← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7608

الحركة الوهابية (رد على مقال لمحمد البهى في نقد الوهابية)

محمد خليل هراس

Полный текст (98 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة لأستاذنا الدكتور محمد البهي١ كتيب نشرته "دار الفكر" ببيروت، عالج فيه الفكر الإسلامي في تطوره وتتبعه في أدواره المختلفة بين الصعود والهبوط، وبين الحركة والجمود. وقد عقد في هذا الكتيب فصلاً عن الحركة الوهابية، باعتبارها امتداداً للحركة الدينية الإصلاحية التي قام بها في القرن الثامن الهجري شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وقد ملأ الدكتور الكبير مقاله عن الوهابية بمزاعم لا تتفق مع الحق، ولا سند لها من الواقع، ونقدها نقداً جانب في الإنصاف، ولم يراع فيه موازين البحث العلمي. ومعلوم أن النقد النزيه لأي أمر من الأمور، هو الذي لا يغمط الحسنات بقدر ما لا يغفل السيئات، ولكن دكتورنا لم يذكر لهذه الحركة المباركة ولا حسنة واحدة، بل كل ما ورد في مقاله عيوب ومثالب، وإلقاء التهم جزافاً بلا حساب، مما يوحي بأنه كان واقعاً تحت تأثير عوامل معينة. نعم، إن الذي يقرأ النقد الموجه من الدكتور البهي للحركة، ثم يوازن بينه وبين المبادئ الذاتية لتلك الحركة، وما قامت به في الماضي ولا

стр. 2

تزال تقوم به من إصلاحات ضخمة في مجالي العقيدة والعمل، يعجب للمصادر التي اعتمد عليها الدكتور في نقده، بحيث لا يداخله أدنى شك في أنه استقى ذلك مما كتبه أعداء الحركة عنها. وعهدنا بالدكتور الكبير أنه يسلك دائماً في كل ما يكتبه سبيل التحقيق العلمي، ويلتزم جانب الدقة والتمحيص، وقد تعلمنا نه ذلك أثناء تتلمذنا له في مادة الفلسفة الإسلامية بالدراسات العليا بكلية أصول الدين إحدى كليات الجامعة الأزهرية. وكان لي أنا شخصياً شرف إشرافه على رسالتي التي حصلت بها على العالمية من درجة أستاذ، وكانت بعنوان: "ابن تيمية السلفي". ولكنه في هذا الفصل من كتابه خالف معهوده، فألقى القول على عواهنه، من غير تثبت ولا تحقيق. ونستأذن أستاذنا الكبير أن نناقش ما كتبه عن تلك الحركة قضية قضية، فإنه مهما كان عزيزاً علينا وحبيباً إلى قلوبنا، فإن الحق آثر عندنا حتى من نفوسنا، وقديماً ناقش أرسطو فلسفة أستاذه أفلاطون وقال في ذلك كلمته المشهورة: "أفلاطون صديق، والحق صديق، ولكن الحق آثر لدينا من أفلاطون"١.

стр. 3

تمهيد ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بين يدي الكتاب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. أما بعد: فإن من حق الشيخ محمد بن عبد الوهاب علينا أن ننصفه؛ لأنه لم يقل، ولم يفعل، إلا ما يستحق الإنصاف، بل والإشادة به، والدعاء له. إن الرجل- بأدب جم، وتواضع شديد، ورغبة خالصة فيما عند الله- كان يقول لنا في كل موقف: إنه لم يأت بجديد، ولم يبتدع شيئاً من عنده، وإنه متبع لا مبتدع، منطلق من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، ومن سنة رسوله ﷺ القولية والفعلية والتقريرية، وأن مردّ كل آرائه، وأقواله وأعماله الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح. فما بال بعض الناس يعمدون إلى ظلم هذا الرجل؟. وأنا أحياناً أسأل –متعجباً- نفسي: لما يظلمونه؟. وكيف يظلمونه؟ وما الذي يحملهم على ظلمه، ومنهجه هو منهجه الذي ألمحنا إليه؟!. أتراهم يرفضون منهج التشبث بكتاب الله وسنة رسوله ومنهج السلف الصالح، ويريدون منهجاً آخر يتجاوز القرآن والسنة. ويسقط عليهما

стр. 4

من الأهواء والانحرافات، ثم يزعمون – بعد ذلك- أن منهجهم منهج إسلامي!!. إنه موقف يدعو إلى الحيرة....ويبعث على الباحث فيما وراء المواقف والكلمات!. والحق: أن هذا هو الفرق بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وبين خصومه هداهم الله، الذين هاجموه، جهلاً ما يدعو إليه تارة، وعن علم تارة أخرى ... وسواء أكان ذلك عن جهل أم عن علم، فإنه رفض لمنهجه الذي يتشبث فيه بالانقياد الكامل للكتاب والسنة، فأصحاب الأهواء والانحرافات يرفضون هذا الانقياد، حتى وإن جادلوا لكي يبقوا في دائرة الإسلام، محاربين كل من يحاول تبصيرهم بأنهم -عرفوا أو لم يعرفوا - يخرجون عن الإسلام؛ لأنه يجعلون "العقل" مكان الوحي، و "الهوى" مكان النص، و "الضغوط العصرية" مكان الثوابت الإسلامية، ويريدون - أدركوا أو لم يدركوا- أن يدور الكتاب والسنة وراء تقلبات العصور، منقادين لا قائدين، يتكيّفان وفق متقلبات الآراء والأفكار والسلوكيات، حتى ولو خرجت على نواميس الفطرة ... ولا يكيّفان الحياة وفقاً لما أنزل الله. لمن يكن عمل الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا الجهاد، انطلاقاً من القرآن والسنة الصحيحة؛ كي تعود أمة التوحيد إلى التوحيد؛ لأن في ضياع عقيدة التوحيد أو تشويهها أو مزجها بأوشاب الشرك وأدرانه،

