وفيه أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به، ويكون في الباطن بخلاف ذلك، لكن مثل ذلك لو وقع، لم يقَرَّ عليه ﷺ لثبوت عصمته" (١) .
(٢) حديث عمر أنه قال:" يا رسول الله، صنعتُ اليوم أمرا عظيما، قبَّلتُ وأنا صائم، فقال له رسول الله ﷺ : " أرأيتَ لو تمضمضت بماء وأنت صائم "؟ فقلت: لا بأس بذلك. فقال له رسول الله ﷺ : " فصُمْ " (٢) . ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ شبَّه القبلة بالمضمضة في أن كلا منهما مقدِّمة للفطر ولا يفطران، فكما أن المضمضة وسيلة للشرب وليست شربا، فكذلك القبلة وسيلة للوطء وليست وطئا، والوطءُ والشرب هما المفطران لا مقدماتهما. فهذا قياس من النبي ﷺ للقبلة على المضمضة، وهو دليل على أن النبي ﷺ كان يجتهد ويقيس، فلو كان عنده نص في المسألة لما جاز له القياس، لأنه لا معنى له مع وجود النص، فثبت المطلوب.
(٣) حديث ابن عباس في خطبة النبي ﷺ يوم فتح مكة قال: "حرم الله مكة، فلم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلَى خلاها ولا يعضد شجرها، ولا ينفَّر صيدها، ولا تُلتقط لقطتها إلا لمعرِّف " فقال العباس- ﵁ – إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا، فقال " إلا الإذخر " (٣) .
стр. 37
ووجه الدلالة من الحديث أن العباس لما بين للنبي مصلحة الإذخر استثناه، فلو كان وحيا ما تأخر استثناؤه، ولساقه مع ما قبله مساقا واحدا، فلما استثناه بعدَ ما روجع فيه، دل ذلك على اجتهاده فيه لمصلحته الراجحة.
قال الحافظ:" واختلفوا هل كان قوله ﷺ : " إلا الإذخر" باجتهاد أو وحي؟ وقيل: كان الله فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقا. وقيل: أُوحي إليه قبل ذلك أنه إن طَلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله.
وقال الطبري: " ساغ للعباس أن يستثني الإذخر، لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريمَ القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر ". وهذا مبني على أن الرسول كان له أن يجتهد في الأحكام، وليس ما قاله بلازم، بل في تقريره ﷺ للعباس على ذلك، دليل على جواز تخصيص العام......
قال ابن المنير: " والحق أن سؤال العباس، كان على معنى الضراعة، وترخيصَ النبي ﷺ كان تبليغاً عن الله، إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمَدٍ متسع فقد وهم " (١) .
(٤) حديث أم سلمة قالت: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست، ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : " إني إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل علي
стр. 38
فيه، فمن قضيت له لقضية أراها فقطَع بها قطعة ظلما، فإنما يقطع بها قطعة من نار " (١) . ووجه الدلالة من الحديث، نصه ﷺ على أنه يقضي باجتهاده فيما لم ينزل عليه فيه وحي، وهو المطلوب.
(٥) حديث جابر في أمره ﷺ أصحابه الذين ليس معهم هدي في حجة الوداع أن يتمتعوا.
وفيه قوله: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي" (٢) .
ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ ساق الهدي باجتهاده وأحرم مقرنا، فتبين له بعد ذلك أن الإحرام بالتمتع أفضل، فأمر به أصحابه، وتمنى لو كان محرما بعمرة. فلو كان إحرامه بوحي لمَاَ استقام قوله: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت " ولَمَا ندم على ما فعل، ولمَاَ تمنى عمرة بدل حج وعمرة مقترنين.
(٦) عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، شاطِرْنا (٣) تمْر المدينة، وإلا ملأناها عليك خيلا ورجالا، فقال: حتى أستأمَر السُّعُود، فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود، فقال: قد علمْتُ
стр. 39
أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وأن الحارث قد سألكم تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا.
فقالوا: يا رسول الله، أوحي من السماء - فالتسليم لأمرالله – أوعن رأيك وهواك؟ فرأينا تبع لهواك ورأيك، فإن كنتَ إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قِرى، لا واللهِ ما أَعْطَينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء بالإسلام، فقال رسول الله ﷺ :" هوذا، تسمعون ما يقولون؟ " قالوا: غدرت يا محمد ... الحديث (١) .
ووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ استشار أصحابه فيما سئل من مناصفة الكفار تمر المدينة، فلو كان أوحي إليه بشيء في ذلك، لمَاَ احتاج لاستشارتهم، ثم إن المستشارين من أصحابه استفسروه عما اقترح هل هو بوحي فيسلمون له، أو برأي، فرأيُه رأيهم. وذلك يدل على أنهم يفرقون بين ما كان وحيا -فيطيعونه فيه- واجتهادا فيبدون فيه اجتهادا آخر قد يخالف اجتهاده. وسؤالُهم ذلك يدل على أنه تقرر عندهم أنه ﵇ يجتهد، فلو لم يتقرر ذلك عندهم لما كان للسؤال فائدة.
(٧) عن رافع قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يأبُرون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا، فتركوه، فنفَضت (٢) أو فنقصت ـ قال: فذكروا ذلك له، فقال: " إنما
стр. 40
أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر".
وفي لفظ " طلحة بن عبيد الله:" إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ".
وفي لفظ عائشة: " لو لم تفعلوا لصلُح " قال: فخرج شِيصا (١) فمر بهم فقال: "مالنخلكم "؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال:" أنتم أعلم بأمر دنياكم" (٢) .
ووجه الدلالة من الحديث جلي، وهو نصٌّ في أنه ﷺ يجتهد ويخطئ في اجتهاده، لكنه ينبه على ذلك كما سبق.
قال الشاطبي: فإن الحديث إما وحي من الله صِرْف، وإما اجتهاد من الرسول ﵊ معتبرٌ بوحي صحيح من كتاب أو سنة. وعلى كلا التقديرين، لا يمكن فيه التناقضُ مع كتاب الله، لأنه ﵇، ما ينطق عن الهوى، وإذا فُرِّع على القول بجواز الخطأ في حقه فلا يقر عليه البتة، فلا بد من الرجوع إلى الصواب " (٣) .
وقال الشيرازي: "يجوز الخطأ على رسول الله ﷺ في اجتهاده إلا أنه لا يقر عليه، بل ينبه عليه (٤) .
стр. 41
ج - وأما الاعتبار، فقد استدلوا بأنه ﷺ ليس كغيره من المجتهدين فهو معصوم في اجتهاده، فلا يلزم منه ما يلزم في اجتهاد غيره من المحاذير، فافترقا.
ما سبب الخلاف في هذه المسألة؟
وسبب الخلاف في اجتهاده ﵇ من عدمه، هو أن كل فريق نزع إلى أصل وتمسك به، واعتبره أقوى من الأصل الذي يتمسك به مخالفُه.
