وقال غيره: [السريع]
يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوا بين أتراب (١)
أبرزه المأتم لي كارها ... من بين رايات وحجّاب
يبكي فيذري الدّرّ من نرجس ... ويلطم الورد بعنّاب
وقال عكّاشة: [الكامل]
سقيا لمنزلنا الّذي كان به ... يوم الخميس عشيّة أصحابا
إذ نحن نسقاها شمولا قرقفا ... تدع الصّحيح بعقله مرتابا
من كفّ جارية كأنّ بنانها ... من فضّة قد قمّعت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها ... تلقي على يدها الشّمال حسابا
وقال آخر: [الوافر]
وحوراء اللواحظ بين قلبي ... وبين جفونها حرب البسوس
ترى ماء النّعيم يجول فيها ... كمثل الخمر في صافي الكئوس
كأنّ بنانها أقلام عاج ... مرصّعة الرأس بآبنوس
ووصف الخصور بالهيف، وهو الضّمر والرقة، وسنذكر معها ما يستظرف، وقد تقدّم قول ابن عبد ربه: [الكامل]
يا من تقطّع خصره من رقّة ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا
وقال ابن الروميّ: [مجزوء الكامل]
وهبت له عيني الهجوعا ... فأثابها منه الدّموعا
ظبي كأن بخصره ... من ضمره ظمأ وجوعا
وقال عبيد الله بن عبد الله: [السريع]
سلمى وما سلمى تفوق المنى ... والحسن أوصافا وألوانا
وشاحها يحسد خلخالها ... كجائع يحسد شبعانا
وقال كشاجم في مقلوبه:
مساولة الكلّ غير بطن ... مثقل فهي عنكبوت
стр. 282
حجولها الدهر في اضطراب ... ووشحها كاظم صموت
وقال حبيب: [الطويل]
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلّا أن تلك ذوابل (١)
من الهيف لو أنّ الخلاخيل صيّرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل
أخذه القاضي ابن لبّال فقال: [الطويل]
جلوت لنا شيئا من الدّرّ عاطلا ... بعيشك لم جنّبته الجيد والنّحرا
فقالت ولم تكذب خشيت سقوطه ... وأومت إليّ فيها نظّمته ثغرا
كذلك إن عضّ السّوار بمعصمي ... وحاذرت أن يدميه حمّلته الخصرا
وأكثر ما يذكرون الخصر بالرّقة مع ذكر الكفل بالعظم، كما قال ديك الجن:
[الكامل]
وتمايلت فضحكت من أردافها ... عجبا، ولكنّي بكيت لخصرها
تسقيك كأس مدامة من كفّها ... ورديّة، ومدامة من ثغرها
وقال القاضي أبو حفص بن عمر:
مشت كالغصن يثنيه النّسيم ... ويعدوه النّسيم فيستقيم
لها ردف تعلّق من ضعيف ... وذاك الرّدف لي ولها ظلوم
يعذّبني إذا فكّرت فيه ... ويتعبها إذا رامت تقوم
وما حبّي لها إلا عذاب ... عليه من نضارتها نعيم
***
قوله: «سهوا». أي خطأ. والهامة: الرأس. وإلا فرمى الله جفني بالعمش، إنما ذكر العمش والنّمش وما بعده لأنها أضداد لما تقدم، وعند الإشارة لها يتبيّن من الغلام عند الوالي أضدادها، فيزداد حسنا. [الكامل]
* وبضدّها تتبيّن الأشياء (٢) *
والعمش: انتثار شعر العينين. والنّمش: أخفى من البرش. الجلح: الصّلع، وهو
стр. 283
انحسار الشعر من النّزعتين، وفعله جلح الرجل واجلخّ، كاسودّ. والطّلع: قد تقدّم في الثانية، وإذا علته خضرة سمّي بلحا. والبهار: نرجس المغرب، وهو أصفر، والورد أحمر، فدعا له بعلّة تذهب جمال وجهه وتصفّر حمرة خده. والبخار: كالبخر: النّتن.
والمسكة: أطيب العطر، فدعا له بتغير الرائحة. وتقدّم أن أطيب الطيب أنفاس عبقة من كبد سليمة.، وتقدّم في الثانية معنى قوله: «ووردتي بالبهار» منظوما، وقال الصابي في أبخر: [الكامل]
نطق ابن نصر فاستطارت جيفة ... في العالمين لنتن فيه الفاسد
فكأنّ أهل الأرض كلّهم فسوا ... متواطئين على اتّفاق واحد
وقالت جنان في أبي نواس: [الخفيف]
فإذا ما أردت أن تحمد اللّ ... هـ على ما أعطى وأولاك شكرا
فليكن ذاك بالضمير فمن سبّ ... ح بالفسو نال إثما ووزرا
وقال آخر: [السريع]
أهدى زريق قطّه لقمة ... قد لاكها في فمه الأبخر
فبادر القطّ إلى دفنها ... يحسبها من بعض ما قد خرى
قوله: «وبدري بالمحاق»، المحاق: أن ينمحق ضوء القمر فلا يبقى منه شيء.
واحتراق الفضة: اسودادها. وشعاعي بالظلام، أي صباحة وجهه ووضاءته بسواد اللحية، أي عاجلني لله بالالتحاء، ويريد بهذا كلّه أن يكسو بياض وجهه سواد الشعر، فيكسد ولا يلتفت إليه.
