مقدمة:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وبشيرا ونذيرا للبرية أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه النجَبة، الصدور المحببَّة، والفطَنة النبَغة، معادنِ الصدق واليقين، وموائل الصبر والمثابرة والجهاد ومتانة الدين، الذين فاؤوا للحق فاستظلوا بظلاله، وفاء إليهم الحق فارتفعت بهم رايتُه، ورفرفت فوق هامِهم شارتُه ونَضارتُه، به خرجوا من العدم إلى الوجود، وبهم انصدعت آيه وبراهينه من جديد، فرضي الله عنهم من صفوة جديرة بالتقدير، وعُصبة جلّت عن إحصاء مكامن عزها بالاستقصاء والتنقير.
بيضُ الوجوه كريمة أحسابهم ... شُمُّ الأُنوف من الطراز الأَول
أمابعد: فإن السنة النبوية ـ شرفها الله تعالى ـ تعرضت ولا تزال لموجة عارمة من التشكيك بها تارة، أو إنكارها بالكلية تارة أخرى، أو الطعن في تدوينها، أو حصرها في دائرة ضيقة، يستأنس بها ولا يعتمد عليها، ولا تنشئ أحكاما، ولا يحتج بها في العقائد، ولا في الحدود، إلى غير ذلك من تضليلات وآراء لا حصرلها، يجمعها كلها، النظرُ إلى السنة بمنظار لم يعهده السلف المتقدمون، وغالبُ هذه الشُّبَه منقولة عن المستشرقين، والمستغربين من أبناء جلدتنا الذين يقلدونهم في كل شيء، إذ
стр. 2
تتلمذوا لهم، وكانوا واسطة في نقل مفترياتهم إلى العالم الإسلامي، ولئن كانت هذه الشبه ليست بجديدة من المستشرقين -لأن المعتزلة والشيعة قد سبقوهم إلى كثير منها- إنَّ ما يجمع بين حديثها وتليدها، هو توهين السنة في النفوس، وإزاحةُ تعظيمها، وقدسيتها، وعدّها أمرا عاديا لايستوجب الاعتناء.
وقد قام جهابذة النقاد، بزَيْفِ دعاوى المعتزلة ومن لف لفهم، ونفي شبههم، بأدلة دامغة للباطل، معزِّزة للحق، فعظُمت بذلك السنة في النفوس، وكثر طالبوها، والمولوعون بها، وانتشرت علومها، وعم منهجها، حتى نبغت نابغة من المعتزلة الجدد، الذين استقوا آراءهم الدحضة عن السنة ورواتها، من أفكار المتقدمين، من شتى الفرق المنحرفة عن منهج أهل السنة، وأفكار المتأخرين المتسترة وراء التجديد في مناهج دراسة السنة النبوية وتمحيصها، التي هي إعدام لها في الحقيقة، وتعطيل لها عن العمل، ومحاولة إبعادها نهائيا عن واقع الأمة بأساليب ملتوية، مشتملة على نفاق لا يخفى لحْنُه على ذوي الألباب.
هذا، وإن مدار هذا البحث على مصطلحين مشهورين، وهما السنة والوحي، ولابد من تعريفهما وضبط مفهومهما قبل الشروع في أحكامهما.
стр. 3
تعريف السنة:
أ - السنة لغة: تعني الطريقة، والسيرة المعتادة للإنسان، سواء كانت حسنة أو قبيحة، قال لبيد:
من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها
وسنَنُ الطريق، نهجه، قال شمر:"وهو طريق سنه أوائل الناس فصار مسلكا لمن بعدهم" (١) وقال ﵊ – في النوعين معا – من حديث جرير بن عبد الله ﵁: "من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " (٢) .
وقال ابن فارس: " السين والنون، أصل واحد مطرد، وهو جريان الشيء واطراده في سهولة" (٣) . وسَنَّ الشيء ابتدأه، وسار عليه من بعده، فأصبح له سنة وعادة.
فتلخص من هذا أن السنة تعني الطريقة التي يداوم عليها الإنسان، حتى أصبحت عادة له، وسيرة يعرف بها.
ب - واصطلاحا: عرَّفها المحدثون بقولهم:" ما أُثر عن النبي ﷺ من قول، وفعل، وتقرير، وصفة خِلقية وخُلقية، وهَمٍّ وإشارة، يقظة ومناما، قبل النبوة وبعدها" (٤) .
стр. 4
ج - أقسام السنة: تنقسم السنة إلى الأقسام الثلاثة المذكورة في التعريف:
أ – السنة القولية: وهي إخبار النبي ﷺ بأمر من الأمور في مختلف الأغراض الدينية والدنيوية.
ب - السنة الفعلية: وهي أن يفعل النبي ﷺ أمرا من الأمور، فينقل إلينا أصحابه كيفية ذلك الفعل، كوضوئه، وصلاته بهم، وحجه، وما إلى ذلك
ج - السنة التقريرية: وهي أن يقر النبي ﷺ قولا أوفعلا وقع أمامه، أو بلغه ولم ينكره، بل سكت عنه، أو أظهر استحسانه، فكل ذلك يدل على أن ذلك الفعل سنة، ممدوح فاعله، لأنه لو كان منكرا لأنكره، إذ لا يقر أحدا على باطل.
والسنة في هذه الأقسام، وحي من الله تعالى لنبيه بكيفية من كيفيات الوحي الآتية.
ب - تعريف الوحي:
أ - الوحي لغة، مأخوذ من وحى وأوحى إليه، إذا كلمه بما يخفيه عن غيره، ويطلق على الإشارة السريعة، سواء كانت بإشارة، أو رمز، أو تعريض، ومدارُ هذه المادة على الخفاء والسرعة.
واصطلاحا: "هو الإخبار السريع الخفي الموجه لخاص من الناس ".
ب - أقسام الوحي: ينقسم الوحي إلى ستة أقسام:
أولها وأعلاها، وحي الله لمن اختاره من خلقه من أنبيائه مباشرة بلا واسطة كما كلم موسى وفرض عليه ما شاء، وكلم محمدا ﷺ ليلة الإسراء بما شاء من أحكام.
стр. 5
وثانيها: الوحي بواسطة الملك، وهذا هو الغالب.
وثالثها: الإلهام الفطري للإنسان، كإلهام الله أم موسى أن تلقيه في اليم إذا خافت عليه، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] .
هذا على مذهب من جعله وحي إلهام، وأما من جعله وحيا حقيقيا -كابن حز م- فيرجع إلى القسم الثاني
ورابعها: الإلهام الغريزي للحيوان، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] أي ألهمها ذلك، وجعله غريزة لها.
وخامسها: الإشارة الرمزية المعبِّرة، كقوله تعالى في قصة زكرياء:
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا﴾ [مريم: ١١] .
وسادسها: تزيين الشيطان ووسوسته، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١] ، أي: يوسوسون لهم بذلك، ويزينونه لهم.
ج – كيفيات الوحي للأنبياء والرسل ﵈.
إيصال الوحي للموحى إليه، يدور على كيفيات خمس.
