فمن في الدنيا كلها بطولها وعرضها يسمح لنفسه أن يصدر مثل هذا الحكم على دولة يعرفها العالم كله ويعرف مدى التقدم الذي أحرزته في استخدام الآلات الحديثة بكل أنواعها.
إن الطفل الآن في السعودية يقود السيارة ويعرف كل أجهزتها وقطع غيارها، وشباب السعودية الآن هو الذي يقوم بمعظم الأعمال الفنية في شركة آرامكو بالدمام١.
ولست أدري هل حكمه هذا حكم على الحركة نفسها أو على أتباعها المؤمنين بها، فإن كان يعني الحركة نفسها فهو غير صحيح، إذ ليس في مبادئها محاربة ما يستحدث من الصناعات أو ما يكتشف من الاختراعات، بل إنها تؤمن بقبول الحياة المادية للتطور، ما دام الكون كله بما فيه من قوى مسخراً للإنسان كما نطق بذلك القرآن، ولا ترى مانعاً من الاستفادة من كل تطور يحدث، ما دام لا يتعارض مع المبادئ الأساسية للإسلام.
وإن كان يعني القائمين بالحركة والمؤمنين بها فهو غير صحيح أيضاً.
فإن استخدام السعوديين للآلات الحديثة بجميع أنواعها وانتفاعهم بكل ما أنتجته الحضارة، أمر يعرفه العام والخاص، إلا أن يكون دكتورنا
стр. 72
الذي ما زال يظن السعوديين يعيشون حياة صحراوية يركبون فيها الجمل ويستدفئون بالخشب ويطبخون على الأثافي.
أما قول سعادته إن الدعوة إلى القرآن والسنة قصد بها أولاً وبالذات سير الحياة الإسلامية في ظل تعاليم الإسلام فهذا صحيح فإن الإسلام إنما شرع منهجاً للحياة فلا بد من إقامة الحياة كلها على أساسه إذا أريد أن تكون أفضل حياة.
ولكن ما معنى قول سعادته بعد ذلك: "وفي صحبة الحضارة الصناعية التي لا بد منها الآن.. إلخ" فما دخل الدعوة إلى القرآن والسنة بالحضارة الصناعية وبناء حياة الشعب عليها؟
إن الحضارة الصناعية نوع من الترف في أساليب المعيشة، ومحاولة لتخفيف مشقاتها، وهذا شيء لا دخل له بالدعوة إلى تطبيق القرآن والسنة، فهو خلط لا معنى له.
صحيح إن الإسلام يبيح لمعتنقيه أن يأخذوا بأساليب الحياة الصناعية الحديثة، أما دعوى أن هذا لا بد منه في الإسلام فهي دعوى لم نسمح أحداً من مفكري الإسلام قد ادعاها قبل الدكتور وما رأي سعادته لو أن شعباً مسلماً أحسن التطبيق لمبادئ الإسلام ولكنه قصر في حياته المعيشية على الوسائل البسيطة وبعض الصناعات البدائية الموجودة عنده ولم يستورد شيئاً مما استحدث من الصناعات، ولا أخذ بأساليب الحياة العصرية، هل يعد هذا الشعب - في نظر دكتورنا - خارجاً عن الإسلام؟
стр. 73
إقامة نظام الحياة كله على أساس الإسلام:
ثم يقول سعادته: "إن سير الحركة الوهابية من الوجهة الفكرية والعملية الآن، يسند اتجاهين ليس هو الاتجاه صاحب أثر إيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية بعضها ببعض، ولا هو ثالثاً مما يدل على أن الإسلام دين لحكم الجماعة وإصلاح الفرد وأنه يستطيع مواجهة الأحداث وألوان الحياة المختلفة"١.
ولست أدري ما الذي يعنيه الدكتور بالاتجاه الذي يسنده سير الحركة فكراً وعملاً؟
ونحن لا نعلم لسير الحركة اتجاهاً من الوجهة الفكرية إلا إبراز التصور الصحيح للعقيدة الإسلامية، وإحياء المفاهيم التي انحرفت بتأثير عوامل الهدم ي الحياة الإسلامية، وما أكثرها، وأما من الوجهة العملية فلا اتجاه للحركة إلا الحفاظ على التوحيد وصيانته من أوضار الوثنية، وإقامة نظام الحياة كله على أساس الإسلام في كل المجالات من تشريع واقتصاد واجتماع ... إلخ.