وقال ابن المعتزّ في مثل هذا الدعاء: [البسيط]
يا ربّ إن لم يكن في وصله طمع ... وليس لي فرج من طول هجرته
فاشف السّقام الّذي في طرف مقلته ... واستر ملاحة خدّيه بلحيته
ونقل لفظ احتراق الفضة من قول أبي الحسين الثّغريّ، وهو من شعراء اليتيمة:
[الرمل]
لي حبيب يزهى بحسن عجيب ... وبقدّ مثل القضيب الرطيب
أحدقت بالسواد فضة خدّي ... هـ، فقد أحرقت سواد القلوب
[مما قيل في العذار وفي الالتحاء]
ونذكر هنا ما يليق بهذا الموضع مما قيل في العذار وفي الالتحاء مما مدح به وذمّ، قال ابن عبد ربه: [الكامل]
стр. 284
ومعذّر نقش الجمال بمسكه ... خدّا له بدم القلوب مضرّجا
لما تيقّن أن سيف جفونه ... من نرجس جعل النّجاد بنفسجا
وقال ابن صارة: [الكامل]
ومعذّر رقّت حواشي حسنه ... فقلوبنا حذرا عليه رفاق
لم يكس عارضه السواد وإنّما ... نفضت عليه سوادها الأحداق
وقال عبد المحسن الصوريّ: [الوافر]
ومعتذر العذار إلى فؤادي ... لجرم سابق من مقلتيه
وكم أعرضت عنه فأعرضت بي ... عن الأعراض خضرة عارضيه
ولمّا قلت إنّ الشّعر يسعى ... لقلبي في الخلاص سعى عليه
وقال أبو القاسم الزاهي: [الكامل]
لولا عذارك ما خلعت عذاري ... لكنت في وزر من الأوزار
ما كنت أحسب أن أعاين أو أرى ... تخطيط ليل في بياض نهار
حتى نظرت إلى عذارك فاغتدى ... سقم القلوب ونزهة الأبصار
وللمعتمد بن عباد: [مخلع البسيط]
تمّ له الحسن بالعذار ... واختلط اللّيل بالنّهار
أخضر في أبيض تبدّى ... ذلك آسي وذا بهاري
لقد حوى مجلسي تماما ... إن يك من ريقه عقاري
وقال ابن حمدون: [مخلع البسيط]
ظلّ على خدّه العذار ... فافتضح الآس والبهار
وابيضّ هذا واسودّ هذا ... واجتمع اللّيل والنّهار
أغضّ عيني عنه لأنّي ... عليه من مقلتي أغار
فهذا كله حسن في مدح العذار؛ وإن كان النّذير بموت الجمال، فإذا تقوّى العذار واسودّ؛ صاروا إلى نعيه، كما قال أبو بكر البلويّ: [السريع]
انظر إلى ميت ولكنّه ... خلو من الأكفان والغاسل
قد كتب الدهر على خدّه ... بالشّعر: هذا آخر الباطل
وله في ضدّه: [مجزوء الكامل]
стр. 285
لمّا التحى من قد هويت ... وقلت رسم قد دثر
عاينت من طلّابه ... زمرا مواصلة زمر
وكذاك أصحاب الحديث ... نفاقهم عند الكبر
وكما قال أبو الحسن بن الحاجّ:
أبا جعفر مات فيك الجمال ... فأظهر خدّك لبس الحداد
وقد كان ينبت زهر الرّياض ... فأصبح ينبت شوك القتاد
أبن لي متى كان بدر السما ... ء يدرك بالكون أو بالفساد!
وهل كنت في الملك من عبد شمس ... فأخنى عليك ظهور الفساد
وقال سعيد بن حميد في غلام التحى: [الكامل]
هلّا وأنت بماء وجهك يستقى ... روض الشّباب قليل شعر العارض
فالآن حين بدت بخدّك لحية ... ذهبت بحسنك ملء كفّ القابض
مثل السّلافة عاد خمر عصيرها ... بعد اللّذاذة مثل خلّ الحامض
وقال عليّ بن بسام في أخيه جعفر: [البسيط]
يا من نعته إليّ الإخوان لحيته ... أدبرت والدّهر إقبال وإدبار
قد كنت ممّن يهشّ الناظرون له ... تغصّ دونك أسماع وأبصار
أيّام وجهك مصقول عوارضه ... وللرّياض على خدّيك أنوار
فيا لدهر مضى ما كان أحسنه ... إذا أنت ممتنع، والشّرط دينار
حانت منيّته فاسودّ عارضه ... كما تسوّد بعد الميّت الدّار
وفيه يقول أيضا: [البسيط]
حانت وفاتك يا أبا العباس ... فدع المكاس فلات حين مكاس
ما بال وجهك بعد كثرة نوره ... قد سوّدوه بحالك الأنفاس!
