ال مقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد.
فإن من أفضل العلوم بعد كتاب الله سنة رسول الله ﷺ ، إذ السنة رديفة القرآن وهي جلاؤه وبيانه، فهي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديهِ ولا من خلفهِ.
ولقد وكل الله إلى رسوله تبيان هذا الكتاب بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] والرسول ﷺ في بيانه للقرآن الكريم لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] .
ولما كان للسنة النبوية هذه المكانة العظمى، عرف السلف الصالح للسنة قدرها فرعوها حق رعايتها، وحفظوها في الصدور وأودعوها سويداء القلوب، ودونوها في المصنفات والكتب، وحكموها في شؤونهم.
وفي هذه الوريقات بعض بيان لأمور تتعلق بهذا النبع الصافي، والمورد العذب أجملتهُ في تمهيد وفصلين: -
стр. 2
التمهيد: معنى السنة في اللغة والشرع.
الفصل الأول: إثبات أن السنة وحي من الله.
وتحته مبحثان:-
المبحث الأول: بما ورد في كتاب الله.
المبحث الثاني: بما جاء في السنة والآثار.
الفصل الثاني: كيف حفظت السنة؟
وتحته ثلاثة مباحث:-
المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في عهد النبي ﷺ .
المبحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ .
المبحث الثالث: جهود أتباع التابعين في حفظ السنة.
والله أسأل أن يوفقنا لخدمة العلم والدين، وأن ينفعنا بما علمنا وأن يحفظ شرعه القويم - كما وعد - إلى قيام الساعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 3
تمهيد:
تعريف السنة لغةً واصطلاحاً
أ - السنة لغةً:
السنة: الطريقة، كذا في القاموس (١) ، ولسان العرب (٢) .
وقال صاحب اللسان نقلاً عن شمر: ((السنة في الأصل سنة الطريق، وهو طريق سنه أوائل الناس فصار مسلكاً لمن بعدهم)) .
إذاً فالسنة في اللغة: الطريقة محمودة ً كانت أو مذمومة، ومنه قوله ﷺ "من سَنَّ سُنَّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سَنَّ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" (٣) ، ومنه حديث "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا ًبشبر وذراعاً بذراع" (٤) .
стр. 4
كلمة السنة واستعمالاتها في القرآن الكريم:
١) قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦]
قال ابن كثير (١) في معنى الآية: يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها.
٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾
[الأنفال:٣٨]
قال ابن كثير: «أي قد مضت سنتنا في الأولين.....» (٢)
٣) وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٧٧]
قال ابن كثير: «سنة من قد أرسلنا - الآية: أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم..» (٣)
٤) وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾
[الفتح:٢٣]
وقال ابن كثير: «أي هذه سنة الله وعادته في خلقه» (٤)
ويستخلص من النصوص القرآنية أن الكلمة قد استعملت في القرآن الكريم بمعنى الطريقة والعادة.
стр. 5
كلمة السنة وبعض استعمالاتها في كلام الرسول ﷺ :
١) روى عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لتتبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرا ًبشبر وذراعاً بذراع". (١)
قال ابن حجر في شرحه: لتتبعن ((سنن)) بفتح المهملة أي طريق. (٢)
٢) قال «حميد بن أبي حميد الطويل: أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: فجاء رسول الله ﷺ ، فقال "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٣)
قال ابن حجر: "فمن رغب عن سنتي فليس مني"، المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض.....» . (٤)
٣) قال ابن بريدة: «حدثني عبد الله المزني ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صلوا قبل صلاة المغرب - قال في الثالثة - لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة" (٥)
قال ابن حجر: ومعنى قوله: سنة أي شريعة وطريقة لازمة. (٦)
стр. 6
٤) قال جرير بن عبد الله ﵁: "جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ وعليهم الصوف، فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة، فأبطؤوا عنه ,حتى رؤي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله ﷺ : من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة، فعل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سنةً سيئة فعل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" (١) .
٥) روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه" (٢)
٦) قال سالم "كان عبد الله بن عمر ﵄ يفتي بالذي أنزل الله من الرخصة بالتمتع وسن رسول الله ﷺ فيه: فيقول ناس لابن عمر: كيف تخالف أباك؟ وقد نهى عن ذلك، فيقول لهم عبد الله: ويلكم ألا تتقون الله. إن كان عمر نهى عن ذلك فيبتغي فيه الخير، يلتمس به تمام العمرة، فلم تحرمون ذلك؟ وقد أحلَّه الله وعمل به
стр. 7
رسول الله ﷺ . أفرسول الله ﷺ أحق أن تتبعوا سنته أم سنة عمر؟ " (١)
في ضوء هذه النصوص يمكن القول بأن النبي ﷺ استعمل كلمة «السنة» بمعناها اللغوي أي الطريقة.
ونجد في دواوين السنة عشرات النصوص وردت فيها كلمة السنة وهي في معناها لا تخرج عن الطريقة والسيرة المتبعة.
قال ابن الأثير في النهاية: قد تكرر في الحديث ذكر «السنة» وما تصرف منها.
