← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وقال عليّ بن الجهم: دخلت يوما على المتوكل، وهو جالس في صحن داره، وبيده غصن آس، وهو يتمثل بهذا الشعر [البسيط] بالشّطّ لي سكن أفديه من سكن ... أهدي من الآس لي غصنين في غصن فقلت إذ نظما إلفين وانتسقا ... سقيا ورعيا لفأل منكما حسن فالآس لا شكّ آس من تشوّقنا ... شاف وآس تبقى لي على الزّمن بشّرتماني بأسباب ستجمعنا ... إن شاء ربّي ومهما يقضه يكن ثم قال لي- وكدت أنشقّ حسدا: لمن هذا الشعر يا عليّ؟ فقلت: للحسين بن الضحّاك يا سيّدي، فقال: هو والله عندي أشعرهم وأحسنهم مذهبا وأظرفهم نمطا، فقلت: وقد زاد غيظي: في هذا النمط يا سيدي؟ قال: وفي غيره، وإن رغم أنفك ومتّ حسدا، وأردت إنشاده قصيدة، فقلت: إني لا أنتفع بها مع ما جرى، فأخّرتها إلى وقت آخر. قوله: تنهال، أي تنصبّ متفرقة. آل: رجع. خضراء: ناعمة لكثرة الرزق. حقيبة بجراء، أي وعاء ممتلئ، والأبجر: الذي خرجت سرّته ازدهاه: هزّه وأعجبه الرّيع: الزيادة والفضل والبذر: ما يزرع من الحبوب حلب: لبن شطره: نصفه. نحتشم: نستحي أو نغضب. الأبلمة: الدّومة تشق ورقتها فتخرج أبدا معتدلة. تكفكف: تدفع وتكفّ. دهمني: أصابني ازدلف: قرب. *** [الرجز] كيف رأيت خدعتي وختلي ... وما جرى بيني وبين سخلي حتّى انثنيت فائزا بالخصل ... أرعى رياض الخصب بعد المحل بالله يا مهجة قلبي قل لي ... هل أبصرت عيناك قطّ مثلي يفتح بالرّقية كلّ قفل ... ويستبي بالسّحر كلّ عقلي ويعجن الجدّ بماء الهزل ... إن يكن الإسكندريّ قبلي فالطّلّ قد يبدو أمام الوبل ... والفضل للوابل لا للطّلّ قال: فنبّهتني أرجوزته عليه، وأرتني أنّه شيخنا المشار إليه، فقرّعته على الابتذال، والالتحاق بالأرذال، فأعرض عمّا سمع، ولم يبلّ بما قرع، وقال: كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع. ثم قاصاني مقاصة المهان، وانطلق هو وابنه كفرسي رهان. ***

стр. 1367

ختلي: مكري. سخلي: ولدي. الخصل: الغلب في القمار، وفي مسابقة الخيل، وفي مراماة السهام. يستبي: يأخذ ويسبي، وقد تقدّم في شرح الصدر التنبيه على هذا الموضع. الطّلّ: أضعف المطر. والوبل: أشدّه قرّعته: أقلقته بكثرة اللّوم، وبأخذي له بلساني. الابتذال: امتهان نفسه في الصّنعة الهجينة. الأرذال: الأدنياء، فأراد عنّفته ولمته أشدّ اللوم على حرفة الحجامة، فإنّها صنعة أرذال الناس وسفلتهم. ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «العرب بعضها لبعض أكفاء، قبيلة لقبيلة، وحيّ لحيّ، ورجل لرجل. والموالي أكفاء إلا حائكا أو حجّاما». وقال عليّ بن الحسين: أربعة أعمال كانت في سفل بني إسرائيل، وصارت في سفل العبيد وستكون في سفل الأحرار: الحياكة، والحجامة، والدّباغة والكناسة. رفاعة بن موسى: سمعت الصادق يقول: ستّ لا ينجبون: الملّاح، والمكاري، والحمامي، والحجام، والبيطار، والحائك. وممّن شهر من الأدباء بصنعة هجينة نصر بن محمد الخابزرزيّ، كانت صنعته خبز خبز الأرزّ في دكانه بمربد البصرة، فكان ينشد أشعاره على الغزل، والنّاس يزدحمون عليه، وأحداث البصرة يتنافسون في ميله إليهم. وكان ابن لنكك على ارتفاع قدره ينتاب دكانه، فحضره يوما وعليه ثياب بيض فاخرة، فتأذّى بالدكان من الدخان وسوء أثره على ثيابه، فانصرف وكتب إليه: [الوافر] لنصر في فؤادي فرط حبّ ... ينيف به على كلّ الصّحاب أتيناه فبخّرنا بخورا ... من السّعف المدخّن بالتهاب فقمت مبادرا وحسبت نصرا ... يريد بذاك طردي أو ذهابي وقال: متى أراك أبا حسين؟ ... فقلت له إذا اتسخت ثيابي فلما قرئت عليه أملى على من قرأها، وكتب على ظاهرها: [الوافر] منحت أبا الحسين صميم ودّي ... فخاطبني بألفاظ عذاب أتى وثيابه كالشيب لونا ... فعدن له كريعان الشّباب وبغضي للمشيب أعدّ عندي ... سوادا لونه لون الخضاب فإن يكن المعطّر فيه فخرا ... فلم يكن الوصيّ أبا تراب ومن شعره: [الطويل] خليليّ هل أبصرتما أو سمعتما ... بأحسن من مولى تمشّى إلى العبد أتى زائرا من غير وعد وقال لي: ... أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد

стр. 1368

فما زال نجم الكأس بيني وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسّعد وله: [البسيط] ورد الخدود ورمّان النهود وأغ ... صان القدود تصيد السّادة الصّيدا من لي إذا ما رأيت الخصر مختصرا ... والرّدف مرتدفا والقدّ مقدودا وكان يحيى السّرقسطيّ أديبا فرجع إلى الجزّارين، فأمر الحاجب بن هود أبا الفضل ابن حميد أن يوبّخه على ذلك فكتب إليه: [الوافر] تركت الشّعر من عدم الإصابه ... وملت إلى الجزارة والقصابه فأجابه يحيى: [الوافر] تعيب عليّ مألوف القصابه ... ومن لم يدر قدر الشيء عابه ولو أحكمت منها بعض فنّ ... لما استبدلت عنها بالحجابه وإنّك لو طلعت عليّ يوما ... وحولي من بني كلب عصابه لهالك ما رأيت وقلت هذا ... هزبر صيّر الأوضام غابه فتكنا في بني العنزيّ فتكا ... أقرّ الذّعر فيهم والمهابة ولم نقلع عن الثّوريّ حتّى ... مزجنا بالدّم القاني لعابه ومن يعتزّ منهم بامتناع ... فإنّ إلى صوارمنا إيابه ويبرز واحد منّا لألف ... فيغلبهم وتلك من الغرابه وحقّك ما تركت الشّعر حتّى ... رأيت البخل قد أمضى شهابه وحتّى زرت مشتاقا حميمي ... فأبدى لي التجهّم والكآبة وظنّ زيارتي لطلاب شيء ... فأقصاني وأغلظ لي حجابه قوله: ولم يبل: أصله يبالي، حذفت ياؤه للجزم، فصار يبال، فلما كثر استعماله صار بمنزلة ما لم يحذف منه شيء فقدّروا تكرير الجازم عليه مرة أخرى فحذفت حركة اللام للجزم، فسكنت اللّام، وقبلها ألف ساكنة فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. ولأبي عليّ في هذه المسألة عبارة استوحش منها أكثر العلماء، فمن مخطّئ ومن مصوّب، وتحقيقها غائب إلا عن أهل التحقيق، وقد أوضحناها في شرحنا لكتاب الإيضاح، والإكثار من مسائل الإعراب في كتب الآداب مما يستبرد ويعاب. أعرض، أي نحى وجهه لجهة قاصاني: فارقني، وقال الفرّاء: كل شيء أبنته من شيء فقد قصّيته منه، وتقصّى الرجل من الرجل: بان عنه، وكلّ رجل باين شيئا فقد تقصّى عنه. الليث ﵀: كلّ شيء لازم خلّصته فقد تقصّى، وتقصّيت من الديون: خرجت منها. فرسي رهان: هما اللذان يجريان ويجعل معهما جعل، فمن سبق أخذه.

стр. 1369

ومما أستحسن من أبيات اللغز في هذا الباب قولهم في المشارط: [المتقارب] وخضراء لا من بنات الهديل ... يلفّف بالسّير منقارها كأنّ مشق عيون القطا ... إذا هنّ هوّمن آثارها آخر: [البسيط] وكان جدّي هراش في كتابته ... من أكتب الناس يا هارون بالألف يعني آثار التشريط تبقى كصور الألفات. وقال آخر: [مجزوء الرمل] يا بن من يكتب في الأر ... قاب من غير دواة لم يكن يكتب فيها ... غير خطّ الألفات وقال ابن كناسة يخاطب إبراهيم بن سيابة: [المنسرح] يا بن الذي عاش غير مضطهد ... يرحمه الله أيّما رجل له رقاب الملوك خاضعة ... من بين حاف منهم ومنتعل أبوك أو هى النّجاد كاهله ... كم من كميّ أدمى ومن بطل يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثأره على وجل في كفّه صارم يقلّبه ... يقدّ أعناق سادة نبل وأخذ صاحب الشرطة رجلا في ريبة، فقال: أصلحك الله: احفظ فيّ الأبوّة، وقال: [الكامل] أنا الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود فأمر بتركه، ثم أخبر أنّ أباه باقلانيّ، فقال: لو لم نتركه إلّا لأدبه وحسن تخلّصه من الكذب لكان فعلنا سدادا. وكان بالمدينة فتى أبوه مغنّ وأمّه نائحة، فأغضبه إنسان، فقال: أتغضبني وأنا ابن الطّرب والحرب! . وقال ابن عباس المصري يذكر غلاما جميلا، والحجام يأخذ من شعره في الحمام: [مخلع البسيط] مزين انبرى لظبي ... كأنه البدر في سجوفه كأنّ موساه وهو لمّا ... نضى بها الشّعر في وقوفه كيوان في كفّه حسام ... يخلّص البدر من كسوفه

стр. 1370

ولبعضهم يمدح حجاما: [البسيط] إن المزين إنسان صناعته ... تعلو الصّنائع إذ ما مثلها صنعت ألا ترى أنه لا يستراب به ... وآله الموت في صندوقه جمعت يخلو مع الملك المرهوب جانبه ... فيما إليه ضرورات الأمور دعت تعلو أنامله في حين خلوته ... مواضعا لو علتها غيرها قطعت وقال السّري في مزين محسن: [المتقارب] هل الحذق إلا لعبد الكريم ... حوى فضله حادثا عن قديم إذا لمع البرق في كفّه ... أفاض على الرأس ماء النّعيم جهول الحسام ولكنّه ... يروح ويغدو بكفي عليم له راحة سيرها راحة ... تمرّ على الرأس مرّ النسيم نعمنا بخدمته مذ نشا ... فنحن به في نعيم مقيم وله في طبيب: [السريع] أوضح نهج الطبّ في معشر ... ما زال فيهم دارس الرّسم كأنّه من لطف أفكاره ... يجول بين الدّم واللّحم إن غضبت روح على جسمها ... ألّف بين الرّوح والجسم وفي ضده لأبي نصر كشاجم: [المجتث] عيسى الطبيب ترفّق ... فأنت طوفان نوح يأبى علاجك إلا ... فراق جسمي وروحي شتان ما بين عيسى ... وبين عيسى المسيح فذاك محيي ممات ... وذا مميت الصحيح وللخوارزمي: [السريع] أبو سعيد راحل للكرام ... ومنسف ينسف عمر الأنام لم أره إلا خشيت الردى ... وقلت: يا روحي عليك السلام يبقى ويفنى الناس من شؤمه ... قوموا انظروا كيف نحاة اللئام ثم تراه آمنا سالما ... يا ملك الموت إلى كم تنام وللسّريّ: [الكامل] هل للعليل سوى ابن قرّة شاف ... بعد الإله وهل له من كاف فكأنه عيسى ابن مريم ناطقا ... يهب الحياة بأيسر الأوصاف