стр. 5

في عقيدة المسلم، ضياعاً لها في العالم الإنساني كله، فلا يبقى هناك دين صحيح يكون حجة على الناس يوم القيامة!!!. وهذ مخالف لسنن الله. وقد أحسن الشيخ العلامة محمد خليل هراس في هذا الرد حين عرض هذه القضية على هذا النحو. أجل: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله تعالى- في كل رسائله، وفي كل دروسه، وفي كل جولاته، وحتى عندما واتته الفرصة، بعد رحلة جهاد طويلة، كي يجد الدولة التي تنصره وتحمل معه رسالة التوحيد، بالكلمة والفعل، وبالدعوة والعمل، في كل ذلك كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب داعياً إلى الاحتكام لكتاب الله وسنة رسوله، وإلى عودة قيادتهما لأمة الإسلام ومجتمعات المسلمين ... وكان يرى أن هذه العودة الصحيحة تناسب العقل الصحيح، ولا تصادره، وأنها تفتح أما المسلمين الممزقين المختلفين ثمرات الوحدة والتقدم، بل والتفوق على الحضارات المعاصرة والمناوئة لهم، كما كان شأن أسلاهم مع هذا الدين. وبالكلمة القوية المؤمنة المنطلقة من قلب سليم مخلص لهذا الدين زاهداً في عرض الدنيا، والمنطلقة من عقل أحسن فقه الإسلام فقهاً متوازناً شاملاً، وعاش الإسلام إيماناً وعبادة وعملاً وجهاداً بالكلمة والعمل ... وبهذه الكلمة، ومن هذا المنطلق، قدم الشيخ محمد بن عبد الوهاب العقيدة الإسلامية الصحيحة، إنه لم يشغل نفسه بحروب مع أحد، وعلى العكس مما يظنه الذين لا يعرفون تاريخ الشيخ فقد،

стр. 6

ابتعد عن أسلوب المناوأة والتناطح، لأن هذا الأسلوب لا يفتح القلوب ولا العقول لتقبل الحق، بل يدفعها إلى العناد والمكابرة والدفاع عن آرائها لمجرد الغلبة، فلم يجعل الشيخ همه الوحيد الحرب على أصحاب الطرق، ولا على المتعصبين للآراء المذهبية، ولا على القاعدة العريضة من الجهلة بدين الله الذين يفسدون الحياة بالمنكرات والمباذل، وهم يظنون أنفسهم صالحين، حتى وإن قطعوا طريق الحجيج، واستباحوا دماءهم وأموالهم ... ولم لا؟ أليسوا يتقربون إلى صاحب ضريح من أجل تكفير سيئاتهم؟ أليسوا يتبركون بشجرة تكفيهم مؤونة العودة الصحيحة على دين الله، والاحتكام إليه، واجتناب نواهيه، والالتزام بأوامره؟!. ومع كل ذلك، كان الشيخ واعياً حصيفاً بالمنهج الصحيح للتغيير، فقد أدرك أن هذه الأنواع من الانحرافات، إنما هي ثمار ونتائج، وأن الحل لا يكمن في مقاومة الثمار الطبعية، والنتائج المنطقية، وإنما يكمن في اقتلاع الجذور وإزالة الأسباب. ولن يتأتى ذلك إلا بالعودة إلى الإسلام الصحيح: - الإسلام بعقيدته الصافية النقية. - والإسلام بحضارته الإنسانية الربانية الأخلاقية. - الإسلام الذي جعل من عبدة الأصنام في مكة والمدينة وجزيرة العرب، طليعة خير أمة أخرجت للناس في مدة وجيزة تعد عجباً في مسيرة العقائد والحضارات.

стр. 7

ومن هنا عكف الشيخ على الجذور والبواعث، يرويها بالتوحيد والعمل، ويدفع الناس إلى تغيير ما في نفوسهم وعقولهم حتى يغير الله أحوالهم وظروفهم، وحتى يعودوا من جديد خير أمة أخرجت للناس. فإذا كانت العقيدة هي الأساس، فإن اتباع السلف الصالح هو الطريق، والغاية هي الدعوة لإعلاء كلمة الله بأدوات قادرة على إقناع الناس في هذا العصر، في ضوء فقه رشيد بحقائق الدعوة وأساليب تبليغها. وهكذا فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله تعالى- حقيقة الدعوة، وسبلها، وأهدافها، وطبق بسلوكه فقهه لها، فمكن الله لدعوته في الأرض، وأصبحت هي الدعوة الإسلامية الإصلاحية الوحيدة التي قامت على أسسها دولة ناهضة تساعد جميع المسلمين في الأرض، وتقدم نموذجاً معاصراً لتطبيق شريعة الله في العصر الحديث. ولم يقف الأمر عند هذا المستوى، بل امتدت أصول الدعوة بجهود المؤمنين بها، وعلى رأسهم قادة الدولة نفسها، إلى أرجاء الأرض امتداداً يشبه امتداد أشعة الشمس في الصباح بعد ظلام دامس. وقد أبصر أشعة الشمس من له بصيرة ومبصر، وغفل إن إبصارها من أصاب عينيه بعض العمى، واستطاع رؤية قوة دفعها من وفقه الله، فحلل الأمور تحليلاً دقيقاً محايداً. لقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى من أبعد الناس عن التكفير والتطرف والغلو، وقد ورد في ثنايا هذا الكتاب الذي

стр. 8

يسرني أن أقوم بتحقيقه، كثير مما يؤكد ذلك، ومنه دفاع الشيخ عن نفسه في مواجهة خصومه الذين حاولوا أن يلصقوا به تهمة تكفير المسلمين المنحرفين، يقول الشيخ –﵀: "ولا أكفر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام". ويقول: "ومنا ما ذكرتهم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجباً كيف يدخل هذا عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟.". ويؤكد هذا الكتاب المفيد ابتعاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - عن التشدد والتكفير والغلو، تأكيده في آداب الداعي إلى الله، على أن الداعي لا بد أن يتحلى بالرفق واللين تحقيقاً لقوله تعالى في مخاطبة نبيه محمد ﷺ : "،،،". وفي الضوابط التي وضعها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جعل الرفق في الصدارة من هذه الضوابط، وهو مؤشر آخر على منهج الشيخ في الدعوة، وقد حفل المنهاج التربوي للشيخ بوسائل تربوية وأخلاقية وتعليمية تؤصل المعاني الإسلامية البعيدة عن التشدد والغلو، والتي تمير به منهج الشيخ كله، دعوياً كان أو تعليمياً أو تربوياً. وقد جمع الشيخ في منهجه بين النقل والعقل، وقد يظن ظان أن المنهج السلفي طريق للجمود، والأمر عكس ذلك، فالتعصب للرأي المذهبي والابتعاد عن الوحي نقلاً أو نصاً هو الجمود بعينه، فهو يحول الرأي إلى عقيدة، والفكر إلى أصل، مع أنه اجتهاد بشري ...

