انطوى عليه من الأحكام ويميزوا بين ما يستوجب النقض والإبرام أتى بكى التعليلية التي تفيد أن الإطلاع والتمييز علة لإرسال الكتاب أي لم يرسل إلا ليطلعوا عليه ويميزوا ما فيه مما يستوجب النقض والإبرام فأما الإطلاع على ما فيه من الأحكام فنعم.
والأحكام: جمع حكم، وهو ما شرعه الله من حلال، وحرام، ومكروه، ومباح، ومندوب. والمقصود بها هنا أبوابه ومسائله الشاملة لذلك، وبيان أصله المشتمل على التوحيد بأدلته التفصيلية، وأما التمييز بين ما ذكره فليس هو علة للإرسال إذ لم يرسل ليحرر ويمر بل قد حرر وأمر عند شيوخ أفاضل وجهابذة أكابر منهم المشايخ الشاميون الشيخ على أفندي الداغسطاني الذي قد ذكرنا اسمه، وابن عمه الشيخ عبد الكريم أفندي الداغسطاني، والشيخ محمد البرهاني، والشيخ عثمان الديار بكري نزيل المدينة المنورة، والشيخ محمد السفاريني نزيل نابلس، وأرسل إليه بنسخة فأمرها وأقرها من غير مشايخه الذين قد ذكروا، فإن منهم من أدرك كلامه وكلهم قد أقروه وحرروه وأجازوه، ولكن عذرهم عدم المساعد لهم في قيام ما تضمنه من إقامة الدين وإخلاصه لرب العالمين وإلا هو الذي يدينون الله به في أنفسهم وأهليهم وأصحابهم من عشائرهم لكن لا يقدرون على نهي الناس عما اعتقدوه وعملوا به وقالوه لأن ذلك يعتاز إلى سيف قائم وإمام عادل وذلك متعذر الآن إلا بتوفيق الله وإيجاده، وإنما أرسل الكتاب لأمرين.
الأول: ليحصل العلم عند الخاص والعام إنا لم نقاتل الناس إلا على إقامة دين المصطفى محمد ﷺ من العلم بمعنى هذه الكلمة الطيبة والعمل بها وعمل سائر المعروف التابع لها من صلاة وزكاة كفعل أبي بكر الصديق ﵁ مع المانعين لها والتعلم بما أوجب الله على عباده وما طلبه منهم وخلقهم له وبما نهاهم عنه وحذرهم منه فإن الرجل من أهل هذا الزمان يشب ويشيب وهو لا يعرف المعروف بأنواعه بل
стр. 28
حتى التوحيد وضده وفروض وضوئه وصلاته وما يبطلهما لا يعلمه بل هو منهمك في القول والقيل بلا فائدة ولا عائدة، وعلى ترك ضدها المنافي لها وهو الشرك الذي قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وإزالة صائر ما هو تابع لها من زنا وربا وشرب خمر ولواط وسائر المحرمات ومع ذلك نحن لا نكفر بالمعاصي كما توهمه مطيعو العدو وإنما نكفر المشركين الذين كفرهم الله في كتابه المبين أو الراضين أعمالهم المظاهرين لهم علينا والمكفرينا بأمرنا ونهينا لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ ونقاتلهم عليه وعلى سائر أفعال المعروف المتروكة.
الثاني: النصيحة لهذا الوزير الذي هو عندنا في محل، حرصاً عليه وشفقة منا إليه لودنا له ما وددنا لأنفسنا من أنواع الخير، فيتأمل ويعمل ورجاء أن الله يهدي به خلقاً كثيراً كما قال ﷺ لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" وليتأمل أيضاً ببصيرة قلبه خير القرون الماضية وأهلها الذين قال عنهم النبي ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" والقول بأنا لا نقدر على ذلك ليس بعذر سديد لأن الله قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وقال ﷺ فيما صح عنه: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" وليس له ﷺ طريق ولأصحابه آخر، ولا لأصحابه طريق ولنا آخر، بل الطريق الذي فطر الله عليه الأمة وأمرها إتباعه واحد، فالنبي ﷺ يتقدمنا فيه ونحن نقتفي أثره وأثر أصحابه كما كان عليه السلف الصالح، والدنيا فانية مفروغ منها والأمر أسرع من ذلك والعز بأنواعه لم يوجده الله إلا في الإسلام والإقامة عليه، والذل والصغار والمحق في ضده ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (صدر منه الأمر الواجب القبول والإتباع وأشار إلى وإشارته حكم وطاعته غنم فامتثالاً لأمره نظرنا فيه) صدر أي مضى من هذا الوزير الأمر لعلماء مملكته لينظروا في هذا الكتاب، والله أعلم بنيته، الواجب القبول والإتباع صفتان للأمر ولا شك أن طاعة الأمير واجبة لكن في غير المعصية.