стр. 1371

مثلت له قارورتي فرأى بها ... ما اكتن بين جوانحي وشغافي يبدو له الدواء الحفيّ كما بدا ... للعين رضراض الغدير الصافي وكثرة الكلام وقف على أهل الحجامة، ولذلك صرف الحريريّ بين الشيخ وابنه ما تقدّم في هذه المقامة. وكان الفقيه الأعمش أكثر الناس تبرّما إن أعاد أحد عليه سؤالا انتهره، وأخطأ يوما على قوم، فقالت لهم امرأته من وراء الستر: احملوا عنه فو الله ما يمنعه من الحج منذ ثلاثين سنة إلا مخافة أن يظلم كريّه أو يشتم رفيقه، وكثر عليه الشّعر فقال له تلامذته: لو أخذت من شعرك؟ فقال: لا نجد حجاما يسكت، قالوا له: نأتيك به، ونأخذ عليه أن يسكت حتى يفرغ، قال: افعلوا. فأتي بحجام ووصّي ألا يكلمه، فبدأ بحلقه، فلما أمعن سأله في مسألة فنفض ثيابه، وقام بنصف رأسه محلوقا، حتى دخل بيته، فأخرج الحجّام، وأتي بغيره، فقال: والله لا أخرج إليه حتى توصّوه، وتحلّفوه، فحلف ألّا يسأله في شيء، وحينئذ خرج إليه. ومقامة الحجام في البديعية، منها قال عيسى بن هشام: فطلبت حجاما فجاءوا برجل نظيف، ظريف لطيف، فارتحت إليه، وسلّمت عليه، فقال لي: السلام عليك، من أيّ بلد أنت؟ فقلت: من مصر، فقال لي: حيّاك الله، من أرض النعمة والرفاهة، وبلد السنة والجماعة، ولقد حضرت في رمضان جامعها، وقد اشتعلت المصابيح، وأقيمت التراويح، فما شعرنا إلا بمدّ النيل، قد أتى على تلك القناديل، ولكن صنع الله لي بخف، كنت لبسته رطبا فلم يحصل طرازه على كمّه، وعاد الصبيّ إلى أمّه، بعد أن صلّيت العتمة، واعتدل الظلّ، ولكن كيف كان حجّك، هل قضيت مناسكه كما وجب، وصاح الصبيان: العجب العجب، فنظرت إلى المنارة، وما أهون الحرب عند النّظّارة ووجدت الهريسة على حالها، فعلمت أنّ الأمر بقضاء من الله وقدر، وإلى متى هذا الضجر، واليوم وغد، والسبت والأحد، ولم أكثر وأطيل، وما أكثر القال والقيل، وإن أردت أن تعلم المبرّد حديد الموسى في النّحو فلا تشتغل بقول العامة، فلو كانت الاستطاعة قبل الفعل لحلقت رأسك، فهل ترى يا سيدي أن ابتدئ؟ . قال عيسى: فبقيت والله متعجّبا من هذيانه، وسألت عنه فإذا هو أبو الفتح قد غلب السّواد عليه، فتركته وانصرفت فهذه غرارة حجام على الحقيقة. قال الشيخ الإمام الرئيس أبو محمد القاسم بن علي ﵁: قد أودعت هذه المقامة بضعة عشر مثلا من أمثال العرب، وها أنا أفسّر منها ما إخاله يلتبس، على من يقتبس. أما قوله: بطء فعد، فهو مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص ﵁، وكانت بعثته بالمدينة ليقتبس لها نارا، فقصد من فوره مصر، وأقام بها سنة، ثم جاءها بعد السّنة وهو يشتدّ ومعه جمر، فتبدّد منه فقال: تعست العجلة! .

стр. 1372

وأمّا ذات النّحيين فهي امرأة من تيم الله بن ثعلبة، حضرت سوق عكاظ ومعها نحيا سمن، فاستخلى بها خوّات بن جبير الأنصاري ليبتاعهما منها، ففتح أحدهما وذاقه ودفعه إليها، فأخذته بإحدى يديها، ثم فتح الآخر وذاقه ودفعه إليها، فأمسكته بيدها الأخرى ثم غشيها، وهي لا تقدر على الدّفع عن نفسها لحفظها فم النّحيين وشحّها على السمن. فلما قام عنها قالت له: لا هنأك، فضرب بها المثل فيمن شغل، وهي في هذا المثل مفعولة، لأنها شغلت. وأكثر الأفعال التي على أفعل تأتي من فعل الفاعل. وأما قوله: أنف في السّماء واست في الماء، فيضرب هذا المثل لمن يكبر مقالا، ويصغر فعالا. وأما قوله: أفرغ من حجّام ساباط، فذكر أنّه كان حجّاما ملازما ساباط المدائن يحجم الجنديّ بدانق نسيئة، وربّما مرّت عليه برهة لا يقربه فيها أحد فكان يبرز أمّه عند تمادي عطلته، فيحجمها لكيلا يقرّع بالبطالة، فما زال يحجمها حتى نزف دمها وماتت. وأما قوله: يشكو إلى غير مصمت، فهو مثل يضرب لمن لا يكترث بشأن صاحبه، ولا يعبأ باستمرار شكايته، لأنه لو أشكاه لصمت. وأمسك عن الكلام، ومنه قول الراجز يخاطب جملا له: [الرجز] إنّك لا تشكو إلى مصمّت (١) ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت ونحو هذا المثل: هان على الأملس ما لاقى الدّبر. وأمّا قوله: شغلت شعابي جدواي، فالمراد به أنه ليس يفضل عنّي ما أصرفه إلى غيري. والشّعاب: هي النّواحي، واحدها شعب. وقوله: كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع، معناه أن المجهود يقنع بما يجد، والواقع أن تصيب الحجارة القدم فتوهنها. فأما البعير الموقّع فهو الذي يكثر آثار الدبر بظهره.

стр. 1373

المقامة الثامنة والأربعون وتعرف بالحراميّة روى الحارث بن همام عن أبي زيد السّروجيّ قال: ما زلت مذ رحلت عنسي، وارتحلت عن عرسي وغرسي، أحنّ إلى عيان البصرة، حنين المظلوم إلى النّصرة، لما أجمع عليه أرباب الدّراية، وأصحاب الرّواية؛ من خصائص معالمها، وعلمائها، ومآثر مشاهدها وشهدائها، وأسأل الله أن يوطئني ثراها، لأفوز بمراها، وأن يمطيني قراها، لأفتري قراها. فلمّا أحلّنيها الحظّ، وسرح لي فيها اللّحظ، رأيت بها ما يملأ العين قرّة، ويسلي عن الأوطان كلّ غريب، فغلّست في بعض الأيام، حين نصل خضاب الظّلام، وهتف أبو المنذر بالنّوّام لأخطو في خططها، وأقضي الوطر من توسّطها، فأدّاني الاختراق في مسالكها، والانصلات في سككها، إلى محلّة موسومة بالاحترام، منسوبة إلى بني حرام، ذات مساجد مشهودة، وحياض مورودة، ومبان وثيقة، ومغان أنيقة، وخصائص أثيرة، ومزايا كثيرة. *** رحلت، أي شددت عليها الرّحل، والرّحل: سرج النّاقة، والعنس: الناقة القوية، شبّهت بالعنس وهي الصّخرة لصلابتها، قال الليث: إذا تمّ سنّ الناقة، واشتدّت قوّتها وصلبت عظامها وأعضاؤها فهي عنس. عرسي: زوجتي غرسي: أولادي. أحنّ: اشتاق. عيان: معاينة ومشاهدة. خصائص: ما يختصّ به من الفضائل. معالمها: مواضعها المشهورة. والمآثر: الفضائل والمكارم، والمأثرة: الفضيلة يخصّ بها. مشاهدها: مواضع اجتماع أهلها يوطئني ثراها: يجعلني أطؤها وأمشي عليها، وأوطأه الشيء: أمكنه من أن يطأه. الثرى: التّراب النديّ. ومرآها: منظرها. يمطيني قراها: يركبني ظهرها. اقتري: أتتبّع. أحلّنيها: أنزلنيها. الحظّ: السعد. اللّحظ: العين قرة: سرور. يسلي: يشغل. غلّست: خرجت في الغلس، وهي ظلمة آخر الليل. نصل: زال. هتف: صاح. أبو المنذر: كنية الديك، ويكنى أبا سليمان. أبو هريرة: إنّ النبيّ ﷺ قال: «لا تسبّوا الديك فإنّه يوقظ للصلاة».

стр. 1374

أبو هريرة أنّ النبيّ ﷺ قال: «إذا سمعتم الدّيكة تصيح فإنها رأت ملكا فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير، فإنها رأت شيطانا فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم» (١). قال ﷺ : «الديك الأبيض صديقي وإنه يحرس دار صاحبه وسبع دور وكأنّ مستمعه في البيت». وقال ابن المعتز ويصف ديكا: [المنسرح] بشّر بالصبح طائر هتفا ... هاج من اللّيل بعد ما انتصفا مذكّر بالصباح صاح بنا ... كخاطب فوق منبر وقفا صفق إمّا ارتياحه لسنا الف ... جر وإما على الدّجا أسفا وله: [المنسرح] وصاح فوق الجدار مشترفا ... كمثل طرف علاه أسوار ثم غدا يسأل الفرات عن ال ... أرزاق منه ثغر ومنقار رافع رأسه طورا وخافضه ... كأنّما العرف منه منشار وقال الأسعد بن بليط: [البسيط] وقام بها ينعى الدّجى ذو شقشقة ... يدير الينا بين أجفانه سقطا إذا صاح أصغى سمعه لأذانه ... وبادر ضربا من قوادمه الإبطا ومهما اطمأنت نفسه قام صارخا ... على خير ازن نيط من صفره خرطا كأن أنو شروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كفّ مارية القرطا سبى حلّة الطاوس حسن لباسه ... ولم يكفه حتى سبى مشية البطا قوله: أخطو، أي أمشي. خططها: طرقها. الوطر: الحاجة. توسّطها: المشي في وسطها. أدّاني: أوصلني. الاختراق: المشي، واخترقت البلدة، إذا قطعت أرضها بالمشي. والاختراق: المرور والسلوك. والمسالك: الطرق والانصلات: الخروج بسرعة من زقاق إلى آخر، وانصلت السيف: خرج بسرعة. سككها: أزقتها الواحدة سكّة، وسمّيت سكّة لاصطفاف الدور فيها، ويقال للطريق المستوية المصطفة من النّخل: سكّة. محلّة: منزلة. موسومة: معلمة. الاحترام: الامتناع. حياض: جمع حوض. مورودة: مقصودة للشّرب. مغان: منازل. أنيقة: معجبة حسنة. أثيرة: منتشرة لكثرتها مزايا: جمع مزيّة وهي الفضيلة يختصّ بها الشيء: [الوافر]

стр. 1375

بها ما شئت من دين ودنيا ... وجيران تنافوا في المعاني فمشغوف بآيات المثاني ... ومفتون برنّات المثاني ومضطلع بتلخيص المعاني ... ومطّلع إلى تلخيص عاني وكم من قارئ فيها وقار ... أضرّا بالجفون وبالجفان وكم من معلم للعلم فيها ... وناد للنّدى حلو المجاني ومغنى لا تزال تغن فيه ... أغاريد الغواني والأغاني فصل إن شئت فيها تصل ... وإمّا شئت فادن من الدّنان ودونك صحبة الأكياس فيها ... أو الكاسات منطلق العنان *** تنافوا: تباعدوا. مشغوف: مولع شديد الحبّ. المثاني: أمّ القرآن، وقيل السّبع الطوال من أوّل القرآن. ورنّات: أصوات. المثاني: أوتار عود الغناء. مضطلع: قويّ التلخيص: تهذيب الشيء وتخليص فوائده، وكأنه مقلوب التّخليص. وتخليص عان: افتكاك أسير. قارئ: عابد مكثر لقراءة القرآن، قار: مطعم للضيف. الجفون: العيون. الجفان: صحاف الطّعام، يريد أن هذا أضرّ بجفونه بكثرة النّظر في الورق قارئا ما فيها وهذا بجفانه لإطعام ما فيها. مغنى: منزل. تغنّ: تصوّت. أغاريد: أصوات. الغواني: جمع غانية، وهي المرأة الجميلة. الأغاني: جمع أغنية، وهي ما يتغنّى به. الدّنان: خوابي الخمر. دونك، أي الزم. الأكياس: أهل الفطنة والتدبير. منطلق العنان: مسيب مسرّح. *** قال: فبينما أنا أنفض طرقها، وأستشفّ رونقها؛ إذ لمحت عند دلوك براح، وإظلال الرّواح، مسجدا مشتهرا بطرائفه، مزدهرا بطوائفه، وقد أجرى أهله ذكر حروف البدل، وجروا في حلبة الجدل، فعجت نحوهم، لأستمطر نوءهم، لا لأقتبس نحوهم، فلم يك إلّا كقبسه العجلان، حتّى ارتفعت الأصوات بالأذان، ثم ردف التأذين بروز الإمام، فأغمدت ظبى الكلام، وحلّت الحبى للقيام، وشغلنا بالقنوت، عن استمداد القوت، وبالسّجود، عن استنزال الجود ولمّا قضي الفرض، وكاد الجمع ينفضّ، انبرى من الجماعة، كهل حلو البراعة، له مع السّمت الحسن، ذلاقة اللّسن، وفصاحة الحسن. وقال: يا جيرتي، الذين اصطفيتهم على أغصان شجرتي، وجعلت خطّتهم دار هجرتي، واتّخذتهم كرشي وعيبتي،

