← Акыда

Акыда · id 7597

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق

محمد بن علي بن غريب

Полный текст (402 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مشهورة منقولة (ومنها كشف شبه المرتاب) مصدرة في معرفة حقيقة التوحيد وما هو حق الله على العبيد وكيفية الشرك الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وكيف كان صفة شرك الذين قاتلهم رسول الله ﷺ وأنهم مقرون بتوحيد الربوبية وإنما قصدهم شيئاً يتقربون به إلى الله من خلقه يدعونهم ويرجونهم ويتوكلون عليهم لشفاعتهم لهم زاعمين رضاء الله والقرب إليه، فضرهم ذلك وأفسد عليهم (ومنها شرح الكلمة الطيبة) بمعناها المراد من لفظها والكلمة الخبيثة التي ضد الطيبة ودلائلها وأنهما لا يجتمعان، وان معنى الإله هو المعبود سواء كان بحق أو بباطل وان من جعل بينه وبين الله من خلقه وسائط يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم ويتقرب بهم فقد جعلهم آلهة مع الله لقول بني إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً (ومنها كلام الإمام أحمد) في عدة وريقات كتبهن رسالة له في مسابقة المأموم إمامه في الصلاة.

стр. 37

رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونقد الراوي لها: (ومنها) رسالة له متعلقة بسيرة الأولين ومعرفتهم للدين وفعلهم مع المعاندين المخالفين (وله رسالة في الجهاد) وفضله وكيف كان رسول الله ﷺ وأصحابه يجاهدون (وفيه رسائل غير ذلك) متعلقة بالتوحيد وغيره من مسائل الدين (لكنه قد جمع فيه بين غث وسمين وقوي ووهين) هذا استدراك من قوله كتاباً جامعاً أي لكنه يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد جمع فيه أي في كتابه المتقدم ذكره يين غث عني به الجاف الهشيم الذي لا طعم فيه؛ بدليل ما يقابله في قوله وسمين أي جمع في هذا الكتاب بين ما هو خالي المعنى المراد من الترجمة التي عقدت لأجله، فما قصده فيها هو معلوم لا تؤدي تلك الترجمة وما تضمنته معناه بل ما قام في ذهنه أستدل عليه به فدليله خال مما أراده ليس فيه منه شيء، وبين ما هو موافق لما أراده فمعناه فيه موجود موافق. وقوله وقوى ووهين عطف مغاير، أي جمع في هذا الكتاب أيضاً بين قوي وهو ما ليس فيه شيء يوجب ضعفه، ووهين هو الضعيف الذي فيه شيء يوجب نقصه عن درجة ما قبله، أشار بذلك هذا المعترض إلى أنه ناقد بصير مميز يين الأشياء المتضادة والمتوافقة وما تؤديه من المعاني المتغايرة أو المتناسبة وما يراد منها وما

стр. 38

متعلقها ونتيجتها وبين ما فيه قوة وضعف وصحة وبطلان وأنه قد نقد هذا الكتاب فوجده كما وصفه. ونحن نقول من تأمل كلامه الآتي علم يقيناً أن ليس عنده من ذلك إلا مجرد الادعاء، إذ هو الجامع للمتضادين جنساً، وهو المازج للصفتين نوعاً، وهو الخابط فيه خبط العشوى فلم يفرق فيه بين الجنسين، ولم يميز بين النوعين لعدم معرفته الدين مع قصد الأولين وإقرارهم برب العالمين، فان قصدهم القرب إليه والتحصيل لما لديه، لكن ضرهم جهل الكيفية التي يكون بها التعبد أجل مطلوب ومقرباً إلى المحبوب، لكن من له إطلاع على أصحاب التصانيف الحسان، وما حصل لهم وعليهم من الإقران علم يقيناً أن ما كان أولاً فهو بالأولى وقوعاً في آخر الزمان وما أحسن ما قيل في ذلك: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا ومن رزق التوفيق هدي إلى الصواب، ومن استفتح فقد نجح، فيرزق العلم بقول الله وبما جاء عن محمد رسول الله مشروح الصدر للإيمان على نور من ربه يعرف الحق ويقود إليه ويعرف الباطل ويذود نفسه وغيره عنه. (ووجدنا أحواله أحوال من عرف من الشريعة شطراً ولم يمعن فيها نظراً، ولا قرأ على من يهديه إلى النهج القويم، ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي هي الصراط المستقيم) . الضمير في وجدنا أحواله يرجع إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحوال من عرف من الشريعة أي المشروعة التي شرعها الله على لسان رسول الله ﷺ شطراً شطر المكان جهته، وشطر الشيء والمتاع ضعفه، وشاطر الوادي جانبه كشاطئه ومعناه أنا وجدنا أحوال هذا الرجل أحوال الذي عرف من الشريعة شطرها أي جهتها التي تؤدى إليها وبعضها التي فيها ولديها، ولذلك قال ولم يمعن فيها نظراً يعني لم يصل إلى معناها الكلي بعد أن عرف الجهة التي هي اللفظ، وملخصه أنه قد عرف لفظ الكلام من الكتب ولم يفهم المعنى.

стр. 39

رد الشيخ على قول الخصم: ونحن نقول من تأمل القرآن وآياته البينات، وسبب إنزاله وموضوعه، وسنة النبي ﷺ وهديه، وما أُرسل به، وسنة أصحابه، ومن تبعهم بإحسان، فهم يقيناً أن ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأمر به ودعا إليه هو عين ما تضمنه القرآن من توحيد الله الذي هو حقه على العبيد، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وأئمة الدين بعدهم، وانه بذلك قد علم الشريعة وحققها، وأمعن نظره في سنة النبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وقررها وأظهرها، فإن آيات الله دالة على وحدانيته تعالى في ألوهيته وتفرده في معاملته مما هو حق على عبيده، فإنزاله سبب لمعرفة حق الله تعالى وتقدس وإخلاص الدين كله له وحده، وهذا موضوع القرآن مع كونه مصرحاً بأن الأولين مقرون ومعترفون لله بالخلق والرزق والإماتة والإحياء والتدبير والضر والنفع وإنما قصدهم الجاه والقربة بواسطة ووسيلة من المخلوقين، أو صورهم توصلهم إلى غاية قصدهم ومطلوبهم ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ إلى أن قال: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ثم قال بعد تقريرهم وإقرارهم بأن ملكوت كل شيء بيد الملك الحي ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ووصف الإنسان بأنه إذا مسه الضر دعاه وإذا كشفه عنه أشرك معه سواه قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وهذه أقبح حالة إذا مسه الشر دعا لحاجته فإذا أنعم عليه مولاه جاءته الاستحالة، وهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ولشفاعتهم لنا عند الله. فمن عرف لفظ هذه الآيات القرآنية

стр. 40

ووفق لفهم معناها، وأنهم مقرون له تعالى بالربوبية علم أن هذا المقام لا نزاع فيه، وإنما اتخذوهم وسائط ووسائل بينهم وبين ربهم كما تكون الواسطة بين الملك ورعيته، وهذه الوسائط التي يدعونها في حال الرخاء فقط ويرجون شفاعتها وقت الشدة يسمونها الآلهة لتأله قلوبهم بها ورجاؤهم منها القرب والتقريب، كما قالوا أجعل الآلهة إلهاً واحداً، على جهة أن ذلك لا يكون لأنهم ظنوا أن الإله الواحد وهو الله لا يسع الخلق إلا بآلهة معه يدخلون عليه بهم ويصلون إلى قضاء الحوائج بشفاعتهم لديه، ومنه قول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قال أهل التفسير إنهم لم يكونوا شاكين في الدين وإنما أرادوا شيئاً يعظم عندهم وفي نفوسهم ويتقربون بتعظيمه وشفاعته إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر في الدين لشدة جهلهم. ومن عرف وحقق معنى الشهادتين اللذين هما رأس الإسلام وقوامه، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم شهد بهما لزمه العمل بمقتضاهما قولاً وفعلاً واعتقاداً وترك المنافي والمناقض لهما قولاً وفعلاً واعتقاداً، فإن معنى الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له وحده في عبادته ومعاملته، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره لا بحب ولا خوف ولا رجاء ولا إجلال ولا إكرام ولا رغبة ولا رهبة بل لا بد أن يكون الدين كله لله كما قال جل ذكره: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسب ما كان لغيره، ثم إن كان أصغر مثل الرياء فله حكمه، وان كان أكبر مثل ما يأتي بيانه فله حكمه، وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" فالمؤمنون يحبون لله والمشركون يحبون مع الله وهي الأنداد التي ذكرها في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً﴾ الآية. والشهادة بأن محمداً عبده ورسوله تتضمن تصديقه ﷺ في كل ما أخبر به وطاعته في كل ما أمر به، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفوا عنه ما نفاه عن نفسه من مماثلة المخلوق، فيخلصون من التعطيل والتمثيل، ويكونوا في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل

