لا ينبغي للمسلم أن يجعل فعله للقربات التي تدخلها النيابة وسيلة لكسب الدنيا، فإن هذا ليس من مكارم الأخلاق من وَكل غيره ليقوم بالحج عن أحد يوم عرفة من عرفة أو غيرها فحجه صحيح مجزئ إذا أدى المناسك على وجه صحيح ومن وُكَّل في الحج عن شخص فغلط فنواه عن شخص آخر ظناً منه أنه هو المقصود فإن الحج يكون لمن قصده المُوكِّل، والعبرة بنية المنيب لا النائب ولا تأثير لغلط النائب في الاسم إذا كان الرجل لا يصلي ولا يصوم ويذبح للجن ومات مصراً على ذلك فهو مشرك شركاً أكبر، ولا يجوز الحج عنه، ولا الاستغفار له من كان غنياً قادراً وجب عليه أداء الحج بنفسه، ولا تجوز له الإنابة، ولا يكفي حج غيره عنه ما دام مستطيعاً الحج بنفسه لا يجزئ حج الصغير الفريضة عن غيره إلا بعد أن يبلغ ويحج عن نفسه ويجب على الإنسان أن يقوم بالحج عن نفسه أولاً قبل أن يحج بوالديه إذا كان لا يقدر على نفقة الجميع، ولو قدمهما على نفسه صح حجهما لا يشترط فيمن يحج عن غيره أن يقيم الحج من بلد الموكِّل.
المواقيت
من مر على أحد المواقيت التي ثبتت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أو حاذاه جواً أو براً أو بحراً وهو يريد الحج والعمرة وجب عليه الإحرام، وإذا كان
стр. 212
لا يريد الحج والعمرة فلا يجب عليه أن يحرم، وإذا جاوزها بدون إرادة حج أو عمرة ثم أنشأ من مكة أو جدة فإنه يحرم بالحج من حيث أنشأ من مكة أو جدة مثلاً- أما العمرة فإن أنشأها خارج الحرم أحرم من حيث أنشأ، وإن أنشأها من داخل الحرم فعليه أن يخرج إلى أدنى الحِل ويُحْرم منه للعمرة. أحرم النبي صلي الله عليه وسلم- أي أهلَّ بالنسك- من ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، وكذلك غسله ﵇ كان بذي الحليفة، ولم يحرم أو يغتسل للإحرام في المدينة جدة ميقات لأهل جدة والمقيمين بها إذا أرادوا حجاً أو عمرة، وكذا من مر بها ممن لا يريد الحج والعمرة ثم بدا له الحج أو العمرة وهو بها فإنه يُحرم منها وأما جعلُ جدة ميقاتاً بدلاً من يلملم فلا أصل له، فمن مر على يلملم وترك الإحرام منه وأحرم من جدة وجب عليه دم، كمن جاوز سائر المواقيت وهو يريد حجاً أو عمرة ميقات العمرة لمن كان بمكة الحلّ، بل قال المحب الطبري: لا أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة. وحديث ابن عباس:"حتى أهل مكة من مكة" يتعين حمله على القارن والمفرد للحج دون المعتمر عمرة مفردة، لأمر النبي صلي الله عليه وسلم عائشة ﵂ أن تحرم بعمرتها من التنعيم، وكانت مع
стр. 213
رسول الله صلي الله عليه وسلم في الحرم. وحديث ابن عباس ﵄ عامٌّ وحديث عائشة ﵂ خاص، ويتعين حمل العام على الخاص التنعيم والجعرانة من الحل، وقد أمر النبي صلي الله عليه وسلم عائشة ﵂ أن تُحرم من التنعيم لأنه أدنى الحل، ومن أراد العمرة ممن كان في الحرم فيلزمه الخروج إلى الحل - التنعيم أو غيرها ليحرم بالعمرة. وإذا أحرم بالعمرة داخل الحرم لزمه دم يجب على أهل مصر والمغرب أن يحرموا من رابغ أو مما يحاذيها جواً إذا سافروا بالطائرة، أو مما يحاذيها بحراً إذا سافروا بالبحر، وليس لهم أن يؤخروا الإحرام حتى يحرموا من جدة يجب على من جاء حاجاُ أو معتمراً بالطائرة أن يحرم حين يحاذي أول ميقات يمر عليه، وإن نوى الدخول في الإحرام بالحج أو العمرة ولبى قبل الميقات الذي سيمر عليه خشية أن يتجاوزه غير محرم فلا بأس. أما التهيؤ للإحرام بتنظيف أو غُسل أو ارتداء ملابس الإحرام فيجوز في أي مكان.
أنواع المناسك
أنواع الإحرام ثلاثة:
الأول: الإحرام بالحج فقط، ومن حج مفرداً فلا يجب عليه هدي.
الثاني: الإحرام بالحج والعمرة معاً، وهذا يُسمى قارناً ويُسمى أيضاً متمتعاً، ويجب على القارن الهدي.
стр. 214
الثالث: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ويتحلل منها ثم يحج في نفس السنة، ويسمى من فعل هذا متمتعاً، ويجب عليه هدي ومن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة وإذا رجع إلى وطنه أو محل إقامته وأفضل أنواع النسك الثلاثة: التمتع بالعمرة إلى الحج.
عمرة التمتع هي التي يؤتى بها في أشهر الحج " شوال وذو القعدة والعشر الأولى من ذي الحجة " ثم يحج من عامه. أما العمرة التي تكون في رمضان فلا يحصل بها نسك التمتع من أحرم متمتعاً لا يجوز له أن يقلب تمتعه إلى الإفراد، فإن فعل ولم يكن حل إحرامه فإنه يكون قارناً ويلزمه هدي القِران من نوى الحج أو العمرة معاً ثم حول نيته إلى الحج فقط، فإن كان تحويل النية قبل عقد الإحرام فلا شيء عليه، وإن كان بعد عقد الإحرام فلا يسقط ذلك عنه حكم القِران، وعليه هدي من كان متمتعاً فطاف للعمرة وهو محدث ثم حل من عمرته وأحرم بالحج اليوم الثامن وأتم حجه، فإنه يُعتبر قارناً لأنه أحرم بالحج قبل طواف العمرة حيث إن طوافه للعمرة وهو محدث غير صحيح. وليس عليه دم من أحرم قارناً ثم أحل بعمرة ثم أحرم بالحج يوم الثامن فقد أحسن من أدى عمرة التمتع ثم اعتمر قبل الحج عن أحد فلا شيء عليه ويكون متمتعاً إذا أدى الحج.
стр. 215
صفة الحج
السنة لداخل الحرم ولا سيما المحرم البدء بالطواف إن تيسر له ذلك.