وأما قوله: إن هذا الاتجاه الذي تسنده الحركة، ليس هو صاحب الأثر الإيجابي في نهضة شعب الجزيرة، فلعل هذا وجهة نظره هو، وكل حر فيما يراه.
وأما الواقع الملموس فيقول: إن سير الحركة واتجاهها لم يعق أبداً نهضة الشعب، ولا وقف حائلاً دون تقدمه. فمظاهر النهضة واضحة
стр. 74
كالشمس يراها كل من له عينان، ويلمسها كل من زار المملكة وشاهد منجزاتها الضخمة في كل مناحي الحياة.
وكم نتمنى أن يقوم الدكتور بزيارة لتلك البلاد العزيزة العتيدة ليلمس بنفسه أثر تلك النهضة المباركة في كل ما تقع عليه عيناه.
وأما قول الدكتور: "ولا هو كذلك صاحب أثر إيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية" فإن أبلغ رد عليه هو ذلك الدور العظيم الذي يقوم به عاهل الجزيرة حفظه الله في جمع شتات المسلمين وتوحيد كلمتهم، وإذكاء مشاعر الأخوة الإيمانية بينهم، وكان من أثر ذلك السعي المشكور والجهد المبرور، انعقاد مؤتمري الرباط ولاهور١، ثم تلك المؤتمرات المتواصلة لوزراء خارجية العالم الإسلامي، وما تتمخض عنه من قرارات تعود على المسلمين جميعاً بالإعزاز والتمكين.
ثم إنشاء "رابطة العالم الإسلامي" التي تضم ممثلين لمعظم الأقطار الإسلامية، والتي تقوم مشكورة بإمداد المنظمات والهيئات الإسلامية بكل ما تحتاجه من كتب علمية ودينية وعقد المؤتمرات الدورية لتلك المنظمات بمكة، وكان آخرها منعقداً وأنا أكتب هذه السطور، ثم إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي تضم أبناء أربع وثمانين دولة إسلامية، ثم اهتمام جلالته بإنشاء المراكز الإسلامية
стр. 75
وتشييد المساجد في جميع أنحاء العالم، ومساعدة الجمعيات الدينية والخيرية في البلاد العربية والإسلامية.
ونذكر الدكتور أيضاً بزيارة جلالته الأخيرة لعديد من عواصم الدول الإفريقية لتفقد أحوال إخوانه المسلمين فيها، وكيف نجح جلالته في تحويل عدد كبير من هذه الدول عن التعامل مع إسرائيل وإلغاء التمثيل الدبلوماسي معها.
وكذلك زيارة جلالته الأخيرة لفرنسا التي كسب فيها لقضية العرب لا تأييد فرنسا وحدها بل تأييد مجموعة دول أوربا الغربية.
هذا قليل من كثير مما قام به ملك الوهابيين يا سعادة الدكتور.
فهل لا زلت بعد ذلك عند رأيك في أن الاتجاه الذي تسنده الحركة ليس هو صاحب الأثر الإيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية بعضها ببعض، أم ماذا يا دكتور؟
стр. 76
تجربة الحكم الإسلامي في السعودية ١:
وأما قول سعادته: "ولا هو ثالثاً لما يدل على الإسلام دين لحكم الجماعة وإصلاح الفرد.. إلخ"٢. فالضمير هنا طبعاً للاتجاه الذي تسنده الحركة، ويبدو لي أنه يريد به الحكم الملكي السعودي، وأنه حكم لا يدل على أن الإسلام صالح لحكم الجماعة ولا لإصلاح الفرد، ولا أنه دين يستطيع مواجهة الأحداث!
стр. 77
وسعادته يقصد - بغير لف ولا دوران - أن تجربة الحكم الإسلامي في السعودية تجربة فاشلة، ولا أظن أحداً من أعداء السعودية أنفسهم يجرؤ أن يدعي مثل هذه الدعوى، لأنه يخشى أن يصبح ضحكة للناس، أو أن يرمى بالعته والجنون.
فإن الحكم في السعودية بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء أصبح بحمد الله مضرب المثل في العدل والأمن والاستقرار، بسبب إقامته للحدود الإسلامية، وكل ميزات الحكم الصالح لا تجدها متوفرة مكان ما من أرض الله إلا في السعودية، وأما إصلاح الفرد، فإن العناية بتنشئة الأفراد تنشئة صالحة، فكرياً وخلقياً ووجدانياً، على أتم ما يكون.