стр. 29
تعصب الراوي وكبره:
وأشار إليّ فيه ان هذا المشار إليه يدعي أنه من أجل علماء المملكة وأكبرهم قدراً عنده فلذلك خصه من بينهم فامتثالاً لأمره نظرنا فيه، يعني وإلا لولا أمره لم ننظر فيه ولم نطالعه، ولم نتأمله، وهذا من أعظم التعصب وأكبر التوثب على الركون إلى الرأي العقلي بلا حجة قطعية ولا دليل نقلي، فهو من نوع التوكل على مجرد الرأي، وذلك هو الموجب لقول الزور والبهتان والوقوع في الإثم والعدوان، إذ ما من مستغن برأيه عن مشاهدة الحق وأتباعه والتأمل في أحواله إلا وفات عليه خير كثير ولم يحصل له ما خيل إليه مما يزعم أنه لديه وهذا من العلم العقلي المخالف للدليل النقلي الناشئ عن الجهل الكلي قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ وقد قال النبي ﷺ عن ذلك أنه إتباع هوى وإعجاب، فروى أبو ثعلبة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك" والترفع عن أخذ العلم والحق وعن سماعه وادعاء الانتهاء فيه والاستغناء عنه من أكبر العجب، وهذا ادعاء فيما لا سبيل له إليه ولا ملك له فيه وان زعم كمال الفهم فيه والإطلاع عليه إذ ما من عالم إلا وفوقه أعلم منه، قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أي لكل ذي علم من المخلوقين أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله ، ولذلك عتب الله على موسى ﵇ حين قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل هل أحد أعلم منك؟ قال: لا، قال الله: بلى إن عبدنا خضراً هو أعلم منك، فلا زال يطلبه حتى وجده ليأخذ عنه العلم. ومن استغنى برأيه وزعم أن الباطل حق باستدلالاته التي قامت مخايل جفيلها الخالي في ذهنه وقرب سرابها النائي في ظنه فتخيل أن جميع معانيها وما فيها منسوبة عنه وإليه؛ ولم يعلم أنها حجة عليه، فقد أخطأ سبيل الرشاد وتعنت في أنواع العناد مقلداً لما سمعه من
стр. 30
عدو الحق بلا تحقق، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ وفي المسند للإمام أحمد عن ابن عمر يرفعه إلى النبي ﷺ : "من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله ﵎ وهو عليه غضبان" وقال ﷺ : "إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء" رواه الديلمي في مسند الفردوس وذلك لأنهم سبب صلاح العالم، واليهم ينتهي أمور الدنيا والدين، وبهم الحل والعقد، فإذا فسدوا فسد الناس كلهم، وسبب فسادهم الضار بالخاص والعام. متابعة الهوى وحب الرئاسة والعجب بالرأي، وقد يظهر للناس ما يدل على صلاحه من أمر أو نهي وهو في قيد هواه معجب في نفسه، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمته فعرفها فقال ما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى قتلت قال كذبت ولكن قاتلت ليقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمته فعرفها فقال ما عملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن فقال كذبت ولكن تعلمت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمته فعرفها فقال ما عملت فيها فقال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" وفي لفظ: " فهؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة" وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع عليه أهل النار فيقولون أي فلان ما شأنك ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه" وسبب هذا إنما هو إتباع الهوى، والقصور على مجرد الرأي من أعظمه وان زعم العلم وادعاه، ولذلك ذم الله سبحانه المعارضين للحق لما جاءهم بما
قام في أنفسهم من الادعاء للعلم والاستغناء به عما جاءهم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا
стр. 31
جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ قال أهل التفسير يعني رضوا عن ذلك بما عندهم من العلم في زعمهم فرح استهزاء وضحك منكرين للحق، وسماه سبحانه علماً باعتبار ما قام في ذهنهم وإلا فهو أقبح الجهل، والاستغناء بمجرد الرأي الحالي عن الدليل النقلي موجب للتعاون على الإثم والعدوان اللذين نهى الله عنهما في قوله: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ والمعاونة عليهما من دحض الحق والعمل بنقيضه، وهذا من تسويل إبليس وتحسينه ليدخل الإنسان في ملته، فمن فعل فقد أحياها فصار من حزبه وأعوانه ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ والمعاونة على الإثم طبقات أقبحها