стр. 1376

وأعددتهم لمحضري وغيبتي، أما تعلمون أنّ لبوس الصّدق أبهى الملابس الفاخرة، وأنّ فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، وأنّ الدّين إمحاض النّصيحة، والإرشاد عنوان العقيدة الصحيحة، وأن المستشار مؤتمن، والمسترشد بالنّصح قمن. *** انفض طرقها، أي أمشي بها وحدي، يقال: جاء فلان ينفض الطّريق إذا جاء وحده وقالت الجهنيّة: [الكامل] يرد المياه حضيرة ونفيضة ... ورد القطاة إذا اسمألّ التّبّع (١) الحضيرة: الذي يحضر معه غيره، وجمعه الحضائر. والتّبّع: الظلّ واسمألّ: نقص، ويقال أيضا: نفض المكان واستنفضه، إذا نظر جميع ما فيه حتى يعرفه. استشف: استقصى النظر. رونقها: حسنها، لمحت: نظرت. دلوك براح: زوال الشمس، وبراح من أسمائها مبني على الكسر. عبد الله بن مسعود دلوكها: غروبها. أبو عبيدة: دلوك الشمس زوالها وميلها، وهو قول ابن عباس الأزهريّ هذا القول أصحّ عندي، وقيل: دلوكها، من زوالها إلى غروبها. ويدلّك هذا الوصف على أنّ البصرة من نهاية العظم والكبر على جانب عظيم، لأنه زعم أنّه خرج في الغلس، وبقي يمشي في أزقّتها إلى الظهر. ويقال إنها في آخر الدولة الأمويّة كسرت فوجد في طولها فرسخان، وفي عرضها فرسخ وخمسة أسداس فرسخ. قوله: إظلال، أي دنوّ وقرب. طرائفه: عجائبه وغرائبه. مزدهرا: مضيئا بحلق الفضلاء والعلماء. طوائفه: جماعاته، وحروف الإبدال يجمعها طال يوم أنجدته. والحلبة: جماعة الخيل في الطّلق تجرى ليختبر عتيقها من هجنها الجدل: الخصام. عجت: ملت. أستمطر نوءهم: أطلب معروفهم، والنّوء طلوع نجم من المنازل وسقوط آخر يقابله. أقتبس: آخذ، وقبسة العجلان أخذه القبس، وهو شعلة من نار يقتبسها من معظم النار. ردف: تبع وجاء بعده قال تعالى: رَدِفَ لَكُمْ [النمل: ٧٢]، أي جاء بعدكم، وأردفت الرجل جئت بعده ابن الأعرابي: ردفت الرجل وأردفته ولحقته وألحقته بمعنى واحد. القنوت: الطاعة، وهو أيضا طول القيام في

стр. 1377

الصلاة. ابن الأنباري: القنوت أربعة أقسام: الصّلاة وطول القيام وإقامة الطاعة والسكوت. استمداد: طلب أن يمدّوه بالقوت وهو الاستنزال. ينفض: يتفرق. انبرى: ظهر وقام بسرعة. كهل: تامّ الخلق. السّمت: الوقار. ذلاقة: حدّه. اللّسن: حدّة اللسان، وتقدم الحسن في الأربعين. اصطفيتهم: اخترتهم. أغصان شجرتي: بني عمّي وقرابتي وأولادي. خطّتهم: بلدتهم، والمهاجر عند العرب: المستقبل من البادية إلى الحاضرة. ودار هجرتي: موضع سكناي الذيهاجرت إليه. كرشي: أهلي عيبتي: خاصّتي الذين أنفرد بهم. وعيبة الرجل: موضع سرّه. وكرشه: عياله والعيبة: وعاء يجعل فيه المتاع، والكرش مثلها، والكرش الجماعة من النّاس، والكرش أيضا لكل مجترّ من البهائم بمنزلة المعدة من الإنسان، فساق الكرش والعيبة على جهة المثل وإنهم موضع سرّه، وقال ﷺ : «الأنصار كرشي وعيبتي» (١)، قيل: موضع سرّي، وقيل مدادي لأنّ ذات الكرش تستمد من كرشها الفضوح والفضيحة: الشّهرة. إمحاض: إخلاص. الإرشاد: الهداية. عنوان العقيدة: دليل البواطن والمعتقدات. والمستشار: الذي تستشيره في رأيك. مؤتمن: قد أمن على الأسرار والنفوس، لا يخون فيها، وقال ﷺ : «ما ندم من استشار، ولا شقي من استخار» وقال بشار: [الطويل] إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو مشورة حازم ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي رافدات القوادم وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيّد بقائم وخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن ... نئوما فإنّ الدهر ليس بنائم وحارب إذا لم تعط إلّا ظلامة ... شبا الحرب خير من قبول المظالم وهي قصيدة طويلة، قالها في إبراهيم بن عبد الله، فلمّا قتل صرفها إلى المنصور في أبي مسلم، وكان بشّار يقول: المشاور على إحدى الحسنيين: صواب يفوز بثمرته، وخطأ يشارك في مكروهه وقال الله تعالى لرسوله ﷺ : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، لما في ذلك من الائتلاف، وهو أغنى الناس عن المشورة وقال ابن المعتز: [الوافر] تجاوز عن إساءة كل دهر ... وصاحب يوم حادثة بصبر وإن نابتك نائبة فشاور ... فكم حمد المشاور غبّ أمر وقسّم همّ نفسك في نفوس ... ولا تنفردن بطول فكر

стр. 1378

إذا كظّ الفرات بماء مدّ ... أغصّ به حلاقم كلّ نهر قال عيسى بن عليّ: ما زال المنصور يشاور في أمره، حتى قال فيه ابن هرمة: [الطويل] إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره ... فناجى ضميرا غير مختلف العقل ولم يترك الأدنين في كلّ أمره ... إذا اختلفت بالأضعفين قوى الحبل وأنشد الجاحظ: [الرمل] ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا ممّا تجد (١) واستبدّت مرّة واحدة ... إنّما العاجز من لا يستبد ثم قال: ولا أعلم الموصوف بالاستبداد إلا مجهّلا مذموما، والمثل السائر على الأفواه: [الطويل] وما العجز إلا أن تشاور عاجزا ... وما العزم إلّا أن تهمّ وتفعلا وقال سعد بن ناشب: [الطويل] إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا (٢) ولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السّيف صاحبا وقال ابن رشيق في أدب قوله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]: [الطويل] أشاور أقواما لآخذ رأيهم ... فيلوون عنّي أعينا وخدودا وليس برأيي حاجة غير أنّني ... أؤنّسه كي لا يكون وحيدا ولا أنا ممن يبعث السّهم راميا ... إلى غرض حتى يكون سديدا فلا يتّهم عقلي الرّجال فإنني ... أعرّفهم أنّي خلقت ودودا وأنشد الحريري بيتي بشار في درّة الغواص على أن قول الخواص مشورة بوزن مفعلة خطأ وإنما هي مشورة بوزن معونة ومثوبة مثل مكرمة من الصّحيح، فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها فسكنت، واختلف في اشتقاقها فقيل: هو من شرت العسل أشوره إذا جنيته، فكأن المستشير يجني الرأي من المشير، وقيل من شرت الدابّة إذا أجريتها مقبلة ومدبرة لتختبرها، والاشتقاقان متقاربان. المسترشد: السّائل أن يرشد. قمن: حقيق. ***

стр. 1379

وأنّ أخاك هو الّذي عذلك، لا الّذي عذرك، وصديقك من صدّقك، لا من صدّقك، فقال له الحاضرون: أيّها الخلّ الودود، والخدن المودود، ما سرّ كلامك الملغز، وما شرح خطابك الموجز؟ وما الّذي نبغيه منّا لينجز، فو الّذي حبانا بمحبّتك، وجعلنا من صفوة أحبّتك، ما نألوك نصحا، ولا ندّخر عنك نضحا، فقال: جزيتم خيرا، ووقيتم ضيرا، فإنّكم ممّن لا يشقى بهم جليس، ولا يصدر عنهم تلبيس، ولا يخيّب فيهم مظنون، ولا يطوى دونهم مكنون، وسأبثّكم ما حاك في صدري، وأستفتيكم فيما عيل فيه صبري. *** عذلك: لامك. صدقك: قال الصدق، كأنه أراد أن الصديق إنما سمّي صديقا لصدقه لصاحبه، يريد أنّ أخاك هو الذي يلومك ويقبّح لك سوء فعلك ومن حسّن عذرك في ذلك، فليس بصديق ولا أخ، مثل ما حكى الأصمعيّ، قال: سمعت أعرابيا يقول لأخ له: اعلم أنّ الناصح لك المشفق عليك، من طالع لك ما وراء العواقب برويّته ونظره، ومثّل لك الأحوال المخوفة، وخلط لك الوعر بالسّهل من كلامه ومشورته، ليكون خوفك كفء رجائك، وشكرك إزاء النعمة عليك، وأنّ الغاشّ لهواك والحاطب عليك من مدّ لك في الاغترار، ووطّأ لك مهاد الظلم، تابعا لمرضاتك منقادا لهواك، وقال الشاعر فيمن لا يقبل النصح: [المتقارب] إذا ما هديت امرأ مخطئا ... أضل السّبيل إلى قصده فلم تلفه سامعا قابلا ... فحس له المشي في ضدّه الخلّ: الخليل. الودود: الصاحب الكثير الودّ: الخدن المودود: الصديق لمحبوب. الملغز: المبهم الخفيّ الموجز: المختصر. تبغيه: تطلبه لينجز: ليفعل في الحين. حبانا: اختصّنا صفوة: خيار. نألوك نصحا: نقصّر في نصيحتك ندخر: نرفع ونخبأ نضحا: عطية ندفعها لك، مأخوذ من النّضح وهو الشرب القليل دون الريّ. والنّضح أيضا: الرشّ بالماء. ووقيتم ضيرا: الضّر يصدر: يرجع. تلبيس: التباس وتخليط. لا يخيّب فيهم مظنون، أي ما ظن فيهم من النّصح والمعاونة موجودة فيهم غير مفقودة. مكنون: مستور يطوى: يحجب ويستتر. أبثّكم: أنشر لكم وأظهر. حاك في صدري: أثّر فيه واحتكّ به. عيل: غلب وعالني الشيء عولا: غلبني وثقل عليّ. *** اعلموا أنّي كنت عند صلود الزّند، وصدود الجدّ، أخلصت مع الله نيّة العقد، وأعطيته صفقة العهد، على ألّا أسبأ مداما، ولا أعاقر ندامى. ولا أحتسي

стр. 1380

قهوة، ولا أكتسي نشوة، فسوّلت لي النّفس المضلّة، والشّهوة المذلّة المزلّة، أن نادمت الأبطال، وعاطيت الأوطال، وأضعت الوقار، وارتضعت العقار، وامتطيت مطا الكميت، وتناسيت التّوبة تناسي الميت، ثم لم أقنع بها تيكم المرّة، في طاعة أبي مرّة، حتى عكفت على الخندريس، في يومالخميس، وبتّ صريع الصّهباء، في اللّيلة الغرّاء، وها أنا بادي الكآبة، لرفض الإنابة، نامي النّدامة، لوصل المدامة، شديد الإشفاق، من نقض الميثاق، معترف بالإسراف، في عبّ السّلاف: [الطويل] فيا قوم هل كفّارة تعرفونها ... تباعد من ذنبي وتدني إلى ربّي *** قوله: صلود الزّند، هو ألّا يسمح بالنّار صدود الجدّ: إعراض السعد، يريد الأيام التي كنت فيها فقيرا. والعقد، كانت العرب إذا عاهد الرجل صاحبه عقد أصابعه، ثم صارت المعاهدة باللسان تسمّى عقدا، وكان أحدهم يربط رسن بعيره بخباء من يستجير به أو يرسل حبله في البئر مع حبله، فيشبكه به، وكان هذا كله عندهم عقدا لا يسلّم المستجار به المستجير إلا لما يسلم ولده، وقال حبيب: [البسيط] بلى لقد سلفت في جاهليتهم ... للحق ليس كحقي حرمة عجب أن يعلق الدّلو بالدّلو الغريبة أو ... يلامس الطنب المستحصد الطّنب الصّفقة: ضربة يد المشتري على يد البائع. أسبأ: أشتري. مداما: خمرا. أكتسي نشوة: أظهر سكرة. سوّلت: زيّنت وحسّنت. المضلّة: المحيّرة. الأبطال: فرسان الخلاعة للسنّ. الأرطال: وهي أربعة، وقال في ذلك: [مجزوء الوافر] سألت أخي أبا عيسى ... وجبريل له فضل فقلت: الخمر تعجبني ... فقال كثيرها قتل فقلت له فقدّر لي ... فقال وقوله فصل وجدت طبائع الإنسا ... ن أربعة هي الأصل فأربعة لأربعة ... لكلّ طبيعة رطل يذكر هذا الرجل أنه تاب من شرب المسكر، وعاهد الله، ألّا يشرب خمرا، ثم ارتدّ ورجع لخلاعته. ومثل حالته هذه حالة أبي محمد البصريّ، كان تاب وحجّ، فلما قفل راجعا بدا له في شرب الخمر، فقال: [الوافر]