المشروع السعي للحج بعد طواف الإفاضة لكن لو سعى الحاج ثم طاف ناوياً طواف الحج والوداع ثم سافر فلا شيء عليه. إذا أدى المتمتع العمرة فإنه يُحِلّ من إحرامه ويلبس ملابسه العادية ويباح له ما كان ممنوعاً منه بالإحرام، كالحلق وتقليم الأظفار ولبس المخيط وصيد البر وعقد النكاح والجماع ودواعيه. ثم يحرم بالحج في اليوم الثامن. السنة المبيت ليلة اليوم التاسع في منى، ولا حرج في ترك المبيت في منى تلك الليلة. الأفضل للحاج أن يذهب من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس من اليوم التاسع، ولو ذهب قبل ذلك فلا حرج عليه. ليس صحيحاً أنه إذا كان يوم عرفة يوم جمعة أن الحجة تعدل سبع حجج أو سبعين. من وقف بعرفة ثم أغمى عليه، وفعل بعض المناسك وهو في شبه إغماء: فحجه صحيح إذا أدى جميع المناسك. لا يتنفل الحاج بعد صلاته الظهر والعصر جمعاً بعرفة حتى المغرب.
стр. 216
لا يشرع للحاج صعود جبل عرفات، المسمى "جبل الرحمة" ولا الصلاة عليه، بل هو بدعة. والذي ثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنه وقف تحت هذا الجبل عند الصخرات الكبار.
المبيت بمزدلفة:
من كان معه ضَعَفَة جاز له الانصراف من مزدلفة بعد نصف الليل. من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس: فعليه دم لترك واجب. من لم يقف بمزدلفة بسبب الزحام حتى طلعت الشمس فلا شيء عليه لأنه معذور. تبدأ مزدلفة غرباً من وادي مُحَسِّر وتنتهي شرقاً بأول المأزميْن من جهتها وقدر ما بينهما "سبعة آلاف وسبعمائة وثمانون ذراعاً، وأربعة أسباع الذراع".من خرج من مزدلفة قبل منتصف الليل فرمى جمرة العقبة أو طاف طواف الحج وسعيه فإن ذلك لا يجزئه وعليه إعادتها، أما الطواف والسعي فليس لإعادتهما وقت محدود إنما الواجب البدار بذلك بعد العلم، وأما الرمي: فمن لم يُعِده حتى انتهت أيام التشريق فعليه هدي.
أعمال يوم النحر:
أعمال يوم النحر ثلاثة للمفرد هي: رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة والسعي إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، وأما المتمتع والقارن فيزيد بذبح الهدي، ويزيد المتمتع سعياً بعد طواف الإفاضة.
стр. 217
وهذه الأعمال تكون مرتبة: الرمي فالذبح فالحلق أو التقصير ثم الطواف والسعي. هذا هو الأفضل تأسياً بالنبي صلي الله عليه وسلم، وسئل عن ترتيب هذه الأمور، ومن قدم بعضها على بعض فقال:"افعل ولا حرج". ومن فعل اثنين سوى الذبح حصل بذلك التحلل الأول، وبذلك يحل له كل ما حرم عليه بالإحرام ما عدا النساء، وإذا فعل الثلاثة حل له شيء حرم عليه حتى النساء. وأما الحديث الذي يدل على أن من لم يطف طواف الإفاضة يوم العيد حتى غربت الشمس فإنه يعود محرماً كما كان فهو حديث ضعيف، وقال البيهقي: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بهذا القول. لا يجوز للحاج تأخير رمي جمرة العقبة إلى اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق بدون عذر، ومن أخرها إلى أيام التشريق بلا عذر: فقد خالف السنة، وحُرِم من بعض أجر نسكه. الواجب تعميم الرأس كله بالحلق أو التقصير في حج أو عمرة، ولا يلزمه أن يأخذ من كل شعرة بعينها.
стр. 218
الطواف أنواعه وأحكامه
أنواع الطواف حول الكعبة كثيرة
منها: طواف الإفاضة في الحج، ويسمى أيضاً طواف الزيارة، ويكون بعد الوقوف بعرفات يوم عيد الأضحى أو بعده، وهو ركن من أركان الحج ومنها: طواف القدوم للحج، ويكون للمفرد والقارن حينما يصل إلى الكعبة، وهو واجب من واجبات الحج، أو سنة من سننه على خلاف بين العلماء ومنها: طواف العمرة، وهو ركن من أركانها لا تصح بدونه ومنها: طواف الوداع، ويكون بعد انتهاء أعمال الحج والعزم على الخروج من مكة المكرمة، وهو واجب على الصحيح من قولي العلماء على كل حاج ما عدا الحائض والنفساء، فمن تركه وجب عليه دم ومنها: الطواف وفاء بنذر من نذر الطواف بها، وهو واجب من أجل النذر ومنها: الطواف تطوعاً وكل منها: سبعة أشواط، يصلي الطائف بعدها ركعتين خلف مقام إبراهيم إذا تيسر ذلك، فإن لم يتيسر صلاّهما في بقية المسجد
стр. 219
يُُسنّ للطائف التكبير عند نهاية الشوط الأخير لأنه ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه كان يكبر في طوافه كلما حاذى الحجر الأسود يُسنّ الاضطباع في الأشواط كلها، في طواف القدوم خاصة، كما يشرع الرََّمَل "وهو الهرولة" في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم للحاج والمعتمر، وإذا لم يمكنه في الثلاثة الأولى الرمل فيها سقط عنه قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع، وذلك لأن الأصل فيهما إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك في النساء، لأن النساء يقصد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرُّضٌ للكشف يبدأ وقت طواف الإفاضة بعد منتصف الليل من ليلة النحر للضَّعَفَة ومن في حكمهم، وليس لنهايته وقت محدود، لكن الأولى المبادرة قدر الاستطاعة مع مراعاة الرفق بالنفس، وتحين الأوقات التي يكون فيها المطاف خفيفاً حتى لا يؤذي ولا يؤذى يشرع تقبيل الحجر الأسود دون غيره من الكعبة المشرفة، وهو سنة مؤكدة إن تيسر فعلها بلا مزاحمة أو إيذاء، وإلا تعين الترك في حق الرجال، والنساء من باب أولى، كما لا يجوز لهن التكشف أثناء التقبيل إذا وجد عندها أحد من الرجال الأجانب. إذا توقف الطائف أثناء الشوط لأداء الصلاة المفروضة، أتم الشوط
стр. 220
بعد الصلاة من حيث وقف، ولا يلزمه إعادة الشوط من بدايته من طاف بعض الأشواط في صحن الحرم وبعضها في الدور العلوي لأجل الزحام فلا شيء عليه. وكذا من طافها جميعاً في الدور العلوي لأجل الزحام لا بأس بالشرب والكلام أثناء الطواف لا يجوز للطائف بالبيت فرضاً أو نفلاً أن يدخل من حجر إسماعيل، ولا يجزئه ذلك لو فعله لأن الحجر من البيت ومن فعل ذلك في طواف الحج لم يجزئه ذلك الطواف ولا بد له من الإعادة. أما من فعله في طواف الوداع فعليه دم. ومن فعله في طواف نافلة فلا شيء عليه والطواف غير صحيح.