وأفحشها ما يقع من العلماء وهي إما بالفعل أو بالقول، فإن كانت من الفعل فهي من أعظم الضرر على البقية، وذلك أن العلماء إذا عملوا عملاً ليس من الدين ولا سنة أفضل المرسلين صاروا سبباً لإقدام العوام إليه ولعكوفهم عليه لاعتقادهم أنه من الدين، وأنه مما يتقرب به إلى رب العالمين، وهذا السبب في كل بدعة، وما من فتنة في الوجود تنشأ إلا عنها. وفي هذا المعنى يقول العزيز الحكيم في التحذير من مخالفة أوامر من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقد أصيب الناس بفتنة أضرت بالخاص والعام فلم يرض أحد عن أحد غير معتقده ولم يزكه إلا بإتباع ما ارتكبه، وهذا نوع من الزيغ وقد أخبر الصادق المصدوق أن هلاك من كان قبلنا بسبب الاختلاف؛ وحذر أمته أن تصنع كما صنعوا فيقعوا فيما وقع فيه من مضى من الأسلاف قال ﷺ : "دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مما استطعتم" أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وهؤلاء المبتدعون يصيرون سبباً لفتنة كل مفتون. ويكون هذا منهم كإعطاء السيف لقاطع طريق المسلمين، وكتذكار الحجر للمجانين، وكإغراق السفينة في الماء، وكإحراق المدينة في النار، وإن كانت في القول فهي أعظم ضرراً من الفعل فإنهم إذا أحلوا ما حرم الله أو حرموا ما أحل الله تبعهم العوام مقتدين بهم فبذلك يصيرون
стр. 32
عاملين بالإثم ومعاونين عليه فحصل لهم كفلان من العذاب. عن عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ قوله تعالى: ﴿تَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية فقلت يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه فقلت بلى قال تلك عبادتهم" رواه الإمام أحمد والترمذي وحسنه، والتحليل والتحريم ليس قيداً لوجود الإثم بل هو موجود بمجرد الأمر والنهي المخالفين للدين ثم ان كان ذلك المأمور به فعله مكفراً والمنهي عن فعله تركه مكفر فله حكمه، وإلا فهو ذنب ان لم يستحل ولهذا كان السلف يقولون: "احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه وصاحب دنيا أعمته دنياه" وكانوا يقولون: "احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فان فنتهما فتنة لكل مفتون" فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم. وقد وصف الله تعالى أئمة المتقين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ وقوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ ووصف بعضهم الإمام أحمد ﵀ فقال "عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته الباع فنفاها، والدنيا فأباها"ومنه الحديث المرسل عن النبي ﷺ : "إن الله يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات" وقد دل قوله تعالى ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ على إتباع الشهوات وهو داء العُصاة، وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ على الشبهات وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات وكثيراً يجتمعان، فقل من تجد في اعتقاده فساداً إلا وهو يظهر في عمله، وقد دلت الآية على أن الذين قبله استمتعوا وخاضوا وهؤلاء فعلوا مثل أولئك لأن قوله استمتعتم وخضتم خبر عن وقوع ذلك في الماضي، وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة كسائر ما أخبر الله به عن الكفار والمنافقين عند مبعث النبي ﷺ فإنه ذم لمن حاله كحالهم وعمله يشبه عملهم إلى يوم القيامة قد أشار إلى ذلك الإمام البغوي والحافظ ابن كثير وغيرهما من المفسرين عند هذه الآية بحديث إلى سعيد الخدري ﵁ المتفق عليه عن النبي ﷺ أنه قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر
стр. 33
ضب تبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن" وفي رواية أبي هريرة: "وهل الناس إلا أولئك" وقال ابن مسعود: (أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتاً وهدياً تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أن لا أدري تعبدون العجل أم لا" وبهذا أيضاً يكون خبراً عن أمر دائم مستمر لأنه وان كان بضمير الخطاب فهو كالضمائر في نحو قوله ﴿اعبدوا واركعوا واسجدوا وآمنوا﴾ فكما أن جميع الموجودين في وقت النبي ﷺ مخاطبون بهذا الكلام لأنه كلام الله وإنما الرسول مبلغ، فكذلك هو متناول لمن بعدهم إلى يوم القيامة، وهذا مذهب عامة المسلمين، وان كان بعض من تكلم في أصول الفقه