وأما مواجهة الأحداث وألوان الحياة المختلفة، فإن السعودية تكاد تكون الدولة الإسلامية الوحيدة التي استطاعت أن تنتفع بما يستجد من ألوان الحضارة، دون أن تذوب فيها كما فعلت دول إسلامية كثيرة.
بل إنها وقفت منها موقف المسلم الذي يعرف كيف يستفيد مما عند الآخرين، دون أن يضر ذلك بدينه أو بأخلاقه أو بعاداته.
ثم يقول سعادته: "إن الفجوة بين الفكرة الأساسية للحركة الوهابية وبين التطبيق العملي في حياة المؤمنين بها فجوة واضحة.
إن مجال الفكر الوهابي والعقيدة الوهابية مجال القراءة والترديد إنه مجال الاصطناع والاحتراف بها في غير بناء وفي غير ملاءمة".
стр. 78
ولا نظن أن مثل هذا الكلام قد صدر من الدكتور وهو في حالة اتزان أبداً، بل لا بد أن يكون قد كتبه تحت حالة انفعالية شديدة، فلقد بدأ فيه كثور هائج لا يقذف خصومه بالكلمات فحسب بل بالطوب والحجارة.
إنه كلام كان يجب أن يحاكم عليه الدكتور وأن يتحمل تبعته وعقباه. إنه يرمي الوهابيين أولاً بالنفاق وأنهم يقولون ما لا يفعلون، ويتخذون من الدعوة شعاراً لا أثر له في التطبيق العملي والحياة الواقعية.
ثم يرميهم ثانياً بالجهل وأنهم يقرءون ما لا يفهمون، ويرددون عبارات لا يعرفون مدلولاتها.
ثم يرميهم ثالثاً بالتسول واتخاذ الدعوة مجالاً للاحتراف والتأكل بها، أليس كذلك يا دكتور؟
стр. 79
منهج فكر وخطة حياة:
ولكن الحقيقة التي حجبها الغضب والانفعال عنك، على عكس ما تقول تماماً في اتهاماتك الثلاثة، فلا توجد فجوة أصلاً بين المجال النظري للحركة الوهابية وبين التطبيق العملي للمؤمنين بها، بل لا نعرف حركة إسلامية كانت أمينة على مبادئها وملتزمة بها في مجال التطبيق مثل الحركة الوهابية، ولعل هذا هو الذي ضمن لها البقاء والرسوخ، فقد أصبحت منهج فكر وخطة حياة وجزءاً من كيان المؤمنين بها، ولم يكن مجال الفكر الوهابي والعقيدة الوهابية هو مجال القراءة والترديد كما يدعي الدكتور، بل هو مجال الفهم السليم والإيمان الواعي والدعوة الصادقة.
стр. 80
ولقد ظهر في حقل الدعوة علماء لهم وزنهم في رجاحة الفكر وفصاحة، وجودة التأليف، وكذلك لم تكن الوهابية في يوم من الأيام صنعة ولا احترافاً، بل كانت دعوة رجل تجرد من كل هوى وعصبية، ثم قام بها مخلصاً لربه لإنقاذ أمته لما تردت فيه ردغات الضلال.
ثم حملها من بعده الأمناء عليها من أبنائه وأحفاده وتلامذته وأنصاره، وكان السيف السعودي من ورائهم يشد أزرهم ويحوط حركتهم.
وكان هذا من لطيف صنع الله لهذه الحركة، أن جمع لها السيف والقلم واللسان، فآتت أكلها شهياً، ومضت إلى غاياتها قدماً، لا يعوقها استبداد حاكم ولا عسف سلطان.
والعجب من الدكتور الذي يقسو على الوهابية في نقده إلى حد الإقذاع لم نره كتب ولا مرة ضد خصومها من القبوريين والصوفية ونحوهم، بل يلوم الوهابية على أنها لم تسع للتقارب معهم.
فأي منطق هذا يا دكتور؟
ثم يقول سعادته: "أما حياة الجماعة الوهابية فإنها على نحو حياة أية جماعة إسلامية أخرى تسير في عزلة عن الفكر والآراء الإسلامية، وتخضع في تحرها وفي سيرها إلى عوامل مرددة بين اتجاهات شرقية وأخرى غربية وبين عادات وتقاليد لا يحددها مصدر واحد".