стр. 41

وعليهم أن يفعلوا ما أمر الله به وينتهوا عما نهى عنه، ويحللوا ما حلله، ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله، ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرم الله وشرعوا ديناً لم يأذن به الله كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً﴾ إلى آخر السورة وما ذكره في صدر سورة الأعراف وكذا قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ وقد قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ فأخبر أنه داع إلى الله بإذنه، فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك ومن دعا إليه بغير اذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة والمبتدع يؤول إلى الشرك، ومن خاض كما خاض فيه الأولون فلم يعرف اللازم من الملزوم فقد جردهما من المعنى. وإذا كان سبب النزول أحوال مشركي العرب فالعام لا يقصر على السبب. وكذلك الأحاديث الصحيحة كحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ماحق الله على العباد" قلت: الله ورسوله أعلم قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً أتدري ما حقهم عليه؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: "أن لا يعذبهم وفي لفظ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً" قلت: أفلا أبشر الناس قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" أخرجاه في الصحيحين فإنه قاض في الأخبار بلفظه عن حق الله على العباد من توحيده سبحانه وإخلاص الألوهية له تعالى كما قال جل شأنه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ فقد أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام ديناً، وأمرنا أن نتبع صراطه المستقيم ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن سبيله، وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر التي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات العشر التي أنزل الله على موسى في التوراة وإن كانت الكلمات التي نزلت على نبينا ﷺ أكمل وأبلغ وأتم، ولهذا قال الربيع بن خيثم وعبد الله بن مسعود: "من سره أن يقرأ كتاب محمد الذي لم يفض خاتمه بعده فليقرأ آخر سورة الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾

стр. 42

الآية) وأمرنا أن لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأخبر رسوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وذكر أنه جعله على شريعة من الأمر، أمره أن يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَاب﴾ إلى قوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ فأمره أن لا يتبع أهواءهم عوضاً عما جاءه من الحق، وإن كان ذلك المتبع شرعاً أو طريقاً لغيره من الأنبياء فإنه سبحانه قد جعل لكل منهم سنة وسبيلاً ولكنه ﷺ حذره ربه أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، وإذا كان هذا فيما جاءت به شريعة غيره، فكيف بما لم يعلم أنه جاءت به شريعة قط، بل لم ينزل الله به الكتب ويرسل الرسل إلا بتقبيحه والإنذار عنه، وخبث فاعله والحكم عليه بالذل والصغار والخلود في النار، حتى قرر ذلك وحرر في كتب الفقه التي تداولها الأيدي لعلماء كل مذهب فإنهم عقدوا فيه باباً للردة بعبارات مختلفة اللفظ متفقة المعنى.

стр. 43

تعريف المرتد: منها قولهم المرتد لغة الراجع، يقال ارتد فهو مرتد إذا رجع قال تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ وشرعاً الذي يكفر بعد إسلامه نطقاً أو اعتقاداً أو شركاً أو فعلاً، وبعض هؤلاء الأئمة قال ولو مميزاً فتصح ردته كإسلامه، وهم الحنابلة ومن وافقهم طوعاً لا مكرهاً بأن فعل لداعي الإكراه لاعتقاده ما أريد منه لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ الآية إلى أن قالوا أو أشرك بالله، بأن جعل بينه وبين الله وسائط من خلقه يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ وهذا قد أجمع عليه أئمة المسلمين وعلماء الدين.

стр. 44

ونعنى بهذا الإجماع ما قاله الإمام الغزالي: هو اتفاق أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور الدينية. ولا عذر في الجهل بعد الإنذار بالكتاب والرسول وان جادل وعاند وزعم أنه محق فهو بنزول العذاب والبلاء مستحق. وفي هذا يقول نبي الله هود: على محمد وعليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام مخاطباً لقومه وقد أكثروا عليه في تركهم الآلهة وشددوا في لومه ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ فهذه المجادلة بالباطل وقوع الرجس والغضب هو الحامل عليها بعد أن تقدم منهم السبب.

стр. 45

حكم التوسل بالأعمال الصالحة وبأسماء الله وصفاته: فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل أهل الإيمان في قولهم ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الآيات وكتوسل أصحاب الصخرة المنطبقة عليهم، الحديث في البخاري لأنه تعالى وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، وكسؤاله بصفاته وأسمائه كالأدعية المعروفة في السنن "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت الله الحنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام " وفي الحديث الآخر "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد " وفي الحديث الآخر "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو أستأثرت به في علم الغيب عندك" فهذه الأدعية ونحوها مشروعة باتفاق العلماء، وأما الإقسام على الله بمخلوق فهو منهي عنه باتفاق الأئمة. وهل هو نهي تحريم أو تنزيه على قولين أصحهما أنه نهي تحريم. وأما سؤاله تعالى بمعاقد العز من عرشه فيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله في كتابه أو على لسان رسوله فقد ضل الطريق وأخطأ المعنى وان ادعى الحفظ والفهم. عن عبد الله بن مسعود قال: (سألت رسول الله ﷺ : "أي

стр. 46

الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله نداً وهو خلقك" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك" قال قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك") فأنزل الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ رواه البخاري ومسلم عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير. فهذا الحديث الصحيح له معان ودرجات على الترتيب في عظم الذنب، وأكبره جعل الأنداد، وما دونه وان كان ذنباً فليس مساوياً له إلا أن استحل فيوافقه في اسم الكفر وجعل الند لله أكبر منه، ولكن ليس على العبد أشد من دحض الحق والعمل بخلافه ومعاداته وأهله والقدح عليهم فيه، فمعاداة الحق وأهله سنة متقدمة وعادة مطردة ولذلك لما أنزل الله على نبيه ﷺ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ صدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم فدعا إلى الله الكبير والصغير والحر والعبد والذكر والأنثى والجن والإنس، فلما صدع بأمر الله وصرح لقومه بالدعوة وبادأهم بسب آلهتهم وعيب دينهم اشتد أذاهم له ولمن استجاب له وادعوا جهلهم وجنونهم، وهذه سنة الله في خلقه، كما قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِك﴾ وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِن﴾ وقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ الآية فعزى الله سبحانه نبيه بذلك وان له أسوة بمن تقدمه من الرسل وعزى سبحانه أيضاً أتباعه وهم العلماء العاملون بأمره الداعون إلى شريعته بقوله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا..﴾ إلى قوله: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ . ومن تأمل سياق هذه الآيات وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم علم أن الناس بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن يأبى فيستمر على السيئات من مخالفة دين الرسل، فمن قال آمنا ابتلاه ربه واختبره ليتبين الصادق من الكاذب ومن لم يتبع دين الرسل فلا يحسب أنه يفوت الله ويسبقه، فمن آمن بالرسل واتبع دينهم واهتدى بهديهم عاداه أعداؤهم، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " إن الله ﵎ قال من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى من أداء ما افترضته عليه ومازال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله

стр. 47

التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" أخرجه البخاري في صحيحه في باب التواضع من كتاب الرقائق، ومن كان طالباً للرتبة العلية تنقل في المقامات العلوية وفارق كل فرقة غوية. ومن كان من حزب الشيطان يعود شيطاناً وان كان في صورة الإنسان. (ولا قرأ على من) أي على الذي (يهديه إلى النهج القويم) يعني أنه لم يقرأ على شيخ يرشده إلى الطريق الذي لا اعوجاج فيه، وقد تقدم في ترجمته عند ذكر اسمه عدة مشايخه الذين قد اجتمع بهم وأخذ عنهم إجازة ودراية.