والأصل فيها الطريقة والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا، مما لم ينطق به الكتاب العزيز ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب، والسنة، أي: القرآن والحديث. (٢)
كلمة السنة في دواوين العرب:
١- قال خالد بن عتبة الهذلي:
فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... وأول راض سنة من يسيرها
فإن التي فينا زعمت ومثلها ... لفيك، ولكني أراك تجورها
٢- وقال لبيد (أحد أصحاب المعلقات) :
من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها
стр. 8
٣- وقال حسان بن ثابت:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع
٤- وقال الفرزدق:
فجاء بسنة العمرين فيها ... شفاء للصدور من السقام
في ضوء النصوص السابقة، يمكننا أن نقول: أن كلمة السنة استعملها الشعراء في الجاهلية والإسلام بمعناها اللغوي، أي الطريقة المتبعة سواء كانت حسنة أو قبيحة.
خلاصة القول:
لقد استعمل الجاهليون كلمة السنة في قصائدهم بمعنى الطريقة
واستعملت في القرآن بمعنى الطريقة والعادة، والمعنى كما رأينا راجع إلى الأول. واستعملها الرسول ﷺ في هذا المعنى كما رأينا في حديث ابن عمر.
ونقلت الكلمة من عمومها هذا إلى المعنى الاصطلاحي الآتي ذكره عند المسلمين وأضيف إليها (أل التعريف) أي طريق رسول الله ﷺ وشريعته. وليس معنى هذا أن معناها اللغوي قد بطل أو انعدم، بل بقي استعمالها ولكن في نطاق ضيق (١) .
стр. 9
ب- السنة اصطلاحاً:
يختلف معنى السنة في اصطلاح أهل الشرع حسب اختلاف فنونهم وأغراضهم، فهي عند الأصوليين غيرها عند المحدثين والفقهاء. ولذلك نرى مدلول معناها من خلال أبحاثهم.
(١) فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الإمام الهادي، الذي أخبر عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة، وخلق، وشمائل، وأخبار، وأقوال، وأفعال، سواء أثبت ذلك حكما شرعيا أم لا.
إذاً السنة في اصطلاح المحدثين هي:
كل ما أُثر عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية، أو سيرة سواء أكان ذلك قبل البعثة كتحنثه في غار حراء، أم بعدها. والسنة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي.
(٢) وعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ المشرع الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، ولذلك عنوا بأقواله، وأفعاله، وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها.
إذاً السنة في اصطلاح الأصوليين هي:
ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
فمثال القول:
ما تحدث به النبي ﷺ في مختلف المناسبات مما يتعلق بتشريع الأحكام
стр. 10
كقوله ﵊ "إنما الأعمال بالنيات" (١) . وقوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٢) .
ومثال الفعل:
ما نقله الصحابة من أفعال النبي ﷺ في شؤون العبادة وغيرها، كأداء الصلوات، ومناسك الحج، وآداب الصيام، وقضائه بالشاهد واليمين.
ومثال التقرير:
ما أقره الرسول ﷺ من أفعال صدرت عن بعض أصحابه بسكوت منه مع دلالة الرضا، أو بإظهار استحسان وتأييد.
فمن الأول، إقراره ﵊ لاجتهاد الصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بني قريظة حين قال لهم "لا يُصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" (٣) فقد فهم بعضهم هذا النهي على حقيقته فأخرها إلى ما بعد المغرب، وفهمه بعضهم على أن المقصود حث
стр. 11
الصحابة على الإسراع فصلاها في وقتها، وبلغ النبي ما فعل الفريقان فأقرهما ولم ينكر عليهما.
ومن الثاني: ما روي أن خالد بن الوليد ﵁ أكل ضباً قُدِّم إلى النبي ﷺ دون أن يأكله، فقال له بعض الصحابة: أوَيحرم أكله يا رسول الله؟ فقال: "لا، ولكنه ليس في أرض قومي فأجدني أعافه" (١) .
وقد تطلق السنة عندهم على ما دل عليه دليل شرعي، سواء كان ذلك في الكتاب العزيز، أو عن النبي ﷺ ، أو اجتهد فيه الصحابة، كجمع المصحف وحمل الناس على القراءة بحرف واحد، وتدوين الدواوين، ويقابل ذلك «البدعة» ومنه قوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (٢) .
(٣) وعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ ، الذي تدل أفعاله على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع في أفعال العباد وجوبا، أو حرمة، أو إباحة، أو غير ذلك. إذاً فالسنة في اصطلاح الفقهاء: هي ما ثبت عن النبي ﷺ من غير افتراض ولا وجوب، وتقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة، وقد تطلق عندهم على ما يقابل البدعة، ومنه قولهم: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا.
стр. 12
ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلافهم في الأغراض التي يُعنى بها كل فئة من أهل العلم.
فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الإمام الهادي الذي أخبر الله عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة وخلق وشمائل وأخبار وأقوال وأفعال، سواء أثبت ذلك حكماً شرعياً أم لا.
وعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، فعنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها.
وعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الذي لاتخرج أفعاله عن الدلالة على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوباً أو حرمةً أو إباحةً أو غير ذلك.
ونحن هنا نريد بالسنة ما عناه الأصوليون، لأنها - بتعريفهم - هي التي يبحث عن حجيتها ومكانتها في التشريع (١) .