стр. 1381

ألا يا هند قد قضّيت حجّي ... فهات شرابك العطر العجيبا فقد ذهبت ذنوبي بالليالي ... فقومي الآن نقترف الذّنوبا خلطنا ماء زمزم في حشانا ... بماء المزن فامتزجا قريبا وكان أبو القاسم المغربي قد نسك زمانا، ولبس الصّوف وترهّب وحجّ، فعشق غلاما تركيّا وهام به، وتقلّد الوزارة ببغداد وغيرها، وانتهى في الجاه إلى الغاية وتملّك الأحرار، واشترى الغلام التركيّ وقال: [الوافر] تبدّل من مرقعة ونسك ... بأنواع الممسك والشّفوف وعنّ له غلام ليس يحوي ... هواه ولا رضاه بلبس صوف فعاد أشدّ ما كان انتهاكا ... كذاك الدهر مختلف الصّروف وقال أيضا: [المنسرح] يا أهل مصر قد عاد ناسككم ... بالكرخ بعد التّقى إلى الفتك خمّش قلبي مقرطق غنج ... قد بدّ قلبي به من النّسك رمى فؤادي بسهم مقلته ... وكيف يخطي مولد التّرك! وقال كشاجم: [الطويل] يقولون تب والكأس في كفّ شادن ... وصوت المثاني والمثالث عالي فقلت لهم: لو كنت أزمعت توبة ... وأبصرت هذا كلّه لبدا لي وقال الحسن: [الكامل] كيف النّزوع عن الصّبا والكأس ... قل ذا لنا يا صاحبي بقياس قالوا كبرت فقلت ما كبرت يدي ... عن أن تسير إلى فمي بالكأس والرّاح طيّبة وليس تمامها ... إلا بطيب خلائق الجلّاس وكأنّ شاربها لفرط شعاعها ... بالليل يكرع في سنا مقباس وإذا نزعت من الغواية فليكن ... لله ذاك النّزع لا للنّاس قوله: أضعت الوقار، يريد أنه ضيّع وقاره في مجلس اللهو، وقد تقدّم قوله: وأصفى السرور إذا ما الوقور ... أماط ستور الحيا واطّرح العقار: الخمر، لأنها عاقرت الدنّ، أي لازمته، أو لأنّها تعقر شاربها بثقل السّكر. امتطيت: ركبت. مطا الكميت: ظهر الخمر، وورّى بفرس، أراد أنّه اعتكف على شربها، وسمّيت كميتا لأنها حمراء إلى الكمتة، وأبو مرة كنية إبليس، وقد تقدّم، وقال الحسن: [السريع]

стр. 1382

نمت وإبليس إلى الصّبح في ... كلّ الّذي يؤثمني خصم رأيته في الجوّ مستعليا ... ثم هوى يتبعه نجم فقال لي لمّا هوى مرحبا ... بتائب يتبعه وهم هل لك في غيداء ممكورة ... يرتجّ منها كفل ضخم! فقلت: لا، قال: ففي أغيد ... ذي غنّة يخرجه اللّثم لست أبا مرّة إن لم تعد ... فإن ذا من فعلك الغشم وقال فيه وذكر أنه قاد له غلاما: [السريع] دبّ له إبليس فاقتاده ... والشيخ نفّاع على لعنته عجبت من إبليس في كبره ... وخبث ما أضمر من نيّته تاه على آدم في سجدة ... وصار قوّادا لذرّيته وقال سليمان بن الأعمى في الوليد، أخو صريع الغواني: [البسيط] يأبى السجود له من فرط نخوته ... وقد تحوّل في مسلاخ قوّاد وقال ابن رشيق يشكر إبليس: [المنسرح] رأيت إبليس من مروءته ... لكلّ ما لا يطاق محتملا إذا هويت امرأ وأعجزني ... جاء به في الظلام معتقلا تبذّلا منه في حوائجنا ... ولا يزال الكريم مبتذلا وقال أيضا يلعنه: [المتقارب] أرى الشّيخ إبليس ذا علّة ... فلا برئ الشيخ من علّته يقود على الحب مستيقظا ... ويأتيك في الليل في صورته فيؤتيك ما شاء من نفسه ... ويبلغ ما شاء من لذّته ومن كان ذا حيلة هكذا ... تمثّل للمرء في يقظته فلا تدّخروا دونه لعنة ... لأنّ رضا الله في لعنته قوله: عكفت، أي أقمت ولازمت: الخندريس: الخمر القديمة، وإنما ذكر يوم الخميس لأنه يوم تعرض فيه الأعمال على الله تعالى وإقدام العبد على الذنوب وقت العرض على الله تعالى أكبر خطرا. الصّهباء: التي عصرت من عنب أبيض. الأصمعيّ: هي التي تضرب إلى البياض، من أبيض عصرت أو من غيره. صريعها: الذي صرعته بالسّكر، يريد أنه بات سكران مطروحا وقال أبو العلاء بن زهر في سكارى: [الكامل] وموسّدين على الأكفّ خدودهم ... قد غالهم شرب الصّبوح وغالني

стр. 1383

ما زالت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني والخمر تعرف كيف تأخذ ثأرها ... إني أملت إناءها فأمالني الغرّاء: ليلة الجمعة. رفض الإنابة: طرح التّوبة والرجوع. نامي الندامة: كثير الندم. بادي الكآبة: ظاهر الانكسار والحزن وسوء الحال. المدام والمدامة: الخمر، سمّيت بذلك لأنها أديمت في ظرفها. الإشفاق: الخوف نفض الميثاق: حلّ العهد الإسراف: الإكثار. عبّ: حسو، والعبّ أن يتابع الرجل الجرعة بعد الجرعة بغير تنفّس. السّلاف: الخمر العتيقة، والسّلاف والسّلافة: ما سال منها من غير أن تعصر، وهي أفضل الخمر قال الأعشى: [الطويل] ببابل لم تعصر فجاءت سلافة ... تخالط قنديدا ومسكا مختّما (١) القنديد: الخمر تطبخ ويجعل فيها أفاويه طيب [من الخمريّات] ونذكر هنا جملة من المقاطيع الخمريّات، نجعلها خاتمة ما قيل في الخمر. عزم الواثق على الصّبوح فقال للحسين بن الضحاك: اكتب إلى الفتح بن خاقان تدعوه إلى الصّبوح، وكان قد برئ من مرض، فكتب إليه: [البسيط] لمّا اصطبحت وعين اللهو ترمقني ... قد لاح لي باكرا في ثوب لذّته (٢) ناديت «فتحا» وبشرت المدام به ... لمّا تخلّص من مكروه علّته ذبّ الفتى عن حريم الرّاح مكرمة ... إذا رآها امرؤ ضدّا لخلقته فاعجل إلينا وعجّل بالسرور لنا ... وخالس الدهر في أوقات غفلته فسار واصطبح معه. وقال الحسين بن الضحاك: دخلت على الحسن بن سهل، في فصل الخريف وقد جاد الوسميّ من المطر برشّ حسن، واليوم في أحسن منظر وأطيبه، وهو جالس على سرير أبنوس، وعليه قبّة فوقها طارفة ديباج أصفر، تشرف على بستان، وعلى رأسه غلام كالدينار، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام، ونظر إليّ كالمستنطق، فقلت: [المتقارب] ألست ترى ديمة تهطل ... وهذا صباحك مستقبل (٣) وهذا المدام وقد راعنا ... بطلعته الشّادن الأكحل

стр. 1384

فعاد بنا وبه سكرة ... تهوّن مكروه ما تسأل فإنّي رأيت له طرّة ... تخبرني أنّه يفعل وقد أشكل العيش في يومنا ... فيا حبذا عيشنا المشكل فقال: العيش مشكل، فما ترى؟ قلت: مبادرة القصف، وتقريب الإلف، قال: على شرط أن تبيت، قلت: لك الوفاء على أن يكون هذا الواقف على رأسك يسقيني، فضحك، وقال: ذلك لك على ما فيه، ثم دعا بالطّعام والشراب، ففقدت الغلام ساعة ثم جاء من الحمّام، فقلت: [السريع] جرّده الحمام عن درّة ... تلوح فيها عكن بضّه (١) كأنّما الرّشّ على خدّه ... طلّ على تفّاحة غضّه يا ليته زوّدني قبلة ... أولا فمن وجنته عضّه فقال الحسن: قد عمل فيك النبيذ، فقلت: [الرجز] اسقياني وصرّفا ... بنت حولين قرقفا (٢) واسقيا الأهيف الغري ... ر سقى الله أهيفا بأبي ما جن السري ... رة يبدي تعطّفا فإذا رمت منه ذا ... ك تأبّى وعنّفا فإذا همّ للمنا ... م فقوما وخفّفا فتغاضب الغلام فذهب، ثم عاد وقال: أقبل على شرابك، ثم ناولني قدحا، والحسن قد خرج، فشربت وأعطاني نقلا، فقلت: اجعل بدله قبلة، فأبى، فقال له فرج غلام الحسن: بحياتي يا بنيّ، أسعفه بما طلب، فضحك ثم دنا منّي كأنه يعطيني نقلا وتغافل، فاختلست منه قبلة، فقال: هي حرام، فقلت: [الرمل] هوّن الأمر عليه لي فرج ... بتأتّيه فسقيا لفرج (٣) وبنفسي نفس من قال وقد ... كان ما كان: حرام وحرج ثم اشتهر الصبح، فخرجت ثم عدت للحسن من غد، فقال: كيف كان مبيتك يا حسين؟ فقلت: [المتقارب] تألفت طيف غزال الحرم ... فواصلني بعد ما قد صرم (٤) فغضّ الجفون على خجلة ... وأعرض إعراضة المحتشم

стр. 1385

فما زلت أبسطه مازحا ... وأفرط في اللهو حتّى ابتسم وحكّمني الرّيم في نفسه ... بشيء ولكنّه مكتتم فقال: يا فاسق، أظنّ ما ادّعيته في النوم وكان في اليقظة؟ وأصلح الأشياء بنا أن نرحض العار عن أنفسنا بهبته لك، فخذه لا بارك الله لك فيه، فأخذته وانصرفت. وقد تقدّم في هذا الكتاب من كلام الحسين ما يفوق به كلّ شاعر، وهو القائل: [الطويل] أجرني فإنّي قد ظمئت إلى الوعد ... متى ينجز الوعد المؤكّد بالعهد! (١) أعيذك من خلف الملوك وقد ترى ... تقطّع أنفاسي عليك من الوجد أيبخل فرد الحسن عنّي بنائل ... قليل وقد أفردته بهوى فرد! وهذا منتهى ما أوردته للحسين من العجائب. دخل عليّ بن الجهم على عبد الله بن طاهر في غدوة الربيع، وفي السماء غيم رقيق، والمطر يجيء قليلا، ويسكن قليلا، فغاضبته جارية له، فانتقض عزمه فخبّر ابن الجهم بذلك، فأراد تنشيطه فدخل عليه فأنشده: [البسيط] أما ترى اليوم ما أحلى شمائله ... صحو وغيم وإبراق وإرعاد (٢) كأنه أنت يا من لا شبيه له ... وصل وهجر وتقريب وإبعاد فباكر الرّاح واشربها معتّقة ... لم يدّخر مثلها كسرى ولا عاد واشرب على الرّوض إذ لاحت زخارفه ... زهر ونور وأوراق وأوراد كأنما يومنا فعل الحبيب بنا ... بذل وبخل وإبعاد وميعاد وليس يذهب عني كلّ فعلكم ... غيّ ورشد وإصلاح وإفساد فاستحسنها وأمر له بثلاثمائة دينار وحمله وخلع عليه وقال علي أيضا: [البسيط] الورد يضحك والأوتار تصطخب ... والناي يندب أحيانا وينتحب (٣) والراح تعرض في يوم الربيع كما ... تجلى العروس عليها الدرّ والذهب وكلما انسكبت في الكأس آونة ... حسبت أن شعاع الشّمس ينسكب وقد مرّ من كلام ابن الجهم كلّ بديع، في نظمه رفيع، وآخر شعر قاله وهو أحسن ما قيل في معناه: [المنسرح]