فأما الفريق الذي نفى اجتهاد الأنبياء في النوازل والقضايا، فقد بنوا ذلك على أصل، وهو أن الاجتهاد الذي هو استعمال الرأي للوصول إلى حكم، إنما يكون حينما تعوز النصوص في الموضوع وتفقد، فهو إذن ضرورة يُلجَأ إليها، ولا ريب أن الأنبياء، ليسوا كغيرهم في هذه الضرورة، فجبريل يأتيهم بما يشفي في كل ما عَنَّ لهم، فهُمْ بالوحي مستغنون عن الاجتهاد، وما يتلقونه وحيا، مقطوع به مجزوم بحكمه، وقضايا الاجتهاد مظنونة، فمن العبث أن يَترك نبي من الأنبياء عينَ اليقين، ويلجأ إلى تخمين وظنون.
وهذا الفريق قد أول بعض النصوص الدالة على اجتهاد النبي ﷺ لتنسجم مع مقوله، وأبطل دلالة بعضها على المطلوب، ونفى ثبوت بعضها.
وأما الفريق الثاني القائل باجتهاد الأنبياء اجتهادا مطلقا وخاصة نبينا ﷺ مطلقا، فإنهم بنوا مذهبهم على أصلين:
أحدهما أن الاجتهاد واستعمال الرأي والتدبر في المآلات، من خواص الإنسان التي ميَّزه الله بها عن غيره، وهو من الكمالات الإنسانية التي يشرف بها المرء، فإذا كانت كمالا، فالنبي ﷺ أولى بكل كمال، فهو
стр. 42
سيد المجتهدين، وإمام المستنبطين، فكيف يُستثنى من هذه الفضيلة العامة في الجنس البشري، وتمُنح لمن دونه بدون دليل واضح يدل على الاستثناء؟
وثانيهما مراعاة النصوص الدالة على اجتهاده ﷺ بالفعل، وهي في جملتها صريحة وصحيحة، فلا معدل عن القول بها، وتنزيلها منازلها: بالجمع بينها وبين النصوص التي يُفهم منها أنه لا يجتهد، فإذا سُلِك فيها كلِّها مسلكُ الجمع، فإنها لا تتضارب ولا تتناقض، لأنها من منبع واحد.
وأما الفريق القائل بأنه يجتهد في الدنيويات دون الدينيات، فقد رام بذلك الجمع بين الأدلة، ولكن ذلك لم يطرد له من وجهين: أحدهما ثبوت أنه ﷺ قد اجتهد في الأمور الدينية، وثانيهما عدم وضوح الفرق في الأحكام بين ما هو ديني وما هو دنيوي، فالأحكام الشرعية تتناول هذا وهذا، والرسول ﷺ بإذن ربه، يشرع هنا وهناك.
وأما الفريق المتوقف في القضية، فشبهَتُه هي تكافؤ الأدلة من الجانبين عنده، وصعوبةُ الترجيح، وهذا ليس بشيء، لأن النظر بإمعان في تلك الأدلة، يدل على ما هو الصواب من أنه ﷺ يجتهد، ولكن الفرق بينه وبين غيره من المجتهدين، أنه مسدَّد ومصيب في اجتهاده، ابتداءً، أو مآلا.
стр. 43
المبحث الثالث: بسط أدلة القول بأن السنة وحي كالقرآن
لا يعرف نبي غير محمد صلى الله علية وسلم أحيطت سيرته وسنته باعتناء كبير، وأحصيت إحصاء دقيقا، ودونت بأدق التدوين، وقد هيأ الله لحفظ السنة عوامل كثيرة، داخلة في أقدار الله تعالى التي أوجدها لحفظ ذكره وحفظ بيان الذكر. ذلك أن المسألة معقولة ومرتبطة، ووجه تعليقها أن القرآن الكريم مرتبط بشخص النبي ﷺ من جهة تلقيه عن الله تعالى وإبلاغه للأمة كما تلقاه، لفظا ومعنى، وجهة تفويض الله تعالى له أن يبين للناس مراده منه.
من هاتين الجهتين، نشأت علاقة ارتباط بين القرآن والسنة، أشبه بعلاقة القرابة التي لا يمكن فصلها أو فصمها، فمن حاول الاستدلال بالقرآن بمعزل عن السنة، أو الاستدلال بالسنة بمعزل عن القرآن، كمن حاول التفريق بين أغصان الشجرة وأصلها، وبين القريب وقريبه، وكلُّ محاولة للاستغناء بأحدهما عن الآخر، فإنما هو ضربة لازب، وسير في عماية، وخروج عن النهج المستقيم، ذلك أن السنة صنو القرآن وقرينته في الاستدلال والاحتجاج، والله تعالى تكفل بحفظهما معا في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] والذكر يشملهما معا، والعوامل التاريخية الواقعية دالة على ذلك، وأهمها أربعة:
(١) الحفظ في الصدور: فقد كان الصحابة –رضوان الله عليهم- يتلقون منه ﷺ سنته فيعونها ويحفظونها في صدورهم، كما كانوا
стр. 44
يحفظون القرآن، إلا أنهم في حفظها يتفاوتون، فمنهم من يحفظها بلفظها ومعناها فيؤديها كذلك، ومنهم من يحفظها بالمعنى، فيؤدي معناها بألفاظه هو، ومنهم من يزاوج بينهما، ويجمعهم جميعاً همٌّ واحد، ضعوه نصب أعينهم عند الأداء، وهو أن كل ماشك فيه، أولم يتحققه المتلقي، أو خاف أن يكون قد سها فيه، فإنه يسقطه، ولا يضيفه للنبي ﷺ ولا يرويه، وبهذا طمأنت الأمة إلى أن كل ما وصلنا عنهم بطريقة مقبولة، مما أسندوه للمعصوم ﷺ فهو حق، وصدق، لأنهم لا يستجيزون أن يقولوا عليه مالم يقل، لعلمهم بالوعيد الشديد الوارد في ذلك.
(٢) المذاكرة: فقد كانوا يذاكرون الحديث، ويراجعون محفوظهم منه، وينشرونه بينهم، فكان الحاضر يخبر الغائب، والذاكر ينبه الناسي، فانتشرت السنة بينهم بالمذاكرة، وعم أريجها بينهم بالتطبيق، ووصلوا في حرصهم على حفظ السنة وتلقيها من مشكاة النبوة، أنهم كانوا يتناوبون على مجالسها، مخافة أن يفوتهم شيء منها، ومنهم من نذر نفسه للحضور في كل المجالس حتى لا يفوته شيء، كما كان من أبي هريرة وغيره.
(٣) الكتابة: فقد كان جماعة من الصحابة يكتبون ما سمعوا من رسول لله ﷺ من الأحاديث في صحائف لهم، وأورثوها من بعدهم، وكانت هذه الصحف ذائعة منتشرة في زمانهم، خلافا لما يأفكه المستشرقون الذين يزعمون أن شيئا من السنة لم يدون في عهده ﷺ ، وهذه الصحف التي وصلت إلينا بأدق الموازين العلمية، تفضحهم.