إحداها: أن يأتي الملك النبي ﷺ في مثل صلصلة الجرس، وهو أشد حالات الوحي وأشقها.
وثانيتها: أن يأتيه الملك في صورة رجل، فيكلمه بالوحي، فيعي عنه ما يقول وهاتان الكيفيتان مذكورتان في حديث عائشة في الصحيح.
стр. 6
وثالثتها: أن يأتيه الملك في النوم، فيوحي إليه ما شاء الله، كما في قصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل الذبيح، وكقوله ﷺ من حديث معاذ: " أتاني ربي، فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ... الحديث (١) .
ورابعتها: أن ينفث الملك في رُوعه ما يريد من الوحي، فيتيقنه، وهذا النوع قد ورد في حديث ابن مسعود:" أن النبي ﷺ قال: "إن روح القدس، قد نفث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب " (٢) والنفث، هو النفخ، وإلقاء الشيء فيستقر
وخامستها: التكليم المباشر من الله تعالى لنبي من أنبيائه، وقد تقدم (٣) .
والسنة النبوية يقع إيحاؤها بهذه الكيفيات كلها، فتارة يوحى إليه بها مباشرة، وتارة بواسطة ملك، وتارة في النوم، وتارة بالنفث في الروع.
هذا، وسأرتب هذا البحث بعد هذه المقدمة على تمهيد، وثلاثة مباحث وخاتمة:
المبحث الأول: عصمة الأنبياء ﵈.
المبحث الثاني: اجتهاد الأنبياء ﵈.
المبحث الثالث: بسط أدلة القول بأن السنة وحي كالقرآن.
خاتمة في نتائج البحث المستخلصة منه.
стр. 7
تمهيد:
إن البيان بلحنه وخطابه، وإشارته ودلالته، وحفزه - وبلاغته، وتأثيره في النفوس، وإذكاءِ روح اليقظة فيها وتحميسها على الإقدام أو الإحجام عن شيء مّا، دون أن يمارس عليها ذلك بقوة السلطان، ولا ببريق السيوف ولا يفتقر في وجوده إلى الاستدلال، لأنه أمر وجداني يحس به المرء من نفسه، ولا يطيق درأه، والوجدانياتُ اضطراريات، فمن يبحث عن دليل وجودها فهو معاكس للفطرة، منكر لأمر يجده من نفسه، ويشعر به من داخلته.
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
والبيانُ له صولة على النفوس، ويدخل إليها من منحنياتها العديدة بغير استئذان، ويفعل بها ما يفعله السحر بالمسحور، ولذا مدَحه النبي ﷺ وذمَّه، لاعتبارين مختلفين، وقصدين متغايرين: مدحه بقوله في حديث ابن عمر: " إن من البيان لسحرا" (١) وذمه بقوله من حديث أم سلمة: " إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أبلغُ بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها" (٢) .
وعقل الفقهاء عن رسول الهدى أنه مدح البيان، إذا كان لقصد صحيح، وذمَّه إذا كان لغرض فاسد، وذاك يدل على أنه ليس بمذموم ولا ممدوح
стр. 8
لذاته، وإنمَّا لمِاَ يلحقه من الأغراض، ونقل الحافظ في الفتح عن الخطابي أنه قال: " البيان اثنان: أحدهما ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والآخر ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلَب القلب، وغلب على النفس، حتى يحوِّل الشيءَ عن حقيقته، ويصرفَه عن جهته، فيلوحَ للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صَرف إلى الحق يمدح، وإذا صَرف إلى الباطل يذم، قال: فعلى هذا، فالذي يشبه بالسحر منه هو المذموم " ا?.
قال الحافظ:" وقد حمل بعضهم الحديث على المدح، والحث على تحسين الكلام، وتحبير الألفاظ ... وحمله بعضهم على الذم لمن تصنع في الكلام، وتكلفه لتحسينه، وصرَف الشيء عن ظاهره، فشُبِّه بالسحر الذي هو تخييل لغير حقيقة" (١) . وقال صعصعة بن صوحان عن هذا الحديث:" صدق رسول الله ﷺ الرجل يكون عليه الحق، وهو ألحنُ بالحجة من صاحب الحق، فيسحرُ الناس ببيانه، فيذهبُ بالحق " (٢) .
قال الحافظ: "وحمل الحديث على هذا صحيح، لكن لا يمنع حملَه على المعنى الآخر إذا كان في تزيين الحق، وبهذا جزم ابن العربي وغيره من فضلاء المالكية، وقال ابن بطال: أحسن ما يقال في هذا، أن هذا الحديث ليس ذما للبيان كله ولا مدحا، لقوله: " من البيان " فأَتى بلفظة " مِنْ " التي للتبعيض،
стр. 9
وكيف يُذَم البيان وقد امتن الله به على عباده حيث قال: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ, عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن٣-٤] (١) .
قلت: وهو كلام صحيح، فالبيان فيه المذموم والممدوح كما تقدم، ولفظ الحديث في الموطأ دال على هذا التقسيم.
وإذا كان البيان بهذه المنزلة، فلا ريب أنه بمنزلة عظيمة، فبه يبلَّغ الوحي الإلهي إلى الناس، وبطلاوته ينساب إلى أفئدتهم، وعلى قوة أثره يعوَّل في تفنيد الشبهات، وقمع الشهوات، وفَتِّ المأْفُوكات وإزاحةِ اللبس عن الآي البينات.
ومن الاهتبال بالبيان وإحلاله منزلة عالية، أسمى الله تعالى كتابه بيانا في قوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨] وأسمى نبيه مبينا في قوله:
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] وقد أُوتي ﷺ من البيان والفصاحة ذروتهما، وله فيهما أفنانٌ ومذاهبُ، لا ترتقي مصاقِعُ البلغاء إلى عليائها، ولا تطمح أن تتبوأ أعاليها، وحسبها أن تُطرِق لبيانه، وأن تتسمع لبلاغته، وأن تتلمس توجيهها، وإثارةَ غرائبها، وإدراك معانيها.
إنه في بيانه لَإمام ... حارَ في درْك غوره البلغاء
стр. 10
وهذا يستدعي حقيقة هامة، أغفلها كثير ممن يتعاملون مع الوحيَيْن قديما وحديثا، وهي أن من لم يتمكن من ناصية الأدب واللغة العربية، فلن يكون فهمه في عمومه سليما لهذين الوحيين، لأنهما في قمة سامقة من جوامع كلم البلاغة، فالتعامل معهما يستوجب استعدادا خاصا.
وما وقع فيه جميعُ الفرق المنحرفة عن فهم السلف المتقدمين: من تأويلات فاسدة، وآراء عليلة، مرَدُّ أغلبها إلى عُجْمتهم، وعدم إدراكهم مراد المتكلم من كلامه، فحملوا كلام الله ورسوله على ما لا يرضاه أحدهم لنفسه في كلامه، فضلوا بذلك وأضلوا. ولو كانوا عربا أقحاحا، أو استمدوا العربية تعلما من معادنها، لما وقعوا فيما وقعوا فيه من غرائب المحامل.
