← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7608

الحركة الوهابية (رد على مقال لمحمد البهى في نقد الوهابية)

محمد خليل هراس

Полный текст (98 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فهبي لم تدع إلى التمذهب بالمذهب الحنبلي أو غيره، ولكن اتفق أن مؤسسها ﵀ كان حنبلياً في الفروع. ولو كان مالكياً أو شافعياً ما تغير الوضع بالنسبة للدعوة، فإنها دعوة عامة لأتباع المذاهب الأربعة وغيرهم، هدفها تطهير العقائد من الشرك ومحاربة الخرافات والبدع. وبذلك لا تعتبر الدعوة -كما يدعي الدكتور- امتداداً في التمسك بالمذاهب الإسلامية المنفرة، ولا تمثل طوراً من أطوار التبعية لمذهب خاص. إذ لو كانت كذلك لاقتصرت على أتباع المذهب الحنبلي، ولم تحاول هداية الناس من أتباع المذاهب الأخرى١.

стр. 37

الخصومة المذهبية ليست من فعل هذه الحركة: ثم يقول سعادته: "ثانياً إذ تنادي هذه الحركة بالرجوع إلى مذهب السلف، لا تعني أكثر من إبعاد القياس والعرف، مع التزام نصوص القرآن والحديث الصحيح في الفقه في دائرة التشريع وبذلك تستمر في مجال الخصومة المذهبية"١. وهنا يتناقض الدكتور مع نفسه، فبعد أن ادعى في التعليق الأول أن الحركة تتمذهب بمذهب معين، أعلن هنا أنها تنادي بالرجوع إلى

стр. 38

مذهب السلف، فتلتزم القرآن والحديث الصحيح، وتبعد القياس والعرف في دائرة التشريع. ثم يتناقض مرة أخرى حين يدعي أنها بالرجوع إلى مذهب السلف تستمر في مجال الخصومة المذهبية، وقد كان العكس هو الصحيح. على أن الكلام كله سواء مقدماته أو نتيجته غير صحيح، فإن الحركة إنما نادت بالرجوع إلى مذهب السلف في العقائد التي هي الأصول، لأن السلف كانوا فيها على رأي واحد ضد أهل الأهواء من الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة والجهمية ونحوهم. وأما في الفروع أو العمليات فلم يكن للسلف فيها مذهب خاص حتى تنادي الحركة بالرجوع إليه، كما أنها لم تستبعد القياس والعرف -كما يدعي الدكتور- فإن هذا مذهب الظاهرية، ولكنها فقط كانت تأخذ برأي أحمد ﵀ في تقديم النص وإن كان ضعيفاً على القياس، وأما الاستمرار في مجال الخصومة المذهبية، فهو ليس من فعل هذه الحركة ولا هدف لها، وهي أبعد ما تكون عن التعصب المذهبي في مسائل الخلاف. وحسبك دليلاً على أن جميع المذاهب الفقهية تدرس الآن في الدراسات العليا بكلية الشريعة بمكة المكرمة إلى جانب الفقه الحنبلي في مادة "الفقه المقارن". كما أنه لا يوجد بين المذاهب الفقهية مذهب هو أوسع صدراً لقبول الآراء المختلفة من المذهب الحنبلي، إذ قلما توجد مسألة فقهية إلا وفيها لأحمد ﵀ روايتان أو ثلاث.

стр. 39

ولهذا يتسع المجال أمام علماء هذا المذهب لحركة الاختيار والترجيح الذي قد يتجاوز حدود المذهب، كما هو معروف عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله في اختياراتهما التي انفردا بها عن جمهور الحنابلة. وكذلك العلامة ابن قدامة ﵀ صاحب كتاب "المغني" الذي درج في كتابه العظيم، على أن يعرض في المسألة الواحدة كل المذاهب بأدلتها ثم يرجح بعد ذلك أقواها دليلاً ولو كان غير مذهبه الحنبلي. فأين إذاً تلك الخصومة المذهبية في الحركة الوهابية وأين مظاهرها؟

стр. 40

الوهابية والتراث الإسلامي: ثم يقول سعادته: "لم نقصد أول الأمر أن تكون حركة "عود على بدء" على معتنى تصفية العصبية للمذاهب الفقهية ونخلها في التشريع والمعاملات، ولمذاهب العقيدة في تصور الله والاعتقاد به عن طريق علمي"١. ومعنى هذا الكلام - فيما بلغه فهمي- أن الدكتور عفا الله عنه، كان يريد من الحركة الوهابية أن تشن الثورة على جميع المذاهب الفقهية التي استحدثت في الإسلام، فتقوم ينخل هذه المذاهب لتأخذ منها ما تراه صالحاً، ثم تلغي ما بقي، وبذلك تكون قد صفت العصبة المذهبية. والعجب أن يصدر مثل هذا الكلام الخطير من دكتور فيلسوف يؤمن بحركة الرأي، ويدعو إلى بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً، لأن إغلاقه -