стр. 9

ويوضح الشيخ منهجه الذين يقوم على ضرورة الانطلاق من الدليل النقلي الثابت، لا على التقليد الأعمى الذي ساد الأمة الإسلامية عقوداً طويلة، ويقوم على فتح باب الاجتهاد القائم على الدليل النقلي، مع الاحترام الكامل لأئمة المذاهب واجتهاداتهم، شريطة ألا تكون اجتهاداتهم سداً أما اجتهادات بقية الأئمة المؤهلين في بقية العصور، يوضح الشيخ بإيجاز وحسم، معالم هذا المنهج في العبارات التالية: "ولا خلاف بيني وبينكم أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم، وإنما الشأن إذا اختلفوا: هل يجب علي أن أقبل الحق ممن جاء به، وأرد المسألة إلى الله ورسوله مقتدياً بأهل العلم، وأنتحل آراء بعضهم من غير حجة، وأعزعم أن الصواب في قوله، فأنت على هذا الثاني، وهو الذي ذمه الله وسماه شركاً، وهو اتخاذ العلماء أرباباً، وأنا على الأول أدعو إليه وأناظر عليه". والمنهج نفسه طبقه الشيخ في تعامله مع قضاياً المذهب الحنبلي الذي يأخذ بآرائه، ويلتزم في حدود ارتباطها بالنص ارتباطاً جازماً، أما إذا ظهرت عدة آراء داخل المذهب فيما لو وجدوا روايتين مختلفتين عن الإمام أحمد، أو أقوالاً لأصحابه مختلفة، فيجيب الشيخ قائلاً: "إذا اختلف كلام أحمد وكلام أصحابه، فنقول في محل النزاع: التراد إلى الله ورسوله، لا إلى كلام أحمد، ولا إلى كلام أصحابه، وقولك إذا استدل كل منها بدليل، فالدلائل الصحيحة لا تتناقض، بل يصدق بعضها بعضاً، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل: إما

стр. 10

إما استدل بحديث لا يصح، وإما فهم من كلمة صحيحة مفهوماً مخطئاً". كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى- مجتهداً في مذهب الإمام أحمد، راداً إلى الكتاب والسنة، ومع ذلك يرميه الجامدون بالجمود، وكان يؤمن بصلاحية الوحي لمواجهة كل العصور، ويثق في أن هذا القرآن دائماً يهدي للتي هي أقوم، وأن عقولنا يجب أن تسير في فلكه، لا أن يسير الوحي في فلكها، وقد عجز خصومه عن الارتفاع إلى هذا المستوى، فشغبوا عليه، شأن العاجزين وأصحاب الأهواء والمصالح في كل العصور، ولم يحاربهم مع ذلك، لكنهم حاربوه، ولم يحول طردهم من ديارهم، لكنهم طاردوه، وجعلوه ينتقل من مكان إلى مكان يبحث عن الملجأ كما يبحث عن الرجل العظيم، الذي يكون ممكَّناً في الدنيا؛ ليضم الدين إلى دنياه، ويُقّوِّم دنياه بدينه، ويحمي الدعوة وأصولها ورجالها، فلما وجده وعرف الصدق في كلامه، وقف بجانبه ووراءه، وبشره بالملك الذي تحقق فعلاً على نحو لم يكن متصوراً من قبل، ومع ذلك لم يطلب لنفسه ملكاً ولا شراكة في الملك، ولم يرغب إلا فيها عند الله. كان سلوكه - بشهادة الجميع - تطبيقاً لعلمه، ومع ذلك فما زال هناك من لا يتقول الله فيه، كما أنه ما زال هناك من لا يتقول الله في أعراض الأنبياء والصحابة، فكيف بالدعاة والمصحلين!!. وعندما تبنى آل سعود الكرام بدءاً من الإمام المجاهد محمد بن سعود ﵀ الدعوة، وجعلوها قضية وجودهم، كان الشيخ ﵀ سعيداً، وهو يشعر بأنه جندي بارز في دولة التوحيد، ولم

стр. 11

تأخذه العزة بالإثم، ولم يشغب كما يشغب رجال الدنيا، وأدعياء النعرات والأيدلوجيات، ولم يتهارش كما يفعل بعض الدعاة للأسف تهارش الديكة؛ من أجل الحفاظ على وضع متميز مادياً ومعنوياً، بل لعله كان أسعد الناس، وهو يتفرغ لما نذر حياته له، وهي الدعوة، وكانت سعادته أبلغ، وهو يرى الدولة التي بايع إمامها تنمو صعداً، بينما كان الدعوة الإصلاحية تتجاوز الجزيرة العربية، وتمشي مع الهواء لتصل إلى آفاق لم تكن لديه وسائل لتوصيلها، لكنها كلمة التوحيد الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فتضيء الطريق للباحثين عن الحق، وتقض مضاجع المنحرفين الذين يبغون عوجاً. ومات الشيخ قرير العين رحمه الله تعالى. وبذل الخصوم جهوداً ضخمة وحروباً دامية، وهزموا الدولة مؤقتاً، لكنها انبعثت بالدعوة من جديد؛ لأن دولة العقيدة لا تموت، ولأن إشعاعات التوحيد والسنة لا تقضي عليها السيوف والمدافع، ولاسيما إذا كانت العقيدة نابعة من وحي الله، تقوم على الحق، وتهدي إلى الحق. ولقد فؤجئ الناس برجل مجرد من القوة المادية، في ظروف تكاد تكون معقدة ومن خلال ستين رجلاً لا غير، يتقدم بالعقيدة السلفية، فيقيم دولة التوحيد من جديد، ويوحد الجزيرة العربية بالإسلام، ويبدأ من خلال عشرات الوسائل في نشر الدعوة، فتصل - برجال الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ إلى آفاق الأرض، ولا

стр. 12

تكاد مدينة في العالم الآن إلا وفيها عشرات المساجد والمراكز الإسلامية. وقد وصل المصحف إلى كل البلاد، وظهرت ترجماته الصحيحة المعتمدة بمعظم اللغات الحية. إنها الكلمة المخلصة التي تنتشر بعون الله وتوفيقه، على الرغم من كل العقبات، في كل أرجاء الأرض، لتقيم الحجة على الناس، وحتى تكون كلمة الله هي العليا. هذه الدعوة السلفية - وسامح الله من يطلق عليها مصطلح الوهابية - مع التزامها بالقرآن والسنة الصحيحة ومنهج السلف الصالح، ووضعها لها في المكان الأول، وانطلاقها العقيد والاجتهادي منهما، هذه الدعوة مع ذلك، كانت الأقرب إلى الاجتهاد، وتحريك العقل المسلم، وإبعاده عن مجال التعصب للمذهبية أو للمسلمات الموروثة التي لا أصل لها في دين الله. لا شك أن الواقع والمشاهد في المملكة العربية السعودية اليوم، بكل ما يعكسه من تطور اقتصادي وزراعي وصناعي وتجاري داخلي وخارجي، ومن تطور علمي، على مستوى المدارس والمعاهد والجامعات والمراكز البحثية، والمنجزات الحضارية العلمية الأخرى. هذا الواقع المشاهد خير دليل على قدرة الدعوة السلفية الموصولة بكتاب الله وسنة رسوله على التعامل مع كل العصور، وعلى إثبات أن الإسلام يُصلح كل زمان ومكان، بل إن الفقه السلفي الرشيد يرى