أين الدّنانير التي عوّدتها ... هيهات جاء الشعر بالإفلاس
كانت بخد ثيابه ديباجة ... فاستبدلت حلسا من الأحلاس
وكذا البناء فغير مرتفع إذا ... كانت بليته من الآساس
وقال مصعب الماجن: [الكامل]
قد صافحت أقطار خدّك لحية ... تركته وهو مسوّد الأقطار
فكأنّ خط الشّعر في جنباته ... ليل أقام على نجوم أو نهار
стр. 286
وكان لمحمد بن بشر بابان يدخل من الأكبر أصحابه، ومن الأصغر أحبابه فجاء يوما غلام مليح، وأراد الدخول من الأصغر على عادته، فمنع، فجعل يخاصم البوّاب لإدلاله، فبلغ ذلك ابن بشر، فكتب إليه: [مجزوء الرمل]
قل لمن رام بجهل ... مدخل الظّبي الغرير
بعد أن علق في خدّي ... هـ مخلاة الشّعير
ليته يدخل إن جا ... ء من الباب الكبير
وقال ابن الأبّار: [مخلع البسيط]
لست بصاب إلى معذّر ... بل أنا في حبّه معذّر
لا أعشق الظبي ذا لجام ... لأنه في الظباء منكر
أحسن ما فيه أن تراه ... بين مهاة وبين جؤذر
ينظر قوله: «لأنه في الظبا منكر» إلى قول حبيب: [الوافر]
تعشّقك الكبار يدلّ عندي ... على أنّ الرحى قلبت ثفالا
وقال آخر: [السريع]
لي في أبي يحيى ومشعوقه ... شغل على ذي شغل شاغل
يا ليت شعري قول ذي حيرة ... من منهما المفعول والفاعل!
وقال ابن حصين في محبوب صغير: [مجزوء الرمل]
بأبي ظبي صغير الس ... نّ حازت ثلث سنّي
سرّني أن ليس يدري ... مذهبي فيه وفنّي
فهو يدعوني عمّا ... وأنا أدعوه بابني
وللخبز أرزيّ: [البسيط]
قالوا عشقت صغيرا قلت أرتع في ... روض المحاسن حتى يدرك الثّمر
ربيع حسن دعاني لاتّباع هوى ... لمّا تفتح فيه النّور والزّهر
وقال التّنوخي في جسيم: [البسيط]
من أين أستر وجدي وهو منتهك ... ما للمتيّم في نيل الهوى درك
قالوا عشقت عظيم الجسم قلت لهم ... الشّمس أعظم جسم ضمّه الفلك
وللفقيه ابن حزم: [الطويل]
وذي عذل فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول:
стр. 287
أفي حسن وجه لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم، أنت قتيل!
فقلت له: أسرفت في اللّوم ظاهرا ... وعندي ردّ لو أردت طويل
ألم تر أنّي ظاهريّ وأنّني ... على ما بدا حتى يقوم دليل!
وأحسن حبيب حين قال: [البسيط]
قال الوشاة بدا في الخدّ عارضه ... فقلت لا تنكروا وما ذاك عائبه (١)
الحسن منه على ما كنت أعهده ... والشّعر حرز له ممّن يطالبه
أحلى وأعذب ما كانت شمائله ... إذ لاح عارضه واخضرّ شاربه
وصار من كان يلحى في مودّته ... إن سيل عني وعنه قال صاحبه
وقال الحلوانيّ: [البسيط]
قالوا التحى فامّحت بالشّعر بهجته ... فقلت: لولا الدّجى لم يحسن القمر
خطّت يد الحسن فيه فوق وجنته: ... هذي محاسن- يا أهل الهوى- أخر
وله أيضا: [الخفيف]
لي حبيب إذا شكوت إليه ... سامني بالهوى عذابا شديدا
لست أدعو بالشّعر غيظا عليه ... خيفة أن يكون حسنا جديدا
غير أنّي أدعو بقلب قريح ... أن أراه مثلي محبّا عميدا
وقال غيره: [مخلع البسيط]
قد حلّ في سوقك الكساد ... مذ لاح في خدّك السّواد
كأنما الشّعر فيه زرع ... والنّتف منه له حصاد
وقوله: «ودواتي بالأقلام»، أي ابتلاه الله أن يلاط به، قال: الفنجديهيّ: أنشدني بعض الشعراء بمروروز لبعضهم: [الوافر]
دوادار الأمير له دواة ... كمثل الياسمين بغير صوف
يرى قلم الأمير يغوص فيها ... مغاص عصيدة في حلق صوفي
ونقل لفظ الدواة والأقلام من قول ديك الجن؛ وكان يهوى غلاما من حمص، اسمه بكر، فجلس معه ليلة يتحدّث بها حتى غاب القمر، فقام بكر ليمشي، فقال:
[الطويل]
стр. 288
دع البدر فليغرب فأنت لنا بدر ... إذا ما تجلّى عن محاسنك الشّعر
إذا ما انقضى سحر الذين ببابل ... فأنت لنا سحر وريقك لي خمر
ولو قيل لي قم فادع أحسن من ترى ... لصحت بأعلى الصّوت: يا بكر يا بكر!
وكان هذا الغلام شديد التصاون والتمنع، فاحتال عليه قوم من حمص، فأخرجوه إلى متنزّه، فأسكروه وفسقوا به، فبلغ ذلك ديك الجن فقال: [الكامل]
يا بكر ما فعلت بك الأرطام ... يا دار ما فعلت بك الأيّام
في الدار بعد بقية نستامها ... أم ليس فيك بقية تستام
شغل الظّلام كراك في أبوابهم ... فتفرّغت لدواتك الأقلام
وله فيه أيضا: [البسيط]
قولا لبكر بن مهديّ إذا اعتكرت ... عساكر اللّيل بين الطّاس والجام
ألم أقل لك إنّ الكبر مهلكة ... والبغي والعجب إفساد لأقوام
قد كنت تفرق من سهم تعاينه ... فصرت غير رميم رقعة الرّامي
وكنت تفزع من لمس ومن قبل ... فقد ذللت لإسراج وإلجام
إن تدم فخذاك من ركض فربّتما ... أمسى وقلبي منك الموجع الدّامي
قال أبو عليّ بن رشيق: كنت أوصي غلاما وضيئا، كان يختلف إليّ، وأحذّره من كثرة التخليط، فخرج يوما في جماعة من أصحابه، فأوقع به، فأخبرت بذلك، فقلت:
[السريع]
يا سوء ما جاءت به الحال ... إن كان ما قالوا كما قالوا
ما أحذق النّاس بصوغ الخنا ... صيغ من الخاتم خلخال
وهذا من قول ابن المعتز: [الطويل]
مضى خالد والمال تسعون درهما ... وآب ورأس المال ثلث الدّراهم
وهذا المعنى الخبيث يتبين بعقد التسعين والثلاثين في اليد.