(٤) الرحلة في طلب الحديث: وهذه قد أبدعها المسلمون، فلم يكن في أمة من الأمم غير المسلمين، الاغتراب في جمع أقوال أنبيائهم، وتصنيفها،
стр. 45
ومقارنتها وسماعها مرارا، فقد كان الرجل منهم يرحل في حديث واحد مسيرة شهر، وكان يرحل في لقاء شيخ واحد من خراسان إلى حدود الصين، ولم يبق بلد فيه من يُسمِع الحديث لم يُرْحَل إليه، فأسفرت هذه الرحلة عن تقعيد موازين دقيقة حفظ الله بها السنة من الضياع، تحقيقا لوعد الله في كتابه، وإكراما لهذه الأمة ونبيها، وهذه بعض تلك الموازين.
أ – إحصاء حديث أهل بلد، وشيوخه، وتلامذتهم، حتى أحصوا منهم من روى حرفا واحداً، ونتج عن هذا أنه لا يستطيع أي كاذب أن يدخل في حديث أهل ذلك البلد ماليس منه، فإذا أدخله عُرف أنه ليس منه.
ب – رواية الحديث الواحد من أوجه كثيرة، عن شيوخ عديدين، قد يصلون أحيانا إلى مائة شيخ، وقد يُعَدون بالعشرات، ونتج عن ذلك، مقارنة المتون، ومعرفة ما زيد فيها مما نقص منها، وما شذ مما لم يشذ، فاطمأنت الأئمة بعد هذه المقارنة إلى سلامة المتون من الأوهام، والتحريف، والتصحيف، والإدراج، وما إلى ذلك، وكل لفظة شكوا فيها، فإنهم يحيطونها بالريبة، ويكتبونها لينصوا على أنها لا أصل لها، أو مشكوك فيها، أو محتملة.
ج – تصنيف الرواة على طبقات، فمنهم الحافظ الناقد الجهبذ، ومنهم الصدوق المتوسط، ومنهم من ليس كذلك، فقدموا في الاحتجاج أحاديث الحفاظ الثقات، وأتبعوها بأحاديث الصدوقين المتوسطين، ونظروا في أحاديث من ليس كذلك، فإن وافقت ما عند الصنفين، فهي مقبولة، وإن خالفت، كتبوها ليعرف أنها غير معمول بها، أو متوقف فيها.
стр. 46
د – التدقيق في سير حَملة الحديث عن قرب، واختبار عدالتهم وضبطهم ومدى موافقتهم أو مخالفتهم، فعرفوا بذلك كل واحد على حقيقته، ونزلوه منزلته، بلا شطط، ولا تقصير.
وبذلك وضعوا سدا منيعا بين الكَذَبة والدس في السنة النبوية، فإذا جاء أحد بحديث يرويه عن الكوفيين مثلا، نظروا هل هو من حديثهم أو ليس كذلك، وهل كان معروفا بالرواية متصدرا لها، أو كان مغمورا، أو متساهلا، فإن استوفى شروط القبول قبلوه وإلا رفضوه. وهكذا حُرِست السنة وضبطت بأسانيدها ومتونها، حتى دخلت في مصنفات، وخلدت في مؤلفات، عرف مصنفوها بثقتهم وسعة علمهم، وكثرة مرويهم، وضبطهم وإتقانهم، فاستراح الناس من خوف الدس المتعمد وغير المتعمد، فأصبح من يروي شيئا ليس في الدواوين المعروفة، ولا تناقله أهل العلم، ولا عمل به بينهم، لا يؤبه له ولا لروايته.
وهذه الجهود الضخمة المبذولة في حفظ السنة، هي معجزة لنبينا ﷺ وكرامة لأمته، ومفخرة لها، وقد تمخضت أيضا لأول مرة في تاريخ البشرية عن ابتكار علم توثيق الأخبار وتمحيصها، المسمى: " علم الجرح والتعديل وعلم العلل " وقد ابتدعه المسلمون للحفاظ على السنة النبوية، وقلدهم من سواهم من أصحاب العلوم الأخرى في ذلك.
وهذا العلم مفخرة للحديث والمحدثين خاصة، وللمسلمين عامة، فكان بحق هؤلاء نقَدة المعرفة، وخدَمة الحقيقة، حتى قال سفيان الثوري: " الملائكة حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض " (١) .
стр. 47
وقال يزيد بن زريع: " لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد " (١) .
فإن قيل: كيف نوفق بين كون السنة النبوية وحيا، وماثبت قطعاً من اجتهاده صلى الله علية وسلم في بعض القضايا الدينية والدنيوية؟.
فالجواب أن اجتهاده ﷺ في بعض القضايا، لا يتنافى مع القول بأن السنة وحي؛ ذلك أن اجتهاده ﷺ في الأمور الشرعية، يكون ابتداء بوحي، بمعنى أن الله تعالى يأمره بالاجتهاد فيما لم يوحَ إليه فيه، ثم في النهاية يؤول اجتهاده إلى الوحي، بمعنى أنه إن أصاب في اجتهاده مراد الله، فإن الوحي يقره، وإقرارُ الوحي وحي، وإن أخطأ في اجتهاده، فإن الوحي ينبهه على الخطأ، ويرشده إلى الصواب فيرجع إليه، ويصبح مانبهه عليه الوحيُ هو التشريع له ولأمته.
وعليه، فما اجتهد فيه ﷺ لا يخرج عن دائرة الوحي بهذا الاعتبار، فهو إما إقرار، وإما نقل إلى ما هو صواب بعد الاجتهاد. وأما في الأمور الدنيوية فقد ينبهه الوحي، وقد ينبهه غيره من الناس على الصواب فيرجع إليه، فيكون بذلك ﷺ معصوما في اجتهاده حالا أومآلا، بالإقرار، ومآلاً بالنقل إلى ما هو صواب، وهذا من خصائصه التي لايشاركه فيها غيره من المجتهدين، فغيرُه فيما اجتهد فيه، قد يكون مخطئا ويستمر على خطئه ولاينبه له، ويتوارث عنه ذلك، وقد يكون مصيبا ولا يَتيقن أنه مصيب، بخلافه ﷺ فإنه فيما اجتهد فيه وأُقر عليه، فهو على يقين أنه على بينة وحق من ربه، ويجب على الأمة أن تتأسى به في
стр. 48
اجتهاده ذلك، وأن تجعله سنة متبعة، وأما ما وقع فيه الخطأ من اجتهاده صلى الله عليه سلم فإنه لايقر عليه ولايستمر فيه على الخطأ، ولايتوارث، بل يُنبَّه على الصواب فينقل إليه، ويترك الخطأ، ويصبح ما انتقل إليه بوحي، تشريعا له ولأمته، دون ماسبقه من الاجتهاد، ولهذا لا يجوز لأحد أن يأخذ باجتهاده ﷺ الذي نبه الوحي فيه للخطأ. هذا فحوى كلام الشافعي من خلال نصوص الرسالة التي سيأتي بعضها. وهناك من جمع بوجه آخر كابن حزم وغيره فقال: القضايا التي اجتهد فيها ﷺ هي قضايا دنيوية، ولاغضاضة عليه إن أخطأ فيها، إذ لاعلاقة لها بالتشريع، والتشريع كله وحي. وهذا الوجه لا يخفى ما يرد عليه من اعتراضات، والصواب ماتقدم مما ذهب إليه الشافعي وغيره.
