← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1401–1434 · переход к 1406.

стр. 1401

من الجانب الأعلى تقطّع اللحم ولم ينقطع، لأنّ المرقة تجري بين لحم الكتف والعظم، فإذا أخذته من أعلاه تصببت المرقة عليك بسرعة، وإذا أخذت اللحم من أسفله تقشّر من عظمها فلم تنصبّ المرقة بالسرعة، وهو مثل يضرب للبصير بالأمور، وقال أوس بن حجر: [البسيط] أم دلّكم بعض من يرتاد مشتمتي ... بأيّ أكلة لحم تؤكل الكتف (١) يقول: أنا أعلم كيف أنا لكم. وقال آخر: [المنسرح] إنّي على ما ترون من كبري ... أعلم من أين تؤكل الكتف (٢) قطرب: دويبّة تجول اللّيل كله ولا تنام، ويقال فيه أيضا: أسهر من قطرب، وهذا قول أبي عمرو، وغيره يرويه: أسعى من قطرب، لا أسهر، ويقول: هو دويبة لا تستقرّ بالنهار ويحتجّ بقول ابن مسعود: لا أعرفنّ أحدكم جيفة ليل قطرب نهار، وقطرب اسم رجل مشهور، وهو ابن المستنير صاحب المثلّث وكان من أهل العربية فجلس لسيبويه يناظره، فلما رآه سيبويه قد احتدّ بالسؤال قال: إنك لقطرب ليل، فسمّي بذلك، والقطرب أيضا ذكر الغيلان، ابن ظفر ذكر من يعوّل عليه أنه حيوان يكون بالصعيد من أرض مصر، يظهر للمنفرد من الناس، فربما صده عن نفسه إذا كان شجاعا وإلّا لم ينته حتى ينكحه، فإذا أنكحه تدوّد دبره وهلك، قال: وهم إذا رأوا من ظهر له القطرب قالوا: أمنكوح أم مروّع، فإن قال: منكوح يئسوا منه. وإن قال: مروّع سكنوه وعالجوه، قال: فقد رأيت أهل مصر وما بين يديها وما خلفها، وتحققت أهل صعيدها والعربان، وهم مستوون في الجهل بهذا الحيوان، ومختلفون الاختلاف الشديد في فعله وصورته، إلا أن أهل مصر أكثر لهجا به. والقطارب أيضا: صغار الكلاب. قوله: أسري، أي أمشي بالليل، الجندب: ذكر الجراد، وقيل: هي دويبّة تشبه الجراد ذات جناحين، فلا تزال ترمح. ولفظ المثل: أسرى من جراد. مقمر: لاعب في القمر، وأنشط: أخفّ، والظبي يأخذه النشاط في الليلة المقمرة فيلعب، متنمر: متشبه بالنّمر وهو سبع مؤذ، جدّك: حظّك، اقرع: اضرب. رعيك: أكلك. وأراد بباب رعيك الذي يجيئك منه الرزق، ألق دلوك إلى كل حوض: لفظ المثل «ألق دلوك في الدلاء»، يضرب في بذل الجهد في اكتساب المال والبحث عليه، وهو كما قال الشاعر: [الوافر] وليس الرزق عن طلب حثيث ... ولكن ألق دلوك في الدلاء (٣)

стр. 1402

تجئك بملئها طورا وطورا ... تجئك بحمأة وقليل ماء قوله: فقد كان مكتوبا على عصا شيخنا ساسان، الفنجديهي قرأت في بعض الفوائد أنه كان مكتوبا على عصا ساسان المكدى: الكسل شؤم، والتمييز مذموم، والحركة بركة والتواني هلكة، وكلب طائف: خير من أسد رابض، ومن لم يغترف: لم يعتلف جال: تصرّف ومشى في البلاد، نال: أدرك حاجته، عنوان: دليل، النحوس: جمع نحس، وهو ضد السعد، وذوي البؤس: أهل الفقر: لقاح المتعبة، أي أصلها وسببها، شيمة: طبيعة، وكذلك الشنشنة، الوكلة التّكلة: هو العاجز الذي يكل أمره لغيره ويتّكل عليه فيه. أشتار: حرّك واستخرج، الراحة الأولى: الكفّ، والثانية ضدّ التعب. وعليك بالإقدام، ولو على الضّرغام، فإن جراءة الجنان، تنطق اللّسان، وتطلق العنان، وبها تدرك الحظوة، وتملك الثّروة، كما أن الخور صنو الكسل، وسبب الفشل، ومبطأة للعمل، ومخيبة للأمل، ولهذا قيل في المثل: من جسر، أيس، ومن هاب، خاب. ثمّ ابرز يا بني في بكور أبي زاجر، وجراءة أبي الحارث، وحزامة أبي قرّة، وختل أبي جعدة، وحرص أبي عقبة، ونشاط أبي ووثّاب، ومكر أبي الحصين، وصبر أبي أيّوب، وتلطّف أبي غزوان، وتلوّن أبي براقش، وحيلة قصير، ودهاء عمرو، ولطف الشعبيّ، واحتمال الأحنف، وفطنة إياس، ومجانة أبي نواس، وطمع أشعب، وعارضة أبي العيناء. *** الإقدام: الجراءة، الضرغام: الأسد. والجراءة: الشجاعة. والجنان: القلب. والحظوة: المنزلة الرفيعة، والثروة: الغنى. صنو: أخ. الفشل: الضعف والحيرة، يريد أن فزع النفس وضعيفها يخيّب الأمل والرجاء، وقال معاوية: الهيبة مقرون بها الخيبة. أبو زاجر: هو الغراب، سمّي بذلك، لأن العرب تزجر به وتتشاءم، وتقدّم ذلك، ومن وصيته لولده على ألسنتهم، قالوا: قال الغراب لابنه: يا بنيّ إذا رميت فتلوّص أي تلوّ، قال: يا أبت أنا أتلوّص قبل أن أرمي، وقال لابنه قد رأى رجلا فوّق سهما: يا بني اتّئد، حتى تعلم ما يريد الرّجل، فقال: يا أبت، الحذر قبل إرسال السهم. وأبو الحارث: الأسد كنّي بذلك لاحتراثه، أي لاكتسابه بقوته. وأبو قرّة: الحرباء كنّي بذلك لأن البرد لا يفارقه. فالحرباء تدور لذلك مع الشمس حيثما دارت، وتقدّم حزامتها، ومرّ أنها لا تفارق ساق الشجرة حتى تمسك ساق الأخرى.

стр. 1403

وأبو جعدة: كنية الذئب، وهي كنية بالضدّ لأن جعدة عندهم الشّاة، ولما كان الذئب يقتلها حيث وجدها جعلوه أباها بضدّ ما يفعل الأب الذي لا يقال له أب إلا لوجود الرحمة عنده على بنيه، ونحوها قولهم للأسود: أبو البيضاء، والختل: المكر. وأبو عقبة الخنزير، ومن حرصه أنه يمشي بالليل وبالأسحار لطلب ما يأكل، ويستتر بالنهار حرصا على السّلامة. وأبو وثاب: الظّبي وكني بذلك لسرعة وثبه. وأبو الحصين: الثعلب، وهو أكثر الحيوان مكرا، ومن بعض مكره أنّه إذا رأى الغلبة تماوت فلا تشكّ في أنه ميّت، فإذا وقع له غير عارف تركه فما يمرّ يسيرا حتى يقوم فارّا أو تحصينه يبصل العنصل من الذئب، لأن الذئب لا يطؤه في زعم قوم، وقالوا: إنّ الضبع صادت ثعلبا، فقالت: أخيّرك يا ثعلب بين خصلتين، فقال: ما هما؟ فقالت: إما أن آكلك وإما أن أكلمك، فقال لها الثعلب، أما تذكرين يوم نكحتك؟ فقالت: متى؟ فانفتح فوها وانفلت الثعلب، فذكروا ذلك مثلا، وقالوا: ضرب عليه خصلتي الثعلب، وقالوا: إن الثعلب اطّلع في بئر وهو عاطش وعليها رشاء في طرفيه دلوان، فقعد في الدلو العليا فانحدرت، فشرب، فجاء الضبع فاطلعت في البئر، فأبصرت القمر في الماء منتصفا والثعلب قاعد في قعر البئر فقالت له: ما تصنع هنا؟ فقال لها: إني أكلت نصف هذه الجبنة وبقي نصفها لك فانزلي فكليها، فقالت: وكيف أنزل؟ قال: تقعدين في الدلو فقعدت فيها، فانحدرت وارتفع الثعلب في الدلو الأخرى فلمّا التقيا في وسط البئر قالت له: ما هذا؟ قال: كذا التّجار، نختلف، فضربت بها العرب المثل في المختلفين، وأوصاف مكره كثيرة. وأبو أيوب: الجمل سمّي بذلك لأنه أصبر الدوابّ على العطش والجوع وقطع الأشهر بالسير المتصل ونقل الأوقار، ومهما كان به شيء من قوّة تجلّد، فإذا وقف علم أنه ليس فيه بقية ينتفع بها. وأبو غزوان الهرّ لغزوه الفئران وخشاش الأرض وتلطّفه يظهر في محاولاته لتصيد الفأر فإذا قدمت المائدة: قرب منها وأخذ يتلطف في صياحه ويتضرّع ويحتكّ بالمائدة أو بالأكل حتى يعطى. وأبو براقش: طائر أغبر أوسطه أحمر، إذا انتفض تلوّن ألوانا. أخذ الحريريّ هذا الفصل من كلام العلماء، قالوا: ابن آدم هو العالم الكبير الذي جمع الله تعالى العالم كلّه فيه فكان فيه بسالة الأسد وصبر الجمل وحرص الخنزير وحذر الغراب وروغان الثعلب؛ وضرع السّنّور، وحكاية القرد وجبن الصقر. قيل لرجل من كبار العلماء وكان بليدا سريع النّسيان في ابتداء تعلّمه: بم أدركت العلم مع بلادتك وكلل خاطرك؟ قال: ببكور كبكور الغراب وصبر كصبر الجمل وحرص كحرص الخنزير.

стр. 1404

واخلب بصوغ اللّسان، واخدع بسحر البيان، وارتد السّوق قبل الجلب وامتر الضّرع قبل الحلب، وسائل الرّكبان قبل المنتجع، ودمّث لجنبك قبل المضطجع، واشحذ بصيرتك للعيافة، وأنعم نظرك للقيافة، فإنّ من صدق توسّمه، طال تبسّمه، ومن أخطأت فراسته أبطأت فريسته. وكن يا بنيّ خفيف الكلّ، قليل الدّل، راغبا عن العلّ، قانعا من الوبل بالطّلّ. وعظّم وقع الحقير؛ واشكر على النّقير، ولا تقنط عند الرّدّ. ولا تستبعد رشح الصّلد، ولا تيئس من روح الله، إنه لا ييئس من روح الله إلّا القومالكافرون. وإذا خيّرت بين ذرّة منقودة، ودرّة موعودة، فمل إلى النّقد وفضّل اليوم على الغد، فإنّ للتأخير آفات وللعزائم بدوات، وللعدات معقّبات، وبينها وبين النّجاز عقبات وأيّ عقبات. *** قوله: اخلب بصوغ اللسان، أي بعذوبة الكلام، قال ابن كناسة الشاعر: كنت أتكلم بكلام فلو لم يجد سامعه إلا القطن الذي في وجه أمه في القبر، لتغلغل إليه حتى يخرجه ويهديه إليّ. وأنا اليوم أتحدث بذلك الحديث بعينه فما أفرغ منه حتى أهيّئ له اعتذاري وارتد، أي اطلب. والجلب: ما يجلب إلى السوق للبيع، امتر: امسح، ويفعل ذلك بالضرع لأنه يدرّ لبنه. المنتجع: موضع العشب، أراد به موضع طلب الرزق، دمث: ليّن، اشحذ: اجل واصقل، وقال في الدّرة: ويقولون: شحّات بالتاء، وصوابه. بالذال لأن اشتقاقه من شحذت السيف، إذا بالغت في إحداده فكأنّ الشحاذ هو الملحّ في المسألة المبالغ في طلب الصّدقة، بصيرتك: ذهنك، العيافة: زجر الطير، أنعم: بالغ، القيافة: الاستدلال على الولد، وذلك أن ينظر خلقته وصفته، فيشبّهه بأبيه. توسمه: نظره، الفراسة: الحكم بحالات الشيء على ما يكون منه في المستقبل. الكلّ: الثقيل، والدّلّ والدّلال بمعنى واحد، العلّ: الشّرب بعد الشّرب وراغبا عنه: تاركا له: النقير: حفرة في ظهر نوى التّمر، ومنها تنبت النخلة، تقنط: تيأس، روح الله: رزقه. ولبعضهم في هذا المعنى: [المتقارب] سيفتح باب إذا سدّ باب ... نعم وتلين الأمور الصّعاب ويتّسع الحال من بعد ما ... تضيق المذاهب فيه الرّحاب مع العسر يسران هوّن عليك ... فلا اليسر دام ولا الاكتئاب إذا احتجب الناس من سائل ... فما دون سائل ربّي حجاب آخر: [الطويل]