وقال ابن رشيق: [الكامل]
سقطت ثنّيته فأوجع قلبه ... لسقوطها وجرى عليه عظيم
فإذا مررت به فسلّ فؤاده ... عنها وقل صبرا كذاك الريم
عجبا للؤلؤة هوت من سلكها ... والسّلك لا واه ولا مفصوم
أتعدّيا يا خطب وهو مصوّن ... أبدا بخاتم ربّه مختوم
стр. 289
ويستحبّ لمن وسم بوسمة الجمال، أن يكون شديد التصاون، قليل التبذّل، فذلك أدعى للسلامة، وقد قال ابن وكيع في ذلك: [البسيط]
قالوا عشقت كثير البخل ممتنعا ... فقلت: هيهات عنكم غاب أطيبه
لو جاد هان، وقلت الجود عادته ... وإنما عزّ لمّا عزّ مطلبه
فإذا تبذّل وأجاب كلّ من دعاه صار عرضة للظنون، ونبت عن محاسنه العيون، لأنّ النفس الحرّة لا تنفك من غيرة، وقد قال العباس بن الأحنف: [الكامل]
يا قوم لم أهجركم لملالة ... منّي ولا لمقال واش حاسد (١)
لكنّني جرّبتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد
وقال أبو الوليد بن حزم: [الكامل]
لمّا استمالك معشر لم أرضهم ... والقول فيك كما علمت كثير
داويت دونك مهجتي فتماسكت ... من بعد ما كادت إليك تطير
فاذهب فغير جوانحي لك منزل ... واسمع فغير وفائك المشكور
وله أيضا: [المتقارب]
يقول وقد لمته في الهوى ... فلان، وعرّضت شيئا قليلا:
أتحسدني؟ قلت: لا، والذي ... أحلّك في الحبّ مرعى وبيلا
وكيف وقد حلّ ذاك الإزار ... وقد سلك النّاس تلك السبيلا!
وقال محمد بن السريّ: [الكامل]
قايست بين جماله وفعاله ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
والله لا كلمته ولو أنه ... كالبدر أو كالشّمس أو كالمكتفي
وقال آخر: [الطويل]
أيا حسنا أزرت قبائح فعله ... عليه كما أزرى الكسوف على البدر
لقد فقت كلّ الناس حسنا وزينة ... ولكنّما قبّحت ذلك بالغدر
وقال ابن عيينة: [الكامل]
ضيعت عهد فتى لعهدك حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك
إن تقتليه وتذهبي بفؤاده ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
***
стр. 290
فقال الغلام: الاصطلاء بالبليّة، ولا الإيلاء بهذه الأليّة، والانقياد للقود؛ ولا الحلف بما لم يحلف به أحد. وأبى الشيخ إلّا تجريعه اليمين الّتي اخترعها، وأمقر له جرعها. ولم يزل التّلاحي بينها يستعر، ومحجّة التّراضي تعر، والغلام في ضمن تأبّيه، يخلب قلب الوالي بتلوّيه، ويطمعه في أن يلبّيه، إلى أن ران هواه على قلبه، وألبّ بلبّه، فسوّل له الوجد الّذي تيّمه، والطّمع الّذي توهّمه، أن يخلّص الغلام ويستخلصه، وأن ينقذه من حبالة الشّيخ ثم يقتنصه.
***
قوله: «الاصطلاء»، أي الاتصال والتلبّس. والبلية، أراد دعوة الباطل التي ادّعى عليه الشيخ. والإيلاء: الحلف: والأليّة: اليمين. والقود: قتل النفس بالنفس، فيقول:
الصبر على الضرب أو القتل أهون من هذه اليمين التي لم يحلف بها أحد اخترعها:
استنبطها. أمقر: أمرّ، من المقر؛ وهو الصير.
وهذه اليمين المخترعة، حكى الأصمعيّ شبهها، فقال: اختصم أعرابيّان عند بعض الولاة في دين، فجعل المدّعى عليه يحلف بالطلاق والعتاق، فقال المدّعي: دعني من هذه الأيمان، واحلف بما أقول لك، فقال: ما قولك؟ قال: قل: لا ترك الله لك خفّا يتبع خفّا، ولا ظلفا يتبع ظلفا، وحتّك من أهلك وولدك، كما يحاتّ الورق من الشجر؛ إن كان بقي لي هذا الحق قبلك. فأعطاه حقّه ولم يحلف له.