стр. 41

كما ذكر في كتابه - قد أدى إلى الركود والتخلف وعدم القدرة على مواجهة المستجد من أحداث الحياة. إن الحركة الوهابية لو قامت - لا قدر الله- بمثل هذه الحماقة، لارتكبت أعظم خطأ في تاريخها، ولجلبت على نفسها نقمة العالم الإسلامي المتحضر كله. وإذا كان الدكتور يرمي الحركة بالتعصب المذهبي، وهي لم تفعل ذلك، فبماذا كان يرميها لو قامت بمثل تلك المحاولة التخريبية لتصفية مذاهب لها كيانها واحترامها، ولها أئمتها الكبار الذين أفنوا أعمارهم في الاجتهاد، ولها قواعدها في التعليل والاستنباط والموازنة. إن الفقه الإسلامي بما تضمنه من ثروة هائلة في التشريع، وبما اتسم به من مرونة وقدرة على تكييف الأحداث، ومواجهة متطلبات الحياة، يعد مفخرة من أعظم مفاخر هذه الأمة يشهد لها بالأصالة والجدة في هذه الناحية التشريعية. فكيف يراد من حركة إسلامية قامت للبناء لا للهدم، أن تقضي على هذا التراث الضخم، فتسجل بذلك قصوراً في النظر وضيقاً في التفكير. وكيف تتفق دعوة الدكتور إلى هذا التخريب، مع قوله في كتابه يمدح الحركة الفقهية وتطورها: "وكذلك الشأن بالنسبة للعامل الثالث وهو مواجهة أحداث الحياة وتطور المجتمع الإسلامي، فإن تفاعل الإسلام مع هذا العامل كان تفاعلاً خصباً منتجاً، وبرهن على مرونة الإسلام

стр. 42

في مبادئه بفضل الاجتهاد، وعلى سعة استيعابه للمستجد من مشاكل الحياة، فالفقه الإسلامي تدل على كثرة مذاهبه ومدارسه على سعة المحاولة لتكييف الأحداث من وجهة نظر الإسلام". "والخلاف الذي بينها في اعتبار بعض أصول التفقه والمراجع التي ترد إليها أحكام الحوادث، لم يكن إلا خلافاً ناشئاً عن رغبة المختلفين في ضرورة الحرص على بقاء الجماعة الإسلامية آخذة بالإسلام في منهاج حياتها اليومي". وأما في مذاهب العقيدة في تصور الله والاعتقاد به، فقد حققت هذه الحركة المباركة مبدأك "عود على بدء" كما يريد الدكتور. فقد عادت بالناس إلى العقيدة الإسلامية الأولى في بساطتها ونقائها، وحاربت كل ما أحدث في هذا الجانب العقدي من مذاهب ومقالات. وكانت نشاطاتها في هذه الناحية امتداداً صحيحاً لحركة التصحيح الكبرى التي بدأها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 43

ليس تقليداً بل موافقة الحق للحق: ثم يقول الدكتور: "رابعاً: الحركة الوهابية تقليد آخر، ليست تجديداً انطوى على استقلال في بيان قيمة المذاهب الإسلامية في العقيدة والتشريع في المعاملات وفقه العبادات. هي تقليد لحركة الشيخ تقي الدين ابن تيمية في ذلك، وليست استمراراً لحركته في نقدها، في هدمها وبنائها"١. ولست أدري لماذا يلح الدكتور في رمي هذه الحركة بالتبعية والتقليد، وعدم الابتكار والتجديد؟ مع أن التقليد ليس على الإطلاق مذموماً، ولا التجديد على الإطلاق ممدوحاً. ثم لماذا شغف بكثرة التعداد لأخطاء الحركة، وما الذي يهدف إليه من ذلك، فإن هذا الذي ذكره "رابعاً"، هو الذي سبقه أولاً وثانياً وثالثاً. وأما نعته الحركة بأنها تقليد آخر، وليست تجديداً انطوى على استقلال في بيان قيمة المذاهب الفقهية، فهذا ليس من شأن الحركة ولم نقم لأجله كما قدمنا، وإنما قامت من أجل تجريد التوحيد وتنقيته من أكدار الشرك، وإحياء مذهب السلف في العقيدة. وإذا كانت الحركة قد استفادت من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الجانب، فإن ذلك لا يعد تقليداً، بل هو من موافقة الحق للحق.

стр. 44

كما لو اقر الدكتور نظرية لأحد فلاسفة الغرب فأعجبته واقتنع بصحتها بعد دراسة وتأمل، فهذ نسميه مقلداً لذلك الفيلسوف صاحب النظرية. إن معنى التقليد أن تؤخذ قضايا الأولين مسلمة من غير نظر في الأدلة المثبتة لها، وأما الإيمان بها عن دليل واقتناع فلا يسمى ذلك تقليداً. ولو فرضنا ذلك تقليدا"، فليس يعيب الحركة أن تقلد في الحق، وأن تتأسى فيه بمن سبق. وأما قوله إنها ليست استمراراً لحركة ابن تيمية في النقد أعني الهدم والبناء، فليس بصحيح، فإن موقفها من المذاهب المنحرفة في العقيدة من معتزلة وجهمية وأشعرية ومرجئة إلخ هو نفس موقف ابن تيمية من حيث الرد عليها والاشتغال بإبطالها. وكذلك موقفها من الناحية الإيجابية، أعني الدعوة إلى إحياء مذهب السلف وبيانه، وإقامة الحجج المثبتة له هو عين موقفها. ولعل الدكتور لو قرأ ما كتبه مؤسس هذه الحركة وعلماؤها من بعده، لما رماها بما رماها به من الجمهود والسلبية، ولتغيرت نظرته إليها وخفت قسوته في الحكم عليها.