стр. 1405

عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كلّ يوم في خليقته أمر إذا اشتدّ عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه يسر آخر: [الوافر] فلا تجزع إذا أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزّمن الطويل ولا تيأس فإن اليأس كفر ... لعل الله يغني عن قليل وإن العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كلّ قيل ولا تظنن بربّك ظنّ سوء ... فإن الله أولى بالجميل قوله: ذرّه، كناية عن الشيء القليل: درّة: جوهرة. آفات: جوائح. وللعزائم بدوات، يريد أنّ الإنسان يعزم على فعل الشيء في وقت ثم يبدو له ألّا يفعله. النّجز: تعجيل قضاء الحاجة، وقد قدّم مثل هذا المعنى عند قوله: [الطويل] * وبع آجلا منك بالعاجل* *** وعليك بصبر أولي العزم، ورفق ذوي الحزم، وجانب خرق المشتط، وتخلّق بالخلق السّبط، وقيّد الدّرهم بالرّبط، وشب البذل بالضّبط، ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط، ومتى نبا بك بلد، أو نابك فيه كمد، فبتّ منه أملك، واسرح عنه جملك، فخير البلاد ما جمّلك، ولا تستثقلنّ الرّحلة، ولا تكرهنّ النّقلة، فإنّ أعلام شريعتنا، وأشياخ عشيرتنا، أجمعوا على أنّ الحركة بركة، والطّراوة سفتجة، وزروا على من زعم أنّ الغربة كربة، والنّقلة مثلة، وقالوا: هي تعلّة من اقتنع بالرّذيلة، ورضي بالحشف وسوء الكيلة. وإذا أزمعت على الاغتراب، وأعددت له العصا والجراب، فتخيّر الرّفيق المسعد، من قبل أن تصعد؛ فإن الجار قبل الدار، والرّفيق قبل الطريق. [مجزوء الكامل] خذها إليك وصيّة ... لم يوصها قبلي أحد غرّاء حاوية خلا ... صات المعاني والزّبد نقّحتها تنقيح من ... محض النّصيحة واجتهد فاعمل بما مثّلته ... عمل اللّبيب أخي الرّشد حتّى يقول الناس هـ ... ذا الشّبل من ذاك الأسد ***

стр. 1406

المشتطّ: المتجاوز القدر في محاولته. والخرق ضدّ الرتق. السّبط: السهل. شب: أخلط. البذل: العطاء. والضّبط: الحبس. قال أبو حاتم الداري: دخلت مع أبي مدينة السلام فرأيت رجلا واقفا على الطريق يلعب بحيّة ويقول: من يهب لي درهما حتى أبتلع هذه الحية؟ فالتفت إليّ أبي وقال: يا بني احفظ دراهمك فمن أجلها تبلع الحيات. مغلولة: محبوسة، أي لا تكن شحيحا ممسكا ولا كريما متلفا. نابك: نزل بك. كمد: حزن. بتّ: اقطع. أملك، أي رجاءك: أسرح عنه، أي أزله وسرحه بالمشي إلى غيره. الرّحلة: الارتحال. النّقلة: الانتقال. أعلام شريعتنا: مشايخ طريقتنا. الطّراوة: أن يطرأ على بلد لم يره. السّفتجة: ما أتاك بغير تكلّف ولا مشقّة، وهي عند أهل المشرق أن يأخذ الرجل الدراهم والدّنانير، فيعطيها صاحبه، ويقول: احملها لي معك لأمن طريقك، ولمنعتك إلى بلد كذا فادفعها إليّ، ثم فإن طريقي غير آمن من اللصوص. قال مالك رضي الله تعالى عنه: إن قصد بها المنفعة لم يجز لأنه سلف جرّ منفعة، فيقول: الطراوة على الناس كالسّفتجة، ترغب لك في أخذ الدراهم، وقد يكون منك تمنّع عن أخذها. زروا: عابوا. كربة: همّ، وقال: من ذمّ السفر: الغربة كربة والنّقلة مثلة، والغريب كالغرس الّذي زايل أصله وفقد شربه، فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر. إذا كنت في غير بلدك فلا تنس نصيبك من الذل. تعلّة: عذر. الرذيلة: الدون من كلّ شيء. الحشف: الرديء من التمر. الكيلة الهيئة، ومعناه أنه اجتمع عليه عيبان: تمر فاسد وكيل ناقص. أزمعت: عزمت. الاغتراب: الجولان والغربة. الجراب: الوعاء للزاد. المسعد: الموافق القليل الخلاف. تصعد: ترتفع وتخرج، الجار قبل الدار، يقول: لا تشتر دارا حتى تعلم من جيرانك، وكفى الجار أن قال ﷺ في حقه: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى خفت أن يورّثه» (١)، وقال الزاهد ابن عمران: [البسيط] لتعن بالجار قبل الدار تسكنها ... لا خير في الدار ما لم يحمد الجار الجار إن غبت عن أهل وعن وطن ... نعم الخليفة هم أهل وأنصار والجار المساعد أحسن من القرابة. ويروى أن رجلا كان جارا لأبي دلف ببغداد، فأدركته حاجة، وركبه دين فادح حتى احتاج إلى بيع داره، فساوموه فيها، فسمّى لهم ألف دينار، فقالوا له: إنّ دارك تساوي خمسمائة دينار، فقال: أبيع داري بخمسمائة وجوار أبي دلف بخمسمائة، فبلغ أبا دلف الخبر، فأمر بقضاء دينه ووصله، وقال: لا تنتقل من جوارنا، فانظر كيف صار الجوار يباع كما يباع العقار، وقال الشاعر: [الطويل]

стр. 1407

يلومونني إن بعت بالرّخص منزلي ... ولم يعلموا جارا هناك ينغّص فقلت لهم كفّوا الملام فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخص غراء: ظاهرة حسنة. حاوية: جامعة. خلاصات: جمع خلاصة، وهو الذي يتخلّص من الشيء ويصفو منه، والزّبد: جمع زبدة اللبن. نقّحتها: هذّبتها. محض: أخلص. اللبيب: العاقل. أخي الرّشد: صاحب الرّشد. الشّبل: ولد الأسد. *** ثم قال: يا بنيّ، قد أوصيت واستقصيت، فإن اقتديت فواها لك، وإن اعتديت فآها منك، والله خليفتي عليك، وأرجو ألّا تخلف ظنّي فيك. فقال له ابنه: يا أبت لا وضع عرشك، ولا رفع نعشك، فلقد قلت سددا، وعلّمت رشدا، ونحلت ما لم ينحل والد ولدا، ولئن أمهلت بعدك- لا ذقت فقدك- فلأتأدّبنّ بآدابك الصّالحة، ولأقتدينّ بآثارك الواضحة؛ حتى يقال: ما أشبه اللّيلة بالبارحة والغادية بالرّائحة! فاهتزّ أبو زيد لجوا به وابتسم، وقال: من أشبه أباه فما ظلم. قال الحارث بن همام: فأخبرت بأن بني ساسان، حين سمعوا هذي الوصايا الحسان، فضّلوها على وصايا لقمان، وحفظوها كما تحفظ أمّ القرآن؛ حتّى أنّهم ليرونها إلى الآن، أولى ما لقّنوه الصّبيان، وأنفع لهم من نحلة العقيان. *** غرّاء: ظاهرة حسنة. حاوية: جامعة. خلاصات: جمع خلاصة وهو الذي يصفو منه، والزبد: جمع زبدة اللبن. اقتديت: اتّبعت وصيتي. واها: عجبا. اعتديت: ظلمت. آها: كلمة معناها التوجّع. عرشك: سريرك، والمعنى أنه يدعو له بالبقاء. سددا: صوابا. نحلت: أعطيت. الواضحة: البينة. الغادية: السحابة تأتي بالغدو. والرّائحة بالعشيّ، قال الفراء النحويّ: من أشبه أباه فما ظلم مثل أخذه الناس من قول كعب بن زهير: [الطويل] أنا ابن الذي لم يخزني في حياته ... قديما ومن يشبه أباه فما ظلم (١) لقّنوه: علّموه. أولى: أحق. نحلة: عطية. العقيان: الذّهب.

стр. 1408

المقامة الخمسون وهي البصرية حكى الحارث بن همام قال: أشعرت في بعض الأيام همّا برّح به استعاره، ولاح عليّ شعاره، وكنت سمعت أن غشيان مجالس الذّكر، يسرو غواشي الفكر، فلم أر لإطفاء ما بي من الجمرة، إلّا قصد الجامع بالبصرة، وكان إذ ذاك مأهول المساند، مشفوه الموارد، يجتنى من رياضه أزاهير الكلام، ويسمع في أرجائه صرير الأقلام، فانطلقت إليه غير وان، ولا لاو على شان، فلمّا وطئت حصاه، واستشرفت أقصاه، تراءى لي ذو أطمار بالية، فوق صخرة عالية، وقد عصبت به عصب لا يحصى عديدهم، ولا ينادى وليدهم، فابتدرت قصده، وتورّدت ورده، ورجوت أن أجد شفائي عنده، فلم أزل أتنقّل في المراكز، وأغضي للاكز والواكز، إلى أن جلست تجاهه، بحيث أمنت اشتباهه، فإذا هو شيخنا السّروجيّ لا ريب فيه، ولا لبس يخفيه، فانسرى بمرآه همّي، وارفضّت كتيبة غمّي. *** أشعرت: ألبست. برّح: شق واشتدّ. استعاره: توقّده في القلب. لاح: ظهر، يريد أنه لبس الهمّ كالشّعار. والشّعار: ثوب يلي الجسد، والشّعار علامة القوم في الحرب، فمعناه عبس وجهه من شدة الهم. يسرو: يزيل. غواشي الفكر: ما يغشاه ويدخل عليه من الهمّ. مأهول: كثير الأهل. المساند: جمع مسند، وهو ما يسند إليه ظهره، أراد مواضع العلماء المتصدّرين للإقراء. والموارد: مواضع المياه. مشفوه: كثيرة الشفاه عليه للشّرب، وأراد ازدحام الطلبة على الأشياخ لأخذ العلم. أزاهير: أنوار. أرجائه: نواحيه. صرير: أصوات. وان: مقصّر. لاو على شان: معرّج على أمر. استشرفت أقصاه: اطّلعت بنظري عليه كله. تراءى: ظهر. أطمار: ثياب خلقة. عصبت: أحدقت وحلّقت. عصب: جماعات. لا ينادى وليدهم، هذا مثل يستعمل في الأمر المعجب المبالغ في وصفه المعجب منه، وقد يؤوّل على تأويلات، وهو يستعمل في الخير والشر. والرخاوة والشدة. ابتدرت قصده، أي عجلت المشي إلى جهته. توردت ورده، أي طلبت منفعته. والمراكز: مواضع الجلوس، ومركز الرجل: موضعه، وركزت الشيء غرسته. أغضي:

стр. 1409

أغمض على المكروه. اللاكز: الضارب في الصدر. الواكز: الضارب في ناحية الفم، والوكز واللّكز بجمع اليد. تجاهه: قبالة وجهه. اشتباهه: التباسه بغيره. يخفيه: يستره. انسرى: زال وانكشف. ارفضّت: تفرّقت. كتيبة غمي، أي عسكره. *** وحين رآني، وبصر بمكاني، قال: يا أهل البصرة، رعاكم الله ووقاكم، وقوّى تقاكم، فما أضوع ريّاكم، وأفضل مزاياكم، بلدكم أوفى البلاد طهرة، وأزكاها فطرة، وأفسحها رقعة، وأمرعها نجعة وأقومها قبلة، وأوسعها دجلة، وأكثرها نهرا ونخلة، وأحسنها تفصيلا وجملة، دهليز البلد الحرام وقبالة الباب والمقام، وأحد جناحي الدّنيا، والمصر المؤسّس على التّقوى، لم يتدنّس ببيوت النّيران، ولا طيف فيه بالأوثان، ولا سجد على أديمه لغير الرّحمن، ذو المشاهد المشهودة، والمساجد المقصودة، والمعالم المشهورة، والمقابر المزورة، والآثار المحمودة، والخطط المحدودة، به تلتقي الفلك والرّكاب، والحيتان والضّباب، والحادي والملّاح، والقانص والفلّاح، والنّاشب والرّامح، والسّارح والسّابح، وله آية المدّ الفائض، والجزر الغائض. *** وقوله: وحين رآني، يريد أنّ السّروجي علم أنّ ابن همّام يعرف مكره الناس في كل بلد، فخشي ألّا يسمح له بخداع أهل بلده، فأخذ يمدح البصرة وأهلها ليرضيه بذلك. رعاكم الله: حفظكم. وقاكم: كفاكم ما يحذر. تقاكم: خوفكم لله. أضوع ريّاكم: أفوح رائحتكم. مزاياكم: فضائلكم الّتي خصصتم بها. أوفى: أكمل. أفسحها: أوسعها. الرقعة: القطعة من الأرض. أمرعها: أخصبها. النّجعة: موضع العشب ينتجعه النّاس. دجلة: نهر البصرة. تفصيلا وجملة، يقول: إن جزئت مواضعها وتناظر كل جزء منها مع كل جزء من غيرها كان لها الفضل، فإن قيل: أي البلاد أحسن على الجملة؟ قيل البصرة. الدّهليز: أسطوان الدار ومدخله، والمقام: موضع قيام إبراهيم ﵇ عند الكعبة للدّعاء. أحد جناحي الدنيا: من قول أبي هريرة: «الدنيا على مثال الطائر، فالبصرة ومصر الجناحان فإذا خربا وقع الأمر». المؤسس على التقوى: الذي بني أساسه في الإسلام. يتدنس: يتوسّخ. الأوثان: الأصنام. أديمه: جلده، أراد به أرضه. الخطط: الدور والأزقّة. المختطة: الموسومة ليبني فيها. الفلك: السفن. الركاب: الإبل، يريد أنها بحرية برية. الضّباب: جمع ضبّ. الحادي: سائق الإبل فإذا كان الحادي حسن الصوت بلغت الإبل جهدها في المشي. الملاح: خادم السفينة. القانص: صائد الحوت. الفلاح: الحرّاث. الناشب: الرامي النشّاب. الرامح: الطّاعن بالرمح، أراد الإغزاز لأنهم

стр. 1410

رماة والعرب لأنهم أصحاب رماح. والسّارح: راعي الإبل، والسابح: العائم في الماء. آية: علامة. المدّ والجزر، أي زيادة البحر ونقصانه وهما الملء والحصر، ونهر البصرة يركض فيه البحر. *** وأمّا أنتم فممّن لا يختلف في خصائصهم اثنان، ولا ينكرها ذو شنآن؛ دهماؤكم أطوع رعيّة لسلطان، وأشكرهم لإحسان، وزاهدكم أورع الخليقة، وأحسنهم طريقة على الحقيقة، وعالمكم علامة كلّ زمان، والحجّة البالغة في كلّ أوان، ومنكم من استنبط علم النّحو ووضعه، والّذي ابتدع ميزان الشّعر واخترعه، وما من فخر إلّا ولكم فيه اليد الطولى، والقدح المعلّى، ولا صبت إلّا وأنتم أحقّ به وأولى. ثمّ إنّكم أكثر أهل مصر مؤذّنين، وأحسنهم في النّسك قوانين، وبكم اقتدي في التّعريف، وعرف التّسحير في الشّهر الشّريف، ولكم إذا قرّت المضاجع، وهجع الهاجع، تذكار يوقظ النّائم، ويؤنس القائم، وما ابتسم ثغر فجر، ولا بزغ نوره في برد ولا حرّ، إلّا ولتأذينكم بالأسحار، دويّ كدويّ الرّيح في البحار. وبهذا صدع عنكم النّقل، وأخبر النبيّ ﵇ من قبل، وبيّن أنّ دويّكم بالأسحار، كدويّ النّحل في القفار، فشرفا لكم ببشارة المصطفى وواها لمصركم وإن كان قد عفا، ولم يبق منه إلّا شفا. *** خصائصهم: ما يختصون به من الفضائل، أراد أن البصرة اجتمعت فيها الأشياء المتنافرة والمتضادة الّتي لا تجتمع ببلد، فهي أجمع بلاد الله فائدة، قال ابن أبي عيينة في نحوه: [البسيط] زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لا بدّ من زورة من غير ميعاد زره فليس له شبه يقاربه ... من منزل حاضر إن شئت أو باد ترى قراقره والعيس واقفة ... والضّبّ والنون والملّاح والحادي [البصرة] والبصرة اختطّها عتبة بن غزوان صاحب رسول الله ﷺ بأمر عمر بن الخطاب ﵁، وعتبة بدريّ مهاجريّ، بناها سنة أربع عشرة من الهجرة فمرّ بموضع منها فوجد الكذّان، وهي الحجارة الرّخوة فقال: هذه البصرة، انزلوها بسم الله، فسمّيت لذلك البصرة، واختطّت الكوفة سنة سبع عشرة من الهجرة في المحرّم، وكسرت البصرة في

стр. 1411

أيام خالد القسري فوجد طولها فرسخين في مثلهما والكوفة ثلثاها. وأمّا في أيام المنصور فقسم على من يستوجب العطاء من أهل البصرة ألف ألف درهم، فأصاب كلّ رأس درهمين. ولأهل البصرة ثلاثة أشياء ليس لأحد من أهل البلدان أن يدّعيها عليهم: النّخل والشّاء والحمام، أما النخل فهم أعلم خلق الله به وأحذقهم بإصلاحه، وفيها من أصناف النخل ما ليس في بلد من البلدان، وأما الشاء المعبدية فقد وفد على رسول الله ﷺ رجل من عبد القيس، فقال: يا رسول الله إني رجل أحبّ الشاء، فدفع له فحلا من المعز فقبض بيده على أصل أذنه، حتى استدارت أصابعه، فصار في أذنه كالسّمة فسار إلى بلده فأطرقه شاءه، فحملت إلى البحرين، فتناسلت هناك فليس في البحرين شاة كريمة إلا وفي أذنها سمة كالحلقة، فيغالى بها لتلك العلامة حتى تبلغ الشاة منها خمسين دينارا، وتعقد بالبصرة عقودها، وفيها شاة لبني فلان أمّها فلانة، وأبوها تيس بني فلان، مقدار حلبها بالغداة والعشيّ كذا. وحمامهم بلغت في الهداية أن جاءت من أقاصي بلاد الروم ومن مصر إلى البصرة وينتهي ثمن الطائر منها إلى تسعمائة دينار، وتباع بيضتها بعشرين دينارا، وكلّ ما وصف في المقامة موجود في البصرة، ولمّا صعد عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه منبرها خطب وقال في آخر خطبته: يا أهل البصرة، يا بقايا ثمود ويا جند المرأة، ويا أتباع البهيمة، دعا فاتّبعتم، وعقر فانهزمتم، أما إني أقول لا رغبة فيكم ولا رهبة منكم، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أرض يقال لها البصرة، أقوم الأرضين قبلة، قارئها أقرأ الناس، وعابدها أعبد الناس، ومتصدقها أكثر الناس صدقة، وتاجرها أعظم الناس تجارة منها إلى قرية يقال لها الأبلّة أربع فراسخ، يستشهد عند مسجدها سبعون ألفا، الشهيد منهم كالشهيد في يوم بدر». فبنى الحريري في مدح البصرة على هذا الحديث، وإنما ختم كتابه بذكر البصرة وأهلها لتقوى مفاخرهم، ومفاخر بلدهم في البلدان فيلهجون بالمقامات ويقدمونها على غيرها. قوله: شنآن، أي عداوة. دهماؤكم: جماعاتكم، والدهماء معظم الناس وأكثرهم. والدّهم: العدد الكثير. عابدكم: زاهدكم كالحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما. الخليقة، أي أخوف النّاس من الله تعالى. علّامة: كثير العلم. [أبو الأسود الدؤلي] ومستنبط علم النحو هو أبو الأسود الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان أحد بني الديل من كنانة، وهو يعدّ في التابعين والمحدّثين والشعراء والبخلاء والنّحويين، ويعدّ في العرج والمفاليج والبخر، شهد مع علي ﵁ صفّين، وولى البصرة لابن عباس ﵄، وكان من شيعة عليّ وكانت امرأته عثمانية، وكان أصهاره لا يزالوا أن يردّون عليه قوله في عليّ، فقال فيهم: [الوافر]

стр. 1412

يقول الأرذلون بنو قشير ... طوال الدّهر لا تنسى عليّا فقلت لهم وكيف يكون تركي ... من الأعمال ما يعصي عليّا أحبّ محمدا حبا شديدا ... وعباسا وحمزة والوصيّا بنو عمّ النبي وأقربوه ... أحبّ النّاس كلّهم إليّا فإن يك حبهم رشدا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيّا ولم يشكّ أبو الأسود أنه رشد، وعلى هذا تأويل قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤]. ومن بخله أنه كان يقول: لا تجاودوا الله فإن الله أجود وأمجد، ولو شاء الله أن يوسّع على خلقه حتى لا يكون فيهم محتاج لفعل. وكان يقول لولده: إذا بسط الله لك في الرزق فانبسط، وإن قبضه فانقبض. ومرّ برجل وهو يقول: من يعشّي هذا الجائع؟ فأدخله وعشّاه حتى شبع، ثم ذهب السائل ليخرج، فقال له: أين تذهب؟ فقال: لأهلي فقال: لا أدعك تؤذي المسلمين بسؤالك، اطرحوه في الأدهم، فبات عنده مكبولا حتى أصبح. وكتب إلى رجل يستسلفه فكتب إليه الرجل: المئونة كثيرة، والفائدة قليلة، والمال مكذوب، فراجعه أبو الأسود: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت صادقا فجعلك الله كاذبا. وقال الخليل: كان أبو الأسود ضنينا بما أخذه من عليّ ﵁، وذلك أنه سمع لحنا فقال لأبي الأسود: اجعل للناس حروفا، فأشار إلى الرفع والنصب والخفض. وقال له زياد: قد فسدت ألسنة الناس، لأنه سمع رجلا يقول: سقطت عصاتي، فدافعه أبو الأسود. وسمع رجلا يقرأ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٣] فخفص، فقال: ما بعد هذا شيء، فقال له: ابغني كاتبا يفهم، فجيء برجل من عبد القيس، فلم يرضه فهمه، فأتي بآخر من قريش، فقال له: إذا رأيتني قد فتحت فيّ بالحرف فانقط نقطة على أعلاه، وإذا ضممت فيّ فانقط نقطة بين يديه، وإذا كسرت فيّ، فاجعل النقطة تحت الحرف، فإذا أشربت ذلك غنّة، فاجعل النقطة نقطتين، فهذا نقط أبي الأسود. واختلف الناس إليه يتعلمون العربية، وفرّع لهم ما أصّله فأخذه جماعة كان أبرعهم عنبسة بن معدان المهري يقال له الفيل، فأقبل الناس عليه بعد موت أبي الأسود، فبرع من أصحابه ميمون الأقرن، فرأس في الناس وزاد في الشرح، فبرع من أصحابه عبد الله ابن أبي إسحاق الحضرمي، فبرع في النّحو وتكلم في الهمز، وأملى فيه كتابا، وأخذ أبو عمرو بن العلاء عمّن أخذ عنه، ثم نجم من أصحاب أبي عمرو عيسى بن عمر، ويونس