وكان العرب الخُلَّص من الأئمة أمثال مالك والشافعي، وأحمد، وأضرابهم، سلِيمِي الفهم، دقيقي التعليل، دراكين لمقاصد النصوص ومعانيها المرادة منها، فعلى أفهامهم يعوَّل وعلىما قعَّدوه يعتمَد في التفريع والتأصيل، وبه يستهدَى في التأويل والتنزيل.
стр. 11
السنة النبوية وحي من الله، محفوظة كالقرآن
الأستاذ الدكتور: الحسين آيت سعيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المبحث الأول: في عصمة الأنبياء
أ - إن عصمة الأنبياء، من القضايا الخطيرة في الدين، والمسائلِ الأساسية فيه، التي لا يصح شيء منه إلا بصحتها وإثباتها بآياتها وبراهينها، ذلك أن التصديق بالوحي كلِّه أنه من عند الله، وأن الآتي به أرسله الله، يتوقف على ثبوت عصمته في كل ما يقول ويفعل ويبلغ عن الله تعالى.
وهذه القضية من قضايا العقيدة، فهي بذلك من أصول الدين لا من فروعه التي يجوز فيها الخلاف، ولذلك ينبغي أن تبحث في كتب العقائد. وقد أكثر من تشقيق الكلام عليها وتفصيله، المتكلمون المحكِّمون لعقولهم، حتى قالوا ما تقشعر منه الجلود، وتنفر منه الطباع السليمة، واستفاضوا في تفاصيل لا يترتب عليها أي عمل، ولا يتعلق بها أي مقصود، وأكثروا من تجويزات عقلية -لا وجود لها إلا في أذهانهم- في هذا الموضوع الواقعي، فجرَّهم ذلك الترفُ الفكري إلى أن جوزوا على الأنبياء ما لا يجوز، وصرحوا بما يتحاشى كل مسلم أن يصرح به، وجرَّؤُوا السفهاء ممن لا عقل لهم، أو لادين لهم -من العلمانيين والمستشرقين والمستعربين- على منصب النبوة بهذه الأقوال السمجة، كما فعل ابن الراوندي الملحد في كتاب الزمرد (١) .
ومن هذه الافتراضات، ما ذهب إليه الباقلاني وارتضاه الآمدي أن النبي ﷺ لا تجب عصمته من الكذب غلطا ونسيانا (٢) .
ومنها أنه ذهب بعض الكرامية إلى تجويز الكذب عليهم في التبليغ (٣) .
стр. 12
ومنها أن بعض الخوارج، جوزت الكفر على الأنبياء قبل البعثة، حكاه صاحب "المواقف" وزعم هو أنه لم يقم دليل سمعي على امتناع صدور الكبائر منهم قبل النبوة (١) .
ب - ما العصمة؟
العصمة لغة المنع والحفظ والوقاية، قال ابن فارس:" العين والصاد والميم، أصل واحد صحيح، يدل على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى في ذلك كله معنى واحد، من ذلك العصمة، أن يعصم الله تعالى عبده من سوء يقع به، واعتصم العبد بالله إذا امتنع، واستعصم: التجأ" (٢) . وفي اللسان:" عصمه يعصمه عصما منعه، يقال: عصمته فانعصم، واعتصمت بالله، إذا امتنعت بلطفه من المعصية، وعصمه الطعامُ منعه من الجوع، واعتصم به واستعصم، امتنع وأَبىَ ..." (٣) .
وهذه المادة تكررت في القرآن الكريم مرارا بصيغ مختلفة، تؤول لمعنى الحفظ والمنع.
قال تعالى حاكيا عن ابن نوح: ﴿قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] . وقال: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب:١٧] وقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] .
стр. 13
والعصمة شرعا: قد اختلف المتكلمون في تعريفها اختلافا كثيرا أدى إلى تناقضهم وافتراضهم أموراً لا وجود لها إلا في أذهانهم، وكل منهم ينطلق في النظر للعصمة من منحاه العقدي (١) . وأقربُ التعاريف للصواب، هو قول ابن النجار " إن العصمة صرف دواعي المعصية عن المعصية، بما يلهم الله المعصوم من ترغيب وترهيب" (٢) .
ج - من أي شيء عُصِمَ الأنبياء ﵈؟
اتفق أهل الإسلام على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قد عُصِموا من كل ما يخل بالتبليغ، كالشك، والجهل بالأحكام المنزلة عليهم، وكتمان الوحي، والكذب، والوسواس، وأن يقولوا ما ليس بحق، والتقصير في البلاغ، وتسليط الشيطان وتلبيسه عليهم، وتسليط الإنس أيضا عليهم بالإيذاء المُخِل بالرسالة. وبالجملة فهم معصومون من جميع الكبائر، والإجماعُ على هذا حكاه غير واحد.
قال ابن النجار: " فالإجماع منعقد على عصمتهم من تعمد الكذب في الأحكام وغيرها، لأن المعجزة قد دلت على صدقهم فيها، فلو جاز كذبهم فيها، لبطلت دلالة المعجزة، ولا يقع ما يخل بصدقهم لا غلطا ولا سهوا عند الأكثر " (٣) . وقال ابن بَرْهان:" فإن الأمة أجمعت على أن الأنبياء معصومون عن الكبائر " (٤) .
стр. 14
وقال الزركشي:" والكلام في العصمة يرجع إلى أمور: أحدها في الاعتقاد، ولاخلاف بين الأمة في وجوب عصمتهم عما يناقض مدلول المعجزة، وهو الجهل بالله تعالى، والكفر به. وثانيها: أمر التبليغ، وقد اتفقوا على استحالة الكذب والخطأ فيه. وثالثها في الأحكام والفتوى، والإجماعُ على عصمتهم فيها، ولو في حال الغضب، بل يُستَدل بشدة غضبه ﷺ على تحريم ذلك الشيء. ورابعها في أفعالهم وسيرهم، فأما الكبائر فحكَى القاضي إجماع المسلمين أيضا على عصمتهم فيها، ويلحق بها ما يُزْرِي بمناصبهم، كرذائل الأخلاق والدناءات، وإنما اختلفوا في الطريق، هل هو الشرع أو العقل " ... (١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:" فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر الآمدي أن هذا قولُ أكثر الأشعرية، وهو قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم يُنقَل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم، إلا ما يوافق هذا القول... " (٢) .
د -هل هم معصومون من الصغائر؟
هذه المسألة فيها خلاف بين النظار في موضعين: أحدهما هل تتصور منهم الصغائر، والثاني هل وقعت منهم؟. فأما تصورها منهم، فقد منعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، وإمام الحرمين (٣) .