стр. 45

مفخرة من مفاخر هذه الدعوة: ثم يستدرك الدكتور على ما سبق بقوله: "ولكن إن كانت تعتبر تقليداً أو استمراراً لطور التقليد فإنها تتميز بأنها صانت آراء ابن تيمية

стр. 46

وعنيت بها في القرن الثامن عشر بعد مدة أربعة قرون لم تلق فيها تلك الآراء العناية الكبرى التي لقيتها من جانب حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب"١. وهنا نلمح في كلام الدكتور شيئاً من التقدير والإنصاف للدعوة الوهابية، بسبب صيانتها لآراء ابن تيمية وعنايتها بإحيائها ونشرها. وتلك مفخرة من مفاخر هذه الدعوة ستظل تذكر لها بالعرفان والتقدير، فإن كتب شيخ الإسلام ورسائله كانت مطمورة تحت ركام الإهمال والنسيان، لا يسمح لها أهل البدع والإلحاد أن ترى النور، ولا أن تقوم بدورها الخطير في توجيه العالم الإسلامي نحو الطريق الصحيح. بل كثيراً ما كانوا يحذرون من قراءتها ويقرنونها بكتب الفلاسفة في جواز الاستنجاء بها. فلما قامت هذه الحركة المباركة٢ أخذت تنقب عن تلك الثروة الهائلة التي خلفها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله، وجد المسؤلون عن هذه الدعوة في إبراز هذه الكنوز بالطبع والنشر. وكان لجلالة الملك عبد العزيز - غفر الله له وأجزل مثوبته.. اليد الطولى في هذا الباب، حتى أصبحت كتب الشيخين الجليلين تملأ المكتبات العامة والخاصة.

стр. 47

وأخذت العقيدة السلفية التي كانت قابعة في زوايا كتب الكلام، حيث تذكر ولا تقدر، وتعتبر مذهباً للحشوية والعوام، أخذت مركزها الصحيح في القيادة والتوجيه بعد قراءة كتب هذين الإمامين اللذين لم يأت الزمان لهما بنظير في الجمع بين المعقول والمنقول، فكتبهما الآن هي المنارة التي تضيء السبيل لكل مستقيم الفكر برئ من الهوى والتقليد، وآراؤهما أصبحت محل التقدير العظيم في جميع الأوساط والمحافل العلمية.

стр. 48

حركة امتازت بالإحياء والتجديد: ثم يقول الدكتور: "وهي تعتبر قنطرة لآراء ابن تيمية مرت عليها إلى الأجيال القادمة، وتعضيد السلطة الرسمية السعودية أعطاها قوة البقاء والاستمرار"١. ونحن لا نوافق على أن الحركة الوهابية كانت مجرد قنطرة عبرت عليها آراء شيخ الإسلام إلى الأجيال القادمة، بل إن هذه الآراء تعتبر جزءاً أساسياً من الجانب النظري لتلك الحركة بحيث لا يمكن الفصل بينهما أو اعتبار أحدهما أجنبياً عن الآخر. وأما قوله إن تعضيد السلطة الرسمية السعودية هو الذي أعطى الحركة قوة البقاء والاستمرار فذلك حق لا ريب فيه. فإن البيت السعودي المالك - حرسه الله - قد وفى بما عاهد عليه مؤسس الحركة، من حمايتها والدفاع عنها ضد أعدائها الكثيرين من المعطلة والقبوريين والصوفية. ولكن يجب أن يضاف إلى ذلك القوة الذاتية للحركة نفسها ثم جهور آل الشيخ - حفظهم الله - وعلماء الدعوة في توضيحها والدفاع عنها. ثم يقول الدكتور: "ولهذا تعتبر الحركة الوهابية بعده الحركة الإسلامية التي حوت بذور النقد بصفة عامة وقدمتها إلى الحركات الإسلامية الأخرى في القرن التاسع عشر والعشرين، ومن أجل ذلك تعتبر تمهيداً لهذه الحركات، كما تعتبر نوعاً من "التقدمية" بالقياس

стр. 49

إلى عصور التبعية المطلقة، لأن طابع النقد صاحبها وإن لم تسر فيه بخطوات واضحة". وهنا أيضاً تبدو على كلام الدكتور مسحة من الإنصاف للحركة وتقدير الدور العظيم الذي قامت وتقوم به في إيقاظ الوعي الإسلامي وتصحيح المفاهيم الإسلامية المحرفة، بحيث تعبر أساساً لما قام بعدها من حركات تقدمية. كما اعترف الدكتور بأنها حركة امتازت لإحياء والتجديد والتجديد، وقامت على أساس من النقد البرئ ولكنا مع ذلك لا نوافقه على أن الحركة حوت بذور النقد لتقدمها إلى الحركات الإسلامية الأخرى فقط، فإن معنى ذلك أنها كانت مجرد ناقل أو وسيط دون أن تقوم هي بإحياء حركة النقد وإنمائها. والواقع أن هذه الناحية كانت من أهم ما عنيت به الحركة نظراً لكثرة المعارضين لها. نعم يمكن القول بأن أسلوب النقد فيها لم يبلغ درجة النقد عند ابن تيمية من حيث الدقة والعمق، وذلك لأنها نشأت في جوب تقل فيه العناية بالدراسات النقدية وأسلوب المناظرات١.

стр. 50

في هذا الكلام خطآن: ثم يقول سعادته: "ومن المعروف أن ابن تيمية في هجومه على الشيعة كان يقصد فرقة الغلاة منهم التي سماها الرافضة، وكان يوجه نقده على الأخص لجماعة الباطنيين أو التعليميين منهم مع ذلك لما ورثت الحركة الوهابية اتجاه ابن تيمية وسعت شقة الخلاف بين السنة والشيعة عامة، وغالت في تصوير الشيعة على الإطلاق، وأصبحت الفجوة كبيرة في النزاع المذهبي بين السنة والشيعة منذ القرن الثامن عشر الميلادي، بل أصبحت أشد من ذي قبل، وكانت زيادة الفجوة على هذا النحو أثراً سلبياً للدعوة الوهابية"١. وفي هذا الكلام خطآن: خطأ على ابن تيمية ﵀، وخطأ على الحركة الوهابية. أما الخطأ على ابن تيمية ففي ادعاء أنه لم يقصد في هجومه على الشيعة إلا فرقة الغلاة منهم وهم الروافض لاسيما جماعة الباطنية أو التعليمية. فإن ابن تيمية ﵀ لا يقر التشيع في أي صورة من صوره، غالياً كان أو معتدلاً، ويعتبره انحرافاً عن جادة الحق، واتباعاً لغير سبيل المؤمنين. لاسيما والشيعة كلهم يشتركون في مبادئ عامة بعيدة عن روح الإسلام، كالقول بالرجعة والتقية وعصمة الأئمة وسب الصحابة ونحو ذلك.