وحكى المسعوديّ أنّ الفضل بن الربيع قال: صار إليّ عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ﵄، فقال: إنّ موسى بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب قد أرادني على بيعته، فأخبرت الرشيد بذلك، فجمع بينهما، فقال الزبيريّ لموسى: سعيتم علينا، وأردتم نقض بيعتنا ودولتنا، فقال له موسى: ومن أنتم! فغلب الرّشيد الضحك حتى رفع رأسه إلى السقف لئلا يظهر منه الضحك، ثم قال موسى: يا أمير المؤمنين، هذا المشنّع عليّ، خرج مع أخي محمد على جدّك المنصور، وهو القائل [من أبيات]:
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إنّ الخلافة فيكم يا بني الحسن
وليست سعايته حبّا لك، ولا مراعاة لدولتك؛ ولكن بغضا لنا جميعا أهل البيت، وأنا أستحلفه بيمين، فإن حلف بها أنّي قلت ذلك، فدمي حلال لأمير المؤمنين. فقال له الرشيد: احلف له يا عبد الله، فامتنع، فقال له الفضل: لم تمتنع وقد زعمت أنه قال ما ذكرته؟ قال: فإني أحلف له، قال موسى: قل: تقلّدت الحول والقوّة دون حول الله وقوّته إلى حولي وقوّتي، إن لم يكن ما قلته حقا. فحلف له، فقال موسى: الله أكبر! حدثني أبي عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما حلف أحد بهذه اليمين وهو
стр. 291
كاذب إلّا عجّل الله له العقوبة قبل ثلاث»، وها أنذا بين يدي أمير المؤمنين في قبضته، فإن مضت ثلاث ولم يحدث له حادث، فدمي حلال لأمير المؤمنين.
قال الفضل: فو الله ما صلّيت العصر من ذلك اليوم، حتى سمعت الصراخ من داره.
فدخلت عليه، فو الله ما كدت أعرفه: لأنه صار كالزّق العظيم، ثم اسودّ حتى صار كالفحم، فعرّفت الرشيد في الحين، فما انقضى كلامنا حتى عرفنا أنه قد مات، فبادرت بتعجيله، وتولّيت الصلاة عليه. فلما ووري في قبره انخسف به، وخرجت رائحة مفرطة النّتن، ومرّت أحمال شوك على الطريق، فأمرت بها فطرحت في قبره، فانخسف ثانية، فأمرت بألواح ساج، فطرحت على قبره وألقى التراب عليها، وانصرفت، وأعلمت الرشيد. فأكثر التعجّب، وأحضر موسى؛ فأعطاه ألف دينار، وقال له: لم عدلت عن اليمين المتعارفة عند الناس؟ فقال: أخبرت بالسند المتقدّم عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بيمين كاذبة مجّد الله فيها، استحيا الله من تعجيل عقوبته، ومن حلف بيمين كاذبة نازع الله فيه حوله وقوّته إلّا عجّل الله له العقوبة قبل ثلاث».
***
قوله: «التلاحي»، السّباب والتشاتم. عليّ ﵁، قال النبي ﷺ : «من لاحى الرجال سقطت مروءته وذهبت كرامته، وما زال جبريل ينهاني عن ملاحاة الرجال كما ينهاني من عبادة الأوثان» (١). وفي المثل: من لا حاك فقد عاداك.
يستعر: يتّقد. محجّة التراضي: أي طريق الرضا تعر: تصعب. وفي ضمن تأبّيه، أي في أثناء كلامه وامتناعه. يخلب: يخدع ويأخذ قلبه. تلوّيه: انعطافه يطمعه: يدعوه للطمع. يلبّيه: يجيبه لمراده. وران: غلب وغطّى. أبو هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : «إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقلت، وإن عاد زادت حتى تعظم في قلبه، فذلك الران» (٢)، قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المطففين: ١٤].
ألبّ: أقام. لبّه: عقله: سوّل: زيّن. الوجد: حرقه القلب. تيّمه: عبّده وذلّله، والمتيّم: المستعبد لهواه. توهمه: ظنه. يستخلصه: يختصه لنفسه. حبالة: آلة الصيد.
يقتنصه: يصيده؛ يقول: إنّ هذا الغلام في أثناء كلامه بالتمنع وترك الانقياد للشيخ يطمع الوالي في الانقياد له، وإنه إذا دعاه لما يريده منه أجابه، وإنما فعل هذا حين رأى إدامة نظر الوالي في وجهه، واستحسانه كلامه، ولو فسّر الوالي حال الغلام بمنظوم لأنشد:
[البسيط]
стр. 292
يهدي لك الدّر من لفظ ومبتسم ... ضربان: منتثر منه ومنظوم
يجني الذنوب، وأحنو أن أؤاخذه ... من أجل ذلك قيل الحسن مرحوم
ولأنشد إذا غلب عليه هواه: [البسيط]
مرآك مرآك لا شمس ولا قمر ... وورد خدّيك لا ورد ولا زهر
في ذمّة الله قلب أنت ساكنه ... إن بنت بان فلا عين ولا أثر
لولا محلّك من قلبي لما أسفت ... نفسي عليك، فرفقا أيّها القمر
هذه الأبيات لأبي الوليد بن حزم؛ وقد كرر معنى البيت الأخير فقال: [الكامل]
أذكيت من قلبي بنأيك لوعة ... حتى خشيت على محلّك فيه
ومما يتعلق بهذا المعنى قول الآخر: [الطويل]
ولمّا رماني بالسهام تعمّدا ... وفيها نصال الهجر حتى امتلا صدري
فقلت له لا ترم قلبي فإنّه ... مكانك والمرميّ أنت ولا تدري
وقال آخر: [الطويل]
حملتك في قلبي فهل أنت عالم ... بأنّك محمول وأنت مقيم!