стр. 13
الفصل الأول: إثبات أن السنة وحي من الله
المبحث الأول: ما ورد في القرآن الكريم
السنة النبوية: هي ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وهي أحد قسمي الوحي الإلهي الذي نزل به جبريل الأمين على النبي الكريم ﷺ ، والقسم الثاني من الوحي هو القرآن الكريم، فالسنة النبوية من الوحي، بذلك نطق الكتاب العزيز ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى, إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤]
فكل ما ينطق به رسول الله ﷺ من قرآن أو سنة هو من وحي رب العالمين، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] .
فأنزل الله القرآن الكريم وحياً يتلى إلى قيام الساعة محفوظاً من التبديل والتغيير فكان دليلاً قائماً وبرهاناً ساطعاً على إثبات نبوة محمد ﷺ إلى يوم الدين وكان خير حافظ للشريعة المحمدية من عبث العابثين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وكان وما يزال نوراً ساطعاً وضياءً للمتقين قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦] .
وقد أمر الله بطاعة الرسول، وجعل طاعته طاعة لله تعالى واتباعه سبباً في محبة الله وغفران الذنوب ونفى الإيمان عمن لم يرض بقضائه ﷺ ، ومما ورد فيه من الوعيد الشديد لمن خالف رسوله قال تعالى:
المبحث الثاني: ما جاء في السنة النبوية وأقوال الصحابة ومن بعدهم
جاءت السنة بذلك: قال رسول الله ﷺ "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا وإنَّ ما حَرَّم رسول الله ﷺ كما حرَّمَ الله" (١) .
وعن حسان بن عطية أنه قال:"كان جبريل ﵇ ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن" (٢) .
وعن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : "آتاني الله القرآن ومن الحكمة مثليه" (٣)
والوحي ينقسم إلى متلو وغير متلو، فالوحي المتلو هو القرآن الكريم ومن الوحي غير المتلو السنة النبوية لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى
стр. 16
,إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] إلى غير ذلك من الأدلة، غير أن السنة النبوية تفارق القرآن الكريم بأمور كثيرة أهمها:
١- أنها نزلت بالمعنى ولفظها من النبي ﷺ ومن هنا جاز روايتها بالمعنى للخبير بمقاصدها العارف بمعانيها وألفاظها عند من يرى ذلك من العلماء.
٢– أنها ليست معجزة بألفاظها.
٣– ولا متعبداً بتلاوتها.
وقد يشكل على أن السنة بأقسامها: أقوالها وأفعالها وتقريراتها من الوحي ما قرره العلماء من جواز الاجتهاد له ﷺ وأنه اجتهد في كثير من الوقائع في الحروب وغيرها، فَجعْلُ السنة موحى بها من الله سبحانه يعارض ما قرره جمهور العلماء فضلاً عن أنه يسلبه ﷺ خصائصه ومزاياه من الفهم الثاقب والرأي الصائب. والجواب عن ذلك أنه ﷺ وإن اجتهد في كثير من المواطن التي لم ينزل عليه فيها وحي بمقتضى ما فطر عليه من العقل السليم والنظر السديد إلا أَنَّ الله سبحانه لايتركه وشأنه، ولكن يقره إذا أصاب وينبهه إن أخطأ.
ومن هنا كان اجتهاده ﷺ إذا أقره الله عليه وحياً حكماً فلا تعارض بين أن السنة وحي من الله وأن ذلك لا يسلبه ﷺ شيئاً من خصائصه ومزاياه بل يؤكدها ويقررها (١) .
стр. 17
وإننا لنلمس آثار رحمة الله تعالى وحكمته في أن جعل الوحي قسمين: قسماً: لا تجوز روايته بالمعنى بل لابد فيه من التزام الألفاظ المنزلة وهو القرآن الكريم، وقسماً: تجوز روايته بالمعنى لمن يستطيع ذلك وهو السنة النبوية المطهرة، وفي ذلك صون الشريعة والتخفيف عن الأمة ولو كان الوحي كله من قبيل القرآن الكريم في التزام أدائه بلفظه لشق الأمر وعظم الخطب ولما استطاع الناس أن يقوموا بحمل هذه الأمانة الإلهية.
ولو كان الوحي كله من قبيل السنة في جواز الرواية بالمعنى لكان فيه مجال للريب ومثار للشك ومغمز للطاعنين ومنفذ للملحدين، إذ يقولون لا نأمن أخطاء الرواة في أداء الشريعة ولا نثق بقول نقلة العقائد والأحكام والآداب، ولكِنَّ الله جلت حكمته صان الشريعة بالقرآن ورفع الإصر عن الأمة بتجويز رواية السنة في الحدود السابقة؛ لئلا يكون للناس على الله حجة (١) .
стр. 18
الفصل الثاني: كيف حفظت السنة ؟؟
المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في النبي ﷺ
مدخل
...
الفصل الثاني: كيف حفظت السنة؟؟
المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في عهد النبي ﷺ
كان من رحمة الله بالإنسانية جمعاء أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وهذا الرسول هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أشرف الناس نسباً وأكرم قريش أصلاً.