وزيادةً على ماتقدم من الأدلة الوارده في المذهب الأول الذي لا يرى اجتهاده ﷺ في الشرعيات، فإننا سنضيف أدلة وأقوالا أُخَر تثبت أن السنة وحي كالقرآن.
وهذا المذهب قد تبناه جلة من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، منهم سعد ابن معاذ ﵁، وحسان بن عطية، والشافعي، والبخاري، وابن حزم، وغيرهم ﵏. ويُستدل لهذا المذهب -زيادة على ماتقدم- بالكتاب، والسنة، والآثار فأما الكتاب فقوله تعالى:
(١) ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما﴾ [النساء: ١١٣] .
стр. 49
(١) وقوله ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة:٢٣١] . ووجه الدلالة من الآيتين أن الله تعالى نص على أنه أنزل على رسوله الكتاب والحكمة، فدل ذلك على أن السنة تنزل عليه كما ينزل عليه القرآن، بنص الآيتين، والحكمةُ لا يختلف أهل العلم حيثما وردت في القرآن، أنها سنة رسول الله ﷺ . وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] . قال الشافعي –﵁: " فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة فسمعتُ من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله، وهذا يشبه ما قال، لأن القرآن ذكر، وأُتْبِعَتْهُ الحكمة، وذكر الله منَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز –والله أعلم- أن يقال: الحكمة ههنا إلا سنةُ رسول الله، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتَّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول فرْضٌ إلا لكتاب الله ثم سنةِ رسوله، لما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقرنا بالإيمان به" ... كل ماسن رسول الله ﷺ مما ليس فيه كتاب - وفيما كتبنا في كتابنا هذا - منْ ذِكْرِ ما منَّ الله به على العباد، من تعلم الكتاب والحكمة، دليل على أن الحكمة سنة رسول الله ﷺ ... " (١) وبهذا قال عامة المفسرين.
стр. 50
قال ابن جرير في قوله تعالى ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٨] يعني: وأنزل عليك مع الكتاب الحكمةَ، وهي ما كان في الكتاب مجملا ذكره من حلال وحرام، وأمره ونهيه وأحكامه، ووعده ووعيده" (١) .
وقال ابن كثير: " وما أنزل عليه من الكتاب، وهو القرآن، والحكمة، وهي السنة" (٢) .
وقال القرطبي: " والحكمة القضاء بالوحي " (٣) .
وقال ابن جرير في قوله تعالى ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ : "وهي السنن التي علمكموها رسول الله ﷺ ". (٤)
وقال ابن كثير: " الحكمة أي السنة " (٥)
وقال القرطبي: " هي السنة المبينة على لسان رسول الله ﷺ مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب " (٦)
وقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ : [الأحزاب:٣٤] "ويعني بالحكمة ما أوحي إلى رسول الله
стр. 51
صلى الله عليه وسلم من أحكام دين الله، ولم ينزل به القرآن، وذلك السنة " ثم ساق هذا المعنى بسنده عن قتادة (١) .
وقال ابن كثير: "اعملن بما ينزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قتادة وغير واحد " (٢)
وقال القرطبي: " فأمر الله أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن ومايَرَيْنَ من أفعال النبي ﵊ ويسمَعْنَ من أقواله حتى يبلِّغْن ذلك إلى الناس، فيعملوا ويقتدوا " (٣) .
وقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] : "الحكمة: السنة" قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل وأبو مالك، وغيرهم" (٤) .
وقال القرطبي: " الحكمة السنة، وبيان الشرائع " (٥) .
وقال ابن حزم: "والآيات، ما أنزل الله تعالى من القرآن، والحكمةُ ما أوحى من السنة" (٦) .
وقال ابن عبد البر: " يريد القرآن والسنة " (٧)
стр. 52
والحاصل أن أقوال المفسرين متفقة على أن الحكمة هي السنة، والآيتان الأُوليان صريحتان في أنها تنزل عليه كما ينزل عليه القرآن.
(١) وقولُه تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥] .
ووجه الدلالة أن الله تعالى بين لرسوله أنه أنزل عليه الكتاب ليحكم بما أعلمه الله وذلك دليل على أنه لا يحكم إلا بما أعلمه به وأوحاه إليه، وقد استدل البخاري ﵀ بهذه الآية لذلك كما سبق، ورأى أن قوله تعالى ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي بما أوحاه إليك، وذهب غيره إلى أن معنى "بما أراك الله" من الرأي الذي هو نوع من أنواع الاجتهاد "، وقد استدل بها أبو يوسف على أنه ﷺ كان متعبدا بالاجتهاد.
قال القرطبي: "بما أراك الله" معناه على قوانين الشرع، إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سَنن الوحي، وهذا أصل في القياس، وهو يدل على أن النبي ﷺ إذا رأى شيئا أصاب، لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضَمِنَ الله تعالى لأنبيائه العصمة، فأَما أحدنا إذا رأى شيئا يظنه، فلا قطع فيما رآه " (١) .
وقال الشيرازي: " ولم يفرق بين ما أراه بالنص أو بالاجتهاد " (٢) قلت: وفي هذا المعنى قول عمر على المنبر: " يا أيها الناس، إن الرأي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه سلم مصيبا، لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن
стр. 53
والتكلف " (١) . قال الأصفهاني: " ووجه الاستدلال بها –كما قرره أبو علي الفارسي- أن الإراءة إمَّا من الرأي الذي هو الاجتهاد، أو من الرؤية بمعنى الإبصار، أو بمعنى العلم، لا جائزٌ أن يكون من الرؤية بمعنى الإبصار، لأن المراد بـ"ما" في قوله تعالى ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ هو الأحكام، وهي لا تكون مبصَرة، ولا جائزٌ أن يكون من الرؤية بمعنى العلم، وإلا لوجب ذكر المفعول الثالث لوجود ذكر المفعول الثاني، وهو الضمير الراجع إلى الموصول ... فتعين أن يكون بمعنى الرأي " (٢)
قلت: والصواب أن تكون الإراءة بمعنى العلم، والمفعول الثالث محذوف ولا يجب ذكره –كما زعم أبو علي- للعلم به، والمعنى: "بما أراكه الله حكما" فـ "حكما" هو المفعول الثالث، وحُذف لدلالة "لتحكم" عليه، والسياقُ يدل على هذا الذي رجحه البخاري، لأنه إذا أنزل الله عليه الكتاب ليحكم به، فهو يحكم بما أعلمه الله به فيه، فهو لا يحتاج للرأي، مع وجود الحكم في الكتاب، وما ذهب إليه أبو علي مرجوح.