стр. 13

أن منجزات الحضارة الإيجابية إنما هي فروض كفاية، كان من الواجب أن يكون المسلمون الأسبق إليها، وبعضها فروض عين، مما يمثل حاجات ملحة للمسلمين، سواء لوجودهم، أم للدفاع عن دينهم وأمتهم وأوطانهم الإسلامية. وأنا أعتقد أن الشيخ الدكتور محمد خليل هراس رحمه الله تعالى إنما كتب هذا الكتاب، خطاباً لكل الناس، ورسالة تعريف وود لجميع المسلمين. هو خطاب للمثقف المسلم، وكل مسلم، تعريفاً بدعوة طالما ظلمها أعداؤها، وبرجل له جهد عظيم طالما غمطه الغامطون، وقد آن أن يعرف المسلمون الحق، وأن يَزِنُوا به الأقوال والرجال، وأن يلتقوا بالتالي على الموازين الثابتة العادلة في دينهم لإنصاف الرجال، لا لأن دينهم دين يفرض عليهم ذلك فحسب، بل لأن النظم الدولية التي تسعى لاستئصالهم جميعاً تحتم عليهم ذلك من جانب آخر. جزى الله الشيخ الدكتور محمد خليل هراس رحمه الله تعالى، العالم والمحقق، خير الجزاء، وبارك في جهوده المخلصة، وجعلها في ميزان حسناته بمنه وجوده وإحسانه. وسلام على عباده الذين اصطفى. تعقيب مهم: ليس للوهابية ولا للإمام محمد بن عبد الوهاب، حركة خاصة بمفهومها الحركي المعاصر، بل دعوته إصلاحية تدعو جميع المسلمين إلى الرجوع للإسلام الصافي النقي، على ما كان عليه محمد بن عبد الله ﷺ وصحابته الكرام. المحقق أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله التويجري جوال: ٠٥٠٤٨٩٢٧٩٠

стр. 14

ترجمة المؤلف: - هو الشيخ العلامة المحقق - محمد خليل هراس- ﵀. - نائب رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية سابقاً. - من محافظة الغربية بجمهورية مصر العربية. - ولد بقرية الشين - مركز قطور- محافظة الغربية "طنطا"- بمصر عام "١٩١٦م"، وتخرج من الأزهر في الأربعينيات من كلية أصول الدين، وحاز على الشهادة العالمية العالية "الدكتوراه" في التوحيد والمنطق. - عمل أستاذاً بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر. - أعير إلى المملكة العربية السعودية، ودرّس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ثم أعير مرة أخرى، وأصبح رئيساً لشعبة العقيدة في قسم الدراسات العليا في "كلية الشريعة سابقاً/ جامعة أمر القرى حالياً" بمكة المكرمة. - عاد إلى مصر، وشغل منصب نائب الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية، ثم الرئيس العام لها بالقاهرة. - وفي عام "١٩٧٣م" - قبل وفاتنه بسنتين- اشترك مع الدكتور عبد الفتاح سلامة في تأسيس جماعة الدعوة الإسلامية في محافظة الغربية، وكان أول رئيس لها.

стр. 15

- توفي رحمه الله تعالى عام "١٩٧٥م" عن عمر يناهز الستين. - كان ﵀ سلفي العقيدة، شديداً في الحق، قوي الحجة والبيان، أفنى حياته في التعليم والتأليف ونشر السنة وعقيدة أهل السنة والجماعة. - له مؤلفات عدة منها: ١) تحقيق كتاب "المغني" لابن قدامة، وقط طبع لأول مرة في مطبعة الإمام بمصر. ٢) تحقيق وتعليق على كتاب "التوحيد" لابن خزيمة. ٣) تحقيق وتعليق على كتاب "الأموال" لأبي عُبيد القاسم بن سلام. ٤) تحقيق ونقد كتاب "الخصائص الكبرى" للسيوطي. ٥) تحقيق وتعليق على كتاب "السيرة النبوية" لابن هشام. ٦) شرح "القصيدة النونية" لابن القيم في مجلدين. ٧) تأليف كتاب "ابن تيمية ونقده لمسالك المتكلمين في مسائل الإلهيات". ٨) شرح "العقيدة الواسطية" لابن تيمية. ٩) الحركة الوهابية. رد على مقال للدكتور محمد البهي في نقد الوهابية.

стр. 16

أسس الحركة الوهابية نشأة الحركة الوهابية: لقد خصص سعادته الفصل الرابع والأخير من كتابه "الفكر الإسلامي في تطوره١" للكلام عن الحركة الوهابية، فأرخ لها من جانبين: الأول: من جانب الأحداث السياسية وصلتها بالحكومة القائمة على رعايتها. الثاني: من جهة أنها حركة دينية ترسمت حركة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ثم قال: "والذي يهمنا من حركة محمد بن عبد الوهاب هو الجانب الثاني بالذات"٢. ثم قدم ترجمة مختصرة لمؤسس الدعوة ﵀ فذكر رحلاته في طلب العلم إلى معظم العواصم الإسلامية مثل مكة والمدينة في الحجاز، والأحساء في منطقة الخليج العربي، والبصرة وبغداد فيما بين النهرين، ودمشق في سوريا، وأصفهان وقم في إيران، وذكر أنه أقام في هذه الأخيرة مدة تزيد على اثني عشر عاماً قضاها في الدرس والتعلم، وأنه بهذه الرحلة الطويلة ضم معرفة تجريبية واقعية