стр. 48

تعريف الدليل لغة واصطلاحاً: (ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي هي الصراط المستقيم) الدليل لغة: هو المرشد وهو الناصب والذاكر وما به الإرشاد، واصطلاحاً: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري وفاقاً وقيل إلى العلم به فتخرج الامارة، قال الأصوليون لابد للمستدرك من دليل ونظر وعلم، قال الإمام أحمد الدال هو الله، والدليل هو القرآن والمبين هو الرسول ﷺ والمستدل أولو العلم، هذه قواعد الإسلام والنظر هو الفكر لمعرفة مطلوب من تصور أو تصديق، والعلم وهو حكم الذهن ألجازم المطابق الموجب فلا طريق إلى معرفة الله وإلى الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه فهو الدليل عليه وبه يهتدي في ظلمات الجهل والشبه والشكوك ولهذا سمى الله كتابه نوراً لأنه يهتدى به في ظلمات الجهل والوهم قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومثل النبي ﷺ حملة العلم الذي جاء به، بالنجوم التي يهتدى بها في الظلمات، ففي المسند للإمام أحمد عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ان مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر"

стр. 49

فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة وما دام العلم باقياً في الأرض فالناس على هدى وبقاء العلم ببقاء حملته العاملين به، فإذا ذهبت حملته أو من يقوم به وقع الناس في الضلال، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء فإذا لم يجدوا عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" وذكر النبي ﷺ يوماً رفع العلم فقيل له كيف يذب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأنا نساءنا وأبناءنا فقال النبي ﷺ : "هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم شيئاً" فسئل عبادة بن الصامت رضى الله عنه عن هذا الحديث فقال: "لو شئت لأخبرتكم بأول علم يرفع عن الناس الخشوع" وإنما قال عبادة هذا لأن العلم قسمان: أحدهما ما كان ثمرته في قلب الإنسان وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضية لخشيته ومهابته وإجلاله والخضوع له ورجائه ومحبته ودعائه والتوكل عليه ونحو ذلك مما هو عبادة مختصة بجلاله فهذا هو العلم النافع كما قال ابن مسعود ﵁ أن أقواماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وقال الحسن العلم علمان: علم اللسان فذلك حجة الله على بني آدم وهو كما في الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" وعلم القلب وهو العلم النافع الذائد لصاحبه عن جميع المهالك وهذا لا يمكن إلا بصلاح تلك المضغة التي قد نص عليها النبي ﷺ في قوله: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" أخرجه البخاري ومسلم من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير وقد أرشد الله نبيه ﷺ إلى الهدى والعلم وأمره أن يسألهما منه عند الاختلاف فيه رغبة إليه سبحانه وإعراضاً عن المشركين الذين قال الله عنهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقال: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ فروى مسلم وأبو داود وغيرهما عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قام يصلي من الليل يقول: " اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض علم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من

стр. 50

الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" وذلك أن الله يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي فاختلفوا وقد قيل انا كذلك في حرف عبد الله ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والهداية تورث الإلهام من ذي الجلال والإكرام المنان، وهو نفث في الروع من المولى الكريم لذوي الاستسلام، ويعقبه السكينة معنى ينزله الكريم المنان والطمأنينة نتيجة السكينة إذا قوي اليقين يأمن بها العبد إذا ذعر غيره من العبيد في مظاهر الانتقام والمجاهدة لأعداء كلمة الإسلام، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب قد هدي فاهتدى، وهدى الله به من اهتدى بعد الاسترشاد إلى الرشاد والانحياد عن أهل الفساد، وهو لا يفتر عن الاوراد ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. السلام على النبي ورحمة الله وبركاته. هكذا لا يفتر أبداً لا وقت نوم أو درس لكن لغربة الإسلام أنكر عليه وللحسد والبغضاء عودي ونسب كل فعل قبيح إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل وما أحسن ما قيل في ذلك: أقول الله ربي والإسلام ... ديني والقرآن لي إمام مقتدياً بأحمد وآله ... مخالفاً طوائف الكفر فهل ألام قد غاظ دين الله كل كافر ... ليس له بحبله اعتصام أصم أعمى ما له معرفة ... إلا بما تغذي به الأجسام قد جهل القرآن من شقائه ... ففاته بجهله المرام يا لائمي إني أطعت أمر من ... عصيانه سبحانه حرام

стр. 51

مستمسكاً بالعروة الوثقى التي ... ليس لها يا لائمي انفصام أدعو إلى القرآن من لم ... يتبع آياته كلها أحكام عاديتني والله قد أكرمني ... أفق فداعي الله لا يضام تريد أن تطفي نور خالقي ... ونوره غايته الإتمام والحق كالشمس إذا ما أشرقت ... أنوارها انجلى عنها الظلام وفضله سبحانه إذا أتى ... عبداً فلا ترده الأنام وفي ذلك أيضاً: إن الإله على نصري لمقتدر ... فما أبالي بأعدائي ولو كثروا إذا تجروا على ظلمي فإني ... بأقوى من هم انتصروا إن المشركين قوم لا عقول لهم ... يلقيهم الجهل في الكفر الذي حذروا أمرتهم بإتباع الذكر فامتلأوا ... غيظاً فهل آمنوا أم كفروا لا يستجيبون للداعي إذا سمعوا ... ولا يرون سبيل الرشد لو نظروا ولا يعون فما نصح بنافعهم ... كأنهم بيننا من جهلهم بقر إني لأرجو الإله أن يصيبهم ... بنقمة منه لا تبقي ولا تذر يا صم يا بكم يا عمي الكتاب ... هدى للمتقين وعلم ليس ينحصر فاتلوه واتبعوا آياته ودعوا ... مذاهب السفهاء إنها ضرر أتهجرون كتاب الله ويلكم ... هل فارس نفسا لكم قوم له هجروا لقد مرقتم من الإسلام فانتبهوا ... فليس ترك كتاب الله يغتفر ما صح إيمان من لم يتبعه ولو ... صلوا وصاموا وحجوا البيت واعتمروا وقد أرسل إليه العالم الفاضل المدقق شيخ جهابذة العلماء الأعلام في عصره، رباني أهل وقته، شيخ صنعاء اليمن، وزبيدها عمدة دقيقها وجليلها محمد بن إسماعيل الأمير أرجوزة يثني فيها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى عقيدته ويشكره على أمره ونهيه وهي هذه:

стр. 52

قصائد في مدح الشيخ من علماء الأقطار: سلامي على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي وقد صدرت من سفح صنعا سقى الحيا ... رباها وحياها بقهقهة الرعد سرت من أسير ينشد الريح إن سرت ... ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد يذكرني مسراك نجداً وأهله ... لقد زادني مسراك وجداً على وجد قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لِسُنَّة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي لقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد وما كل قول بالقبول مقابل ... وما كل قول واجب الطرد والرد سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل يا ذاعن الرد وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على حسب الأدلة في النقد وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهراً ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي وَيْعمُر أركانَ الشريعة هادماً ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواعاً ومثله ... يغوث ووداً ليس ذلك من ودي وقد هَتَفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالواحد الفرد وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهراً على عمد وكم طائفاً حول القبور مقبلاً ... ومستلم الأركان منهن باليد لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي يصب عليه سوط ذم وغيبة ... ويجفوه من قد كان يهواه عن بعد ويعزي إليه كل مالا يقوله ... لتنقيصه عند التهامي والنجدي فَيَرميه أهل الرفض بالنصب فرية ... ويرميه أهل النصب بالرفض والجحد وليس له ذنب سوى أنه أتى ... بتحكيم قول الله في الحل والعقد * ويتبع أقوال النبي محمد ... وهل غيره بالله في الشرع من يهدي لئن عده الجهال ذئباً فحبذا ... به حبذا يوم انفرادى في لحدي

стр. 53

.. سلامي على أهل الحديث فإنني ... نشأت على حب الأحاديث من مهدي ... هم بذلوا في حفظ سنة أحمد ... وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد وأعني بهم أسلاف سنة أحمد ... أولئك في بيت القصيدة هم قصدي ... أولئك أمثال البخاري ومسلم ... وأحمد أهل الجهد في العلم والجد ... ٤بحور أحاشيهم عن الجزر إنما ... لهم مدد يأتي من الله بالمد ... رَوَوا وارتووا من بحر علم محمد ... وليس لهم تلك الملل من وردي ... كفاهم كتاب الله والسنة التي ... أتاهم بها صحب الرسول ذوو المجد ... أأنتم أهدى من صحابة أحمد ... وأهل الكسا هيهات ما الشوك كالورد ... أولئك أهدى في الطريقة منكم ... فهم قدوتي حتى أوسد في لحدي ... وشتان ما بين المقلد في الهدى ... ومن يقتدي والضد يعرف بالضد ... فمقتدياً كن في الهدى لا مقلداً ... وخلي أخا التقليد في الأسر بالقد ... وأكفر من في الأرض من قال أنه ... إله فإن الله جل عن الند ... مسماه كل الكائنات جميعها ... من الكلب والخنزير والفهد والقرد ... وإن عذاب النار عذب لأهلها ... سواء عذاب النار أو جنة الخلد ... وعباد عجل السامري على هدى ... ولائمهم في اللوم ليس على رشد ... تناشدنا عنه نصوص فصوصه ... تنادي خذوا في النظم مكنون ما عندي ... كنت امرأ من جند إبليس فارتمى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي ... فلو مات قبلي كنت أدركت بعده ... دقائق كنز ليس يدركها بعدي ... يلذون عند العجز بالذوق ليتهم ... يذوقون طعم الحق فالحق كالشهد ... نقول لهم ما الذوق قالوا مثاله ... عزيز فلا بالشم يدرك والحد ... ففشرهم بالكشف والذوق مشعر ... بأنهم عن مطلب الحق في بعد ... ومن يطلب الإنصاف يدلي بحجة ... ويرجع أحياناً ويهدي ويستهدي ... وهيهات كل في الديانات تابع ... أباه كان الحق في الأب والجد ... كذلك أصحاب الكتاب تتابعوا ... على ملة الآباء قرداً على قرد ... وهذا اغتراب الدين فاصبر فإنني ... غريب وأصحابي كثير بلا عد ... إذا ما رأوني عظموني وإن اغب ... فكم أكلوا لحمي وكم مزقوا جلدي

стр. 54

رد قول الخصم أن الشيخ أخذ علمه من كتب ابن تيمية: وأما قولكم: (بل طالع بعضاً من مؤلفات أبي العباس بن تيمية ومؤلفات تلميذه ابن القيم وقلدها من غير إتقان مع أنهما يحرّمان التقليد ليأخذ العلم من غير تسديد) . معناه أن هذا الرجل لم يقرأ على أحد من العلماء يدله على أمره ويساعد على قصده بل اكتفى عن ذلك بمطالعة بعض الكتب التي ألفها شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية وتلميذه أبو عبد الله ابن القيم فقلدهما فيما قالاه في كتبهما وهما لا يجوّزان التقليد فأخذ العلم من المؤلفات بلا تسديد، فنقول لا يلزم من مطالعة كتب الثقات وإمعان النظر فيها وفي دلائل ما تضمنته وفهم معاني ما حكته عدم أخذ العلم عن أهله وممارسته وتكرار درسه ولا تنافيه، بل أخذ العلم بحثاً وتقريراً عن العلماء الثقات عند الخاص والعام والجهابذة الأعلام هو الحامل عليها، وهو الدال إليها، وفراسته وفهمه فيها هما الحاملان عليها، وفهمه في كل فن هو الحامل على تخصيص أمره في نصحه وإيجاد قصده القائم في ذهنه، وهو المقتضي لأمره ونهيه. ودليل ذلك اعتناؤه بكتب الثقات من أولي العلم، والرجوع إلى الآيات البينات والأحاديث الصحيحة عند اختلاف الفهم، أخذاً من كلام الأئمة النقاد وما صححوه مما اتفقوا عليه أو اختلفوا فيه، لا مدعي الاجتهاد، وليس هو يدعو الناس إلى الاتفاق في مسائل الفروع التي قد وقع الاختلاف فيها، وإنما يدعوهم إلى العمل بما هو مطلوب منهم اتفاقاً مما لا تقليد فيه، وترك ما نهوا عنه كذلك والرجوع إلى الكتاب والرسول والإجماع ليس بتقليد لقيام الحجة في ذلك، إذ وجود الباري تعالى وتقدَّس وتوحيدهُ وإخلاص العبادة له والإيمان برسالة محمد ﷺ وبما جاء به لا تقليد فيه فتجب معرفة وجود ذات الله بصفاتِ الكمال شرعاً بالنظر في الوجود والموجود على كل مكلف قادر وهي أول واجب له تعالى وتقدس، وكذلك وحدانيته وألوهيته فيستدل عليهما بمخلوقاته ومصنوعاته. قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ فمعرفة ذلك ليست ضرورية بل نظرية، بخلاف علمه بجميع مخلوقاته فليس هو بضروري ولا نظري ولا كسبي ولا استدلالي بل هو قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها.

стр. 55

تعريف التقليد: قال الأصوليون: التقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطاً به. واصطلاحاً: أخذ قول الغير من غير حجة. والرجوع إلى الرسول وإلى الإجماع ليس بتقليد لقيام الحجة. ثم قالوا: وهل يصح إيمان المقلد، على قولين للعلماء، فعن الأشعري لا يصح ومن قال يصح يوجب عليه الاستدلال بالنظر والرجوع إلى الدلائل الظاهرة والآيات الباهرة، ثم أن من قام في ذهنه دلائل قصده ومطلوبه فأراد إقامتها على ما ادعاه من كتاب الله وسنة رسوله وكلام الأئمة الأعلام فباحث وناقش ودل واستدل فتوافق هو وغيره في الدليل والاستدلال والعقيدة فيما هو مطلوب لا محال لا يلزم من ذلك التقليد لذلك الغير بل ولا يؤديه معناه لوجهين: أحدهما: أن كثيراً ما يوافق مجتهد مجتهداً، وليس هو مقلداً له فيما قاله وإنما هو موافق له فيه، فالواقع إنما هو اتفاقهما في الحكم والدليل، لا تقليد أحدهما الآخر فيه. وهذا مشاهد في كلام الأئمة وتوافقهم في المسائل الاجتهادية، وقد وافق الإمام الشافعي الإمام زيد بن ثابت ﵄ مع أن الشافعي ليس مقلداً لزيد. الثاني: أن تعريف التقليد هو أخذ قول الغير والعمل به من غير حجة للمقلد، وإنما هو اعتماد على قول مقلده وقصر على منطوقه ومفهومه بلا نظر في دليله من ضعفه أو ترجيحه قاله الأصوليون. وقالوا يلزمه أن يقلد في مسائل الفروع الأرجح الفاضل عنده فيجتهد في ذلك على الأصح. وأما توحيد الباري تعالى وتقدس في معاملته وإخلاص عبادته فلا تقليد فيه البتة، وإنما يقتدي اللاحق بالسابق فيه، والإقتداء ليس بتقليد، فكما أن شيخ الإسلام تقي الدين قد استدل في وقته بالكتاب والسنة وبكلام صالح سلف الأمة على التوحيد الذي هو وظيفة العبيد، وعلى الشرك ومعناه الذي هو ضد التوحيد، وحرمه الله وأوهنه وعلق على وجوده عدم المغفرة فعودي وأوذي كذلك هذا الرجل لما قام يأمر أهل وقته بإخلاص التوحيد لله وحده فلا يجعل حقه تعالى لغيره، أو معه ومع غيره، وميّز لهم التوحيد من ضده، وأقام عليه الدلائل والبراهين من الكتاب والسنة، وكلام صالح صلف الأمة، من غير تقليد لأحد فيه، إن كان ولا بد