стр. 1413

ابن حبيب وأبو الخطاب الأخفش، فألّف عيسى كتابين سمى أحدهما الكامل والآخر الجامع، قال المبرد: فأخذ الخليل عن عيسى، فلم يكن قبله ولا بعده مثله، وهو القائل يمدح كتابي عيسى: [الرمل] بطل النحو الّذي جمّعتم ... غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... وهما للنّاس شمس وقمر قال أبو العباس: وقد قرأت أوراقا من أحدهما فكان كالإشارة إلى الأصول، ثم أخذ عن الخليل جماعة لم يكن فيهم مثل عمرو بن قنبر سيبويه، ويكنى أبا بشر وأبا الحسن، وهو من موالي بني الحارث بن كعب فألف كتابه الذي سماه قرآن النحو، وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل. وأبو الأسود من سكان البصرة. ومستنبط: مستخرج، والّذي استنبط العروض هو الخليل، وذكره بعض العروضيين فقال: للخليل في العروض حكمة مخترعة، وسابقة مبتدعة، تبيّن بذلك فضله، وظهر تقدمه لأنه لم يتّبع فيما وضعه أثرا موجودا، ولا اقتفى فيه رسما مرسوما، واهتدى إلى ما لم يهتد إليه المتقدمون ولا أوجد مزيدا عليه المتأخرون. ولولا الخليل لم يعلم صحيح الشعر من كسيره، ولا سقيمه من عليله، وفي حصره لجميع أوزان العرب في خمس دوائر أعظم العجب لمن تدبر ما صنع وفهم. وكان الخليل يحب أن يرى عبد الله بن المقفع، وكان ابن المقفع يحب ذلك، فجمعهما عبّاد المهلبي، فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهن ثم افترقا، فقيل للخليل: كيف رأيت عبد الله؟ فقال: ما رأيت مثله قطّ وعلمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: ما رأيت مثله قطّ وعقله أكثر من علمه، وصدقا في ذلك، أدّى عقل الخليل إلى أن مات وهو أزهد الناس، وجهل بن المقفع أرداه، فكتب كتابا لعبد الله بن عليّ على المنصور، فقال فيه ما كان مستغنيا أن يقوله، ولا يحتمل الأمراء دون الخلفاء مثله، فقال فيه: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمّه عبد الله بن عليّ، فنساؤه طوالق ودوابة حوابس، وعبيده أحرار، والمسلمون في حلّ من بيعته، فاشتد ذلك على المنصور وكتب إلى أمير البصرة أن اقتل عبد الله بن المقفع فقتله. وقال ابن المقفع إن أكرمك الناس لمال أو لسلطان فلا يعجبنّك ذلك، فإن زوال الكرامة بزوالهما، ولكن ليعجبك إن أكرموك لأدب أو دين. واتخذ عباد المهلبي أرضا فأراد غرسها، فلامه أصحابه وقالوا: هي سبخة فأشار عليه الخيل بغرسها فغرسها، فجاءت بكل شيء حسن، فحمل إليها الخيل فاستحسنها، وقال: [البسيط]

стр. 1414

ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت ... عن المعاطش واستغنت بسقياها فمال بالخوخ والرمان أسفلها ... واعتمّ بالنخل والزيتون أعلاها وصار يغبطه من كان يعذله ... ولائم لامه فيها تمنّاها أبا معاوية اشكر فضل واهبها ... وكلما جئتها فاعمر مصلّاها وله: [الكامل] عش ما بدا لك قصرك الموت ... لا مهرب منه ولا فوت بينا غنى بيت وبهجته ... زال الغنى وتقوّض البيت وتوفي الخليل سنة سبعين ومائة وهو ابن خمس وسبعين سنة وتقدمت أخباره في الأربعين فلتنظر هناك. قوله: اخترعه، أي أوجده قبل أن يكون. مصر، أي بلد. وقوانين: طرق مستقيمة. التعريف: حلق الرأس بعد يوم عرفة. قرت المضاجع: نام الناس فيها. هجع: نام. ثغر: سنّ وأراد به بياض الصبح. بزغ: صدع وظهر. النّقل: الحديث: المنقول عن النبي ﷺ . واها: عجبا. عفا: درس. شفا: طرف وشيء قليل، وشفا كلّ شيء حدّه وطرفه. *** ثمّ إنّه خزن لسانه، وخطم بيانه؛ حتّى حدج بالأبصار، وقرف بالإقصار، ووسم بالاستقصار، فتنفّس تنفّس من قيد لقود، أو ضبثت به براثن أسد، ثم قال: أمّا أنتم يا أهل البصرة، فما منكم إلّا العلم المعروف، ومن له المعرفة والمعروف. وأمّا أنا فمن عرفني. فأنا ذاك، وشرّ المعارف من آذاك، ومن لم يثبت عرفتي، فسأصدقه صفتي. أنا الّذي أنجد وأتهم، وأيمن وأشأم، وأصحر وأبحر، وأدلج وأسحر، نشأت بسروج، وربيت على السّروج. ثم ولجت المضايق، وفتحت المغالق، وشهدت المعارك وألنت العرائك، واقتدت الشّوامس، وأرغمت المعاطس، وأذبت الجوامد، وأمعت الجلامد. *** خزن: حبس. خطم: زمّ، والخطام حبل: يشد على أنف البعير. حدج: نظر إليه بحدّة. قرف: اتّهم، وقرفته بشرّ رميته به. الإقصار العجز. قود: قتل نفس بنفس.

стр. 1415

ضبثت: علقت. براثن: أظافير. العلم المشهور بالفضائل، والمعروف الثاني: العطاء. أنجد وأتهم: أتى نجدا وتهامة. أيمن وأشام: أتى اليمن والشأم. أصحر وأبحر: مشى في الصحراء والبحر. أدلج وأسحر: مشى باللّيل والسّحر. نشأت: كبرت. ولجت: دخلت. المعارك: مواضع القتال. العرائك: الطبائع الصعبة. الشوامس: الشّوارد التي تأبى الانقياد. ارغمت المعاطس: أذللت الأنوف أمعت الجلامد: أسلت المياه من الجنادل الصمّ. *** سلوا عنّي المشارق والمغارب، والمناسم والغوارب، والمحافل والجحافل، والقبائل والقنابل، واستوضحوني من نقلة الأخبار، ورواة الأسمار، وحداة الرّكبان، وحذّاق الكهّان، لتعلموا كم فجّ سلكت، وحجاب هتكت، ومهلكة اقتحمت، وملحمة ألحمت، وكم ألباب خدعت، وبدع ابتدعت، وفرص اختلست، وأسد افترست؛ وكم محلّق غادرته لقى، وكامن استخرجته بالرّقى، وحجر شحذته حتّى انصدع، واستنبطت زلالهبالخدع، ولكن فرط ما فرط، والغصن رطيب، والفود غربيب، وبرد الشّباب قشيب؛ فأمّا الآن وقد استشنّ الأديم، وتأوّد القويم، واستنار اللّيل البهيم؛ فليس إلّا الندم إن نفع، وترقيع الخرق الّذي قد اتّسع. *** المناسم: أخفاف الإبل. الغوارب: مقادم ظهورها. المحافل: الجموع الجحافل: الجيوش. القنابل: جماعة الخيل واحدها قنبلة. استوضحوني: اطلبوا بيان أمري. الأسمار: الأحاديث باللّيل يسمر عليها. الحداة، خدام الإبل. فجّ: طريق في الجبل. سلكت: دخلت. هتكت: خرقت مهلكة: موضع خوف يهلك فيه الناس. اقتحمته: تراميت فيه. ملحمة: مواضع الحرب الشديدة يلتحم فيها أهل العسكرين ويلتصق بعضهم ببعض. ألحمت، أي أوقدت النار بينهم حتى التصقوا وصاروا لحمة واحدة، وذلك أشدّ ما يكون الحرب. ألباب: عقول. بدع: جمع بدعة، وهو الشيء المبدع اختلستها: أخذتها بسرعة واختطفتها. محلّق: طائر في الهواء. لقى: مطروحا على الأرض. وكامن: مستور. شحذته: صقلته. انصدع: انشق، وأراد بالحجر بخيلا لا يرشح بشيء كالحجر، فتحيّل عليه حتى أخذ ماله. استنبطت: استخرجت. زلاله: ماءه العذب الصافي، أراد أخذت ماله. فرط ما فرط، أي سبق ما سبق. رطيب: ناعم، وغصنه: قامته. والفود: ناحية الرأس غربيب: أسود. برد: ثوب. قشيب: جديد. استشنّ الأديم:

стр. 1416

يبس الجلد، والشنّ: القربة البالية اليابسة. تأوّد القويم: اعوجّ المعتدل. استنار: أضاء وشاب. الليل البهيم: الشعر الأسود. وقال الشاعر في معنى استشنّ الأديم: [الكامل] يا من لشيخ قد تخدّد لحمة ... أفنى ثلاث عمائم الوانا سوداء حالكة وسحق مفوّف ... وأجدّ لونا بعد ذاك هجانا قصر اللّيالي خطوه فتدانى ... وحنون قائم صلبه فتحانى والموت يأتي بعد هذا كلّه ... وكأنما يعني بذاك سوانا وقال ابن الرومي في استنارة الليل: [الطويل] فجار على ليل الشباب فضامه ... نهار مشيب سرمد ليس ينفد وعزّاك عن ليل الشباب معاشر ... وقالوا نهار الشيب أهدى وأرشد وكان نهار المرء أهدى لرشده ... ولكنّ طلّ الليل أندى وأبرد وأنشد الزاهد ابن عمران قول الشاعر: [الخفيف] لم أقل للشباب في كنف الله ... ولا حفظه غداة استقلّا فزاد بعد استقلا: [الخفيف] لا ولا للمشبّب لمّا بدا لي ... مرحبا بالمشيب أهلا وسهلا مؤذن بالحمام هذا وذاكم ... سوّد الصحف بالذنوب وولّى وأحسن ما قيل في ذم خضابه قول ابن الرومي: [الطويل] رأيت خضاب المرء بعد مشيبه ... حدادا على فقد الشبيبة يلبس وإلا فما يغري الفتى بخضابه ... أيطمع أن يخفي شباب مدلّس وكيف بأن يخفى المشيب لناظر ... وكلّ ثلاث صبحه يتنفس وهبه يوارى شيبه أين ماؤه ... وأين أديم للشبيبة أملس وقال محمود الوراق: [الرجز] يا خاضب الشيبة نح فقدها ... فإنما تدرجها في كفن أما تراها منذ عاينتها ... تزيد في الرأس بنقص البدن قوله: ليس إلّا النّدم. ابن مسعود قال رسول الله ﷺ «من أذنب ذنبا أو أخطأ خطيئة فندم كان كفّارة لما صنع». وقال ﷺ : «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين ونور السموات والأرض وإن لكم من الله نظرة». كتب عبد الملك إلى الحجاج يتوعّد عليّ بن الحسين ويكتب إليه بما يقول ففعل،

