← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

واعلم بأنّك ما قدّمت من عمل ... يحصى عليك، وما خلّفت موروث وقال الحسن: ابن آدم! أنت أسير الدنيا، رضيت من لذّاتها بما ينقضي، ومن نعيمها بما يمضي، ومن ملكها بما ينفد، تجمع لنفسك الأوزار، ولأهلك الأموال، فإذا متّ حملت أوزارك إلى قبرك، وتركت أموالك لأهلك. أخذه أبو العتاهية فقال: [البسيط] أبقيت مالك ميراثا لوارثه ... يا ليت شعري ما أبقى لك المال القوم بعدك في حال تسرّهم ... فكيف بعدهم دارت بك الحال! ملّوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال وقال ابن عبد ربه: [الوافر] أيا من عنده أمل طويل ... يؤدّيه إلى أجل قصير أتفرح والمنيّة كلّ يوم ... تريك مكان قبرك في القبور هي الدنيا فإن سرّتك يوما ... فإنّ الحزن عاقبة السّرور ستسلب كلّ ما جمعت فيها ... كعارية تردّ إلى المعير وقال جبلة بن الحويرث: [البسيط] يا قلب إنّك في الأحياء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير (١) تريد أمرا ولا تدري: أعاجله ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير! فاستقدر لله خيرا وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ... إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيّ مسرور حتى كأن لم يكن إلّا تذكّره ... والدّهر أيّتما حين دهارير وذاك آخر عهد من أخيك إذا ... بالموت ضمّنه اللّحد الخناسير *** طالما أسيتم على انثلام الحبّة، وتناسيتم اخترام الأحبّة، واستكنتم لاعتراض العسرة، واستهنتم بانقراض الأسرة، وضحكتم عند الدّفن، ولا ضحككم ساعة الزّفن، وتبخترتم خلف الجنائز، ولا تبختركم يوم قبض الجوائز، وأعرضتم عن

стр. 317

تعديد النّوادب، إلى إعداد المآدب، وعن تحرّق الثّواكل؛ إلى التأنّق في المآكل، لا تبالون بمن هو بال، ولا تخطرون ذكر الموت ببال، حتى كأنكم قد علقتم من الحمام بزمام، أو حصلتم من الزّمان على أمان، أو وثقتم بسلامة الذّات، أو تحقّقتم مسالمة هادم اللّذّات؛ كلّا ساء ما تتوهّمون، ثمّ كلّا سوف تعلمون! *** قوله: «أسيتم»، أي حزنتم: انثلام: انكسار ونقصان. اخترام: هلاك، يقول: إذا انتقص لكم من المال أدنى شيء حزنتم عليه، ولا تحزنون على نقص أحبابكم. أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ : «من أصبح حزينا على الدّنيا، أصبح ساخطا على الله». قوله: «استكنتم»، ذللتم، واستكان، استفعل من لفظ الكين، وهو لحم باطن الفرج. اعتراض العسرة: ظهور الفقر. انقراض الأسرة: موت القرابة الزّفن: الرقص. ضحكتم عند الدفن، جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «أن الله تعالى كره لكم العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك في الجنائز». ورأى ابن مسعود ﵁ رجلا يضحك في جنازة، فقال: تضحك وأنت في جنازة! والله لا أكلّمك أبدا. ونظر عبد الله بن ثعلبة إلى رجل يضحك في جنازة مستغربا، فقال: أتضحك ولعلّك قد أخذت أكفانك من القصّار! . وفي الحديث «كثرة الضحك تميت القلب وتذهب بهاء المؤمن» (١). قوله: «تبخرتم»، أي تعظمتم وأظهرتم الإعجاب في مشيكم. الجوائز: الصّلات وهم يظهرون في أحسن الثياب عند الملوك ليكثر لهم العطاء. أعرضتم: تنحيتم، وهو من العرض، كأنك إذا لقيت من تكره استقبلته بعرضك، أي بجانبك. النوادب: النوائح اللواتي يندبن الميت أي يبكينه، فيقول: أعرضتم عن الباكيات حين عدّدن خصال الميت المحمودة، ولم تفكر في تلك الحال. إعداد، أي استعداد. المآدب: المطاعم للأعراس. تحرّق: توجّع. الثواكل: الفاقدات لأحبابهنّ. التأنّق: التحسين، وقد تأنّق في الشيء، إذا احتفل فيه فأعجب به كل من رآه. بال. دارس متغيّر، يريد الميت. ببال: بفكر وخاطر. الحمام: الموت، وأصله القدر. وهو من حمّ، أي قدّر، وذات الشيء نفسه وحقيقته. مسالمة: متاركة ومصالحة.

стр. 318

أبو هريرة ﵁، قال رسول الله: «أكثروا ذكر هاذم اللذات، قالوا: وما هاذم اللذات؟ قال: الموت» (١). وقال الإلبيريّ في معنى ما تقدّم: [المنسرح] كم آمن للمنون لاه ... عن الرّدى بات مطمئنّا صبّحه وافد المنايا ... فعاين الموت حين عنّا حتى إذا ما قضى بكاه ... حميمه معولا مرنّا واروه في لحده وسنّوا ... عليه قيد التراب سنّا وانتهبوا ماله وشنوا ال ... غارات فيما حواه شنّا لمثل هذا فكن معدّا ... ما قد أعدّ الهداة منّا وارتقب الموت فهو حتم ... يخترم الطفل والمسنّا قوله: كلا، زجر، أي ليس الأمر كما ظننتم. *** ثم أنشد: [المنسرح] أيا من يدّعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم تعبّي الذّنب والذّمّ ... وتخطي الخطأ الجمّ أما بان لك العيب! ... أما أنذرك الشّيب! وما في نصحه ريب ... ولا سمعك قد صمّ أما نادى بك الموت ... أما أسمعك الصّوت! أما تخشى من الفوت ... فتحتاط وتهتمّ فكم تسدر في السّهو ... وتختال من الزّهو وتنصبّ إلى اللهو ... كأنّ الموت ما عمّ *** قوله: [المنسرح] أيا من يدّعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم يسمّى هذا من أنواع الشعر المسمّط، أي المفصّل، مأخوذ من السّمط وهو سلك الجوهر المفصّل بالزمرد والذهب وغير ذلك. الوهم: الغلط. الجمّ: الكثير، وعلى

стр. 319

قوله: «وتخطي الخطأ الجم»، ذكر الحريريّ في الدرّة أنّ قول الخواصّ: «أخطأ لمن يأتي بالذنب متعمّدا تحريف للفظ والمعنى، ولا يقال: أخطأ إلّا لمن لم يتعمد الفعل ولمن اجتهد»، فلم يوافق الصواب لقوله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر» (١) وإنما أوجب له الأجر على اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبه أن يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه، و [اسم] الفاعل من هذاالنوع: مخطئ، والاسم الخطأ، قال الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [النساء: ٩٢] وأما المتعمّد، فيقال فيه: خطئ فهو خاطئ، والمصدر الخطء، قال الله تعالى: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [الإسراء: ٣١]، والاسم منه الخطيئة، ويقع على الصغيرة، قال الله تعالى: أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: ٨٢] إخبارا عن إبراهيم ﵊، وعلى الكبيرة كقوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة: ٨١] الآية: قال أبو محمد الحريريّ: ولي في تضمين هاتين اللفظتين وتخصيص معنييهما المتنافيين: [البسيط] لا تخطونّ إلى خطء ولا خطأ ... من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا فأيّ عذر لمن شابت مفارقه ... إذا جرى في ميادين الهوى وخطا وهذه التفرقة منه مستحسنة، وكذا يقع في أكثر كلامهم، وأما على القطع فلا، لأنه قد حكى الزّجاج وقطرب وابن دريد في الجمهرة أنّ العرب تقول: خطئت الشيء أخطؤه خطأ، وخطئني وأخطأته خطأ في معنى واحد، قال: [الكامل] والنّاس يلحون الأمير إذا همو ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد (٢) أما: حرف استفتاح وإخبار. بان: ظهر. أما أنذرك الشيب، سيأتي مستوفيا. وقال في الشيب الفقيه الزّاهد أبو عمران ﵀: [الكامل] ذهب الشّباب بجهله وبعاره ... وأتى المشيب بحلمه ووقاره شتّان بين مبعّد من ربّه ... بغروره ومبشّر بجواره ما زلت أمرح بالشباب جهالة ... كالطّرف يمرح معجبا بعذاره وسحبت أثواب البطالة لاهيا ... وجررت من بطر فضول إزاره حتى تقلّص ظلّه فتكشّفت ... عوراته وبدا قبيح عواره

стр. 320

لم أحظ منه بطائل غير الأسى ... وتندّم منّي على أوزاره والآن قد خط المشيب بمفرقي ... بمواعظ والحقّ في تذكاره والنفس تركب غيّها لا ترعوي ... عنه ولا تصغي إلى إنذاره لهفي على عمر يمرّ مضيّعا ... محصى عليّ بليله ونهاره كان شابّ في بني إسرائيل عبد الله عشرين سنة، وعصاه عشرين سنة، قنطر يوما في المرآة، فرأى الشيب في لحيته، فساءه ذلك فقال: إلهي أطعتك عشرين سنة، وعصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فسمع صوتا من زاوية البيت: أحببتنا فأحببناك، وتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك؛ فإن رجعت إلينا قبلناك. قال ابن وضاح: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب، مسح إبليس على وجهه، وقال: بأبي وجه لا يفلح أبدا! وأنشدوا: [الكامل] وإذا مضى للمرء من أعوامه ... خمسون وهو إلى التّقي لم يجنح ركدت عليه المخزيات وقلن قد ... أرضيتنا فأقم لذا لا تبرح وإذا رأى إبليس غرّة وجهه ... حيّا وقال: فديت من لم يفلح وقال آخر: [الوافر] تلاحظني المنيّة من قريب ... وتلحظني ملاحظة الرقيب وتنشر لي كتابا فيه طيّ ... بخطّ الدهر أسطره مشيبي كتاب في معانيه غموض ... تلوح لكلّ أوّاب منيب أزال الله يا صاحي شبابي ... فعوّضت البغيض من الحبيب وبدّلت التكاسل من نشاطي ... ومن حسن النضارة بالشّحوب كذاك الشمس يعلوها اصفرار ... إذا جنحت ومالت للغروب وهذا القدر كاف هنا في ذكر الشيب. *** وقوله: «ريب»، شك. أما أسمعك الصوت، الصوت هنا: النّياحة على الميت. والفوت: بعد الشيء. الاحتياط، من الحوطة، وهي الوقاية. تسدر: تتبختر. تختال: تتكبّر. الزهو: الكبر. عمّ: شمل. ولأبي العتاهية في معناه: [السريع] حتى متى ذو التّيه في تيهه ... أصلحه الله وعافاه! يتيه أهل التّيه من جهلهم ... وهم يموتون وإن تاهوا من طلب العزّ ليبقى به ... فإن عزّ المرء تقواه

стр. 321

لم يعتصم بالله من خلقه ... من ليس يرجوه ويخشاه ولمحمد بن حازم: [الطويل] فيا شامخا أقصر عنانك مقصرا ... فإنّ مطايا الدهر تكبو وتعثر ستقرع سنّا أو تعضّ ندامة ... يديك إذا خان الزمان وتبصر ويلقاك رشد بعد غيّك واعظ ... ولكنّه يلقاك والأمر مدبر [الهزج] *** وحتّام تجافيك ... وإبطاء تلافيك طباعا جمّعت فيك ... عيوبا شملها انضمّ إذا أسخطت مولاك ... فما تقلق من ذاك وإن أخفق مسعاك ... تلظّيت من الهم وإن لاح لك النّقش ... من الأصفر تهتشّ وإن مرّ بك النّعش ... تغاممت ولا غمّ تعاصي النّاصح البر ... وتعتاص وتزورّ وتنقاد لمن غرّ ... ومن مان ومن نمّ *** قوله: «تجافيك»، أي تباعدك من فعل الخير. إبطاء: تأخّر. تلافيك: تداركك. طباعا: أخلاقا؛ يريد أن أخلاقك قد جمعت فيك عيوبا انضمّ عليك شملها. أخفق: خاب. مسعاك: طلبك ومشيك في اكتساب الرزق. تلظّيت: احترقت واشتعلت، وهو تفعّلت، من اللّظى. الأصفر: الدينار، ونقشه الكتاب الذي فيه. تهتش: تخفّ وتهتزّ طربا. تغاممت: أظهرت الغمّ. ولا غمّ، أي ليس عندك غمّ على الحقيقة. كان أبو الدرداء ﵁ إذا رأى جنازة قال: اغدي فإنا رائحون، أو روحي فإنا غادون. أبو عمرو بن العلاء قال: جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه: [الكامل] * ودّع أمامة حان منك رحيل (١) *

стр. 322

ثم طلعت جنازة فأمسك، وقال شيّبتني هذه الجنازة، فقلت: فلم تسابّ الناس؟ قال: يبدءونني، ثم لا أعفو، وأعتدي ولا أبتدي، ثم أنشأ يقول: [الوافر] تروّعنا الجنائز مقبلات ... ونلهو حين تذهب مدبرات كروعة هجمة لمغار ذئب ... فلمّا غاب عادت راتعات وقال آخر: [الكامل] وتعدّ كثرة من يموت تعجّبا ... عمّا قريب سوف تدخل في العدد وأراك تحملهم ولست تردّهم ... وكأنني بك قد حملت ولا تردّ قوله: «تعاصي الناصح البرّ»، أي تعاصي من ينصحك ويبرّك. تعتاص: تتصعب، وهو «تفتعل» من العصيان، على القلب. تزورّ: تنقبض. غرّ: خدع. مان: كذب، ونمّ: مشى بالنميمة. *** [الهزج] وتسعى في هوى النّفس ... وتحتال على الفلس وتنسى ظلمة الرّمس ... ولا تذكر ما ثم ولو لاحظك الحظّ ... لما طاح بك اللّحظ ولا كنت إذا الوعظ ... جلا الأحزان تغتمّ ستذري الدّم لا الدّمع ... إذا عاينت ذا جمع يقي في عرصة الجمع ... ولا خال ولا عمّ كأنّي بك تنحطّ ... إلى اللّحد وتنغطّ وقد أسلمك الرّهط ... إلى أضيق من سمّ *** الرمس: القبر. لاحظك الحظّ: نظرك السعد. طاح بك: أذهبك وأهلكك، واللحظ: النظر بمؤخر العين، وقد لحظه لحظا ولاحظته ملاحظة، وكله من اللحاظ، وهو طرف العين ممّا يلي الصّدغ. وجلا: كشف. تذري: تصبّ وترسل متفرّقا. أنس ﵁، قال رسول الله ﷺ : «يا أيّها النّاس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإنّ أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء، فلو أن السفن أجريت في دموعهم لجرت» (١).