стр. 56

فهو نقل كلام لإمام مجتهد حجة على من قلده ليعلم ذلك المقلد أنه قد خالف مقلده فيما قاله واعتقده، نسبوه إلى تقليد الشيخ تقي الدين في التوحيد، ولعل كلامه وافق كلام شيخ الإسلام تقي الدين في شيء من ذلك حتى في استدلالاته فليس هو تقليداً له ولا أخذاً منه. والشيخ تقي الدين وتلميذه رحمهما الله تعالى بل وغيرهما إنما يحرمون التقليد في توحيد الله ورسالة النبي ﷺ وما علم كونه من الدين ضرورة كأركان الإسلام، ويدعيان الإجماع على ذلك وعبارتهما: (التقليد السائغ في المسائل المستفتى فيها وهي الاجتهادية) وأما العقلية كوجود الباري تعالى وتوحيده والرسالة فلا تقليد فيها، وكذا ما علم كونه من الدين ضرورة كأركان الإسلام إجماعاً. وقال الشيخ تقي الدين في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: (أما مسائل الفروع التي يسوغ الاجتهاد فيها والتقليد، لا ريب أن المجتهد فيها على أجر فان أصاب فله أجران وان أخطأ فله أجر وكذا المقلد له أجر على حسن قصده وعمله، وإنما انكارهما شديد على من أوجب إتباع طريقة شيخ من مشايخ الدين والصلاح كالشيخ عبد القادر، والشيخ حيوه وأمثالهما. وكذلك من أوجب اتباع إمام معين من أئمة العلم والدين وألزم الناس الاقتصار عليه في كل ما قاله أو أمر به ونهى عنه، وعلى من عادى ووالى في هذه المذاهب أو عليها كالأئمة الأربعة لما فيه من الترجيح، قال ولكن طاعة الرسول إنما تمكن مع العلم بما جاء به والقدرة على العمل به، فإذا ضعف العمل والقدرة صار الوقت وقت فترة في ذلك الأمر، وان كان وقت دعوة ونبوة في غيره" وقال أيضاً في رسالته السنية: "وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر لله به ولا رسوله مثل أن يقال للرجل أنت شكيلي أو قرقندي أو نقشبندي، فان هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأمة لا شكيلي ولا قرقندي ولا نقشبندي، والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول لا أنا شكيلي ولا قرقندي ولا نقشبندي بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله. وقد روينا أن معاوية بن أبي سفيان سأل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال أنت على ملة علي أو على ملة عثمان فقال لست على ملة علي ولا ملة عثمان بل أنا على ملة رسول الله ﷺ . وكذلك كان كثير من السلف يقولون كل هذه الأهواء في النار، ويقول أحدهم ما أبالي أي النعمتين أعظم على أن هداني الله

стр. 57

للإسلام وان جنبني هذه الأهواء، والله تعالى قد سمانا في القرآن المسلمين المؤمنين عباد الله، ولا يعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم وسموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، بل الأسماء التي يسوغ، لتسمى بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي أو انتسابهم إلى شيخ كالقادري والعدي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني أو إلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري، لا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها. ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها بل أكرم الحلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان وأولياء الله الذين هم أولياؤه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وقد أخبر سبحانه أن أولياءه هم المؤمنون المتقون وقد بين المتقين في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ والتقوى هي فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه" انتهى. وأما التقليد في أصل الدين من التوحيد فقد أغنى الشارع ﷺ بالتفصيل وبين الحق وسواء السبيل. ونص على ما يعصم من المهالك نصاً قاطعاً للعذر. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُم﴾ الآية والتي بعدها وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ وقال أبو ذر ﵁: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا فيه علماً" وفي صحيح مسلم أن بعض المشركين قالوا لسلمان لقد علمكم رسولكم كل شيء حتى الخراء قال أجل. وقال

стр. 58

صلى الله عليه وسلم: "لقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وقال: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ولا من شيء يقربكم من النار إلا وقد حدثتكم به" وقال: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه خيراً لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه شراً لهم". وهذا يعلم تفاصيله بالبحث والنظر والتتبع والاستقراء والطلب لعلم هذه المسائل في الكتاب والسنة وكلام صالح سلف الأمة، فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص القاطعة للعذر في ذلك ما فيه غاية الهدى والبيان والشفاء وذلك يكون بشيئين: أحدهما: معرفة معاني الكتاب والسنة. والثاني: معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها المختلفون، حتى يحسن أن يطيق التمييز بين معاني التنزيل ومعاني أهل الحوض في أصول الدين، فحينئذ يبين له أن الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ فكل العبارات من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل. كان السلف والأئمة ينهون عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات لأن في إثباتها إثبات حق وباطل وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمتنع من كلا الاطلاقين تقليداً وغيره وليس ذلك لحلو النقيضين عن الحق ولا قصوراً أو تقصيراً في بيانه، وإنما هو لقطع المادة بخلاف النصوص الإلهية. فإن فيها

стр. 59

فرقين، فرق الله بهما بين الحق والباطل ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب إتباعه فيثبتون ما اثبت الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المجملة المحدثة المتشابهة ممنوعاً من إطلاقها نفياً واثباتاً لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا بين المعنى اثبت حقه ونفى باطله، بخلاف كلام الله ورسوله فإنه حق يجب قبوله وإن لم يفهم معناه. وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه. وأما المختلفون في الكتاب والمخالفون له فتجعل كل طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته إماماً لها تتبعه، أو المحلات المتشابهات من الكتاب والسنة التي لا يجوز إتباعها بل يجب ردها إلى المحكم. ويتعين حملها عليه، فهم يتبعونها ابتغاء الفتنة ويحملونها على ما يوافق أصلهم الذي ابتدعوه وهذان الصنفان يشبهان ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة على ما أصله من البدع الباطلة وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن فلم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه باللسان، ومتناول لمن كتب كتاباً بيده مخالفاً لكتاب الله ليتناول به رياسَة أو جاهاً أو ديناً وقال هذا هو الشرع والدين، كما لو قال هذا من عند الله وهذا هو معنى الكتاب والسنة، وهذا قول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من معنى الكتاب والسنة لئلا يحتج به مخالفة في الحق الذي يقوله وهذه الأمور كثير جداً في كلام أهل الأهواء جملة كالرافضة والجهمية وأهل الاعتقادات الفاسدة والبدع المضلة نسأل الله العفو والعافية. وأما قولكم (فاحتاج إلى تمييز الخطأ عن الصواب والقشر عن اللباب وبيان ما عليه الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة كي يظهر الحق لقليل البضاعة) . هذا