стр. 17

عن الإسلام والمذاهب الإسلامية١، وأنه شأنه في ذلك شأن أستاذه ابن تيمية من قبل وشأن أصحاب الحركات الإسلامية التي جاءت بعده، وأنه لما عاد إلى بلدته "العيينة" صمم على الجهر بدعوته فجهر بها، ولكنه صادف معارضة شديدة، فرحل من العيينة إلى "الدرعية" في شمال الرياض حيث يقيم الأمير محمد بن سعود الذي رحب به وأظله بحمايته، وهناك تعاهد الشيخ والأمير على أن يبقى الشيخ في مقر الأسرة السعودية، وفي مقابل ذلك يناصر الأمير دعوة الشيخ بقوة السلطان. وظل الأمر على ذلك إلى أن توفي الشيخ ﵀ في سنة ١٧٩٢م. وبعد وفاة الشيخ والأمير تعاهد أبناء الأسرتين بالاستمرار في تنفيذ اتفاق والديهما، ولم يزل الوضع في صلة الدعوة الوهابية بالحكومة السعودية على ما كان عليه حتى الوقت الحاضر. ثم يقول سعادته: "وبهذا التعاهد اجتمع لهذه الدعوة سلطان الحاكم وقوة الإيمان بها، وقلما اجتمع الأمران في حركة دينية، بعد عصر الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين سوى هذه الحركة، ومن هنا كان يؤمل كثيراً في نشاط هذه الحركة"٢.

стр. 18

ثم أرخ سعادته بعد ذلك الجانب السياسي لهذه الحركة، فبين كيف أفادت من اتساع حكم السعوديين وازدياد نفوذهم في شبه الجزيرة العربية، حتى دخلت مكة والمدينة مع الفتح السعودي للحجاز، وبذلك تهيأت لها الفرصة في موسم الحج لشرح أسسها ونشر تعاليمها. فانتشرت الدعوة عن طريق هذه اللقاءات التي كانت تتم بمكة والمدينة في موسم الحج، حتى وصلت إلى الهند وأندونيسيا شرقاً، وإلى السودان والشمال الأفريقي غرباً. ثم تحدث عن اتساع نفوذ السعوديين خارج شبة الجزيرة العربية حتى وصل عمان وزبيد في جنوبي اليمن، ووصل إلى قلب العراق وضواحي دمشق، مما أزعج الخليفة التركي في الإستانة، وأثار مخاوفه، فكلف واليه مصر "محمد علي باشا" بحرب السعوديين وردهم إلى مقر ولايتهم الأول. ثم يقول سعادته: "ولكن ما لبث النفوذ السعودي أن عاد بالتدريج إلى قوته، وإلى سيطرته نهائياً على نجد والحجاز على نحو الوضع القائم الآن منذ سنة ١٩٢٥م١".

стр. 19

الحركة الوهابية تدعو إلى توكيد التوحيد: ثم يبدأ الحديث عن الوهابية، كحركة دينية إصلاحية، فيرجع أسس الدعوة الوهابية على ثلاثة أنواع: الأول: فيما يتصل بالأصول وهي العقيدة.

стр. 20

وهنا يقول: "فإنها تدعو إلى توكيد التوحيد ونفي الشرك، بحيث تقصر العبادة على الله وحده". وهذا كلام جميل وتصور صادق مجمل، لهدف الدعوة في هذه الناحية من التوحيد، أعني توحيد الإلهية الذي يقوم على إخلاص الدين لله، والتوجه إليه وحده بجميع أنواع العبادات، ولها كان هدف الدعوة الأول هو القضاء على كل ما ينافي هذا التوحيد من مظاهر الشرك والوثنية التي كانت قد استشرت في العالم الإسلامي كله، واتخذت صوراً متعددة، كعبادة الموتى، والاستعانة بأصحاب الأضرحة، وتقديم النذور والقرابين لهم، والتبرك بالأحجار والأشجار والمغارات، والاعتقاد في السحر والتنجيم والعرافة وأنواع الشعوذة. فجدت الدعوة في القضاء على ذلك كله، بإزالة ما كان الناس يفتتنون به من القبور والحجارة، ثم ببيان حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وبيان الأمور المنافية له. وكان كتاب "التوحيد" الذي ألفه مؤسس الحركة ﵀، يُعتبر في ذلك الوقت دستوراً لدعاة الحركة يعلمونه الناس ويشرحون لهم فصوله ومسائله. ثم يعقب الدكتور على ما تقدم بقوله: "ويفهم من معنى القداسة والعبادة كل معنى يقوم على الاحترام ولو كان بحكم الإلف والعادة"١.

стр. 21

يعني بذلك سعادته أن الوهابيين قد اشتطوا في تحديد مفهوم العبادة، فأدخلوا فيه ما كان من الاحترام والتقديس قائماً على الإلف والعادة. لم نسمع قبل اليوم أن الإلف والعادة يجعلان عبادة غير الله مشروعة وسائغة، فإن كان الناس قد ألفوا أن يقيموا القباب على أضرحة الموتى، وأن يستغيثوا بهم في الملمات ويدعوهم لقضاء الحاجات، ويتملقونهم بالنذور والقربانات، وأن يقفوا أمام مقاصيرهم خاشعين، وينادوا متوسلين متذللين، فذلك شيء لا ضير فيه ولا ينافي توحيد العبادة - في نظر دكتورنا- لأنه من قبل الإلف والعادة. ولو صح منطق الدكتور في الإغضاء عن كل ما يفعل بطريق الإلف والعادة، لما كان هناك داع لإرسال الرسل، فإن أممهم إنما كانت تفعل ما تفعل من ألوان الشرك والمعاصي على سبيل الإلف والعادة، وكذلك المشركون من العرب الذين أمر رسول الله ﷺ بمقاتلتهم، ونزل القرآن بذمهم، وتوعدهم بالنار المؤبدة، ما كانوا يزاولون أعمالهم الشركية، من تقديم النذور ونحر الذبائح ومن الطواف والدعاء، إلا على جهة الإلف والعادة، ولهذا حكى القرآن عنهم أنهم كانوا إذا نهوا قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ . "الزخرف: ٢٣".