стр. 323

لا جمع، أي لا قبيل ولا عشير يحميك ولا يمنعك يوم القيامة. يقي: يمنع. عرصة الجمع: موضع اجتماع الناس في الحشر. تنحطّ تنزل. اللّحد: حفير في جانب القبر. وتنغطّ: تنضمّ وتنقبض، يقال: غططته في الماء إذا أغرقته فيه وغمسته. أسلمك الرهط: تركك قومك. سمّ: عين الإبرة، يريد ضيق القبر على الميت. وقال رسول الله ﷺ : «إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ». وعن أنس ﵁، قال: توفيت زينب بنت رسول الله ﷺ ، فتبعها رسول الله ﷺ ، فساءنا حاله، فلما انتهيناإلى القبر فدخله، التمع وجهه صفرة، فلما خرج أسفر وجهه، قلنا: يا رسول الله، رأينا منك شأنا فممّ ذلك؟ قال: «ذكرت ضغطة بنتي وشدة عذاب القبر فأتيت فأخبرت أن الله تعالى قد خفّف عنها، ولقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين». [الهزج] *** هناك الجسم ممدود ... ليستأكله الدّود إلى أن ينخر العود ... ويمسي العظم قد رمّ ومن بعد فلا بدّ ... من العرض إذا اعتدّ صراط جسره مدّ ... على النّار لمن قد أمّ فكم من مرشد ضلّ ... ومن ذي عزّة ذل وكم من عالم زلّ ... وقال الخطب قد طم فبادر أيّها الغمر ... لما يحلو به المرء فقد كاد يهي العمر ... وما أقلعت عن ذم *** قوله: «ينخر»، أي يبلى، والعود: تابوت الميت. رمّ: بلي: قال الفنجديهيّ: إلى أن ينخر العود، أي إلى أن يبلى الجسم الناعم الذي هو مثل القضيب، وقال الإلبيريّ: [الطويل] كأنّي بنفسي وهي في السّكرات ... تعالج أن ترقي إلى اللهوات وقد رمّ رحلي واستقلّت ركائبي ... وقد آذنتني بالرّحيل حداتي إلى منزل فيه عذاب ورحمة ... وكم فيه من زجر لنا وعظات ومن أعين سالت على وجناتها ... ومن أوجه في التّرب منعفرات ومن وارد فيه على ما يسرّه ... ومن وارد فيه على الحسرات قوله: «اعتدّ» أي استعدّ، روى أبو بكر ﵁ عن النبيّ ﷺ ، قال: «يحمل

стр. 324

الناس يوم القيامة على الصّراط فيتقادع بهم جنبتا الصّراط تقادع الفراش في النار، فينجّي الله برحمته من يشاء» (١). التّقادع: التّهافت، كأنّ كل واحد منهم يقدع صاحبه كي يسبقه. والجسر: بناء على النار يجاز عليه من جهة إلى أخرى. وأمّ: قصد. مرشد: هاد. ضلّ: تحيّر. الخطب: الأمر الشديد. طمّ: عظم. الغمر: الجاهل بالأمور. والذي يحلو به المرّ: هو التوبة والأعمال الصالحة التي يصلح بها ما فسد. يهي: يضعف. أقلعت عن ذمّ، أي رجعت عن أمر مذموم، وقال ابن عبد ربه: [البسيط] بادر إلى التوبة الخلصاء مجتهدا ... والموت ويحك لم يمدد إليك يدا وارقب من الله وعدا ليس يخلفه ... لا بدّ لله من إنجاز ما وعدا *** ولا تركن إلى الدّهر ... وإن لان وإن سر فتلفى كمن اغتر ... بأفعى تنفث السّم وخفّض من تراقيك ... فإنّ الموت لاقيك وسار في تراقيك ... وما ينكل إن هم وجانب صعر الخدّ ... إذا ساعدك الجدّ وزمّ اللّفظ إن ندّ ... فما أسعد من زم ونفّس عن أخي البثّ ... وصدّقه إذا نث ورمّ العمل الرّثّ ... فقد أفلح من رم *** قوله: «لا تركن»: تقول: ركنت إلى فلان، إذا اتّخذته ركنا تلجأ إليه، تلفى: توجد. اغترّ: انخدع. تنفث: تبصق عند لدغها. خفّض: سكّن. تراقيك ارتفاعك وتكبرك. سار: ماش. والتراقي: العظمان المعوجّان على الصدر. ينكل: يضعف وينقطع. إن همّ: إن أرادك وهمّ بك، وفي معنى هذا قول أبي نواس- قال غانم الورّاق: دخلت عليه قبل وفاته بيوم فقال لي: أمعك ألواحك؟ قلت: نعم، قال: اكتب: [الخفيف] دبّ فيّ السّقام سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضوا فعضوا ليس تمضي من لحظة لي إلّا ... نقصتني بمرّها بي جزوا ذهبت جدّتي بطاعة نفسي ... وتذكّرت طاعة الله نضوا قد أسأنا كلّ الإساءة فاللّ ... همّ صفحا عنّا وغفرا وعفوا

стр. 325

قوله: «نفّس»، أي وسّع نفسه، كأنه خنق فضاق نفسه، فأمر بحلّه. أخي البث: صاحب الحزن. نثّ: نطق وكشف له سره. رمّ: أصلح، وقد رممت الشيء رمّا أصلحته. الرثّ: الخلق. ورش من ريشه انحصّ ... بما عمّ وما خصّ ولا تأس على النّقص ... ولا تحرص على اللّم وعاد الخلق الرّذل ... وعوّد كفّك البذل ولا تستمع العذل ... ونزّهها عن الضّم وزوّد نفسك الخير ... ودع ما يعقب الضّير وهيّئ مركب السّير ... وخف من لجّة اليم بذا أوصيت يا صاح ... وقد بحت كمن باح فطوبى لفتى راح ... بآدابي يأتم *** رش: اجعل له ريشا. انحصّ: نتف ريشه، تقول: رشت الرجل، أي أعنته وأغنيته. بما عمّ وما خصّ، أي بما كثر من العطيّة وقلّ. تأس: تحزن: على النّقص، أي على النقصان في الصّدقة والمعروف، ولا تكن أيضا حريصا على جمعه ومنعه فمن احتاج إليه، واللمّ: جمع المال، ولممت الشيء لمّا. الرّذل: الرديء، يريد: عاد أخلاق البخل، أو الخلق السوء. عائشة ﵂، قال النبي ﷺ : «ما من مسيء إلا وله توبة، إلا صاحب سوء الخلق لأنه لا يتوب من ذنب إلّا عاد في شرّ منه». والبذل: العطاء، وبذلت الشيء بذلا، أي أبحته عن طيب نفس. والعذل: اللوم، أي. من لامك على العطاء لا تسمعه وأعط، وأحسن ما قيل في ردّ العذل على كثرته قول زهير: [الطويل] وأبيض فياض نداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ فواضله (١) بكرت إليه غدوة فرأيته ... قعودا إليه بالصّريم عواذله يفدّينه طورا، وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله

стр. 326

فأقصرن فيه عن كريم مرزّإ ... صبور على الأمر الذي هو فاعله قوله «نزّهها»، أي باعدها. عن الضمّ، أي عن ضمّ الأصابع على ما في الكفّ، يقول: ابسط كفّك بالعطية ولا تقبضها على ما فيها شحّا، قال ابن عبد ربّه: [البسيط] يا قابض الكفّ لا زالت مقبّضة ... فما أناملها للناس أرزاق وغب إذا شئت حق لا ترى أبدا ... فما لفقدك في الأحشاء إحراق كأنّه قلب بيت ابن دريد في رجل من أهل البصرة: [الكامل] يا من يقبّل كفّ كل ممخرق ... هذا ابن يحيى ليس بالمخراق قبّل أنامله فلسن أناملا ... لكنّهنّ مفاتح الأرزاق أخذه ابن دريد من إبراهيم بن العباس الصوليّ يمدح الفضل بن سهل: [المتقارب] لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل فبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل وباطنها للنّدى ... وظاهرها للقبل وسرقه ابن الرومي فقال: [الكامل] أصبحت بين خصاصة ومذلّة ... والحرّ بينهما يموت ذليلا فامدد إليّ يدا تعوّد بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا وقال ابن عبد ربه: [الطويل] وما خلقت كفّاه إلا لأربع ... عقائل لم يعقل لهنّ ثواني لتقبيل أفواه، وإعطاء نائل، ... وتقليب هنديّ وحبس عنان قوله: «ودع ما يعقب الضير»، أي دع عنك شيئا يجيئك في أثره ضرر. المركب هنا: السفينة. واليمّ: البحر. واللجّة: معظم الماء، وجعل الميت كالمسافر، وضرب له البحر مثلا لكثرة ما يرى من الأهوال، فأمره بالاستعداد لذلك. يا صاح: يا صاحب. بحت. نطقت، يريد أنّ كلّ ما قدّم من الوصيّة إنما هو على وجه النصح، كما وصّي هو بها قبل ذلك، وأراد بقوله: «صاح» كلّ من يسمع وصيّته، لا صاحبا معيّنا. طوبى: شجرة في الجنة، وهي، عندهم «فعلى» من الطيب. يأتمّ: يقتدى بها في الظاهر، يريد أنه من اقتدى بهذه الوصية فطوبى له، وهو يريد: من حصل آداب المقامات كلها رأس. *** ثمّ حسر ردنه عن ساعد شديد الأسر، قد شدّ عليه جبائر المكر لا الكسر،

стр. 327

متعرّضا للاستماحة، في معرض الوقاحة، فاختلب به أولئك الملأ، حتى أترع كمّه وملأ؛ ثمّ انحدر من الرّبوة، جذلا بالحبوة. قال الراوي: فجاذبته من ورائه، حاشية ردائه، فالتفت إليّ مستسلما، وواجهني مسلّما، فإذا هو شيخنا أبو زيد بعينه ومينه، فقلت له: [الهزج] إلى كم يا أبا زيد ... أفانينك في الكيد لينحاش لك الصّيد ... ولا تعبا بمن ذم *** قوله: «حسر»، أي كشف. ردنه: كمّه. الأسر: الخلقة، ومنه قوله تعالى: وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ [الإنسان: ٢٨]، أي خلقهم، وهو من الإسار، وهو القدّ الذي يشدّ به الأسير، فشرك الجلد هي الإسار- ويراد بها في الخلقة العصب- التي يشتدّ بها الجسد وتلتئم بها الأعضاء، وإليها حكم حركة البدن من القيام والقعود، فسبحان الذي أنشأ الخليقة كيف شاء! الاستماحة: الطلب، استفعالة، من ماح الرجل يميحه إذا أعطاه، وأصل ذلك من المائح، وهو النازل في قعر البئر ليغرف ماءها ويفرّقه على دلاء المستقين، وقد ماحالبئر ميحا. الوقاحة: ترك الحياء وصلابة الوجه، من الحافر الوقاح وهو الصّلب. ومعرضها: موضع عرضها ونشرها، وإن كسرت الميم وفتحت الراء فهو ثوب الوقاحة، لبسه لأنّ المعرض الثوب الذي تعرض فيه الجارية للبيع، والوقاحة: إظهار ذراعه صحيحا مشدودا عليه بخرق، ليوهم من رآه أنه مكسور. اختلب: خدع، واحتلب بالحاء: حلب ما عندهم كما تحلب الشاة. الملأ: الجماعة. أترع: ملأ. انحدر: هبط، والرّبوة، لغة في الرّباوة التي تقدّمت. جذلا: مسرورا. الحبوة: العطيّة. جاذبته: نازعته. مينه: كذبه. أفانينك: أنواع كذبك وحيلك. ينحاش: ينضمّ ويجتمع، وحشت الصيد أحوشه، إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة. لا تعبأ، أي لا تبالي، من عبّأت الحلم للجهل، والخيل للحرب إذا أعددته، وإذا لم يبال بالشيء لم يستعدّ له. *** فأجاب من غير استحياء، ولا ارتياء، وقال: [الهزج] تبصّر ودع اللّوم ... وقل لي هل ترى اليوم فتى لا يقمر القوم ... متى ما دسته تمّ! فقلت له: بعدا لك يا شيخ النّار، وزامله العار، فما مثلك في طلاوة علانيتك، وخبث نيّتك، إلّا مثل روث مفضّض، أو كنيف مبيّض.