اعتقد أن الضمير يتناول الموجودين حين تبليغ الرسول وان سائر الموجودين بعدهم دخلوا إما بما علمناه بالاضطرار من احتواء الحكم كما لو خاطب النبي ﷺ واحداً من أمته وقصد غيره من سائر الأمة، وإما بالسنة، وإما بالإجماع، وإما بالقياس، فيكون كل من حصل في هذا الاستمتاع والخوض مخاطباً بقوله تعالى ﴿فاستمتعتم وخضتم﴾ وقد توعد سبحانه هؤلاء المستمتعين الخائضين بقوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ فأخبر سبحانه أن في هذه الأمة من استمتع بخلاقه كما استمتع الأمم قبلهم، وخاض كالذين خاضوا، وذمهم وتوعدهم على ذلك، ثم خصهم على الاعتبار بمن قبلهم، فقال عز من قائل: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآية فطاعة الله ورسوله وصف للمؤمنين قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والاستمتاع بالخلاق والخوض، وصف لمن فيه مشابهة للقرون المتقدمة وقد ذم الله من يفعل ذلك، وأمر نبيه ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين بعد هذه الآية دليل على جهاد هؤلاء المستمتعين الخائضين، ثم هذا الذي دل عليه الكتاب من مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين، وذم من يفعل ذلك دلت عليه أيضاً سنة رسول الله ﷺ ، وتأول الآية على ذلك أصحابه ﵃ فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعاً
стр. 34
بذراع وشبراً بشبر وباعاً بباع حتى لو أن أحداً من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه" قال أبو هريرة اقرؤا إن شئتم ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ الآية قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب. قال: "فهل الناس إلا هم" وعن ابن عباس ﵄ في هذه الآية أنه قال ما أشبه الليلة بالبارحة هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم. وعن حذيفة بن اليمان قال: "المنافقون الذين منكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ قلنا: وكيف. قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه" وقد جاءت السنة بالأخبار بمشابهتهم في الدنيا وذم ذلك والنهي عنه، وكذلك في الدين، فمن الأول ما في الصحيحين عن عمرو بن عوف من حديث أبي عبيدة بن الجراح رضى الله عنه حين بعثه النبي ﷺ إلى البحرين الحديث بتمامه ومن الثاني ما روى ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل الحديث" حتى في الرئاسة وحب الدنيا وإيثارها.
стр. 35
ما ذكره الراوي في شأن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
(فبعد أن طالعناه وفهمنا فحواه وجدناه كتاباً جامعاً لشتات من المسائل مشتملاً على عدة رسائل) .
الضمير في طالعناه يرجع إلى الكتاب المذكور، رأى نظرنا فيه وفهمنا فحواه أي معناه ومذهبه فيه وما يميل إليه، وقوله وجدناه من وجد الشيء إذا علمه وأحس به كتاباً أي مكتوباً جامعاً أي حاوياً لشتات من المسائل جع مسئلة من السؤال وهو ما يبرهن عنه في العلم مشتملاً حال من الضمير في وجدناه على عدة رسائل (منها كتاب التوحيد) وقول الله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ثم أتى فيه بأحاديث من الصحيحين وبوّبه أبواباً على تراجم معلومة وأحاديث منهما منقولة (ومنها كتاب الكبائر) وقول الله ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية وبوّبه أبواباً على تراجم معلومة وأحاديث من الصحيحين
стр. 36
مشهورة منقولة (ومنها كشف شبه المرتاب) مصدرة في معرفة حقيقة التوحيد وما هو حق الله على العبيد وكيفية الشرك الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وكيف كان صفة شرك الذين قاتلهم رسول الله ﷺ وأنهم مقرون بتوحيد الربوبية وإنما قصدهم شيئاً يتقربون به إلى الله من خلقه يدعونهم ويرجونهم ويتوكلون عليهم لشفاعتهم لهم زاعمين رضاء الله والقرب إليه، فضرهم ذلك وأفسد عليهم (ومنها شرح الكلمة الطيبة) بمعناها المراد من لفظها والكلمة الخبيثة التي ضد الطيبة ودلائلها وأنهما لا يجتمعان، وان معنى الإله هو المعبود سواء كان بحق أو بباطل وان من جعل بينه وبين الله من خلقه وسائط يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم ويتقرب بهم فقد جعلهم آلهة مع الله لقول بني إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً (ومنها كلام الإمام أحمد) في عدة وريقات كتبهن رسالة له في مسابقة المأموم إمامه في الصلاة.