стр. 15
وأما وقوعها منهم، فقد قال به ابن السمعاني، ونقل ابن القشيري وإمام الحرمين عن الأكثرين عدم الوقوع، ورجحه الزركشي في البحر المحيط، وهو مذهب أبي بكر بن مجاهد، وابن فورك، ونقل عياض وقوعها منهم عن أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء (١) . هكذا نقل الزركشي وعياض عن هؤلاء، ونقل عنهم ابن حزم خلاف هذا الإطلاق بقوله:"وذهبت طائفة إلى أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يجوز عليهم كبيرة من الكبائر أصلا، ويجوز عليهم الصغائر بالعمد، وهو قول ابن فورك الأشعري، وذهب جميع أهل الإسلام من أهل السنة، والمعتزلة، والنجارية، والخوارج، والشيعة، إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلا معصية بعمد، لا صغيرة ولا كبيرة، وهو قول ابن مجاهد الأشعري شيخ ابن فورك، والباقلاني المذكورين، وهذا القول الذي ندين الله تعالى به، ولا يحل لأحد أن يدين بسواه " (٢) .
فهذا النص يفيد أنهم قيدوا عدم الوقوع بالعمد، وما نقله الزركشي عنهم مطلق، يحتمل التقييد وعدمه، وأقوالُ أصحاب المقالات، يقع فيها مثل هذا الاضطراب، فقد يُنقَل عن شخص واحد كالأشعري مثلا شيءٌ وضده، وذلك راجع إما لأقوال له في المسألة، أو خطأ في النقل، ولاسيما أن هذه المقالات، تنقل بلا أَزمَّة الأسانيد، التي يمكن تقويمها من خلالها.
وكيفما كان، فما قاله ابن حزم ومن معه، فهو الصواب الذي يجب اعتقاده من أن الصغائر لا تصدر منهم عمدا، فإذا وقعت منهم، فتكون سهوا، أو خطأ.
стр. 16
وسبب الخلاف في وقوعها منهم أو عدم وقوعها، اختلافهم في تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، فذهب أبو إسحاق الاسفراييني إلى أن الذنوب كلها شيء واحد، لأنها مخالفة أمرالآمر، وتبعه الجويني بقوله:" المرضي عندنا أن كل ذنب كبيرة، إذ لاتراعى أقدار الذنوب حتى تضاف إلى المعصي بها" (١) ثم في فصلِ عصمة الأنبياء، ذكَر ما يدل على أنه يقر بالتقسيم (٢) .
والجويني كثير الاضطراب في تقرير أصول المعتقد، فهو أحيانا يجمع بين الشيء ونقيضه. وقال ابن تيمية: " لم يذكر الله عن نبي من الأنبياء ذنباً إلا ذكر توبته منه، ولهذا كان الناس في عصمة الأنبياء على قولين: إما أن يقولوا بالعصمة من فعلها، وإما أن يقولوا بالعصمة من الإقرار عليها، لا سيما فيما يتعلق بتبليغ الرسالة، فإن الأمة متفقة على أن ذلك معصوم أن يقر فيه على خطأ، لأن ذلك يناقض مقصود الرسالة، ومدلول المعجزة. ...والمقصود هنا أن الله لم يذكر في كتابه عن نبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر توبته منه ... واعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة، على طرفي نقيض، كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه، قومٌ أفرطوا في دعوى امتناع الذنوب، حتى صرفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب، ومغفرةِ الله لهم، ورفْعِ درجاتهم بذلك، وقوم أفرطوا في أن ذكروا عنهم ما دل القرآن على براءتهم منه، وأضافوا إليهم ذنوباً وعيوبا نزههم الله عنها، وهؤلاء مخالفون للقرآن،
стр. 17
وهؤلاء مخالفون للقرآن، ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف، كان من الأمة الوسَط، مهتديا إلى الصراط المستقيم (١) .
وقال:" والكلام في هذا المقام مبني على أصل، وهو أن الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه وفي تبليغ رسالته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ماأُوتُوه ... وهذه العصمةُ الثابتة للأنبياء، هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة ... والعصمةُ فيما يبلغون عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين، ولكن هل يَصْدر ما يستدركه الله، فيَنسخ ما يُلقِي الشيطانُ، ويُحكِم الله آياته، فهذا فيه قولان، والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك .... وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة، فللناس فيه نزاع، هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع، ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها، أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب القول إلا في التبليغ فقط ... والقولُ الذي عليه جماهير الناس ـ وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف ـ إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا ... وحججُ القائلين بالعصمة إذا حُرِّرت إنما تدل على هذا القول، وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أُقر عليه الأنبياء، فإن القائلين بالعصمة، احتجوا بأن التأسي بهم مشروع فيما أُقروا عليه دون مانهوا عنه، ورجعوا عنه ... وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال، أو أنها ممن عظُمت عليه النعمة أقبح، أو أنها توجب التنفير... فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع، وإلا فالتوبة
стр. 18
النصوح التي يقبلها الله، يرفع بها صاحبها إلى أعظمَ مما كان عليه، كما قال بعض السلف: كان داودُ ﵇ بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة.
وقال آخر: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إلى الله، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه ... وفي الكتاب والسنة الصحيحة، والكتب التي قبل القرآن مما يوافق هذا القول، ما يتعذر إحصاؤه.
والرادّون لذلك، تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية، والقدرية، والدهرية، لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد، وهي من جنس تأويلات القرامطة الباطنية التي يُعلَم بالاضطرار أنها باطلة، وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيمَ الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم، فيقع في الكفر بهم" (١) .
وهذا المذهب الذي يرى الذنوب كلها في مرتبة واحدة باطل، لأن النصوص متواترة عن النبي ﷺ في تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، والقرآن الكريم قد صرح بذلك بلا لبس، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] ومعنى الآية أن اجتناب الكبائر والبعدَ عنها، يكون سببا في تكفير ما اقترف من السيئات، وهي الصغائر، فلو كانت الكبائر هي السيئات، لكان معنى الآية: إن تجتنبوا الكبائر نكفر عنكم الكبائر، وهذا معنى باطل، لأن مالم يفعل لا يتصور فيه التكفير، وإنما التكفير ينصب على ما فعل من الصغائر التي لا يخلو منها بشر.
стр. 19
وأحاديثُ النبي ﷺ في انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، أكثر من أن تحصى، منهاقوله من حديث أبي بكرة: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" فكررها ثلاثا (١) ويقابل هذا الغلو في نفي التقسيم غلو آخر، يرى أصحابه أنه ﷺ لاتقع منه صغائر لا عمدا ولاسهوا، وقد نقل هذا المذهبَ إمامُ الحرمين وابن القشيري عن الأكثرين (٢) وردوا عشرات النصوص المتواترة الدالة على ذلك في الكتاب والسنة، من مثل قوله تعالى:
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ [الفتح:٢] وقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥] .
وقوله ﷺ من حديث " إنه ليغان على قلبي، وإني أستغفر الله سبعين مرة " (٣) وحملوا ذلك كله على ما قبل النبوة، أو ترك الأَوْلى، أو فعلوا ذلك بتأويل. وهذا التمحل يؤدي إليه اعتقاد هؤلاء أن القول بأنه ﷺ تصدر عنه بعض الصغائر سهوا، يَغُضُّ من مقامه، وليس الأمر كذلك، بل الصواب أنها قد تصدر عنه صغائر سهوا أو خطأ، فينبَّه عليها ويتوب منها، فتكون منزلته عند الله بعد التوبة أرقى منها قبل التوبة، وهو بذلك ينزقى من كمال إلى أكمل.