стр. 328

ثمّ تفرّقنا، فانطلقت ذات اليمين، وانطلق ذات الشّمال، وناوحت مهبّ الجنوب، وناوح مهب الشّمال. *** ارتياء: إبطاء، وهو «افتعال» من رؤية القلب، التي معناها التدبّر والتفكّر، وأصل بابه الهمزة، فنقلها لمكان همزة اللّام؛ يقول: أجاب من غير فكرة. يقمر: يغلب، وتقول: قامرت الرجل قمارا فقمرته أقمره، أي غلبته. دسته، أي حيلته، والدّست: الذي يكون لك فيه الغلب في الشطرنج، تقول: الدّست لي، والدّست عليّ. ومن ألفاظ عامّة المشرق أن يقول الرجل لصاحبه: هلمّ نأخذ دستا. تمّ: كمل. قوله: «زاملة»، أي حاملة، والزاملة: الدابّة يحمل عليها. طلاوة علانيتك، أي حسن ظاهرك. خبث نيّتك: فساد باطنك، وفي معنى هذا قال لقمان لابنه: احذر واحدة- وهي أهل للحذر: إيّاك أن ترى أنك تخشى الله وقلبك فاجر؛ يحذّره من الرياء، وفي الحديث: «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته». وقيل لرجل مراء: ما أحسن صلاتك! قال: ومع هذا فإني صائم! قال الشاعر: [الرمل] وإذا أظهرت شيئا حسنا ... فليكن أحسن منه ما يسر فمسرّ الخير موسوم به ... ومسرّ الشّر موسوم بشرّ وقال محمود الوراق لابن أخيه: [الوافر] تصوّف كي يقال له أمين ... وما معنى التصوّف والأمانة ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانة وقال فيه أيضا: [الكامل] شمّر ثيابك واستعدّ لقائل ... واحكك جبينك للقضاة بثوم وعليك بالفتوي فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيم وقال الأبيض الإلبيريّ: [الكامل] أهل الرياء لبستم ناموسكم ... كالذئب يصبح في الظلام العاتم فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتم الأموال بابن القاسم وركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم وقال آخر: [الكامل] لا شيء أخسر صفقة من عالم ... لعبت به الدّنيا مع الجهال

стр. 329

فغدا يفرّق دينه أيدي سبا ... ويديله حرصا لجمع المال لا خير في كسب الحرام وقلّما ... يرجى الخلاص لكاسب لحلال فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلة ... فالفضل تسأل عنه أيّ سؤال قوله: «مفضّض»، مطليّ بالفضة. والكنيف: المستراح. ذات: جهة وناحية. ناوحت: قابلت. مهبّ: ناحية هبوبها. الجنوب: الريح القبليّة. والشمال [مقابل] الجنوبية.

стр. 330

المقامة الثانية عشرة وهي الدّمشقيّة حكى الحارث بن همّام قال: شخصت من العراق إلى الغوطة، وأنا ذو جرد مربوطة، وجدة مغبوطة، يلهيني خلوّ الذّرع، ويزدهيني حفول الضّرع. فلمّا بلغتها بعد شقّ النّفس، وإنضاء العنس، ألفيتها كما تصف الألسن، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، فشكرت يد النّوى، وجريت طلقا مع الهوى، وطفقت أفضّ فيها ختوم الشّهوات، وأجتني قطوف اللّذّات، إلى أن شرع سفر في الإعراق، وقد أشفقت من الإغراق، فعادني عيد من تذكار الوطن، والحنين إلى العطن، فقوّضت خيام الغيبة، وأسرجت جواد الأوبة. *** [غوطة دمشق] شخصت، أي خرجت. الغوطة: موضع بالشأم خصيب بخارج دمشق، قال رسول الله ﷺ : «ستفتح عليكم الشأم فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، هي خير مدائن الشأم وفسطاط المؤمنين بأرض منها يقال لها الغوطة» (١). قال الأصمعيّ: أحسن أنهار الدنيا ثلاثة أنهار: الغوطة، وسمرقند، ونهر الأبلّة، وهو قريب من البصرة، وحشوشها ثلاثة: عمان، وأردبيل، وهيت. وسمّيت دمشق باسم صاحبها الذي بناها، وهي إرم ذات العماد. وقال اليعقوبيّ: مدينة دمشق جليلة المقدار قديمة، وهي مدينة الشأم في الجاهلية والإسلام، وليس لها نظير في جميع بلاد الشأم في أنهارها وبساتينها، ومبانيها وكثرة عمارتها. وافتتحت في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة أربع عشرة. وقال شيخنا ابن جبير: مدينة دمشق هي جنّة المشرق، ومطلع حسنه المونق، وعروس المدن. قد تحلّت بأزاهير الرياحين، وتجلّت في حلل سندسيّة من البساتين، وحلّت من موضع الحسن بمكان مكين، وتجلّت في منصتها بأجمل تزيين، وتشرفت بأن

стр. 331

آوى الله المسيح وأمّه منها إلى ربوة ذات قرار ومعين. ظلّ ظليل، وماء سلسبيل، ينساب انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض تحيي النفوس بنسيمها العليل، تبرز لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم: ألا هلمّوا إلى معرّس للحسن ومقيل، وقد سئمت أرضها كثرة المياه حتى اشتاقت إلى الظمأ، فتكاد تناديك بها الصمّ الصّلاب: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ [ص: ٤٢]. قد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الأكمام للزهر، وامتدّت بشرقيّها غوطتها الخضراء امتداد البصر، فكل موقع لحظته بجهاتها الأربع، نضرته اليانعة قيد النظر، ولقد صدق القائلون عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك منها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها. وقال فيها البحتري: [البسيط] إذا أردت ملأت الطّرف من بلد ... مستحسن، وزمان يشبه البلدا (١) يمسي السحاب على أجبالها فرقا ... ويصبح النّبت في صحرائها بددا فلست تبصر إلّا واكفا خضلا ... أو يانعا خضرا، أو طائرا غردا كأنّما القيظ ولّي بعد وفدته ... أو الربيع دنا من بعد ما بعدا *** قوله: «جرد»، أي خيل قصيرة شعر الجسد. جدة: غنى. مغبوطة: محسودة، أراد مغبوط عليها مالكها، فقلب. يلهيني: يدعوني إلى اللهو. خلوّ الذّرع: فراغ البال والصدر من الهمّ، يزدهيني: يحملني على الزّهو. حفول الضّرع: كثرة المال، والضّرع للبقرة والشاة بمنزلة الثّدي للمرأة، وحفوله: امتلاؤه باللبن. شقّ: مشقة. إنصاء: إهزال. والعنس: الناقة القوية. ألفيتها: وجدتها النّوى: البعد والانتقال من بلد إلى بلد، وأراد أنه شكر سفره. ويد النّوى: النعمة التي أنعم بها عليه، بأن أوصله إلى الغوطة. الهوى: ما تهواه النفس وتشتهيه. طفقت: أخذت. أفضّ: أكسر. ختوم: ربوط؛ يريد أنّ شهوته التي كانت قد شدّت وربطت أخذ يكسر ختومها ويسرّحها في المآكل والمشارب واللذات. أجتني: أجمع. جناة قطوف: ما يجنى من الثمار، وجعله للذّات اتساعا. شرع: أخذ وابتدأ. من شرعت الدّابة في الماء، إذا دخلته لتشرب سفّر: مسافرون، الإعراق: المشي إلى العراق، أشفقت: خفت الإغراق: الفقر من أجل الزاد والمأكل، وكأنه غرق في ذلك، فهو يرجع إلى الغرق والإغراق: المبالغة في الشيء، يقال: أغرق الرجل في القول والرمي بالقوس، إذا بالغ فيهما. عادني: زارني. عيد: شوق، وكلّ ما تذكرته واشتقت إليه فهو عيد، كأنه عاد إلى قلبه بعد نسيانه، ونقل لفظ الشاعر: [الخفيف]

стр. 332

عاد قلبي من الطّويلة عيد ... واعتراني من حبّها تسهيد (١) ابن الأنباري، العيد هنا: الوقت الذي يعود فيه الحزن والشوق، وقال تأبط شرّا: [البسيط] يا عيد ما لك من شوق وإيراق ... ومرّ طيف على الأهوال طرّاق العيد: ما يعتاد من الحزن والشوق، ومعنى «يا لك من شوق»: ما أعظمك من شوق. الحنين: الشوق. العطن: مبارك الإبل حول الماء، وأراد به بلده. قوّضت: هدّمت. خيام: بيوت. الأوبة: الرجوع، وأراد قطعت أسباب الإقامة. *** ولمّا تأهّبت الرّفاق، واستتبّ الاتّفاق، ألحنا من المسير، دون استصحاب الخفير، فردناه من كلّ قبيلة، وأعملنا في تحصيله ألف حيلة، فأعوز وجدانه في الأحياء، حتّى خلنا أنّه ليس من الأحياء، فحارت لعوزه عزوم السّيّارة، وانتدوا ب باب جيرون للاستخارة؛ فما زالوا بين عقد وحلّ، وشزر وسحل، إلى أن نفد التّناجي، وقنط الرّاجي. وكان حذتهم شخص ميسمه ميسم الشّبّان، ولبوسه لبوس الرّهبان، وبيده سبحة النّسوان، وفي عينيه ترجمة النّشوان، وقد قيّد لحظه بالجمع، وأرهف أذنه لاستراق السّمع. فلمّا أنى انكفاؤهم، وقد برح له خفاؤهم، قال لهم: يا قوم ليفرخ كربكم، وليأمن سربكم، فسأخفركم بما يسرو روعكم، ويبدو طوعكم. *** استتبّ: تهيّأ وأقام. ألحنا: خفنا. الخفير: المجير، وهو الذي تمشي الرفاق في ذمته، وتسمّيه العامة الغفير. ردناه: طلبناه. أعوز: عدم. الأحياء الأول: القبائل، والثاني ضدّ الموتى. حالت: تغيّرت. لعوزه: لفقده. عزوم: جمع عزم، وهو الجدّ. السّيّارة: الرفقة، وهي فعّالة من السير. انتدوا: اجتمعوا. *** [باب جيرون] باب جيرون، من أبواب جامع دمشق، وجيرون هذا هو جيرون بن سعد بن عاد، وهو الذي بنى دمشق، ونقل إليها الرّخام، وسمّاها إرم، وعلى هذا نقلة الأخبار؛ وأنّ