стр. 81
والدكتور هنا يرمي كل الجماعات الإسلامية، بما فيها الحركة الوهابية بأنها تسير في عزلة عن الفكر والآراء الإسلامية.
ولست أدري ما الذي يعنيه بالفكر والآراء التي تعيش الجماعات الإسلامية في عزل عنها؟ هل يعني بها مثلاً آراء المتكلمين والفلاسفة والصوفية، تلك التي شوهت جمال العقيدة الإسلامية وأخرجتها عن نقائها وبساطتها، وجنت عليها بتلك التعقيدات الفكرية والشطحات الصوفية.
وإذا فما حاجة الجماعات الإسلامية إلى تلك الفكر والآراء العفنة لكي تتصل بها وتعيش عليها؟
وإن عنى بها الأفكار السليمة والآراء المستقيمة التي تمخضت عنها عقول لم تنحرف ولم تفسد بالهوى والتقليد الأعمى، مثل أفكار الشيخين الجليلين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، فلا شك أن الحركة الوهابية لا تسير في عزلة عن هذه الفكر والآراء بل هي على صلة تامة بها.
стр. 82
هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه:
وأما قوله إن الحركة تخضع في تحركها إلى عوامل مرددة بين الشرق والغرب فاتهام باطل لا أساس له، فإن هذه الحركة لم تخضع طول عمرها، ولن تخضع إن شاء الله، فيما بقي من عمرها، لأية عوامل بعيدة عن الإسلام شرقية كانت أو غربية.
وكذلك لا نعرف من العادات والتقاليد إلا ما يقره الإسلام.
стр. 83
وبالجملة فلا مصدر لهذه الحركة في جميع اتجاهاتها إلا شيء واحد لا تردد فيه، هو الوحي النازل من السماء قرآناً كان أو سنة، فهي لا تنحرف عنه لا شرقاً ولا غرباً متمثلة دائماً قول الله تعالى من سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] .
ثم يقول سعادته: "وكان المؤمن في معانقة السلطة الرسمية لها أن تتميز عن أي حركة إسلامية أخرى بالتطبيق العملي، وفقاً للفكرة الأصلية السلبية والإيجابية معاً. وأن تكون حياة الجامعة التي آمنت بها عنواناً تتجلى فيه فكرة الداعي كما آمن بها وتركها من بعده".
وهذا الذي يؤمله الدكتور هو الواقع فعلاً، فإن معانقة السلطة الرسمية للحركة قد حماها من العواصف الرديئة التي قد تتعرض لها الجماعات الإسلامية الأخرى.
فاستطاعت الحركة في ظل هذه الحماية أن تسير بخطوات ثابتة نحو هدفها، وأن يكون تطبيقها العملي متناسقاً مع الفكرة الأساسية للحركة، وأن تكون حياة الجماعة التي آمنت بها عنواناً صادقاً للمبادئ التي أعلنها مؤسس الحركة ﵀ وآمن بها، ولم يقع فيها خلف أبداً، لا بين المجال النظري والتطبيق العملي، ولا بين حياة الجماعة ومبادئ الداعي، كما يقع في بعض الجماعات الأخرى بسبب الضغط الواقع عليها من قبل السلطات.
стр. 84
أكبر عملية بناء في هذا العصر:
ثم يقول سعادته: "إن التآخي بين تعاليم المذهب الوهابي والسلطة الزمنية في المملكة العربية السعودية طبقاً للعهد الذي وقع بين الشيخ والأمير سنة ١١٥٧هـ كان يحتم إبعاد الثنائية في التعليم في هذه المملكة وتوزيعه بين ديني ومدني"١.
والواقع الذي خفي على الدكتور أنه لم يكن هناك ثنائية في التعليم، بل تعليم نظامي، منذ وقع العهد بين الشيخ والأمير - رحمهما الله - إلى أن أنشئت أول مديرية للتعليم سنة ١٣٤٤هـ، أي بعد نحو سبعين ومائة سنة من توقيع العهد المذكور.