стр. 60

مفرع على قوله وأخذ العلم من غير تسديد معناه أن هذا الرجل لما لم يأخذ العلم عن تسديد اعتاز إلى تمييز الخطأ الذي هو ضد الصواب، عن الصواب الذي هو مطابق للحق، أي اعتاز إلى من يميز له ذلك ويفرق له بينهما ويميز له أيضاً بين ما التبس عليه من القشر الذي هو الظرف الساتر عن اللباب الذي قد ستره القشر فهو مظروف فيه استعار لفظ القشر واللباب للتشبيه والتكنية من عدم تمييز معاني المسائل التي يفصل بعضها عن بعض في اللفظ والمعنى لأخذه العلم من غير تسديد، وإلى من يميز له بيان ما عليه من الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة، من ضدهم وهم من ترك السنة وفارق الجماعة. والعلة في اعتيازه التمييز بين هذه الأشياء المذكورة ظهور الحق بلا التباس بضده لقليل البضاعة من المعرفة بمعاني مسائل العلم قبل ظهور الحق له بالتمييز المذكور. فنقول يكفي في تمييزه ومعرفته وإدراكه في قصده ومرامه ما قد شاع عنه وذاع وتقطعت به الأسماع من أنه يدعو الناس إلى سبيل النجاة والفوز الأبدي وهو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى عباده أن يسألوه إياه في كل صلاة والدليل على ذلك أنه لا أحد كائناً من كان يفعل خصلة يحبها الله ويكرهها أهل الفساد والعناد إلا ونسب ذلك الفعل والفاعل إليه فقيل له وعنه وهابي أو عارضي أو شرقي، وهذا كقول كفار قريش لمن تبع ما جاء من عند الله أنه صابىء وإن كان ذلك الفاعل في نفس الأمر عدواً ظاهراً وباطناً نسبوه إليه بفعله فلو لم يكن فيه من السمة والعلامة على فضله ومعرفته وتمييزه وهديه إلا ذلك لكفى. شهد العدو بفضلها ... والفضل ما شهدت به الأعداء فبذلك يستدل على فضله المستدلون، ويهتدي بما دعا إليه المهتدون، ويرجع إلى إتباع الحق المبعدون، ويكف عن خوضهم في طغيانهم الخائضون، فإن من رزق التوفيق تأمل بعين انصافه ما قاله هذا الرجل ودعا الناس إليه من الإخلاص لملك الناس، فميز بينه وبين ما اعتقده أصحاب العقائد الفاسدة والبضايع من الدين الكاسدة الآمرين بالباطل، والقائمين عليه لم والناهين عن سبيل الحق وما يوصل إليه، وهم المجوزون لمن شاء

стр. 61

أن يتخذ معتقداً من الحلق ويدعوه ويرجوه عند الشدائد ويتوكل عليه عند أي شدة كانت يعتقد فيه لذلك نائياً كان معتقده أو قول أو ومن يزعم أنه ذو تنسك وعلم، قال ان معناه وسيلة وهي جائزة مطلوبة وهذا منها. فهم أمروا بذلك وجوزوا الشرك. ومن نهى عنه وتبرأ منه وعاداه وأهله خرجوه وبدعوه وقاتلوه زيادة على جنس المنكر الشامل لأنواعه في بلد الله الحرام الذي قال الله فيه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وغيره مما اكتسبوه وأقروه ففرق حينئذ بين الباطل والحق، فلم يرض من نفسه إلا اتباع الحق قولاً وعملاً واعتقاداً. ودحض ضده كذلك، لا سيما ان انضاف إلى ذلك تأمل أحوال هؤلاء المشركين وما هم عليه من عدم الرضا إلا باعتقادهم في معتقداتهم. وتأمل معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فإن هؤلاء المعتقدين إذا قيل لهم توبوا وارجعوا إلى الله وادعوه واستعينوا به وحده واستغفروه نظروا إلى القائل بعين العداوة نظر المغشي عليه من الموت اشمئزازاً لقوله وكراهة، وزعموا أنه قد سب الأولياء وأنكر كراماتهم، فإن لم يذكر لهم شيئاً من ذلك ولم ينكر عليهم بل أثنى عليهم وعلى عقيدتهم وان ما اعتقدوه في معتقدهم حق ولعله عدو لله ظاهر الفسق استبشروا وسروا واتخذوه صديقاً لهم. والإيمان باليوم الآخر لا يعصم إلا بوجود التوحيد الذي أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب لتكليفه على العبيد، وقد صحح الله به عقائد كثيرة حتى من أعدائه ولله الحمد، فهم مع شدة العداوة له لعهدهم الأول إما تقليداً وجهلاً أو تكبراً أو تجبراً عن الحق الذي قال ودعا إليه قد اكتسبوا منه وأخذوا عنه ولكن يسبونه ودينه وما أمر به عناداً وبغياً وحسداً كما حل بالأسلاف الذين مضوا قبله، وذلك كله دليل على فضله وعلمه، وأنه قد ميز بين الخطأ والصواب، وما زاد، وفرق القشر عن اللباب لتفرقته بين ما أمر الله به العباد وأرسل به الرسل وأنزل به الكتب ومعناه وكيفيته، وبين ما نهاهم عنه وعلق على وجوده عدم المغفرة مع أنه كتب على نفسه الرحمة وبين ما غفر أنه تحت مشيئته تعالى ومعنى كل منها. ثم انه دعا الناس إلى الحق وأسر وقال مفرقاً بين ما عليه الفرقة الناجية ووضحهم بسيماهم وميزهم عن ضدهم فبينهم بعلاماتهم. وإنما الذي

стр. 62

لم يميز بين معنى قوله وما في تسطيره فهو الناقض لحكم الله ورسوله قولاً واعتقاداً مستدلاً على ذلك بما يخالفه منطوقه ومفهومه، لكن ضاقت عليه مدارج الإدراك والشعور فعدل إلى مجرد الادعاء بلا نور، كما قيل الأقرع يفتخر بحمد وابن عمه وابن الحمقاء يذكر حالته إذا عيب بامه. وأما قولكم (وتفريعكم في مقدمتكم التي قال فيها قائلكم فأقول وبالله التوفيق وبيده أزمة التحقيق أجمعت الفرقة الناجية المستثناة الذين قال النبي ﷺ فيهم: "هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي " وهم الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة والجماعة على حدوث العالم ووجود الباري وأنه لا خالق سواه) . فنقول معنى التوفيق تسهيل سبيل الخير والطاعة ضد الخذلان لأنه حصول الشر والمعصية وأزمة الشيء ما يقوم بها وينتهي إليها والتحقيق هو المعنى المطابق للحق وهو اسم مصدر حقق والواو في قوله بالله والحال وهذا إقرار القائل بلسانه فإن صح اعتقاده حصلت الموافقة لقوله فيما أقر به وإلا فهو مجرد لفظ.

стр. 63

تعريف الإجماع: والإجماع لغة يطلق على معنيين: أحدهما: العزم كقوله ﴿فأجمعوا أمركم﴾ أي إعزموا ومنه لا صيام لمن لا يجمع الصيام من الليل. وثانيهما: الاتفاق وحقيقة أجمع صار ذا جمع كألبن وأثمر. وفي الاصطلاح: اتفاق خاص وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ في عصر على أمر، فلا يعتبر موافقة المقلد ومخالفته والمراد بقولنا في عصر في زمان ما قل أو كثر وقولنا على أمر يتناول الديني والدنيوي، ثم أنه قد اختلف في أنه هل يشترط في الإجماع وانعقاده حجة انقراض عصر المجمعين، فمن اشترط ذلك لا يكفي عنده الاتفاق في