стр. 51

أما الخطأ على الحركة الوهابية ففي ادعاء أنها وسعت شقة الخلاف بين السنة والشيعة وغالت في تصوير الشيعة عامة دون تفريق بين غلاة ومعتدلين. فنحن لا نعرف للحركة الوهابية موقفاً خاصاً من الشيعة غير موقف أهل السنة كلهم، اللهم إلا أن يكون ذلك الموقف الخاص بالحركة هو محاربتها لغلو الشيعة في آل البيت، ورفعها إياهم عن مستوى البشر. نعم إن الحركة الوهابية لم تتورط مع الشيعة في تقارب مزعوم كما تورطت "جماعة التقريب" في مصر -ولعل سعادة الدكتور كان عضواً فيها- لأنها لا تجد وجهاً للتقارب مع الاختلاف الجذري في الأسس والمبادئ. على أن الواقع نفسه يشهد بخطإ الدكتور فإن هناك مناطق كبيرة من المملكة العربية السعودية في الأحساء والقطيف وغيرهما أغلبية سكانها من الشيعة، وهم يلقون من حكومة جلالة الفيصل -حفظه الله- نفس العناية التي يلقاها سائر المواطنين في نواحي التعليم والصحة والزراعة والمواصلات، بلا فارق أصلاً١. وكما أن علاقة المملكة بالدول التي توجد فيها أغلبية شيعية كإيران وباكستان ولبنان علاقة طيبة ووطيدة.

стр. 52

ولا تزال الشيعة كل عام تحج البيت الحرام بأعداد هائلة، ويلقون من المسؤولين نفس المعاملة التي يلقاها جميع الحجاج من أهل السنة.

стр. 53

تأثير الدعايات المغرضة: ثم يقول سعادته: "يضاف إلى هذا الأثر السلبي في هذا الجانب، أثر سلبي آخر أتت به في مسألة القبور وزيارتها. فتشددها في تحريم شد الرحال إلى القبور - وهو رأي أو عقيد ة سليمة في أصلها - حدا برجال السلطة السياسية القائمين على صيانة الحركة الوهابية ونموها أن يمعنوا في إزالة القبور وانتهاك حرمة الموتى، وعلى الأخص انتهاك حرمة رجال من الصحابة كان لهم أثر لا يذكر في الدعوة الإسلامية"١. ومن هذا النص يتبين جلياً أن الدكتور الفيلسوف كان واقعاً تحت تأثير الدعايات المغرضة وهو يكتب هذا الكلام. وإلا فما معنى أن يرمي الحركة بالتشدد في تحريم شد الرحال إلى القبور، مع اعترافه بأنها عقيدة سليمة؟ وما معنى أن يريد من الحركة أن تخون مبادئها في صيانة التوحيد فتسكت على هذه البدع الماثلة في هذه القباب العالية من أجل إرضاء العواطف الحمقاء، تسمح بشد الرحال إليها للاستغاثة والتوسل، بعدما جاء النهي الصريح عن ذلك قوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا

стр. 54

إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذ والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" وهو حديث متفق عليه١. وأما الذي فعلته السلطة السياسية فإنه لم يزد على تنفيذ ما أرشد إليه علماء الحركة من هدم القبور وتسويتها تنفيذاً لأوامر الشرع، وليس انتهاك حرمة الموتى كما يزعم الدكتور، فإن الوهابيين - ساسة وعلماء - أعرف بأقدار هؤلاء الموتى وأشد احتراماً لهم من كثير ممن يتباكى على أطلال قبورهم. إن الربط بين إزالة القبور وانتهاك حرمة الموتى، لم يقصد منه - فيما يبدو- إلا الإثارة والتشنيع وتصوير الحركة بصورة تنفر منها القلوب. ولست أدري لمصلحة من يقول الدكتور هذا الكلام الآن؟ مع أنه قد مضى على هذه العمليات ما يقرب من خمسين سنة.

стр. 55

حركة إصلاحية أم أكاديمية علمية: ثم يقول سعادته: "ولو أن الحركة الوهابية سارت في نخل الآراء الإسلامية في مذاهب الجماعة الإسلامية المختلفة، وساعدت على إيجاد حركة علمية تهدف لهذه الغاية، ثم ولت وجهها نحو الحضارة المعاصرة والفكر المعاصر، واتخذت منهما موقفاً يمليه عليها الكتاب والسنة، قبل أن يتحزب في تفسيرها المسلمون، وقبل أن يفرقوا دينهم شيعاً وأحزاباً..

стр. 56

لو أنها فعلت ذلك لأفادت في بناء حركة علمية إسلامية، ولأفادت كذلك في تنوير الرأي الإسلامي بالمقومات السلبية التي تصاحبها بما قد لا يستسيغه ميزان الكتاب والسنة، ولأفادت ثالثاً في نهضة شعب عربي في الجزيرة العربية نهضة اجتماعية وتوجيهية، بحيث تصلح أن تكون عنواناً واضحاً لحكم حديث قام على أسس إسلامية"١. فأعجب لدكتورنا الكبير كيف يطلب من حركة إصلاحية دينية قامت لتحقيق أهداف محدودة، أن تقوم بما لا تستطيع أن تقوم به أكاديمية علمية. فهو يكلفها أن تقوم لا بغربلة الآراء الإسلامية فحسب بل بنخلها وهو لا يكلفها ذلك بالنسبة لمذاهب معينة فقط، بل في مذاهب الجماعة الإسلامية المختلفة. ولست أدري لماذا تكلف الوهابية وحدها بذلك العمل الضخم، ولماذا لم يتوجه الدكتور الفاضل بمشروعه الخيالي إلى الأزهر مثلاً وقد كان مدير لجامعته، وكان بطل حركة التطوير فيه. وأما مساعدتها على إيجاد حركة علمية فإن الدكتور يعرف أن الحركة العلمية قائمة بالمملكة من أكثر من ربع قرن مضى. وقد كان وهو مدير للبحوث يقوم باختيار أقوى الأساتذة للتدريس بكليات المملكة ومعاهدها، وقد تخرج على أيديهم العديد من طلابها.