هذا وقد حمله القرطبي إما على العلم، أو الرأي المسدد بقوله: "وقال الداودي:" لأن المراد بقوله: "بما أراك الله" ليس محصورا في المنصوص، بل فيه إذن في القول بالرأي" (٣) .
стр. 54
وأما السنة فقد استُدل لهذا القول بأحاديث:
(١) حديث المقدام بن معد يكرب أن النبي ﷺ قال: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لُقَطَةُ معاهَد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم، فعليهم أن يَقروه، فإن لم يقروه، فله أن يُعقِبهم بمثل قراه" (١) . وفي لفظ لهذا الحديث زيادة: " ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه سلم مثلُ ما حرم الله" (٢)
ووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ نص على أنه أُتي مثلَ القرآن، ولم يكن ذلك إلا السنة، وتعبيرُه بالإيتاء، يدل على أنها تنزل عليه كما ينزل عليه القرآن، ثم إن المثلية المذكورة تحتمل أنها مثله في القرآنية، أو مثله في الاحتجاج بها، أو مثله في تنزيلها عليه، والوجه الأول باطل
стр. 55
بالإجماع، فلم يبق إلا الثاني والثالث، وهما المطلوب.
وأما الزياده المذكورة، فوجه الدلالة منها، أنه ﷺ سوَّى بين ما يحرمه هو وما يحرمه الله تعالى، وذلك لا يكون منه إلا بوحي، لأنه لو كان اجتهادا منه، لما صحت هذه التسوية شرعا ولا واقعا، ولما قطَع رسول الله ﷺ بهذه التسوية، لأن أحكام الاجتهاد لا قطع فيها، فلما جزم بالتسوية بين ما يحرمه هو وما يحرمه الله ، علمنا أن ذلك كان منه بوحي لا برأي.
(٢) حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير........ الحديث١. ووجه الدلالة منه أن الله بعثه بالهدى والعلم، وهما يشملان الكتاب والسنة، واستعمال لفظة "بعث" تدل على أن ذلك ليس برأي ولا قياس.
(٣) حديث يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجِعِرّانة، وعليه جبة، وعليه أثر خَلوق، فقال كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأَنزل الله على النبي ﷺ فستر بثوب، ووددت أني قد رأيت رسول الله ﷺ وقد أنزل عليه الوحي، فقال عمر: تعال، أيسرك أن تنظر إلى رسول الله ﷺ وقد أنزل الله عليه الوحي؟ قلت: نعم، فرفع طرف الثوب فنظرت إليه، له غطيط كغطيط البَكر، فلما سُري عنه قال: "أين السائل عن العمرة، اخلع عنك الجبة، واغسل أثر
стр. 56
الخلوق عنك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك " ١ ووجه الدلاله أنه لم يُجِب السائل عن سؤاله إلا بعد ما جاءه الوحي بالجواب.
قال الزركشي: " وهو دليل قطعي على أن السنة كانت تنزل عليه كما ينزل القرآن " (٢)
قال الحافظ: " لم أقف في شيء من الروايات على بيان المنزل حينئذ من القرآن، وقد استدل به جماعة من العلماء على أن من الوحي مالا يتلى، لكن وقع عند الطبراني في الأوسط من طريق أخرى أن المنزل حينئذ قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ووجه الدلالة منه على المطلوب، عموم الأمر بالإتمام، فإنه يتناول الهيئات والصفات، والله أعلم".
قلت: ولا تظهر دلالة الآية على ما سأل عنه السائل من نزع جبته، وغسل أثر الخلوق عنه، إلا بالتأويل المذكور، لو صحت الرواية بذلك، لكن رواية الطبراني في الأوسط ضعيفة (٣) فيصحّ الاستدلال بالحديث على أن الموحى به له ﷺ في هذه القضية، هو السنة لا القرآن.
(٤) حديث خولة بنت ثعلبة في مظاهرة أوس بن الصامت منها، وهو شيخ كبير قالت: جئت رسول الله ﷺ وجلست بين يديه،
стр. 57
فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: " يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه " قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيّ، فتغشى رسولَ الله ﷺ ما كان يتغشاه، ثم سري عنه فقال لي: " ياخويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك، ثم قرأ علي ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] ... " الحديث (١)
ووجه الدلالة من هذه القصة أن النبي ﷺ توقف في الجواب عنها، فلم يجب فيها لا برأي ولا قياس، حتى نزل عليه الوحي بحكمها، فدل على أنه لا يقول شيئا، ولا يفعله إلا بوحي.
(٥) حديث عبد الله بن عمرو، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ، ورسولُ الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ "فأومأ بإصبعه إلى فيه" فقال:
стр. 58
" اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق " ١ ووجه الدلالة أن النبي ﷺ وصف ما يتكلم به في حال الغضب والرضا بأنه حق، فدل ذلك على أن ما يقوله، كان بوحي، سواء كان كتابا أو سنة، لأن الحق وقع منَكَّرا في سياق النفي، فيفيد العموم.
(٦) حديث جبير بن مطعم أن رجلا قال: يا رسول الله، أي البلدان أحب إلى الله وأي البلدان أبغض إلى الله؟ قال: "لا أدري حتى أسأل جبريل" فأتاه فأخبره جبريل أن أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق٢، وفي لفظ: قال جبريل: " لا أدري حتى أسأل رب العزة ".
(٧) حديث جابر أنه كان مريضا، فعاده النبي ﷺ وأبو بكر، فتوضأ رسول الله ﷺ فصب عليه من وَضوئه، فأفاق من إغمائه، فقال: يا رسول الله: كيف أقضي في مالي؟ قال: فما أجابني بشيء
стр. 59
حتى نزلت آية المواريث"١ ووجه الدلالة أنه لم يجبه حتى جاء الوحي بجوابه، فدل على أنه لا يجيب إلا بوحي، فلو كان يجتهد في الأحكام لاجتهد في جواب هذا السؤال، مع قيام الداعي، والحاجة الملحة، فلما انتظر الوحي، أفاد ذلك أنه لا يقول إلا بوحي، وهو المطلوب.
(٨) حديث أبي هريرة أن امرأة قالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه، تعلمنا مما علمك الله، فقال: اجتمعْن في يوم كذا، في مكان كذا وكذا، فاجتمعْن فأتاهن رسول الله ﷺ فعلمهن مما علمه الله ... ٢ ووجه الدلالة إقرار النبي ﷺ المرأة على قولها: "تعلمنا مما علمك الله" وذلك يدل على أن علمه علْمُ تعليمٍ وتلقٍ، لا علمُ اجتهادٍ وقياس.
(٩) حديث المطلب بن حَنْطَب أن النبي ﷺ قال: "ماتركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه، ألا وإن الروح الأمين قد ألقى في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فأجملوا في الطلب" ٣ ووجه الدلالة أن النبي ﷺ بيَّن أنه لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر به الله ونهى عنه، وأنه يتلقى وحي الإلهام كما يتلقى وحي الإرسال، وكلاهما حق، وذلك يفيد أن السنة وحي، لأن بعض ما حرّمه الله لا يوجد إلا في السنة لا في القرآن، وقد استدل الشافعي في الرسالة بهذا الحديث لهذا المعنى.