стр. 1417

فقال: إن لله لوحا محفوظا يلحظه في كلّ يوم مائة لحظة، ليس منها لحظة إلا يحيي فيها ويميت، ويعزّ ويذلّ ويفعل ما يشاء، وإني لأرجو أن يكفيك الله منها بلحظة واحدة، فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك. وكتب ملك الروم إلى عبد الملك: أكلت الجمل الذي ركب عليه أبوك من المدينة لأغزينّك جنودا مائة ألف ومائة ألف، فكتب إليه عبد الملك بكلام عليّ فقال ملك الروم: ما خرج هذا إلا من كلام النّبوة. *** وكنت روّيت من الأخبار المسندة، والآثار المعتمدة، أنّ لكم من الله تعالى في كلّ يوم نظرة، وأنّ سلاح النّاس كلّهم الحديد، وسلاحكم الأدعية والتّوحيد، فقصدتكم أنضي الرّواحل، وأطوي المراحل؛ حتى قمت هذا المقام لديكم، ولا منّ لي عليكم؛ إذ ما سعيت إلّا في حاجتي، ولا تعبت إلّا لراحتي، ولست أبغي أعطيتكم، بل أستدعي أدعيتكم، ولا أسألكم أموالكم؛ بل أستنزل سؤالكم، فادعوا الله بتوفيقي للمتاب، والإعداد للمآب، فإنّه رفيع الدّرجات، مجيب الدعوات، وهو الذي يقبل التّوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ثم أنشد: [الرجز] استغفر الله من ذنوب ... أفرطت فيهنّ واعتديت كم خضت بحر الضّلال جهلا ... ورحت في الغيّ واغتديت وكم أطعت الهوى اغترارا ... واختلت واغتلت وافتريت وكم خلعت العذار ركضا ... إلى المعاصي وما ونيت وكم تناهيت في التخطّي ... إلى الخطايا وما انتهيت فليتني كنت قبل هذا ... نسيا ولم أجن ما جنيت فالموت للمجرمين خير ... من المساعي التي سعيت يا ربّ عفوا فأنت أهل ... للعفو عنّي وإن عصيت *** أنضى الرواحل: أهزل الإبل. أطوي المراحل: أقطع الأرض مجتهدا، وأردّ المرحلتين والثلاث مرحلة واحدة. منّ: إحسان. أبغي: أطلب. الأعطية والأدعية: اسم لما يعطى ولما يدعى. استنزل: أطلب بتلطّف. سؤالكم: طلبكم التوبة لي من الله تعالى. والمآب: الرجوع. يعفو: يمحو، وعفا الله عنك: درس ذنوبك ومحاها، من عفا المنزل: درس وانمحت آثاره. وقال ابن المعتز: [الخفيف]

стр. 1418

كنت في سفرة البطالة والغ ... يّ زمانا فحان مني قدوم تبت عن كلّ مأثم فعسى يم ... حى بهذا الحديث ذاك القديم وله: [البسيط] الله يعلم ما إثم هممت به ... إلّا ونغّصه خوفي من النّار وإنّ نفسي ما همّت بمعصية ... إلا وقلبي عليها عائب زاري آخر: [الطويل] تطالبني نفسي بما فيه صونها ... فأعضي ويسطو توقها فأطيعها وو الله ما يخفى عليّ ضلالها ... ولكنّها تأبى فلا أستطيعها قوله: أفرطت، أي ضيّعت. اعتديت: ظلمت نفسي، قال داود الطائي: ما أخرج الله عبدا من ذل المعصية إلى عز الطاعة إلا وأغناه بغير مال، وآنسه بغير أهل، وأعزّه بلا عشيرة. خضت: جزت الغيّ الضلال. اغترار: انخداع. اختلت: تكبرت ومشيت تخيّلا، واغتلت: أهلكت، والغيلة: القتل بالخداع، وغالهم: قتلهم غيلة. افتريت: كذبت. خلعت العذار: أزلت لجام الدّين الذي يمسكني، وتسيّبت في المعاصي. ركضا: جريا ووثبا ونيت: فترت وقصّرت في الجري إليها. تناهيت: أي بلغت النّهاية، وهي آخر الشيء: التخطي. الجواز والقطع، وتخطّيت الشيء: جزته، والخطايا: الذنوب، وهي من الخطأ لأنّ فاعلها مخطئ بفعلها. والنسيّ: الشيء المنسيّ لحقارته لا يخطر ببالك فتنساه. أجن: أكتسب. المساعي: جمع مسعاة، وهي السعي والمشي الكديد، والمساعي أيضا: المواضع التي يسعى فيها، أي يمشى بكدّ، وقال حبيب: [الطويل] أخاف إلهي ثم أرجو نواله ... ولكنّ خوفي غالب لرجائيا ولولا رجائي واتّكالي على الذي ... تكفّل لي بالصنع كهلا وناشيا لما ساغ لي عذب من الماء بارد ... ولا لذّ لي نوم ولا زلت باكيا على أنه قد كان مني جهالة ... ليالي فيها كنت لله عاصيا أخذه من قول الحسن البصريّ: ينبغي أن يكون الخوف أغلب من الرجاء فإن الرّجاء إذا غلب الخوف فسد القلب. *** قال الرّاوي: فطفقت الجماعة تمدّه بالدّعاء، وهو يقلّب وجهه في السّماء إلى أن دمعت أجفانه، وبدا رجفانه، فصاح: الله أكبر بانت أمارة الاستجابة، وانجابت غشاوة الاسترابة. فجزيتم يا أهل البصيرة، جزاء من هدى من الحيرة.

стр. 1419

فلم يبق من القوم إلّا من سرّ لسروره؛ ورضخ له بميسوره فقبل عفو برّهم، وأقبل يغرق في شكرهم. ثمّ انحدر من الصّخرة، يؤمّ شاطئ البصرة، واعتقبته إلى حيث تخالينا، وأمنّا التجسّس والتّحسّس علينا، فقلت له: لقد أغربت في هذه النّوبة، فما رأيك في التّوبة، فقال: أقسم بعلّام الخفيّات، وغفّار الخطيّات، إن شأني لعجاب، وإنّ دعاء قومك لمجاب، فقلت زدني إفصاحا، زادك الله صلاحا فقال: وأبيك لقد قمت فيهم مقام المريب الخادع، ثمّ انقلبت منهم بقلب المنيب الخاشع، فطوبى لمن صغت قلوبهم إليه وويل لمن بات يدعون عليه. ثمّ ودّعني وانطلق، وأودعني القلق. قوله: فطفقت، أي أخذت وجعلت. تمدّه بالدعاء، أي تصل دعاءها بدعائه، وتقول: أمددته بالمال، إذا قوّيته به، ومددته بالجيش. رجفانه: اهتزازه، ورجف الشيء: تحرّك، والرجفة: اهتزاز الأرض. بانت: ظهرت. انجابت: انكشفت وزالت. غشاوة الاسترابة: غطاء الشكّ. رضخ: أعطى. ميسوره: ما تيسر له. وعفو برهم: فضل إحسانهم. يهرف: يكثر الكلام ويطنب في الشكر. انحدر: انصبّ. يؤمّ: يقصد. شاطئ: ساحل. اعتقبته: تبعته تخالينا.: صرنا في خلوة من الناس. التّجسّس: طلب الشيء باليد، وقيل: التجسّس: طلب الشيء بالكلام. والتّحسس: طلبه باليد، ثم قد يقع كلّ واحد منهما موقع صاحبه. ابن الأنباريّ: تجسس الرجل وتحسّس بمعنى واحد، هذا إجماع أهل اللغة. وفرّق بينهما يحيى بن أبي كثير، فقال: التحسّس البحث عن عورات الناس والتجسّس الاستماع لحديث القوم. ابن الأنباري: الجاسوس: الباحث على أمور الناس. النّوبة: الدولة. إيضاحا: بيانا. المريب: صاحب الريبة. المنيب: الرّاجع إلى الله بتوبته. الخاشع: هو الخاضع. صغت: مالت. *** فلم أزل أعاني لأجله الفكر، وأتشوّف إلى خبرة ما ذكر وكلّما استنشيت خبره من الرّكبان، وجوّابة البلدان، كنت كمن حاور عجماء، أو نادى صخرة صمّاء، إلى أن لقيت بعد تراخي الأمد، وتراقي الكمد ركبا قافلين من سفر، فقلت: هل من مغرّبة خبر؟ فقالوا. إنّ عندنا لخبرا أغرب من العنفاء، وأعجب من نظر الزّرقاء. ***

стр. 1420

أعاني: أقاسي. أتشوف: أتطلع. خبرة: اختبار. استنشيت: استطلعت، وأصل معناه شممت. جوّابة: قطّاعة. وجوّالة أي الذين عادتهم الجولان في البلاد. حاور: كلّم. عجماء: بهيمة، والمحاورة: المراجعة في الكلام. تراخي. طول المدة. الكمد: مصاحبة الهمّ والحزن. ركبا: أصحاب الإبل. قافلين: راجعين من سفر. مغرّبة، أي هل عندكم من حديث غريب. والعنقاء، قال ابن عباس ﵁: هو طائر فضّل به بنو إسرائيل، فانتقل بعد يوشع إلى بلاد قيس عيلان بنجد والحجاز، فآذى الولدان، فشكوا ذلك إلى خالد بن سنان- وكان نبيّا بين عيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام- فدعا الله أن يقطع نسلها فبقيت صورتها تصوّر في البسط، وكان أجمل طائر وأعظمه، ووجهه على هيئة وجوه الناس. وقال أهل الرواية: عنقاء مغرب، إنما هو الأمر العجيب. والعنق: السرعة، وذكرت عجائب البلدان بمجلس الراضي، فقال قائل: أعجب ما في الدنيا طائر بأرض طبرستان على شاطئ الأنهار شبيه بالباشق، يسمّى الكلم، وهو يصيح في فصل الربيع فتجتمع إليه العصافير، وصغار الطير، فتزقّه فإذا كان آخر النهار أخذ واحدا مما قرب من الطير فيأكله، فذلك فعله إلى أن ينقضي فصل الربيع، فتجتمع إليه العصافير وصغار الطّير فتطرده وتضربه، فيفرّ منها فلا يسمع له صوت إلى الفصل الربيعي. وهو طائر حسن، موشّى العينين. وذكر الجاحظ أنه من عجائب الدنيا، وذلك أنّه لا يطأ الأرض بقدميه، بل بإحداهما خوفا على الأرض أن تنخسف من تحته، والثاني دودة تضيء بالليل كالشمع، وتصير بالنهار لها أجنحة خضر، وبالليل لا جناحين لها، غذاؤها التراب، لم تشبع قط منه خوفا أن يفنى التّراب فتموت جوعا، والثالث أعجب من الطّائر، والدودة من يكري نفسه للقتال، يعني المسترزقة من الجند، فاستحسن الخبر من حضر، فقال الرّاضي معارضا لما ذكر الجاحظ أنّ أعجب ما في الدنيا ثلاث: البوم، لا تظهر بالنهار خوفا أن تصيبها العين لحسنها وجمالها، فتظهر بالليل، الثاني الكركيّ لا يطأ الأرض بقدميه معا بل بإحداهما فإذا وطئها لم يعتمد عليها اعتمادا قويا خوفا من أن تنخسف الأرض بثقله، الثالث الطائر الذي يقعد في مشارق الماء من الأنهار الذي عرف بمالك الحزين، يشبه الكركيّ لا يشبع من الماء خشية أن يفنى فيموت عطشا، فافترق أهل المجلس والكلّ متعجبون من الرّاضي كيف تأتي منه مثل هذه المذاكرة مع من حضره من أهل السنّ والمعرفة مع صغر سنه. والحكاية بكاملها في كتاب المسعودي. [زرقاء اليمامة] وأما الزرقاء فكانت تبصر على مسيرة ثلاث ليال، وكانت من جديس بن عامر بن إرم بن سام بن نوح، وكان مع جديس طسم بن لاوذ بن إرم، وكانت مملكتهم في طسم، وكانوا يسكنون اليمامة، وهما من العرب العاربة فأقاموا برهة، وبلادهم أفضل