стр. 57

ووجد بالمملكة الآن ثلاث جامعات١ تضم كل واحدة منها عدداً كبيراً من الكليات، وقد أنشئ قسم الدراسات العليا بكلية الشريعة بمكة "إحدى كليات جامعة الملك عبد العزيز" يتكون من ثلاثة فروع: ١- فرع للعقيدة تدرس فيه الفرق الكلامية والأديان وتيارات الفكر المعاصر، وتناقش فيه كل النحل والمذاهب من كلامية وفلسفية على غرار صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ٢- فرع للفقه وأصوله يدرس فيه الفقه المقارن بكل فروعه، وتمحص فيه الآراء ولا يتقيد فيه بمذهب معين بل بما صح دليله وقويت حجته. ٣- فرع للكتاب والسنة يدرس فيه التفسير دراسة تحليلية وتدرس فيه كل علوم القرآن والسنة المطهرة بكل ما يتعلق بها. وقد تخرج من هذه الأقسام عدد من الطلاب بدرجة ماجستير وقد وضع لائحة لإنشاء قسم للدكتوراه وتنفذ من العام القابل إن شاء الله. وقد أنشئ قسم آخر للدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها. وبالجملة فالحركة العلمية في المملكة قائمة بحمد الله على قدم وساق، وقد آتت أكلها كل حين بإذن ربها.

стр. 58

الحركة الوهابية والفكر المعاصر: ولكن ما معنى قول الدكتور بعد ذلك: "ثم ولت وجهها نحو الحضارة المعاصرة والفكر المعاصر" وماذا عسى أن تستفيده حركة دينية إصلاحية من الحضارة المعاصرة، وهي حركة قائمة على أسس مادية بحتة سواء كانت في الشرق أو في الغرب. ثم ماذا عسى أن تستمده كذلك من الفكر المعاصر وهو فكر إلحادي يقوم على مبادئ دارون وسبنسر وشاخت وسارتر؟ ثم ماذا عسى أن يكون موقفها من ذلك الفكر وتلك الحضارة على ضوء الكتاب والسنة، إلا موقف الإنكار والاحتقار وبيان ما فيهما من سموم ناقعة، وتحذير المسلمين من الاغترار ببريقها. ولست أدري كيف جمح الخيال بدكتورنا الفيلسوف حتى تصور دعاة الوهابية نخبة من الفلاسفة الكبار، فهو يطلب إليهم فوق نخلهم للآراء الإسلامية أن ينصبوا الموازين كذلك لفلسفات الغرب لتقويمها على ضوء الكتاب والسنة. إن هذه الفلسفات والأفكار المعاصرة التي يطلب الدكتور من الحركة أن تولي وجهها شطرها، ليس فيها ما هو ذو قيمة فكرية حتى تستفيد منه الوهابية أو أية حركة إسلامية أخرى، فإن الإسلام أغنى من كل هذه الفلسفات في الناحية الفكرية أو النظرية، فلا يحتاج أبداً إلى ما عند الآخرين، بل هم الذين يحتاجون إلى ما عندنا إذا أراد تقويم أفكارهم أو تصحيحها.

стр. 59

وأما في الناحية الصناعية والتكنولوجية فلا بأس أن نستفيد مما عندهم من ذلك لأنهم سبقونا في هذه الناحية. إن بناء حركة علمية إسلامية لا يتوقف أبداً على مذاهب فلاسفة الغرب وأفكارهم، لأنها لا تصلح مقومات ولا مبادئ لأية حركة علمية إسلامية، حيث إنها مذاهب وأفكار قائمة على اللادينية البحت.

стр. 60

الحركة العلمية في المملكة السعودية: ومع ذلك فالحركة العلمية في المملكة السعودية لم تغفل الإفادة من الحضارة والفكرة المعاصرين، فقد أرسلت العديد من أبنائها إلى جامعات أمريكا وأوربا ليتخصصوا في فروع العلم المختلفة، وقد أتم كثير منهم دراسته وراجعوا إلى بلادهم حيث يقومون بالتدريس في جامعاتها، وربما تؤهلهم له تخصصاتهم من أوجه النشاط المختلفة. وأما من حيث تنوير الرأي الإسلامي بالمقومات السلبية لتلك الفلسفات، مما لا يسيغه ميزان الكتاب والسنة، فهذا هدف من أهداف الدعوة الآن تسلك إليه مختلف الوسائل، فهي جاهدة في إيقاظ الوعي الإسلامي، وتحذيره من تلك الوافدات الأجنبية، وبيان ما فيها من سموم وانحرافات. وأما قول الدكتور: "ولأفادت ثالثاً في نهضة شعب عربي في الجزيرة ... إلخ". فإن الواقع هو أبلغ رد على ذلك فالنهضة التي يعيشها الشعب العربي الآن في جزيرته، تسابق الزمن في سرعته وتتخطى الحواجز والمعوقات بسرعة مذهلة.