стр. 60
(١٠) حديث ابن مسعود قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ في حرث وهو متكئ على عسيب – إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: " ما رَابَكُم إليه " وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي ﷺ فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] ١. ووجهُ الدلالة أنه ﷺ توقف فلم يرد حتى جاءه الوحى بالجواب.
فدل ذلك على أنه يُوحى إليه في كلّ شؤونه.
(١١) حديث سهل بن سعد في قذف عُوَيمر العجلاني امرأته عند النبي ﷺ وقوله ﷺ : " قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها " وفي رواية ابن عمر: " فسكت عنه النبي ﷺ ، فلما كان بعد ذلك أتاه "وفي لفظ ابن مسعود: قال النبي ﷺ : " اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان " وفي رواية ابن عباس " اللهم بين " ٢ ووجه الدلالة من هذه الألفاظ أنه ﷺ توقف عن حكم اللعان حتى نزل عليه الوحي به، فدل ذلك على أنه لا يجتهد، فلو كان يجتهد لأجاب السائل ولما انتظر الوحي.
قال الشافعي: " وفيه دلالة على أن رسول الله ﷺ حين وردت عليه هذه المسألة، -وكانت حكماً- وقف عن جوابها، حتى أتاه من الله الحكم فيها، فقال لعويمر " قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك "
стр. 61
فلاعَن بينهما أمر الله تعالى في اللعان ثم فرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة، ونفاه عن الأب ... فكانت هذه أحكاما وجبت باللعان ليست باللعان بعينه، فالقول فيها واحد من قولين: أحدهما أني سمعت من أَرضى دينه وعقله وعلمه يقول: إنه لم يقض فيها ولا غيرِها إلا بما أمر الله ﵎، وقال: فأمر الله إياه وجهان: وحي ينزله فيتلَى على الناس، والثاني رسالة تأتيه عن الله تعالى بأن افعل كذا فيفعله ... " (١)
وأما الآثار فقد استدلوا بما يلي:
(١) قال سعد بن معاذ: " ما سمعت من رسول الله ﷺ حديثا قط إلا علمت أنه حق من الله، ولا كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا كنت في جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما تقول ويقال لها، حتى أنصرف عنها " قال سعيد بن المسيب: هذه الخصال، ما كنت أحسبها إلا في نبي (٢)(٢) وقال حسان بن عطية: " كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن، يعلمه إياها كما يعلمه القرآن " (٣)(٣) وقال الشافعي: " وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم، فبحكم الله سنه ... . فلم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه: -فاجتمعوا منها على وجهين، والوجهان
стр. 62
يجتمعان ويتفرعان- أحدهما ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبين رسولُ الله مثلَ ما نص الكتابُ، والآخر مما أنزل الله فيه جملةَ كتاب: فبين عن الله معنى ما أراد، وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما، والوجه الثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في كتاب ... ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله، فأُثبِتت سنته بفرض الله. ومنهم من قال أُلقي في رُوعه كل ماسن، سنتُه، الحكمةُ الذي أُلقي في روعه عن الله، فكان ما أُلقي في روعه سنتَه. قال الشافعي: فكان مما ألقى في روعه سنته، وهي الحكمة التي ذكر الله، وما أنزل به عليه كتاب، فهو كتاب الله، وكلٌّ جاءه من نعم الله كما أراد الله، وكما جاءته النعم تجمعها النعمة وتتفرق بأنها في أمور بعضها غير بعض...... وأي هذا كان، فقد بين الله أنه فرض فيه طاعة رسوله، ولم يجعل لأحد من خلقه عذرا بخلاف أمر عرفه من أمر رسول الله ﷺ ، وأنْ قد جعل الله بالناس كلهم الحاجة إليه في دينهم، وأقام عليهم حجته بما دلهم عليه من سنن رسول الله معاني ما أراد الله بفرائضه في كتابه، ليَعلم من عَرف منها ما وصفنا، أن سنته ﷺ كانت سنة مبينة عن الله معنى ما أراد من مفروضه فيما فيه كتاب يتلونه، وفيما ليس فيه نص كتاب، أخرى – فهي كذلك أين كانت، لا يختلف حكم الله ثم حكم رسوله، بل هو لازم بكل حال" (١) .
وقال: " إن الله وضع نبيه ﷺ من كتابه ودينه بالموضع الذي أبان في كتابه، فالفرض على الخلق أن يكونوا عالمين بأنه
стр. 63
لايقول فيما أنزل الله عليه إلابما أنزل عليه، وأنه لايخالف كتاب الله، وأنه بين عن الله معنى ما أراد الله "١. وهذا كلام ناصر السنة، وقد نقلناه بطوله، لتنصيصه على أن السنة وحي كالقرآن، سواء كانت وحيَ إرسال، أو إلهام، أوسداد وتوفيق.
(٤) قال البخاري: " باب ما كان النبي ﷺ يُسأل مما لم يُنزل عليه الوحي، فيقول: لا أدري، أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس، لقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥] وقال ابن مسعود: سئل عن الروح فسكت حتى نزلت الآية. ثم بعد هذه الترجمة، ساق حديث جابر أنه سأله كيف يقضي في ماله فما أجابه حتى نزلت آية المواريث. ثم بوب بعده بقوله: " باب تعليم النبي ﷺ أمته من الرجال والنساء مما علمه الله، ليس برأي ولا تمثيل " ٢ وساق بعده حديث أبي سعيد في تعليمه النساء مما علمه الله، قال الحافظ: " والمراد بالوحي، أعم من المتعبد بتلاوته ومن غيره ". وهاتان الترجمتان من البخاري ﵀، صريحتان في أنه يرى أن السنة وحي كالقرآن، وأن النبي ﷺ لا يقول برأي ولا قياس.
(٥) وقال ابن حزم: " إن من ظن أن الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها فهو كفر عظيم ... ولا سبيل إلى اجتهاد النبي ﷺ في شرع الشرائع، والأوامرُ عنده واردة متيقنة لا إشكال فيها "٣.
(٦) وقال السرخسي: " ولا يدخل في ذلك الأَخبار، فإنه لا اختلاف
стр. 64
فيها في الأصل، لأنه كلام رسول الله ﷺ ، وقد بينا أنه قال ذلك عن وحي، وقد علمنا بالنص أنه لا اختلاف فيما هو من عند الله، قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] وإنما الاختلاف في الأخبار من جهة الرواة، والحجة هو الخبر لا الراوي" (١) .
(٧) وقال القاضي عياض: " لأن أصل الشريعة التي تعبدنا بها، إنما هي متلقاة من جهة نبينا - صلوات الله عليه وسلامه - إما فيما بلغه من كلام ربه، وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... ثم بعد ذلك ما أَخبر به من وحي الله إليه، وأوامره ونواهيه ... وغير ذلك من سنته، وسائر سيره، وجملة أقواله وأفعاله، وإقراره " (٢) .