السعي صفته وأحكامه
صفة السعي: أن يرقى على الصفا إن تيسر له، أو يقف عنده ويقرأ قول الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة:١٥٨] ويقول: أبدأ بما بدأ الله به ويستحب أن يستقبل القبلة ويحمد الله ويكبره ويقول:"لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ثم يدعو رافعاً يديه بما تيسر له من الدعاء.
стр. 221
ويكرر هذا والدعاء ثلاث مرات، ويفعل على المروة كذلك ما عدا قراءة الآية فإنه لا يكررها، وإنما يقرؤها في مبدأ الشوط الأول من بدأ السعي بالمروة فإنه لا يلزمه أن يأتي بشوط ثامن لأن الأول يعتبر مُلغى لوقوعه على غير الصفة الشرعية من سعى أربعة عشر شوطاً جاهلاً فلا شيء عليه ويجزئه منها السبعة الأولى من عجز عن السعي ماشياً وشق عليه مشقة خارجة عن المعتاد جاز له ركوب العربية بالسعي من نسي سعي الحج لزمه أن يأتي به من طاف للإفاضة وأخرَّ السعي إلى ما بعد أيام التشريق، فسعيه صحيح لأنه ليس من شروط صحته أن يكون متصلاً بالطواف لكن من الكمال أن يكون بعد الطواف متصلاً به، تأسياً بالنبي صلي الله عليه وسلم السنة أن يكون السعي متصلاً بالطواف بقدر الاستطاعة، فإن أخَّر السعي كثيراً ثم سعى أجزأه من سعى محدثاً فلا شيء عليه لأن الطهارة لا تشترط للسعي.
حدود منى:
من وادي مُحَسِّر شرقاً إلى جمرة العقبة غرباً، وعلى من حج أن يلتمس مكاناً له داخل حدود منى، فإن تعذر عليه حصول المكان نزل في أقرب مكان يلي منى ولا شيء عليه
стр. 222
المدة التي يجب على الحاج أن يمكثها في منى بعد يوم النحر يومان هما: الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة، أما اليوم الثالث عشر فغير واجب المكث في منى، ولا رمي الجمرات بل يستحب. إلا إذا غربت عليه شمس اليوم الثاني عشر وهو ي منى فيجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر ثم رمي الجمرات الثلاث بعد الزوال من لم يتيسر له النزول في منى نزل في أقرب مكان إليها وجاز له أن يبيت فيه ليالي منى، وإذا غربت عليه شمس اليوم الثاني عشر وهو بمكانه ذلك لم يجب عليه المبيت ولا الرمي يوم الثالث عشر ليست العزيزية من منى بل يفصل بينهما جبل من ترك المبيت ليلة المزدلفة "ليلة العيد" وفي منى أيام التشريق لغير عذر أثم، ووجب عليه دم: شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، يذبح بمكة لفقراء الحرم، فإن لم يستطع صام عشرة أيام ترك المبيت أيام التشريق للرعاة والسقاة ومن في حكمهم جائز ولا شيء عليهم.
رمي الجمرات
من رمى الجمار أول أيام التشريق "وهو يوم الحادي عشر" قبل الزوال وجب عليه أن يعيدها بعد الزوال، فإن لم يعلم إلا في اليوم الثاني أو الثالث أعاد رميها بعد الزوال في اليوم الثاني أو الثالث: من أيام
стр. 223
التشريق قبل أن يرمي لذلك اليوم الذي ذكر فيه، فإن لم يعلم إلا بعد غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق لم يرم وعليه دم من زاد على السبع حصيات في رمي الجمرة فقد أجزأه الرمي وأساء في الزيادة المطلوب في رمي الجمار أن تقع في الحوض، وإصابة الشاخص ليست مطلوبة يجب الترتيب في رمي الجمرات بأن يبتدئ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، فإن خالف الحاج وجبت الإعادة، فإذا لم يعد أيام منى فعليه دم من رمى العمود "الشاخص" ولم تقع الحصيات في الحوض، فرميه غير صحيح وتجب عليه الإعادة، فإن فات الوقت فعليه دم، ولا تجوز الصدقة بالمال بدل الدم. إذا رمى أحد الجمرة الصغرى ثم زحم فأخر رمي الباقي إلى الليل مثلاً فلا شيء عليه ورميه صحيح أخذ الحجارة في رمي الجمرات من داخل الحوض والرمي بها لا يجزئ لأنها مستعملة من رمى حصى الجمار دفعة واحدة بضربة واحدة فإن ذلك لا يجزئه في رمي الجمار، ويعتبر كأنما رمى بحصاة واحدة يُرجى أن يكون الذي مات في زحام الجمرات شهيداً، لكونه مات بسبب الزحمة المشبهة لميت لهَدّم من أخر رمي الجمار في اليوم الحادي عشر حتى أدركه الليل، وتأخيره لعذر شرعي، ورمى الجمار ليلاً فليس عليه في ذلك شيء،
стр. 224
وهكذا من أخره في اليوم الثاني عشر فرماه ليلاً أجزأه ذلك ولا شيء عليه، وعليه تلك الليلة المبيت في منى، والرمي لليوم الثالث عشر بعد الزوال لكونه لم ينفر في اليوم الثاني عشر قبل غروب الشمس والأحوط للحاج أن يجتهد في الرمي نهاراً. المرأة المعذورة بحمل أو كِبَر أو نحو ذلك تجوز النيابة عنها، ولا إشكال في ذلك، والذي يرمي عنها لا ينوب عنها إلا بإذنها قبل الرمي عنها. فيرمي عن نفسه ثم يرمي عنها والنائب يكون من الحجاج وكذا تجوز النيابة عن القوية لو حصلت مشقةٌ غير مألوفة تجوز النيابة في رمي الجمار عن العاجز الذي لا يقوى على مباشرة الرمي بنفسه، كالصبي والمريض وكبير السن، إذا كان النائب من الحجاج ذلك العام وقد رمى عن نفسه من وكَّل آخر في الرمي عنه ففرَّط الوكيل فلم يرم، لزم الموكِّل دم، وله مطالبة الوكيل بقيمة الدم، لكونه المتسبب في ترك الرمي من وكَّل في رمي جمراته أيام التشريق أو أحدهما ونفر يوم النحر يعتبر مخطئاً مستهزئاً بشعائر الله، ومن يوكل في رمي الجمرات اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر من أيام التشريق ويطوف طواف الوداع ليتعجل بالسفر فقد خالف هدي الرسول صلي الله عليه وسلم، ويلزمه دم، عن ترك المبيت، ودم عن ترك الرمي الذي وكل فيه، ودم ثالث عن طواف
стр. 225
الوداع، حتى ولو طاف لأن طوافه للوداع وقع في غير وقته، لأن طواف الوداع إنما يكون بعد انتهاء رمي الجمرات فإن لم يستطع الدم صام عن كل فدية عشرة أيام من رمى الجمرات في اليوم الثاني عشر ثم طاف للوداع، ثم اضطر للعودة إلى منى للبحث عن الرفقة، فبات بها ليلة الثالث عشر، فلا يلزمه الرمي ذلك اليوم لكونه نفر من منى بنية الرحيل قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر من نقص حصاة من رمي إحدى الجمار فلا شيء عليه المراد بالأيام المعدودات في قوله: ﴿وَاذْكُرُوْا الله في أيَّامٍ مَعْدُوْدَاتٍ﴾ أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾ أي فمن نفر اليوم الثاني عشر بعد رمي جمراته وقبل الغروب فقد تعجل، ومن بقي إلى أن يرمي جمرات اليوم الثالث عشر فقد تأخر، وذلك أفضل.