стр. 61

ومن رأى هذا الشعب من عشرين عاماً فقط، ثم رآه الآن، فإنه لا يكاد يصدق عينيه حين يرى تلك الجهود الضخمة التي تبذل في جميع المجالات العلمية والإعلامية والصحية والاجتماعية، وحين يرى شباباً متفتحاً على الحياة يسير بخطى واسعة في طريق التقدم والبناء. وبالجملة فهي نهضة شاملة تحارب التخلف في كل صوره ومظاهره، وتقفز إلى الأمام ولكن في تؤدة وثبات، وبحيث يمكن القول إنها أوضح عنوان لحكم حديث قام على أسس إسلامية. ومن العجب أن يصدر هذا الكلام منذ سنتين فقط، أي في عنفوان النهضة التي تشهدها المملكة السعودية الآن في ظل حكم الفيصل العظيم١. فأين يعيش دكتورنا الكبير حتى لم يسمع بما سمع به القاصي والداني لا في البلاد العربية والإسلامية وحدها، بل في الدول الغربية كلها من أوربية وأمريكية.

стр. 62

حركة جاءت للتصحيح: ثم يقول سعادته: "إن الحركة الوهابية تشددت فيما وسع الخلاف بينها وبين الشعوب الإسلامية الأخرى، وبالأخص بينها وبين الجماهير في هذه الشعوب١.

стр. 63

وهكذا يرجع الدكتور مرة أخرى إلى تلك النغمة الكريهة فيرمي الحركة بالتشدد فيما وسع الخلاف بينها وبين الشعوب الإسلامية الأخرى. فهل معنى هذا أن الحركة كان يجب عليها أن تسكت على البدع والمنكرات تضييقاً لشقة الخلاف وإرضاءً للجماهير الإسلامية؟ وحينئذٍ ما تكون مهمتها وما معنى كونها حركة؟ وكيف يراد من حركة قامت للتصحيح والتقويم، أن تتغاضى عما تراه من انحرافات تجنباً للخلاف؟ إن الله يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] وكذلك الجماهير لا ترضى إلا عمن يجاريها على أهوائها ويحبذ لها مألوفاتها. وهذا يشبه قول بعض المشركين لرسول الله ﷺ : "إنك قد جئت بأمر خالفت به قومك وفرقت به جماعتهم". أفكان يترك ﵇ الدعوة إلى الحق والهدى حتى لا يخالف قومه ولا يفرق جماعتهم؟ والعجب أن يصدر مثل هذا الكلام من دكتور فيلسوف يعلم أن الدعوات لا بد أن تثار في وجها الخصومات، ولا بد أن تقابل من أعدائها بكثير من السخط والاستياء، ولكن هذا لا يصلح مبرراً أبداً لترك الدعوة أو التهاون فيها إبقاءً على رضى الناس.

стр. 64

إن الحركة الوهابية تشددت في تنفيذ ما يجب تنفيذه، رضي الناس أم سخطوا، وهي لم توسع شقة الخلاف بينها وبين الشعوب الإسلامية حباً منها للخلاف. ولكن الخلاف كان أمراً ضرورياً بين حركة جاءت للتصحيح وإزالة البدع والمنكرات، وبين شعوب جمدت على ما هي عليه من ضلالات وانحرافات. ثم ما معنى قول الدكتور: "وبالأخص بينها وبين الجماهير". ومتى كان للجماهير وعواطفها الهوجاء رأي يجب أن يعتد به في ميزان الحق، ويترك من أجله ما أوجبه الدين وصرّحت به النصوص؟

стр. 65

الحركة الوهابية بين المجال النظري والتطبيق العملي الدعوة وتفسيرها التطبيقي: ثم يقول الدكتور: "إن دعوتها إلى القرآن والسنة صاحبها تفسير تطبيقي عملي لها. أبعدها عن الوضع والهدف يوم أن نادى بها ابن تيمية. صاحبها تفسير تطبيقي عملي لها يشير إلى أنها الدعوة إلى الحياة الصحراوية على عهد الجماعة الإسلامية الأولى، وليست الدعوة إلى الإسلام الواضح كما يمثله القرآن والسنة الصحيحة، ذلك الإسلام الذي يساوق الحضارة الصناعية، ويساوق المستوى الرفيع في الحياة الإنسانية، ويساوق التقدمية في بناء الجماعة بناءً سليماً" ا. هـ١. أما أن الدعوة صاحبها تفسير تطبيقي عملي فهذا صحيح، ولا خير في دعوة لا يصاحبها تطبيق ولا عمل، فإنها دعوة عقيمة سريعة الزوال. وأما ادعاء الدكتور أن هذا التفسير أبعدها عن الوضع والهدف يوم أن نادى بها ابن تيمية فهذا غير صحيح، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لو وجد في زمانه القوة التي تسنده وتؤازره، كما وجدت شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب ﵀ لفعل مثل ما فعله أو أشد، ومع ذلك كان يقوم هو وأتباعه القليلون بما يتسع له

стр. 66

جهدهم من إصلاحات عملية، فالتفسير التطبيقي للدعوة، كان يسير وفق المنهج المرسوم لها. وما يتوهمه الدكتور أو غيره من إساءة للتطبيق، أو غلو في التنفيذ، فهذا حكم العاطفة لا حكم المنطق، إذ لا يليق في المنطق أن ترى الدعوة أشياء منافية للتوحيد ثم تسكت عليها إرضاء لعواطف المتعلقين بها. وأما قوله إن التفسير التطبيق للدعوة يشير إلى أنها الدعوة إلى الحياة الصحراوية على عهد الجماعة الإسلامية الأولى، وليست الدعوة إلى الإسلام كما يمثله القرآن والسنة الصحيحة، فقد تضمن كلام الدكتور هنا عدة أخطاء: أولاً: وصفه حياة الجماعة الإسلامية الأولى بأنها حياة صحراوية يعني حياة بداوة وتخلف، مع أنها كانت أرفع نمط للحياة البشرية، وأرقى ما عرفت الإنسانية من حضارات، وحسبك منها أنها حضارة قادها القرآن العظيم، وشاد صرحها أعظم بانٍ عرفته البشرية، وهو محمد ﷺ الذي ما عرفت الدنيا منذ نشأتها ضريباً له في كل ما هو كمال إنساني.