стр. 1386

يا رحمة للغريب في البلد النّ ... ازح ماذا بنفسه صنعا (١) فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا يقول في نأيه وغربته: ... عدل من الله كل ما صنعا وكان هجاء لعلي بن أبي طالب، وسمعه يوما أبو العيناء يطعن على عليّ فقال له: أنا أدري لم تطعن على أمير المؤمنين، قال: أتعني قصّة بيعة أهلي، قال: لا، أنت أوضع من ذلك ولكن لأنه قتل الفاعل [فعل] قوم لوط وأنت أسفلهما. وقال البحتري فيه: [الوافر] إذا ما حصّلت عليا قريش ... فلا في العير أنت ولا النفير (٢) ولو أعطاك ربّك ما تمنّى ... لزاد الخلق في عظم الأيور علام هجوت مجتهدا عليّا ... بما لفّقت من كذب وزور أما لك في استك الوجعاء شغل ... يكف أذاك عن أهل القبور وقال ابن القناص كاتب سيف الدولة: [البسيط] قم فاسقني بين خفق النّاي والعود ... ولا تبع طيب موجود بمفقود كأسا إذا أبصرت في القوم محتشما ... قال السرور له قم غير مطرود نحن الشّهود وخفق النّاي خاطبنا ... يزوّج ابن سحاب بنت عنقود وقال المصحفي: [الرجز] صفراء تطرق في الزّجاج فإن سرت ... في الجسم دبّت مثل صلّ اللّادغ خفيت على شرّابها فكأنّهم ... يجدون ريّا في إناء فارغ إدريس بن اليماني: [الكامل] ثقلت زجاجات أتتنا فرّغا ... حتى إذا ملئت بصرف الرّاح خفّت فكادت أن تطير بما حوت ... إن الجسوم تخفّ بالأرواح ابن المعتز: [الوافر] وندمان سقين الرّاح صرفا ... وأفق اللّيل مرتفع السّجوف صفت وصفت زجاجتها فأضحت ... كمعنى دقّ في ذهن لطيف وله، وهو مما يتصل بأبيات الديك المتقدمة: [المنسرح] فاشرب عقارا كأنّها قبس ... قد سبك الدّهر تبرها فصفا

стр. 1387

ترى النّدامى الإبريق من دمها ... كأنه راعف وما رعفا ولبعضهم: [الكامل] ما زال يشربها وتشرب عقله ... خبلا وتؤذن روحة برواح حتى انثنى متوسّدا بيمينه ... سكرا وأسلم روحه للراح وقال النظام: [البسيط] ما زلت آخذ روح الزّق في لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزّقّ مطّرح، جسم بلا روح أخذه أحسن أخذ من بشّار حيث قال: [الوافر] شربنا من فؤاد الزّق حتّى ... تركنا الزّق ليس له فؤاد وقال ديك الجن: [الطويل] وقم أنت فاحثث كأسنا غير صاغر ... ولا تسق إلّا خمرها وعقارها (١) فقام تكاد الكأس تخضب كفّه ... وتحسبه من وجنتيه استعارها مورّدة من كفّ ظبي كأنّما ... تناولها من خدّه فأدارها ظللنا بأيدينا نتعتع روحها ... فتأخذ من أقدامنا الرّاح ثارها وقال حبيب: [الطويل] وكأس كمعسول الأماني شربتها ... ولكنّها أجلت وقد شربت عقلي (٢) إذا عوتبت بالماء كان اعتذارها ... لهيبا كوقع النّار بالحطب الجزل إذا اليد نالتها بوتر توقّرت ... على ضغنها ثم استقادت من الرّجل وقال الحسن: [الطويل] وصفراء قبل المزج بيضاء بعده ... كأنّ شعاع الشّمس يلقاك دونها ترعى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحمرّ حتى ما تقلّ جفونها كأن يواقيتا رواكد حولها ... وزرق سنانير تدير عيونها وللخوارزمي: [الطويل] وصفراء كالدّينار بنت ثلاثة ... شمال وأنهار ودهر محرّم مسرة محزون، ورعد معربد ... وكنز مجوسيّ وفتنة مسلم يطوف بها ظبي يريد عيوننا ... على عينه، من شرط يحيى بن أكثم

стр. 1388

وقال مسلم بن الوليد: [الكامل] إبريقنا سلب الغزالة جيدها ... وحكى المدير بمقلتيه غزالا (١) يسقيك من عينيه كأس صبابة ... ويعيدها من كفّه جريالا وقال أبو دلامة: [الطويل] سقاني أبو بشر من الرّاح شربة ... لها لذّة ما ذقتها بشراب وما طبخوها غير أنّ غلامهم ... مشى في نواحي كرمها بشهاب ولما أنشدها علي بن الخليل صاح: أحرقها العبد أحرقه الله! . كان ابن لنكك أسرع الناس سكرا، فقال في ذلك: [الوافر] فديتك لو علمت ببعض ما بي ... لما جرّعتني إلّا بمسعط فحسبك أن كرما في جواري ... أمرّ ببابه فأكاد أسقط قوله: فيا قوم هل كفارة تعرفونها، إنما غيّر بيت أعرابيّ، أنشد أبو العباس أبياته، وهي: [الطويل] فيا قوم هل كفارة تعرفونها ... تباعد من ذنبي وتدني إلى ربّي شكوت فقالت كلّ هذا تبرّما ... بحبّي أراح الله قلبك من حبّي فلما كتمت الحبّ قالت: لشدّ ما ... صبرت وما هذا بفعل شجي القلب وأدنو فتقصيني وأبعد طالبا ... رضاها فتعتدّ التّباعد من ذنبي فشكواي يؤذيها وصبري يسوؤها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربّي! وقال أبو العبر الهاشمي المتحامق: [البسيط] أبكي إذا غضبت حتى إذا رضيت ... بكيت عند الرضا خوفا من الغضب فالموت إن غضبت والموت إن رضيت ... إن لم يرحني سلوّ عشت في تعب وأبو العبر على تحامقه جيّد الشعر، ومن ذلك قوله: [الطويل] وفي ساعدي ممن تعلقت عضّة ... تذكّرني ذاك الشّنيب المفلّجا وآثار خدش في يدي مليحة ... أقام عليها القلب مني وعرّجا أما والذي أمسيت أرجو ثوابه ... لقد حلّ ما أخشاه وانقطع الرجا وله: [السريع]

стр. 1389

داء دفين وهوى بادي ... أظلم مجازيك بمرصاد يا واحد الأمة في حسنه ... أشمتّ في صدّك حسّادي عبدك تحيي موته قبلة ... يجعلها خاتمة الزّاد ولأعرابي في نحو ما أنشده أبو العباس: [الطويل] سكتّ فقالت: لم سكتّ عن الحقّ ... وفهت فقالت: ما دعاك إلى النّطق فأومأت هل من حالة بين ذا وذا ... فقالت وذا الإيماء أيضا من الحمق فلم أر لي إذ حلّت الغرب مخلصا ... من الشرّ إلا في المسير إلى الشرق فلمّا أتيت الشّرق ألفيتها به ... وقد قعدت لي منه في أضيق الطّرق *** وعلى ما تقدّم في وصف الخمر من النظم المستحسن المرغب في شربها، فإنه جاء من التحذير فيها ما يوجب تركها على أهل التخصيص والفضل. من حديث أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الثانية لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الثالثة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال» (١). ابن الأعرابي: طينة الخبال عصارة أهل النار في النار. وعن ابن عمر أنّ النبي ﷺ قال: «مدمن الخمر كعابد وثن» (٢). قال أبو زيد: فلمّا حلّ أنشوطة نفثه، وقضى الوطر من اشتكاء بثّه، ناجتني نفسي: يا أبا زيد، هذه نهزة صيد، فشمّر عن يد وأيد فانتهضت من مجثمي انتهاض الشّهم، وانخرطت من الصّفّ انخراط السّهم، وقلت: [مجزوء الخفيف] أيّها الأروع الّذي ... فاق مجدا وسؤددا والّذي يبتغي الرّشا ... د لينجو به غدا إنّ عندي علاج ما ... بتّ منه مسهّدا فاستمعها عجيبة ... غادرتني ملدّدا أنا من ساكني سرو ... ج ذوي الدّين والهدى ***

стр. 1390

قوله: أنشوطة، عقدة سهلة تسمّيها العامة اللّجّ. نفثه: لفظه. الوطر: الحاجة. بثّه: حزنه. ناجتني: حدّثتني. النّهزة: الفرصة وما أخذ بلا تعب أيد: قوّة: انتهضت: تقدّمت. مجثمي: موضع قعودي. الشّهم: الشّديد النفس. انخرطت: اندفعت بسرعة والانخراط التصميم وركوب الرأس. الأروع: السّيّد. فاق: زاد على غيره في الفضل. علاج: معاناة وطبّ مسهّدا: ممتنع النوم. ملدّدا: ملتفتا يمينا وشمالا من شدة الخوف. [مجزوء الخفيف] *** كنت ذا ثروة بها ... ومطاعا مسوّدا مربعي مألف الضّيو ... ف ومالي لهم سدى أشتري الحمد باللها ... وأقي العرض بالجدا لا أبالي بمنفس ... طاح في البذل والنّدى أوقد النّار باليفا ... ع إذا النّكس أخمدا ويراني المؤمّلو ... ن ملاذا ومقصدا لم يشم بارقي صد ... فانثنى يشتكي الصّدى لا ولا رام قابس ... قدح زندي فأصلدا طالما ساعد الزّما ... ن فأصبحت مسعدا فقضى الله إن يغيّر ... ما كان عوّدا بوّأ الرّوم أرضنا ... بعد ضغن تولّدا فاستباحوا حريم من ... صادفوه موحّدا وحووا كل ما استسرّ ... بها لي وما بدا *** ثروة: غنى. مسوّدا: مقدّما للسّيادة. مربعي: منزلي. مألف: موضع الاجتماع. سدى: مهمل. اللها: العطايا. اليفاع: ما ارتفع من الأرض. النّكس: الدنيء. أخمد: أطفأ. المؤمّلون: الرّاجون. ملاذ: ملجأ، المقصد: الموضع تقصده يشم بارقي: ينظر برقي. صد: عطش. انثنى: رجع. رام: طلب. قابس: طالب النّار. قدح زندي: استخراج ناره. أصلد: وجده صلدا أي شحيحا ساعد: وافق. بوّأ، أي أنزل. ضغن: حقد وعداوة. استباحوا: صيّروه مباحا حريم: عيال. موحّد: مسلم. حووا: ضموا، استسرّ: خفي. بدا: ظهر. تطوّحت: تراميت على جهالة وألقيت بنفسي للهلاك. طريدا: منفيّا. مشرّدا مفزّعا عند الهرب فارا. [مجزوء الخفيف]

стр. 1391

أجتدي النّاس بعد ما ... كنت من قبل مجتدى وترى بي خصاصة ... أتمنّى لها الرّدى والبلاء الّذي به ... شمل أنسي تبدّدا استباء ابنتي الّتي ... أسروها لتفتدى فاستبن محنتي وم ... دّ إلى نصرتي يدا وأجرني من الزما ... ن فقد جار واعتدى وأعنّي على فكا ... ك ابنتي من يدي العدى فبذا تنمحي المآ ... ثم عمّن تمرّدا وبه تقبل الإنا ... بة ممّن تزهّدا وهو كفّارة لمن ... زاغ من بعد ما اهتدى ولئن قمت منشدا ... فلقد فهت مرشدا فاقبل النّصح والهدا ... ية واشكر لمن هدى واسمح الآن بالّذي ... يتسنّى لتحمدا *** أجتدي: أسأل، خصاصة: فقر، الرّدى: الهلاك، شمل: مجتمع، تبدّد: تفرّق، استباء ابنتي: أخذها أسيرة. استبن: تحقّق وتبين. محنتي: بليتي. جار واعتدى: مال وظلم، وفكّ الرقبة وفكاكها: تخليصها من أسر الرّق وكذلك الرهن، وفي الحديث «اعتق النّسمة وفكّ الرّقبة» (١) قيل أوليسا واحدا؟ قال: لا، عتق النسمة: أن تنفرد في عتقها، وفكّ الرقبة: أن تعين في عتقها، ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ : «من فدى أسيرا من أيدي العدو، فأنا ذلك الأسير». تنمحي، أي تذهب، تمرّد: أكثر الفساد، الإنابة: الرجوع إلى الله تعالى، تزهّد: ترك الرّغبة في الدنيا زاغ: مال فهت: نطقت، مرشدا: دالا على الخير. اسمح: جد. يتسنّى: يتيسر، الفنجديهي: كان ابن قطريّ قاضي ناحية المزار، بلد عند البصرة قد تاب من الشرب، ثم نقض التوبة، وعاد يشرب، ثم بعد المعاودة حضر مسجد بني حرام يوما بالبصرة، وتاب ورجع إلى الله تعالى بصدق النّية، وسأل عن كفارة ذنبه، وكان في المسجد رجل يزعم أنّه من أهل سروج، وله بنت مأسورة في أيدي الكفّار، فقال لابن قطري: كفارة ذنبك أن تتصدق عليّ بشيء أفكّها به فأعطاه عشرة دنانير، فلمّا أخذها منه دخل الحانة.