وكان التعليم كله في تلك الحقبة دينياً يتلقاه الطلبة على الشيوخ في المساجد على غرار ما كان موجوداً في مصر بالنسبة للأزهر وبعض المساجد الكبرى، ثم أنشأت مديرية المعارف بعض المعاهد النظامية في مكة والرياض وبعض المدن الكبرى في نجد والقصيم مثل عنيزة وبريدة والمجمعة وشقراء.
وكانت تستجلب لها الأساتذة من الأزهر أيام أن كان سعادة الدكتور مديراً للبحوث، وظلت الحال على ذلك إلى أن أنشئت وزارة المعارف سنة ١٣٧٣هـ.
ولم يكن هناك وقتئذٍ مدرستين ثانويتين إحداهما بجدة والأخرى بمكة، فاضطرت الوزارة لكي تلحق بركب الدول المتحضرة أن تجد
стр. 85
في إنشاء المدارس وإدخال العلوم الحديثة على مناهجها إلى جانب المواد الشرعية والعربية.
ومع ذلك احتفظت بالمعاهد التي كانت قد أنشأتها مديرية التعليم لكي تمد الكليات بحاجتها من الطلبة.
وكان سير الوزارة في هذه السبيل ركضاً شديداً بل قفزاً، حتى استطاعت في مدى عشرين سنة فقط أن تنشئ ألفي مدرسة في مراحل التعليم المختلفة، أي بواقع مائة مدرسة كل سنة.
وبذلك لحقت المملكة بكل من سبقها بل تفوقت على الكثير ممن سبقوها، وأصبح فيها الآن نهضة علمية تعتبر معجزة إذا نظر إلى العوائق الكثيرة التي كانت قائمة والتي من أهمها اتساع رقعة المملكة وتباعد مدنها وقراها بمسافات شاسعة.
ومع ذلك تحققت بفضل الله ثم بهمم العاملين في حقل التعليم وعلى رأسهم الوزير العالم الأديب والدءوب الطموح معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ أمده الله بعونه١، أقول تحققت أكبر عملية بناء علمي في هذا العصر، وعمت المدارس كل قرى المملكة من أقصاها إلى أقصاها، وأصبحت فرصة التعليم متاحة لكل المواطنين.
стр. 86
والآن لا يوجد إلا تعليم ابتدائي واحد تدرس فيه كل المواد الدينية من عقيدة وفقه وغيرهما، ولا يوجد كذلك إلا مرحلة متوسطة واحدة.
وأما المرحلة الثانوية فرغم انقسامها إلى معاهد ومدارس فهي متقاربة المناهج، لاسيما بعدما أدخلت العلوم الحديثة على المعاهد.
وعلى كل حال فإن هذه الثنائية التي يزعمها الدكتور لو وجدت فرضاً لم تكن على حساب الدين أبداً، ولم يكن الغرض منها أن يكون للسلطة الرسمية فريق من الطلبة وللوهابية فريق، كما كان يحصل في البلاد منيت بالاستعمال.
ولكن كان لذلك ظروف وأسباب اقتضت هذا الوضع مع ولاء الكل للحركة الوهابية وللبيت السعودي، فلا فرقة ولا ازدواج.
ثم يقول سعادته: "وهناك انفصالية أخرى في دائرة التعليم النظري نفسه بين هذه التعاليم والثقافة الإنسانية".
وهذه الانفصالية أيضاً من بنات خيال الدكتور.
فإن الثقافة الإنسانية بكل فروعها من تربية وعلم نفس وجغرافيا وتاريخ وغيرها، تدرس الآن بالمدارس والمعاهد والكليات السعودية. ويوجد بمكة المكرمة كلية خاصة للتربية تابعة لجامعة الملك عبد العزيز١.
стр. 87
بل إنه ليوجد الآن في السعودية من الأساتذة المتخصصين في كل فروع الثقافة الإنسانية ما لا يكاد يوجد في أي بلد إسلامي آخر.
والمملكة - حرسها الله ووقاها شر الحاقدين - لا تبخل في هذه السبيل بشيء من المال، بل تنفق بسخاء في استقدام أقوى الأساتذة وأكفأ المدرسين.
كما أنه يوجد عشرات بل مئات من أبناء المملكة في جامعات أوربا وأمريكا يحضرون للدكتوراه في كل فروع المعرفة، فضلاً على من تخرج منهم واشتغل بالتدريس أو الإدارة في جامعاتها وهم يعدون بالعشرات أيضاً.