هـ - هل السهو يجوز عليهم؟
قال ابن حزم: " إنه يقع من الأنبياء السهو من غير قصد، ويقع منهم أيضا قصد الشيء يريدون به وجه الله تعالى والتقرب به منه، فيوافق خلاف
стр. 20
مراد الله تعالى، إلا أنه تعالى لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلا، بل ينبههم على ذلك ولا يداثر (١) وقوعه منهم، ويظهر عزوجل ذلك لعباده ويبين لهم، كمافعل نبيُّه في سلامه من اثنتين، وقيامه من اثنتين، وربما عاتبهم على ذلك بالكلام كما فعل مع نبيه ﵇ في أمر زينب أم المؤمنين، وطلاق زيد لها ﵄ وفي قصة ابن أم مكتوم ﵁ " (٢) .
وينبغي تقييد السهو منهم - كما ذهب إليه أكثر الفقهاء والمتكلمين - بالأفعال دون الأقوال، لأن الأدلة إنما جاءت في سهوهم في الأفعال، دون الأقوال، وقد حكى العلامة القاضي عياض الإجماع على امتناع السهو فيها (٣) . وهذا هو الصواب الذي لا محيد عنه.
стр. 21
المبحث الثاني: في اجتهاد الأنبياء ﵈
هذه المسألة هي التي سيبنى عليها جواب عنوان هذا الموضوع، وهو: هل السنة كلها وحي، أو فيها اجتهاد؟
وفي الموضوع قضايا متفق عليها، وقضايا مختلف فيها.
فأما المتفق عليه، فقد أجمعوا على جواز التعبد بالاجتهاد عقلا للأنبياء ﵈ كغيرهم من المجتهدين، وهذا الإجماع حكاه ابن فورك، والأستاذ أبو منصور (١) . وأجمعوا أيضا على جواز التعبد بالاجتهاد للأنبياء فيما يؤول إلى الأمور الدنيوية ومصالحها، وتدبير أمور الحروب، وما يحفظ بيضة الأمة وكيانها، وهذا الإجماعُ حكاه الزركشي (٢) ونقله ابن النجار عن ابن مفلح (٣) .
وأما المختلف فيه، فقد اختلفوا في اجتهاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأمور الشرعية على أربعة مذاهب:
الأول: ذهبت الظاهرية وأكثر الأشاعرة والمعتزلة، إلى أنه لا يجوز لنبينا ولا لغيره من الأنبياء الاجتهاد في الشرعيات مطلقا، وقال القاضي أبو يعلى: إنه ظاهر كلام أحمد في رواية ابنه عبد الله (٤) .
стр. 22
الثاني: ذهب الجمهور ـ من الشافعية والمالكية والحنابلة، والحنفية ـ بشرط انتظار الوحي واليأسِ من نزوله عندهم – وبعضِ الأشاعرة، والقاضي عبد الجبار، وأبي الحسين البصري من المعتزلة، واختاره ابن الحاجب، والغزالي، والبيضاوي، وابن السبكي ـ إلى جواز ذلك لنبينا ﷺ وغيره من الأنبياء، ووقع منه ﷺ ، وإذا اجتهد فهل يصيب دائما ولا يخطئ، أو يصيب ويخطئ كغيره من المجتهدين؟ فكل من قال بعصمته مطلقاً فإنه يصيب عنده دائما، وهو مذهب أبي جعفر السجستاني أيضا حكاه بقوله:" الله تعالى يصرفه عن الخطأ، ويهديه إلى الصواب " (١) .
الثالث: المنع مطلقا، وحُكي هذا المذهب عن أبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم (٢) . وإذا جاز للنبي ﷺ وغيره من الأنبياء الاجتهاد في الأحكام الشرعية، فهل وقع ذلك منهم؟ لأنه ليس كل ما جاز يقع، هذه المسألة قد ذهب أكثر المتكلمين، وبعض الشافعية إلى عدم الوقوع، وهو مذهب باطل بالأدلة الدامغة التي ستأتي.
الرابع: التوقف، وقد ذهب إليه قوم، واختاره الباقلاني، وزعم الصيرفي أنه مذهب الشافعي، لأنه حكى الأقوال، ولم يختر شيئا منها (٣) .
قلت: قد نقل الرازي عن الشافعي قوله: "لا يجوز أن يكون في أحكام الرسول ﷺ ما صدر عن الاجتهاد، وهو قول أبي يوسف (٤) .
стр. 23
وهذا فيه تصريح الشافعي بالمطلوب. ويعارضه ما نقله الواحدي في الوسيط من أَن مذهب الشافعي الجواز وهو الصواب (١) .
أدلة هذه المذاهب
أـ أدلة المذهب الأول
استدل المذهب الأول المخصص للاجتهاد بالأمور الدنيوية بالكتاب والسنة والمعقول:
أ - فأما الكتاب فقد استدل بمايلي:
(١) قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] . ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى حصر ما ينطق به النبي ﷺ في أنه وحْيٌ يوحى إليه، فلو كان يجتهد في الأحكام، لما صح هذا الحصر، ولكان بعض ما ينطق به، وحيا وبعضه اجتهادا، فلما حصر نطقَه في أحد القسمين، دل ذلك على نفي الثاني عنه، وهذا الحصر وقع، بـ"إِنْ" و"إِلاَّ" الدالتين على قصر الموصوف على الصفة.
قال ابن حزم: "لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه، فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ ووجدناه يقول فيه -واصفا لرسوله ﷺ :" وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله إلى رسوله ﷺ على قسمين: أحدهما وحي متلوٌّ مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن.
стр. 24
والثاني وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز ولا متلو، لكنه، مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ ، وهو المبين عن الله عزوجل مراده منا، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق .... والقرآن والخبر الصحيح، بعضُها مضاف إلى بعض، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى، وحكمهُما حكم واحد في وجوب الطاعة لهما .... ونحن إذ أطعنا أمر نبينا ﷺ ، لِعِلْمنا أنه كله من عند الله ، وأنه لا يقول من تلقاء نفسه شيئا " (١) .
وبهذا قال بعض المفسرين، قال القرطبي:" وفيها أيضا دلالة على أن السنة، كالوحي المنزل في العمل.. (٢) وقال الرازي" هو" ضميرُ معلومٍ أو ضميرُ مذكورٍ، نقول: فيه وجهان: أشهرهما أنه ضمير معلوم، وهو القرآن، كأنه يقول: ما القرآن إلا وحي ...والوجه الثاني أنه عائد إلى مذكور ضمناً وهو قول النبي ﷺ وكلامُه، وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ في ضمنه النطق وهو كلام وقول، فكأنه تعالى يقول: وما كلامه – وهو نطْقُه – إلا وحي (٣) .