بدأ رسول الله ﷺ الدعوة إلى الله سرّاً حتى لا يفجأ القوم بها وهم غارقون في جهلهم هائمون في غيهم.فتبعه منهم نفر قلائل لا يتجاوزون أصابع اليد، ثم جهر بالدعوة إلى الله فدخل في الدين من علية القوم كثير، دخلوا الإسلام على بينة من أمره واستمعوا إلى كتاب الله وسنة نبيهم فخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، ولاسيما وهم متعطشون إلى ما ينقذهم من ظلمات الشرك ويهديهم إلى سبل السلام فصادف الإسلام قلوباً مستعدة ونفوساً متلهفة متهيأة فتمكن منها كل التمكن وجرى الإيمان فيهم مجرى الدم في عروقهم.
ذلك أنهم عرفوا من الرسول ﷺ أن هذا الدين هو منبع سعادتهم ومعقد عزهم وسبب نهضتهم فعقدوا عليه خناصرهم وأحبوا رسول الله حباً يعلو على حب الآباء والأبناء وانكبوا على ما جاءهم به من القرآن يحفظونه وعلى ما حدثهم به من بيان للكتاب
стр. 19
أو تشريع للأحكام فجمعوه في صدورهم وطبقوه على جميع أحوالهم، ثم كانت الهجرة إلى المدينة فانفسح المجال لاستماع القرآن وحضور مجالس النبي ﷺ .
علم أصحاب رسول الله ﷺ للسنة مكانها من الدين وأنها الركن الثاني في بنائه القويم بعد الكتاب العزيز كما علموا وصية الله تعالى باتباعها وتحذيره الشديد من مخالفتها، وأن من فَرَّطَ في أمرها أو تهاون بشأنها فهو محروم، ومن حفظها وعمل بها فهو سعيد مشكور.
ولم يخف عليهم أن القرآن العزيز رفع من شأن العلم والعلماء وحط من شأن الجهل والجهلاء فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وحث على التفقه في الدين وتبليغه إلى الناس فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] .
كما لم يخف عليهم الوعيد الشديد على كتمان العلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] .
وكما جاءت الآيات القرآنية حاثة لهم على تعلم الدين وأحكامه ودرسه ونشره كذلك جاءت الأحاديث النبوية محببة إليهم حمل العلم والتفقه في الدين محذرةً لهم من كتمانه حاضةً على تبليغه إلى الناس فقال
стр. 20
صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (١) "الدنيا ملعونة. ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً" (٢) .
"نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فَبَلَّغهُ كما سمعهُ فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع" (٣) "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة" (٤) "من سُئل عن علمٍ فكتمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار" (٥) والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة شهيرة.
ملكت هذه الآيات والأحاديث على الصحابة مشاعرهم وأخذت عليهم ألبابهم وأفعمت قلوبهم حباً لله ورسوله ﷺ وألهبت نفوسهم نشاطاً نحو العلم والعمل فلم يدخروا وسعاً في حفظ الأحكام والسنن، وضحوا في سبيل ذلك بأموالهم وأنفسهم. وإلى جانب هذه الحمية الدينية استعداد فطري ونشاط طبيعي هو استعداد الحافظة ونشاط الذاكرة وسرعة الخاطر وقوة الذكاء وكمال العبقرية، فالصحابة
стр. 21
عرب خلص أكثرهم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون فكل اعتمادهم على ملكتهم في الحفظ وقوة شأنهم فيه، واعتبر ذلك بحالهم في الجاهلية فقد حفظوا أنسابهم ومناقبهم وأشعارهم وخطبهم وكثيراً ما كانت تقع بينهم المفاخرة بالأنساب والأحساب فلا يسعفهم غير اللسان يثيرون به ما حفظوه من أخبارهم وأخبار خصومهم مما يرفع من شأنهم ويحط من شأن أعدائهم، فكان كل امرئٍ منهم على مقدار حفظه وقوة وعيه ترجمان قبيلته يرفع من قدرها ويتحدث عن مفاخرها وأحسابها والقوم من ورائه كأنهم سجل مليء بالحوادث والأخبار وكتاب شحن بالتواريخ والآثار، ساعدهم حبهم للتفاخر بالأحساب والأنساب والتنابز بالمثالب والألقاب مع ما رسخ فيهم من عصبية قبلية على إجادة الحفظ والضبط ونشاط في الذاكرة لم يتوافر في أمة من الأمم.
وكأن الله تعالت قدرته هيأ هذه الأمة العربية على هذا الاستعداد الهائل إرهاصاً لنبوة محمد ﷺ فكانت هذه الصدور الحافظة مهدا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي الكريم فاندفع هؤلاء الصحابة الأجلاء إلى تلقي حديث رسول الله بِنَهَم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله، وكان أمر الله قدراً مقدورا.
نعم تظاهر هذان العاملان ... العامل الروحي والعامل الفطري فأتى القوم بمالم تأت به أمة من يوم أن بعث الله تعالى رسله إلى الخلق فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم واتخذوا شريعته نبراساً في أمر معاشهم ومعادهم وبلغوها إلى الناس على وجهها غضةً طريةً.