стр. 1421

البلاد، حدائق ملتفّة، وقصور مصطفة، فكفروا بأنعم الله فأهلكهم، وذلك لأنهم ملكهم عملوق بن طسم، وكان غشوما لا يملك نفسه في هواه، فاختصمت إليه امرأة من جديس اسمها هزيلة مع زوجها في ابن لها، فأمر بالولد فجعل في غلمانه، وأمر بالزوج أن يباع وتعطى المرأة عشر ثمنه، وبالمرأة أن تباع ويعطى الزوج خمس ثمنها، فقالت هزيلة: [الطويل] أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبدع حكما في هزيلة ظالما وهي أبيات، فبلغه قولها، فأمر ألّا تتزوّج امرأة من جديس حتى تحمل إليه قبل زوجها فيعتذرها، فلقوا منه ذلّا طويلا إلى أن تزوّجت الشموس بنت غفار أخت الأسود ابن غفار، وكان سيّد جديس فلمّا كانت ليلة إهدائها حملت إليه، والقيان معها يقلن: [الرجز] ابدأ بعملوق إليه فاركب ... وبادر الصّبح بأمر معجب فما لبكر بعدكم من مذهب فلما افتضّها، خرجت على قومها في دمائها شاقة جيبها من دبر ومن قبل وهي تقول: [الطويل] أيصلح ما يؤتى على فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرّمل فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تفرّ من الفحل فلو أننا كنّا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقيم على الذلّ فأنفت جديس عند ذلك، واجتمعت إلى أخيها الأسود، وأجمعوا على أن يصنعوا لها طعاما، فيدعو عملوقا مع قومه فإذا جاءوا في الخيل والبغال عمّوهم بالقتل، فقالت الشموس لأخيها: الغدر عار وعاقبته بوار، صبّحوا القوم في ديارهم تظفروا أو تموتوا كراما، فقالوا لها: المكر أمكن من نواصيهم، ثم صنع لهم الطعام ودفنوا سيوفهم في الرمل، فلما استكملوا في المدعاة أتوا عليهم أجمعين، وهرب من طسم رياح بن مرة، فأتى حسان بن تبّع لينصره، فاستبعدوا أرضهم، وكان قد تبّع لرياح كلبة، فضربها في رجلها حتى عرجت، فقال: أبعيدة أرض قطعتها كلبة عرجاء! فتجهز معه بجيش فلما صاروا من جديس على ثلاثة أيام، صعدت الزرقاء على منار كان لها لتنظر الجيش، وكان رياح قد قال لهم: إنّ الزرقاء تبصر على ثلاث ليال، ولكن ليقطع كل رجل منكم غصنا من شجر، فيحمله لنشبّه عليها، فلمّا رأتهم، قالت: يا قوم أتتكم الشجر أو أتتكم حمير، فلم يصدقوها فقالت: [الرمل] أقسم بالله دبّ الشّجر ... أو حمير قد أقبلت شيئا تجرّ فكذّبوها، وقالوا، كلّ بصرك وضعف، فقالت: أقسم بالله لقد أرى رجلا ينهش

стр. 1422

كتفا، أو يخصف نعلا، فتهاونوا بحديثها، حتى صبّحهم حسان فاجتاحهم فأخذت الزّرقاء، فشق عيناها فإذا فيها عروق سود من الإثمد، وكانت أول من اكتحل به، وهرب الأسود، فنزل بطيّئ، فنسله فيهم، وتسمى زرقاء اليمامة، واسم البلد جوّ، فلما صلبت على بابها، سمّيت اليمامة، وقيل اليمامة اسم البلد، واسم الزرقاء عنز، وقيل إن حسّانا لم يصلبها، ولكن حملها في السّبي، وقالت عند ما قرّب لها البعير لتركبه، ولم تكن اعتادت ركوبه: [الخفيف] شرّ يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدج جملا وقيل إن عنزا هي أخت الزرقاء، وقال الشاعر: [البسيط] ما نظرت ذات أجفان كنظرتها ... حقا كما صدع الدّين الّذي صدعا قالت أرى رجلا في كفّه كتف ... أو يخصف النّعل لهفي أية صنعا فكذّبوها فوافتها على عجل ... أقيال حمير تزجي الموت والشّرعا فاستنزلوا أهل جوّ من معاقلهم ... وهدّموا شامخ البنيان فاتّضعا *** فسألتهم إيضاح ما قالوا، وأن يكيلوا لي بما اكتالوا، فحكوا أنّهم ألمّوا بسروح، بعد أن فارقها العلوج، فرأوا أبا زيدها المعروف، قد لبس الصّوف، وأمّ الصّفوف وصار بها الزّاهد الموصوف، فقلت: أتعنون ذا المقامات. فقالوا: إنّه الآن ذو الكرامات، فحفزني إليه النّزاع، ورأيتها فرصة لا تضاع، فارتحلت رحلة المعدّ، وسرت نحوه سير المجدّ، حتى حللت بمسجده، وقرارة متعبّده، فإذا هو قد نبذ صحبة أصحابه، وانتصب في محرابه، وهو ذو عباءة مخلولة، وشملة موصولة؛ فهبته مهابة من ولج على الأسود، وألفيته ممّن سيماهم في وجوههم من أثر السّجود. ولما فرغ من سبحته، حيّاني بمسبّحته، من غير أن نغم بحديث، ولا استخبر عن قديم ولا حديث، ثمّ أقبل على أوراده، وتركني أعجب من اجتهاده، وأغبط من يهدي الله من عباده، ولم يزل في قنوت وخشوع، وسجود وركوع، وإخبات وخضوع، إلى أن أكمل إقامة الخمس، وصار اليوم أمس، فحينئذ انكفأ بي إلى بيته، وأسهمني في قرصه وزيته، ثم نهض إلى مصلّاه، وتخلّى بمناجاة مولاه؛ حتى إذا التمع الفجر، وحقّ للمجتهد الأجر، عقّب تهجّده بالتسبيح، ثم اضطجع ضجعة المستريح، وجعل يرجّع بصوت فصيح. ***

стр. 1423

قوله: يكيلوا لي ما اكتالوا، أي يعطوني ما أعطوا من العلم. ألموّا: نزلوا، العلوج: الروم، أمّ: صار إماما. حفزني: عجّلني. النزاع: الشوق. فرصة: غنيمة. المعدّ: الكامل العدّة في السفر. قرارة: الموضع الذي يقرّ فيه متعبّده: موضع عبادته، نبذ: ترك. انتصب: قام ووقف. المحراب عند العرب: سيد المجالس ومقدّمها وأشرفها، وقيل للقبلة محراب لأنه أشرف موضع في المسجد، وقيل للقصر محراب لأنه سيّد المنازل، الأصمعيّ المحرابعندهم: الغرفة. أحمد بن عبيد: المحراب: مجلس الملك، سمي بذلك لانفراد الملك به لا يقربه أحد، وسمي محراب المسجد لانفراد الإمام به ويقال فلان: حرب لفلان، إذا كان بينهما مباعدة، عباءة: كساء، مخلولة بالية مشدودة بالخلال والشّملة: الكساء يشمل به. موصولة، يريد أنها خلفه قد تقطّعت فوصلت ولج: دخل. ألفيته: وجدته. سيماهم: علامتهم حيّاني بمسبّحته، أي بسبّابته وقد تقدّم ذكرها. نغم: تكلم بكلام خفيّ؛ والأوراد: جمع ورد، وهو النصيب من القرآن يقوم به الإنسان كلّ ليلة. أغبط: أحسد وأتمنّى أن أكون مثله. وسجود وركوع: سجد الرجل إذا انحنى ومال إلى الأرض، من قول العرب: سجدت الدابة وأسجدت، إذا خفضت رأسها لتركيب، ويقال: قنت الرجل، إذا أخذ في التّعظيم والدعاء لله تعالى، والقنوت على أربعة أقسام: الطاعة كقوله تعالى: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [البقرة: ١٦٦]، والصّلاة كقوله تعالى: اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي [آل عمران: ٤٣]، وطول القيام، كقوله ﷺ وقد سئل: أيّ الصلاة أفضل؟ فقال: «طول القنوت والسكوت» (١)، كقول زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة يكلّم أحدنا الذي يليه حتى نزل وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨]، فأمسكنا عن الكلام، قال أبو عبيدة: نرى أنّ القنوت في الصّبح سمّي قنوتا لأن الإنسان قائم في الدّعاء من غير أن يقرأ القرآن، فكأنه في سكوت. إخبات، أي تذلل، انكفأ: انقلب، أسهمني، أي أعطاني سهما، أي نصيبا، تهجّده: قيامه للصلاة. [الرجز] خلّ ادّكار الأربع ... والمعهد المرتبع والظّاعن المودّع ... وعدّ عنه ودع واندب زمانا سلفا ... سوّدت فيه الصّحفا ولم تزل معتكفا ... على القبيح الشّنع كم ليلة أودعتها ... مآثما أبدعتها لشهوة أطعتها ... في مرقد ومضجع

стр. 1424

وكم خطا حثثتها ... في خزية أحدثتها وتوبة نكثتها ... لملعب ومرتع وكم تجرّأت على ... ربّ السّماوات العلا ولم تراقبه ولا ... صدقت فيما تدّعي وكم غمضت برّه ... وكم أمنت مكره وكم نبذت أمره ... نبذ الحذا المرقع ولم ركضت في اللّعب ... وفهت عمدا بالكذب ولم تراع ما يجب ... من عهده المتّبع فالبس شعار النّدم ... واسكب شآبيب الدّم قبل زوال القدم ... وقبل سوء المصرع واخضع خضوع المعترف ... ولذ ملاذ المقترف واعص هواك وانحرف ... عنه انحراف المقلع إلام تسهو وتني ... ومعظم العمر فني! فيما يضرّ المقتني ... ولست بالمرتدع أما ترى الشّيب وخط ... وخطّ في الرّأس خطط ومن يلح وخط الشّمط ... بفوده فقد نعي *** ادّكار: تذكر. الأربع: المنازل. عدّ: كفّ. دع: اترك. اندب: ابك. سلف: ذهب وتقدم. الصحف: الكتب. المعتكف: المقيم. الشنع: الذي يتحدث يقبحه. أودعتها: أي ضمنتها وجعلتها فيه. المآثم: الذّنوب. أبدعتها: اخترعتها. خطا: جمع خطوة وهي الباع، حثثتها: عجلتها، خزي: هوان. ونكثتها: نقضتها. مرتع: أكل رغد. تجرأت: تشجّعت وأقدمت. تراقبه: تحارسه وتخشى منه. غمضت: نقصت. بره: إحسانه. نبذت: تركت، الحذاء: النعل، ركضت: جريت. فهت: نطقت. تراع: تحفظ. والعهد: الميثاق، شعار: ثوب يلصق بالجسد، اسكب: صبّ. شآبيب: دفع المطر، واحدها شؤبوب، فاستعارها للدم كما استعار الدم للدمع. المصرع: موضع السّقطة وصرعت: أسقطت، لذ: الجأ. ملاذ: ملجأ. المقترف: المذنب، انحرف: مال. المقلع: الذي يقلع: عن المعاصي ويفارقها. تسهو: تخطئ. تني: تفتر. فنى: تمّ. سكّن الياء ضرورة. المقتني: المكتسب. المرتدع: المنتهي الكافّ عن شهواته. وخط: فشا وانتشر، والوخط: مخالطة بياض شيب الرأس بسواده، والوخط في غير هذا الطّعن غير النافذ، خطّ كتب. خطط:

стр. 1425

طرائق. والشّمط: اختلاط بياض الشيب بسواد الشعر. بفوده: بجانب رأسه. نعى: تحدّث بموته، وقال الألبيري: [الكامل] الشّيب نبه ذا النّهى فتنبّها ... ونهى الجهول فلا استفاق ولا انتهى بل زاد غيّا نفسه فتهافتت ... تبغي اللها وكأنّها بين اللها فإلى متى ألهو وأفرح بالمنى ... والشيخ أقبح ما يكون إذا لها ما حسنه إلا التّقى لا أن يرى ... صبّا بألحاظ الجآذر والمها أنّى يقاتل وهو مغلول الظّبا ... كأبي الجريّ إذا استقلّ تأوّها محق الزمان هلاله فكأنما ... أبقى له منه على قدر السّها فغدا حسيرا يشتهي أن يشتهى ... ولكم جرى طلق الجموح كما اشتهى إن أنّ أوّاه وأجهش بالبكا ... لذنوبه ضحك العدوّ وقهقها ليست تنهنه العظات ومثله ... في سنّه قد آن أن يتنهنها فقد اللذات وزاد غيّا بعدهم ... هلّا تيقّظ بعدهم وتنبّها يا ويحه ما باله لا ينتهي ... عن غيّه والعمر منه قد انتهى! *** [الرجز] ويحك يا نفس احرصي ... على ارتياد المخلص وطاوعي وأخلصي ... واستمعي النّصح وعي واعتبري بمن مضى ... من القرون وانقضى واخشي مفاجاة القضا ... وحاذري أن تخدعي وانتهجي سبل الهدى ... وادّكري وشك الرّدى وأنّ مثواك غدا ... في قعر لحد بلقع آها له بيت البلى ... والمنزل القفر الخلا ومورد السّفر الأولى ... واللّاحق المتبع بيت يرى من أودعه ... قد ضمّه واستودعه بعد الفضاء والسّعه ... قيد ثلاث أذرع لا فرق أن يحلّه ... داهية أو أبله أو معسر أو من له ... ملك كملك تبّع *** قوله: ارتياد، أي طلب. المخلص: المنجى، عي: احفظي، وهو أمر للمؤنث من

стр. 1426

وعى يعي، اعتبري: اتعظي. القرون: الأمم السابقة: انقضى: فرغ وتم. والقضاء هنا: الموت. ومفاجأته: إتيانه على غفلة. حاذري: خافي. انتهجي: اسلكي وامشي في نهج، وهو الطريق البين. سبل الهدى: طرق الرشاد. ادّكري: تذكّري. وشك الردى: سرعة الموت. مثواك: موضع إقامتك، لأنّ المثوى والثّواء: الإقامة، والمثوى: الموضع الذي تقيم فيه، لحد: شق في جانب القبر. بلقع: خال. آها: كلمة توجع. مورد: موضع الماء. السّفر: المسافرون، الأولى: الأولون المتقدمون، والألى: مقلوب الأول. تقول: أولى وأوّل ككبرى وكبر، وأخرى وأخر، ثم قلبوا الأول فقالوا: الأولى، وتأتي الأولى في كلامهم بمعنى الذين موصولة وهي كثيرة، يريد أن القبر مورد للأولين والآخرين، وسماهم سفرا، لأن الإنسان في الدنيا مسافر لا يقيم؛ إنما يقطع أيامه، وقال التّهامي: [الكامل] العيش نوم والمنيّة يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري (١) فاقضوا مآربكم عجالا إنما ... أعماركم سفر من الأسفار قيد: قدر. فإن قيل: كيف جعل القبر ثلاثة أذرع، والذراع شبران، والقدر قدره ما بين تسعة أشبار إلى ثمانية؟ فأخبرني الحاج ابن السقاط أن عندهم بالمشرق ذراعا يسمونه المالكي، يذرعون به ثيابهم، وغيرها فيه من ذراع اليد ذراع ونصف. وقال أبو القاسم الزجاجي: الذّراع الهاشمي ذراع وثلث، ففي ثلاثة أذرع بالهاشمي ثمانية ففي ثلاثة أذرع بالهاشمي ثمانية أشبار، وبالمالكي تسعة أشبار، فإحدى الذراعين أراد. وإنما نقل لفظ ثلاثة أذرع من قول عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «كيف بك إذا أنت مت؟ فانطلق بك قومك، فقاسوا لك ثلاثة أذرع في ذراع وشبر، ثم رجعوا بك فغسلوك وكفنوك وحنّطوك ثم حملوك حتى يضعوك فيه، ثم يهيلوا عليك التراب ويدفنوك، فإذا انصرفوا عنك أتاك فتّانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يجرّان أشعارهما، ويحثيان التراب بأنيابهما فتلتلاك وترتراك، كيف بك عند ذلك يا عمر؟ » قال عمر: يكون معي مثل عقلي هذا؟ قال: نعم، قال: «فإذن أكفيكهما». داهية: مجرب للأمور حاذق بها. أبله: عي كثير الغفلة. معسر: فقير. تبع، أراد به تبّعا الأكبر، وهو الذي ذكر الله في كتابه. [تبع الأكبر] قال صاحب التيجان، اسمه شمو رعش بن ناشر النّعم، وسمي أبوه ناشر النعم لأنه

стр. 1427

أحيا ملك حمير بعد أربعين عاما، وهي أيام ملك سليمان وسمي شمغورش تبّعا الأكبر، وإن كانت العرب لم تسمّ قبله تبّعا لأن العرب لم يقم لها أحفظ منه، وكان يتجاوز عن مسيئهم ويحسن إلى محسنهم، وكان جميع أهل الأرض شاكرين لأيامه، وكان أعقل من رأوا من الملوك وأعلاهم همة، وأبعدهم غورا، وأشدهم مكرا لمن حارب، وغزا جمع ملوك الآفاق، وقطع بجيوشه الأرض كلّها شرقا وغربا، ثم رجع إلى قصر غمدان يريدملك الأرض وذلّت له ملوكها وعمّر زمانا طويلا، وهو أوّل من أمر بصنعة الدروع السوابغ، جعل على أهل فارس ألف درع، وعلى الروم ألف درع، وعلى اليمن كذلك، وعلى ممالكه كلها مثل ذلك فكانوا يغدون عليه كل سنة بذلك العدد، ولذلك قال أبو ذؤيب: [الكامل] وعليه مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبّع (١) وقال ابن الكلبي: لم يملك الأرض كلّها إلا ثلاثة أبرار، وهم سليمان ﵇ وذو القرنين وتبّع، وهو أسعد وأبو كرب. وثلاثة كفّار، وهم النمروذ وبختنصر والضّحاك. وأبو كرب الذي ذكر هو تبع، وكان ملكا عظيما، فتح البلاد، وملك العباد، وأقبل من اليمن يريد العراق فنزل الحيرة وحفر لهم نهرا، وهو نهر الحيرة إلى سوقها، وبعث إليه حسان في جنده ليطوف الأرض، فمضى به حسان في عسكر عظيم جرار، لا يمرّ بمدينة إلا فتحها ولا ملك إلا قهره. وقيل في تسمية ملوك اليمن تبابعة أنه لكثرة ما يتبع الملك منهم من الجنود، وقيل سمّي تبّعا لأنه تبع من قبله، ولابن سكّرة في معنى بيت المقامة [الكامل] الجوع يطرد بالرغيف اليابس ... فعلام تكثر حسرتي ووساوسي والموت أنصف حين عدّل قسمة ... بين الخليفة والفقير البائس *** وبعده العرض الّذي ... يحوي الحييّ والبذي والمبتدي والمحتذي ... ومن رعى ومن رعي فيا مفاز المتّقي ... وربح عبد قد وقي سوء الحساب الموبق ... وهول يوم الفزع ويا خسار من بغى ... ومن تعدّى وطغى وشبّ نيران الوغى ... لمطعم أو مطمع

стр. 1428

يا من عليه المتّكل ... قد زاد ما بي من وجل لما اجترحت من زلل ... في عمري المضيّع فاغفر لعبد مجترم ... وارحم بكاء المنسجم فأنت أولى من رحم ... وخير مدعوّ دعي *** قوله: وبعد العرض، يريد عرض الناس للحساب. يحوي: يضمّ. الحيي: المستحيي. البذيّ: المتكلم بالفواحش. المحتذي: المتبع: الحاذي حذوه. رعى: ملك. يريد أن العرض يعمّ الناس، فيحتوي على العفيف والبذي، وعلى الأغنياء والفقراء والملوك ورعيتهم ولا يتميز فيه أحد ولا يشرف إلا بعمل صالح، قوله: فيا مفاز المتقي، المفاز: الخلاص، وقي: كفي، الموبق: المهلك. هول: خوف. بغى: ظلم. وتعدّى: جاوز الحد في جوره، طغى: جاوز الحد في تكبره. شبّ: أوقد. الوغى: الحرب. وجل. خوف. اجترحت: اكتسبت. زلل: خطأ. زفير: نفخ. والشهيق: رد النّفس مع البكاء بصوت. ردفه: خلفه. *** قال الحارث بن همّام: فلم يزل يردّدها بصوت رقيق، ويصلها بزفير وشهيق، حتى بكيت لبكاء عينيه، كما كنت من قبل أبكي عليه، ثم برز إلى مسجده، بوضوء تهجّده، فانطقت ردفه، وصلّيت مع من صلّى خلفه. ولما انفضّ من حضر، وتفرّقوا شغر بغر، أخذ يهينم بدرسه، ويسبك يومه في قالب أمسه، وفي ضمن ذلك يرنّ إرنان الرّقوب. ويبكي ولا بكاء يعقوب، حتى استبنت أنّه التحق بالأفراد، وأشرب قلبه هوى الانفراد، فأخطرت بقلبي عزمه الارتحال، وتخيلته والتّخلي بتلك الحال، فكأنّه تفرّس ما نويت أو كوشف بما أخفيت، فزفر زفير الأواه ثم قرأ: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران: ١٥٩]؛ فأسجلت عند ذلك بصدق المحدّثين، وأيقنت أنّ في الأمّة محدّثين. ثم دنوت إليه كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيّها العبد الصّالح، فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك. فودّعته وعبراتي، يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعدن من التّراقي وكانت هذه خاتمة التّلاقي. *** انفض: تفرق. شغر بغر، أي في كل طريق وعلى كل جهة، يهيم: يرد كلامه خفيا

стр. 1429

لا يفهم. يسبك يومه في قالب أمسه: استعارة، أي يفعل في اليوم ما فعل في الأمس، وفي ضمن ذلك، أي في أثنائه، يرنّ: يصوت. الرّقوب: المرأة التي لا يعيش لها ولد. ولا بكاء يعقوب: يجوز رفع بكاء ونصبه والرفع أكثر، وبكاء يعقوب على يوسف ﵉ حتى عمي، وهو قوله تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف: ٨٤]، استبنت: تحققت. الأفراد: العباد، يقال: فلان فرد فضله، أي ليس له نظير، والأفراد سبعة من العباد لا تخلو الدنيا منهم حتى إذا مات واحد خلف الله تعالى في موضعه آخر. أشرب: خولط وغلب عليه. هوى الانفراد: حب الوحدة، قال ابن الرومي: [مجزوء الوافر] إلى الزّهاد في الدّنيا ... جنان الخلد تشتاق عبيد من خطاياهم ... إلى الرحمن أبّاق حدتهم نحوه الرّغب ... ة مع الرّهبان فاستاقوا عليهم حين تلقاهم ... سكينات وإطراق يضجون إلى الله ... ودمع العين مهراق مليك الملك هل مما ... تطوّقناه إطلاق ففي أعناقنا طرّا ... من الآثام أطواق وللفقيه أبي العباس بن خليل: [الكامل] فهموا إشارات الحبيب فهاموا ... وأقام أمرهم الرّشاد فقاموا وتوسّلوا بمدامع منهلّة ... تحت الدياجي والأنام نيام وتلوا من الذكر الحكيم جوامعا ... جمعت لها الألباب والأفهام يا صاح لو أبصرت ليلهم وقد ... صغت القلوب وصفّت الأقدام لرأيت نور هداية قد حفّهم ... فسرى السّرور وأشرق الإظلام فهم العبيد الخادمون مليكهم ... نعم العبيد وأفلح الخدّام سلموا من الآفات لما استسلموا ... فعليهم حتى الممات سلام وقالوا في هوى الانفراد: الوحدة خير من القرين السوء، وأنشدوا: [السريع] أنست بالوحدة علما بها ... فإنها خير من الجمع ألا ترى الواحد أصلا لما ... يحسب من أصل ومن فرع أترك من لا أرتجي نفعه ... رجاء ربّ الضر والنفع آخر: [الوافر] أنست بوحدتي حتى لو أني ... أتاني الأنس لاستوحشت منه

