منهج السلف في الدفاع عن العقيدة
د. عبدالمجيد بن محمد الوعلان
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصّرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم.
ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المضلين" (١).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بعث نبيه بالحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
موضوع البحث:
منهج السلف في الدفاع عن العقيدة.
مشكلة البحث:
إن الدفاع عن العقيدة من أهم الأمور، - وقد زعم بعض الناس أن السلف ليس لهم منهجا يسيرون عليه في دفاعهم عن العقيدة، وإنما هي اجتهادات فردية ليست مبنية على أصول وقواعد وضوابط، - ولأهمية هذا الموضوع وخصوصاً في هذا الوقت الذي نحن بأمس الحاجة لبيان منهج السلف في الدفاع عن العقيدة حتى نحتذي حذوهم في الدفاع عنها، ليحصل التوفيق - بإذن الله-، وحتى لا يلحق بمنهج السلف ما ليس منه من أخطاء قد تقع بسب اجتهاد أو زلة أو نحو ذلك.
стр. 3
حدود البحث:
سيقتصر البحث على:
أولًا: بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة.
ثانيا: أسباب الدفاع عن عقيدة السلف.
ثالثا: أهم خصائص وسمات منهج السلف في الدفاع عن العقيدة.
رابعا: المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة.
خامسا: المنهج الأخلاقي للسلف في الدفاع عن العقيدة.
مصطلحات البحث:
الخصائص: جمع الخَصِيصَة: وهي الصفة التي تميز الشيءَ وتحدّده (١).
السمات: جمع سِمَة، وهي: خَصلة أو سجيَّة ما يمكن أن يعتمد عليها في التفريق بين شخص معيَّن وآخر (٢).
الدراسات السابقة:
بمراجعة الباحث للمظان العلمية للدراسات المتعلقة بالبحث؛ وقف الباحث على عدد من الرسائل العلمية والمؤلفات التي تعنى ببيان جهود السلف في تقرير العقيدة والدفاع عنها، والرد على المخالف (٣) مع تركيزها على جهودهم، وهذا البحث يعنى ببيان الأسباب والدوافع عند السلف في الدفاع عن العقيدة مع ذكر أهم الخصائص والسمات، والمنهج العلمي والأخلاقي.
أهداف البحث:
١ - بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة.
٢ - أسباب دفاع السلف عن العقيدة.
٣ - بيان منهج السلف في الدفاع عن العقيدة.
أسئلة البحث:
١ - ما مشروعية الدفاع عن العقيدة؟
٢ - ما أسباب دفاع السلف عن العقيدة؟
٣ - ما منهج السلف في الدفاع عن العقيدة؟
стр. 4
منهج البحث وإجراءاته:
سلك الباحث في دراسته المنهج الوصفي، حيث يقوم بقراءة وتحليل واستنباط المادة العلمية ذات الصلة بمحاور الدراسة من مظانها العلمية، بما يخدم الدراسة ويحقق أهدافها. وسيعزو الآيات إلى أماكنها في القرآن، وذلك ببيان اسم السورة ورقم الآية ووضعها بين قوسين ﴿﴾، ويخرج الأحاديث والآثار، وذلك بذكر المصدر ورقم الحديث، ونقل كلام أهل العلم عليها إن لم تكن في الصحيحين أو أحدهما.
خطة البحث
تشتمل خطة البحث على: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة.
المقدمة: وتشتمل على موضوع البحث، ومشكلته، وحدوده، ومصطلحاته، والدراسات السابقة، وأهداف البحث، ومنهجه وإجراءاته، وخطة البحث.
التمهيد: يشمل على ثلاث مباحث:
المبحث الأول: تعريف المنهج لغة واصطلاحاً.
المبحث الثاني: تعريف السلف لغة واصطلاحا.
المبحث الثالث: بيان أهمية معرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة.
الفصل الأول: بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة.
الفصل الثاني: أسباب دفاع السلف عن العقيدة ومنها:
١ - حفظ الدين، وبيان كمال هذه الشريعة.
٢ - كشف شبهات المبطلين، واستبانة سبيل المجرمين.
٣ - خطورة انتشار العقائد الضالة على المجتمع المسلم، وظهور التفرق والاختلاف في الأمة.
٤ - جواب السؤال، والحاجة إلى البيان.
٥ - ظهور أو انتشار بدعة أو مخالفة معينة بين المسلمين.
стр. 5
الفصل الثالث: منهج السلف في الدفاع عن العقيدة ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: خصائص وسمات منهج السلف في الدفاع عن العقيدة وهي:
١ - الاستدلال بالكتاب والسنة والتسليم لها.
٢ - الاسترشاد بفهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
٣ - الاستدلال بالأدلة العقلية، والفطرة.
٤ - رد الأفكار والتأويلات الباطلة.
٥ - تقدير المصلحة والمفسدة في الرد.
٦ - ترك الجدل والمراء والخصومة في الدين.
٧ - ذم البدع والأهواء.
٨ - الأهلية والاستقامة.
المبحث الثاني: المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة:
١ - العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه.
٢ - تقديم النقل على العقل وعدم معارضة النصوص بالقواعد العقلية.
٣ - الرجوع إلى اللغة.
٤ - التركيز في الدفاع عن العقيدة على نفس المعتقد بغض النظر عن قائله، وقد يذكرونه أحيانا؛ إذا اقتضت المصلحة.
٥ - الالتزام بالمصطلحات الشرعية.
٦ - وضوح الأسلوب، وحسن الصياغة.
٧ - توثيق كلام المردود عليهم من كتبهم.
المبحث الثالث: المنهج الأخلاقي للسلف في الدفاع عن العقيدة:
١ - العدل والإنصاف.
٢ - سلامة الصدر.
٣ - التواضع.
٤ - إحسان الظن.
٥ - الرحمة.
الخاتمة: وفيها أبرز النتائج، والتوصيات.
أسأل الله أن يكون خالصا لوجه الكريم.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د: عبد المجيد بن محمد الوعلان
awalaan@gmail.com
стр. 6
التمهيد
المبحث الأول: تعريف المنهج لغة واصطلاحا
المنهج لغة: مفعل من مادة "نهج" ينهج نهجاً، وهو الطريق المستقيم البين. ونهج الطريق: أبانه، وأوضحه، ونهجه: سلكه، والمنهاج: الطريق الواضح (١).
واستنهج الطريق: صار نهجا، وفلان نهج سبيل فلان، أي: سلك مسلكه (٢)، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، قال ابن عباس ﵄: " سبيلا وسنة" (٣).
أما تعريفه في الاصطلاح: فقد عرف بتعريفات كثيرة منها:
١ - هو الطريق المؤدي إلى التعرف على الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة، والتي تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته، حتى يصل إلى نتيجة معلومة.
٢ - هو القانون أو القاعدة التي تحكم أي محاولة للدراسة العلمية في أي مجال.
٣ - القواعد العلمية التي يسلكها العقل في حركته للبحث عن الحقيقة في أي مجال من مجالات المعرفة (٤).
وهذه التعريفات واحدة في المعنى وإن اختلف التعبير عنها باللفظ، لأن مدارها على القواعد التي يسير بها الباحث عند إرادته بحث أي مسألة علمية (٥).
"وكان العلماء المسلمون يعبرون عن المنهج بالأصول والقواعد" (٦).
стр. 7
المبحث الثاني: تعريف السلف لغة واصطلاحا
السلف اللغة:
يقال: سَلَف يسَلُف وسُلُوفا. والسالف: المتقدم، والسلف والسليف والسُلْفَة: الجماعة المتقدمون. والقوم السُلاف: المتقدمون. وسَلَفُ الرجل آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسُلاف.
والسلف: من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل، وأحدهم سالف. والأمم السالفة: الأمم الغابرة أو الماضية وتجمع على سوالف (١).
المراد بالسلف:
يراد بهم تاريخياً: أصحاب القرون المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية (٢)، وذلك في الحديث الذي رواه عن عمران بن حصين رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: " خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً، "ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن" (٣).