стр. 333

إرم ذات العماد هي دمشق، يقال: إنه كان فيها أربعمائة ألف عمود. وقد تقدّم أيضا أن دمشق سمّيت باسم بانيها، وهو دماشق بن نمروذ بن كنعان، وقيل: بانيها دمشق بن عامر بن لمك بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال اليعقوبيّ: جامع دمشق ليس في الإسلام أحسن منه، بناه الوليد بن عبد الملك في خلافته بالرّخام والذهب سنة ثمان وثمانين، مفروش بالرّخام الأبيض المختم بالأزرق، وسقفه لا خشب فيه، مذهّب كلّه، ومنائره ثلاث: واحدة في مؤخر المسجد، مذهّب كلها من أعلاها إلى أسفلها. وذكر شيخنا ابن جبير في وصف هذا الجامع ووصف دمشق غرائب لا يتّسع لها هذا الكتاب، فلنلمّ هنا ببعض ما وصف في هذا الجامع؛ لنفي بشرطنا. قال: هذا الجامع من أشهر جوامع الإسلام حسنا وإتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال تنميق وتزيين، ومن عجيب شأنه أنه لا يلمّ به نسج العنكبوت، ولا تلمّ به الطير المعروفة بالخطاف، انتدب لبنائه الوليد، ووجّه إلى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره بأشخاص اثني عشر ألف صانع من بلاده، وتقدّم إليه بالوعيد في ذلك إن توقّف [عنه]، فامتثل أمره مذعنا، وشرع في بنائه، وبلغت الغاية في التأنّق فيه، وأنزلت جدره كلها بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء، وخلطت بها أنواع من الأصبغة الغريبة، قد مثلت أشجارا، وفرّعت أغصانا منظومة بالفصوص ببديع الصنعة المعجزة وصف كلّ واصف، فجاء يعشي العيون وميضا وبصيصا. وبلغت النفقة فيه أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار. وكان أبو عبيدة بن الجراح ﵁ صالح النّصارى لمّا دخلها، بأن أخذ نصف الكنيسة الشرقيّ، فصيّره مسجدا، وبقي النصف الغربيّ للنصارى. فأخذه الوليد، وأدخله في الجامع بعد أن رغب إليهم أن يعوّضهم عنه، فأبوا، فأخذه قهرا. وكانوا يزعمون أنّ من يهدم كنيستهم يجنّ، فبادر الوليد، وقال: أنا أول من يجنّ في الله، وبدأ الهدم بيده، فبادر المسلمون، فأكملوا هدمها. ثم أرضاهم عمر بن عبد العزيز في خلافته عن الكنيسة بمال عظيم. وطول هذا الجامع من الغرب إلى الشرق: ذرعه مائتا خطوة، وهما ثلاثمائة ذراع، وذرعه في السعة من القبلة إلى الشمال مائة وخمس وثلاثون خطوة، وهي مائتا ذراع، وتكسيره بالمرجع المغربيّ أربعة وعشرون مرجعا، وهو تكسير مسجد النبيّ ﷺ ؛ غير أنّ طوله من القبلة إلى الشمال، وبلاطاته المتّصلة بالقبلة ثلاث، مستطيلة من المشرق إلى المغرب، سعة كلّ بلاطة منها ثمان عشرة خطوة، وقامت البلاطات على ثمانية وستين عمودا، منها ثمانية أرجل تتخللها واثنتان مرخّمة ملصقة بالجدار الذي يلي الصخرة، وأربع أرجل مرخّمة أبدع ترخيم، مرصّعة بفصوص من الرّخام ملوّنة، قد نظمت خواتيم، وصوّرت محاريب وأشكالا غريبة قائمة في البلاط الأوسط، دور كلّ رجل منها اثنان

стр. 334

وسبعون شبرا، ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته، سعته عشر خطا، وعدد قوائمه سبع وأربعون، منها أربع عشرة رجلا، والباقي سوار، وسقف الجامع كله من خارج ألواح رصاص. وأعظم ما فيه قبة الرصاص المتّصلة بالمحراب، وهي سامية في الهواء، عظيمة الاستدارة، وقد استقلّ بها هيكل عظيم، هو عماد لها يتّصل من المحراب إلى الصحن والقبّة، قد أغصّت بالهواء، فإذا استقبلتها رأيت مرأى هائلا، ومن أيّ جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء، كأنها معلقة في الجوّ، وعدد شمسياتها الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون، فإذا قابلتها الشمس واتصل شعاعها بها انعكس الشعاع إلى كلّ لون منها، واتصل ذلك بالجدار القبليّ، ويتصل بالأبصار منها أشعة ملوّنة هائلة لا تبلغ العبارة تصوّرها، ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسنا وغرابة صنعة يتقد ذهبا كلّه، وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره، تحفّها سويريات مفتولات فتل الأسورة، فإنها مخروطة، بعضها أحمر، كأنها مرجان لم ير شيء أجمل منها. وفيها ثلاث مقاصير: مقصورة معاوية، وهي أول مقصورة وضعت في الإسلام، طولها أربعة وأربعون شبرا، وعرضها نصف الطّول. ويليها بجهة الغرب المقصورة التي أحدثت عند زيادة الكنيسة فيه، وهي أكبر. والثالثة بالجانب الغربيّ، يجتمع الحنفيّة فيها للتدريس. وله أربعة أبواب: باب قبليّ يعرف بباب الزيادة، وباب شمالي يعرف بباب الناطفيين، وباب غربي يعرف بباب البريد، وباب شرقيّ يعرف بباب جيرون، وهو أعظمها. وله وللغربي دهاليز متسعة يفضي كل دهليز منها إلى باب عظيم كانت كلها مداخل للكنيسة، فبقيت على حالها. ثم ذكر في الصحن عجائب من الأبنية والقباب والصوامع الثلاث والمياه المدبرة فيه ما يطول وصفه واختصاره. قال: وهذا الصّحن من أجمل المناظر وأحسنها، وفيه مجتمع أهل البلد ومتفرّجهم ومنتزههم، كل عشيّة تراهم فيه ذاهبين وراجعين من باب جيرون إلى باب البريد، لا يزالون على هذه الحالة إلى انقضاء صلاة العشاء الأخيرة، منهم من يتحدّث مع صاحبه، ومنهم من يقرأ، فهذا دأبهم أبدا بالعشي والغداة، وأكثر الاحتفال بالعشي، [فيخيّل لمبصر ذلك أنّها ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم لما يرى من احتفال الناس واجتماعهم، لا يزالون على ذلك كل يوم]، وأهل البطالة يسمونهم الحراثين. وللجامع أربع سقايات في كل جهة سقاية. وأعظمها سقاية باب جيرون. وذكر أنّ حول باب جيرون من الأبنية الغريبة ما يطول وصفه، وذكر باب جيرون فقال: يخرج من دهليزه إلى بلاط طويل عريض له خمسة أبواب مقوّسة، لها ستة أعمدة

стр. 335

في جهة اليسار، منه مشهد كبير كان فيه رأس الحسين ﵁، قبل أن ينقل إلى القاهرة، وبإزائه مسجد صغير لعمر بن عبد العزيز ﵁، وقد انتظمت أمام البلاط أدراج ينحدر عليها إلى الدهليز، وهي كالخندق العظيم تتصل إلى باب عظيم الارتفاع ينحسر الطرف دونه سموّا، قد حفّته أعمدة كالجذوع طولا، وكالأطواد ضخامة، وبجانبي الدّهليز أعمدة قامت عليها شوارع مستديرة، فيها حوانيت العطّارين وغيرهم، وعليها شوارع مستطيلة فيها الحجر والبيوت للكراء مشرفة على الدهاليز، وفوقها سطح بيت فيه سكّان الحجر والبيوت، وفي وسط الدّهليز حوض كبير مستدير من الرخام، عليه قبة تقلّها أعمدة من الرخام. وفي وسط الحوض أنبوب صفر يزعج الماء بقوّة، فيرتفع في الهواء أزيد من القامة، وحوله أنابيب صغار ترمي الماء علوّا، فيخرج منها كقضبان اللجين، فكأنها أغصان تلك الدوحة المائية، ومنظرها أبدع من أن يوصف، وعن يمين الخارج من باب جيرون في جدار البلاط الذي أمامه شبه غرفة، بها هيئة طاق كبير مستدير، فيه طيقان من صفر وقد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار، ودبرت تدبيرا هندسيا، فعند انقضاء ساعة من النهار، تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيّين من صفر قائمين على طاستين من صفر مثقوبتين، فتبصر البازيين يمدّان أعناقهما للصنجتين إلى الطّاستين، ويقذفانهما بسرعة، بتدبير عجيب تتخيّله الأوهام سحرا، فعند وقوعهما يسمع لهما دوي، فيعودان من الأثقاب إلى داخل الجدار إلى الغرفة، ويتعلّق الباب تلك الساعة بلوح أصفر، فلا يزال كذلك حتى تنقضي الساعات، فتغلق الأبواب كلها، ثم تعود إلى حالاتها الأولى. ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أنّ في القوس المنعطف على الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرّمة، في كلّ دائرة زجاجة. وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عمّ الزّجاجة ضوء المصباح، وأفاض على الدائرة شعاعا، فلاحت دائرة محمرة، ثم ينتقل إلى الأخرى، حتى تنقضي ساعات الليل، وقد وكلّ بها من يدير شأنها، فيعيد فتح الأبواب، ويسرح الصّنج إلى موضعه وهي التي تسمى الميقات. ثم ذكر في باب جيرون، وفي الجامع وفي خارج البلد عجائب ليست من شرطنا، وإنما ذكرنا منها ما دعت إليه الحاجة من ذكر باب جيرون. *** قوله: «الاستخارة» أي طلب الخيرة، واستخرت الله: سألته أن يهب لي الخيرة. شزر: عقد. سحل: حلّ، وشزرت الحبل شزرا شددت فتله، وسحلت النّسج سحلا أفردت سداه ولم تفتله. نفد: تم وفرغ. التناجي: التحدّث سرّا. قنط: يئس الراجي: الطامع. حذتهم: قريبا منهم، تقول: داري حذوه وحذوته وحذته، أي حذاءه. ميسمه: علامته، وأصل الميسم الموسم، لأنه من وسمت الشيء، فقلبت الواو ياء لسكونها وكسر ما قبلها. لبوسه: ثيابه. الرّهبان: العبّاد. والترهّب: ترك النساء. سبحة: خيط ينظم فيه

стр. 336

خرز يعدّ به التسبيح، وكانت لأبي هريرة ﵁ سبحة من النوى المجزّع، وهو الذي حكّ حتى اختلف لونه. وفرغ من سبحته، أي من صلاته وما يتبعها من الذّكر. ترجمة: علامة. النّشوان: السّكران. قيّد لحظه: ربط نظره، أي شخص فيهم. أرهف: أحدّ. آن: حان وقرب، ويروى «ناء» مقلوب «آن». انكفاؤهم: انقلابهم ورجوعهم. برح: انكشف. خفاؤهم: سرّهم. ليفرخ كربكم: ليزول ويسكن، ومثل العرب: أفرخ روعك، ومعناه: انجلى وانكشف كما ينكشف ما في البيضة إذا انشق عن الفرخ. وقيل: معنى أفرخ، ذهب. وقال الفارسيّ في التذكرة: معنى أفرخ روعك: صار له فرخ، وإذا أفرخ الطائر طار، لأنه فارق الحضن، وهذا قول حسن. وقال عروة بن مضرّس: أتيت النبيّ ﷺ بجمع قبل أن يصلّي الصبح، فقلت: يا رسول الله، طويت الجبلين، ولقيت شدّة، فقال: «أفرخ روعك، من أدرك إفاضتنا هذه فقد أدرك الحج»: وقال الأخطل يصف الثّور والكلاب: [الكامل] حتّى إذا ما الثّور أفرخ روعه ... وأفاق أقبل نحوها يتذمّر (١) أضما وهزّ لهنّ روقي رأسه ... إذ قد أتيح لهنّ موت أحمر فقوله: «أفاق» بعد «أفرخ روغه» يدلّ على أنه أراد ذهب فزعه وزال ويتذمّر، يحضّ نفسه على الإقدام، يقال: ذمرته إذا حضضته. وأضما، أي غضبان، والموت الأحمر مذكور في المقامة بعد هذه. قوله: «كربكم» أي همكم سربكم، أي جمعكم، أي تأمنوا في نفوسكم. سأخفركم: سأجيركم. يسرو: يكشف ويزيل. روعكم: فزعكم. يبدو: يظهر. طوعكم: منقادا لكم، وأراد سأجيركم بشيء يزيل عنكم الفزع، ويكون منقادا لكم، وذلك الشيء هو الكلمات التي يأتى بها. *** قال الرّاوي: فاستطلعنا منه طلع الخفارة، وأسنينا له الجعالة عن السّفارة، فزعم أنّها كلمات لقّنها في المنام، ليحترس بها من كيد الأنام، فجعل بعضنا يومض إلى بعض، ويقلّب طرفيه بين لحظ وغضّ، وتبيّن له أنّا استضعفنا الخبر، واستشعرنا الخور، فقال: ما بالكم اتّخذتم جدّي عبثا؛ وجعلتم تبري خبثا! ولطالما والله جبت مخاوف الأقطار، وولجت مقاحم الأخطار، فغنيت بها عن مصاحبة خفير، واستصحاب جفير. ثمّ إنّي سأنفي ما رابكم، وأستسلّ الحذر الّذي

стр. 337

نابكم، بأن أوافقكم في البداوة، وأرافقكم في السّماوة، فإن صدقكم وعدي، فأجدّوا سعدي، وأسعدوا جدّي. وإن كذبكم فمي، فمزّقوا أدمي، وأريقوا دمي. قال الحارث بن همام: فألهمنا تصديق رؤياه، وتحقيق ما رواه، فنزعنا عن مجادلته، واستهمنا على معادلته، وفصمنا بقوله عرى الرّبائث، وألغينا اتّقاء العابث والعائث. *** استطلعنا منه طلع الخفارة، أي استخبرناه عن خبر الإجارة، قال ابن الأنباريّ: معنى السّفارة في كلامهم الإصلاح، والسفير: المصلح. قال الشاعر: [الوافر] وما أدع السّفارة بين قومي ... وما أمشي بغشّ إن مشيت وأسنينا له الجعالة عن السّفارة، أي كثّرنا له العطاء ليدلّنا على المجير، وأن يكون رسولا بيننا وبينه. ويمكن أن تكون السّفارة فعالة، من لفظ السّفير، فيكون اسما للحرفة كالنّجارة والخياطة. لقّنها: حفظها. ليحترس، ليمتنع يومض: يشير. لحظ: نظر بطرف عينيه. غضّ: كسر النظر؛ أي جعلوا يتغامزون عليه استضعافا لخبره. استشعرنا الخور، أي ظهر علينا الفزع والضعف من كلامه. العبث: اللعب. تبري: ذهبي، والتبر: كل ما لم يصنع من الجواهر من نحاس وغيره. خبثا: فاسدا. جبت: قطعت. مخاوف: مواضع الخوف الأقطار: نواحي الأرض. ولجت: دخلت. مقاحم: مهالك، والفحمة الأمر العظيم لا يركبه أحد لهوله. الأخطار: جمع خطر، وهو الغرر. جفير: جعبة السهام. رابكم: شكّككم، أستسلّ: أزيل. الحذر: الخوف. نابكم: قصدكم. أوافقكم: أساعدكم وأمشي معكم مصاحبا لكم. أرافقكم: أسافر معكم، والرفيق: الصاحب في السفر. السماوة: مفازة بين الشأم والعراق، وسماوة كل شيء شخصه، وبذلك سميت السماوة لأنها منازل ثمود، وفيها إلى الآن أشخاص منازلهم وآثارهم. أجدّوه: ردوه ذا جدّ، وهو السعد والحظّ، والمعنى أنه يقول: إن كان سعدي قليلا فأجدّوه، أي كثّروا حظّه بعطيتكم حتى يعود صاحبه كثير السّعد، وكذلك يقدّر: أسعدوا جدّي، فيريد: إن صدقتكم وعدي، وسلمتم، فهبوا لي من أموالكم ما يتقوّى به سعدي الضعيف، ويكثّر حظّي القليل. ويقال أيضا: أجدّ الشيء إذا صيّره جديدا. مزّقوا: قطّعوا. أدمي: جلدي. أريقوا: صبّوا. ألهمنا، أي ألقي في قلوبنا. نزعنا: أقلعنا. مجادلته: مخالفته. استهمنا: ضربنا السّهام وتخاطرنا على من يركب معه رفيقا. ومعادلته: الركوب معه في المحمل، وهو أن يركب هذا في الأيمن، وهذا في الأيسر، مأخوذة من العدل.