طواف الوداع
لا يحرم البيع ولا الشراء بعد طواف الوداع، لكن لو ودَّع الحاج ثم تأخر كثيراً عُرفاً: شُرع أن يعيد الطواف يُشرع للمعتمر- ولا سيما إن أقام بمكة بعد عمرته- أن يطوف للوداع عند خروجه من مكة، ولا يلزمه ذلك على الصحيح من قولي العلماء
стр. 226
وفي وجوبه على المعتمر اختلاف، ولكن الأحوط له الطواف للوداع عملاً بعموم السنة تُعفى الحائض والنفساء من طواف الوداع إذا أدركها ذلك وقت خروجها من مكة لا يلزم المودِّع الخروج من الباب المسمى باب الوداع، ولا يلزم القادم أن يدخل من باب السلام من ترك الطواف لعذرٍ غير الحيض والنفاس لزمه دم. إذا لم يطف الحاج للإفاضة إلا عند انصرافه من مكة، واكتفى به عن طواف الوداع كفاه حتى ولو وقع بعده سعي كما لوم كان متمتعاً، وإن طاف طوافاً ثانياً للوداع فذلك خير وأفضل الوداع هو آخر أعمال الحج فلا يجوز أن يتقدم على شيء منها كالرمي مثلاً من كان مقيماً بجدة لزمه طواف الوداع قبل الخروج إليها، حتى وإن كان سيسافر بعد أشهر إلى بلده الأصلي، ولا يجوز له أن يسافر إلى جدة قبل الطواف ثم يعود للطواف إذا أراد السفر إلى بلده الأصلي، فإن فعل فعليه دم من طاف للوداع محدثاً وجب عليه إعادته ما دام في مكة، فإن سافر فعليه دم يذبح في مكة للفقراء
стр. 227
من طاف للوداع ثم اضطر للمبيت فسافر صباحاً فلا شيء عليه، وإعادة الطواف في هذه الحالة أحوط من طاف للوداع ثم خرج إلى مكان حجز السيارات فبات به: فلا شيء عليه، لأن مكان الحجز حالياً خارج مكة، ولو دخل بعد ذلك للبحث عن رفقائه مثلاً فلا يلزمه لا إحرام عند الدخول ولا طواف وداع عند الخروج من خرج إلى جدة لحاجة اليوم الثاني عشر وهو ينوي الرجوع ليبيت ليلة الثالث عشر ويرمي ثم يطوف للوداع ورجع فأدى ذلك كله: فلا شيء عليه.
العمرة
العمرة في الإسلام واجبةٌ، مرة في العمر، على أهل مكة وغيرهم وأما الإحرام بالعمرة لمن كان داخل الحرم فمن الحل كالتنعيم والجعرانة ونحوهما يجوز أداء العمرة في جميع أيام السنة حتى في أشهر الحج، وإذا أداها في أشهر الحج وحج بعدها من عامه فهو متمتع بالعمرة إلى الحج، وإذا أداها مع حجه كان قارناً، وعلى المتمتع والقارن هدي إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام. وإذا أداها الحاج في ذي الحجة بعد أيام التشريق جاز، ولا هدي عليه
стр. 228
وسئلوا عن معتمر سعى قبل الطواف جاهلاً، فأجابوا: بأنه ليس عليه إعادة السعي لما روى أبو داود بإسناد صحيح إلى أسامة بن شريك ﵁ قال: خرجت مع النبي صلي الله عليه وسلم حاجاً فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئاً وأخرت شيئاً، فكان يقول:" لا حرج لا حرج، إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حَرِج وهلك" ١.من أحرمت بالعمرة ثم حاضت فحلت من إحرامها قبل أن تطوف وتسعى، فإن كانت جاهلةً ولم يجامعها زوجها وجب أن تكمل عمرتها بعد انقطاع حيضها واغتسالها ولا شيء عليها. وإن حصل جماع بطلت عمرتها، وعليها أن تكملها بالطواف والسعي والتقصير، ووجب عليها أن تقضيها، فتأتي بعمرة بدلها من الميقات الذي أحرمت بالأولى منه وعليها دم. أما إن كانت لم تحل من عمرتها فعليها أن تتم عمرتها ولا شيء عليها، ولا تبطل عمرتها بالحيض على كل حال الواجب أن يعم الرأس بالحلق أو التقصير من لم يكن في رأسه شعر لكونه حلق قريباً فلا شيء عليه
стр. 229
من أحرم بالعمرة في آخر رمضان، ولم يؤد العمرة إلا في أول ليلة من شوال، ثم تحلل منها ثم حج من عامه لم يعتبر متمتعاً لأن إحرامه بالعمرة كان في غير أشهر الحج من مر بالميقات فلم يحرم وأحرم من جدة، ثم اعتمر وتحلل، ثم خرج إلى الميقات واعتمر مرة أخرى فعليه دم للعمرة الأولى لتفويته الإحرام من الميقات، ولا تُسقط العمرة الثانية الدم الواجب في العمرة الأولى الصحيح أنه يجوز تكرار العمرة في السنة عدة مرات لقول النبي صلي الله عليه وسلم "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" متفق عليه ولم يرد نص في تحديد فترة بين العمرة والتي تليها ̧ يشرع للمعتمر-ولا سيما إن أقام بمكة بعد عمرته- أن يطوف للوداع عند خروجه من مكة، ولا يلزمه ذلك على الصحيح من قولي العلماء من أدى العمرة من الميقات فإنه يجوز له أن يأتي بعمرةٍ ثانيةٍ من الميقات أو أي مكان من الحل سواء كانت العمرة الثانية له أو لغيره إذا كان ميتاً أو عاجزاً من نذر أن يعتمر بوالدته يوم العيد من كل عام جاز له أن يعتمر بها في رمضان، لأنه أفضل من الوقت المنذور، كما لو نذر أن يصلي في المسجد الأقصى فصلى في المسجد الحرام أو المسجد النبوي، لكونه أداها في مكان أفضل أما لو امتنعت أمه من العمرة فإنه لا شيء عليه أيضاً لكونه أدى ما عليه وحصل الامتناع من غيره.
стр. 230
الفدية والهدي
فدية ترك الواجب:
الأصل في إيجاب الدم على من ترك واجباً أثر ابن عباس ﵄:"إن ترك نسكاً أو نسيه فعليه دم" ١.