(٨) وقال ابن تيمية: " لأن الله قد ضمن حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله، ولم يضمن حفظ ما يؤثر عن غيره، لأن ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، هو هدى الله الذي جاء من عند الله، وبه يعرف سبيله، وهو حجته على عباده، فلو وقع فيه ضلال لم يبيَّن، لسقطت حجة الله في ذلك، وذهب هداه، وعمت سبيله، إذ ليس بعد هذا النبي نبي آخر ينتظَر ليبين للناس ما اختلفوا فيه ... " (٣) .
(٩) وقال ابن جُزَي الغرناطي: " فأما قوله ﷺ فيحتج به كما يحتج بالقرآن، لأنه لا ينطق عن الهوى " (٤)(١٠) وقال ابن القيم في أقسام بيان السنة: " الخامس ما سئل عنه
стр. 65
بالوحي، وإن لم يكن قرآنا، كما سئل عن رجل أحرم في جبته...... ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو، من وحيه الذي هو نظير كلامه، في وجوب الاتباع، ومخالفةُ هذا كمخالفة هذا "١
(١١) وقال الزركشي: " صرح الشافعي في الرسالة بأن السنة منزلة كالقرآن "٢
(١٢) وقال الشيخ محمد علي السنوسي: " اعلم أن النبي ﷺ هو المعبر عن القرآن، الدال على معانيه بما علمه الله، فكانت أقواله، وأفعاله، وتقريراته، كلها وحيا"٣
(١٣) وقال الشيخ محمد لطفي الصباغ: " فسنة رسول الله ﷺ وحي أوحاه الله تعالى إلى نبيه وأمينه على خلقه، وهي مع كتاب الله العزيز أساس الدين الإسلامي، وهما متلازمان تلازم شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله٤.
وهذه نماذج من أقوال العلماء في هذه المسألة من شتى المذاهب لاعلى سبيل الحصر وإنما على سبيل التمثيل.
هذا وإن رأى غيرنا احتمالا في بعض النصوص، فليعلم أن جزْمنا بَنَيناه على مجموع النصوص لا على أفرادها، ومراعاةُ ذلك من الأمور المهمة كما أشار إلى ذلك الشاطبي في موافقاته٥.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 66
الخاتمة
...
خاتمة في نتائج هذا البحث:
يمكن استخلاص نتائج مهمة مما تقدم من الأدلة ومناقشتها على النحو الآتي،
بالنسبة للأنبياء فهم معصومون من الكبائر، ومن كل ما يخل بالتبليغ بالإجماع، وتقع منهم بعض الصغائر سهوا وغلطا، ولكنهم لا يقرون عليها، بل ينبهون على الصواب فيها فيرجعون إليه، فيكونون بذلك معصومين مآلا.
وبالنسبة لاجتهاد الأنبياء، فالصواب أنهم يجتهدون اجتهادا مطلقا بأمر الله تعالى وبإذنه لهم في ذلك، واجتهادُهم يكون بوحي من الله، فإذا صدر منهم ما هو خلاف الأولى في اجتهادهم، فإن الله تعالى يسددهم ويهديهم، فيرجعون إلى الصواب فيما أخطؤوا فيه، وذلك لا يتنافى مع عصمتهم، لأنها إما أن تكون حالية أو مآلية، خلافا لمن استشكل الجمع بين الاجتهاد والعصمة، ولا إشكال في ذلك كما تقدم، لأن اجتهادهم لا يكون إلا بوحي.
السنة النبوية المقبولة، كلها وحي من الله تعالى لرسوله ﷺ ، بأي وجه من أوجه الوحي السابق ذكرها. وهذا هو الراجح القوي في مسألة السنة النبوية، لأن أدلته متواترة في هذا المعنى، وصريحة في دلالتها على ذلك، فلا يؤثر فيها آحاد المسائل والجزئيات التي لا تنشئ أصلا يخالفها، ولا كليا يعارضها، وإنما هي استثناءات، تحتمل التأويل والحمل على موافقة الأدلة الصريحة، أكثر من احتمالها ما يضاد ذلك الصريح، لأن الكليات لا تنخرم بانخرام جزئي أو أجزاء منها، لاحتمال أن يكون لذلك الجزئي
стр. 67
كلي آخر يشمله، أو لاحتماله وجها صحيحا يرد به إلى كيله الصريح. وإذا أخذت أقسام الوحي المذكورة في الاعتبار –كما ذكر الشافعي وغيره- فإن الإشكال يزول من أساسه، فيصبح بذلك أن السنة المقبولة وحي، ويترتب على ذلك تعظيمها والبحث عنها، والعمل بها. أسأل الله بأسمائه وصفاته وبمحبة نبيه ﷺ أن يوقفنا للعمل بها، والائتساء بصاحبها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 68
مصادر ومراجع
...
المصادر والمراجع
- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لأبي عبد الله
عبيد الله بن محمد بن بطة، العكبري، ت، رضا بن نعسان، دار الراية، ط، الثانية ١٤١٥?.
- الإحسان، بترتيب صحيح ابن حبان، لابن بلبان، دار الفكر، ط، الأولى ١٤٠٧?.
- الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ت، الشيخ شاكر، دار الآفاق، ط، الاولى ١٤٠٠?.
- الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي: علي بن أبي علي، ط، محمد صبيح، القاهرة ١٣٨٧?.
- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني: محمد بن علي، دار الفكر، بلا تاريخ.
- الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، لإمام الحرمين: عبد الملك الجويني، ت، أسعد تميم، مؤسسة الكتب الثقافية، ط الأولى ١٤٠٥?.
- أصول السرخسي: أبي بكر محمد بن أحمد: مكتبة المعارف، ت، أبو الوفاء الأفغاني نشر لجنة إحياء المعارف النعمانية، حيدر آباد، الهند.
- الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، للقاضي عياض، ت، السيد أحمد صقر، ط الثالثة، دار التراث، القاهرة.
- الأم للشافعي، دار الفكر، ط، الثانية ١٤٠٣?.
- إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، للسيد محمد بن علي السنوسي، دار القلم، ط، الأولى ١٤٠٦?.
стр. 69
- البحر الزخار – المعروف بمسند البزار، للحافظ أبي بكر، أحمد بن عمرو ابن عبد الخالق ت، د، محفوظ الرحمان زين الله، مكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية، ط الأولى ١٤٠٩هـ.
- البحر المحيط في أصول الفقة للزركشي: محمد بن بهادر، تحرير الشيخ عبد القادر العاني، مراجعة د. عمر سليمان الأشقر.
- البرهان في أصول الفقه للجويني: ت، عبد العظيم الديب، دار الوفاء، ط، الثالثة ١٤١٢هـ.
- بيان المختصر، شرح مختصر ابن الحاجب، لشمس الدين محمود بن عبد الرحمان الأصفهاني، ت د، محمد مظهر بقا، منشورات جامعة أم القرى - ط – الأولى ١٤٠٦هـ.