стр. 22
أ - مجالس النبي ﷺ العلمية:
لم يكن للنبي ﷺ مدرسة مشيدة ولا معهد للتعليم يجلس فيه إلى أصحابه، بل كانت مجالسه العلمية كيفما اتفق فهو في الجيش معلم وواعظ يلهب القلوب بوعظه ويحمس الجنود بقوله وهو في السفر مرشد وهاد وهو في البيت يعلم أهله، وهو في المسجد مدرس وخطيب وقاض ومفت، وهو في الطريق يستوقفه أضعف الناس ليسأله عن أمر دينه فيقف، وهو على كل أحواله مرشد وناصح ومعلم، إلا أنه كثيراً ما يعقد لأصحابه المجالس العلمية بالمسجد حيث يجتمعون فيه في أغلب الأوقات لأداء فريضة الصلاة فكان يتخولهم بالموعظة والدرس تلو الدرس حتى لا يملوا ويسأموا، فعن ابن مسعود ﵁ أنه قال "كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا" (١) . وفي هذه المجالس كان ﷺ يفيض على أصحابه من الكلم الطيب والعلم النافع والهدى الرشيد ما يشرح صدورهم ويفعم قلوبهم، وكانوا يحضرون أولادهم مجالس الرسول ﷺ لسماع حديثه والتأدب بآدابه وكان ﵇ كثيراً ما يستفتى فيفتي، أو يسأل فيجيب، أو تقع أمامه الحادثة فيكشف عن حكم الله فيها، أو تنزل عليه الآية من القرآن فيفصح عن مراد الله منها، أو يقع من بعض الصحابة عمل لم يكن يعرف حكمه فيسكت إيذاناً منه بأنه جائز في الدين.
стр. 23
ولاتظن أن رسول الله ﷺ كان ملكاً محجوباً عن رعيته أو سلطاناً مترفعاً عن الاختلاط بأفراد أمته، بل كان على عكس ذلك متقلباً بين ظهرانيهم يبلغ رسالة ربه ويعود مرضاهم ويشيع موتاهم ويفصل في قضاياهم ويفض منازعاتهم ويقضي على اختلافاتهم وهم في كل ذلك مقبلون عليه بآذان صاغية وقلوب واعية.
هذا ولم يكن الصحابة ﵃ في حضور مجالسه العلمية سواء، بل كان منهم من يلازمه ولا يتخلف عنه في الحضر ولا في السفر كما كان من أبى بكر وأبى هريرة ﵄. وكان منهم من يتخلف عنه في بعض الأوقات لقضاء مصالحه المعيشية كزراعة أو تجارة أو نحوها أو الخروج في سرية إلى غير ذلك، ومع ذلك فكانوا حريصين على ما فاتهم من دروس النبي ﷺ فإذا ما حضروا سألوا واستفسروا.
وكان من الصحابة من يشتد به الحرص على حديث رسول ﷺ فيتناوب حضور مجالسه مع جار له يحضر هذا يوما وهذا يوما ثم يخبر كل منهما صاحبه عما سمعه في يومه فعن عمر بن الخطاب ﵁ "أنه كان هو وجارٌ له من الأنصار يتناوبان مجالس رسول الله ﷺ ويخبر كل منهما صاحبه بما رآه أو سمعه" (١) ، أما من بعدت عليهم الشُّقة فكانوا إذا نزلت بهم نازلة وأشكل عليهم حلها، فإنهم يضربون أكباد الإبل إلى مدينة رسول الله ﷺ ليقفوا على حكم الله فيما عرض لهم من الحوادث وربما مكثوا في أسفارهم الأيام والليالي ذوات العدد.
стр. 24
فعن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره - وكان بمكة - قاصداً المدينة حتى بلغ رسول الله ﷺ فسأله عن حكم الله فيمن يتزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما فقال له النبي ﷺ : "كيف وقد قيل" (١) ففارق زوجته لوقته.
علم النبي ﷺ أن أصحابه سيخلفونه من بعده وسيقع على كاهلهم أمر الإرشاد والتعليم فأتى في دروسه التعليمية بأمور كان لها أكبر الأثر في توجيه الصحابة وتعليمهم كيف يضطلعون بمهمة التعليم فيما بعد، ولنذكر لك أمثلة من هديه التعليمي الذي كان مناراً اهتدى به أصحابه ﵃.
كان من هديه التعليمي ﵇ أنه إذا سئل عما لا يعلم يسكت منتظرا الوحي من الله بذلك، وكان من هديه ﷺ أنه إذا قال كلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وكان من هديه ﵇ أنه ربما طرح المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم وليشحذ أذهانهم للفهم، وكان إذا سئل عن مسألة فأجاب عنها فإنه قد يفيض في مسائل أخرى لها مناسبة بالمقام أو صلة بالجواب فيستطرد بها ليفيد السائل والحاضرين علما جديداً.
وكان يتخولهم بالموعظة كراهة الملل حتى إن أصحاب ابن مسعود
стр. 25
طلبوا منه أن يحدثهم كل يوم فأبى وقال إنما نتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا كراهة السآمة علينا. وكان ﷺ يخص بعض أصحابه بالعلم دون بعض مخافة ألا يفهموا فيفتنوا. إلى غير ذلك من الأمثلة التي إذا تتبعناها في حديث رسول الله ﷺ اطلعنا منه على
خطة حكيمة في توجيه الصحابة حتى كانوا أساتذة في التعليم أمناء على أحكام الدين.