فأصحاب هذه القرون أفضل الأمة وأكرم الخلق بعد النبيين، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون والأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، قال عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقد أخبر النبي ﷺ ببقاء هذه الطائفة فقال: " لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك " (٤)، وقال ﷺ : " وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (٥).
فيتضح من الحديثين السابقين بقاء هذه الطائفة، وأنها من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه وهم السلف، فالعبرة في ذلك بالطريقة التي ساروا عليها والمنهج الذي سلكوه، فمن تمسك بالكتاب والسنة وسار على نهج الصحابة والتابعين في فهمهما والعمل بهما فهو منهم؛ وإن عاش في القرون المتأخرة، ومن خالف منهجهم فليس منهم وإن عاش بين أظهرهم.
стр. 8
المبحث الثالث: بيان أهمية معرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة:
إن العناية بمعرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة هو من العناية بالعقيدة الإسلامية نفسها؛ لأن في ذلك اهتمام بها، وتلمس لمصادرها، وتصفية لها مما يشوبها من البدع، وتلق لها عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
"فمعرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة يعطي الباحث قوة في الاستدلال والرد على المخالفين؛ نظراً لوضوح الأثر القوي والفعال في كتب السلف مع أنها أقل بكثير من كتب المتأخرين، وكذلك فإن قوة بعض علماء أهل السنة العلمية التي ظهرت من خلال تقريرهم لمسائل الاعتقاد والرد على المخالفين، كان من أعظم الأسباب: اعتمادهم على منهج السلف في تقرير وتدوين مسائل العقيدة ... وتبرز الأهمية أكثر في العصور المتأخرة التي قل فيها العلم المؤصل على المنهج الصحيح والله المستعان" (١).
قال عبد الله بن مسعود ﵁: " من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم" (٢).
وقال الإمام الشافعي ﵀: " هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل وكل سبب يُنال به علم أو يُدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا" (٣).
وقال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: " وفي كلامهم -أي السلف- من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم؛ بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه.
وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يُبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدى إليه من بعدهم ولا يلم به.
стр. 9
فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم، قال الأوزاعي: " العلم ما جاء به أصحاب محمد ﷺ فما كان غير ذلك فليس بعلم" (١)، " (٢).
وتكمن أهمية معرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة في وضع منهج واضح المعالم في الرد والمناقشة للمخالفين فإن "مما يظهر أهمية الرد على المخالفين والدفاع عن عقيدة الأمة: وضع منهج واضح للعلماء، ولطلبة العلم إذا أرادوا إبطال أي شبهة أو الرد على أي انحراف، بحيث تؤتي هذه الجهود المباركة ثمارها المرجوة منها من تصحيح لما فسد في المعتقد، وإبطال لتلبيس الملبسين، وغيرها من الثمار، والمصالح التي تنتج عن الالتزام بالمنهج الصحيح في الرد والمناقشة.
ومن هنا نؤكد على أهمية الدفاع عن العقيدة والرد على المبطلين ليس لأجل الرد على أهل الباطل فحسب، بل لأجل وضع منهج واضح المعالم لمن يأتي من أجيال الأمة" (٣).
стр. 10
الفصل الأول: بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة
إن الدفاع عن العقيدة من أهم المهمات فهو نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، قال الله تعالى لنبيه ﷺ وهو في مكة: ﴿الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: الآية ٥٢]، فهو جهاد بالحجة والبيان. وقال ﷺ : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (١).
وسأنقل في هذا الفصل من كلام أهل العلم ما يبين مشروعية الدفاع عن العقيدة، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى عصرنا هذا.
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: "فهذه أبحاث، من ضنائن العلم، وغواليه، لأنها تحمل إعلان الصوت الإسلامي عالياً، والقلم له راقماً، بإظهار شعار من شعائر علماء الأمة الإسلامية، وبيان وظيفة من وظائفهم الملية، وتقرير أصول من أصولها التعبدية هو: " مشروعية الرد على كل مخالف بمخالفته، وأخذه بذنبه، وإدانته بجريرته، "ولا يجني جانٍ إلا على نفسه".
كل هذا "لحراسة الدين" وحمايته من العاديات عليه، وعلى أهله، من خلال هذه "الوظيفة الجهادية" التي دأبها: الحنين إلى الدين، والرحمة بالإنسانية، لتعيش تحت مظلته: تكف العدوان، وتصد المعتدين، وتُقيم سوق الأمر بالمعروف، ورأسه "التوحيد"، والنهي عن المنكر وأصله "الشرك".
وتُقيمُ: طول الإسلام، وقوته، وظهوره، على الدين كله ولو كره المشركون، وتحطم الأهواء ولو كره المبتدعون، والفجور ولو كره الفاسقون، والجور ولو كره الظالمون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -رحمه الله تعالى- في بيان منزلة هذه الوظيفة: " فالمرصدون للعلم، عليهم للأمة حفظ الدين، وتبليغه، فإذا لم يبلغوهم علم الدين، أو ضيعوا حفظه، كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. فإن ضرر كتمانهم تعدى إلى البهائم وغيرها، فلعنهم اللاعنون حتى البهائم" (٢).
стр. 11
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في موقف أهل السنة من دفع البدعة: " واشتد نكير السلف والأئمة لها، وصاحوا بأهلها، من أقطار الأرض وحذروا فتنتهم أشد التحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش، والظلم، والعدوان، إذ مضرة البدع، وهدمها للدين، ومنافاتها له أشد" (١).
والمراد بهذه الأبحاث، حمل النفوس، على إعمال هذه السنة الماضية، في حياة المسلمين الجهادية الدفاعية، عن حرمات الإسلام، وأنها من حقوق الله التعبدية، من جنس الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لاسيما والحاجة إليها ملحة في هذه الأزمنة.
ألا إن النفير خفافاً وثقالاً، لنثل السهام من كنانة الحق للرد على هؤلاء - أي أصحاب الدعوات الباطلة- وأمثالهم، ونقض شبههم، وكشف فتونهم، وتعريتهم، هو من حق الله على عباده، وحق المسلمين على علمائهم، في رد كل مخالف ومخالفته، ومضل وضلالته، ومخطئ وخطئه، وزلة عالم وشذوذه، حتى لا تتداعى الأهواء على المسلمين تعثوا فساداً في فطرهم، وتقصم وحدتهم، وتؤول بدينهم إلى دين مبدل، وشرع محرف، وركام من النحل والأهواء.
وهذا سير على أصل الاعتقاد، ووصل لحياة السلف الجهادية الدفاعية، واتصال بها، باللسانين: القلم واللسان، في تاريخهم الحافل الطويل.
وقد بلغ جهد المصلحين الجهادي في هذا مبلغاً عظيماً فلابسوا الحياة علماً وعملاً، ومحصوا الحقائق، وحصحص الحق على أيديهم، بمواقف لا تتخذ من دون الله ولا رسوله وليجة.
وهم في هذا الخط الدفاعي، بردم كل مخالفة للدين من داخل الصف أو خارجه، ينطلقون من الأصل العقدي المعلوم في سلم المسلمات من أصول الإسلام "مشروعية الرد على المخالف"، في كل خصومة ملدة لهذا الدين من أهل الملل الكافرة، والأهواء الضالة، والبدع الزائفة، لهتك أستارهم، وكسر شوكتهم، وكف بأسهم، وأهوائهم، وبدعهم، وضلالاتهم عن المسلمين ...
وما زال هذا الأصل العقدي جارياً في حياة الأمة، يقوم به من شاء الله من علمائها، يؤدون به الواجب عن أنفسهم، وإخوانهم في الدين، فهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم.
"والمقصود أن هذه الأمة - ولله الحمد- لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده، وهم لما هداهم الله به، يتوافقون في قبول الحق، ورد الباطل رأياً ورواية من غير تشاعر، ولا تواطؤ" (٢).