وقال الشنقيطي:" هذه الآية تدل بظاهرها على أن النبي ﷺ لا يجتهد في شيء، وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه ربما اجتهد في
стр. 25
بعض الأمور .... والجواب عن هذا من وجهين: الأول هو الذي اقتصر عليه ابن جرير، وصدر به ابن الحاجب في مختصره الأصولي، أن معنى قوله تعالى:" وما ينطق عن الهوى " أي في كل ما يبلغه عن الله " إن هو " أي كلُّ ما يبلغه عن الله "إلا وحي" من الله، لأنه لا يقول على الله شيئا إلا بوحي منه، فالآية رد على الكفار حيث قالوا: إن النبي ﷺ افترى هذا القرآن كما قال ابن الحاجب. والوجه الثاني أنه إن اجتهد، فإنه إنما يجتهد بوحي من الله، يأذن له به في ذلك الاجتهاد، وعليه فاجتهاده بوحي فلا منافاة" (١) .
وقال ابن كثير:" وما ينطق عن الهوى " أي ما يقول قولا عن هوى وغرض " إن هو إلا وحي يوحى " أي إنما يقول ما أُمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفرا، من غير زيادة ولا نقصان " (٢) .
(٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى تكفل بحفظ الذكر الذي أنزله، والذكْرُ يشمل الكتاب والسنة، فكلاهما منزل من عند الله بنص الآية، وكلاهما محفوظ، كما هو مدرك بالمشاهدة والعيان. قال ابن حزم:" وضمان الله تعالى، قد صح في حفظ كل ما قاله رسول الله ﷺ " (٣) .
(٣) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥] ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى حصر نِذاَرة النبي ﷺ لقومه
стр. 26
فيما أوحى إليه، ونذارتُه لهم كانت بالقرآن والسنة يقينا، فدل ذلك على أن السنة وحي كالقرآن.
قال ابن حزم -معلقا على هاتين الآيتين-:" فأخبر تعالى كما قدمنا، أن كلام نبيه ﷺ كله وحي، والوحي كله محفوظ بحفظ الله عزّوجل، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء؛ إذ ما حفظ الله تعالى بلا خلاف ذكْر، والذكر محفوظ بنص القرآن، فصح بذلك أن كلامه ﷺ كله محفوظ بحفظ الله عزّوجل، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء؛ إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله، فلله الحجة علينا أبدا " ... (١) .
(٤) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٨-١٩] . ووجه الدلالة من الآيتين، أن الله تعالى أمر نبيه باتباع قراءة جبريل، والإنصاتِ لها، ثم بعدها تكفل الله له أن يبين له معاني ما قرأ وسمع. والبيانُ إنما وقع بالسنة، فدل ذلك على أن السنة من عند الله، كالقرآن سواء، لأن الله تعالى أضاف البيان لنفسه، فأفاد ذلك أن الرسول ﷺ إنما يتلقاه منه.
قال ابن حزم:" فأخبر تعالى أن بيان القرآن عليه ، وإذا كان عليه، فبيانه من عنده تعالى، والوحي كله - متلوُّه وغير متلوه - فهو من عند الله " (٢) .
(٥) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] . قال ابن حزم:" فصح بهذه الآية صحة ضرورية، أن
стр. 27
القرآن والحديث الصحيح متفقان، هما شيء واحد، لا تعارض بينهما ولا اختلاف، يوفق الله تعالى لفهم ذلك من شاء من عباده، ويحرمه من شاء، لا إله إلا هو ... وصح بما ذكرنا بطلانُ قول من ضرب القرآن بعضه ببعض، أو ضرب الحديث الصحيح بعضه ببعض، كضرب القرآن والحديث بعضهما ببعض ...ونحن إنما أطعنا أمر نبينا ﵇، لعلمنا أنه كله من عند الله، وأنه لا يقول من تلقاء نفسه شيئا ..." (١) .
(٦) قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه ﷺ أنه أنزل إليه الذكر ليبينه للناس، والذكْرُ هو الكتاب والسنة، فكل منهما ذكر، ووظيفته ﷺ بيان الذكر النازل من عند الله، فصح بهذا التعميم، أن السنة من عند الله كالقرآن، وأنه يوحى إليه ﷺ بها كما يوحى إليه بالقرآن، ومن خص الآية بالقرآن وحده، فليس عنده دليل يجب التسليم له، وتقوم الحجة به على التخصيص، والأصل هو العموم، والتخصيص استثناء، ومدَّعِي الاستثناء، عليه الدليل.
قال ابن حزم:" بل فيها بيان جلي، ونص ظاهر أنه أنزل تعالى عليه الذكر ليبينه للناس، والبيان هو بالكلام، فإذا تلاه النبي ﷺ فقد بينه، ثم إن كان مجملا لا يفهم معناه من لفظه، بيَّنَه حينئذ بوحي يوحى إليه، إما متلو أو غير متلو ..." (٢) .
стр. 28
(٧) قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] . قال ابن حزم: " فلو أنه ﷺ شرَّع شيئا لم يوح إليه به، لكان مبدلا للدين من تلقاء نفسه، وكل من أجاز هذا، فقد كفر وخرج عن الإسلام، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان " (١) .
(٨) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٥] . ووجه الدلالة أن الله تعالى نفى عن نبيه ﷺ أن يتقول عليه شيئا لم يُوحَ به إليه، ولا أن ينسب إليه شيئا لم يأذن له فيه، والاجتهاد في الأحكام الشرعية مظنة الزلل، لأن الخطأ فيها وارد، فإذا نُفِي الزلل، نفي سببه الذي هو الاجتهاد، ونفْيُ الملزوم يستدعي نفي اللازم بالضرورة، لأن اللازم لا يوجد بدون ملزومه، والزللُ لازم الاجتهاد، فنفيه نفي لاجتهاده ﵇.
قال ابن حزم:" إن من ظن أن الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها، فهو كفر عظيم، ويكفي من إبطال ذلك أمره تعالى نبيه ﵇ أن يقول:" إن أتبع إلا ما يوحى إلي " ... (٢) .
ب - وأما السنة النبوية، فقد استدلوا منها بمايلي:
(١) حديث أبي هريرة – ﵁ – قال: سئل النبي ﷺ عن الحمر فقال: " ما أُنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الفاذة
стр. 29
الجامعة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] (١) .
ووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ سئل عن حكم الحمر، فأجاب بأنه لم ينزل عليه فيها شيء، فلو كان يجوز له الاجتهاد لاجتهد في حكمها، وأجاب السائل بما أداه إليه اجتهاده، فلما لم يجتهد في النازلة مع وجود الداعي، وأحال السائلَ على عموم الآية، دل ذلك على أن كل ما يقوله، إنما يقوله بوحي.
(٢) حديث جابر قال:" جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدَعْ لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال النبي ﷺ : " يقضي الله في ذلك " فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: " أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك " (٢) .
ج - وأما الأدلة العقلية، فقد استدلوا بمايلي:
стр. 30
والاجتهادُ إنما يكون لضرورة، كفقدان النص أو إشكاله، والنبي ﷺ لا تتصور فيه هذه الضرورة، وإذا انتفى السبب انتفى المسبب.