ولن يمر وقت طويل حتى تسد المملكة حاجتها من ذوي الرتب الجامعية العالية وتصدر لغيرها من شقيقاتها العربية والإسلامية١.
стр. 88
الوهابية آخذة بكل أسباب الحياة:
ثم يقول سعادته: "وإذاً تعاليم المذهب الوهابي كتعاليم الدين الإسلامي في أي بلد إسلامي آخر في عزلة عن الحياة وعزلة عن التعليم العام".
وليس هناك أثر علمي لميزة التآخي بين الدعوة والسلطة لا في مجال التطبيق ولا في مجال التعليم العام"١.
ويظهر أن الدكتور أراد أن يلخص رأيه في الوهابية بهذا النص الذي ليس مسك ختام، والذي لا يعقل أن يكون صدر أبداً عن نفس متجردة من الهوى والغرض.
ونسأل الدكتور البليغ عن هذا التشبيه في قوله: "إن المذهب الوهابي كتعاليم الدين الإسلامي" فهل للمذهب الوهابي تعاليم غير تعاليم الدين الإسلامي حتى يصح ذلك التشبيه؟
أم يريد أن يقول: إن حظ المذهب الوهابي من تعاليم الدين كحظ أي بلد إسلامي آخر، ثم يرمي الجميع بالعزلة عن الحياة والعزلة عن التعليم العام.
ونحن لا نسلم له أولاً أن حظ الوهابية من الدين كحظ غيرها من البلاد الإسلامية، فشتان بين حركة قامت لتصفية الدين من الشوائب والأكدار الدخيلة، وبين مذاهب منحرفة لم تعرف الدين إلا من خلال آراء مستحدثة وفلسفات دخيلة.
стр. 89
ولا نسلم له ثانياً بأن الوهابية في عزلة عن الحياة بل هي آخذة بكل أسباب الحياة، كما أنها مصدر حياة الملايين المؤمنين بها ولا يرون الحياة الحقة إلا في ظلها.
وأما إن أراد بالحياة حياة الغرائز الدنيا، والمتع الرخيصة، والتمدن الكاذب الذي تردت فيه كثير من بلاد الإسلام، فإن الوهابية تربأ بنفسها وبأهلها عن مثل تلك الحياة.
ولا نسلم له ثالثاً أن الوهابية في عزلة عن التعليم العام، بل هي تأخذ بكل علم نافع وتلتقط الحكمة أنى وجدتها.
стр. 90
الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل:
وبعد فهذا مقال الدكتور محمد البهي عن الوهابية:
ويؤسفني أن أقول إنه لم يصب ولم يوفق في شيء مما قاله، وإنما كان يبدو مدفوعاً إلى كتابته، وكان التحامل هو الطابع العام للمقال من أوله إلى آخره.
وقد أساء الدكتور بهذا المقال إلى نفسه أولاً حيث ورطها في أخطاء ظاهرة الشناعة، ثم أساء إلى الحقيقة في نفسها حيث ظلمها وتجنى عليها.
فهل للدكتور - في ضوء تعقيبنا على مقاله - أن يراجع نفسه ويرجع عما قاله عملاً بالمثل القائل إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، هذا ما نرجوه.
стр. 91
والله نسال أن يهدينا جميعاً سبيل الحق والإنصاف، وأن يعيننا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه ولي التوفيق.