- التبصرة في أصول الفقه، للشيرازي: إبراهيم بن علي، ت، هيتو، دار الفكر ١٤٠٣هـ.
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ت، عبد العزيز غنيم ومحمد عاشور، ومحمد البنا.
- تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزي: ت، فركوس، دار الأقصى، ط، الأولى ١٤١٠هـ.
- تلخيص المستدرك، بهامش المستدرك، دار الفكر ١٣٩٨هـ.
- تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر، العسقلاني، دار الفكر، ط، الأولى ١٤٠٤هـ.
- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الفكر ١٤٠٨هـ.
стр. 70
- جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر، يوسف بن عبد البر، ت، أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، ط الأولى ١٤١٤هـ.
- الجامع الصحيح للإمام البخاري مع شرحه فتح الباري، ط الثالثة المكتبة السلفية.
- الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي: محمد بن أحمد، دار الفكر.
- جامع العلم، للإمام الشافعي، ضمن كتاب الأم، دار الفكر.
- جمع الجوامع للسبكي: تاج الدين عبد الوهاب، مع شرح المحلي وحاشية البناني، ط البابي الحلبي.
- حجية السنة، د عبد الغني عبد الخالق: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط، الأولى ١٤٠٧هـ.
- حجية السنة للدكتور محمد لطفي الصباغ، جمعية الحديث، عمان، ط، الأولى ١٤١٤هـ.
- دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب، للشنقيطي: الشيخ محمد الأمين، مطبوع في آخر أضواء البيان.
- دلائل النبوة للبيهقي: أحمد بن الحسين، ت، قلعجي، دار الكتب العلمية، ط، الأولى ١٤٠٥هـ.
- رسالة في وصل البلاغات الأربع في الموطأ – لابن الصلاح، دار الطباعة الحديثة، الدار البيضاء.
- الرسالة للإمام الشافعي، ت، الشيخ أحمد شاكر – دار الفكر -١٣٩٩هـ.
- سنن ابن ماجه، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القرشي، تعليق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر.
стр. 71
- سنن أبي داود، للحافظ سليمان بن الأشعث، تعليق محمد فؤاد، دار الفكر.
- سنن الترمذي لأبي عيسى محمد بن عيسى، ت، شاكر، دار إحياء التراث.
- سنن الدارقطني: علي بن عمر، تصحيح الشيخ عبد الله هاشم يماني، دار المحاسن ١٣٨٦هـ
- سنن الدارمي، للإمام الكبير: عبد الله بن عبد الرحمان، دارالفكر.
- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لأبي القاسم، هبة الله بن المحسن الطبري اللالكائي، ت، أحمد سعد حمدان، دار طيبة الرياض، ط، الأولى ١٤٠٩هـ.
- شرح الكوكب المنير في أصول الفقه، لابن النجار الحنبلي: محمد بن أحمد، ت، د، محمد زحيلي، ود، نزيه حماد، دار الفكر ١٤٠٠هـ.
- شرح معاني الآثار للطحاوي: أحمد بن محمد، دار الكتب العلمية، ط، الأولى ١٣٩٩هـ.
- الشريعة للآجري: أبي بكر محمد بن الحسن، ت، محمد حامد الفقي الناشر، حديث أكادمي باكستان ط، الأولى ١٤٠٣هـ.
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، ت، عبد علي كوشك، ط الأولى١٤٢٠هـ، دار الفيحاء بيروت.
- صحيح الإمام أبي الحسين: مسلم بن الحجاج، تعليق محمد فؤاد، دار الفكر، ط، الثانية ١٣٩٨هـ.
- الغنية في الأصول، للسجستاني: منصور بن إسحاق، ت، محمد صدقي مطابع الذهبية الرياض، ط، الأولى١٤١٠هـ.
стр. 72
- الفتاوى لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، جمع وترتيب، عبد الرحمان بن محمد بن قاسم، مكتبة المعارف، الرباط، المغرب، بلا تاريخ.
- فتح الباري، شرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني، تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز، المكتبة السلفية، ط، الثالثة ١٤٠٧هـ
- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، للشوكاني محمد بن علي، دار الفكر ١٤٠٣هـ.
- الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم دار المعرفة ١٤٠٦هـ.
- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري: محمد بن عمر، دار الكتاب العربي، تصحيح مصطفى حسين أحمد، ط، الثالثة ١٤٠٧هـ.
- كشف الأسرار، للنسفي عبد الله بن أحمد، دار الكتب العلمية، ط، الأولى ١٤٠٦هـ.
- لسان العرب لابن منظور: محمد بن مكرم، دار الفكر، ط، الأولى١٤١٠هـ.
- مجمع الزوائد، ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين الهيثمي، دار الكتاب العربي، ط، الثانية ١٤٠٢هـ.
- محاسن التأويل للشيخ محمد بن جمال الدين القاسمي، دار الفكر، ط، الثانية ١٣٩٨هـ.
- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية، ت، المجلس العلمي بفاس، ط فضالة المغرب.
- محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، من العلماء، والحكماء والمتكليمن، للفخر الرازي، دار الكتاب العربي، مراجعة عبد الرؤوف سعد، ط، الأولى ١٤٠٤هـ.
стр. 73
- المحصول في علم أصول الفقه للفخر الرازي ت، طه جابر العلواني، مؤسسة الرسالة، ط /٢/١٤١٢هـ.
- المستدرك على الصحيحين للإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم –دار الفكر ١٣٩٨هـ.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار الفكر، ط، الثانية ١٣٩٨هـ.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، ت، حمزة أحمد زين، دار الحديث القاهرة – ط، الأولى ١٤١٦هـ.
- المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية، تقديم محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني.
- معالم التنزيل في التفسير والتأويل لأبي محمد، الحسين بن مسعود البغوي، دار الفكر ١٤٠٥هـ.
- المعجم الأوسط، للحافظ أحمد بن سليمان الطبراني ت، محمود الطحان، مكتبة المعارف، ط، الأولى ١٤٠٦هـ.
- المعجم الكبير له، الشيخ عبد المجيد السلفي، وزارة الأوقاف العراقية، ط، الثانية.
- معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس، دار الفكر ١٣٩٩هـ.
- مفاتيح الغيب للفخر الرازي محمد بن عمر، دار الفكر، ط، الثالثة ١٤٠٥هـ.
- الموافقات للشاطبي، تعليق الشيخ دراز، دار المعرفة.
- المواقف في علم الكلام لعضد الدين الإيجي، عالم الكتب.
- الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، للخياط، تقديم محمد حجازي، مطبعة المدني القاهرة ١٩٨٨م.
стр. 74
- النبذ في أصول الفقه الظاهري، لابن حزم: علي بن أحمد القرطبي، ت، محمد صبحي حسن حلاق، دار ابن حزم، ط، الأولى ١٤١٣هـ
- الوصول إلى الأصول، لابن برهان أحمد بن علي، ت، عبد الحميد أبو زيد، مكتبة المعارف الرياض ١٤٠٣هـ