стр. 338

ونذكر هنا حكاية مضحكة تزيد المعادلة بيانا، كان المعتصم يأنس بعليّ بن الجنيد الإسكاف، وكان عجيب الصّورة والحديث، فقال المعتصم لابن حماد: اذهب إلى ابن الجنيد، وقل له: يتهيّأ ليزاملني، فأتاه فقال له: تهيأ لمزاملة أمير المؤمنين، فإنّ مزاملة الخلفاء كبيرة، فقال: كيف أتهيّأ لها؟ أصيب رأسا غير رأسي! أشتري لحية غير لحيتي! قال ابن حمّاد: شروطها الامتناع عن الحديث والمذاكرة والمنادمة، وألّا تبصق ولا تسعل ولا تمخط ولا تتنحنح، وأن تتقدّم في الركوب إشفاقا عليه من الميل، وأن يتقدّمك في النزول، فمتى لم يفعل هذا المعادل كان ومثقلة الرصاص التي تعدل بها القبّة واحدا، فقال لابن حماد: اذهب قل له ما يزاملك إلا من أمّه زانية. فرجع إلى المعتصم وأعلمه، فضحك وقال: عليّ به، فلما جاء قال: يا عليّ، أبعث إليك أن تزاملني فلا تفعل! فقال له: إن رسولك هذا الأرعن جاءني بشروط حسّان السامي وخالويه الحاكمي، فقال: لا تبصق ولا تعطس، وجعل يقرقع بصاداته، وهذا لا أقدر عليه؛ فإن رضيت أن زاملك، فإذا جاءني الفساء والضراط فسوت وضرطت، وإلا فليس بيني وبينك عمل. فضحك المعتصم حتى فحص برجليه، وقال: نعم زاملني على هذه الشروط، فسار ساعة فلمّا توسط البرّ، قال: يا أمير المؤمنين، قد حضر ذلك المتسامح، قال: ذلك إليك، قال: يحضر ابن حمّاد، فحضر، فناوله كمّه، وقال أجد في كمّي دبيب شيء، فانظر ما هو، فأدخل رأسه فشمّ رائحة الكنيف، فقال: ما أرى شيئا، ولكني أعلم أن في جوف ثيابك كنيفا، والضّحك قد ذهب بالمعتصم كلّ مذهب، وابن الجنيد يفسو فساء متّصلا، ويقول لابن حماد: قلت: لي: لا تسعل أو لا تمخط، فخريت عليك، ثم قال: قد نضجت القدر، وأريد أخرى، فأخرج المعتصم رأسه من العماريّة حين كثر عليه الضحك، وصاح: ويلك يا غلام، الأرض: الساعة أموت! . قوله: «فصمنا»، أي قطعنا وحللنا والعرا: عيون من شريط أو غيره يشدّ بها فم الخرج أو العدل، واحدها عروة. والرّبائث: العلق، واحدها ربيثة، وهو ما يثبّت الإنسان ويحبسه عن أمر يريده، وقد ربثتك عن الأمر ربثا، وتربّثت أنا تربّثا، إذا تثبطت. ألغينا: اطّرحنا. اتقاء: خوف. العابث: الذي يعبث بأموالهم من أهل الشر فيفسدها، والعابث: المفسد، ويقال: عبث بفتح الباء عبثا: وبكسرها عبثا: لعب واستخف، وعاث عيثا: أفسد. *** ولمّا عكمت الرّحال، وأزف التّرحال، استنزلنا كلماته الرّاقية، لنجعلها الواقية الباقية، فقال: ليقرأ كلّ منكم أمّ القرآن، كلّما أظلّ الملوان. ثم ليقل بلسان خاضع، وصوت خاشع: اللهمّ يا محيي الرّفات، ويا دافع الآفات، ويا واقي المخافات، ويا كريم المكافاة، ويا موئل العفاة، ويا وليّ العفو والمعافاة، صلّ

стр. 339

على محمد خاتم أنبيائك، ومبلّغ أنبيائك، وعلى مصابيح أسرته، ومفاتيح نصرته، وأعذني من نزغات الشّياطين، ونزوات السّلاطين، وإعنات الباغين، ومعاناة الطّاغين، وعدوان المعادين، وغلب الغالبين، وسلب السّالبين، وحيل المحتالين، وغيل المغتالين، وأجرني اللهم من جور المجاورين، ومجاورة الجائرين، وسطوة الجبّارين، وكفّ عنّي أكفّ الضّائمين، وأخرجني من ظلمات الظالمين، وأدخلني برحمتك في عبادك الصّالحين. *** عكمت الرحال، أي شدّت الأحمال بالعكام، والعكام ما يشدّ به فم العكم وهو العدل. وقيل: إنّ أصل العكام كمامة تربط على فم البعير، ومثله اللّجام، يستعار لما يشدّ به المتاع ويقال: عكمت المتاع عكما شددته في العكم، أو شددته بالعكام، وعكمت البعير شددت عليه العكم، أو ربطت العكام على فمه، وأعكمتك أعنتك. أزف: دنا وقرب. استنزلنا: طلبنا منه إنزالها، أي تلطّفنا به ليذكرها الرّاقية: الرفيعة، من رقيّ في الدّرجة، أو المعوذة لنا، من رقيت المريض، وهو أشبه لموافقتها لمعنى الواقية، وهي الكافية، لما يخاف من الشرّ، أظلّ الأمر: قرب ودنا وكأنه ألقي عليك ظلّه. الملوان: الليل والنهار، والخاضع: الذليل، وخضع خضوعا: أقرّ بالذل. والخاشع: المتواضع، وخشع خشوعا: خفض صوته، ورمى ببصره إلى الأرض، والخضوع قريب منه، إلّا أنّ أكثر ما يستعمل الخشوع في الصّوت والخضوع في الأعناق. الرّفات: العظام البالية الآفات: المضرّات. المكافأة: المجازاة. موئل: ملجأ. العفاة: جمع عاف، وهو سائل العفو وليّ العفو: صاحب المغفرة. والمعافاة. المباعدة من الضّرر، وقد عافاه ممّا يكره وأعفاه. أنباؤك: أخبارك، والنبأ الخبر. أسرته: رهطه، وأراد بالمصابيح المهاجرين، وبالمفاتيح الأنصار. أعذني: أجرني النّزغات: الإفساد، نزغ الشيطان بين القوم، أي أفسد ذات بينهم، والشيطان: البعيد من الخير، من قولهم: دار شطون، أي بعيدة، ونوى شطون. قال النابغة: [الوافر] * نأت بسعاد عنك نوى شطون* (١)

стр. 340

وقال نابغة بني شيبان: [الوافر] فأضحت بعد ما وصلت بدار ... شطون لا تعاد ولا تعود نزوات: وثوب، وقد نزا نزوا ونزوّا، إذا وثب، ونزا على الشيء، ارتفع. إعنات: مشقّة. الباغين: المتعدين، وقد بغى عليه بغيا: تعدّى عليه. معاناة: معالجة ومقاساة. الطاغين: المسرفين في الظّلم والمعاصي، والعادين: المتجاوزين الحدّ في الظلم. غيل: جمع غيلة، وهي الهلاك. والمغتال: المهلك أجرني: أمّنّي. سطوة: بطش وتهديد. الضائمين: المذلين. *** اللهمّ حطني في تربتي، وغربتي وغيبتي، وأوبتي ونجعتي، ورجعتي، وتصرّفي ومنصرفي، وتقلّبي ومنقلبي. واحفظني في نفسي، ونفائسي، وعرضي وعرضي، وعددي وعددي، وسكني ومسكني، وحولي وحالي، ومالي ومآلي، ولا تلحق بي تغييرا، ولا تسلّط عليّ مغيرا، واجعل لي منك سلطانا نصيرا، اللهم احرسني بعينك وعونك، واخصصني بأمنك ومنّك، وتولّني باختيارك وخيرك. ولا تكلني إلى كلاءة غيرك، وهب لي عافية غير عافية، وارزقني رفاهية غير واهية. واكفني مخاشي اللأواء، واكنفني بغواشي الآلاء، ولا تظفر بي الأعداء، إنك سميع الدّعاء. *** قوله: «اللهم حطني في تربتي»، أي احفظني في بلدتي. أوبتي: رجعتي. نجعتي: سفري في طلب الرزق. نفائسي: كرائم مالي. عرضي: نفسي وعرضي: مالي. عددي: أهلي. عددي: آلاتي، وما أستعدّه. سكني: أهلي. حولي: قوّتي. حالي: بالي. مآلي: مرجعي. منّك: إحسانك. تولّني: كن لي وليّا. تكلني: تحوجني. كلاءة: حفظ وحراسة. وعافية: عيش سالم من الآفات. قال أبو الدرداء ﵁: ذكر رسول الله ﷺ البلاء وما أعدّ الله لصاحبه من الثواب إذا صبر، وذكر العافية وما أعدّ الله لصاحبها من الثواب إذا شكر، فقلت: يا رسول الله، أعافى فأشكر، أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر، فقال رسول الله ﷺ : نحبّ معك العافية. غير عافية، أي غير دراسة. رفاهية: غنى متّسع. واهية: ناقصة ضعيفة. مخاشي: ما يخشى ويخاف. اللأواء: الشدّة. اكنفني: استرني. غواشي: أي ما يتغشّى به، أي يتغطّى. الآلاء: النعم. *** ثمّ أطرق لا يدير لحظا، ولا يحير لفظا، حتى قلنا: قد أبلسته خشية، أو أخرسته غشية. ثمّ أقنع رأسه، وصعّد أنفاسه وقال:

стр. 341

أقسم بالسّماء ذات الأبراج، والأرض ذات الفجاج، والماء الثّجّاج، والسّراج الوهّاج، والبحر الفجّاج، والهواء والعجاج، إنّها لمن أيمن العوذ، وأغنى عنكم من لابسي الخوذ، من درسها عند ابتسام الفلق، لم يشفق من خطب إلى الشّفق، ومن ناجى بها طليعة الغسق، أمن ليلته من السّرق. قال: فتلقّنّاها حتّى أتقنّاها، وتدارسناها، لكيلا لا ننساها. *** أطرق، أي نظر إلى الأرض ساكنا، وقد فسّر قوله: «أطرق» بقوله: «لا يدير لحظا، ولا يحير لفظا»، فيدير لحظا يجيل نظره في الجهات الأربع، ويحير لفظا: يردّ كلاما، والغشية: أن يغشى على عقله. أقنع: رفع. صعد: جعلها تصعد، أي ترتفع. الأبراج، أي منازل القمر. الفجاج، أي المسالك، واحدها: فجّ، والفجّ الطريق الواسع في الجبل، وقيل: هو المتسع بين مرتفعين، وقيل: هو الفتح بين الشّيئين: الثّجاج: السّيّال الكثير الصبّ. السراج: الشمس. الوهّاج: الوفّاد المتلألئ، وهو من وهج النار، وهو اتقادها وحرّها، العجّاج: المصوّت لاضطراب أمواجه. الهواء: ما بين السماء والأرض. والعجاج: الغبار. والعوذ: الرّقى. أغنى: أجزأ وأكفى، والغنى الكفاية، وأغنى فلان مغني فلان، أي كفاه الحضور وقام مقامه. والحوذ، بالحاء المهملة الدّرع، وينقط الحاء بيض السّلاح. ابتسام الفلق: ظهور الفجر. يشفق: يخاف. خطب: أمر شديد. الشّفق: الحمرة بعد غروب الشمس. ناجي: تكلّم بها سرّا، طليعة الغسق، أول طلوع الظلام. تلقناها، أي فهمناها. أتقناها: أحكمناها. تدارسناها، الدّرس في كلامهم الرّياضة والتذليل، وطريق مدروس: كثر مشى الناس فيه، فذلّلوه وأثروا فيه، فمعنى درس القرآن أو الدعاء، ذلّل لسانه وراضه. [بعض الأدعية المأثورة] ونصل هذا الدعاء الذي ذكر أنه مستجاب وصدق إذا صحب الدعاء به الإخلاص، والتضرّع بأدعية ينتفع بها إن شاء الله تعالى. كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا قال: «اللهمّ أنت الصاحب في السّفر، والخليفة في الحضر. اللهمّ إنّى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ومن سوء المنظر في الأهل والمال والولد» (١).