стр. 37
رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونقد الراوي لها:
(ومنها) رسالة له متعلقة بسيرة الأولين ومعرفتهم للدين وفعلهم مع المعاندين المخالفين (وله رسالة في الجهاد) وفضله وكيف كان رسول الله ﷺ وأصحابه يجاهدون (وفيه رسائل غير ذلك) متعلقة بالتوحيد وغيره من مسائل الدين (لكنه قد جمع فيه بين غث وسمين وقوي ووهين) هذا استدراك من قوله كتاباً جامعاً أي لكنه يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد جمع فيه أي في كتابه المتقدم ذكره يين غث عني به الجاف الهشيم الذي لا طعم فيه؛ بدليل ما يقابله في قوله وسمين أي جمع في هذا الكتاب بين ما هو خالي المعنى المراد من الترجمة التي عقدت لأجله، فما قصده فيها هو معلوم لا تؤدي تلك الترجمة وما تضمنته معناه بل ما قام في ذهنه أستدل عليه به فدليله خال مما أراده ليس فيه منه شيء، وبين ما هو موافق لما أراده فمعناه فيه موجود موافق. وقوله وقوى ووهين عطف مغاير، أي جمع في هذا الكتاب أيضاً بين قوي وهو ما ليس فيه شيء يوجب ضعفه، ووهين هو الضعيف الذي فيه شيء يوجب نقصه عن درجة ما قبله، أشار بذلك هذا المعترض إلى أنه ناقد بصير مميز يين الأشياء المتضادة والمتوافقة وما تؤديه من المعاني المتغايرة أو المتناسبة وما يراد منها وما
стр. 38
متعلقها ونتيجتها وبين ما فيه قوة وضعف وصحة وبطلان وأنه قد نقد هذا الكتاب فوجده كما وصفه.
ونحن نقول من تأمل كلامه الآتي علم يقيناً أن ليس عنده من ذلك إلا مجرد الادعاء، إذ هو الجامع للمتضادين جنساً، وهو المازج للصفتين نوعاً، وهو الخابط فيه خبط العشوى فلم يفرق فيه بين الجنسين، ولم يميز بين النوعين لعدم معرفته الدين مع قصد الأولين وإقرارهم برب العالمين، فان قصدهم القرب إليه والتحصيل لما لديه، لكن ضرهم جهل الكيفية التي يكون بها التعبد أجل مطلوب ومقرباً إلى المحبوب، لكن من له إطلاع على أصحاب التصانيف الحسان، وما حصل لهم وعليهم من الإقران علم يقيناً أن ما كان أولاً فهو بالأولى وقوعاً في آخر الزمان وما أحسن ما قيل في ذلك:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
ومن رزق التوفيق هدي إلى الصواب، ومن استفتح فقد نجح، فيرزق العلم بقول الله وبما جاء عن محمد رسول الله مشروح الصدر للإيمان على نور من ربه يعرف الحق ويقود إليه ويعرف الباطل ويذود نفسه وغيره عنه.
(ووجدنا أحواله أحوال من عرف من الشريعة شطراً ولم يمعن فيها نظراً، ولا قرأ على من يهديه إلى النهج القويم، ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي هي الصراط المستقيم) .