من ترك عدة واجبات: لزمه لكل واجب دمّ، كمن ترك الإحرام بالميقات والمبيت بالمزدلفة لزمه دمَّان مما يجزئ أضحية، يذبحه في الحرم ويفرقه على الفقراء فيه، فإن لم يستطع صام عشرة أيام عن كل دم والدم: إما سُبْع بدنة، أو سُبْع بقرة، أو شاة، تجزيء أضحية ولا يجوز إخراج قيمة الدم نقوداً، لأن إخراج النقود يخالف ما أمر الله به من وجب عليه دم لترك واجب، وهو لا يستطيعه: فإنه يصوم عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. ويبدأ وقت ذبح الدم لترك واجب من أول ترك الواجب سواء كان قبل العيد أو بعده، ولا حدَّ لآخره، ولكن تعجيله بعد وجوبه مع الاستطاعة واجب، ولو أخره حتى وصل إلى بلده لم يجزئ ذبحه فبي بلاده، بل عليه أن يبعث ذلك إلى الحرم، ويشتريه من هناك ويذبحه في الحرم، ويوزع على فقراء الحرم، ويجوز أن يوكِّل من يقوم بذلك نيابة عنه من الثقات.
стр. 231
الهدي:
من اعتمر في أشهر الحج ثم عاد إلى بلده ثم حج من عامه، فجمهور الفقهاء على أنه ليس عليه هدي، لأنه لم يتمتع بالعمرة إلى الحج في سفرة واحدة والفتوى والعمل جاريان على هذا القول من اعتمر في أشهر الحج عن نفسه، ثم حج عن غيره في عامه فهو متمتع وعليه هدي، حتى وإن كان بعد العمرة غير عازم على الحج ثم حج في العام نفسه من اعتمر في أشهر الحج ثم ذهب إلى جدة أو المدينة المنورة أو العمل أو لحاجة ثم حج من عامه فهو متمتع وعليه هدي، ولو كان أحرم بالحج مفرداً، وذهابه إلى جدة لا يقطع تمتعه على الصحيح من أقوال العلماء من فقد ماله في الحج فتبرع له رجل بهدي التمتع بإذنه فإن ذلك يجزىْ من كان متمتعاً أو قارناً ولجهله ضحى ولم يهدِ وجب عليه أن يذبح هدياً بمكة وله أن يأكل منه، وله أن يوكِّل من يذبح عنه، ولا تجزئ الأضحية عن الهدي من ترك هدي التمتع والقران وجب عليه قضاؤه، فيذبح بمكة، أو يوكِّل من يقوم بذلك، فإن لم يستطع صام عشرة أيام مجتمعة أو متفرقة، والواجب المبادرة في ذلك
стр. 232
من ذبح هدياً واحداً عنه وعن زوجته ظناً منه أن الهدي كالأضحية التي تجزئ الوحدة عن الرجل وأهل بيته، فإن عليه أن يذبح ثانية عنه وعن زوجته معاً من حج ومعه زوجته وهما متمتعان وشك هل نسك بشاة أو شاتين وجب عليه أن يذبح أخرى من الغنم أو سبع بقرة أو سبع بدنة لأن المشكوك فيها لاغية، ويجب أن تُذبح بمكة أو أي مكان من الحرم بنية أنها عمن لم يذبح عنه منهما يجب ذبح هدي التمتع والقران وكذا الأضحية في وقته المحدد، وهو أيام الذبح "يوم العيد وثلاثة أيام بعده" أما ما وجب لترك واجب، أو فعل محظور، أو كان صدقة فيذبح بعد وجود سببه، سواء كان في أيام الذبح أو قبلهما أو بعدها، مع وجوب المبادرة إلى أداء الواجب، ويجوز تأخيره عن وقت وجود سببه من تعذَّر عليه الهدي أيام التشريق لذهاب النفقة، وكان يرجو أن يجدها فإنه يذبح الهدي إذا وجد النفقة ولو بعد أن يرجع إلى بلده يذبحه بمكة وله أن يأكل منه، ويُطْعِم الفقراء، وإن عجز عن ثمنه صام عشرة أيام بدله من لم يذبح هدي التمتع في الوقت المحدد لعجزه، ثم استطاع بعد ذلك فعليه أن يذبحه قبل أن يصوم قضاء لا أداء في أي وقت بمكة، وعليه أن يتوب إن كان تعمد التأخير أو تساهل في ذلك
стр. 233
دلت الأدلة الشرعية على أنه يجزئ من الضأن ما تم له ستة أشهر، ومن المعز ما تم له سنة، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن الإبل ما تم له خمس سنين، وما كان دون ذلك فلا يجزئ هدياً ولا أضحيةً ولا عقيقة ويُشترط في الهدي ما يُشترط في الأضحية فلا تجزئ العوراء البيِّن عورها، ولا المريضة البيِّن مرضها، ولا العرجاء البيِّن عرجها، ولا الهزيلة التي لا تنقي من حج قارناً جاز له سوْق الهدي من ميقات إحرامه أو قبله أو بعده، وأن يشتريه من بلده، وأن يشتريه من عرفات تجزئ البدنة عن سبعة وكذا البقرة، وأما الشاة فعن واحد. ويجزئ سُبْع البدنة أو سُبْع البقرة هدياً ممن تمتع بالعمرة إلى الحج أو كان قارناً، وكذلك يجزئ في الأضحية.
الزيارة
لا يلزم الحجاج رجالاً أو نساءً زيارة قبر الرسول صلي الله عليه وسلم ولا البقيع، بل يحرُم شدُّ الرحال إلى زيارة القبور مطلقاً، ويحرم ذلك على النساء، ولو بلا شد الرحال ويكفي النساء أن يصلين في المسجد النبوي ويكثرن الصلاة على الرسول صلي اله عليه وسلم في المسجد وغيره. زيارة قبر النبي صلي الله عليه وسلم سنَّةٌ لعموم أدلة الحث على زيارة القبور، لكن
стр. 234
دون شد الرحال إلى ذلك، فيزوره من كان بالمدينة أو ضواحيها ممن لا يعد انتقاله إلى المدينة سفراً، أما السفر إلى المدينة لزيارة قبره فلا يجوز، فإذا سافر إلى المدينة لحاجة من تجارة وطلب علم ونحو ذلك، أو سافر إليها للصلاة في المسجد النبوي رغبة في مضاعفة الثواب، صلى أولاً، ثم زار النبي صلي الله وسلم الزيارة الشرعية فصلى وسلم عليه، وسلم على أبي بكرٍ وعمر ﵄، ودعا لهما دون أن يتمسح بالقبر أو بما حوله أو يقبِّل شيئاً من ذلك، ودون أن يدعوه أو يستغيث به، فإن دعاءه والاستغاثة به بعد وفاته كدعاء غيره من الأموات، وذلك شرك أكبر، بل يكتفي بالصلاة والسلام عليه والترضي عن أبي بكر وعمر ﵄.
стр. 235
القسم الأول: وصايا, نصائح, فوائد, آداب, منافع, توجيهات, تحذيرات
...
أخي المسلم أختي المسلمة!