ومن استقرأ الوحيين الشريفين رأى في موقف الأنبياء مع أممهم، والمصلحين مع أهليهم، مواقف الحجاج والمجادلة، والرد على كل ضلالة ومخالفة، وهكذا ورثتهم من بعدهم على تطاول القرون.
стр. 12
وهذه المواقف أدلة عملية على المشروعية، بجانب الأدلة القولية فإلى بيانها وسيقاها:
١: في القرآن الكريم:
بين الله سبحانه في الآيات [٣٦ - ٣٩] من سورة النحل وظائف الرسل في دعوتهم، فيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿(٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾، ... فبيان الخلاف بإظهار الحق من الباطل مقصد عظيم من مقاصد بعثة الرسل، لتزول عن الأمة غشاوة الخلاف الطائش، والاختلاف الجائر.
ولهذا نجد مجموعة وافرة من الآيات في الجدل والمحاجة، وإقامة الحجة والبرهان، لإقامة الدين وظهوره وحراسته. قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١].
قال أبو إسحاق الجويني -رحمه الله تعالى- بعد سياق بعض النصوص، ومنها هاتان الآيتان: " وهذه الألفاظ عموم في التوحيد والشريعة، وهي أيضاً سيرة الرسل ﵈ مع أممهم، وسيرة رسولنا ﷺ وسيرة علماء الصحابة ﵃ بعده، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم، إلى يومنا هذا، وعليه عادة العقلاء في أديانهم، ومعاملاتهم ومعاشراتهم" (١).
٢: في السنة النبوية:
في نصوصها: قولاً، وفعلاً، وتقريراً، في عامة أبواب التوحيد، والشريعة، ترى وقائع كثيرة، يرد بها النبي ﷺ ما ليس حقاً: وكان في فاتحتها ذاك الذي قال للنبي ﷺ يوم حنين: " اعدل"، فقال له ﷺ راداً عليه مخالفته المنكرة: " فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" (٢).
وتعتبر هذه أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية.
стр. 13
ورد ﷺ على عثمان بن مظعون رضى الله عنه التبتل (١).
ورد ﷺ على من حرم بعض المطاعم، والمناكح (٢).
وحاج ﷺ وفد نصارى نجران عندما سألوه ما تقول في عيسى ﵇: " ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى ﵇ فأصبح، وقد أنزل الله في عيسى ﵇: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦١] (٣).
وفي استنباط فوائدها، يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: " ومنها جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك بل وجوبه، إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة فليول ذلك إلى أهله، وليخل بين المطي وحاديها، والقوس وباريها" (٤).
٣: وفي طبقة الصحابة ﵃ (٥):
حملوا هذه الروح الجهادية الدفاعية، بما اقتضه الشريعة: قولاً وفعلاً، وتقريراً في سيرة النبي ﷺ ، فقاموا بواجب هذه الحمالة لهذا الأصل العقدي خير قيام، من رد البدع، والأهواء المضلة، والدفع في نحورها وأعجازها، لإبطالها ووأدها، من أول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج".
ثم ذكر الشيخ بكر ﵀: طبقة التابعين ومن بعدهم، ثم قال (٦): " فالرد على أهل البدع والأهواء: باب شريف من أبواب الجهاد عظيم وكيف لا يكونون كذلك، وهم في مواقع الحراسة، وأفضل الجهاد.
стр. 14
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -رحمه الله تعالى: " فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى، يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد" (١).
وفي بيان قدر هذه المنزلة الجهادية بالقلم واللسان يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -رحمه الله تعالى -: " وإذا كان النصح واجباً في المصالح الدينية الخاصة والعامة، مثل، نقلة الحديث الذي يغلطون أو يكذبون، كما قال يحيى بن سعيد: سألت مالكاً، والثوري، والليث بن سعد -أظنه- والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو يحفظ؟ فقالوا: بين أمره. وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا، وفلان كذا. فقال: إذا سكت أنت، وسكت أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ !
ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل" (٢).
هذا مجمل تاريخي استدلالي على تثبيت هذا الأصل العقدي، ردع البدع، والمخالفات، والأهواء، ومقارعة أهلها، وكشفهم، ومعرفتهم بأعيانهم، وإبطال بدعهم خوفاً من عاديتهم على أهل السنة، ونصحاً لهم بل لله، ولرسوله ودينه وأئمة المسلمين، وعامتهم.
فاتضح من هذا عقلاً وشرعاً أن: " من حق الله على عباده رد الطاعنين على كتابه ورسوله، ودينه، ومجاهدتهم بالحجة والبيان، والسيف والسنان، والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان" (٣).
فالرد على المخالف أصل من أصول الدين، بل هو مقتضى شهادة التوحيد التي قال الله تعالى عنها: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ولذا تضمنت الدعوة إلى الله غايتين، لا تصح الدعوة إلا بهما، وهما ركناها: الركن الأول: تقرير الدين والعقيدة والشريعة، وتعلمها والعمل بها ونشرها، الركن الثاني: حماية الدين والعقيدة والشريعة، والدفاع عنها، وبيان ما يخالفها، وكل ذلك من منهج القرآن الكريم، وعليه عمل النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وأئمة السلف ﵏" (٤).
стр. 15
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " متى سكت أهل الحق عن بيان أخطاء المخطئين، وأغلاط الغالطين، لم يحصل منهم ما أمرهم الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعلوم ما يترتب على ذلك من إثم الساكت عن إنكار المنكر، وبقاء الغالط على غلطه، والمخالف للحق على خطئه، وذلك خلاف ما شرعه الله من النصيحة والتعاون على الخير" (١).
والمعروف المشتهر أن أئمة الدعوة النجدية عرفوا بكثرة ردودهم على مخالفي الكتاب والسنة وهم من جدد الدعوة السلفية في هذه البلاد المباركة وعلى رأسهم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، والشيخ سليمان بن سمحان، والشيخ محمد بن إبراهيم رحم الله الجميع (٢). وهذا إنما كان لسيرهم على منهج السلف الصالح في هذه المسألة وغيرها من أصول الإسلام ومبانيه العظام.
ولا يزال هذا منهجهم إلى هذا العصر، فمنهم الشيخ عبدالعزيز بن باز في مجموع مقالات وفتاوى متنوعة، والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ صالح الفوزان في كتاب البيان لأخطاء بعض الكتاب، والشيخ بكر أبو زيد في كتاب الردود، وغيرها كثير.
وكلام السلف ﵏ في بيان مشروعية وجوب الدفاع عن العقيدة أكثر من أن يحصى، وهو مبثوث في كتب العقائد، بل ولهم في ذلك مصنفات خاصة في نقض البدع بأصولها، بل وفي الرد على أهل البدع بأعيانهم، ﵏ ورضي عنهم.
стр. 16
الفصل الثاني: أسباب دفاع السلف عن العقيدة
سبق في الفصل الماضي بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة بل وجوبها، ومن أجل ذلك قام السلف ﵏ بما أوجبه الله عليهم، وقد كان الدافع لهم لذلك مع ما سبق أسباب كثيرة، نذكر بعضاً منها:
أولاً: حفظ الدين وبيان كمال هذه الشريعة:
قد تكفل الله بحفظ الدين فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، كما أكمله فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها، والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل.
فلا يحرف محرف معنى من معانيه إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين" (١).
وقد جعل الله من أسباب حفظ الدين وبيان كماله ظهور المعارضين له من أهل الإفك المبين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵀: " ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة أنباء المرسلين، ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٥].
стр. 17
وذلك أن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات أقام الله -تعالى- له مما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات البينات بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة، وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة.
فالدين الحق كلما نظر فيه الناظر، وناظر عنه المناظر، ظهرت له البراهين، وقوي به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين.
والدين الباطل إذا جادل عنه المجادل، ورام أن يقوم عوده المائل، أقام الله ﵎ من يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وتبين أن صاحبه الأحمق كاذب مائق" (١).