стр. 22

الحركة الوهابية تدعو إلى سبيل ربها بالحكمة والموعظة الحسنة: ثم يقول سعادته: "فبناء القبور على وجه الأرض وزيارتها في انتظام، والوقوف عندها في خشوع، ليست منافذ ينفذ منها الإنسان إلى الشرك وعدم التوحيد بل هي شرك على الحقيقة"١. وهذا كلام عار عن الصحة، بل هو تجنٍ على الحقيقة، ولا ينم إلى عن رغبة في التشويه والتشهير، فإن الذي تعتبره الدعوة شركاً على انتظام إلخ.. بل هو ما يرتكب أثناء الزيارة لهذه القباب، من دعاء صاحب القبر والاستعانة به، وطلب الحاجات واستمداد البركات منه، ثم وضع النذور في صندوقه، وسوق الذبائح إلى ساحته والإهلال عليها باسمه، إلى غير ذلك مما لا يشك مسلم في أنه شك صريح. وأما ما ذكره الدكتور من بناء القبور وإشرافها وإقامة القباب عليها واعتياد زيارتها إلخ.. فهو وإن لم يكن شركاً لكنه ذريعة إلى الشرك، لأنه يفضي إلى تعظيم هذه القبور وعبادتها، ولهذا حرمه الإسلام، وأوجب تسوية القبور بالأرض، ونهى عن إشرافها وتجصيصها، واتخاذ المساجد والسرج عليها، كما في الحديث الذي رواه أصحاب السنن عن ابن عباس ﵄: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"٢.

стр. 23

وقد روى مسلم عن أبي الهياج الأسدي أن علياً ﵁ قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته ولا صورة إلا طمستها"١. ولو لم تقم الدعوة الوهابية بهدم القبور المشرفة وتسويتها تطبيقاً لهذه المبادئ الإسلامية، بعد أن مكن الله لها في أرض الحجاز، لكانت لا قدر الله –خائنة لهذه المبادئ، ولكانت دعوة نظر وكلام فقط. ومن العجيب أنه في الوقت الذي يشجب فيه الدكتور ومن وراءه من القبوريين، الحركة الوهابية، وينعتونها بالتشدد، يلومها أنصار التوحيد الحق على الإسراف في التسامح، حين يرون بعض البدع الشركية لا تزل ترتكب عند الحرمين الشريفين، ومن جانب هؤلاء الذين عايشوا هذه البدع قروناً طويلة قبل أن يظلل الحكم السعودي على الحجاز براية التوحيد المباركة، ولكن الدعوة دائماً تؤثر جانب اللين وتدعو إلى سبيل ربها بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى تقطع الطريق على خصومها الذين يرمونها بالتزمت والجفاء.

стр. 24

الحيطة الواجبة لأعظم أصل في الإسلام: ثم يقول سعادته: "وهنا في هذا المبالغة يكمن عامل الفرقة بينهم وبين بقية المسلمين، فبينما هم يرون أنفسهم موحدين وأهل توحيد، ويرون غيرهم ممن لا يسلك سبيلهم في المبالغة مشركين، إذا بغيرهم ينظرون إليهم على أنهم أهل تشدد وتزمت، وأصحاب ضيق في الأفق والفهم لهذا الأصل الإسلامي وهو أصل التوحيد"١.

стр. 25

والكلام هنا مع الدكتور في تحديد المبالغة التي يكمن فيها عامل الفرقة بين الوهابيين وغيرهم من المسلمين، فهل إذا قامت الوهابية بتنفيذ ما أمر به الشرع من هدم القبور وتسويتها صيانة لجانب التوحيد، ودفاعاً عن حماه المقدس، يعتبر ذلك مبالغة منها تستحق عليها أن ترمى بالتشدد والتزمت، وتعد خارجة على بقية المسلمين؟ ألا يذكر الدكتور أنه درس فيما درس من أصول الفقه قاعدة تسمى "سد الذرائع" تقول "إن كل ما يفضي إلى محرم هو محرم مثله". ومن أجل هذه القاعدة نهى النبي ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور١، لما أن ذلك قد يكون ذريعة إلى تعظيمها وعبادتها. ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها٢، لما في ذلك من التشبه بعبادها الذين يتحرون السجود لها في هذه الأوقات. ونهى كذلك عن شد الرحال إلى مكان من الأمكنة بقصد التعبد والصلاة فيه، لا إلا أحد المساجد الثلاثة الكبار: "المسجد الحرام ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى" ٣. ونهى أن يقوم الناس بعضهم لبعض على جهة التعظيم٤.

стр. 26

ونهى أصحابه عن الغلو فيه والمبالغة في مدحه فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبده فقوله عبد الله ورسوله" ١. ونهى عن اتخاذ قبره عيداً وقال: "صلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" ٢. وقال للرجل الذي قال له: "ما شاء الله وشئت": " أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده" ٣. ومن أجل سد الذرائع أيضاً، أمر عمر ﵁ بقطع شجرة الرضوان التي بايع الصحابة تحتها رسول الله ﷺ عام الحديبية. وقال مرة وهو يستلم الحجر الأسود: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك"٤. وعزل خالد بن الوليد من قيادة جيش المسلمين في الروم، في وقت كانت الآمال كلها معلقة به ليتمم ما بدأه من الانتصارات على الروم لأنه خشي أن يفتتن الناس به. فهل كان الرسول ﷺ في كل ما فعله من ذلك مبالغاً.

стр. 27

وهل كان عمر ﵁ فيما عمد إليه من قطع الشجرة أو عزل مبالغاً؟. فلماذا تنسب الوهابية وحدها إلى المبالغة، وهذه أفعال الرسول ﷺ ، وأفعال خلفائه الراشدين على ما قدمنا. وعلى فرض أن الوهابية بالغت في ذلك، فإنها مبالغة محمودة كان من نتيجتها استئصال شأفة الشرك، واجتثاث جذور الوثنية من الجزيرة العربية، في الوقت الذي لا تزال فيه كل بلاد الإسلام تعاني من ذلك ما تتفتت على صخرته كل قواعد التوحيد والإيمان. وإذاً فليست المسألة يا سعادة الدكتور مسألة ضيق في الأفق والفهم للتوحيد، ولكنها الحيطة الواجبة لأعظم أصل في الإسلام وهو التوحيد. وأما ما ذكره سعادته من أن تشدد الوهابية في موضوع التوحيد قد تسبب في حصول الفرقة بينها وبين من يسميهم مسلمين فذلك أمر حتم، إذ لا يعقل أن يرضى الباطل عن الحق أبداً. ولكن وزر هذه الفرقة لا يقع على الوهابية، فإنها تدعو كل المسلمين إلى الدخول في دين الله الحق، كما يصوره القرآن الكريم والسنة المطهرة، بعيداً عن كل شوائب الانحراف والضلال. ولا يجوز لأحد أن يطلب من الوهابية أن تجامل أو تداهن، لا سيما في موضوع يتعلق بأصل الأصول في الدين وهو التوحيد.

стр. 28

بل هي مستعدة حينئذٍ لأن تكون وحدها في طرف، والدنيا كلها في طرف، حيث لا مجال لمساومة أو مجاملة.