стр. 64

عصر بل يجب استمرار ما بقي من المجمعين واحد، فيزيد في الحد إلى انقراض العصر ليخرج اتفاقهم إذا رجع بعضهم فإنه ليس بالإجماع المقصود وهو ما يكون حجة شرعاً، وأيضاً قد اختلف الأصوليون في أنه هل يجوز حصول الإجماع بعد خلاف مستقر من حي أو ميت أم لا؟ فإن جاز فهل ينعقد أم لا؟ قال يجوز أو قال يجوز وينعقد فلا يحتاج إلى إخراجه عن الحد، ومن يرى أنه لا يجوز ولا ينعقد فلا بد أن يخرجه عن الحد بأن يزيد فيه ولم يستقر خلاف مجتهد. وقال الغزالي هو اتفاق أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور الدينية مستدلاً بقوله ﷺ : " لا تجتمع أمتي على ضلالة" وبقوله: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة" وبقوله: "يد الله على الجماعة من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" واستدل الإمام الشافعي على حجية الإجماع بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بضمه إلى مشاقة الرسول التي هي كفر فيحرم إذ لا يضم مباح إلى حرام في الوعيد، وإذا حرم إتباع غير سبيلهم فيجب إتباع سبيلهم إذ لا مخرج عن طاعة الرسول واتباع سبيل المؤمنين، وهذا أصل كلي خال من معارض ظني إذ متابعة الرسول شاملة لنصرته في حياته أو شريعته بعده، ولما به صاروا مؤمنين وهو التوحيد والإيمان به لا مخصوصة بما لا يخرج عن شريعته.

стр. 65

رجوع إسماعيل بن اسحق الأشعري عن معتقداته: وقولكم (الفرقة الناجية المستثناة الذين قال النبي ﷺ فيهم: "هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي" وهم الأشاعرة) وهذا غلط ظاهر لوجوه: منها: أن هؤلاء المنتسبين إلى عقيدة الأشعري لم يرجعوا عنها كما رجع عنها وتاب وأقلع منها فإنه اسمه علي بن إسماعيل بن اسحق الأشعري من ذرية أبي موسى الأشعري ﵁، كنيته أبو الحسن ولد بالبصرة سنة سبعين وقيل ستين ومائتين وتوفي ببغداد ودفن بها سنة أربع وعشرين وثلاثمائة كما قال ابن الصلاح، وكان من تلامذة المعتزلة كأبي علي الجبائي، ومال إلى طريقة ابن كلاب وأخذ عن زكريا الساجي أصول

стр. 66

الحديث بالبصرة، ثم انه رجع إلى بغداد فتاب من عقيدته وانتسب إلى الإمام أحمد وغيره من السلف وانتصر لطريقة أحمد كما ذكر ذلك الأشعري في كتبه التي صنفها ومنها كتابه الإبانة الذي سماه في أصول الديانة، وكتابه الذي صنفه في اختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين، وكما قاله أبو اسحق الشيرازي إنما حل الأشعري في قلوب الناس لانتسابه إلى الحنابلة، وكان أئمة الحنبلية المتقدمين كأبي بكر عبد العزيز وأبي الحسين التميمي ونحوهما يذكرون كلام الأشعري ورجوعه وتوبته في كتبهم وتفقه على أبي اسحق المروزي الحنبلي وأخذ عن حنبيلة بغداد أموراً من العقائد وسائر العلوم الشرعية، وكان ذلك آخر أمره كما ذكره هو أصحابه في كتبهم. ومن أجل أصحابه القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلافي المتكلم فهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس في مثله لا قبله ولا بعده وقد تاب عن عقيدته وما يقول أهل الكلام ورجع إلى سلف الأمة وخيارها، ذكره ابن الصلاح والشيخ تقي الدين وغيرهما فالمنتسبون إليه لم رجعوا كما رجع، بل خاضوا في علم الكلام حتى زعموا أن النصوص عارضها من معقولاتهم ما يجب تقديمه وهم حيارى في أصول مسائل التوحيد. ولهذا كثير منهم لما لم يتبين له الهدى نكص على عقبيه فاشتغل باتباع شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته وماله ونحو ذلك لعدم العلم واليقين بما كان عليه السلف الصالح، وفي الحديث المأثور: "إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومعضلات الغث في قلوبكم" وهؤلاء المعرضون عن الطريقة النبوية يجتمع فيهم هذا وهذا. فهم بخلاف الفرقة المستثناة. (ومنها) أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة من قياس فاسد، أو قضية كلية لا تصح إلا جزئية أو دعوى اجماع لا حقيقة له والتمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة (وإذا كان فحول النظر) وشياطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى الغاية وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات ثم لم يصلوا فيها إلا إلى حيرة وارتياب، وأما إلى الاختلاف بين الأحزاب، فكيف غيرهم المقلدون لهم ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه، أم كيف يكون هؤلاء المقلدون للمتكلمين الذين قد كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية أقدامهم بما انتهى

стр. 67

إليه من مرامهم حيث يقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرقي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كفى حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم وهو الفخر الرازي: نهاية اقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقال من الذين أثنى الله عليهم في كتابه وممن استثناهم النبي ﷺ في جملة اتباعه وأحبابه لأن هؤلاء داخلون في عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فهم ورثة الأنبياء وخلفاء الرشدين وأعلام الهدى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، قد وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر اتباع الأنبياء، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق ما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة، بعكس من نبذ الكتاب رراءه واستدل بقول الأخطل، فإن من تأمل عقيدة المتكلم والمقلد له تأملاً يميز به بين الضدين ويفرق فيه بين الجنسين. علم يقيناً أن من أعرض عن الكتاب لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو مركب. فالأول ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ والثاني ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ فأهل البسيط أهل الحيرة. وأهل المركب أرباب الاعتقادات الباطلة التي يزعمونها عقليات.

стр. 68

(ومنها) أن الإمام الشافعي ﵁ تكلم على أهل الكلام ومن قلدهم فقال ﵀: (حكمي فيهم أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام والعقل فإنهم أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء وأعطوا فهوماً وما أعطوا علوماً أعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. ومن كان عليماً بذلك ظفر له من الفرقة المستثناة كيف كان حذقهم وفضلهم وعلمهم وان من لم يقتصر على ما جاء عن الله ورسوله لم يزدد من الله إلا بعداً فنسأل الله العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم) .

стр. 69

تعريف السلف (وإذا عرف ذلك فنقول معرفين السلف) وهم النبي ﷺ وأصحابه وأفضل الأصحاب الحلفاء الراشدون الذين قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (ومنهم أيضاً الأئمة المجتهدون) الذين يقولون الحق وبه كانوا يعدلون. ثم من تبعهم بإحسان وقفى أثرهم عاملاً بطريقتهم إلى آخر الزمان، لم يغير ولم يبدل ما كانوا يقولون ويعتقدون. وهؤلاء هم الذين نص عليهم النبي ﷺ في قوله: " ما أنا عليه اليوم وأصحابي" كثير من المبتدعة الضالين يفضلون طريقة غيرهم ظانين أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ وإن طريقة غيرهم هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أوجب قول طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، فإنه لا يجوز أن يكون الخالفون أعلم من السالفين. فلم يعرف قدر السلف من هذا وصفه، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين حقيقة المعرفة المأمور بها، لأن هؤلاء المحجوبين المنقوصين المسبوقين الحيارى لم يكونوا أعلم بالله

стр. 70

وأسمائه وصفاته وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء الذين وهبهم الله علم الكتاب وحكمته، وأحاطوا من حقائق معارفه وبواطن حقائقه ما عجز أولئك عن فهم معانيه وإدراكه. ثم كيف يكون خير قرون الأمة انقص في العلم والحكمة لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم. أم كيف يكون المتفلسفة واتباعهم واليونانيون وورثة المجوس والمشركين وضلال الصابئين واشباههم واشكالهم أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان، وقد استولى الضلال والتهوك على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمداً من البينات والهدى وتركهم البحث عن طريق السابقين، والتماسهم علم معرفة الله تعالى بصفات الكمال ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه وبشهادة الأمة عليه، وبدلالات كثيرة منها أنهم ينزهون وهم يكذبون. وهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة غيرهم، وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي أشركوا فيها إخوانهم من المتفلسفين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسمونها طريقة السلف، وبين صرف اللفظ لمعان بنوع تكلف وهي التي يسمونها طريقة غيرهم. فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل وإنكار السمع، فان النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه فلما انبنى أمرهم على هاتين القاعدتين كانت السجية استهمال السابقين الأولين واستبلاههم واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي. وإن غيرهم هم الفضلاء فقد حازوا قصب السبق في هذا كله. ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بل في غاية الضلال. فهذا كتاب الله من أوّله إلى آخره وسنة رسوله ﷺ من أوّلها إلى آخرها، ثم كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة ان من اتبع غير سبيل