стр. 342

وقالت أمّ سلمة ﵂: من خرج في طاعة الله تعالى فقال: اللهم إنّي لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا رياء، ولا سمعة، ولكنّي خرجت ابتغاء مرضاتك، واتقاء سخطك، فأسألك بحقك على جميع خلقك أن ترزقني من الخير أكثر ممّا أرجو، وتصرف عنّي من الشرّ أكثر مما أخاف .. استجيب له بإذن الله تعالى (١). وقالوا: كلمات الفرج عند الكرب: لا إله إلا الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين. قال جعفر بن محمد لسفيان الثّوريّ: إذا كثرت همومك فأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإذا درت عليك النعم فأكثر من الحمد لله العالمين، وإذا أبطأ عليك الرزق فأكثر من الاستغفار. ومن قال في ليل أو نهار: اللهم ربّي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. إنّ ربّي على صراط مستقيم ... لم يضرّه شيء. ومن قال: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ليلا أو نهارا أمن مما يخاف. ومن قال: سبحان الله وبحمده، ولا حول ولا قوة إلا بالله ثلاث مرات بعد صلاة الصبح أمن من كلّ غمّ وجذام وبرص وفالج. ومن قال: باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ما شاء الله كل نعمة من الله، ما شاء الله الخير كلّه بيد الله، ما شاء الله لا يصرف السّوء إلا الله، من قالها إذا أصبح أمن من الحرق والغرق. ومن دخل على سلطان يخاف سطوته فقال: الله أعزّ وأكبر مما أخاف وأحذر، اللهمّ رب السّماوات السّبع وربّ العرش العظيم، كن لي جارا من عبدك فلان، وجوره وأشياعه وأتباعه. تبارك اسمك وجلّ ثناؤك. وعزّ جارك، ولا إله غيرك ثلاث مرات أمن من شره. وقال المنصور للربيع: عليّ بجعفر، قتلني الله إن لم أقتله! فلما مثل بين يديه حرّك شفتيه، ثم قرب وسلم فقال: لا سلّم الله عليك يا عدوّ الله، تعمل عليّ الغوائل في ملكي قتلني الله إن لم أقتلك! فقال: يا أمير المؤمنين إنّ سليمان أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلى فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، ﵈، وأنت على أثر منهم، وأحقّ من تأسّى بهم. فنكس المنصور رأسه مليّا ثم رفع رأسه، وقال: إليّ أبا عبد الله، فأنت القريب

стр. 343

القرابة، وأنت ذو الرحم الواشحة. والسليم الناحية، والقليل الغائلة. ثم صافحه بيمينه، وعانقه بشماله، وأجلسه معه على فراشه، وأقبل يسائله ويحادثه، ثم قال: عجّلوا لأبي عبد الله إذنه وجائزته وكسوته. فلما خرج أمسكه الربيع وقال له: رأيتك قد حرّكت شفتيك فانجلى الأمر، وأنا خادم السلطان، ولا غنى لي عنه، فعلّمني إياه، فقال: نعم، قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بحفظك الذي لا يرام، لا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمتها عليّ قلّ عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بليّة ابتليت بها قلّ عندها صبري فلم تخذلني. اللهمّ بك أدرأ في نحره، وأعوذ بك من شره. ومن قال إذا سمع المؤذن: رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيّا، غفرت له ذنوبه. ومن دعاء الأعراب: قال عمر بن عبد العزيز ﵁: ما من قوم أشبه بالسّلف من الأعراب لولا جفاء فيهم. وقال: غيلان إذا أردت أن تسمع الدعاء فاسمع دعاء الأعراب. وقال الأصمعي: سمعت أعرابيّا بفلاة من الأرض يقول: اللهمّ إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي للؤم، وإن تركي الاستغفار مع معرفتي سعة رحمتك لعجز، إلهي كم تتحبّب إليّ برحمتك وأنت غني عني، وكم أتبغّض إليك بذنوبي وأنا فقير إليك: يا من إذا وعد وفّى، وإذا أوعد عفا، أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك، يا أرحم الراحمين. قال: وسمعت آخر يقول في دعائه: اللهم إنّي أسألك عمل الخائفين، وخوف العاملين، حتى أتنعّم بترك النعيم طمعا فيما وعدت، وخوفا ممّا أوعدت. اللهمّ أعذني من سطواتك، وأجرني من نقماتك. قال: ودعت أعرابيّة لابن لها خرج مسافرا، فقالت: كان الله صاحبك في السفر، وخليفتك في أهلك، وانجح طلبتك، امش مصاحبا مكلوءا، لا أشمت الله بك عدوّا، ولا أرى فيك لمحبّك سوءا. وهذا الباب كثير، وإنما ذكرنا من الأدعية ما جرّب واستحسن، والله ينفع بها آمين. قال أعرابي يصف دعوة: [الطويل] وسارية لم تسر في الليل تبتغي ... محلّا ولم يقطع بها البيد قاطع سرت حيث لم تسر الرّكاب ولم تنخ ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع تحلّ وراء الليل والليل ساقط ... بأوراقه فيه سمير وهاجع تفتّح أبواب السماء لوفدها ... إذا قرع الأبواب منهنّ قارع إذا وفدت لم يردد الله وفدها ... على أهلها، والله راء وسامع

стр. 344

وإني لأرجو الله حتى كأنّني ... أرى بجميل الظنّ ما الله صانع *** ثمّ سرنا نزجي الحمولات، بالدّعوت، لا بالحداة، وبحمى الحمولات، بالكلمات لا بالكمماة، وصاحبنا يتعهّدنا بالعشيّ والغداة، ولا يستنجز منّا العدات، حتى إذا عاينّا أطلال عانة، قال لنا: الإعانة الإعانة، فأحضرناه المعلوم والمكتوم، وأريناه المعكوم والمختوم، وقلنا له: اقض ما أنت قاض، فما تجد فينا غير راض، فما استخفّه سوى الخفّ والهين، ولا حلي بعينه غير الحلي والعين. فاحتمل منهما وقره، وناء بما يسد فقره، ثم خالسنا مخالسة الطّرّار، وانصلت منّا انصلات الفرّار فأوحشنا فراقه، وأدهشنا امتراقه، ولم نزل ننشده بكلّ ناد، ونستخبر عنه كلّ مغو وهاد، إلى أن قيل: إنه مذ دخل عانة، ما زايل الحانة. *** قوله: «نزجي»، أي نسوق. الحمولات، بفتح الحاء: الإبل، وبضمها الأحمال. الحداة: خدمة الإبل، بمنزلة المكارين للدوابّ. نحمي: نمنع الكماة: الشجعان. يتعهّدنا: يتفقّدنا. يستنجز: يطلب إحضار ما وعد به عانة، بعين غير منقوطة: قرية بالجزيرة كثيرة الأعناب. وقال امرؤ القيس: [الكامل] * من خمر عانة أو كروم شبام* (١) وأطلالها: آثارها، يريد أنه لمّا أشرف على عانة، قال لهم: أعطوني ما أستعين به. المعلوم: الظاهر. والمكتوم: المستور. والمعكوم: المجعول في عكم، قال يعقوب: العكم: نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها، أو يكون المعكوم المشدود بالعكام، وقد تقدّم آنفا، والمختوم: المطبوع عليه، يريد: أريناه أنواع أموالنا. استخفّ: استحقر. الخف: الخفيف. الهين: الهين. حلي: حسن. الحلي: ما يتحلّى به النّساء. والعين: الذهب والفضة، يريد أنه استحقر الخفيف القدر الهيّن القيمة، مثل الإمتاع، وشبهها فتركها، وأعجبه الحليّ والذهب فحملهما، أو يكون معنى «استخفّ» وجده خفيفا، والخفّ والهين، يريد الخفيف عليه حمله، الهيّن عليه نقله؛ يريد الذهب والجوهر، ويكون قوله

стр. 345

«حلي بعينه» وما بعده مفسّرا ومؤكدا لاستخفّ وما بعده، وهذا أشبه من الأول. وقره: حمله. ناء: نهض بثقل. خالسنا: سارقنا وتسلل عنّا. الطّرّار: الذي يشقّ الجيوب ويستخرج ما فيها، والطّرّ: القطع، وقد طر طرّا، وطرّة الشعر منه، لأنها مقطوعة من جملته، مفصولة عنه. والمنتهز الذي يخطف من يدك الشيء بسرعة. انصلت: انسلّ ولم يشعر به. والانصلات: سقوط السيف من الغمد. والفرّار، وهو الزّاووق، ويسمّى الزئبق، سمي فرارا لأنه سريع السّيلان لا يستقرّ في موضع، والفرار من كثر فراره. أوحشنا: أذهب أنسنا أدهشنا: حيّرنا. امتراقه: خروجه مسرعا، ومرق السهم: خوج من القوس، ومن الرميّة. ننشده: نطلبه مغو وهاد: مضلّ ومرشد. الحانة: بغير نقط: بيت الخمّار أو حانوته، والحان والحانة هي الدسكرة التي ذكر، وقال ابن شهيد فيه: [الكامل] يا رب حان قد أدرت بديره ... خمر الصّبا مزجت بصفو خموره في فتية جعلوا الزّقاق تكاءهم ... متصارعين تخشّعا لكثيره يهدى إلينا الراح كلّ معصفر ... كالخشف خفّره التماح خفيره والى عليّ بطرفه وبكفّه ... فأمال من رأسي لعبّ كبيره وترنّم الناقوس عند صلاتهم ... ففتحت من عيني لرجع هديره زايل: فارق *** فأغراني خبث هذا القول بسبكه، والانسلال فيما لست من سلكه، فأدلجت إلى الدّسكرة، في هيئة منكّرة، فإذا الشّيخ في حلّة ممصّرة، بين دنان ومعصرة، وحوله سقاة تبهر، وشموع تزهر، وآس وعبهر، ومزمار ومزهر، وهو تارة يستبدل الدّنان، وطورا يستنطق العيدان، ودفعة يستنشق الرّيحان، وأخرى يغازل الغزلان. فلمّا عثرت على لبسه، وتفاوت بين يومه من أمسه، قلت له: أولى لك يا ملعون، أأنسيت يوم جيرون! فضحك مستغربا ثم أنشد مطربا: *** أغراني: حثّني. سبكه: تجريبه. الانسلال: الدخول. سلكه: شكله، وانسلكت حبة اللؤلؤ: جرت في السّلك، وهو خيط النظام. أدلجت: مشيت بالليل. الدسكرة، بناء كالقصر حوله بيوت يسكنها الخمار والحشم، قال الجعديّ: [المتقارب] ودسكرة صوت أبوابها ... كصوت المواتح بالحوأب سبقت صياح فراريجها ... وصوت نواقيس لم تضرب