стр. 29

الجاهلية الأولى والجاهلية الثانية: ثم يقول سعادته: "لأن زيارة القبور وإقامتها على وجه الأرض سوف لا يعيد الآن بحال، وضع الوثنية العربية الأولى على عهد الدعوة الإسلامية، ومن ثم لا وجه لخشية الشرك فضلاً عن وقوعه ممن يقيم القبر أو يزوره"١. فانظر إلى أي حد يتجاهل دكتورنا الواقع الملموس، كأنه لا يرى ولا يسمع، وكأنه يعيش في دنيا البشر التي لا تزال في قرنها العشرين - قرن الذرة والصاروخ - تتمرغ في أوحال الوثنية على جميع صورها ومظاهرها. والعجب أن يصدر هذا الكلام من رجل كان مسؤولاً في يوم من الأيام عن تلك القبور الشاهقة التي تزخر بها القاهرة وغيره من مدن مصر بل وقراها، ويعرف جيداً ما يُرتكب عندها وحولها من أفانين الشرك ولوثات الوثنية مما ذكرنا بعضه آنفاً. فهل يستطيع سعادته أن يدلنا على شيء واحد كانت تفعله الوثنية العربية الأولى وليس موجوداً في تلك الجاهلية الثانية؟ أم إن سعادته يعتبر هذه الأعمال وثنية إذ تُقُرِّب بها إلى اللات والعزى ومناة وهبل، ولكنها تنقلب توحيداً إذا تُقُرِّب بها على المشايخ المقبورين.

стр. 30

لقد كشف لنا كلام سعادته هذا عن لغز عسر علينا حله، وهو أنه حين كان وزيراً للأوقاف أشرأبت إليه أعناق أنصار التوحيد وانتظروا منه أن يقوم بخطوة جريئة في الإصلاح، فيغلق على الأقل هذه الأضرحة ولا يسمح بزيارتها، ويلغي تلك المهرجانات الشركية التي تقام لأصحابها، ولكنه لم يصنع من ذلك شيئاً، وكأن الأمر لا يهمه ولا يعنيه.

стр. 31

وثنية الأموات ووثنية الأحياء: ثم يقول سعادته: والوثنية التي يمكن أن توجد في القرن العشرين ليست وثنية الأحجار والأموات، إنما هي وثنية الأحياء أصحاب السلطان والنفوذ ولا يقضي على هذه بالدعوة إلى هدم القبور وتحريم زيارتها، وإنما بتحقيق شعور المساواة بين الحاكم والمحكوم١. وهذا ليس بصحيح، فإن وثنية الأحجار والأموات لا تزال قائمة فعلاً في كل مكان من الدنيا، ولا يزال الإنسان هو الإنسان لم يستطع أن يتخلص من سيطرة أوهامه أو فساد تخيلاته، رغم ذلك التقدم الهائل في العلوم والمخترعات. ولعل سعادته يعرف أن أعل الناس ثقافة في مصر، هم أكثر من غيرهم تعلقاً بالخرافات والأوهام، والمكابرة في ذلك مكابرة في شيء محسوس وواقع لا تليق بآحاد الناس فضلاً عن دكتورنا الفيلسوف.

стр. 32

وأما وثنية الأحياء من أصحاب النفوذ والسلطان، فلا وجود لها بحمد الله في ظلال الوهابية، لأنها تحارب كل أشكال الوثنية، لا فرق عندها بين وثنية الأحياء ووثنية الأموات، ولهذا تعيش الدولة السعودية التي تدين بالوهابية في ظل ديمقراطية حقة، لا يحس فيها المواطن بفرق بين حاكم ومحكوم، بل يعرف كل مواطن أن الحاكم إنما وضع في مكانه لمصلحة المحكوم. فها هو مليك البلاد وعاهلها، يتصل بشعبه اتصال الأب الرحيم، ويجلس إلى المواطنين كل يوم خميس في قصر الحكم بالرياض فيتوافدون للسلام عليه، وتقديم الطلبات والشكايات إليه، وهو لا يرى الحكم سيطرة واستعلاء، ولكن يراه رعاية ومسؤولية. ومن قبل كان والده المغفور له جلالة الملك عبد العزيز، مثلاً عالياً في الديمقراطية والشعبية، وقد كان لنا منه مجلس كل أسبوع، حين كنا ندرس بكليات الرياض، فيجلس بيننا متبسطاً، ويخوض معنا في شتى الأحاديث التي تهم الإسلام والمسلمين. ويؤسفنا أن قول إن الدكتور الذي يتحدث عن القضاء على وثنية الأحياء بالنسبة للحركة الوهابية، عاش هو نفسه تلك الوثنية ومارسها فعلاً حين كان وزيراً للأوقاف، حيث كان يعامل موظفي وزارته بأقسى ما يُتصور من ألوان العسف والإرهاب.

стр. 33

مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين من الأمة المهديين: ثم يقول سعادته: تنادي هذه الحركة باتباع مذهب السلف في صفات الله، وهو المذهب المعروف بالتفويض في كيفية اتصافه بها، بعد

стр. 34

الإيمان بأنه سبحانه يتصف بها، وبذلك لا ترى رأي المعتزلة القائلين بأنها عين الذات وليست غير الذات، كما يرون رأي الأشاعرة القائلين بأنها ليست غيراً وليست عيناً١. أما أن هذه الحركة تنادي باتباع مذهب السلف في صفات الله تعالى، فهو أمر واضح، بل لعلها الآن هي الحركة الإسلامية الوحيدة التي تتبنى هذا المذهب السلفي، وتعمل ما وسعها الجهد على نشره والدعوة إليه بمختلف الوسائل، لا سيما عن طريق طبع الكتب والرسائل التي الفت في مناصرته قديماً وحديثاً. وهو يدرس في كل مراحل التعليم بالسعودية، ولا يسمح لأي مذهب آخر بمزاحمته. ولكن ما معنى قول الدكتور بعد ذلك إن هذه الحركة لا ترى في صفات الله تعالى رأي الأشاعرة ولا رأي المعتزلة. فهل هذا عيب فيها أنها لم تأخذ في صفات الله بواحد من هذين المذهبين المنحرفين، وأخذت بمذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المهديين، كما فعل ذلك من قبل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته. ثم إن هذه الحركة لا تجعل من صفات الله تعالى مشكلة كما فعل غيرها، ولا تجعلها موضع مناقشة جدلية، بل تأخذ فيها بالبساطة المعروفة عن العقيدة الإسلامية الأولى، قبل أن تنشأ تلك التعقيدات التي أثارها المتكلمون.