ألا أنّ شخصا في فؤادي محلّه ... وأشتاقه، شخص عليّ كريم
وقال التّهاميّ: [الكامل]
قلبي فداؤك وهو قلب لم يزل ... تذكى شهاب الشّوق في أثنائه
جاورته شرّ الجوار وزرته ... لمّا حللت فناءه بفنائه
حرّق سوى قلبي ودعه فإنني ... أخشى عليك وأنت في سودائه
وقال آخر: [السريع]
أودع فؤادي حرقا أودع ... نفسك تؤذى أنت في اضلعي
أمسك سهام اللّحظ أو فارمها ... أنت بما ترى مصاب معي
موقعها القلب وأنت الذي ... مسكنه في ذلك الموضع
***
فقال للشّيخ: هل لك فيما هو أليق بالأقوى، وأقرب للتّقوى! فقال: إلام تشير لأقتفيه، ولا أقف لك فيه؟ فقال: أرى أن تقصر عن القيل والقال، وتقتصر منه على مائة مثقال، لأتحمّل منها بعضا، وأجتبي الباقي لك عرضا، فقال الشّيخ:
стр. 293
ما منّي خلاف، فلا يكن لوعدك إخلاف، فنقده الوالي عشرين، ووزع على وزعته تكملة خمسين. ورقّ ثوب الأصيل، وانقطع لأجله صوب التّحصيل، فقال له: خذ ما راج، ودع عنك اللّجاج، وعليّ في غد أن أتوصّل، إلى أن ينضّ لك الباقي ويتحصّل، فقال الشّيخ: أقبل منك على أن ألازمه ليلتي، ويرعاه إنسان مقلتي، حتى إذا أعفى بعد إسفار الصبح، بما بقي من مال الصّلح، تخلّصت قائبة من قوب، وبرئ براءة الذّئب من دم ابن يعقوب، فقال له الوالي: ما أراك سمت شططا، ولا رمت فرطا.
قال الحارث بن همام: فلمّا رأيت حجج الشّيخ كالحجج السّريجيّة، علمت أنّه علم السّروجيّة.
***
قوله: «أليق» أي أشكل وأصقل. بالأقوى: بصاحب القوّة. والذي هو أقرب للتقوى، وهو العفو لقوله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [البقرة: ٢٣٧]. أقتفيه:
أتبعه. لا أقف لك فيه، أي لا أتوقّف فيما تشير به. تقصر: تكفّ. عن القيل والقال، أي عن كل كلام. أجتبي: أجمع. عرضا: كلّ ما ليس فيه روح من الأمتعة غير العين؛ وهو ليس بنقد من السّلع التي يتجر فيها من متاع ورقيق وغير ذلك. أتحمّل: أضمن، وفلان حميل بكذا، أي ضامن له. إخلاف: كذب وعد. نقده: أعطاه نقدا. وزّع: فرّق.
وزعته: شرطته الذين يكفون عنه الناس، واحدهم وازع مثل كافر وكفرة، وقد وزعته وزعا كففته، وأيضا دفعته. وقال الحسن البصريّ ﵀: لا بدّ للسلطان من وزعة.
الأصيل العشيّ. وثوبه: ضوء الشمس، وهو في ذلك الوقت رقيق. صوب: وقع، وصاب السهم صوبا وصيّبا: وقع بالرميّة، وصاب السحاب الموضع: أمطر. والتحصيل:
أن يحصّل بقية المال. راج: حضر وتيسّر، ويقال: راج الشيء روجا فهو رائج إذا جاء جاء سريعا. قوله: «إنسان مقلتي»، أي سواد عيني. يرعاه: يحفظه وينظره. أعفى: أتى بالبقيّة، والعفاوة: بقية المرق في القدر. تخلّصت: انفصلت. والقائبة: البيضة.
والقوب: الفرخ، وهذا مثل يضرب للرجلين يفترقان بعد الصّحبة، وجاء مقلوبا لأن الذي ينفصل ويخرج إما هو الفرخ من البيضة، والقوب، من تقوّب الشيء إذا انتشر، ومنه القوباء لداء الحزاز. وابن يعقوب هو يوسف ﵉، وبراءة الذئب من دمه، هو ما يحكى أنّ إخوته لما جاءوا أبيهم يبكون على يوسف، علموا أنه لا يصدّقهم، فاصطادوا ذئبا فلطّخوه بدم، وأتوه يبكون، وقالوا له: هذا الذئب قد ضري، أكل أغنامنا وأكل يوسف أخانا، قال لهم: أطلقوه، ودعا الله يعقوب أن ينطقه له، فقال للذئب: ادن منّي، فجعل يبصبص بذنبه ويدنو منه، حتى وضع خدّه على فخذيعقوب، فقال له: لم
стр. 294
أكلت ابني، وفجعتني فيه؟ فقال: لا والله يا نبيّ الله، ما رأيته ولا أكلته، وإني لغريب في أرضكم اليوم، وصلت من مصر في طلب أخ لي فقدته، فأوثقني هؤلاء وساقوني إليك، فقال لهم يعقوب ﵇: الذئب مع أخيه أوفى منكم مع أخيكم.