стр. 1392

ثم إن الحريري أنشأ هذه المقامة الحراميّة في ذلك فقيل له: هي أحسن من مقامات البديع، فأنشأ أربعين مقامة، ثم استزادوه فكمّلها خمسين. *** قال أبو زيد: فلمّا أتممت هذرمتي، وأوهم المسئول صدق كلمتي أغراه القرم إلى الكرم بمواساتي، ورغّبه الكلف بحمل الكلف في مقاساتي، فرضخ لي على الحافرة، ونضخ لي بالعدة الوافرة. فانقلبت إلى وكري، فرحا بنجح مكري، وقد حصلت من صوغ المكيدة، على سوغ الثّريدة، ووصلت من حوك القصيدة، إلى لوك العصيدة. قوله: هذرمتي، أي كثرة كلامي، أوهم: أي خيّل له. كلمتي، أي قصيدتي، أغراه، أي حرّضه القرم: الشّهوة. مواساتي: إعطائي، الكلف: الحبّ، والكلف: جمع كلفة وهي ما يتكلّف من العمل. رضخ: أعطى، على الحافرة، أي عند ما أكملت كلامي، والحافرة: أوّل الأمر، وقيل إنّ أصلها في بيع الفرس، ولرفعة الخيل عندهم كان لا يفارق البائع حافر فرسه، حتى يأخذ ثمنه، نضخ: رفع، ونضخ الماء فورانه من منبعه، الوافرة: الكثيرة، وكري: بيتي، وأصله للطائر، صوغ المكيدة: صنعة الكيد. سوّغ: بلع بسهولة، لوك: مضغ. قال الحارث بن همام: فقلت له: سبحان من أبدعك، فما أعظم خدعك، وأخبث بدعك! فاستغرب في الضّحك، ثم أنشد غير مرتبك: [مجزوء الكامل] عش بالخداع فأنت في ... دهر بنوه كأسد بيشه وأدر قناة المكر حتّ ... ى تستدير رحا المعيشة وصد النّسور فإن تعذّ ... رصيدها فاقنع بريشه واجن الثمار فإن تفت ... ك فرضّ نفسك بالحشيشه وأرح فؤادك إن نبا ... دهر من الفكر المطيشة فتغاير الأحداث يؤ ... ذن باستحالة كلّ عيشه *** أبدعك، أي أوجدك وخلقك. استغرب: أكثر الضحك. مرتبك: مختلط في كلامه، بيشة: موضع كثير الأسد، المكر: الخديعة. نبا: ارتفع، المطيشة: المدهشة للعقل. تغاير: اختلاف، الأحداث: النوازل يؤذن: يعلم. استحالة: تغيّر.

стр. 1393

المقامة التاسعة والأربعون وهي السّاسانيّة حكى الحارث بن همام قال: بلغني أنّ أبا زيد حين ناهز القبضة، وابتزّه قيد الهرم النّهضة، أحضر ابنه، بعد ما استجاش ذهنه، وقال له: يا بني إنّه قد دنا ارتحالي من الفناء، واكتحالي بمرود الفناء، وأنت بحمد الله وليّ عهدي، وكبش الكتيبة السّاسانيّة من بعدي. ومثلك لا تقرع له العصا، ولا ينبّه بطرق الحصا؛ ولكن قد ندب إلى الإذكار، وجعل صيقلا للأفكار، وإنّي أوصيك بما لم يوص به شيث الأنباط، ولا يعقوب الأسباط؛ فاحفظ وصيّتي، وجانب معصيتي، واحذ مثالي، وافقه أمثالي، فإنّك إن استرشدت بنصحي، واستصبحت بصبحي، أمرع خانك، وارتفع دخانك، وإن تناسيت سورتي، ونبذت مشورتي، قلّ رماد أثافيك، وزهد أهلك ورهطك فيك. *** ناهز: قارب. القبضة، أراد بها ثلاثا وتسعين سنة، لأنك إذا قيل لك: اعقد في يديك ثلاثا وتسعين قبضت أصابعك كلها وشددت عليها الإبهام، والمعنى أنه قارب المائة الّتي ليس في العيش بعدها منفعة، والشعراء يضمّنونها أشعارهم إذا وصفوا البخيل بقبض الكف، قال الخليل بن أحمد: [المتقارب] وكفّ عن الخير مقبوضة ... كما قبضت مائة سبعه (١) وقال: [الوافر] فما تسعون تخفرها ثلاث ... يضمّ حسابها رجل شديد بكفّ خرقة جمعت لوجء ... بأنكد من عطائك يا يزيد وابتزّه: سلبه. الهرم: كبر السّن. النهضة: القيام إلى ما يريد. ودخل هشام بن عبد مناف وقد أسنّ على فتية من قومه فقاموا إليه إجلالا، وأجلسوه في أرفع موضع، فقال: بارك الله فيكم، إن بني مرّة كانوا إذا شاخ عندهم الرجل قيّدوه وقالوا له: ثب، أحبّوه. وقالوا: فيك بقية، وإن لم يثب قالوا: ليس في هذا منفعة فقتلوه، وقال ابن الرومي: [السريع]

стр. 1394

لو أنّ عمري مائة هدّني ... تذكّري أنّي تنصّفتها (١) لهفي على خمسين عاما مضت ... كانت أمامي ثم خلّفتها استجاش: استجمع وحشد. والفناء: ما حول الدار، والفناء بالفتح: الموت. الكتيبة: الجيش. وكبشها: رئيسها وحاميها، والّذي كانت العصا تقرع له عامر بن الظّرب العدوانيّ حكيم العرب في الجاهليّة، ولما أسنّ كان يزلّ في حكمه، وكانت له بنت حكيمة، فأمرها أن تقعد وراء ستر لتنظر حكمه، فإذا أنكرت منه شيئا قرعت له العصا، فمتى سمع صوت قرعها علم أنه زلّ، فرجع. وقيل قرعت لأكثم بن صيفيّ، وقيل لسعد ابن مالك الكنانيّ، وقيل لعمرو بن حممة الدّوسي. وخطب صعصعة بن معاوية إلى عامر بن الظّرب بنته عمرة، وهي أم عامر بن صعصعة، فقال: يا صعصعة إنك تشتري منّي كبدي، فارحم ولدي؛ قبلتك أو رددتك. والحسيب: الرجل الصالح أبا بعد أب، وقد أنكحتك خشية ألّا أجد مثلك، أفرّ من السرّ إلى العلانية، يا معشر عدوان أخرجت من بين أظهركم كريمتكم من غير رهبة، أقسم لولا قسمة الحظوظ على الجدود ما ترك الأوّل للآخر ما يعيش به، وفيه يقول المتلمس: [الطويل] لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما (٢) وهو أوّل من جلس على المنبر وتكلّم، وفيه يقول الأسود بن يعفر: [الكامل] ولقد علمت لو أنّ علمي نافع ... أنّ السبيل سبيل ذي الأعواد (٣) قال الأصمعيّ: نزلت عدوان ماء، فأحصى عليه سبعون ألف غلام أغرل، سوى من كان مختونا لكثرتهم، ثم وقع بأسهم بينهم، فتفانوا، فقال ذو الإصبع العدوانيّ: [مجزوء الوافر] عذير الحيّ من عدوا ... ن كانوا حيّة الأرض (٤)

стр. 1395

بغى بعض على بعض ... فلم يبقوا على بعض ومنهم من يجيز النا ... س بالسّنّة والفرض ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي الحكم: عامر بن الظرب، والذي كان يجيز النّاس في الحجّ منهم رجل كان يسمى أبا سيارة، أجاز الناس على حمار له أسود، من المزدلفة إلى منى أربعين عاما. فقيل في المثل: أصحّ من عير أبي سيارة، وكانت إجازته أن يقول: اللهمّ حبّب بين نسائنا وبغّض بين رعائنا، واجعل المال في سمحائنا. وأوفوا بعهدكم، وأكرموا جاركم واقروا ضيفكم ثم يدفع فيقول: [الرجز] خلّوا الطريق عن أبي سيّاره ... وعن مواليه بني فزاره * حتى يجيز سالما حماره (١) * ثم يقف فيقول: أشرق ثبير. كيما نغير، وكانت الإجازة قبلهم في خزاعة، فغلبتهم عليها عدوان. ولا تقرع له العصا مثل، يضرب لمن وافق صاحبه وساواه. ولما خطب رسول الله ﷺ خديجة ﵂ قال عمّها: مثل محمد لا تقرع له العصا (٢)، وأصل ذلك أن الناقة الكريمة إذا أتاها فحل غير كريم منعوه عنها، وقرعوه بالعصا على أنفه. وفي المثل: إن العصا قرعت لذي الحلم. قوله: ولا ينبّه بطرق الحصا، كانت العرب إذا أرادت اختبار الرجل: هل يصلح للسفر والغارة: ترك الرجل صاحبه حتى ينام، فيأخذ حصاة فيرمي بها إلى جانبه، فإن انتبه توثق به. وخرج أبو كبير الهذلي ومعه تأبط شرا للغارة، فلما جنّ الليل أووا إلى موضع ليناموا فيه، فتركه أبو كبير حتى نام، فرمى إلى جانبه بحصاة، فساعة مسّت الأرض وثب ثم عاد إلى نومه، ففعلها ثلاثا فكان ينتبه لوقوعها ويثب ويجول يطلب لها راميا، فلا يجد إلا أبا كبير نائما، فقال له عند الثالثة: والله لئن عدت لأقتلنّك، فإنه ليس هنا من يفعل هذا غيرك، فضحك أبو كبير وقال: أردت اختبارك، ثم ذكر القصة في قصيدته التي يقول فيها: [الكامل]

стр. 1396

وإذا رميت له الحصاة رأيته ... ينزو لوقعتها طمور الأخيل (١) يريد أن ابنه كان فوق هذا في ذكاء القلب فهو كأنه منتبه أبدا. وطرق الحصا أيضا من فعل الكهان يأخذ الكاهن حصيات، فيضرب بها الأرض وينظر فيها فيخبر بالمغيّبات. قوله: ندب، أي دعي وحرّض. الإذكار: التذكير بما يفعل الأفكار: الأذهان. شيث هو ولد آدم ﵇، وكان أجمل بنيه وأحبّهم إليه، وهو وصيّ أبيه وإليه ترجع الأنساب، وقال ﷺ : «أربعة من الأنبياء سريانيون: آدم وشيث وإدريس- وهو أخنوخ ونوح، وأنزل الله تعالى على شيث خمسين صحيفة»، وقال بقية بن أرطأة: بلغني أن حوّاء حملت بشيث الرّضا حتى نبتت أسنانه، وكانت تنظر إلى وجهه من صفائه في بطنها، وهو الثالث من ولد آدم، وإنه لمّا حضرها الطّلق أخذها عليه شدّة، فانتبذت به، فلما وضعته أخذته الملائكة، فمكث معهم أربعين يوما، فعلموه المهن، ثم ردّوه إليها معلما، والمهن جمع مهنة، وهي الخدمة. الأنباط، قيل سمّوا أنباطا لاستنباطهم البناء، واستخراجهم المياه، والنسابون يزعمون أنهم ولد يافث بن نوح ولا يصحّ على هذا أن يوصيهم شيث، لأنّ بين زمن شيث وزمن يافث آلافا من السنين. الجوهريّ: النبيط والنّبط: قوم كانوا ينزلون بين البصرة والكوفة والجمع أنباط، والرجل نبطيّ. ابن دريد: النّبط. جيل من الناس معروف وهم النّبط والأنباط والأسباط: بنو يعقوب ﵇، ومنهم تشعّبت قبائل بني إسرائيل، والأسباط في ولد يعقوب كالقبائل في ولد إسماعيل. احذ مثالي، أي امش على طريقي وافعل بفعلي، استرشدت: استدللت. استصبحت: استضأت، أمرع: أخصب، الخان: الفندق، وهذا مثل لرفاهة العيش. نبذت: طرحت. الأثافيّ: أحجار القدر. زهد: لم يرغب. يا بنيّ؛ إنّي جرّبت حقائق الأمور، وبلوت تصاريف الدّهور؛ فرأيت المرء بنشبه، لا بنسبه. والفحص عن مكسبه، لا عن حسبه، وكنت سمعت أن المعايش: إمارة، وتجارة، وزراعة، وصناعة، فمارست هذه الأربع، لأنظر أيّها أوفق وأنفع، فما أحمدت منها معيشة، ولا استرغدت فيها عيشة، أما فرص الولايات، وخلس الإمارات؛ فكأضغاث أحلام. والفيء المنتسخ بالظّلام؛ وناهيك غصّة بمرارة الفطام.