هذه بعض الوصايا التي يجدر بنا أن نتدبرها ونعمل بالصواب منها إذا أردنا أن نستفيد من الحج ونخرج منه كيوم ولدتنا أمهاتنا بحج مبرور نسأل الله أن ينفع بها وأن يجعلها خالصة لوجهه صواباً على هدى نبيه صلي الله عليه وسلم
أولاً: الإخلاص:
وهو مطلبُ عظيم وشرطٌ أساسي لصحة وقبول العمل ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [الآية البينة] وقال صلي الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ر واه الستة، وصح عنه إن الله تعالى قال: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " رواه مسلم، فليست العبرةُ بكثرة الأعمال ولا بالتعب والنصب فيها فقد أخبر الله تعالى عن عذاب أقوام عاملين لم يحققوا الإخلاص والمتابعة ﴿وجُوه يَومَئِذ خَاشِعَة، عَامِلَة نَاصِبَة، تَصْلَى نَاراً حَامية﴾ [الغاشية] وإنما المطلوب هو الإخلاص والسداد كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُم أَيّكُم أَحْسَن عَملاً﴾ [الملك] أي أخلصه وأصوبه.. فلابد أن يكون العمل لله خالصاً صواباً على سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم
стр. 236
فاحرص على إخلاص العمل لله وحده ولا تشرك معه أحداً فتدعو غيره أو ترجوه أو تطوف حول قبر أو غيره ولا تطلب رضى أحد وإنما راقب الله وحده وليكن رضاه هو همك وغايتك، ليسلم لك العمل ويُقبل قال صلي الله عليه وسلم:"إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه" رواه النسائي عن أبي أمامة بسند حسن صحيح - صحيح النسائي رقم ٢٩٤٣.
ثانياً: المتابعة:
وهذا هو الشرط الثاني لقبول العمل وصحته.. قال صلي الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري، ومسلم عن عائشة وفي رواية "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " رواه مسلم وهي معنى شهادة أن محمداً رسول الله أي أن لا تعبد الله إلا بما شرع فلابد من إتباع هدى الرسول صلي الله عليه وسلم في سفرك وإحرامك ومناسك حجك وسائر أعمالك لتبرهن صدق محبتك لله ﴿قُل إِن كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِر لَكُم ذُنُوبِكُم﴾ الآية وقد أمرنا المصطفى صلي الله عليه وسلم بأن نأخذ هدي المناسك منه وحده "خذوا عني مناسككم"وطريق المتابعة هو العلم الشرعي فلا يمكنك معرفة هدي النبي ومتابعتك له إلا بالعلم الشرعي الصحيح فلابد من تعلم أحكام الحج..
стр. 237
من العلماء الربانيين الذين عُرفوا باتباع الدليل.
ثالثاً: التوبة الصادقة:
فتب إلى الله وتطهر من جميع الذنوب والآثام بالإقلاع عنها "والندم توبة" حديث صحيح والعزم على عدم العودة إليها واحذر أن تكون ممن يروغ كروغان الثعالب ومن عُباد المواسم والأماكن الفاضلة وهو ينوي الرجوع إلى المعاصي بعدها بل اعزم واجزم على ترك المعاصي وسل ربك الثبات والاستقامة على الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنَوا تُوبُوا إلى اللهِ تَوبَة نُصُوحاً﴾ .ولا تقنط من رحمة ربك واعلم بأن باب التوبة مفتوح لك ولغيرك مهما عملت. ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ الله إِنَّ اللهَ يَغْفِر الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ [الزمر] .
رابعاً: التحلل من الحقوق ورد المظالم والديون إلى أهلها وطلب السماح منهم:
فقد صح عنه صلي الله عليه وسلم:"من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم، فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له عمل أخذ من سيئات صاحبه فجُعلت عليه" رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة.. فإن كان لأحد حق أو دين عندك فرده إليه أو اطلب منه السماح إن كان الدين قد حل أجله.
стр. 238
وإن كنت قد ظلمت أحداً فرد إليه مظلمته واطلبه السماح وإن كان الأمر معنوياً كغيبة ونحوها ووجدت حرجاً ومشقة في إخباره وطلب السماح منه وخشيت أن يزيد الأمر قطيعة وفرقة وعداوة.. فاستغفر له وادع له.. واذكره بخير كما ذكرته بالسوء أولاً وليكن نصب عينيك حديث المصطفى صلي الله عليه وسلم:"أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فُيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار "..رواه مسلم عن أبي هريرة - مختصر مسلم ١٨٣٦.
خامساً: الاستئذان من الوالدين والزوج:
فاحرص على رضاهما فرضى الرب في رضاهما واطلب دعوتهما لك بالخير فدعوتهما مستجابة، فإن كان الحج عليك لأول مرة -أي فرض عين عليك- فلا يحق لهما منعك من الحج.. ولكن استئذنهما تطييباً لنفوسهما وكذا الزوجة مع زوجها تلتمس رضاه وتستئذنه فإن رضى وإلا حجت فرضها بشرط وجود محرم معها وأما في حج التطوع فلابد من الاستئذان.
стр. 239
سادساً: اطلب النفقة والزاد الطيب الحلال:
فإياك ثم إياك أن تحج بمال حرام من ربا أو رشوة أو يمين غموس كاذبة أو غش أو بيع محرم كدخان ومجلات ماجنة ونحو ذلك"فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً" كما في صحيح مسلم وكيف يليق بك أن تحج بهذا المال؟! فتدعو في الطواف والسعي وغيره ثم تقف بعرفة بين يدي ربك رافعاً يديك تسأله وتدعوه وترجوه.. ومطعمك ومشربك وزادك وراحلتك من حرام فأنى وكيف يستجاب لك؟!!
سابعاً: الوصية:
فلا تخرج-أخي الحبيب- من بيتك إلا وقد كتبت وصيتك. وهذا مطلوب منك في كل حين.. ولكن تذكر هذا قبل سفرك. فاكتب وصيتك ولتكن على السنة فأوص أهلك بالتقوى والاستقامة وألاّ يبتدعوا بعد موتك سواء في كفنك ودفنك وقبرك أو النياحة ونحوها أو في سائر أمور حياتهم وتكتب فيها الذي لك والذي عليك من الديون والحقوق وتطلب من أهلك قضاءها وسدادها وأن يطلبوا السماح ممن له حق عليك وتوصى بثلث مالك في مشاريع الخير والبر قال صلي الله عليه وسلم:"ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" رواه البخاري ومسلم.