ثانياً: كشف شبهات المبطلين واستبانة سبيل المجرمين:
قال تعالى: ﴿(٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]، وذلك أن "من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علماً وعملاً فهو أعلم الخلق" (٢).
يقول الإمام الدارمي ﵀: "ولولا ما بدأكم هذا المعارض بإذاعة ضلالات المريسي وبثها فيكم ما اشتغلنا بذكر كلامه، مخافة أن يعلق بعض كلامه بقلوب بعض الجهال، فيلقيهم في شك من خالقهم.
فخشينا ألا يسعنا إلا الإنكار على من بثها -يعني الشبهات- ودعا الناس إليها منافحة عن الله وتثبيتاً لصفاته العلى ولأسمائه الحسنى ودعاء إلى الطريقة المثلى ومحاماة عن ضعفاء الناس وأهل الغفلة من النساء والصبيان أن يضلوا بها ويفتتنوا إذ بثها فيهم" (٣).
ويُروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: " إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام ممن لا يعرف الجاهلية" (٤).
стр. 18
قال الإمام ابن القيم - بعد أن ذكر كلام أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه: " .. وهذا من كمال عمر رضى الله عنه، فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها، وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول ﷺ فإنه من الجاهلية، فإنها منسوبة إلى الجهل، وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل، فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل، هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها، وكفر من خالفها، واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم، ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها" (١).
وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في مقدمة شرحه للقصيدة التائية في حل المشكلة القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن في الرد على المخالف كشفاً لشبهاته وشكوكه، فقال: " وهذا النظم قد أتى فيه الشيخ بالعجب العجاب، وبين الحق الصريح، وكشف الشكوك والشبهات، التي طالما خالطت قلوب أذكياء العلماء، وحيرت كثير من أهل العلم الفضلاء" (٢).
ثالثاً: خطورة انتشار العقائد الباطلة على المجتمع المسلم:
فإن انتشار العقائد الباطلة يؤدي إلى التفرق والاختلاف، وتترب عليه الآثار السيئة على الأمة في جميع أمورها العقدية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها؛ ولذلك حرص السلف ﵏ على رد تلك العقائد الباطلة لجمع كلمة المسلمين وردهم لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀ في مقال له بعنوان: "كيف نحارب الغزو الثقافي الغربي والشرقي"، قال: " إن أخطر ما تواجهه المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر هو ما يسمى بالغزو الثقافي بأسلحته المتنوعة، من كتب وإذاعات وصحف ومجلات وغير ذلك من الأسلحة الأخرى" (٣).
ومن تلك الآثار التي تترتب على انتشار العقائد الباطلة هو الاختلاف والفرقة المذمومة، فالبدعة طريق سالك إلى الفرقة والاختلاف المذمومين، وقد ثبت ذم هذا الاختلاف في نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، قال السيوطي ﵀: " أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله" (٤).
стр. 19
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، قال الحافظ ابن كثير ﵀: " وكانوا شيعاً: أي فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسول الله ﷺ مما هم فيه" (١).
ومن أخطر آثارها أنه إذا تأصلت مثل هذه المحدثات واتخذها بعض المنتسبين إلى الإسلام معقداً للولاء والبراء فضلوا بذلك عن جادة الحق، حدث الشرخ بين هذه الجماعة وبين جماعة الإسلام الأصيلة المتمسكة بسنة النبي ﷺ .
ومن الآثار كذلك موت السنة وضياعها: فأنه لا تظهر بدعة إلا بموت سنة، ولا تظهر سنة إلا بذبول بدعة تعارضها، فعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: " ما يأتي على الناس عام إلا احدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن" (٢).
ومن الآثار كذلك: التفرق والتشرذم والخروج عن الجماعة: قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال مجاهد: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ "الأهواء المفترقة" (٣).
ومن الآثار كذلك: استحلال السيف في رقاب المسلمين واستباحة الأعراض والأموال المحرمة: فعن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" (٤)، فلا يستغرب لمن انتحل البدعة وخالف السنة أن تكون أولى ثمار بدعته هذه استحلال السيف في رقاب أمة محمد ﷺ كما حدث من الخوارج.
قال أيوب السختياني ﵀ وكان يسمى أصحاب البدع خوارج، ويقول: " إن الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف" (٥).
إلى غير ذلك من الآثار التي تبين خطورة انتشار العقائد الباطلة على المجتمع المسلم.
стр. 20
رابعاً: جواب السؤال والحاجة إلى البيان:
قد يكون الدافع عند السلف لكتابة الرد هو جواب لسؤال ورد عليهم عن شبهة أو بدعة أو نحو ذلك، سواء كان السؤال سؤال استفهام أو سؤال معاند أو غير ذلك.
قال شيخ الإسلام ﵀: " وكان من أسباب نصر الدين وظهوره، أن كتاباً ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى، بما يحتج به علماء دينهم وفضلاء ملتهم قديماً وحديثاً، من الحجج السمعية، والعقلية، فاقتضى ذلك أن نذكر من الجواب ما يحصل به فصل الخطاب، وبيان الخطأ من الصواب، لينتفع بذلك أولو الألباب، ويظهر ما بعث الله به رسله من الميزان والكتاب" (١).
ومن ذلك جواب شيخ الإسلام ﵀ بقصيدته التائية في حل المشكلة القدرية جواباً لسؤال ورد عليه من نصراني معاند قال في مطلعها:
سؤالك يا هذا سؤال معاند مخاصم رب العرش باري البرية (٢)
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ عن هذه القصيدة: والشيخ - قدس الله روحه- نظمها جوابا لسؤال أورده عليه من قال: " إنه ذمي" ليشبه على المسلمين، وليشككهم في أصول الدين" (٣).
خامساً: ظهور أو انتشار بدعة أو مخالفة معينة بين المسلمين:
ومن أسباب دفاع السلف عن العقيدة هو ظهور بدعة أو انتشارها بين المسلمين، وهذا الظهور أو الانتشار سواء كان عن طريق داعية يدعو لبدعته، أو خروج كتاب أو غير ذلك.
فإن السلف ﵏ لا يزالون يردون على كل بدعة وضلالة تظهر وتنتشر بين المسلمين إلى وقتنا الحاضر.
ومن ذلك الشيخ نعمان بن محمود الألوسي البغدادي: ألف كتاباً سماه "الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح". وقد ذكر في سبب تأليفه له: أنه رأى في السنة ١٣٠٤ هـ أوراقاً مطبوعة في لندن سنة ١٨٨٠ م تتضمن -زوراً وبهتانا- على تقديم دين النصارى على سائر الأديان، وطعناً لدين الإسلام فألف هذا الكتاب رداً على ذلك (٤).
ومن ذلك ما يصدر من بيانات وردود من هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وردود فضيلة الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- والتي جمعت في خمس مجلدات بعنوان البيان لأخطاء بعض الكتاب، والتي يتعقب فيها -حفظه الله- بعض البدع والمخالفات التي تنشر في وسائل الإعلام.
стр. 21
الفصل الثالث: منهج السلف في الدفاع عن العقيدة
نظراً لأهمية معرفة الخصائص والسمات التي يقوم عليها منهج السلف، وذلك للاسترشاد بها في فهم هذا المنهج فهماً صحيحاً، للسير على نهجه وتطبيقه، وللتعرف على أصحابه للتمييز بينهم وبين أصحاب سائر الاتجاهات الأخرى التي تدعَّى الانتساب إلى السلف الصالح، وحتى لا ينسب للسلف ومنهجهم ما ليس منه مما يصدر عن بعض ممن ينتسب لهم إما باجتهاد منه أو خطأ أو زلة أو غير ذلك. وسأذكر أهم تلك الخصائص والسمات، وسيكون ذلك في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: خصائص وسمات منهج السلف في الدفاع عن العقيدة:
يمتاز منهج السلف في الدفاع عن العقيدة بخصائص وسمات كثيرة منها:
أولاً: الاستدلال بالكتاب والسنة:
وهذا من أهم الخصائص التي يقوم عليها منهج السلف ولذا تجدهم يجمعون على الاستدلال بالكتاب والسنة في كافة أمورهم وفي جميع مسائل وقضايا الاعتقاد والتشريع والسلوك، وذلك باعتبارهما وحياً من الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فهم يستدلون بالكتاب والسنة لإيمانهم الجازم ويقينهم القاطع بأن كل ما جاء به الرسول ﷺ حق وصدق، وأن ما خالفه وعارضه باطل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما خبر الله ورسوله فهو صدق موافق لما الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخباره باطلاً ولا مخالفاً لما هو الأمر عليه في نفسه، ويعلم من حيث الجملة أن كل ما عرض شيئاً من أخباره وناقضه فإنه باطل" (١).