стр. 67

ما هو الإسلام الواضح ؟ ولست أدري كيف الدكتور لنفسه أن يغمز الحياة الإسلامية الأولى ذلك الغمز الذي لو جاء على لسان أحد الطاعنين في الإسلام من المبشرين والمستشرقين، لعددناه هجوماً وقحاً فكيف إذا صدر من دكتور مسلم؟ سامحك الله يا دكتور!

стр. 68

الثاني: رميه الجماعة الإسلامية الأولى بأنها لم تكن على الإسلام الواضح كما يمثله القرآن والسنة، فإذا لم يكن هؤلاء الرعيل الأول على الإسلام الواضح، وهم الذين عاصروا نزول الوحي، وتلقوه من فم الرسول ﷺ غضاً طرياً، وسعدوا بصحبته. وتربوا على يديه تربية لم تتح لأي جيل من البشرية في عهودها الطويلة. نقول: إذا لم يكن هؤلاء على الإسلام الواضح فمن يكون إذاً يا معالي الدكتور؟ الثالث: تفسير الإسلام الواضح ذلك التفسير الغريب وهو أنه الذي يساوق الحضارة الصناعية إلخ.. مع أن الإسلام ليس في حاجة إلى تفسيره بذلك فإنه أعظم من كل صورة صوره بها الدكتور، إذ هو الطريق الذي لا طريق غيره لكل تقدم ولكل كمال إنساني، مادياً كان أو روحياً. وإذا كان الإسلام الواضح في نظر الدكتور هو الذي يساوق الحضارة الصناعية، ويساوق المستوى الرفيع في الحياة الإنسانية، ويساوق التقدمية، فإن الدعوة الوهابية قد توفر لها ذلك كله، فليس بين شعوب الأرض الآن شعب يتمتع بكل ما أنتجته الحضارة الصناعية في كل المجالات مثل الشعب السعودي. ومستوى الحياة الإنسانية فيها الآن يفوق مستواها في كثير من الدول التي سبقتها في الحضارة بزمان بعيد.

стр. 69

والمجتمع السعودي الآن هو الصورة الصحيحة للمجتمع المسلم الناهض المكافح الذي تختفي فيه الجريمة، فلا يوجد فيه عاطلون ولا متسكعون ولا رواد مقاهي ولا مدمنو مخدرات، ولا عصابات سطو، ولا استبداد حاكم بمحكوم، ولا مظاهر ذلك وخنوع ونفاق، إلى آخر ما يوجد في غيره من المجتمعات شرقاً وغرباً. فإذا لم يكن هذا كله تقدمية فبم تكون التقدمية يا سعادة الدكتور؟

стр. 70

الإسلام والحضارة والصناعية: ثم يقول سعادته: "إنها لم تستسغ حتى الآن من الوجهة النفسية عصر الآلة الحديثة، فضلاً عن عصر الآلية والتكنولوجيا القائمة، مع أن الدعوة إلى القرآن والسنة قصد بها أولاً وبالذات سير الحياة الإسلامية في ظل تعاليم الإسلام وفي صحبة الحضارة الصناعية التي لا بد منها الآن لحياة شعب يرتفع بنفسه عن مستوى الحياة الدنيا في المعيشة بما يكتنفها من ضعف وإذلال١. وأقول إن معرفتي الشخصية بالدكتور البهي تجعلني أستغرب جداً صدور هذا الكلام منه، إذ أن فيه من الخلط والعفوية ما لم نعهده في الدكتور الذي تعلمنا منه الدقة في التعبير والبعد عن المجازفة في إصدار الأحكام. وإلا فما معنى قوله إنها لم تستسغ حتى الآن عصر الآلة الحديثة وهو يعني حتى صدور كتابه هذا الذي صدر منذ ثلاثة أعوام فقط.

стр. 71

فمن في الدنيا كلها بطولها وعرضها يسمح لنفسه أن يصدر مثل هذا الحكم على دولة يعرفها العالم كله ويعرف مدى التقدم الذي أحرزته في استخدام الآلات الحديثة بكل أنواعها. إن الطفل الآن في السعودية يقود السيارة ويعرف كل أجهزتها وقطع غيارها، وشباب السعودية الآن هو الذي يقوم بمعظم الأعمال الفنية في شركة آرامكو بالدمام١. ولست أدري هل حكمه هذا حكم على الحركة نفسها أو على أتباعها المؤمنين بها، فإن كان يعني الحركة نفسها فهو غير صحيح، إذ ليس في مبادئها محاربة ما يستحدث من الصناعات أو ما يكتشف من الاختراعات، بل إنها تؤمن بقبول الحياة المادية للتطور، ما دام الكون كله بما فيه من قوى مسخراً للإنسان كما نطق بذلك القرآن، ولا ترى مانعاً من الاستفادة من كل تطور يحدث، ما دام لا يتعارض مع المبادئ الأساسية للإسلام. وإن كان يعني القائمين بالحركة والمؤمنين بها فهو غير صحيح أيضاً. فإن استخدام السعوديين للآلات الحديثة بجميع أنواعها وانتفاعهم بكل ما أنتجته الحضارة، أمر يعرفه العام والخاص، إلا أن يكون دكتورنا