стр. 240
ثامناً: الرفقة الصالحة:
احرص -أخي الحبيب- على رفقة صالحة تذكرك بالله إذا نسيت، وتعينك على ذلك إذا ذكرت من أهل العلم والطاعة والتقوى. تتعاون أنت وإياهم في عمل الصالحات. وتطبيق هدي المصطفى صلي الله عليه وسلم في السفر والمناسك وبقية الأعمال الصالحة واحذر رفقة السوء التي تضيع عليك أعمالك أو تُنقص أجرك باللهو المحرم والقيل والقال واللغو نحوه ومنه قول المصطفى صلي الله عليه وسلم:" المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" رواه الترمذي وحسنه الألباني وقوله صلي الله عليه وسلم في الحديث الثابت في الصحيح:" مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل حامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك -أي يهديك- أو تبتاع منه أو تجد منه ريحاً طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحاً خبيثة" ولا تنس أيضاً: القيام بحقوق الإخوة من التعاون والتعاطف والرحمة والذلة بين المؤمنين والتواضع والإيثار وخدمة إخوانك والتسابق في ذلك والتنافس على الخير ونصح الجاهل وتعليمه وأمر المخطئ بالمعروف ونهيه عن المنكر بالحكمة والأسلوب الحسن وغير ذلك من حقوق الإخوة وآدابها التي تديم المودة وتصلها وتقطع الطريق على
стр. 241
الشيطان وجنوده أن ينزغوا بينكم. ﴿وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِي أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُم﴾ .
تاسعاً: الإكثار من النفقة الحلال:
وذلك لمواساة المحتاج ومساعدة الفقير وإغاثة الملهوف ونحوه وتذكر بأن "بر الحج إطعام الطعام وطيب الكلام" حديث حسن رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الألباني.
عاشراً: حفظ الجوارح وخاصة اللسان عما يخدش الحج:
أخي الحبيب:
احفظ جوارحك عن المحرمات فغض بصرك عن الحرام.. واحفظ سمعك عن الفُحش والغناء والخنا وصن لسانك من الوقوع في الغيبة والنميمة والفُحش والسب والشتم ونحوه وإياك من شرب الحرام كالدخان والشيشة ونحوها واحذر من حلق اللحية وقضاء الأوقات في سماع الحرام أو قوله أو أكله أو شربه بل كن ممن يعمر وقته بذكر الله وطاعته واجتهد في حُسن خُلقك مع الناس وعاملهم بالحسنى فلا تضايق ولا تزاحم ولا تجرح بلسانك واعلم بأن الحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم ولا فُحش كما قال النووي ﵀ قال صلي الله عليه وسلم:"والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" رواه مسلم.. وتذكر
стр. 242
بأن "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " متفق عليه ولا تنس قول خالقك وربك ومولاك: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ في الْحَجِّ﴾ [البقرة] واحذر ثم احذر أن يخالف قولك عملك. فأنت تلبي وتقول:"لبيك اللهم لبيك" أي جئتك يا رب طائعاً مجيباً منيباً ثم تخالف ذلك بعملك ومعصيتك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون كَبُر مَقْتاً عنْدَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون﴾ [الصف] .
الحادي عشر: الحرص على آداب السفر المشروعة:
وذلك بمعرفة هدي النبي صلي الله عليه وسلم الثابت الصحيح في أدعية السفر والركوب والخروج والدخول ونزول المنزل وغير ذلك واحرص على التبكير في السفر فالبركة في البكور وعليك باستغلال الوقت في سفرك بما ينفع ويفيد!!
الثاني عشر: الاجتهاد في الطاعة:
اجتهد أخي الحبيب في الطاعة من نوافل الصلاة والصدقة والإنفاق والقراءة وغيرها.
حافظ على الصلوات في أوقاتها وفي المساجد مع المسلمين ولا تضيعها فتؤخرها عن وقتها فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
стр. 243
ومر بالمعروف وانه عن المنكر وجادل بالتي أحسن اجتهد في الدعاء والتضرع إلى الله بحضور قلب وتدبر لما تقول واتبع هدي نبيك في الدعاء ولا تعتد في الدعاء.. فتدعو بما لا يجوز أو تبتدع أو تدعو دعاءً جماعياً فهذا لم يرد من فعله صلي الله عليه وسلم
وكل خير في اتباع من سلف
وكل شر في ابتداع من خلف
واحرص على جوامع الكلم في الأدعية وأكثر من الدعاء يوم عرفة. أكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير وخاصة يوم عرفة أكثر من ذكر الله في أيام التشريق فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى أكثر من الاستغفار وتلاوة القرآن وبذل المعروف ابذل الوسع والطاقة في عمل الصالحات والتقرب إلى الله بأنواع القربات سدد الله خطاك.
الثالث عشر: استشعار وتدبر أسرار الحج ومنافعه الدنيوية والأخروية:
أخي الحبيب:
استشعر معاني الأعمال الصالحة التي تقوم بها وتذبر أسرار
стр. 244
المناسك ولتكن بمثابة المحطات الإيمانية التي تتزود منها لآخرتك ودنياك كما قال تعالى: ﴿لِيشهدُوا منَافع لَهُم﴾ أي في الدنيا والآخرة فليذكرك السفر، سفرك إلى الدار الآخرة وهل أعددت لها الزاد والعمل والإخلاص كما حملت الزاد في سفر الدنيا.
وليذكرك الإحرام والاغتسال قبله الكفن والموت الذي كلنا إليه صائر.
كل ابن انثى وإن طالت سلامته
يوماً على آله حدباء محمول
وكفى بالموت والقبر واعظاً ومذكراً بالآخرة وتدبر ماذا بعد الموت.
وليذكرك أيضاً يوم عرفة "في شدة حره وعطشه واجتماع الناس فيه بلباس واحد. كلهم سواسية" ذلك اليوم العظيم الذي تقف فيه بين يدي رب العالمين والذي تدنو فيه الشمس من الخلائق فمن الناس من يصل عرقة إلى ركبتيه إلى حقويه إلى ترقوته ومنهم من يلجمه -يغطيه- العرق إلجاماً على قدر الذنوب والمعاصي.
تذكر. ﴿يَوم لا يَنْفَعُ مَال وَلا بنُون إِلاَّ مَن أَتَى اللهُ بِقَلْبٍ سَليم﴾ .
وتذكر. ﴿يَوم تَرَونَها تَذْهَل كُل مُرضِعَة عَمَّا أَرْضَعَت وَتَضع كُل ذات حَمل حَملهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلكِنَّ عَذَاب الله شَدِيد﴾ [الحج] تذكر "يحشر الناس حفاة عراة غرلاً -أي غير مختونين-" حديث صحيح
стр. 245
وتذكر أيضاً أن هناك أناساً في ذلك اليوم العصيب تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله من المتحابين في الله والعادلين في حكمهم والباكي في خلوته من ذكر ربه والمعلق قلبه في المسجد والشاب الناشئ في طاعة الله وغيرهم كما في حديث السبعة وغيره. تذكر وتذكر وتذكر واعمل لإنقاذ نفسك ونجاتها.
أخي الحبيب:
تدبر مناسك الحج وخذ منها العبرة والعظة والزاد لآخرتك وتعلّم منها أيضاً دروساً كثيرة من التأخي والتآلف والوحدة الحقيقية التي لابد أن تكون على منهج الله ورسوله وطريقة السلف الصالح وتعلّم التساوي بين المسلمين جميعاً على جميع مستوياتهم وطبقاتهم كلهم يقفون بلباس واحد وفي مكان ووقت واحد وغير ذلك من الفوائد التي تحتاج إلى رسالة بل رسائل مستقلة.