قوله: «سمت»: أي كلّفت. شططا: شيئا بعيدا، والشّطط: مجاوزة القدر.
ورمت فرطا: طلبت شيئا متفاوتا، وكيف لم يسمّه شططا، وقد حرمه لذة ليلة مع هذا الغلام أحسن من ليلة الخفاجي حيث يقول: [مخلع البسيط]
وليلة طلقة قضتني ... من موعد للحبيب دينا
بتنا نجرّ الذيول فيها ... والخمر تمشي بنا بالهوينى
أرسل في روض وجنتيه ... لحظة عين تفيض عينا
كأنّما اللحظ كيمياء ... تذهب من وجهه لجينا
وما توهّمت أنّ طرفا ... يقلب عين اللجين عينا
أو ليلة الآخر حين يقول: [الكامل]
لمّا رأى من ظلت فيه متيّما ... جسمي ضئيلا والفؤاد مولّها
جادت شمائله عليّ بليلة ... أهدت إلى الصبّ المعنّى ما اشتهى
عانقت فيها البدر ليلة تمّه ... يا من رأى بدرا يعانقه السّها!
[أحمد بن سريج من أئمة الشافعيّة]
قوله: «الحجج السّريجية» منسوبة إلى أحمد بن سريج، وهو من كبار أصحاب الشافعيّ، وكان حسن الاحتجاج، مليح المناظرة.
وقال الفنجديهيّ: السّريجيّة منسوبة إلى الإمام أبي العباس أحمد بن عمر بن سريج إمام أصحاب الشافعيّ على الإطلاق، ومن لا نفست ذات درّ بمثله في الآفاق، حججه في أحكام الشرع أوضح الحجج، وأقواها وأمتنها على مرور الأيام والحجج، وكان يلقّب بالبازي الأشهب، وبالشافعيّ الثانيّ، لتبحّره في استنباط المعاني، من غوامض الأخبار والمثاني، دلائله في فنون العلم متينة، وبراهينه مبينة.
وقال: رأيت في المنام كأنا أمطرنا كبريتا أحمر، فملأت كمّي وحجري وجيبي منه، فعبّر لي أني أرزق علما غزيرا كعزّة الكبريت الأحمر.
وسمع يتمثّل بهذه الأبيات: [المتقارب]
فلا تحسد الكلب أكل العظام ... فعند الخراءة ما ترحمه
تراه وشيكا شكسا استه ... كلوما جناها عليه فمه
إذا ما أهان امرؤ نفسه ... فلا أكرم الله من يكرمه
стр. 295
وكان يناظر محمد بن داود، فقال له ابن داود يوما وقد أكثر عليه السؤال: أبلعني ريقي، فقال له: قد أبلعتك الدّجلة والفرات.
وقال له مرة: أمهلني ساعة، فقال: قد أمهلتك من الساعة إلى أن تقوم الساعة.
وقال له ابن داود يوما: أكلّمك من الرّجل وتجيبني من الرأس! فقال له: كذلك البقر إذا حفيت أظلافها، وهنت قرونها.
واجتمع أبو العباس بن سريج وأبو بكر بن داود الأصبهانيّ في مجلس عيسى بن الجراح الوزير، فتناظرا في الإبلاء، فقال ابن سريج: أنت بقولك: من كثرت لحظاته، دامت حسراته، أبصر منك في الكلام في الإيلاء، فقال له ابن داود: لئن قلت ذلك، فإني أقول: [الطويل]
أنزّه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرّما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنّه ... يصبّ على الصّخر الأصمّ تهدّما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي ردّه لتكلّما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهم ... فلست أرى حبّا صحيحا مسلما
وقال له ابن سريج: بم تفتخر؟ ولو شئت قلت: [الكامل]
ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بتّ أمنعه لذيذ سناته
أصبو لحسن كلامه وحديثه ... وأكرّر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولّي بخاتم ربّه وبراته
فقال له أبو بكر: أصلح الله الوزير! يحفظ عليه ما قال، حتى يقيم عليه شاهدين عدلين، أنه ولّى بخاتم ربه وبراءته، فقال له ابن سريج: فيلزمني في هذا ما يلزمك في قولك: [الطويل]
* وأمنع نفسي أن تنال محرّما*
فضحك الوزير، وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا وعلما وفهما.
اشتملت هذه الحكاية على أنّ هذين الرجلين العالمين على اشتهارهما بالعلم والفضل والدّين كانا يرتاحان إلى التعشّق على سبيل التظرّف والتزام التعفّف على ما يليق ويشكل بمنصبهما؛ وإذا كان التّعشّق بشرط العفاف، فإنّما يزيد الرّجل الفاضل رقّة طبع، وحلاوة شمائل.
وقال ابن سريج في مرضه الذي مات فيه: أريت في المنام البارحة كأنّ قائلا يقول:
هذا ربّك يخاطبك، فسمعته يقول: ماذا أجبتم المرسلين؟ فقلت: بالإيمان والتّصديق، قال: فقيل: ماذا أجبتم المرسلين؟ فوقع في نفسي أنه يراد مني زيادة في الجواب،
стр. 296
فقلت: بالإيمان والتصديق، غير أنا قد أصبنا من هذه الذنوب، فقال: أما إنّي سأغفرها لك.
وتوفّي لخمس مضين من جمادى الأولى سنة ست وثلاثمائة، وبلغ سنه سبعا وخمسين سنة وستة أشهر، ودفن في حجرة، بسويقة غالب ببغداد رحمة الله عليه.