وكذلك لإيمانهم بكمال هذا الدين وبأن أصوله وفروعه ودلائله ومسائله قد جاء بيانها في الكتاب والسنة بياناً شافياً قاطعاً للعذر، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
стр. 22
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إن رسول الله ﷺ بين جميع الدين أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاماً بهذا الأصل كان أولى بالحق علماً وعملاً" (١).
ولذلك تجد أن السلف اعتنوا بالكتاب والسنة عناية فائقة تدل على صدق اعتمادهم عليهما، وذلك بحفظها وشرحها ودراستها وتفسيرها والرجوع إليها وتميز صحيح السنة من سقيمها.
ثم هم عند التنازع يردون إليهما امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله" (٢).
ثانياً: الأخذ بفهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان:
من خصائص منهج السلف الرجوع إلى فهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان ممن لزم منهجهم واقتفى أثرهم في تفسير نصوص الكتاب والسنة، والأخذ بأقوالهم والاسترشاد بها.
فهم خير أمة محمد ﷺ ، فقد شاهد الصحابة ﵃ التنزيل وعاصروه ولازموا رسول الله ﷺ وسمعوا منه وتلقوا عنه وحفظوا مقالته ورعوها ثم نقولها إلى من بعدهم كما سمعوها وفهموها، ولذا فهم أفقه الأمة وأعلمهم بمراد الله ورسوله ﷺ .
وكان السلف إذا اشتد الخلاف بينهم وبين معارضيهم من أصحاب المذاهب والاتجاهات المنحرفة يدعونهم إلى التحاكم إلى أهل القرون الثلاثة الأولى، ومن ذلك على سبيل المثال قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مناظراته في العقيدة الواسطية: " قد أمهلت من خالفني في شيء منها -يعني عقيدة السلف الصالح- ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا راجع عن ذلك، وعلى أن آتي بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته" (٣).
стр. 23
ويقول أيضا في الأخذ بأقوال أهل القرون الثلاثة الأولى: " معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خير وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك، فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوماً، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] " (١).
ثالثاً: الاستدلال بالأدلة العقلية والفطرة:
فالعقل السليم والفطرة مؤيدان يوافقان الكتاب والسنة، ويدركان أصول الاعتقاد على الإجمال لا على التفصيل، فالعقل والفطرة يدركان وجود الله وعظمته وضرورة طاعته وعبادته واتصافه بصفات العظمة والجلال على وجه العموم.
كما أن العقل والفطرة السليمين يدركان ضرورة النبوات وإرسال الرسل، وضرورة البعث والجزاء على الأعمال كذلك، على الإجمال لا على التفصيل.
والرسول الكريم ﷺ جاء مؤيداً من ربه بالحجج والبراهين العقلية، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣]، فأخبر سبحانه أن الكفار لا يأتونه بقياس عقلي لباطلهم إلا جاءه الله بالحق والبيان والدليل وضرب المثل بما هو أحسن تفسيراً وكشفا ًوإيضاحاً للحق من قياسهم (٢).
يقول ابن تيمية ﵀: " إن دلالة الكتاب والسنة على أصول الدين ليست بمجرد الخبر كما تظنه طائفة من الغالطين من أهل الكلام والحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم، بل الكتاب والسنة دلا الخلق وهدياهم إلى الآيات والبراهين والأدلة المبينة لأصول الدين" (٣).
стр. 24
وقد استخدم السلف الأدلة والحجج العقلية المستنبطة من القرآن الكريم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن السلف: " وكانوا يستعملون القياس العقلي على النحو الذي ورد به القرآن في الأمثال التي ضربها الله تعالى للناس، فإن الله ضرب للناس في القرآن من كل مثل، وبين بالأقيسة العقلية المقبولة بالعقل الصريح من المطالب الإلهية والمقاصد الربانية ما لا تصل إليه آراء هؤلاء المتكلمين في المسائل والوسائل، في الأحكام والدلائل" (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ مبيناً استخدام السلف للأقيسة العقلية في معرض كلامه عن كتاب الإمام أحمد ﵀ "الرد على الزنادقة والجهمية: " وهو مع ذلك يكشف لهم الشبه ويبين بطلانها بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة والأدلة العقلية الصريحة، وصنف في ذلك كتابه المعروف في الرد على الزنادقة والجهمية" (٢).
والسنة كالقرآن في ذلك، فبهما تتبين الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويتبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين (٣).
ومن أمثلة استخدام السلف للأدلة العقلية المستنبطة من النصوص الشرعية: استخدامهم لقياس الأولى (٤). يقول شيخ لإسلام ابن تيمية ﵀: " كان السلف والأئمة يستعملون قياس الأولى في المطالب الإلهية، كما استعمله الإمام احمد ومن قبله ومن بعده من أئمة أهل الإسلام، وبمثل هذا القياس جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد" (٥).
ومن ذلك أيضاً استخدامهم دلالات الأنفس والآفاق والمعجزات في الاستدلال على الله ومعرفته، وفي هذا يقول ابن الوزير اليماني ﵀: "دلالة الأنفس ودلالة الآفاق ودلالة المعجزات كلها دل عليها القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه يهدي للتي هي أقوم" (٦).
أما الفطرة " فالناس مفطورون على العلم بالقوانين العقلية، التي لا ينازع فيها أحد من عقلاء بني آدم، لأن مبني العقل على صحة الفطرة وسلامتها" (٧).
стр. 25
لذلك قد أودع الله تعالى قلوب بني آدم من المعارف الفطرية الضرورية ما يفرقون به بين الحق والباطل، وما يجعلها مستعدة لإدراك الحقائق، ومعرفتها، ولولا ما في القلوب من هذا الاستعداد والتمكن، ما أفاد النظر ولا الاستدلال ولا البرهان، كما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء بالطعام والشراب ولولا هذا الاستعداد لما أمكن تغذيتها وتربيتها، وأيضاً فكما أن في الأبدان قوة تفرق بين الغذاء الملائم والمنافي، ففي القلوب قوة تفرق بين الحق والباطل، وأعظم من ذلك (١).
فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تعالى تصديقاً به، وتدينا له، لكن قد يعرض لها ما يفسدها، ويخرجها عما فطرت عليه، والقلب إنما خلق لأجل حب الله، وتعظيمه وعبادته، والإخلاص له، لأن معرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه، وقد فطر الله القلوب على قيام هذا المقتضي بها، ولولا ما يعرض لها من الشبهات، والشهوات، لاستمرت عليه، ودانت به، ومع ذلك، فهي تظهر عند حلول الحوادث العظام، والخطوب الجسام، فيجد المشرك نفسه تستغيث بالله تعالى، طبعاً وجبلة، لا تكلفاً وحيلة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٧]، ولهذا لم تأت الرسل لتعريف الناس بالخالق ووجوده، وإنما أتت للدعوة إلى التوحيد ونفي الشريك كما قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وأتت لبيان أمر العبودية، وتفصيله على نحو لا تستقل الفطرة بالعلم به، وإن كانت أصل العبودية معلومة في الفطر، فالشرائع: أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وإباحة طيب، وتحريم خبيث، وأمر بعدل، ونهي عن ظلم، وهذا كله مركوز في الفطر، وكماله وتفصيله وتبيينه موقوف على الرسل (٢).