стр. 1397

وأما بضائع التّجارات، فعرضة للمخاطرات، وطعمة للغارات، وما اشبهها بالطّيور الطّيارات، وأما اتخاذ الضّياع، والتّصدّي للازدراع، فمنهكة للأعراض، وقيود عائقة عن الارتكاض، وقلّما خلا ربّها عن إذلال، أو رزق روح بال، وأما حرف أولي الصّناعات، فغير فاضلة عن الأقوات، ولا نافقة في جميع الأوقات، ومعظمها معصوب بشبيبة الحياة، ولم أر ما هو بارد المغنم، لذيذ المطعم، وافي المكسب، صافي المشرب، إلّا الحرفة التي وضع ساسان أساسها، ونوّع أجناسها. *** بلوت: اختبرت. نشبه: ما له، الفحص: البحث، والأربع التي ذكر نسبها الثعالبي للمأمون قال: قال لي المأمون: النّاس أربع طبقات بين إمارة وتجارة، وزراعة، وصناعة، فمن لم يكن منهم كان كلا علينا، مارست: خالطت، أحمدت: صادفتها محمودة، استرغدت: استكثرت، فرص: نهز، والنّهزة والفرصة ما يحضرك من الفوائد من غير أن تتعنّى في طلبها، فإن فوّتها ولم تغتنم أخذها ففاتتك، فربما تتعنّى غاية التعنّي في طلبها، فلا تظفر بها، الجوهري: الفرصة، النوبة والشرب، يقال: وجد فلان فرصة، أي نهزة، وجاءت فرصتك من الشيء، أي نوبتك. خلس: جمع خلسة، وهي كالخطف وشبهه، يريد أن الأمير كأنه اختلس أيامه، أي اختطفها لقصر مدتها، ويقال: الخلسة. فرصة. وأضغاث الأحلام: أباطيلها التي لا يصحّ تغويلها لاختلاطها والضّغث: كلّ ما كان مختلطا لا حقيقة له، والحلم: الرؤيا والجمع أحلام. ويقال: هذا رجل ناهيك من رجل! ونهيك من رجل، أي أنه نجدة وعناية ينهاك عن تطلب غيره، فناهيك: كافيك. الغصّة: ما يختنق به، الفطام: قطع الرّضاعة عن الصبيّ، وفي الكلام معنى التعجب كأنه قال: ما أنكد غصة العزل على أهل الولايات، والعزل للولاة كالحيض للنساء. والبضائع: الأموال يتّجر فيها عرضة للمخاطرات، أي معرضة للضّرر والسلب، وفلان عرضة لكذا، أي نصب، وهو له عرضة، أي يتعرّض له دونه، وهذا عرضة لك، أي عدة. وقال النقاش في قوله تعالى: عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ [البقرة: ٢٢٤]، أي علة لها وسببا ومتّخذا لذلك، وأصل العرضة: الدابة تتّخذ للسفر لقوّتها، ثم جعل كل ما صلح لشيء عرضة له حتى قيل: المرأة عرضة للزوج، والطعمة: المأكلة، وهذه الضّيعة طعمة لفلان، والطعمة أيضا: وجه المكتسب، فطعمة للغارات، يريد أن قطاع الطرق يسلبون أموال التّجار أبدا فأرزاقهم معرّضة للتلف، التصدّي: التعرض، منهكة: مذلة وسبب نهك، وهو الجهد والضّعف، ونهكته الحمى وأنهكته، إذا جهدته وأضنته ونقصت لحمه، ونهكه السلطان عقوبة: بالغ في عقوبته، روح بال: راحة قلب. عائقة: حابسة، الارتكاض: الجري والتصرّف وهذه مشاهدة من أحوال أهل الحرث وقال ﷺ حين رأى السكة: «ما دخلت

стр. 1398

قطّ دار قوم إلا ذلّوا». وقال ﷺ في الإمارة: «ستحرصون على الإمارة ثم تكون حسرة وندامة، فنعمت المرضعة وبئستالفاطمة» (١). والحرفة: الصنعة: فاضلة: زائدة، معصوب: مربوط، والعصب الفتل الشديد، يريد أنّ الصنعة ينتفع بها ما دام صاحبها شابّا قويّا فإذا شاخ لم يقدر على الانتفاع بها، قوله: بارد المغنم، أي السهل منه، وهو الذي يؤخذ بغير قتال. ساسان: شيخ المكدين والغرباء، وهم بنو غبراء، والغبراء: الأرض، وسمّوا بني غبراء لقطعهم جهات الأرض وجولانهم في البلدان، فكأنهم ليس لهم أصل ينسبون إليه إلا الأرض، وقيل: سمّوا بذلك للزومهم لغبراء الأرض وهو وجهها وترابها والرقاد فيها فيعيرون بذلك ويتغيّرون. وكان الأحنف العكبري، وهو أبو الحسن عقيل بن العكبريّ، كان فصيحا شاعرا وذكر الصاحب فيه فصلا وهو: ولو أنشدتك ما أنشدنيه الأحنف العكبري، وهو فرد بني ساسان اليوم في مدينة السلام في الفصاحة وحسن الطريقة في الشعر لامتلأت تعجّبا من ظرفه وإعجابا بنظمه، ومن افتخاره قوله: [مجزوء الوافر] على أني بحمد الله ... في بيت من المجد وإخواني بنو ساسا ... ن أهل الجدّ والجدّ لهم أرض خراسا ... ن فغسّان مع اللّدّ إذا ما أعوز الطّرق ... على الطّرّاق والجند حذارا من أعاديهم ... من الأعراب والكرد قطعنا ذلك النهج ... بلا سيف ولا غمد ومن خاف أعاديه ... بنا في الرّوع يستعدي ففي هذا البيت معنى بديع، يريد أن ذوي الثروة وأهل الفضل إذا وقع أحدهم في أيدي العداة وأراد التخلّص قال: أنا مكد، فبنى الحريري هذا الموضع من مقامته على شعر الأحنف، وأكثر هذه المقامة مأخوذ من ملحه، ومن هذا الشعر: [الهزج] وقالوا قد سلا عن ... ك وقد حال عن العهد ولا والله ما حلت ... ولكن قلّ ما عندي ومن شعره: [الخفيف] عشت في ذلة وقلّة مال ... واغتراب في معشر أنذال

стр. 1399

بالأماني أقول لا بالمعاني ... فغذائي حلاوة الآمال لي رزق يقول بالوقف في ال ... رّأي ورجل تقول بالاعتزال وله: [البسيط] العنكبوت بنت بيتا على وهن ... تأوي إليه وما لي مثله وطن والخنفساء لها من جنسها سكن ... وليس لي مثلها إلف ولا سكن وله: [الوافر] نرى العقيان كالذهب المصفى ... يركب فوق أثفار الدّواب وكيسي منه خلو مثل كفي ... أما هذا من العجب العجاب! وله: [البسيط] رأيت في النّوم دنيانا مزخرفة ... مثل العروس تراءت في المقاصير فقلت جودي فقالت لي على عجل ... إذا تخلّصت من أيدي الخنازير *** وأضرم في الخافقين نارها، وأوضح لبني غبراء منارها، فشهدت وقائعها معلما، واخترت سيماها لي ميسما؛ إذ كانت المتجر الّذي لا يبور، والمنهل الّذي لا يغور، والمصباح الذي يعشو إليه الجمهور، ويستصبح به العمي والعور. وكان أهلها أعزّ قبيل، وأسعد جيل، لا يرهقهم مسّ حيف، ولا يقلقهم سلّ سيف، ولا يخشون حمة لاسع، ولا يدينون لدان ولا شاسع ولا يرهبون ممّن برق ورعد، ولا يحفلون بمن قام وقعد؛ أنديتهم منزّهة، وقلوبهم مرفّهة، وطعمهم معجّلة، وأوقاتهم غرّ محجّلة، أينما سقطوا لقطوا، وحيثما انخرطوا خرطوا، لا يتّخذون أوطانا، ولا يتّقون سلطانا، ولا يمتازون عمّا تغدو خماصا وتروح بطانا. قوله: أضرم. أي أوقد، الخافقين: المشرق والمغرب، أوضح: بيّن منارها: سراجها، معلما: مشهورا. سماها: علامتها، يريد أنه اختار علامتهم لنفسه، يبور: يكسد ويهلك أهله: المنهل: موضع الماء، يغور: يغوص في الأرض، يعشو: ينظر، الجمهور: معظم الشيء، العور: جمع أعور. الجيل: أهل العصر، يرهقهم: يدركهم ويغشاهم حيف: جور وظلم. حمة: سم. لاسع: ضارب. واللسع: الضرب بمؤخره، مثل العقرب، واللدغ لما كان بالفم. ولسعه بلسانه: عابه وآذاه، ورجل لسعة ولسّاعة ولسّاع، أي عيّاب مؤذ، يدينون: يطيعون، دان وشاسع: قريب وبعيد يرهبون: يخافون. برق ورعد: هدّد وخوّف، يحفلون: يبالون. من قام وقعد: من غيظه وشره. انخرطوا:

стр. 1400

ركبوا رءوسهم، واندفعوا بشدة، وخرطت الغصن، إذا وضعت يدك عليه ثم تجرّه عليك، فيسقط ما فيه من ورق وثمر. أنديتهم: مجالسهم. مرفّهة: الرفاهية: العيش اللّين. غرّ: بيض. محجلة: مشهورة. سقطوا: وقعوا لقطوا: جمعوا الرزق. وأصله للطير، يمتازون: يفترقون. خماصا: جياعا، بطانا: شباعا وهي للطير، وقال عمر بن الخطاب ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنكم توكلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» (١). *** فقال له ابنه: يا أبت لقد صدقت، فيما نطقت؛ ولكنّك رتقت، وما فتقت؛ فبيّن لي كيف أقتطف، ومن أين تؤكل الكتف، فقال: يا بنيّ إنّ الارتكاض بابها، والنّشاط جلبابها، والفطنة مصباحها، والقحة سلاحها، فكن أجول من قطرب، وأسرى من جندب، وأنشط من ظبي مقمر، وأسلط من ذئب متنمّر، واقدح زند جدّك بجدك، واقرع باب رعيك بسعيك، وجب كلّ فجّ، ولج كلّ لجّ، وانتجع كلّ روض، وألق دلوك في كلّ حوض، ولا تسأم الطّلب، ولا تملّ الدّأب، فقد كان مكتوبا على عصا شيخنا ساسان: من طلب، جلب، ومن جال، نال. وإيّاك والكسل، فإنه عنوان النّحوس، ولبوس ذوي البوس، ومفتاح المتربة، ولقاح المتعبة، وشيمة العجزة الجهلة، وشنشنة الوكلة التّكلة، وما اشتار العسل، من اختار الكسل، ولا ملأ الرّاحة؛ من استوطأ الرّاحة. *** قوله: رتقت، أي ألحمت وسدّيت، وهو ضد فتقت، تقول: رتقت الشيء، إذا ضممت بعضه إلى بعض، وفتقته: نقضته، أقتطف: أجني الثمر، وهذا مثل قوله: من أين تؤكل الكتف، قالوا: تؤكل من أسفلها، لأن المرقة تدخل بين عظامها ولحمها، فمن أكلها من أعلاها جرت المرقة عليه، ولفظ المثل على ذكره أبو عبيد: فلان أعلم من حيث تؤكل الكتف، يضرب مثلا لمن جرّب الأمور ودرى تصرّفها، قال البكري: إن لحم الكتف إذا أكل من أعلاه تناثر، وإذا أكل من قبل الغضروف، لم يتأتّ لآكله. والغضروف: اللحم الرخص المتّصل بأسفل الكتف المتّسع، وقيل: أكل الكتف، إذا أمسك فيها بطرف الغضروف ربما سقطت فتربت، وإذا أمسكها بالطرف الآخر أمن من ذلك. الفنجديهي: لحم الكتف إذا جذب من الجانب الأسفل انقطع بكليته، وإذا جذب

стр. 1401

من الجانب الأعلى تقطّع اللحم ولم ينقطع، لأنّ المرقة تجري بين لحم الكتف والعظم، فإذا أخذته من أعلاه تصببت المرقة عليك بسرعة، وإذا أخذت اللحم من أسفله تقشّر من عظمها فلم تنصبّ المرقة بالسرعة، وهو مثل يضرب للبصير بالأمور، وقال أوس بن حجر: [البسيط] أم دلّكم بعض من يرتاد مشتمتي ... بأيّ أكلة لحم تؤكل الكتف (١) يقول: أنا أعلم كيف أنا لكم. وقال آخر: [المنسرح] إنّي على ما ترون من كبري ... أعلم من أين تؤكل الكتف (٢) قطرب: دويبّة تجول اللّيل كله ولا تنام، ويقال فيه أيضا: أسهر من قطرب، وهذا قول أبي عمرو، وغيره يرويه: أسعى من قطرب، لا أسهر، ويقول: هو دويبة لا تستقرّ بالنهار ويحتجّ بقول ابن مسعود: لا أعرفنّ أحدكم جيفة ليل قطرب نهار، وقطرب اسم رجل مشهور، وهو ابن المستنير صاحب المثلّث وكان من أهل العربية فجلس لسيبويه يناظره، فلما رآه سيبويه قد احتدّ بالسؤال قال: إنك لقطرب ليل، فسمّي بذلك، والقطرب أيضا ذكر الغيلان، ابن ظفر ذكر من يعوّل عليه أنه حيوان يكون بالصعيد من أرض مصر، يظهر للمنفرد من الناس، فربما صده عن نفسه إذا كان شجاعا وإلّا لم ينته حتى ينكحه، فإذا أنكحه تدوّد دبره وهلك، قال: وهم إذا رأوا من ظهر له القطرب قالوا: أمنكوح أم مروّع، فإن قال: منكوح يئسوا منه. وإن قال: مروّع سكنوه وعالجوه، قال: فقد رأيت أهل مصر وما بين يديها وما خلفها، وتحققت أهل صعيدها والعربان، وهم مستوون في الجهل بهذا الحيوان، ومختلفون الاختلاف الشديد في فعله وصورته، إلا أن أهل مصر أكثر لهجا به. والقطارب أيضا: صغار الكلاب. قوله: أسري، أي أمشي بالليل، الجندب: ذكر الجراد، وقيل: هي دويبّة تشبه الجراد ذات جناحين، فلا تزال ترمح. ولفظ المثل: أسرى من جراد. مقمر: لاعب في القمر، وأنشط: أخفّ، والظبي يأخذه النشاط في الليلة المقمرة فيلعب، متنمر: متشبه بالنّمر وهو سبع مؤذ، جدّك: حظّك، اقرع: اضرب. رعيك: أكلك. وأراد بباب رعيك الذي يجيئك منه الرزق، ألق دلوك إلى كل حوض: لفظ المثل «ألق دلوك في الدلاء»، يضرب في بذل الجهد في اكتساب المال والبحث عليه، وهو كما قال الشاعر: [الوافر] وليس الرزق عن طلب حثيث ... ولكن ألق دلوك في الدلاء (٣)