стр. 346

بريّة ذي عتب شارف ... وصهباء كالمسك لم تقطب المواتح: البكرات، والحوأب: اسم ماء الفراريج: الديوك عتب: أوتار، وشارف: اسم العود، شبّهه بالشارف من الإبل، لأنها أغنّ صوتا وأطربه، قال متمّم: [الطويل] إذا شارف منهنّ قامت فرجّعت ... حنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا (١) ممصرة: مصبوغة بالمصرة، وهي العصفر قبل أن يوضع فيه الخلّ، فلونها أصفر، فإذا وضع فيها الخلّ أحمر ما يصبغ به وسمّي معصفرا. والحلّة: ثوبان: إزار ورداء، وسمّيت حلّة، لأنها تحلّ على لابسها كما يحلّ الرّجل على الأرض دنان: جمع دنّ، وهو نوع من الخوابي طويل الأسفل ضيّقه، ويسمّى الراقود. وهذه الحالة التي وجد عليها الحريريّ السّروجيّ بعد ذلك الترهّب الذي كان عليه في أول المقامة لها نظائر لرجال مشاهير بالعلم والفصل. *** [في مجالس الشراب] حكى الثعالبيّ في يتيمته، وقد ذكر القاضي التنوخيّ فقال: هو أبو القاسم عليّ بن محمد بن داود بن فهم، من أعيان أهل العلم والأدب، وأفراد ذوي الكرم وحسن الشيم، وكان كما قرأت في فصل للصاحب: إن أردت فإني سبحة ناسك، أو أحببت فإني تفاحة فاتك، أو اقترحت فإني مدرعة راهب، أو اخترت فإنّي نخبة شارب. وكان تقلّد قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وكان المهلبي وغيره من وزراء العراق يميلون إليه جدّا، ويعدّونه ريحانة الندماء، وتاريخ الظرفاء، يعاشرون منه من تطيب عشرته، وتلين قشرته، وتكرم أخلاقه، وتحسن أخباره، وتسير أشعاره؛ ناظمة حاشيتي البرّ والبحر، وناحيتي الشرق والغرب. وكان من جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبيّ، ويجتمعون إليه في الأسبوع ليلتين، على اطّراح الحشمة والتبسّط في القصف والخلاعة، منهم ابن قريعة وابن معروف والقاضي التنّوخي وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها، وكذلك كان المهلبيّ، وإذا تكمّل الأنس، وطاب المجلس، ولذّ السماع، وأخذ الطرب فيهم مأخذه وهبوا ثوب الوقار للعقار، وتقلبوا في أعطاف العيش، بين الخفّة والطيش، ووضع بين يدي كلّ واحد منهم طست من ذهب من ألف مثال مملوء شرابا، فيغمس فيه لحيته، بل ينقعها حتى تشرب أكثره، ويرشّ بعضهم بعضا، ويرقصون بأجمعهم، وعليهم مصبّغات الثياب، ومخانق البرم، ويقولون كلما يكثر شربهم هرهر، وفيهم يقول السريّ: [المنسرح]

стр. 347

مجالس ترقص القضاة بها ... إذا انتشوا في مخانق البرم وإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في الترهّب والتوقّر والتحفّظ وأبهّة القضاة وحشمة المشايخ الكبراء. وقال في ابن معروف: كان كما قرأته في فصل للصاحب: شجرة فضل عودها أدب، وأغصانها علم، وثمرها عقل، وعروقها شرف؛ تسقيها سماء الحرّية، وتغذوها أرض المروّة، وفيه يقول الصابي: [البسيط] أقسمت بالله ما يرجى لمعروف ... في الحادثات سوى القاضي ابن معروف ومن شعر ابن معروف: [الكامل] لو كنت تدري ما الذي صنع الهوى ... والشّوق في الجسم النّحيل البالي لهجرت هجري واجتنبت تجنّبي ... ووصلت من بعد النّعيم وصالي وقال القاضي التنوخي في غلام جسيم: [الوافر] له في كل عضو دعص رمل ... ثقيل الجسم ذو روح خفيف أأعشق لا عشقت أخا نحول ... كأني لست ذا الخلق الظّريف إذا لمسته كفّي لم تلامس ... سوى جلد على عظم ضعيف شرب المأمون وعبد الله بن طاهر، ويحيى بن أكثم القاضي، فتعامل المأمون وابن طاهر على سكر يحيى فغمزا به الساقي، فأسكره، وكان بين أيديهم رزم من ورد وريحان، فأمر المأمون، فشق له قبر في الرّزم وصيّر فيه. وعمل بيتي شعر، ودعا قينة فجلست عند رأسه، وغنّت بهما وهما: ناديته وهو حيّ لا حراك به ... مكفن في ثياب من رياحين فقلت: قم، قال: رجلي لا تطاوعني ... فقلت: خذ، قال: كفي لا تواتيني فانتبه يحيى لرنة العود فقال: [البسيط] يا سيّدي وأمير الناس كلّهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني إني غفلت عن السّاقي فصيّرني ... كما تراني سليب العقل والدين لا أستطيع نهوضا قد وهى قدمي ... ولا أجيب لداع حين يدعوني فانظر لنفسك في قاض يكون لكم ... إني غدوت دفينا في الرّياحين *** والحالة التي وصف بها أبو زيد خلعت الأمين عن الملك، ونقلته إلى المأمون. قال الربيع: قعد الأمين يوما للنّاس وعليه طيلسان أزرق، وتحته لبد أبيض، فوقّع على

стр. 348

ثمانمائة قصّة، فلقد أصاب فما أخطأ، وأسرع فما أبطأ، ثم قال: يا ربيع أتراني لا أحسن التدبير والسياسة، ولكني وجدت شمّ الآس، وشرب الكأس، والاستلقاء من غير نعاس، أشهى إليّ. وكذلك خلعت قبله الوليد بن يزيد، وبعده المتوكل وغيرهم من الخلفاء والأمراء، ممّن آثر راحة النفس على تعب السياسة. قوله: «تبهر» أي تسقيه بالبهار، وهو شبه الإبريق، وقيل: تبهر، تغلب العقول بحسنها، يقال: بهر بهرا، إذا غلبه، وبهر القمر السماء: ملأها بنوره تزهر: تضيء. شموع: مصابيح الشمع. آس: ريحان. عبهر: نرجس، وقيل: ياسمين، قال عليّ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «شمّوا النّرجس ولو في اليوم مرّة واحدة، ولو في الشهر مرّة واحدة، ولو في الدّهر مرّة واحدة، فإنّ في القلب حبّة من الجنون والجذام والبرص، لا يقلعها إلا شم النّرجس». وقال عليّ ﵁: حباني النبيّ ﷺ بالورد، وقال: «أما إنه سيّد ريحان الجنّة بعد الآس». وقال أردشير بن بابك: الورد درّ أبيض، وياقوت أحمر، على كراسيّ زبرجد أخضر، بوسطه شذور من ذهب أصفر، له رقة الخمر، ونفحات العطر. [مما قيل في الأزهار شعرا] ونذكر هنا طرفا من المنظوم في الأزهار يليق الموضع بحول الله تعالى، قال محمد بن عبد الله بن طاهر ملمّا بقول أردشير: [البسيط] كأنهنّ يواقيت يطيف بها ... زمرّد وسطه شذر من الذّهب فاشرب على منظر مستظرف حسن ... من خمرة مزجت كالجمر في اللهب وللمعتمد بن عباد: [السريع] كأنّما ياسميننا الغضّ ... كواكب في السماء تبيضّ والطرق الحمر في جوانبه ... كنهد عذراء مسّه عضّ ولأبي الفضل الميكاليّ: وما ضمّ شمل الأنس يوما كنرجس ... يقوم بعذر اللهو عن خالع العذر فأحداقه أحداق تبر وساقه ... كقامة ساق في غلائله الخضر ولعضد الدولة: [البسيط] يا طيب رائحة من نفحة الخير ... إذا تمزق جلباب الدّياجير كأنما رشّ بالماورد واعتبقت ... به دواخن ندّ عند تبخير كأنّ أوراقه في القدّ أجنحة ... حمر وصفر وبيض من زنابير

стр. 349

ولعليّ بن بسام: [البسيط] أما ترى الورد يدعو للورود على ... حمراء صافية في لونها صهب مداهن من يواقيت مركّبة ... على الزبرجد في أفواهها ذهب وقال آخر: [المنسرح] نرجسة عينها محبّرة ... لم تكتحل قطّ آفة الغمض باكرها الطّلّ فهي باهتة ... تنظر فعل السماء في الأرض وللأسعد بن بليط: [السريع] بنفسج باتت أكفّ الصبا ... تنثره في زرقة لا تحدّ كأنما قطّ بمنثوره ... رءوس أفلام من اللّازورد وقال آخر في نور الباقلّى: [البسيط] نوّارة الباقلا إذا راق منظرها ... تحكي الفراشة تنقيطا وترييشا كأنّما هي ما حول الذبالة إذ ... مدّت جناحا مكان الكفّ مرقوشا والباب كثير. *** قوله: «مزهر» عود الغناء. يستبزل: يستسقي منها شرابا، والمبزل الثقب في جانب الخابية تجري منه الخمر صافية، ويبقى العكر في قعرها، قال الأخطل: [البسيط] لما أتوها بمصباح ومبزلهم ... سارت إليهم سئور الأبجل الضاري (١) تدمى إذا طعنوا فيها بجائفة ... وفي الزّجاج عتيق غير مسطار أراد أن الخمر خرجت خروج الدم من الأبجل، وهو عرق. وقال ابن حصين: [السريع] حجبت عنها الدّنّ فاستعبرت ... جريا كما قوّس إحليل كأنها في الكأس منصبّة ... خيط من الفضة مفتول وقال آخر في قمع الشراب: [المتقارب] ولما رأى الناس فضل المدام ... وخافوا على جرمها أن يسيلا

стр. 350

تواخوا إلى شربها بينهم ... سبيل حفاظ فكنت السّبيلا قوله: «يستنطق»، يأمر بضربها ليسمع صوتها يستنشق: يشمّ يغازل: يلاعب. عثرت: اطّلعت، وأعثرت في معناه. لبسه: تخليطه. تفاوت: تباعد. أولى لك: كلمة تهديد معناها: قد وليك الشرّ فاحذر. والملعون: المطرود، ولعنه الله: طرده، والاستغراب: الضحك الكثير. ومما يوافق شعره وحاله قول الببغاء: [الخفيف] غادني بالصّبوح قبل الصّباح ... واجر في حلبة الصّبا والمراح عاصنيها كالجلّنار إذا ما ... كلّلت من حبابها بالأقاح في اختصاص التّفاح بالطيب والحم ... رة لا في كثافة التّفاح خدمتها الأجسام بالطبع لمّا ... شاهدت قربها من الأرواح فتدارك بها حشاشة نفسي ... أو فحرّك بها سكون ارتياحي بين وردين من بنان وخدّ ... وشرابين من رضاب وراح ونشيد مستنبط من حديث ... وغناء يغني عن الاقتراح فألذّ الحياة ما خالط العا ... قل فيها فساده بصلاح وله أيضا في مثله: [الخفيف] زمن الورد أشرف الأزمان ... وأوان الربيع خير أوان أشرف الزهر زار في أشرف الدّه ... ر فصل فيه أشرف الإخوان وأدرها عذراء وانتهز ال ... إمكان من قبل عائق الإمكان في كئوس كأنّها زهر الخش ... خاش ضمّت شقائق النّعمان واختدعها عند النزال بألفا ... ظ المثاني ومطربات الأغاني وقال [ابن] وكيع في الخشخاش: [الوافر] وخشخاش كأنّا منه نفري ... قميص زبرجد عن جسم درّ كأقداح من البلّور صينت ... بأغشية من الديباج خضر وقال آخر في شقائق النعمان: [المتقارب] كأنّ الشقائق إذا برّزت ... غلالة درّ وثوبا أحمّ قصاع من الجمر مشبوبة ... بأوساطها لمع من حمم *** لزمت السّفار وجبت القفار ... وعفت النّفار لأجني الفرح

стр. 351

وخضت السّيول ورضت الخيول ... لجرّ ذيول الصّبا والمرح ومطت الوقار وبعت العقار ... لحسو العقار ورشف القدح ولولا الطّماح إلى شرب راح ... لما كان باج فمي بالملح *** قوله: «السفار»: مصدر سافرت. جبت: قطعت. عفت: كرهت خضت: جزت ومشيت فيها. رضت: ذلّلت وركبت. المرح: النشاط والعجب. مطت: نحّيت وأزلت، ويقال: ماط وأماط: باعد، وأيضا باعد غيره، والأصمعيّ يقول: ماط هو، وأماط غيره. العقار: المال الثابت الذي لا ينقل. حسو: شرب. العقار: الخمر. رشف: مصّ الطّماح: ارتفاع النظر. باح: تكلّم والملح: الكلام الحلو، يريد أنه فعل ما ذكر ليرتاح ويشرب الخمر. *** [مما قيل في الخمر والشراب] ذكر أبو محمد الحريري في هذا الموضع من المقامات أوصاف الخمر وفضلها ومنافعها، وذهابها بالهموم والأسقام، وذكر أنها من أفضل الأشياء وأن بيع أشرف الأعلاق فيها سداد، وأن ترك الإصغاء فيها إلى العذل رشاد؛ وأن كمال لذّتها مع السقاة الحسان، والتطريب بأنواع الغناء والألحان، إلى غير ذلك مما أشار إليه، ونبّه عليه، وأنا أسوق هنا في وصف الخمر فصلا من كلام الحكماء والأدباء وسائر الأفاضل من الملوك ومهرة الشعراء، جريا معه في أغراضه، حسبما فعلناه في العاشرة في أوصاف الغلمان، وفي الحادية عشرة في فضائل أهل الأديان وأكثر اعتمادي في هذا الفصل على اختيارات انتقيتها من كتاب قطب السرور، وضممت إليها ما يلائمها من غيره، وهو فصل بديع في بابه. ذكر مؤلفه في منافع الخمر وفضائلها قول الله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل: ٦٧] وقال تعالى في الجنة: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥، ١٦] فلم يذكر الماء واللبن إلا بالسّلامة من التغيّر، والعسل إلا بأنه مصفّى، وجعل الخمر لذّة للشّاربين، فكان هذا من التفضيل. وقال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ [الواقعة: ١٨، ١٩]، فنفى عنها عيوب خمر الدنيا، وهي ذهاب العقل بالسكر والصداع بالخمار وذهاب المال، كما قال تعالى في فاكهتها: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: ٣٢، ٣٣]، فنفى عنها عيوب فاكهة الدنيا التي تأتي في وقت وتنقطع