والمقصود بيان أن الإسلام بعقائده وشرائعه هو دين الفطرة، فكل مسألة من مسائله يوجد في الفطرة ما يؤيدها ويشهد لصحتها، إما صراحة وذلك في الأصول الكبار، أو الإحالة، بمعنى أن الفطرة لا تنفر من ذلك، وهذا في تفاصيل تلك الأصول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
стр. 26
رابعاً: رد الأفكار والتأويلات الباطلة:
والمقصود به: تأويل المتكلمين للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وصرفها عن ظاهرها ومعناها الراجح إلى المعنى المرجوح استناداً على العقل وحده، كي توافق مقتضى عقولهم وتبدوا مسايره لأهوائهم.
وقد رفض علماء السلف هذا التأويل رفضاً قاطعاً، وانكروه واعتبروه تأويلاً باطلاً وتحريفاً لكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، لما يتضمنه ويلزم منه من أمور كثيرة باطلة.
قال الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة ﵀: " إن الأخبار في صفات الله موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها الخلف عن السلف قرناً بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا، على سبيل الصفات لله تعالى والمعرفة والإيمان به والتسليم لما أخبر الله في تنزيله ونبيه الرسول ﷺ عن كتابه، مع اجتناب التأويل والجحود وترك التمثيل والتكييف" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵀: " أهل السنة متفقون على إبطال تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين، والتأويل المردود: هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره .. ، وليس هذا مذهب السلف والأئمة، وإنما مذهبهم نفي هذه التأويلات وردها" (٢).
ولذلك كله هجر السلف طريقهم وأنكروه وحذروا الأمة المحمدية من سلوك طريقه وهي التي كان يسميها السلف مقالة الجهمية، والذي هيأ المتكلمون لانتشارها عن طريق تبني بعض أفكارها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذاً عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود فكيف تطيب نفس مؤمن -بل نفس عاقل- أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" (٣).
خامساً: تقدير المصلحة والمفسدة في الرد:
إن من قواعد الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقد كان النبي ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات وأكبر الأصنام ولا يغيرها، وترك المنافقين ولم يقتلهم مع ثبوت كفرهم لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه.
والتعامل مع كل مخالف منوط بهذه القاعدة فلا يسوغ الرد عليه إذا ترتب على ذلك مفسدة كبرى، وقد نهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين لما يترتب على ذلك من مفسدة أعظم من مصلحة سبها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
стр. 27
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵀: " إذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقى الإنسان في الظلمة فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهي عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية" (١).
وقال ابن القيم-﵀: " إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله" (٢).
وقال الإمام مسلم ﵀ في مقدمته لصحيحه: " وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقول وهو لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحاً، لكان رأياً متيناً، ومذهباً صحيحاً، إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهاً للجهال عليه، غير أنا تخوفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله، ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله".
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في تعليقه على هذا الكلام " هذا صحيح، وذلك أنك إذا أردت الشيء ينتشر فرد عليه، يأخذ الناس هذا الرد ويتجادلون فيه، فيكون في هذا الرد نشراً للقول، لكن يخشى لو تركناه لاغتر به الجهال، فكان مقتضى النصيحة أن يذكر، وكونه يشتهر بأنه ضعيف وأنه مردود عليه خير من كونه يسكت عنه" (٣).
سادساً: ترك الجدال والمراء والخصومة في الدين:
من منهج السلف ﵏ ترك الجدل والمراء والخصومة في الدين امتثالاً لقول الله تعالى في ذم المجادلة بالباطل: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا﴾ " (٤).
стр. 28
قال ابن رجب ﵀: "ومما أنكره أئمة السلف الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضاً، ولم يكن ذلك طريق أئمة الإسلام، وإنما أحدث ذلك بعدهم كما أحدثه فقهاء العراقيين.
وقد أنكر ذلك السلف وورد في الحديث المرفوع في السنن: " ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدال" (١) ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف، آية: ٥٨].
وقال مالك: أدركت أهل هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم، يريد المسائل (٢).
وكان يكره الجواب في كثرة المسائل، ويقول: قال الله : ﴿سَبِيلًا (٨٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ﴾ [الإسراء: ٨٥] فلم يأته في ذلك جواب.
وقيل له: الرجل يكون عالماً بالسنن يجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يُخبر بالسنة، فإن قُبل منه وإلا سكت.
وقال: المراء في العلم يُقسي القلب، ويُورث الطعن، وكان يقول في المسائل التي يُسأل عنها كثيراً: لا أدري، وكان الإمام أحمد يسلك سبيله في ذلك" (٣).
سابعاً: ذم البدع والأهواء:
ومن أبرز سمات منهج السلف ﵏: محاربتهم للبدع في الدين ونبذها والتحذير منها لمناقضتها لأحد شرطي العبادة، وهو المتابعة للرسول ﷺ فقد روي عن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه أنه كان يقول: " إياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق" (٤)، وكان يقول: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة" (٥).
وقال الإمام مالك ﵀: " من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، وفي رواية: من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة، لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] " (٦).
ومن سماتهم أيضاً هجر أهل الأهواء والبدع والتشديد في النهي عن مجالستهم أو سماع كلامهم أو عرض شبههم، وذلك إنكاراً للمنكر وتأديباً وزجراً لهم حتى يقلعوا عن بدعتهم، ومحاصرة لآرائهم وشبهاتهم، وصيانة
стр. 29
لقلوب المسلمين وحماية لعقولهم منها، فعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه كان يقول: " لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلب" (١).
وعن سفيان الثوري ﵀ أنه كان يقول: " من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقيها في قلوبهم" (٢).
ويقول البغوي ﵀: " وقد مضى الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم" (٣).
وقد عني السلف قديماً وحديثاً بأمر البدع وإنكارها وذمها والتحذير منها، وأفردوا لذلك مصنفات كثيرة تدل على عنايتهم بذلك (٤).
ثامناً: الأهلية والاستقامة:
أهلية القائم بالرد في معرفة الحق، وإبرام أدلته، ونصبها دليلاً عليه، وإلا فقد ذم الله تعالى من يحاج بلا علم، فقال سبحانه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ [آل عمران: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وفي التزام السلف بهذا الشرط، يقول ابن تيمية ﵀: " وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيُخاف عليه أن يفسده ذلك المُضل، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل عِلجاً قوياً من علوج الكفار، فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة.
والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال" (٥).
أما الاستقامة فإنها: من صفات الكمال، وهي أن يكون القائم بهذا الواجب غير متلبس ببدعة أو فجور، فإن التلبس بشيء من ذلك يصرف القلوب عن قبول أقواله، أو تفتح للخصم هضم الحق بواسطته، والنصوص في هذا كثيرة (٦).
стр. 30
وذلك "أن من يقوم بهذه الوظيفة داع إلى الله تعالى، والداعي ينبغي أن يكون قدوة فيما يدعو إليه، لكن العلماء ذكروا: أن الاستقامة صفة كمال، وليس شرط وجوب أو صحة" (١).
قال الحافظ النووي -رحمه الله تعالى-: " قال العلماء لا يشترط في الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر أن يكون كامل الحال، ممتثلاً ما يأمر به، مجتنبا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما فكيف يباح له الإخلال بالآخر" (٢).
стр. 31
المبحث الثاني: المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة:
للسلف -رحمهم الله تعالى- منهج علمي في دفاعهم عن العقيدة، ويتمثل هذا المنهج في عدة أمور:
أولاً: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه:
فمن منهج السلف ﵏ الإيمان المطلق بما جاء عن الله ورسوله ﷺ كما قال الشافعي ﵀: " آمنت بما جاء عن الله، على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ " (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه" (٢).