стр. 26
ب - كيف كان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي ﷺ ؟
لم يكن في أصحاب رسول الله ﷺ من يحسن الكتابة إلا نفر قليل فقد كانت الأمية غالبة عليهم فكان اعتمادهم في تلقي الحديث عنه ﷺ على استعدادهم في الحفظ على ما سبق آنفا كما أنهم نهوا عن كتابة الحديث في بدء الأمر خوف اختلاطه بالقرآن الكريم، وكان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي ﷺ إما بطريق المشافهة وإما بطريق المشاهدة لأفعاله وتقريراته وإما بطريق السماع ممن سمع منه ﷺ أو شاهد أفعاله وتقريراته لأنهم لم يكونوا جميعا يحضرون مجالسه ﷺ بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته. هذا ولما كان عدد الحاضرين للسماع من حضرة النبي ﷺ يختلف قلة وكثرة اختلف لذلك المروي عنه، فبعضه بلغ درجة التواتر وهو ما نقله عنه ﷺ جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب وهذا نوعان:-
متواتر لفظاً وهو قليل من الأحاديث كحديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (١) ومتواتر معنى وهو كثير ومن ذلك الأحاديث الواردة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام، وبعضه لم يبلغ درجة التواتر وهو الذي يسميه العلماء «خبر الآحاد» .
стр. 27
كان الصحابة يحفظون الأحاديث عن ظهر قلب ويبلغونها للناس بطريق المشافهة إلا ما كان من بعض أفراد قلائل كعبد الله بن عمرو بن العاص فقد أذن له النبي ﷺ في كتابة الحديث عنه.
فعن عبد الله بن عمرو هذا أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق" (١) .
هذا ولاختلاف الصحابة في معرفة الكتابة وعدم معرفتها وكثرة حضورهم مجالسه ﷺ وقلة حضورهم اختلفوا في تحمل الحديث وأدائه قلة وكثرة فكان منهم المقل ومنهم المكثر.
هذا أبو هريرة ﵁ يقول: "ما من أصحاب رسول الله ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب"٢)
وكما اختلف الصحابة في صفة الأخذ عن رسول الله ﷺ وفي كثرة المروي وقلته لأسباب أشرنا إليها كذلك اختلفوا في فقه الحديث حسب اختلافهم في الفهم والاستعداد الفطري فلم يكونوا سواء في معرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمفسر
стр. 28
ونحو ذلك إلا أنهم كانوا كثيرا ما يرجعون إلى الرسول ﷺ عند ما يقع الاختلاف بينهم فيُصدر حكمه الفصل وقَضاءَه العدل.
стр. 29
جـ - أثر النساء في نشر الحديث:
لم تكن مجالسه ﷺ قاصرة على الرجال بل كان كثير من النساء يحضرن المسجد أيضا ويستمعن إلى حديثه الشريف وفي الاجتماعات العامة كالاجتماع بصلاة العيد كن يخرجن جميعا إلى المصلى لاستماع الموعظة النبوية وكان النبي ﷺ بعد أن يلقي خطبة العيد في الصفوف الأمامية للرجال ينتقل إلى صفوف النساء يتحدث إليهن ويعلمهن إلا أن المجالس النبوية بوجه عام كانت الغلبة فيها للرجال دون النساء لذلك جاء وفد النساء إلى رسول الله ﷺ وطلبن إليه أن يجعل لهن يوماً يعلمهن فيه فكان النبي ﷺ يجيبهن إلى ذلك، على أن هذه الدروس كلها من عامة وخاصة لم تكن قائمة بحوائج النساء الدينية فكثيرا ما كانت تتجدد لهن شؤون ولاسيما وهن حديثات عهد بالإسلام فكانت المرأة تقصد رسول الله ﷺ فيما يعرض لها من أمر دينها ولا تستحيي أن تسأله لعلمها أنه لا حياء في التعلم وربما قدمت بين يدي سؤالها قولها "يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق" ثم تذكر حاجتها فتقول مثلا (هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت) وكثيرا ما يكون ذلك في نساء الأنصار حتى امتدحتهن عائشة زوج النبي ﷺ بقولها "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" (١) ، أما من
стр. 30
كان يغلب عليها الحياء منهن فكان لها من أمهات المؤمنين أعظم وسيط لدى رسول الله ﷺ يستوضح لها عن جواب سؤالها.
стр. 31
د - أمهات المؤمنين يبلغن الحديث عن رسول الله ﷺ :
ولاننس ما لزوجاته ﷺ من فضل كبير في تبليغ أحكام الدين ونشر السنن بين نساء المؤمنين ولاسيما ما كان من عائشة ﵂ التي كانت على مقدار عظيم من الذكاء والفهم، فقد كانت تسأله ﷺ وتناقشه في بعض المسائل التي قد تخفى عليها وتستوضح عن كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
فعن ابن أبي مُلَيْكة أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي ﷺ قال "من حوسب عذب، قالت عائشة أو ليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٨] ، قالت فقال: إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك" (١) .