وختاماً أخي الحبيب:
إياك ثم إياك أن تعود إلى المعاصي والفجور بعد أن خرجت من الحج طاهراً نظيفاً كيوم ولدتك أمك حافظ على هذه النظافة والطهارة واستقم على شرع الله ولا تكن ممن ينقض الغزل "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها" بل كن ممن يعبد ربه ويستقيم على شرعه حتى يأتيه اليقين ويلقى ربه وهو عنه راض وهو نظيف طاهر من الأوساخ والأدران
стр. 246
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل حجنا مبروراً وسعينا مشكوراً وذنبنا مغفوراً وأن يعيننا على العمل بما في هذه الوصايا من حق وصواب
السفر فوائد، آداب، أحكام
قال الله ﵎: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَات لِلْمُوقِنِين. وَفِي أَنفُسِكُم أَفَلا تُبْصِرُون﴾ [الذاريات: الآيتان:٢٠،٢١] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ الذينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهم ويَتَفَكَّرُون فِي خَلق السَّموات وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ [آل عمران:١٩٠،١٩١] وقال تعالى: ﴿فَسِيْحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢] ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] لذا فاعلم أيها الحاج، أن السياحة في الأرض والتأمل في عجائب المخلوقات، مما يزيد العبد معرفة بربه ويقيناً بأن لهذا الكون مدبراً، لا رب غيره ولا معبود بحق سواه. فالمسافر يتأمل، ثم يتدبر ثم يخشى، كل ذلك حينما يرى عجيب صنع الله وعظيم قدرته
فيا عجباً كيف يُعصى الإله
أم كيف يجحده الجاحدُ
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه الواحدُ
стр. 247
وقد أنكر الله -عزوجل- على أناس يسيحون في الأرض ولا يتأملون في خلقه قال تعالى: ﴿وكَأَين مِن آيَة فِي السَّمواتِ وَالأَرضِ يَمُرونَ عَلَيْهَا وَهُم عَنْها مُعرِضُون﴾ [يوسف:١٠٥] .
قال الشاعر:
تأمل في نبات الأرض وانظر
إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لُجَيْن شاخصات
بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات
بأن الله ليس له شريك
والسفر في العموم لا يخلو من فوائد وهي كثيرة، وقد ذكر الشافعي ﵀ بعضاً من هذه الفوائد حيث قال في شعر له:
تغرب عن الأوطان في طلب العُلى
وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرُّجُ هم واكتساب معيشة
وعلم وآداب وصحبة ماجد
والسفر في هذه الآونة، يختلف عن السفر في أيام مضت، فقد مهدت الطرق وجرت عليها العربات الآلية بشتى أنواعها المبدعة، فهي تسير بهم على الأرض إن شاءوا، أو تقلهم الطائرات السابحة في الهواء إن رغبوا، أو تحملهم الفلك المواخر في البحر إن أرادوا، كما أن الأزمنة قد تقاصرت فما كان يتم في شهور بشق الأنفس، أضحى يتم في أيام قصيرة، بل ساعات قليلة وبجهود محدودة.
стр. 248
ومع هذه الراحة الميسرة، فإن الأخطار المبثوثة في البر والبحر والجولم تنعدم بل إنها في ازدياد عن ذي قبل مما يؤكد الاحتماء بالله، وارتقاب لطفه، واللجؤ إليه.
ثم اعلم أيها الحاج الكريم: أن خروجك من بلدك مسافراً لأداء فريضة الحج يذكرك بسفر الآخرة، الذي كتبه الله على خلقه، فالموت كأس وكل الناس شاربه، وهو بكلٍ ضيف ولابد للضيف أن يرتحل، قال تعالى: ﴿كُلّ مَن عَلَيْهَا فَانٍ. ويَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَام﴾ [الرحمن:٢٦،٢٧] ، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] قال أحد السلف لولده: يا بني جدد السفينة، فإن البحر عميق، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد، وأحسن العمل فإن الناقد بصير. اهـ وخير ما يتزود به العبد تقوى الله والعمل الصالح وفي ختام هذه الوقفة يطيب لي أن أقدم للحاج الكريم بعضاً من الآداب التي ينبغي أن يراعيها المسلم عندما يريد السفر في العموم، ويدخل السفر إلى الحج في هذا العموم.
من آداب السفر إلى الحج:
١- وجوب التوبة من المعاصي والخروج من المظالم:
إذا عزم المسلم على السفر إلى الحج استحب له أن يوصى أهله وأصحابه بتقوى الله وهي فعل أوامره واجتناب نواهيه وينبغي
стр. 249
أن يكتب ما له وما عليه من الدَّيْن ويشهد على ذلك، ويجب عليه المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب والمعاصي لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وحقيقة التوبة هي الإقلاع من الذنوب وتركها والندم على ما مضى منها والعزيمة على عدم العودة إليها، وإن كان عنده للناس مظالم من نفس أو مال أو عرض ردها إليهم أو تحللهم منها قبل سفره لما صح عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال:"من كان عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليتحلل اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه"١.
٢- وينبغي أن ينتخب لحجه نفقة طيبة من مال حلال لما صح عنه صلي الله عليه وسلم: أنه قال"إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً" ٢.
٣- وينبغي للحاج الاستغناء عما في أيدي الناس والتعفف عن سؤالهم لقوله صلي الله عليه وسلم:"ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله"٣.
٤- وإن يقصد بحجه وجه الله والدار الآخرة ويحذر كل الحذر من أن يقصد بحجه الدنيا وحطامها أو الرياء والسمعه يقول تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيا وَزِيْنَتَها نُوفّ إِلَيْهِم أَعْمَالَهُم فِيهَا وهُم فِيهَا لا يَبْخَسُون،
стр. 250
أولئِكَ الذينَ لَيس لَهُم في الآخرة إلا النَّار وحبط ما صَنَعوا فيهَا وباطلٌ ما كانوا يعَمَلُون﴾ ١، وصح عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى:" أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" ٢، وينبغي له أيضاً أن يصحب في سفره الأخيار من أهل الطاعة والتقوى والفقه في الدين ويحذر من صحبة السفهاء والفسقة وينبغي له أن يتعلم ما يشرع له في حجه ويتفقه في ذلك ويسأل عما أشكل عليه ليكون على بصيرة فإذا ركب دابته أو سيارته أو طائرته أو غيرها من المركوبات استحب له أن يسمى الله سبحانه وبحمده ثم يكبر ثلاثاً يقول: ﴿سُبحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِين وَإِنَّا إِلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبون﴾ [الزخرف:١٣] "اللهم إني أسلك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل"٣، ويكثر في سفره من الذكر والاستغفار ودعاء الله سبحانه والتضرع إليه وتلاوة القرآن وتدبر معانيه ويحافظ على الصلوات في الجماعة ويحفظ لسانه من الكذب والغيبة والنميمة ومن كثرة القيل والقال.