د. محمد خليل هراس
رئيس قسم العقيدة بالدراسات العليا
بكلية الشريعة بمكة المكرمة
стр. 92
ال فهرس
الموضوع ... ... الصفحة
بين يدي الكتاب ... .................................................... ... ٢
تعقيب مهم ... ................................................... ... ١٢
ترجمة المؤلف ... ................................................... ... ١٣
مقدمة ... ................................................... ... ١٨
نشأة الحركة الوهابية ... .................................................... ... ٢٠
الحركة الوهابية تدعو إلى توكيد التوحيد ... .................................................... ... ٢٢
الحركة الوهابية تدعو إلى سبيل ربها بالحكمة والموعظة الحسنة ... .................................................... ... ٢٥
الجاهلية الأولى والجاهلية الثانية ... .................................................... ... ٣١
وثنية الأموات ووثنية الأحياء ... .................................................... ... ٣٢
مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين من الأئمة المهديين ... .................................................... ... ٣٣
حركة لم تقم للهدم بل للبناء ... .................................................... ... ٣٥
الخصومة المذهبية ليست من فعل هذه الحركة ... .................................................... ... ٣٦
الوهابية والتراث الإسلامي ... .................................................... ... ٣٨
ليس تقليداً بل موافقة الحق للحق ... .................................................... ... ٤١
حركة امتازت بالإحياء والتجديد ... .................................................... ... ٤٥
في هذا الكلام خطآن ... .................................................... ... ٤٧
стр. 93
حركة إصلاحية أم أكاديمية علمية ... ........................................ ... ٥٠
الحركة الوهابية والفكر المعاصر ... ........................................ ... ٥٣
الحركة العلمية في المملكة السعودية ... ........................................ ... ٥٤
حركة جاءت للتصحيح ... ........................................ ... ٥٥
الحركة الوهابية بين المجال النظري والتطبيق العملي ... ........................................ ... ٥٨
الدعوة وتفسيرها التطبيقي ... ........................................ ... ٥٨
ما هو الإسلام الواضح ... ........................................ ... ٥٩
الإسلام والحضارة والصناعة ... ........................................ ... ٦١
إقامة نظام الحياة كله على أساس الإسلام ... ........................................ ... ٦٤
تجربة الحكم الإسلام في السعودية ... ........................................ ... ٦٦
منهج فكر وخطة حياة ... ........................................ ... ٦٨
هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ... ........................................ ... ٧٠
أكبر عملية بناء علمي في هذا العصر ... ........................................ ... ٧٢
الوهابية آخذه بكل أسباب الحياة ... ........................................ ... ٧٦
الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ... ........................................ ... ٧٧
стр. 94
وقف السلام في سطور
مدخل
...
وقف السلام في سطور
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وقف السلام الخيري: من الأوقاف الخيرية التي تعنى بالقيام بمشاريع خيرية متنوعة تشمل:
- بناء الأوقاف وإدارتها.
- بناء المساجد والصرف عليها.
- مشاريع الصدقة الجارية.
- مغسلة الإحسان للأموات.
- إقامة الدورات العلمية
- دعم حلقات التحفيظ.
- طباعة الكتب والنشرات الدعوية.
- كفالة الدعاة.
- العناية بدعوة المرأة.
- العناية بالطفل المسلم.
- الدعوة إلى الله عن طريق الدروس والمحاضرات والأشرطة وشبكة الإنترنت.
- إنشاء البرامج التأهيلية.
تنبيه:
- تُدار أموال الوقف من قبل مجلس النظارة بحسب الشروط الشرعية، كما يصرف من هذه الأموال على ما تستلزمه المناشط من مصاريف إدارية وفنية.
стр. 95
صفحة الملتقى - الملتقى الأول لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
الحقيقة والمنهج والأثر والاقتراحات
تظاهرة علمية قيمة شارك فيها عدد من كبار العلماء وأساتذة الجامعات وأقيم في الفترة من ٨/١/١٤٢٥هـ - ٢١/١/١٤٢٥هـ، واشتمل على أربع عشرة محاضرة هي:
١- الإمام محمد بن عبد الوهاب وآثاره، لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء حفظه الله ووفقه.
٢- منهج أئمة الدعوة في بيان العبادة وأنواعها، لفضيلة الشيخ عبد الله بن إبراهيم القرعاوي إمام وخطيب الجامع الكبير ببريدة.
٣- حال الجزيرة وقبل الدعوة وأثر الدعوة في الداخل والخارج، لمعالي الدكتور صالح بن عبد الله العبود مدير الجامعة الإسلامية.
٤- منهج أئمة الدعوة في العقيدة، لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع رئيس قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية.
٥- منهج أئمة الدعوة في الدعوة إلى الله ، لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
٦- لقاء مفتوح لمعالي الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الغديان عضو هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء.
٧- منهج أئمة الدعوة في مسائل التوسل والاستقامة، لفضيلة الشيخ أحمد بن يحيى النجمي.
стр. 96
٨- منهج أئمة الدعوة في مسائل النبوة والصحابة والولاية، لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن سعد السحيمي عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية.
٩- منهج أئمة الدعوة في الحديث، لفضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد السعيد رئيس قسم السنة بجامعة الإمام.