стр. 352

في آخر وتمنع إلا بالثمن، وقال تعالى: وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا [الإنسان: ١٧]. وأما ما ذكره تعالى من أنّ فيها منافع للناس، فإنّ منافعها لا تحصى كثرة، فمن منافعها ما يصيب النّاس من أثمانها، ولو لم تعصر الأعناب لبارت على أهلها ومنها صلاح الجسم لأنها تروّق الدم وتفتق اللسان، وتزيد في الهمّة، وتهوّن الرزيّة، وتمدّ في الأمنية، قال جالينوس: الخمر تدرّ الدم وتصفّي اللون، وتقوّي المنعة، وتبعث النشاط. وقال أفلاطون: إنما كان النبيذ يثمر السرور، ويولّد الضحك، ويطيّب النفس لشبهه بالدم، وأنّه يفعل في الجسد إذا اعتدل فعله، لأنه أحمر حارّ رطب والدم أحمر حارّ رطب، فإذا صحّ جوهره، وتمّت أجزاؤه ولّد في النفس السرور والضحك والنشاط. الحارث بن كلدة. طبيب العرب: الطّلاء (١) مصلحة للبدن ومطيبة للنفس، تفتح له العروق أفواهها، كما تفتح الفراخ أفواهها للطعام. بعث قيصر إلى قسّ بن ساعدة، فسأله: أيّ الأشربة أفضل؟ فقال: ما صفا في العين، ولذّ على الذوق، وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم، قال: ما تقول في مطبوخه؟ قال: مرعى ولا كالسّعدان، قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ميّت أحيا، وفيه بعض المنفعة، وما يكاد يحيا من مات مرّة، قال: ما تقول في نبيذ العسل؟ قال: نعم شراب الشيخ للأبردة (٢) والمعدة الفاسدة. قال: فنبيذ التمر؟ قال: أوساخ تدعو إليها ضرورات تذمّ عاقبتها في الأبدان، قال: فما الّذي يذهب بالهموم عند الشراب؟ قال: جوهر فيه لا تبلغه عقول العباد، قال: فما أصلح أوقات الشراب؟ قال: أوّل النهار، ألا ترى أنّ الدواء يبكّر به، والمسافر يدلج لحاجته! لأنّ العقول أول النهار أذكى والفطن أصحّ، قال: فمن أيّ شيء يكون الخمار؟ قال: من ضعف قوة الجوارح عن جذب ما يصعد إلى الدماغ من البخار حتى يفشيه الهواء قليلا قليلا، قال: فالصّرف أفضل أم الممزوج؟ قال: الصّرف سلطان جائر، والممزوج سلطان عادل، والعادل مصلح، والجائر مفسد، قال: أفتشربه أنت؟ قال: نعم، ولا أبلغ ما يغيّر عقلي، قال: ولم؟ قال: أصونه لسؤال مثلك. أمر الوليد بن يزيد بحمل ابن شرّاعة من الكوفة، فلما قدم عليه، قال: يا بن شراعة، والله ما أرسلت إليك، أسألك عن كتاب الله ولا عن سنة نبيه، قال: يا أمير المؤمنين لو سألتني عنهما لوجدتني حمارا، قال: أرسلت إليك أسألك عن القهوة، قال: دهقانها الحكيم وطبيبها الرفيق العليم، فاسأل عمّا بدا لك، قال: فأخبرني عن الماء،

стр. 353

قال: لا بدّ لي منه والكلب والحمار شركائي فيه، قال: فما تقول في اللبن، قال: ما رأيته إلا استحييت من أميّ لطول ما أرضعتني إياه، قال: فالسّويق؟ قال: شراب المحرور والعجلان والمسافر، قال: فنبيذ التمر؟ قال: سريع الامتلاء، سريع الانفشاش، قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: حومة حاموا بها على الشراب، فلم يصيبوه، قال: فما تقول في الخمر؟ قال: تلك صديقة روحي، جلت عن المثل، تلك التي تزيد النفس إشراقا، قال: فأنت يا ابن شراعة صديقي، اجلس، أيّ الطعام أحبّ إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين، ليس لصاحب الشراب على الطعام حكم، غير أنّ أنفعه أدسمه وأشهاه أمرؤه، قال: فأيّ المجالس أحبّ إليك أن يكون شربنا فيه؟ قال: ما لم تخف الشمس أن تحرقه، أو السماء أن تغرقه، ولا تشرب إلّا على وجه السّماء، فو الله يا أمير المؤمنين ما نادم الناس أصبح من وجهها، قال: فابرز بنا. فلم ير بعد ذلك يشرب إلا تحت السماء. كان أبو للسّائب فقيها ورعا ظريفا فسأله بعض المجّان، فقال: يا أبا السائب ما تقول في نبيذ الجرّ؟ قال: اشربه حتى تجرّ قال: فنبيذ الدّنّ، قال: اشربه حتى تجنّ، قال: فالدّاذي؟ (١) قال: أحلى من العسل الماذي، قال: فنبيذ الزبيب والعسل؟ فرفع يديه، وقال: العظمة لله، قال: فما تقول في الخمر؟ قال: لا أشربها قال: ولم؟ قال: أخاف ألّا أؤدّي شكرها فتنزع مني. قيل لأبي نواس: صف لنا الأشربة، قال: أمّا الماء فيعظم خطره بقدر تعزّزه، وأمّا السويق فبلغة العجلان، ورويّ الظمآن، وأمّا العسل فنبيل المنظر، سخيف المخبر، وأمّا الخمر فهي شقيقة الرّوح وصديقة النفس ما ارتضعت ممزوجة، وصرفها غير مأمون على نهك البدن وغرس السّقم المؤدّي إلى العطب. قالت الهند: إنّ الشراب مبارك، يزيد في الدّم بحرارته، ويكسر البلغم بحدته، ويشهي الطعام بلطافته، وأما السكر فمحرّم في كلّ ملّة، وسبيل من سبل الضلالة، واسم من أسماء الوسوسة، قبيح الأفعال، مذموم الأحوال. وقالت الحكماء: من فضائل الشراب؛ أنّ كل مشروب وإن راق وصفا وحلا وعذب، فأوّله طيّب، ثم يعود في نقصان حتى يعود مكروها إلا الشراب، فإنّك كلّما ازددت منه ازددت فيه رغبة وحبّا، وكان أوسطه إليك أعجب، وآخره أطرب، حتى إذا سرا في العروق برقّته، وعمّ البدن بلطافته، ودبّ في الأعضاء والمفاصل دبيب النمل في نقا الرمل، وخادع عقلك فامتلأت بهجة وسرورا، وعدت ملكا محبورا، تضرب في الخلافة بأوفر سهم، ثم أسلمك إلى النّوم الذي هو حياتك وصحّتك، فاجتذبت النفس ما

стр. 354

شاكلها من لطيفه، وأخذ كلّ عضو قوّته من كثيفه، ثم لا يزال الهواء يخرج بالأنفاس متصعّدا ببخاره، ويجذب ما تحت الدماغ من أستاره، فحينئذ تهبّ بجذل ونشاط، كأنما أنشطت من رباط، وذلك تقدير العزيز العليم. وقالوا: الشراب مصباح الظّلام، وشفاء الأسقام، وإذا تمشّى في عظامك جعلك خالي الذّرع؛ فسيح الباع، رخىّ البال، قليل الاشتغال، رحب الهمّة، واسع النعمة، فهو أخو الصبوة، وقسيم الشهوة، ولو لم يكن من مننه عليك إلّا أنه إذا مزجته بروحك، وخلطته بدمك، بغّض إليك الحرص ونصبه، والشّره وتعبه، وحبّب إليك المروءة والسماح، وحسّن لك الفكاهة والمزاح. وقالوا: الشراب يلذّ لك في السفر كلذته في الحضر، ويطيب استعماله في الصحو، كما يطيب في المطر؛ فهو أصل اللّذات الذي عليه تتفرّع، وعنصرها الذي عنه تنبع، وبه تتصل، وإليه ترجع، يردّ الشيوخ في طمع الشبّان، ويدعو الشبّان إلى نشاط النشوان، وقال أبو نواس في ذلك: [السريع] ما العيش إلا في جنون الصّبا ... فإن تولّى فجنون المدام راح إذا ما الشيخ والى بها ... خمسا تردّى برداء الغلام فلله درّ من استنبطه ودلّ عليه، وسقيا لمن بحث عنه واهتدى إليه، ماذا أثار وأيّ شيء أظهر! . قالوا: ومدار قوامه على اثني عشر شيئا: المواد الثلاث، والقوى الأربع، والحواس الخمس. فالثلاث: هي نسيم الهواء، وعذوبة الماء، ومألوف الأهواء والأربع هي القوة الجاذبة التي تطيّب الطعام وتبرّده، والماسكة التي تمسكه وتجذبه، والهاضمة التي تهديه وتنضجه، والدافعة التي تدفع إلى كلّ عضو سهمه من جوهره، فتخرج عنه ثقله، والحواس الخمس: البصر والسمع والشم والذوق واللّمس. وكلّ شيء من ذلك تدخله الزيادة والنقص فلا يستغني عمّا يقويه في حال ضعفه، ويصفّيه من أوساخه، فلم يجد أهل التجارب الماضون لذلك سببا أبين أثرا، ولا أخفّ محملا، ولا ألطف دبيبا في الأبدان من ماء الكرم، فاستعملوه لذلك استعمالا دائما، فهو ريحانة النفس وترياقها، فيشرب في كل حين، وينفع كل حاسة، وتحيد عنه النوازل والأحزان، وحقّ للنّفس أن تألفه، وللطبيعة أن تلائمه؛ إذ كان حبيبها وشقيق روحها، فتراه يحدث في النفس الشجاعة والتكرّم والأناة والتحلّم. ومن علامات الكريم إذا أخذ فيه الشراب الاستحياء والتودّد واللهو والسرور والبذل لما في يديه، وكسوة جليسه من أنفس ثيابه، وإذا بلغ المدى في شربها توسّد يساره، ونام حميدا كريما. ومن علامات اللئيم المماراة والسّفه، وفتل الشارب والتلفّت إلى العربدة وشدة

стр. 355

الغضب، وربما بكى وعوى عواء الذئاب، ونبح نباح الكلاب، فشرب الماء يحرم مع مثل هذا، فكيف الشراب! . ومن فضائله أنه يلائم الطبائع المعتادة في كلّ زمان من فصول السنة، يشربه المحرور ممزوجا فيبرده، والمقرور صرفا فيسخّنه، واليابس معتدلا فيرطّبه، والمرطوب صرفا فيجفّفه، فمن شربه في الصيف فيستحبّ له أن يشربه على خضرة الجنان وتحت الظلال، وعلى المياه وعلى الورد والياسمين والبنفسج والآس والسفرجل والتفاح. وإن كان في الشتاء، فبخلاف ذلك، من الجلوس في الأكنان واستعمال الكوانين، ولبس الأحمر والممشّق (١) وشمّ فتيت المسك والعنبر والمرزنجوش (٢). وأمّا الربيع والخريف فبين ذلك، لأخذهما من رطوبة الشتاء وحرارة الصيف وإذا اجتمع مع الشراب نغم وألحان على صنوف الملاهي والعيدان، تعاونا على إذهاب الغموم والأحزان، فلله درّ من استنبطه، ماذا أثار وعلى أيّ شيء دلّ! . ولم لم يكن الشراب أغلب شيء على العقول، وأقربه للقلوب، وألطف محلا في النفوس، وأشدّ ملاءمة للأجسام، وأجمعه لمحمود الخلال حتى لا تقاربه لذة، ولا تساويه شهوة، ولا تعدله خصلة من خصال المسرّات- لما حملت الأشراف وذوي العقول أنفسهم على معاقرته، لا يردّهم ما ينالهم فيه عن معاودته، من شنيع الأقوال ولوم العذّال، فيما أنفقوا عليه من الذخائر، وبذلوا من الأموال. كان بالبصرة رجل ذو ضياع فأنفق ماله في الشراب، فباع ضيعته، فلمّا تمّ البيع قال له المشتري: تأتيني بالعشيّ، أدفع لك المال، وأشاهدك، فقال: لو كنت ممّن يرى بالعشي ما بعت الضيعة. قال محمود بن الحسن الكاتب: بعت داري فأصابني مثل هذا، فقلت: [مجزوء الكامل] أتلفت مالي في العقار ... وخرجت فيها عن وقاري حتّى إذا كتب الكتا ... ب وجاءني رسل التّجار قالوا: الشّهادة بالعشيّ ونح ... ن في صدر النّهار فأجبتهم ردّوا الكتا ... ب ولا تعنّوا بانتظاري لو كنت أظهر بالعشيّ لم ... اسمحت ببيع داري وقال ابن الرومي: [الخفيف] أنا أهوى ذات الخمار على الجي ... ب وذات الوشاح والدّملجين
следующие страницы →