стр. 72

الذي ما زال يظن السعوديين يعيشون حياة صحراوية يركبون فيها الجمل ويستدفئون بالخشب ويطبخون على الأثافي. أما قول سعادته إن الدعوة إلى القرآن والسنة قصد بها أولاً وبالذات سير الحياة الإسلامية في ظل تعاليم الإسلام فهذا صحيح فإن الإسلام إنما شرع منهجاً للحياة فلا بد من إقامة الحياة كلها على أساسه إذا أريد أن تكون أفضل حياة. ولكن ما معنى قول سعادته بعد ذلك: "وفي صحبة الحضارة الصناعية التي لا بد منها الآن.. إلخ" فما دخل الدعوة إلى القرآن والسنة بالحضارة الصناعية وبناء حياة الشعب عليها؟ إن الحضارة الصناعية نوع من الترف في أساليب المعيشة، ومحاولة لتخفيف مشقاتها، وهذا شيء لا دخل له بالدعوة إلى تطبيق القرآن والسنة، فهو خلط لا معنى له. صحيح إن الإسلام يبيح لمعتنقيه أن يأخذوا بأساليب الحياة الصناعية الحديثة، أما دعوى أن هذا لا بد منه في الإسلام فهي دعوى لم نسمح أحداً من مفكري الإسلام قد ادعاها قبل الدكتور وما رأي سعادته لو أن شعباً مسلماً أحسن التطبيق لمبادئ الإسلام ولكنه قصر في حياته المعيشية على الوسائل البسيطة وبعض الصناعات البدائية الموجودة عنده ولم يستورد شيئاً مما استحدث من الصناعات، ولا أخذ بأساليب الحياة العصرية، هل يعد هذا الشعب - في نظر دكتورنا - خارجاً عن الإسلام؟

стр. 73

إقامة نظام الحياة كله على أساس الإسلام: ثم يقول سعادته: "إن سير الحركة الوهابية من الوجهة الفكرية والعملية الآن، يسند اتجاهين ليس هو الاتجاه صاحب أثر إيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية بعضها ببعض، ولا هو ثالثاً مما يدل على أن الإسلام دين لحكم الجماعة وإصلاح الفرد وأنه يستطيع مواجهة الأحداث وألوان الحياة المختلفة"١. ولست أدري ما الذي يعنيه الدكتور بالاتجاه الذي يسنده سير الحركة فكراً وعملاً؟ ونحن لا نعلم لسير الحركة اتجاهاً من الوجهة الفكرية إلا إبراز التصور الصحيح للعقيدة الإسلامية، وإحياء المفاهيم التي انحرفت بتأثير عوامل الهدم ي الحياة الإسلامية، وما أكثرها، وأما من الوجهة العملية فلا اتجاه للحركة إلا الحفاظ على التوحيد وصيانته من أوضار الوثنية، وإقامة نظام الحياة كله على أساس الإسلام في كل المجالات من تشريع واقتصاد واجتماع ... إلخ. وأما قوله: إن هذا الاتجاه الذي تسنده الحركة، ليس هو صاحب الأثر الإيجابي في نهضة شعب الجزيرة، فلعل هذا وجهة نظره هو، وكل حر فيما يراه. وأما الواقع الملموس فيقول: إن سير الحركة واتجاهها لم يعق أبداً نهضة الشعب، ولا وقف حائلاً دون تقدمه. فمظاهر النهضة واضحة

стр. 74

كالشمس يراها كل من له عينان، ويلمسها كل من زار المملكة وشاهد منجزاتها الضخمة في كل مناحي الحياة. وكم نتمنى أن يقوم الدكتور بزيارة لتلك البلاد العزيزة العتيدة ليلمس بنفسه أثر تلك النهضة المباركة في كل ما تقع عليه عيناه. وأما قول الدكتور: "ولا هو كذلك صاحب أثر إيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية" فإن أبلغ رد عليه هو ذلك الدور العظيم الذي يقوم به عاهل الجزيرة حفظه الله في جمع شتات المسلمين وتوحيد كلمتهم، وإذكاء مشاعر الأخوة الإيمانية بينهم، وكان من أثر ذلك السعي المشكور والجهد المبرور، انعقاد مؤتمري الرباط ولاهور١، ثم تلك المؤتمرات المتواصلة لوزراء خارجية العالم الإسلامي، وما تتمخض عنه من قرارات تعود على المسلمين جميعاً بالإعزاز والتمكين. ثم إنشاء "رابطة العالم الإسلامي" التي تضم ممثلين لمعظم الأقطار الإسلامية، والتي تقوم مشكورة بإمداد المنظمات والهيئات الإسلامية بكل ما تحتاجه من كتب علمية ودينية وعقد المؤتمرات الدورية لتلك المنظمات بمكة، وكان آخرها منعقداً وأنا أكتب هذه السطور، ثم إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي تضم أبناء أربع وثمانين دولة إسلامية، ثم اهتمام جلالته بإنشاء المراكز الإسلامية

стр. 75

وتشييد المساجد في جميع أنحاء العالم، ومساعدة الجمعيات الدينية والخيرية في البلاد العربية والإسلامية. ونذكر الدكتور أيضاً بزيارة جلالته الأخيرة لعديد من عواصم الدول الإفريقية لتفقد أحوال إخوانه المسلمين فيها، وكيف نجح جلالته في تحويل عدد كبير من هذه الدول عن التعامل مع إسرائيل وإلغاء التمثيل الدبلوماسي معها. وكذلك زيارة جلالته الأخيرة لفرنسا التي كسب فيها لقضية العرب لا تأييد فرنسا وحدها بل تأييد مجموعة دول أوربا الغربية. هذا قليل من كثير مما قام به ملك الوهابيين يا سعادة الدكتور. فهل لا زلت بعد ذلك عند رأيك في أن الاتجاه الذي تسنده الحركة ليس هو صاحب الأثر الإيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية بعضها ببعض، أم ماذا يا دكتور؟
следующие страницы →