قال ربيعة شيخ مالك ﵀: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البلاغ، وعلى الرسول البيان، وعلينا الإيمان" (٣).
وقال ابن أبي زيد القيرواني ﵀: " ونصدق بما جاء عن الله في كتابه، وبما ثبت عن رسول الله ﷺ من أخباره، ونوجب العمل بمحكمه، ونقر بنص مشكله ومتشابهه، ونكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره إلى الله ، والله يعلم من تأويل المتشابه من كتابه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٣] " (٤).
وهذا الإيمان غير موقوف على فهم المعنى وإدراكه، لأن عقول البشر قاصرة عن إدراك جميع المعاني والإحاطة بها، ولأن الخبر إذا جاء عن الله ورسوله لم نحتج في إيماننا أن نحيط بمعناه، بل نصدقه ونؤمن به. يقول شيخ الإسلام ﵀: " إن ما أخبر به الرسول عن ربّه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه" (٥).
وقال أبو إسماعيل الصابوني ﵀: " قرأت في رسالة للشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان"، ومما حكاه عنه" فانتهينا إلى ما أحكم وكففنا عن الذي يتشابه إذ أمرنا به في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ
стр. 32
الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، كما إنهم يعتقدون أن دلالة النصوص القرآنية والنبوية نص في معناها والمراد منها فإذا أتى البيان من الرسول ﷺ وأصحابه لم يطلب من غيرهما " (١).
ثانياً: تقديم النقل على العقل، وعدم معارضة النصوص بالأقيسة العقلية وغيرها:
من منهج السلف ﵏ تقديم النقل على العقل، فالأساس الأول عند السلف هو الشرع، فهو الأسلم والأعلم والأحكم، لأنه لا يأتيه الباطل، ولا يتطرق إليه الشك والضلال، ولا يعتريه التنافر والتناقض، فعليه المعتمد في الدين كله، ويأتي العقل تبعاً له في ذلك.
يقول الشاطبي ﵀: " الواجب تقديم ما حقه التقديم وهو الشرع، وتأخير ما حقه التأخير وهو نظر العقل، فلا يصح تقديم الناقص المفتقر حاكماً على الكامل المستغني، فهذا خلاف المعقول والمنقول" (٢).
ويقول أيضاً: " لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، فإنه من التقدم بين يدي الله ورسوله، بل يكون ملبياً من وراء وراء، فهذا هو المذهب للصحابة ﵃، وعليه دأبوا، وإياه اتخذوا طريقاً إلى الجنة فوصلوا" (٣).
وهم مع تقديمهم للنقل على العقل لا يعارضونه برأي ولا ذوق ولا وجد ولا عقل ولا قياس، ولا يقدمون كلام أحد كائناً من كان على كلام الله وكلام رسوله، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].
وقد نص السلف على هذه القاعدة وأكدوها وحثوا عليها، ومن ذلك أنه روي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: " لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ " (٤).
стр. 33
وروي عن الإمام مالك ﵀ أنه قال: " والتسليم للسنن، لا تُعارض برأي ولا تدافع بقياس" (١).
ويقول الإمام الشافعي ﵀: " يسقط كل شيء خالف أمر النبي ﷺ ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله قطع العذر بقوله ﷺ " (٢).
ويؤكد ابن أبي العز الحنفي ﵀ هذه القاعدة فيقول: " وطريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النص الصحيح ولا يعارضوه بمعقول ولا قول فلان" (٣).
وتعارض النص الصريح من الكتاب والسنة مع العقل الصحيح السليم غير متصور أصلاً، بل هو مستحيل، فإذا جاء ما يوهم ذلك فإن الوحي مقدم ومحكم، لأنه صادر عن المعصوم ﷺ والعقل لا عصمة له بل هو نظر البشر الناقص (٤)، وهو معرض للوهم والخطأ والنسيان والهوى والجهل والعجز، فهو قطعاً ناقص (٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها، بل يُعلم بالعقل نقيضها الموافق للشرع.
ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلاً لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ " (٦).
ويقول أيضاً: " إن النصوص الثابتة عن الرسول ﷺ لم يعارضها قط صريح معقول، فضلاً عن أن يكون مقدماً عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية لا براهين عقلية" (٧).
стр. 34
ولا يفهم من هذا أن السلف يهملون العقل ويقللون من أهميته ويعطلون وظيفته، بل إنهم ﵏ يحترمون العقل ويقدرونه قدره ويعرفون له قيمته وفضله، لاعتقادهم بأن فهم نصوص الكتاب والسنة يحتاج إلى قلب يتدبر وعقل يفكر، ... إلا أنهم يرفضون الغلو في تقدير العقل وتمجيده، كما يرفضون إعماله في غير مجاله الذي حدده له الشارع الحكيم وإقحامه فيما ليس في مقدوره واستطاعته أن يحكم فيه (١).
ثالثا: الاستدلال باللغة:
وقد اهتم السلف اهتماماً بالغاً بكتب اللغة: ومن ذلك ما رواه ابن بطة في الإبانة بسنده عن أحد طلاب الإمام أحمد ﵀ قال: " طلب مني أبو عبد الله -وهو في السجن- كتاب حمزة في العربية، فدفعته إليه، فنظر فيه قبل أن يمتحن" (٢). وقال الإمام أحمد ﵀: " كتبت من العربية أكثر مما كتب أبو عمر الشيباني" (٣).
وقد ظهرت بجلاء استدلالات أهل السنة والجماعة باللغة العربية في مصنفاتهم في الاعتقاد، وقد تنوعت طرقهم وأساليبهم في ذلك الاحتجاج والاستدلال والرد على المخالفين؛ بل إنهم يوردون حجج المخالفين اللغوية ويردون عليها أداء للأمانة العلمية ولبيان ضعف استدلال المخالف باللغة وبطلانه، ويبينون المعاني الصحيحة لبعض الكلمات والألفاظ، ويضربون الأمثلة لتوضيح وتقريب المعاني اللغوية (٤).
رابعاً: التركيز في الدفاع عن العقيدة على نفس المعتقد بغض النظر عن القائل، وقد يذكرونه أحياناً:
إن من منهج السلف في الدفاع عن العقيدة التركيز على بيان الحق ورد الشبه، بغض النظر عن قائلها، وقد يحتاجون في بعض الأحيان إلى التعيين إذا ترتب على ذلك مصلحة.
يوضح ذلك الشيخ بكر أبو زيد ﵀ فيقول: " الأصل هو الستر، والعمل على دفع دواعي الفرقة والوحشة وعدم الموافقة، فالرد يَنْصبُ على المقالة المخالفة المذمومة لا على قائلها وتعيين اسم قائلها حسب مقتضى الأحوال منها:
أ- التعيين إذا كانت المقالة فاحشة جداً كبدعة الخوارج، فلا إشكال في جواز إبدائها وتعيين القائل بها، كما عين رسول الله ﷺ الخوارج، وذكر علاماتهم، وحذر منهم، ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة بل أشد منه بحسب نظر المجتهد، كالبعثيين، والعلمانيين، والحداثيين.
ب- التعيين إذا كانت الفرقة تدعوا إلى ضلالتها، وتزينها في قلوب العوام، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس فلابد من التصريح بأنهم من أهل البدعة والضلالة" (٥).
стр. 35
خامساً: الالتزام بالمصطلحات الشرعية:
قضية ضبط المصطلحات أمر نبه القرآن الكريم عليه المؤمنين في وقت نزول الوحي، فقد نهى الله المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَاعِنَا﴾، وأمرهم أن يقولوا: ﴿انْظُرْنَا﴾، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وذلك أن اليهود كانت تستخدم كلمة ﴿رَاعِنَا﴾ لمعنى فاسد يحمل مسبة للنبي ﷺ .
وأخبر النبي ﷺ عن أناس يأتون في أخر الزمان يسمون الخمر بغير اسمها (١).