ولعل من الحكم التي لأجلها أباح الله للرسول ﷺ الزواج بأكثر من أربع قيام هؤلاء الزوجات بالتبليغ عنه ﷺ وبخاصة في الأمور التي لا توجد منه ﷺ بين أصحابه أو يستحيي من فعلها بينهم ولا يمكن الاطلاع عليها لأحد غير أمهات المؤمنين ﵅ لذلك نجد أصحاب رسول الله ﷺ من بعده إذا اختلفوا في شيء من الأحكام
стр. 32
كالغسل والحيض والجماع ونحوها يلجؤون إلى أمهات المؤمنين ويرجعون إلى أقوالهن عن رسول الله ﷺ وبذلك يزول ما بينهم من خلاف.
هذا ولا ريب في أن نساءه ﷺ كن على جانب عظيم من العلم فقد أمرهن الله تعالى بالاستقرار في بيوتهن ومُدَارسة القرآن والسنة في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] إلى أن قال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]
لذا كان لأمهات المؤمنين أثر فعال في نشر السنة، ولولاهن لضاعت أحاديث وأحكام ما كنا لنطلع عليها من غيرهن ولاسيما الأفعال التي تقع بين النبي ﷺ وأزواجه مما لا يمكن لأحد الاطلاع عليها والوقوف على أحكامها.
стр. 33
هـ- البعوث والوفود وأثرها في انتشار:
الحديث النبوي
١- بعوثه ﷺ وأثرها في نشر الحديث:-
بدأت الدعوة المحمدية سراً واستمرت على ذلك ثلاث سنوات، ثم أمر الله نبيه بأن يجهر بها بعد أن تكونت نواة صالحة من المسلمين، فما كان من قريش إلا أن ناصبوه العداء واستمر الأمر على ذلك حيناً من الزمن حتى دخل في الإسلام كثير من أهل المدينة فأمر الله نبيه بالهجرة إليها فانتقل إليها مع أصحابه وأصبحت المدينة من ذلك الوقت مهبط الوحي وقاعدة الإسلام. غزا منها النبي ﷺ أعداء الدين وحدث
стр. 34
بها أكثر حديثه، إلا أن القتال كان حائلاً دون دخول كثير من القبائل في الإسلام كما كان مانعاً من وصول الدعوة إلى أطراف الجزيرة، فما أن وقع صلح الحديبية بين النبي ﷺ وأهل مكة حتى أمن الناس بعضهم بعضا، وجالس بعضهم بعضا وتحدثوا في شأن هذا الدين الجديد، وفي ظل هذه الهدنة المباركة دخل كثير من العرب في الإسلام وبعث النبي ﷺ بعوثه إلى القبائل المسلمة لتعليمهم السنن والأحكام، فبعث منهم إلى اليمن وإلى البحرين وإلى حضرموت وإلى عمان وغير ذلك من بلاد العرب.
كانت هذه البعوث رسل رحمة وهداية للناس بما حملوه إليهم من القرآن والسنة اللذين هما حياة النفوس والأرواح كما كانت هذه البعوث عاملاً مهماً في نشر حديث النبي ﷺ بين المسلمين في أنحاء الجزيرة، وقد كان النبي ﷺ يتخير لهذه المهمة من كان على جانب عظيم في العلم بالقرآن والسنن وكان يزودهم بحديثه الشريف وإرشاده الحكيم ويعلمهم كيف يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، انظر إلى قوله لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب فقل لهم إن الله فرض عليكم في اليوم والليلة خمس صلوات فإن هم أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم في السنة صوم شهر رمضان، فإن هم أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فإن أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم في أموالكم صدقة تؤخذ من أغنيائكم فترد في فقرائكم" (١) إلخ، وبطبيعة الحال كان المبعوث يبين أحكام كل ذلك بما سمعه من حديث
стр. 35
النبي ﷺ ، وبسبب هذا الهدي النبوي آتت هذه البعوث ثمرتها الطيبة في نشر الحديث الشريف بين ربوع المسلمين.
٢- وفود القبائل إليه ﷺ وأثر ذلك في نشر الحديث:-
لما تم لرسول الله ﷺ هذه الانتصارات الباهرة والفتوح المتكاثرة وفرغ من غزوة تبوك جاءته الوفود من أطراف الجزيرة العربية تضرب إليه أكباد الإبل يحفزها الشوق إلى لقاء هذا النبي الأمين ليأخذوا الدين من منبعه الأول، فقد عرفت هذه القبائل أنه لا طاقة لها بحرب محمد ﷺ بعد أن انضوت قريش تحت لواء الإسلام، وقريش هي في نظرهم لها لواء الإمامة والسيادة فدخلت هذه القبائل في الدين أفواجاً ووفدوا على رسول الله ﷺ زرافات ووحداناً مصداقاً لقوله تعالى:
﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ, وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا, فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١–٣] .
جاءت الوفود تترى إلى رسول الله كما جاءته الكتب والرسل من الملوك تخبره بإسلامهم ومفارقتهم للشرك وأهله وكلما جاء وفد أكرمهم ﷺ وأرشدهم وعرفهم أمر دينهم، وبشرهم إِنْ هم أطاعوه وحذرهم إن هم عصوه، وأفهمهم بما لهم وما عليهم، وكان قدوم الوفود سنة تسع من الهجرة، حتى سميت هذه السنة بسنة الوفود، ولم تكن هذه الوفود تأتي لنيل عطاء وإن كان النبي ﷺ يكرمهم ويعطيهم من مال الله الذي آتاه، بل يأتون إليه فيسألون عن أحكام الإسلام، أصوله وفروعه وكان النبي ﷺ يتحدث إليهم في كل ذلك ويجيبهم عن أسئلتهم ويخطب فيهم ويرشدهم ويعلمهم ويوصيهم بتقوى الله والسمع والطاعة.