الضمير في وجدنا أحواله يرجع إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحوال من عرف من الشريعة أي المشروعة التي شرعها الله على لسان رسول الله ﷺ شطراً شطر المكان جهته، وشطر الشيء والمتاع ضعفه، وشاطر الوادي جانبه كشاطئه ومعناه أنا وجدنا أحوال هذا الرجل أحوال الذي عرف من الشريعة شطرها أي جهتها التي تؤدى إليها وبعضها التي فيها ولديها، ولذلك قال ولم يمعن فيها نظراً يعني لم يصل إلى معناها الكلي بعد أن عرف الجهة التي هي اللفظ، وملخصه أنه قد عرف لفظ الكلام من الكتب ولم يفهم المعنى.
стр. 39
رد الشيخ على قول الخصم:
ونحن نقول من تأمل القرآن وآياته البينات، وسبب إنزاله وموضوعه، وسنة النبي ﷺ وهديه، وما أُرسل به، وسنة أصحابه، ومن تبعهم بإحسان، فهم يقيناً أن ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأمر به ودعا إليه هو عين ما تضمنه القرآن من توحيد الله الذي هو حقه على العبيد، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وأئمة الدين بعدهم، وانه بذلك قد علم الشريعة وحققها، وأمعن نظره في سنة النبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وقررها وأظهرها، فإن آيات الله دالة على وحدانيته تعالى في ألوهيته وتفرده في معاملته مما هو حق على عبيده، فإنزاله سبب لمعرفة حق الله تعالى وتقدس وإخلاص الدين كله له وحده، وهذا موضوع القرآن مع كونه مصرحاً بأن الأولين مقرون ومعترفون لله بالخلق والرزق والإماتة والإحياء والتدبير والضر والنفع وإنما قصدهم الجاه والقربة بواسطة ووسيلة من المخلوقين، أو صورهم توصلهم إلى غاية قصدهم ومطلوبهم ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ إلى أن قال: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ثم قال بعد تقريرهم وإقرارهم بأن ملكوت كل شيء بيد الملك الحي ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ووصف الإنسان بأنه إذا مسه الضر دعاه وإذا كشفه عنه أشرك معه سواه قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وهذه أقبح حالة إذا مسه الشر دعا لحاجته فإذا أنعم عليه مولاه جاءته الاستحالة، وهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ولشفاعتهم لنا عند الله. فمن عرف لفظ هذه الآيات القرآنية
стр. 40
ووفق لفهم معناها، وأنهم مقرون له تعالى بالربوبية علم أن هذا المقام لا نزاع فيه، وإنما اتخذوهم وسائط ووسائل بينهم وبين ربهم كما تكون الواسطة بين الملك ورعيته، وهذه الوسائط التي يدعونها في حال الرخاء فقط ويرجون شفاعتها وقت الشدة يسمونها الآلهة لتأله قلوبهم بها ورجاؤهم منها القرب والتقريب، كما قالوا أجعل الآلهة إلهاً واحداً، على جهة أن ذلك لا يكون لأنهم ظنوا أن الإله الواحد وهو الله لا يسع الخلق إلا بآلهة معه يدخلون عليه بهم ويصلون إلى قضاء الحوائج بشفاعتهم لديه، ومنه قول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قال أهل التفسير إنهم لم يكونوا شاكين في الدين وإنما أرادوا شيئاً يعظم عندهم وفي نفوسهم ويتقربون بتعظيمه وشفاعته إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر في الدين لشدة جهلهم.
ومن عرف وحقق معنى الشهادتين اللذين هما رأس الإسلام وقوامه، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم شهد بهما لزمه العمل بمقتضاهما قولاً وفعلاً واعتقاداً وترك المنافي والمناقض لهما قولاً وفعلاً واعتقاداً، فإن معنى الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له وحده في عبادته ومعاملته، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره لا بحب ولا خوف ولا رجاء ولا إجلال ولا إكرام ولا رغبة ولا رهبة بل لا بد أن يكون الدين كله لله كما قال جل ذكره: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسب ما كان لغيره، ثم إن كان أصغر مثل الرياء فله حكمه، وان كان أكبر مثل ما يأتي بيانه فله حكمه، وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" فالمؤمنون يحبون لله والمشركون يحبون مع الله وهي الأنداد التي ذكرها في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً﴾ الآية.
والشهادة بأن محمداً عبده ورسوله تتضمن تصديقه ﷺ في كل ما أخبر به وطاعته في كل ما أمر به، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفوا عنه ما نفاه عن نفسه من مماثلة المخلوق، فيخلصون من التعطيل والتمثيل، ويكونوا في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل
следующие страницы →