стр. 35

حركة لم تقم للهدم بل للبناء الآن وقد فرغنا من التعليق على نقد الدكتور لأسس الحركة الوهابية، نشرع - إن شاء الله - في التعليق على نقده للحركة ذاتها. يقول سعادته: يلاحظ فيما عرضنا لعناصر هذه الحركة، من الجهة الفكرية: أولاً: أن حركة محمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر، قامت على أساس التمذهب بمذهب معين وهو مذهب أحمد بن حنبل، ولأنها أسست على التمذهب بمذهب معين تعتبر امتداداً في التمسك بالمذاهب الإسلامية كل منها على حدة، وتمثل طوراً من أطوار التبعية لمذهب خاص١. ويظهر من هذا أن الدكتور يعيب على الحركة الوهابية تقليدها لمذهب معين، وهو مذهب أحمد ﵀، فهل كان يريد من الوهابية مثلاً أن تنشئ في الفروع مذهباً جديداً ليضاف إلى المذاهب الأربعة المعروفة، فتكون بذلك مذهباً خامساً كما يرميها بذلك خصومها؟ إن الوهابية لم تقم للاجتهاد في الفروع ولكنها قامت لتصحيح الأصول، فإن الفروع أمرها هين، وقد أجمعت الأمة على جواز التقليد فيها لمن لا يقدر على الاجتهاد ولا تتوفر لديه وسائله، إذ لا يعقل أن نطلب من كل فرد في الأمة أن يكون مجتهداً. فقول الدكتور إنها أسست على التمذهب بمذهب معين غير صحيح.

стр. 36

فهبي لم تدع إلى التمذهب بالمذهب الحنبلي أو غيره، ولكن اتفق أن مؤسسها ﵀ كان حنبلياً في الفروع. ولو كان مالكياً أو شافعياً ما تغير الوضع بالنسبة للدعوة، فإنها دعوة عامة لأتباع المذاهب الأربعة وغيرهم، هدفها تطهير العقائد من الشرك ومحاربة الخرافات والبدع. وبذلك لا تعتبر الدعوة -كما يدعي الدكتور- امتداداً في التمسك بالمذاهب الإسلامية المنفرة، ولا تمثل طوراً من أطوار التبعية لمذهب خاص. إذ لو كانت كذلك لاقتصرت على أتباع المذهب الحنبلي، ولم تحاول هداية الناس من أتباع المذاهب الأخرى١.

стр. 37

الخصومة المذهبية ليست من فعل هذه الحركة: ثم يقول سعادته: "ثانياً إذ تنادي هذه الحركة بالرجوع إلى مذهب السلف، لا تعني أكثر من إبعاد القياس والعرف، مع التزام نصوص القرآن والحديث الصحيح في الفقه في دائرة التشريع وبذلك تستمر في مجال الخصومة المذهبية"١. وهنا يتناقض الدكتور مع نفسه، فبعد أن ادعى في التعليق الأول أن الحركة تتمذهب بمذهب معين، أعلن هنا أنها تنادي بالرجوع إلى

стр. 38

مذهب السلف، فتلتزم القرآن والحديث الصحيح، وتبعد القياس والعرف في دائرة التشريع. ثم يتناقض مرة أخرى حين يدعي أنها بالرجوع إلى مذهب السلف تستمر في مجال الخصومة المذهبية، وقد كان العكس هو الصحيح. على أن الكلام كله سواء مقدماته أو نتيجته غير صحيح، فإن الحركة إنما نادت بالرجوع إلى مذهب السلف في العقائد التي هي الأصول، لأن السلف كانوا فيها على رأي واحد ضد أهل الأهواء من الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة والجهمية ونحوهم. وأما في الفروع أو العمليات فلم يكن للسلف فيها مذهب خاص حتى تنادي الحركة بالرجوع إليه، كما أنها لم تستبعد القياس والعرف -كما يدعي الدكتور- فإن هذا مذهب الظاهرية، ولكنها فقط كانت تأخذ برأي أحمد ﵀ في تقديم النص وإن كان ضعيفاً على القياس، وأما الاستمرار في مجال الخصومة المذهبية، فهو ليس من فعل هذه الحركة ولا هدف لها، وهي أبعد ما تكون عن التعصب المذهبي في مسائل الخلاف. وحسبك دليلاً على أن جميع المذاهب الفقهية تدرس الآن في الدراسات العليا بكلية الشريعة بمكة المكرمة إلى جانب الفقه الحنبلي في مادة "الفقه المقارن". كما أنه لا يوجد بين المذاهب الفقهية مذهب هو أوسع صدراً لقبول الآراء المختلفة من المذهب الحنبلي، إذ قلما توجد مسألة فقهية إلا وفيها لأحمد ﵀ روايتان أو ثلاث.

стр. 39

ولهذا يتسع المجال أمام علماء هذا المذهب لحركة الاختيار والترجيح الذي قد يتجاوز حدود المذهب، كما هو معروف عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله في اختياراتهما التي انفردا بها عن جمهور الحنابلة. وكذلك العلامة ابن قدامة ﵀ صاحب كتاب "المغني" الذي درج في كتابه العظيم، على أن يعرض في المسألة الواحدة كل المذاهب بأدلتها ثم يرجح بعد ذلك أقواها دليلاً ولو كان غير مذهبه الحنبلي. فأين إذاً تلك الخصومة المذهبية في الحركة الوهابية وأين مظاهرها؟

стр. 40

الوهابية والتراث الإسلامي: ثم يقول سعادته: "لم نقصد أول الأمر أن تكون حركة "عود على بدء" على معتنى تصفية العصبية للمذاهب الفقهية ونخلها في التشريع والمعاملات، ولمذاهب العقيدة في تصور الله والاعتقاد به عن طريق علمي"١. ومعنى هذا الكلام - فيما بلغه فهمي- أن الدكتور عفا الله عنه، كان يريد من الحركة الوهابية أن تشن الثورة على جميع المذاهب الفقهية التي استحدثت في الإسلام، فتقوم ينخل هذه المذاهب لتأخذ منها ما تراه صالحاً، ثم تلغي ما بقي، وبذلك تكون قد صفت العصبة المذهبية. والعجب أن يصدر مثل هذا الكلام الخطير من دكتور فيلسوف يؤمن بحركة الرأي، ويدعو إلى بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً، لأن إغلاقه -
следующие страницы →