١٠- منهج أئمة الدعوة في الفقه، لفضيلة الشيخ صلاح بن محمد آل الشيخ إمام وخطيب جامع الأمير بندر بن محمد آل سعود.
١١- منهج أئمة الدعوة في السياسة، لمعالي الشيخ صالح بن محمد اللحيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى وعضو هيئة كبار العلماء.
١٢- منهج أئمة الدعوة في مسائل التكفير والخروج، لمعالي الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء.
١٣- منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب، لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، مدير الجامعة الإسلامية سابقاً.
١٤- وصية الاعتصام بالكتاب والسنة، لفضيلة الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي، إمام وخطيب المسجد النبوي وعضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية.
يمكنكم الاطلاع على فكرة الملتقى وأهدافه والألبوم المسجل على موقعنا:
www.assalam.ws
كما ستطبع نصوص المحاضرات قريباً بإذن الله.
راسلونا على البريد:
info@ assalam.ws
стр. 97
المكتبة السمعية
المكتبة السمعية التابعة لوقف السلام الخيري تعنى بجميع دروس كبار أهل العلم ومعالجتها وإعادة إصدارها لتخرج بالشكل اللائق بعلمهم وحقهم، كما تهتم بتسجيل وإصدار الدروس العلمية التي تقام في جامع إمام الدعوة، وتم بحمد الله إلى الآن إصدار شروح الكتب التالية:
١- شرح كتاب التوحيد لصاحب الفضيلة العلامة عبد الله بن حميد ﵀.
٢- شرح كشف الشبهات والأصول الثلاثة، والقواعد الأربع، لمعالي الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان.
٣- شرح العقيدة الواسطية، لمعالي الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان.
٤- شرح الأصول الثلاثة، والأصول الستة، والقواعد الأربع، وكشف الشبهات، ولامية شيخ الإسلام، لفضيلة الشيخ الدكتور فهد بن سليمان الفهيد.
٥- محاضرات الملتقى الأول لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب.
٦- شرح الحائية وعقيدة ابن أبي زيد القيرواني، لفضيلة الشيخ علي بن صالح المري.
٧- شرح فضل الإسلام، لفضيلة الشيخ الدكتور، عبد العزيز بن محمد السعيد.
يمكنكم الاطلاع على هذه الإصدرات ومعرفة أسعارها وشروط الإهداء المجاني وتعبئة النموذج الخاص في موقعنا:-
www.assalam.ws
أو راسلونا على البريد:
info@ assalam.ws
стр. 98
الإصدارات العلمية
* صدر بحمد الله ضمن سلسلة الإصدارات العلمية من الكتب المحكمة:
١- كتاب الأجوبة عن المسائل المستغربة، للحافظ ابن عبد البر، رسالة ماجستير بجامعة الجزائر، تحقيق الشيخ عبد الخالق بن محمد ماضي، تقديم فضيلة الدكتور محمد بن عمر بازمول.
٢- منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث، رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية لفضيلة الدكتور بشير علي عمر.
٣- الروايات التفسيرية في فتح الباري، رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية لفضيلة الدكتور عبد المجيد الشيخ عبد الباري.
* وسيصدر قريباً بإذن الله ضمن سلسلة الإصدارات العلمية من الكتب المحكمة:
١- محاضرات الملتقى الأول لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب الحقيقة والمنهج والأثر ورد الافتراءات.
٢- المرويات الموقوفة المسندة للخلفاء الراشدين الثلاثة الأول وبقية العشرة في التفسير، جمع ودراسة وتخريج، من أول القرآن إلى نهاية سورة طه، رسالة دكتوراه بجامعه أم القرى، لفضيلة الدكتور فيصل بن عابد اللحياني.
٣- الأحاديث النبوية التي استُدلَّ بها على الإعجاز العلمي في الإنسان والأرض والفلك، رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية لفضلة الدكتور أحمد بن حسن الحارثي.
٤- الاستغفار في الكتاب والسنة والرد على المفاهيم الخاطئة فيه، رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية لفضيلة الدكتورة حياة بن محمد بن جبريل.
ويسرنا أن نعلن لعموم العلماء وطلبة العلم والباحثين بأننا نسعد بتلقي إنتاجهم العلمي، فنأمل منهم التواصل مع فضيلة المشرف العام على العنوان التالي:
Almushref@ assalam.ws