(٢) لو كان في الأحكام المتلقاة عنه ﷺ ما يجوز أن يكون ناشئا عن الاجتهاد، لجاز أن لا يجعل أصلا لغيره، ولجاز لغيره من المجتهدين أن يخالفه فيه، وأن لا يكفَّر بذلك، لأن ذلك كله من لوازم الاجتهاد، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم بالضرورة. والمراد باللازم، أن لا يجعل ما اجتهد فيه النبي ﷺ أصلا، وأن يخالف فيه، وأن لا يكفر من خالفه في اجتهاده، وهذه كلها لوازم باطلة، فمخالفته ﷺ محرمة، ويكفر متعمدها، وما تُلقُي عنه من الأحكام هو أصل، فإذا كانت كذلك، بطل أن تكون ناشئة عن اجتهاد، وصح أنه لا يفعل ولا يقول شيئا إلا بوحي، وهو المطلوب.
(٣) الاجتهاد لا يدل على الحكم إلا بالظن الغالب عند المجتهد، والنبي ﷺ قادر على أن يعلم الحكم بالوحي القاطع، والقادر على تحصيل اليقين لا يجوز له المصير إلى الظن.
(٤) لو كان ﷺ متعبَّدا بالاجتهاد لأظهر ذلك، ولما توقف في مسائل عديدة سئل عنها فانتظر الوحي، لمِاَ في توقفه من ترك ما وجب عليه من الاجتهاد، واللازم باطل، فكذلك الملزوم.
(٥) الأمور الشرعية، مبنية على المصالح التي لا علم للخلق بها، فلو حكم فيها النبي ﷺ بالاجتهاد، لكان غير عالم بالأصلح فيها، ولأدى ذلك إلى الاختلاف فيها، وهذا باطل، وما بني عليه أيضا باطل.
стр. 31
(٦) النبي ﷺ ليس له أن يخبر بما لا يعلم صدقه، فكذلك ليس له أن يحكم بما لا يعلم صوابه (١) .
ب - أدلة المذهب الثاني
واستدل الفريق الثاني بالكتاب والسنة والاعتبار.
أ - فأما الكتاب فقد استدلوا منه بمايلي:
(١) قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] ووجه الدلالة من الآية، أن الاعتبار هو العبور من أمر واقع إلى أمر يشبهه في ملامحه وصفاته، وهذا معنى القياس، والنبي ﷺ داخل في عموم الأمر به كسائر أمته، ولا دليل على تخصيصه من هذا العموم، وهو ﷺ من أجَلِّ المعتبِرين، وأعظم المتفكرين في آيات الله، فكان أولى بتعبده بالاجتهاد والقياس. حُكي عن ثعلب قال: "الاعتبار في اللغة هو رد حكم الشيء إلى نظيره، ومنه يسمى الأصل الذي يرد إليه النظائر عبرة.." (٢) .
(٢) وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] ووجه الدلالة من الآية أن النبي ﷺ من جملة المأمورين بتعقل الأمثال المضروبة، والأمثالُ عبارة عن أقيسة، يشبه فيها ما سيقع للمكذبين للنبي ﷺ ، بما وقع للمكذبين للأنبياء قبله، لأن العلة واحدة، وهي التكذيب. وتعقُّلُ ذلك،
стр. 32
وإدراكه، وتدبره، هو الاجتهاد، والنبي ﷺ فيه كغيره، وهكذا جميع الأمثلة المضروبة في القرآن، فهي على هذه الشاكلة.
(٣) قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣] . ووجه الدلالة من الآية أن النبي ﷺ أَذِنَ لمن استأذنه في التخلف عن الجهاد لعذر، وكان المنافقون يعتذرون له بأعذار كاذبة، فعاتبه القرآن على إذنه لهم في التخلف دون استبانة من كان صادقا منهم في عذره، ممن انتحل عذرا غير حقيقي، وقد اجتهد النبي ﷺ في الإذن لهم، فجاء القرآن يصوب خلاف ما فعل، وذلك دليل الاجتهاد في المسألة، وهو المطلوب. قال الأصفهاني:" أما وجه التمسك بالآية، فإنه عاتب الرسول ﷺ في الآية على الإذن، فلو كان بالوحي لما عاتبه، وإذا لم يكن بالوحي تعين أن يكون بالاجتهاد" (١) .
(٤) قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٧] .
ووجه الدلالة من الآية أن النبي ﷺ أطلق أسرى بدر، بعضَهم بالمن عليه بلا فداء، وبعضهم بالفداء، اجتهادا منه، فنزل القرآن يبين له أن قتلهم هو الصواب. وقصةُ ذلك بتفصيل رواها ابن عباس ﵄ قال:" فلما أَسروا الأسارى، قال رسول الله صلى الله
стр. 33
عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى" فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أَرى أن تأخذ منهم فدية، فتكونَ لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب" قلت: لا وَاللهِ يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكِّنَّا فنضربَ أعناقهم، فتمكنَ عليا من عَقيل فيضربَ عنقه، وتمكِّنيِّ من فلان -نسيبا لعمر- فأضربَ عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوِيَ رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهْوَ ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدَيْن يبكيان، قلت يا رسول الله، أخبرني عن أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عَرَض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة" -شجرة قريبة من النبي ﷺ وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال:٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم" (١) .
ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ استشار أصحابه في الأسرى فأشار كل بما يرى، فاجتهد في الاختيار من آرائهم، فأخذ برأي أبي بكر، فنزل القرآن يصوب ما رآه عمر، واستشارتُه ﷺ أصحابَه، دليل على أن المسألة ليس عنده فيها وحي، فلو كان فيها وحي، ما
стр. 34
احتاج لاستشارتهم، فلم يبق إلا استخراج الحكم بالاستشارة، وهي نوع من أنواع الاجتهاد.
قال ابن بطة: " والدليل على أن سنته وأوامره قد كان فيها بغير وحي، وأنها كانت بآرائه واختياره، أنه قد عوتب على بعضها، ولو أُمر بها لما عوتب عليها، من ذلك حكمه في أسارى بدر، وأخذه الفدية، وإذنه في غزوة تبوك للمخلفين بالعذر، حتى تخلف من لا عذر له، ومنه قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فلو كان وحيا لم يشاور فيه" ... (١) .
(٥) قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤] .
ووجه الدلالة من الآية أن النبي ﷺ اجتهد في صلاته على عبد الله بن أُبي المنافق، بناء على ظاهره، وإرضاءً لابنه عبد الله الصحابي التقي النقي، فنزل القرآن بنقض هذا الاجتهاد، وبيانِ أن عدم الصلاة على المنافقين هو الجادة، لكفرهم بالله ورسوله.
وسبب نزول هذه الآية، أن عمر ﵁ قال: لما توفي عبد الله بن أُبي، جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما
стр. 35
خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠] وسأزيده على السبعين، قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] (١) .
ب ـ وأما من السنة فقد استدلوا بمايلي:
(١) حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: " إنكم تختصمون إِليَّ، ولعل بعضكم ألحنُ بحجته من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها " (٢) .
ووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ قد يحكم باجتهاده لأحد الخصمين في نازلة، فيكون حكمه مخالفا للحقيقة في الباطن، لذا أَمر من حَكم له بما ليس له حقيقة ألا يأخذه، لأن حكمه لا يحلُّه له، فلو كان قد حَكم بالوحي، لكان حكمه صوابا ظاهرا وباطنا، فلما حذَّر المحكوم له، العالمَ في باطن الأمر أنه أخذ بحكمه ما ليس له، دل ذلك على اجتهاده في الأحكام، وهو المطلوب.
قال الحافظ: " وفيه أنه ﷺ كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء، وخالف في ذلك قوم، وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم.
стр. 36
وفيه أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به، ويكون في الباطن بخلاف ذلك، لكن مثل ذلك لو وقع، لم يقَرَّ عليه ﷺ لثبوت عصمته" (١) .
(٢) حديث عمر أنه قال:" يا رسول الله، صنعتُ اليوم أمرا عظيما، قبَّلتُ وأنا صائم، فقال له رسول الله ﷺ : " أرأيتَ لو تمضمضت بماء وأنت صائم "؟ فقلت: لا بأس بذلك. فقال له رسول الله ﷺ : " فصُمْ " (٢) . ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ شبَّه القبلة بالمضمضة في أن كلا منهما مقدِّمة للفطر ولا يفطران، فكما أن المضمضة وسيلة للشرب وليست شربا، فكذلك القبلة وسيلة للوطء وليست وطئا، والوطءُ والشرب هما المفطران لا مقدماتهما. فهذا قياس من النبي ﷺ للقبلة على المضمضة، وهو دليل على أن النبي ﷺ كان يجتهد ويقيس، فلو كان عنده نص في المسألة لما جاز له القياس، لأنه لا معنى له مع وجود النص، فثبت المطلوب.
(٣) حديث ابن عباس في خطبة النبي ﷺ يوم فتح مكة قال: "حرم الله مكة، فلم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلَى خلاها ولا يعضد شجرها، ولا ينفَّر صيدها، ولا تُلتقط لقطتها إلا لمعرِّف " فقال العباس- ﵁ – إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا، فقال " إلا الإذخر " (٣) .
стр. 37
ووجه الدلالة من الحديث أن العباس لما بين للنبي مصلحة الإذخر استثناه، فلو كان وحيا ما تأخر استثناؤه، ولساقه مع ما قبله مساقا واحدا، فلما استثناه بعدَ ما روجع فيه، دل ذلك على اجتهاده فيه لمصلحته الراجحة.
قال الحافظ:" واختلفوا هل كان قوله ﷺ : " إلا الإذخر" باجتهاد أو وحي؟ وقيل: كان الله فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقا. وقيل: أُوحي إليه قبل ذلك أنه إن طَلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله.
وقال الطبري: " ساغ للعباس أن يستثني الإذخر، لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريمَ القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر ". وهذا مبني على أن الرسول كان له أن يجتهد في الأحكام، وليس ما قاله بلازم، بل في تقريره ﷺ للعباس على ذلك، دليل على جواز تخصيص العام......
قال ابن المنير: " والحق أن سؤال العباس، كان على معنى الضراعة، وترخيصَ النبي ﷺ كان تبليغاً عن الله، إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمَدٍ متسع فقد وهم " (١) .
(٤) حديث أم سلمة قالت: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست، ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : " إني إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل علي
стр. 38
فيه، فمن قضيت له لقضية أراها فقطَع بها قطعة ظلما، فإنما يقطع بها قطعة من نار " (١) . ووجه الدلالة من الحديث، نصه ﷺ على أنه يقضي باجتهاده فيما لم ينزل عليه فيه وحي، وهو المطلوب.
(٥) حديث جابر في أمره ﷺ أصحابه الذين ليس معهم هدي في حجة الوداع أن يتمتعوا.
وفيه قوله: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي" (٢) .
ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ ساق الهدي باجتهاده وأحرم مقرنا، فتبين له بعد ذلك أن الإحرام بالتمتع أفضل، فأمر به أصحابه، وتمنى لو كان محرما بعمرة. فلو كان إحرامه بوحي لمَاَ استقام قوله: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت " ولَمَا ندم على ما فعل، ولمَاَ تمنى عمرة بدل حج وعمرة مقترنين.
(٦) عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، شاطِرْنا (٣) تمْر المدينة، وإلا ملأناها عليك خيلا ورجالا، فقال: حتى أستأمَر السُّعُود، فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود، فقال: قد علمْتُ
стр. 39
أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وأن الحارث قد سألكم تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا.
فقالوا: يا رسول الله، أوحي من السماء - فالتسليم لأمرالله – أوعن رأيك وهواك؟ فرأينا تبع لهواك ورأيك، فإن كنتَ إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قِرى، لا واللهِ ما أَعْطَينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء بالإسلام، فقال رسول الله ﷺ :" هوذا، تسمعون ما يقولون؟ " قالوا: غدرت يا محمد ... الحديث (١) .
ووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ استشار أصحابه فيما سئل من مناصفة الكفار تمر المدينة، فلو كان أوحي إليه بشيء في ذلك، لمَاَ احتاج لاستشارتهم، ثم إن المستشارين من أصحابه استفسروه عما اقترح هل هو بوحي فيسلمون له، أو برأي، فرأيُه رأيهم. وذلك يدل على أنهم يفرقون بين ما كان وحيا -فيطيعونه فيه- واجتهادا فيبدون فيه اجتهادا آخر قد يخالف اجتهاده. وسؤالُهم ذلك يدل على أنه تقرر عندهم أنه ﵇ يجتهد، فلو لم يتقرر ذلك عندهم لما كان للسؤال فائدة.
(٧) عن رافع قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يأبُرون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا، فتركوه، فنفَضت (٢) أو فنقصت ـ قال: فذكروا ذلك له، فقال: " إنما
стр. 40
أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر".
وفي لفظ " طلحة بن عبيد الله:" إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ".
وفي لفظ عائشة: " لو لم تفعلوا لصلُح " قال: فخرج شِيصا (١) فمر بهم فقال: "مالنخلكم "؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال:" أنتم أعلم بأمر دنياكم" (٢) .
ووجه الدلالة من الحديث جلي، وهو نصٌّ في أنه ﷺ يجتهد ويخطئ في اجتهاده، لكنه ينبه على ذلك كما سبق.
قال الشاطبي: فإن الحديث إما وحي من الله صِرْف، وإما اجتهاد من الرسول ﵊ معتبرٌ بوحي صحيح من كتاب أو سنة. وعلى كلا التقديرين، لا يمكن فيه التناقضُ مع كتاب الله، لأنه ﵇، ما ينطق عن الهوى، وإذا فُرِّع على القول بجواز الخطأ في حقه فلا يقر عليه البتة، فلا بد من الرجوع إلى الصواب " (٣) .
وقال الشيرازي: "يجوز الخطأ على رسول الله ﷺ في اجتهاده إلا أنه لا يقر عليه، بل ينبه عليه (٤) .