ويتلخص موقف أهل السنة من أمر المصطلحات التي تنسب إلى الأنبياء أو السلف أو إلى الخصوم بما يلي:
١ - التأكد من صحة نسبة المصطلح ومعناه:
قال شيخ الإسلام ﵀: " المنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله" (٢)، والأمر في هذا أن العلم يحتاج إلى نقل مصدق، ونظر محقق (٣).
٢ - اتباع المنقول من المصطلحات:
وذلك أن اتباع ألفاظ الكتاب والسنة أولى من أي ألفاظ أخرى في تقرير أمور الدين؛ لأن ذلك يؤدي إلى موافقة النصوص لفظاً ومعناً.
٣ - فهم المصطلحات:
وذلك بمعرفة دلالة المصطلح ومعرفة مراد المتكلم به، "وذلك أن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون بعد انقراض عصر الذين خاطبهم بلغته وعادته (٤)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
стр. 36
٤ - الاستفسار والاستفصال عند الإجمال:
يلتزم السلف إزاء الألفاظ المجملة التي يوردها أهل الباطل بهذه القاعدة فلا يوافقون على إثبات لفظ مجمل أو نفيه، إلا بعد الاستفسار عن مراد صاحبه، وذلك كألفاظ الجوهر، والجسم، والجهة، وهي من الألفاظ المبتدعة عند أهل الأهواء وأهل الكتاب، فإن كان المعنى حقٌ؛ قبلوا المعنى وردوا اللفظ، وإن كان المعنى باطلٌ ردوا اللفظ والمعنى.
قال ابن أبي العز ﵀ في شرح الطحاوية في تعليقه على كلام الطحاوي: " تعالى ربنا عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات"، قال: " أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ ﵀ مقدمة، وهي: أن الناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا وباطلا، ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنى باطلا، مخالفا لقول السلف، ولما دل عليه الكتاب والميزان. ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفيا ولا إثباتا، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان: نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما نفاه الله ورسوله فاللفظ الذي أثبته الله أو نفاه حق؛ فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والألفاظ الشرعية لها حرمة ...
وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره" (٢).
стр. 37
وقال أيضًا: " وما تنازع فيه المتأخرون، نفياً وإثباتاً، فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً قبل، وإن أراد باطلاً رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى" (١).
٥ - مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم:
ويستثنى مما سبق مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم عند الحاجة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة .. " (٢)، لاسيما "إذا كان المناظر معارضاً للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة، مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات، أو ممن يدعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك، أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء، فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من كلام على المعاني التي يدعونها: إما بألفاظهم، وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم ... " (٣).
سادساً: وضوح الأسلوب وحسن الصياغة:
يمتاز المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة بالوضوح والبيان، وخلوه من التعارض والتناقض والغموض والفلسفة والتعقيد في ألفاظه ومعانيه لأنه مستمد من كلام الله المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن كلام رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
قال ابن رجب ﵀: " ومع هذا ففي كلام السلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق التنبيه على مأخذ الفقه ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر، يُفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب.
وفي كلامهم من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب، في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه.
стр. 38
فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال؛ ولكنه نور يُقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويُعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد ... وأما كثرة القول وتشقيق الكلام فإنه مذموم" (١).
سابعاً: توثيق الكلام المردود عليه من كتبهم والتثبت من ذلك:
فمن منهج السلف توثيق كلام المردود عليهم من كتبهم، والرجوع إلى مصادرها، لا من الكتب التي ترد عليهم، أو تحكي عنهم، أو فيما يقال عنهم فهذه مصادر ثانوية، والتثبت من نسبته إليهم (٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رده على النصارى: " وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلا فصلاً، واتبع كلّ فصل بما يناسبه من الجواب فرعاً وأصلاً، وعقداً وحلاً" (٣).
أما التثبت فقد أمر الشرع به، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
والمراد بالتبين: التعرف والتبصر والأناة وعدم العجلة حتى يتضح الأمر ويظهر، وهذا يحصل في النقل والمنقول، فلا بد من التحقق من صدق الناقل وسلامته، ولذا قال النبي ﷺ : " بئس مطية الرجل زعموا" (٤).
وقال ابن تيمية ﵀: " من أراد أن ينقل مقالة عن طائفة فليسم القائل والناقل، وإلا فكل أحد يقدر على الكذب" (٥).
стр. 39
المبحث الثالث: المنهج الأخلاقي عند السلف في الدفاع عن العقيدة:
إن من القضايا التي ينبغي الاعتناء بها علماً وعملاً موضوع الصفات السلوكية والأخلاقية عند أهل السنة والجماعة وخصوصاً عند الرد على المخالف؛ لما يترتب على ذلك من بيان الحق وقبوله لدى المخالف، وبما يحصل به من الائتلاف وعدم التفرق؛ لأن المقصود هو بيان الحق وهداية الخلق.
ولقد اعتنى السلف الصالح بالجانب السلوكي الأخلاقي علماً وفقهاً، كما حققوه عملاً وهدياً، بل إن أئمة السلف يوردون الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنة في ثنايا كتب العقيدة، وعلى سبيل المثال فهذا قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني ﵀ يقول: " ومن مذهب أهل السنة التورع في المآكل والمشارب والمناكح، والتحرز من الفواحش والقبائح، والتحريض على التحاب في الله ، واتقاء الجدال والمنازعة في أصول الدين، ومجانبة أهل الأهواء والضلالة، وهجرهم ومباينتهم، والقيام بوفاء العهد والأمانة، والخروج من المظالم والتبعات، وغض الطرف عن الريبة والحرمات، ومنع النفس عن الشهوات، وترك شهادة الزور وقذف المحصنات، وإمساك اللسان عن الغيبة والبهتان، والفضول من الكلام، وكظم الغيظ، والصفح عن زلل الإخوان، والمسابقة إلى فعل الخيرات، والإمساك عن الشبهات، وصلة الأرحام، ومواساة الضعفاء، والنصيحة في الله، والشفقة على خلق الله، والتهجد لقيام الليل لا سيما لحملة القرآن، والبدار إلى أداء الصلوات" (١).
والحديث عن تلك الصفات السلوكية حديث طويل ولكن أشير إلى بعض تلك الصفات المهمة: -
أولاً: العدل والإنصاف (٢):
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].
وقد كان الصحابة، والسلف الصالح ومن بعدهم خير مثال في هذا، فهذا عبد الله بن رواحه رضى الله عنه لما بعثه النبي ﷺ ليخرص على أهل خيبر - من اليهود- ثمارهم، وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: " والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى، ولأنتم أبغض إلى من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: فبهذا قامت السموات والأرض" (٣).
стр. 40
يقول الفاروق عمر رضى الله عنه عن النصارى: " أهينوهم، ولا تظلموهم، فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر" (١).
فقول عمر رضى الله عنه: "أهينوهم": من مقتضى البراءة من الكافرين، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، وأما قوله رضى الله عنه: "ولا تظلموهم"، فهذا مقتضى العدل معهم (٢)، كما قال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].
"فالله يحب العدل والإنصاف على الموافق، والمخالف، وما يَضُر المتعصب بغير حق إلا نفسه.
قال حاتم الأصم - رحمه الله تعالى -: " معي ثلاث خصال أظهر بها على خصمي، قالوا: وما هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه".
فبلغ ذلك أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- فقال: " سبحان الله ما أعقله من رجل" (٣)." (٤).
وإذا أنصف الإنسان حمله إنصافه على أن يعرف قدر الخطأ، فلا يعطيه أكبر من حقه، كما لا ينسى سابقة قائله، وظروفه التي حملته على فعله، ولا يغيب عنك فعل حاطب بن أبي بلتعة رضى الله عنه وكيف أن عقوبته منع من ترتبها عليه مشهده العظيم يوم بدر.
قال ابن القيم ﵀: " من قواعد الشرع والحكمة أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يُحتمل منه ما لا يُحتمل من غيره ويعفى عنه ما لا يعفى من غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث ... وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين، وكما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع" (٥).