стр. 1430

ولم تدع التجارب لي صديقا ... أميل إليه إلّا ملت عنه وقال آخر: [البسيط] اهرب بنفسك تستأنس بوحدتها ... تلق الرّشاد إذا ما كنت منفردا إن السّباع لتهدأ في مرابضها ... والناس ليس بهاد شرّهم أبدا قوله: تفرّس، أي علم بفراسته وجودة نظره. نويت: أضمرت في نيتي كوشف: اطلع عليه. زفر: نفخ. الأواه: الحزين الذي يصيح: آه آه. أسجلت: صدقت. المحدثين: الذين حدثوه بتوبة السروجي. محدّثين، هم المكاشفون من الزهاد الذين يحدثون بالغيوب، كأن المكاشف قد حدث بما يقول. وقيل: المحدثون الصّادقون ظنا وفراسة. وقال ﷺ : «قد كان فيمن قبلكم، محدثون، فإن يكن من أمتي هذه فهو عمر بن الخطاب» (١). وكان عمر بن الخطاب ﵁ المعيّا وهو الصادق الظنّ، ودليله ما ذكره ﷺ في عمر حديث سارية بن زنيم، وكان عمر رضي الله تعالى عنه قد أرسله في جيش للمسلمين، فألقى الله في روح عمر رضي الله تعالى عنه وهو يخطب الناس بالمدينة إن العدوّ قد نهز المسلمين واشتد الخطب عليهم، وكانوا بحضرة جبل، فقطع عمر الخطبة وقال: يا سارية الجبل، فأسمع الله تعالى سارية من مسافة شهر نداء عمر، فانحاز بالمسلمين إلى الجبل، فتخلصوا، قوله: المصافح، أي المعانق عند الوداع، نصيب عينك، أي غرضها وقدامها، وأول من قال: اجعل الموت نصب عينك أمية بن أبي الصلت في قوله: [الخفيف] كلّ عيش وإن تطاول يوما ... صائر أمره إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رءوس الجبال أرعى الوعولا فاجعل الموت نصب عينك واحذر ... غولة الموت إن للموت غولا عبراتي: دموعي. يتصعدن: يترفعن. التراقي: العظمان المعوجان أعلى الصدر. خاتمة التلاقي: آخر لقائه. [مما قيل في الوداع شعرا] ونذكر هنا جملة من الشعر في ذكر الوداع الذي كان بينهما ونجعلها كالتوديع لما سلف لهما في هذا الكتاب من رياض الآداب فإنها كانت أنس الوحيد. ومسلاة الطريد، فمن ذلك قول بعضهم: [المتقارب] وداعك مثل وداع الرّبيع ... وفقدك مثل افتقاد الدّيم

стр. 1431

عليك سلام فكم من ندى ... فقدناه منك وكم من كرم وقال آخر: أقول له يوم ودعته ... وكلّ بعبرته مبلس لئن رجعت عنك أجسامنا ... لقد سافرت معك الأنفس وقال أبو سعيد الهمذاني: أنشدني هلال بن الغلاء حين ودّعني: [الكامل] لأودعنّك ثم تدمع مقلتي ... إن الدموع هي الوداع الثاني وأصوم بعدك عن سواك فأغتدي ... متقلدا صومين في رمضان في فرقة الأحباب شغل شاغل ... والموت صدقا فرقة الإخوان (وأنشدني أبو محمد بن حزم) [الوافر] لئن أصبحت مرتحلا بشخصي ... فقلبي عندكم أبدا مقيم ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم وكرر هذا المعنى فقال: [الوافر] يقول أخي شجاك رحيل جسم ... وروحك ما لها عنه رحيل فقلت له المعاين مطمئن ... لذا طلب المعاينة الخليل وقال آخر: [السريع] بانوا فأضحى الجسم من بعدهم ... ما تبصر العين له فيّا ووا أسفي منه ومن قولهم ... ما ضرّك الفقد لنا شيا بأي وجه أتلقاهم ... إن وجدوني بعدهم حيّا وقال آخر: [مخلع البسيط] لا كان يوم الفراق يوما ... لم يبق للمقلتين نوما شتّت مني ومنك شملا ... فسر قوما وساء قوما يا قوم من لي بفقد خل ... يسومني في العذاب سوما ما لا مني الناس فيه إلا ... بكيت كيما أزاد لوما وقال صاعد اللغوي: [المنسرح] قلت له والرقيب يعجله ... مستعجلا للفراق: أين أنا فمدّ كفا إلى ترائبه ... وقال: سر آمنا فأنت هنا ***

стр. 1432

قال الشيخ الرئيس أبو محمد القاسم بن عليّ، برّد الله مضجعه: هذا آخر المقامات التي أنشأتها بالاغتراز، وأمليتها بلسان الاضطرار، وقد ألجئت أن أرصدها للاستعراض، وناديت عليها في سوق الاعتراض، هذا مع معرفتي بأنّها من سقط المتاع، وممّا يستوجب أن يباع ولا يبتاع، ولو غشيني نور التوفيق، ونظرت لنفسي نظر الشّفيق، لسترت عواري الّذي لم يزل مستورا، ولكن كان ذلك في الكتاب مسطورا، وأنا أستغفر الله تعالى ممّا أودعتها من أباطيل اللّغو، وأضاليل اللهو، وأسترشده إلى ما يعصم من السّهو، ويحظي بالعفو إنّه هو أهل التّقوى وأهل المغفرة، ووليّ الخيرات في الدّنيا والآخرة. *** قوله: أنشأتها، أي صنعتها، الاغترار: الجهل والانخداع، أمليتها: ألقيتها لمن يكتبها. واضطر اضطرارا إذا لم يجد بدا من فعله أرصدتها: أعددتها. الاستعراض: أن تعرض على الناس حتى يروها، سقط المتاع: هجينة. يبتاع: يشتري. غشيني: غطاني. أودعتها: ضمنتها. اللّغو: سقط الكلام. الأضاليل: جمع أضلولة، وهي ما يضل به من ركبه، استرشده: أستهديه، يعصم: يمنع. السهو: الخطأ، يحظي: يسعد. العفو: المغفرة. وقوله: هو أهل التقوى، عن أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «يقول ربّكم : أنا أهل التقوى فلا يشرك بي غيري، وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي أن أغفر له» (١). *** انتهى الشرح بحمد الله وتوفيقه وحسن عونه، وكان من توفيق الله تعالى أن أوّل حرف شرحت من اللغة في هذا الكتاب حمد الله، وآخر حرف ختمت به عفو الله، وما وقع بين حمد الله ، والثناء عليه، وبين عفوه عن عبيده مرجوّ من جميل صنعه الامتنان بالصفح عن جميع هذره، وملتمس من جلاله تعالى وكرمه جزيل الأجر على ما ضمنته من حكم الآداب وغيره. [في العفو عن المذنبين] واذكر فصلا أدبيا في العفو عن المذنبين، أختم به الديوان، فمن وقف عليه، ووجد في نفسه لذته، واستشعر؟ لرجاء وطمع في العفو، فرغبتنا إليه أن يسأل لنا العفو مع نفسه.

стр. 1433

فمن ذلك أنه كان للمأمون خادم لوضوئه، فبينما هو يصب الماء على يديه إذ سقط الإناء، فغضب المأمون فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ، [آل عمران: ١٣٤] قال: كظمت غيظي، قال: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران: ١٣٤]، قال عفوت عنك، قال: اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣]، قال: اذهب فأنت حرّ. وأمر عمر بن عبد العزيز ﵁ بعقوبة رجل، فقال له رجاء بن حيوة: إن الله تعالى قد فعل ما تحبّ من الظفر، فافعل ما يحبّ من العفو، فعفا عنه. العتبي: وقعت دماء بين حيّين من قريش، فأقبل أبو سفيان فما بقي أحد واضع رأسه إلا رفعه، فقال: يا معشر قريش، هل لكم في الحق أو فيما هو أفضل من الحق؟ قالوا: وهل شيء أفضل من الحق؟ قال: نعم العفو، فتبادر القوم فاصطلحوا. قال المبارك بن فضالة: كنت جالسا في السّماط عند أبي جعفر إذ أمر برجل أن يقتل فقلت: يا أمير المؤمنين، قال ﷺ : «إذا كان يوم القيامة ينادي مناد بين يدي الله : من كانت له يد عند الله فليقم، فليتقدم فلا يتقدّم إلا من عفا عن مذنب». فأمر بإطلاقه. وكان رجل شرّيب جمع قوما من ندمائه ودفع إلى غلام له أربعة دراهم أن يشتري بها من الفواكه للمجلس، فمرّ الغلام بباب مجلس منصور بن عمار وهو يسأل الفقير شيئا، ويقول: من دفع له أربعة دراهم دعوت له أربع دعوات، فدفع له الغلام الدراهم، فقال له منصور: ما الذي تريد أن أدعو لك؟ قال: أن يعتقني الله من رقّ العبودية، فدعا له منصور وأمّن الناس. قال: والثانية؟ قال: أن يخلف الله عليّ الدّراهم، فدعا له وأمّن الناس، قال: والثالثة يا غلام؟ قال: أن يتوب الله على مولاي، فدعا له وأمّن الناس. قال: والرابعة يا غلام؟ قال: أن يغفر الله لي ولمولاي ولك يا منصور وللحاضرين، فدعا منصور وأمّن الناس، فرجع الغلام، فقال له مولاه لم أبطأت؟ فقص عليه القصة، قال: وبم دعا؟ قال: سألت لنفسي العتق، قال: اذهب فأنت حرّ، قال: والثانية؟ قال: أن يخلف الله عليّ الدراهم، قال: لك أربعة آلاف درهم، قال: الثالثة؟ قال: أن يتوب الله عليك، قال تبت إلى الله ، قال والرابعة؟ قال: أن يغفر لي ولك، وللواعظ وللحاضرين، وقال: هذه الواحدة ليست إليّ، فلما بات رأى في المنام كأن قائلا يقول: أنت فعلت ما كان إليك أتراني لا أفعل ما كان إلي! قد غفرت لك وللغلام ولمنصور وللحاضرين. قال يحيى بن معاذ: يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الإخلاص، لأني أعتمد في الإخلاص على الأعمال، وفي الذنوب أعتمد على عفوك، وقال السّلامي: [الوافر] تبسطنا على الآمال إنا ... رأينا العفو من ثمر الذنوب

стр. 1434

وقال بكر بن سليمان الصواف: دخلنا على مالك بن أنس في العشيّة التي قبض فيها، فقلت: يا أبا عبد الله، كيف تجدك؟ قال: لا أدري ما أقول لكم، ستعاينون من عفو الله تعالى ما لم يكن في حسابكم. ثم ما خرجنا حتى أغمضنا عينيه. وفي الحديث: «لو لم تذنبوا لجاء الله بأمة يذنبون فيغفر لهم»، وقال أبو نواس: [مجزوء الوافر] يا نواسي توقر ... وتعزى وتصبّر ساءك الدهر بشيء ... ولما سرك أكثر يا كبير الذنب عفو الله ... من ذنبك أكبر أكبر الأشياء في أصغ ... ر عفو الله أصغر ليس للإنسان إلا ... ما قضى الله وقدّر ليس للمخلوق تدبي ... ر بل الخالق دبّر وقال أبو العتاهية: [الوافر] إلهي لا تعذّبني فإني ... مقر بالذي قد كان منّي فما لي حيلة إلا رجائي ... لعفوك إن عفوت وحسن ظني يظن الناس بي خيرا وإني ... لشرّ الناس إن لم تعف عني وكم من زلة في الخطايا ... وأنت عليّ ذو فضل ومنّ وإذا فكرت في ندمي عليها ... عضضت أناملي وقرعت سنيّ وهذا آخر شعر قاله أبو العتاهية، وآخر شعر ختمت به هذا الشرح، راجيا من ربي صفحه وعفوه، والحمد لله أولا وآخرا كما يجب لجلاله غفرانك. اللهم تباركت وتعاليت. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.