стр. 1402

تجئك بملئها طورا وطورا ... تجئك بحمأة وقليل ماء قوله: فقد كان مكتوبا على عصا شيخنا ساسان، الفنجديهي قرأت في بعض الفوائد أنه كان مكتوبا على عصا ساسان المكدى: الكسل شؤم، والتمييز مذموم، والحركة بركة والتواني هلكة، وكلب طائف: خير من أسد رابض، ومن لم يغترف: لم يعتلف جال: تصرّف ومشى في البلاد، نال: أدرك حاجته، عنوان: دليل، النحوس: جمع نحس، وهو ضد السعد، وذوي البؤس: أهل الفقر: لقاح المتعبة، أي أصلها وسببها، شيمة: طبيعة، وكذلك الشنشنة، الوكلة التّكلة: هو العاجز الذي يكل أمره لغيره ويتّكل عليه فيه. أشتار: حرّك واستخرج، الراحة الأولى: الكفّ، والثانية ضدّ التعب. وعليك بالإقدام، ولو على الضّرغام، فإن جراءة الجنان، تنطق اللّسان، وتطلق العنان، وبها تدرك الحظوة، وتملك الثّروة، كما أن الخور صنو الكسل، وسبب الفشل، ومبطأة للعمل، ومخيبة للأمل، ولهذا قيل في المثل: من جسر، أيس، ومن هاب، خاب. ثمّ ابرز يا بني في بكور أبي زاجر، وجراءة أبي الحارث، وحزامة أبي قرّة، وختل أبي جعدة، وحرص أبي عقبة، ونشاط أبي ووثّاب، ومكر أبي الحصين، وصبر أبي أيّوب، وتلطّف أبي غزوان، وتلوّن أبي براقش، وحيلة قصير، ودهاء عمرو، ولطف الشعبيّ، واحتمال الأحنف، وفطنة إياس، ومجانة أبي نواس، وطمع أشعب، وعارضة أبي العيناء. *** الإقدام: الجراءة، الضرغام: الأسد. والجراءة: الشجاعة. والجنان: القلب. والحظوة: المنزلة الرفيعة، والثروة: الغنى. صنو: أخ. الفشل: الضعف والحيرة، يريد أن فزع النفس وضعيفها يخيّب الأمل والرجاء، وقال معاوية: الهيبة مقرون بها الخيبة. أبو زاجر: هو الغراب، سمّي بذلك، لأن العرب تزجر به وتتشاءم، وتقدّم ذلك، ومن وصيته لولده على ألسنتهم، قالوا: قال الغراب لابنه: يا بنيّ إذا رميت فتلوّص أي تلوّ، قال: يا أبت أنا أتلوّص قبل أن أرمي، وقال لابنه قد رأى رجلا فوّق سهما: يا بني اتّئد، حتى تعلم ما يريد الرّجل، فقال: يا أبت، الحذر قبل إرسال السهم. وأبو الحارث: الأسد كنّي بذلك لاحتراثه، أي لاكتسابه بقوته. وأبو قرّة: الحرباء كنّي بذلك لأن البرد لا يفارقه. فالحرباء تدور لذلك مع الشمس حيثما دارت، وتقدّم حزامتها، ومرّ أنها لا تفارق ساق الشجرة حتى تمسك ساق الأخرى.

стр. 1403

وأبو جعدة: كنية الذئب، وهي كنية بالضدّ لأن جعدة عندهم الشّاة، ولما كان الذئب يقتلها حيث وجدها جعلوه أباها بضدّ ما يفعل الأب الذي لا يقال له أب إلا لوجود الرحمة عنده على بنيه، ونحوها قولهم للأسود: أبو البيضاء، والختل: المكر. وأبو عقبة الخنزير، ومن حرصه أنه يمشي بالليل وبالأسحار لطلب ما يأكل، ويستتر بالنهار حرصا على السّلامة. وأبو وثاب: الظّبي وكني بذلك لسرعة وثبه. وأبو الحصين: الثعلب، وهو أكثر الحيوان مكرا، ومن بعض مكره أنّه إذا رأى الغلبة تماوت فلا تشكّ في أنه ميّت، فإذا وقع له غير عارف تركه فما يمرّ يسيرا حتى يقوم فارّا أو تحصينه يبصل العنصل من الذئب، لأن الذئب لا يطؤه في زعم قوم، وقالوا: إنّ الضبع صادت ثعلبا، فقالت: أخيّرك يا ثعلب بين خصلتين، فقال: ما هما؟ فقالت: إما أن آكلك وإما أن أكلمك، فقال لها الثعلب، أما تذكرين يوم نكحتك؟ فقالت: متى؟ فانفتح فوها وانفلت الثعلب، فذكروا ذلك مثلا، وقالوا: ضرب عليه خصلتي الثعلب، وقالوا: إن الثعلب اطّلع في بئر وهو عاطش وعليها رشاء في طرفيه دلوان، فقعد في الدلو العليا فانحدرت، فشرب، فجاء الضبع فاطلعت في البئر، فأبصرت القمر في الماء منتصفا والثعلب قاعد في قعر البئر فقالت له: ما تصنع هنا؟ فقال لها: إني أكلت نصف هذه الجبنة وبقي نصفها لك فانزلي فكليها، فقالت: وكيف أنزل؟ قال: تقعدين في الدلو فقعدت فيها، فانحدرت وارتفع الثعلب في الدلو الأخرى فلمّا التقيا في وسط البئر قالت له: ما هذا؟ قال: كذا التّجار، نختلف، فضربت بها العرب المثل في المختلفين، وأوصاف مكره كثيرة. وأبو أيوب: الجمل سمّي بذلك لأنه أصبر الدوابّ على العطش والجوع وقطع الأشهر بالسير المتصل ونقل الأوقار، ومهما كان به شيء من قوّة تجلّد، فإذا وقف علم أنه ليس فيه بقية ينتفع بها. وأبو غزوان الهرّ لغزوه الفئران وخشاش الأرض وتلطّفه يظهر في محاولاته لتصيد الفأر فإذا قدمت المائدة: قرب منها وأخذ يتلطف في صياحه ويتضرّع ويحتكّ بالمائدة أو بالأكل حتى يعطى. وأبو براقش: طائر أغبر أوسطه أحمر، إذا انتفض تلوّن ألوانا. أخذ الحريريّ هذا الفصل من كلام العلماء، قالوا: ابن آدم هو العالم الكبير الذي جمع الله تعالى العالم كلّه فيه فكان فيه بسالة الأسد وصبر الجمل وحرص الخنزير وحذر الغراب وروغان الثعلب؛ وضرع السّنّور، وحكاية القرد وجبن الصقر. قيل لرجل من كبار العلماء وكان بليدا سريع النّسيان في ابتداء تعلّمه: بم أدركت العلم مع بلادتك وكلل خاطرك؟ قال: ببكور كبكور الغراب وصبر كصبر الجمل وحرص كحرص الخنزير.

стр. 1404

واخلب بصوغ اللّسان، واخدع بسحر البيان، وارتد السّوق قبل الجلب وامتر الضّرع قبل الحلب، وسائل الرّكبان قبل المنتجع، ودمّث لجنبك قبل المضطجع، واشحذ بصيرتك للعيافة، وأنعم نظرك للقيافة، فإنّ من صدق توسّمه، طال تبسّمه، ومن أخطأت فراسته أبطأت فريسته. وكن يا بنيّ خفيف الكلّ، قليل الدّل، راغبا عن العلّ، قانعا من الوبل بالطّلّ. وعظّم وقع الحقير؛ واشكر على النّقير، ولا تقنط عند الرّدّ. ولا تستبعد رشح الصّلد، ولا تيئس من روح الله، إنه لا ييئس من روح الله إلّا القومالكافرون. وإذا خيّرت بين ذرّة منقودة، ودرّة موعودة، فمل إلى النّقد وفضّل اليوم على الغد، فإنّ للتأخير آفات وللعزائم بدوات، وللعدات معقّبات، وبينها وبين النّجاز عقبات وأيّ عقبات. *** قوله: اخلب بصوغ اللسان، أي بعذوبة الكلام، قال ابن كناسة الشاعر: كنت أتكلم بكلام فلو لم يجد سامعه إلا القطن الذي في وجه أمه في القبر، لتغلغل إليه حتى يخرجه ويهديه إليّ. وأنا اليوم أتحدث بذلك الحديث بعينه فما أفرغ منه حتى أهيّئ له اعتذاري وارتد، أي اطلب. والجلب: ما يجلب إلى السوق للبيع، امتر: امسح، ويفعل ذلك بالضرع لأنه يدرّ لبنه. المنتجع: موضع العشب، أراد به موضع طلب الرزق، دمث: ليّن، اشحذ: اجل واصقل، وقال في الدّرة: ويقولون: شحّات بالتاء، وصوابه. بالذال لأن اشتقاقه من شحذت السيف، إذا بالغت في إحداده فكأنّ الشحاذ هو الملحّ في المسألة المبالغ في طلب الصّدقة، بصيرتك: ذهنك، العيافة: زجر الطير، أنعم: بالغ، القيافة: الاستدلال على الولد، وذلك أن ينظر خلقته وصفته، فيشبّهه بأبيه. توسمه: نظره، الفراسة: الحكم بحالات الشيء على ما يكون منه في المستقبل. الكلّ: الثقيل، والدّلّ والدّلال بمعنى واحد، العلّ: الشّرب بعد الشّرب وراغبا عنه: تاركا له: النقير: حفرة في ظهر نوى التّمر، ومنها تنبت النخلة، تقنط: تيأس، روح الله: رزقه. ولبعضهم في هذا المعنى: [المتقارب] سيفتح باب إذا سدّ باب ... نعم وتلين الأمور الصّعاب ويتّسع الحال من بعد ما ... تضيق المذاهب فيه الرّحاب مع العسر يسران هوّن عليك ... فلا اليسر دام ولا الاكتئاب إذا احتجب الناس من سائل ... فما دون سائل ربّي حجاب آخر: [الطويل]

стр. 1405

عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كلّ يوم في خليقته أمر إذا اشتدّ عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه يسر آخر: [الوافر] فلا تجزع إذا أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزّمن الطويل ولا تيأس فإن اليأس كفر ... لعل الله يغني عن قليل وإن العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كلّ قيل ولا تظنن بربّك ظنّ سوء ... فإن الله أولى بالجميل قوله: ذرّه، كناية عن الشيء القليل: درّة: جوهرة. آفات: جوائح. وللعزائم بدوات، يريد أنّ الإنسان يعزم على فعل الشيء في وقت ثم يبدو له ألّا يفعله. النّجز: تعجيل قضاء الحاجة، وقد قدّم مثل هذا المعنى عند قوله: [الطويل] * وبع آجلا منك بالعاجل* *** وعليك بصبر أولي العزم، ورفق ذوي الحزم، وجانب خرق المشتط، وتخلّق بالخلق السّبط، وقيّد الدّرهم بالرّبط، وشب البذل بالضّبط، ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط، ومتى نبا بك بلد، أو نابك فيه كمد، فبتّ منه أملك، واسرح عنه جملك، فخير البلاد ما جمّلك، ولا تستثقلنّ الرّحلة، ولا تكرهنّ النّقلة، فإنّ أعلام شريعتنا، وأشياخ عشيرتنا، أجمعوا على أنّ الحركة بركة، والطّراوة سفتجة، وزروا على من زعم أنّ الغربة كربة، والنّقلة مثلة، وقالوا: هي تعلّة من اقتنع بالرّذيلة، ورضي بالحشف وسوء الكيلة. وإذا أزمعت على الاغتراب، وأعددت له العصا والجراب، فتخيّر الرّفيق المسعد، من قبل أن تصعد؛ فإن الجار قبل الدار، والرّفيق قبل الطريق. [مجزوء الكامل] خذها إليك وصيّة ... لم يوصها قبلي أحد غرّاء حاوية خلا ... صات المعاني والزّبد نقّحتها تنقيح من ... محض النّصيحة واجتهد فاعمل بما مثّلته ... عمل اللّبيب أخي الرّشد حتّى يقول الناس هـ ... ذا الشّبل من ذاك الأسد ***
следующие страницы →