стр. 71

المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً، فليس أهل السنة والجماعة إلا السلف الصالح وذوو العقل الراجح والواقفون عند النص من كتاب الله وسنة رسوله، مستغنين بهما عن كل هاجس وقول مخالف للكتاب والسنة مما هو عارض تائح، فهم بحبل الله معتصمون وبكلام رسوله آخذون وعليه واقفون وبالعروة الوثقى مستمسكون. والدليل على ذلك أنهم في باب أسماء الله وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسمائه وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى شبهوه بالمعدوم وبالأموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوق. فتؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل وتكييف. وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدر الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه كل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عملا فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ فتؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله على كل شيء قدير فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن انفاذ أمره، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات، ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار ولا يسمونه مجبوراً إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختاراً بما يفعله، فهو مختار مريد والله خالقه وخالق اختياره وهذا ليس لله نظير فان الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ وبين المرجئة الذين يقولون إيمان الفاسق مثل إيمان الأنبياء. والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان. ويكذبون بالعقاب بالكلية. فتؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الأيمان وأصله وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان، وان النبي ﷺ ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وهم أيضاً في أصحاب رسول الله

стр. 72

صلى الله عليه وسلم وسط بين الغالية الذين يغلون في علي ﵁ فيفضلونه على أبي بكر وعمر ﵄، أو يعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ﵃ ظلموا وفسقوا وكفروا، والأمة بعدهم كذلك وإنما جعلوه نبياً وإلهاً. وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان ويستحلون دمهما ودماء من تولاهما أو يستحلون سب علي وعثمان ونحوهما، أو يقدحون في خلافة علي وإمامته، وكذلك في سائر أبواب السنة، هم وسط لأنهم مستمسكون بكتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

стр. 73

حدوث العالم وأنه لا خالق سوى الله: (وقولكم على حدوث العالم ووجود الباري وأنه لا خالق سواه) . فنحن نقول كل ما سوى الله وصفاته حادث. والله سبحانه هو الذي أوجده وخلقه وابتدأه من العدم، لم يخلق ذلك عبثاً ولا لعباً، بل بالحق والحكمة التي لو لم يكن منها إلا ليعرف بسائر صفات الكمال فيعبد وحده لا يشرك به، ويكون الدين كله بأنواعه له مختص بجلاله كما أن الأمر كله له تعالى فلا خالق لجسم ولا جوهر ولا عرض ولا شيء إلا هو تعالى، وجميع أفعال العباد كسب لهم، وهي مخلوقة لله خيرها وشرها حسنها وقبيحها، فالله خالق لا مكتسب. والعبد مكتسب لا خالق، وخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دال على وحدانية الصانع فهو المتفرد بالألوهية، كما أنه متفرد بالربوبية فهو الخالق لجميع العوالم كلها، وبه قامت الحوادث كلها، إذ هو القادر على أن يمسك العالم كله في قبضته، كما جاءت به الآثار الإلهية، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس ما يوافق مضمون هذه الآية، وان الله تعالى يقبض العالم العلوي والسفلي ويمسكه ويهزه ويقول أنا الملك أين ملوك الأرض. وفي بعض الآثار: "ويدحوها

стр. 74

كما يدحو أحدكم الكرة" وقال ابن عباس: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) وهو تعالى لا خالق سواه. وهذا مما أجمع عليه أهل الملل كلها فلم ينكر أحد أنه خالق لجميع المخلوقات، إلا أنه قد جرى للمعتزلة كلام في خلق الإنسان أفعاله نفسه وخلافهم غير معتد به بعد قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ فان العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله. لأنه تعالى طعن في ألوهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئاً. فهذا يقتضي أن كل ما كان خالقاً كان إلهاً، فلو كان العبد خالقاً لأفعال نفسه لكان إلهاً، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه. ومن الدليل على علم ذلك عند كل أحد، تقرير الله الخلق وإقرارهم بأن الله هو الخالق وحده. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ولذلك قرعهم سبحانه بالاستفهام الإنكاري في قوله : ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لكن لما كان بعضهم منكراً للمعاد الجسماني أمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ثم انه جرى كلام هل الخلق غير المخلوق أو هو هو، والجمهور يقولون الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، إذ الخلق مصدر، والمخلوق هو المفعول، والمصدر مغاير للمفعول لا نفسه. وهذا قول جماهير الصوفية وأهل الحديث بل كلهم، ولأصحاب مالك والشافعي وأحمد في ذلك قولان والذي عليه أئمتهم ان الخلق غير المخلوق وهو أيضاً قول أكثر أهل الكلام وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة. (وأما قولكم وأنه قديم متصف بالعلم والقدره وسائر صفات الكمال والجلال منزه عن سمات النقص) . فنقول إنه تعالى قديم أزلي، فإن كل أزلي قديم ولا عكس، فهو الأوّل ولا بداية، والآخر ولا نهاية، لم يزل ولا يزال سبحانه متصفاً بصفاته العليا وأسمائه الحسنى، فهو إله واحد لا شريك له في عبادته فلا يتجزأ في ذاته. أحد لا من عدم، فرد صمد لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ولا معين له في خلقه، ولا مثل

стр. 75

له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، حي موجود لم يزل ولا يزال. ومتصف سبحانه بالعلم. فهو تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه تعالى بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها. ليس بضروري ولا كسبي، ولا نظري، ولا استدلالي، ومتصف بالقدرة، فهو على كل شيء قدير، وقدرته واحدة وجودية قديمة باقية ذاتية متعلقة بكل ممكن، فلم يوجد شيء إلا بها لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع. وقد خلق المخلوقات فوجدت بالفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى. والقدرة على خلق المخلوق هي القدرة على الفعل. قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ وقوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الأفعال المتناولة للمفعولات، وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق، لأن نفس خلقه السموات والأرض غير السموات والأرض، ومتصف سبحانه بسائر صفات الكمال والجلال فهو تعالى مريد إرادة واحدة ذاتية قديمة باقية متعلقة بكل ممكن. وهو تعالى حي بحياة واحدة وجودية قديمة ذاتية. وهو تعالى سميع وبصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين متعلقين بكل مسموع ومبصر. وهو تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف يسمعه منه أهل الجنة في الجنة إذا دخلوها. والمراد بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ من جهة النزول لأنهم لم يسمعوه قبل إنزاله قط ولا يشبه كلام المخلوقين، أو المراد بالذكر المحدث تذكير النبي ﷺ ، فإنه لم يذاكرهم قبل أن ينبأ، ونسبته إلى الله تعالى لأن المذاكرة من النبي ﷺ لهم كانت بأمره تعالى، ومنزه تعالى عن سمات أي علامات النقص، فهو تعالى لا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه. فمن اعتقد أو قال أن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه تعالى بائن من خلقه مستو على عرشه من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، فالله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو تعالى كما كان قبل خلق المكان، ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس، ولا مدخل في ذاته وصفاته وأفعاله للقياس، لم يتخذ صاحبة ولا والداً، فهو الغني عن كل شيء، ولا يستغني عنه شيء، ولا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، فمن شبهه
следующие страницы →