وإن من يقرأ السيرة النبوية يجد أن وفوداً كثيرة جداً أقبلت عليه صلى الله عليه وسلم
стр. 36
حتى كأنه لم تبق قبيلة من قبائل العرب إلا قدم منها وفد على رسول الله ﷺ ولقد عرف الصحابة ﵃ تلك الوفود وفداً وفدا وحفظوا ما حدثهم به النبي ﷺ من حديث وما خطبهم من خطب وما بثه فيهم من مواعظ ونصائح وأحكام وسنن حتى إنك لتجد كتب الحديث والسير والمغازي مملوءة بذكر هذه الوفود وما كان لها من أثر عظيم في نشر الدين والسنن سواء ما كان من هذه الوفود في سنة تسع وما كان قبلها. وهاك بعض الوفود التي أقبلت عليه ﷺ :-
١- وفد بني سعد بن بكر- وكان وافدهم إلى النبي ﷺ هو ضمام بن ثعلبة وفد على رسول الله سنة تسع من الهجرة ولما قدم المدينة وجد النبي ﷺ جالساً بين أصحابه ولا يعرفه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فأشاروا إلى النبي ﷺ فدنا منه وقال: "إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، قال: سل عما بدا لك، فقال: يا محمد جاءنا رسولك فذكر لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، فقال أنشدك برب من قبلك وبرب من بعدك، قال: اللهم نعم، أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟، قال اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟، قال: اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن تأخد هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة" (١) ثم رجع ضمام إلى قومه فأسلموا جميعاً.
стр. 37
٢- وفد عبد القيس - لما قدموا على النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحي من مضر فمرنا بأمر فصل نُخبر به من وراءنا وندخل به الجنة وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أنَّ لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المَغنم الخمس، ونهاهم عن أربع عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت، وقال احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم" (١) .
من هذا ترى أن الوفود كانت تقدم على رسول الله ﷺ لتنهل من معين العلم ولتتفقه في دين الله وتقف على أحكام الإسلام، ثم يرجعوا إلى أوطانهم يعلمون من وراءهم من قبائلهم وعشائرهم، فهذه الوفود إلى جانب البعوث التي كان يرسلها النبي ﷺ إلى القبائل والملوك كان لها أكبر الأثر في نشر السنة النبوية في أنحاء الجزيرة العربية.
стр. 38
و حجة الوداع وأثرها في نشر الحديث:
هذا ولما استتب لرسول الله ﷺ الأمر في الجزيرة قصد حج بيت الله الحرام وقد حج معه من المسلمين أكثر من مئة ألف فألقى فيهم النبي ﷺ خطبة عظيمة جمع فيها أحكاماً غزيرة وسنناً كثيرة ووضع من آثار الجاهلية ما أبطله الإسلام، ولكثرة الناس في ذلك اليوم اتخذ ربيعة بن أمية بن خلف مُبلغاً عنه، وافتتح هذه الخطبة بعد حمد الله بقوله "أيها الناس اسمعوا قولي فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا" (١) وهي خطبة طويلة بين للناس فيها مناسك الحج وكأنه ﵇ كان يشعر بدنو أجله فلم يترك شيئاًلم يكن بينه للناس إلا بينه وأظهره، فكانت هذه الخطبة الحافلة في هذا الجمع الحاشد من أكبر العوامل في ذيوع السنن الكثيرة بين قبائل العرب وعشائرهم وهي كمنهاج ختامي للدعوة الإسلامية عامة ولحديث رسول الله ﷺ خاصة وقد نزل في هذا الوقت قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] .
стр. 39
المنحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ
مدخل
...
المبحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ
كان مصدر التشريع في عهد الرسول ﵊ كتاب الله وسنة رسوله، ينزل الوحي فيبلغه النبي الكريم إلى الناس كافة، ويبين مقاصده، ثم يطبق أحكامه، فكان الرسول ﷺ المرجع الأعلى في جميع أمور الأمة، في القضاء والفتوى، والتنظيم المالي والسياسي والعسكري، ويعالج الأمور على مرأى من أصحابه ﵃.
ثم ما لبث أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وانقطع الوحي ولم يبق أمام الأمة إلا القرآن الكريم والسنة الشريفة، مصداقاً لقوله ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي" (١) .
وتمسك الصحابة والتابعون بسنته ﵊ استجابة لأوامر الله وطاعة لرسوله ﵊.
стр. 40
منهج الصحابة والتابعين في المحافظة على السنة:
رأينا حرص الصحابة والتابعين على التمسك بالسنة المطهرة، وحسن اقتدائهم بالرسول ﷺ وتتبعهم آثاره، ووقوفهم عند أحكامه ﵊ متى ثبتت عندهم، وقد نهج الصحابة والتابعون