[من شعر النسيب]
ونذكر الآن من نفيس الشعر المضمّن «من ظفر من محبوبه بمراده من الوصال، ثم عفّ عما يخلّ بأهل الجلال»، قال إدريس بن اليمان: [البسيط]
لم تدر ما خلّدت عيناك في خلدي ... من الغرام ولا ما كابدت كبدي
أفديك من زائر رام الدنوّ فلم ... يسطعه من حرق في الدّمع متّقد
خاف العيون، فوافاني على عجل ... معطّلا جيده إلّا من الغيد
عاطيته الكأس فاستحيت مدامتها ... من ذلك الشّنب المعسول والبرد
حتى إذا غازلت أجفانه سنة ... وصيّرته يد الصّهباء طوع يدي
أردت توسيده خدّي وقلّ له ... فقال: كفّك عندي أفضل الوسد
فبات في حرم، لا غدر يزعجه ... وبتّ ظمآن لم أصدر ولم أرد
بدر ألمّ وبدر التّمّ منمحق ... والأفق محلولك الأرجاء من حسد
تحيّر الليل فيه، أين مطلعه ... أما درى اللّيل أن البدر في عضدي!
وقال الرّماديّ: [السريع]
وليلة راقبت فيها الهوى ... على رقيب غير وسنان
والرّاح ما تنزل عن راحتي ... وقتا ومن راحة ندماني
وربّ يوم قيظه منضج ... كأنّه أحشاء ظمآن
أبرز من خدّيه لي رشحه ... طلّا على ورد وسوسان
وكان في تحليل أزراره ... أقود لي من ألف شيطان
فتحت الجنّة من جيبه ... فبتّ في جنّة رضوان
مروءة في الحبّ تنهي بأن ... يجاهر الله بعصيان
وقال سعيد بن حميد: [الخفيف]
زائر زارنا على غير وعد ... أهيف الكشح، مثقل الأرداف
غالب الخوف حين غلبه الشّو ... ق فأخفى الهوى وليس بخافي
غضّ طرفي عنه تقى الله واختر ... ت على بذله بقاء التّصافي
стр. 297
ثم ولّي والخوف قد هزّ عطفي ... هـ، ولم نخل من لباس العفاف
وقال بعض الطالبيين: [الطويل]
رموني وإيّاها بشنعاء هم بها ... أحقّ، أدال الله منهم وعجّلا
بأمر تركناه وربّ محمد ... جميعا، فإما عفّة أو تجمّلا
وسنزيد ما يستحسن في العفاف وضده في الثانية عشر.
قوله: «علم السّروجيّة»، أي مشهورها. والعلم: الجبل.
***
فلبثت إلى أن زهرت نجوم الظّلام، وانتثرت عقود الزّحام، ثمّ قصدت فناء الوالي، فإذا الشّيخ للفتى كالي، فنشدته الله: أهو أبو زيد؟ فقال: إي ومحلّ الصّيد! فقلت: من هذا الغلام، الّذي هفت له الأحلام، قال: هو في النّسب فرخي، وفي المكتسب فحّي، قلت: فهلّا اكتفيت بمحاسن فطرته، وكفيت الوالي الافتنان بطرّته! فقال: لو لم تبرز جبهته السّين، لما قنفشت الخمسين، ثمّ قال:
بت الليلة عندي لنطفئ نار الجوى، ونديل الهوى من النّوى، فقد أجمعت على أن أنسلّ بسحرة، وأصلي قلب الوالي نار حسرة.
***
لبثت: أقمت. عقود: جمع عقد، أراد ما يعقد من جموع النّاس في الزّحام.
انتثرت: افترقت. زهرت: أضاءت. الفناء: ما حول الدار. ناشدته: سألته. هفت، أي طارت. الأحلام: العقول. فطرته: خلقته. تبرز: تظهر. والطّرّة: قد تقدمت، وشبّه اعتدال الشّعر على الجبهة بشكل السين على السّطر، وأخذه من قول التّهاميّ: [البسيط]
يا ربّ معنى بعيد الشأن نسلكه ... في سلك لفظ قريب الفهم مختصر
لفظ يون لقعد القول واسطة ... ما بين منزلة الإسهاب والخصر
إن الكتابة صارت تحت أنمله ... والجود فالتقيا منه على قدر
تردّ أقلامه الأرماح صاغرة ... عكسا، كعكس شعاع الشّمس للقمر
وفي كتابك فاعذر من يهيم به ... من المحاسن ما في أحسن الصّور
الطّرس كالخدّ والنونات دائرة ... مثل الحواجب والسّينات كالطّرر
ومن ملح الخبز أرزيّ: [الرمل]
وبنفسي من إذا خمّشته ... نثر الورد عليه ورقه
стр. 298
وإذا مسّت يدي طرّته ... أفلتت منه فعادت حلقه
أخذها من حكاية لعمر بن أبي ربيعة؛ حدّث المغيرة بن عبد الرحمن، قال:
حججت مع أبي وأنا غلام، عليّ جمّة، فجئت عمر فسلّمت عليه، فجلست عنده، فجعل يمدّ الخصلة من شعري ثم يرسلها، فترجع على ما كانت عليه، ويقول: وا شباباه! حتى فعل ذلك مرارا، ثم قال لي: يا ابن أخي، قد سمعتني أقول في شعري: قالت وقلت ... وكلّ مملوك لي حرّ إن كنت كشفت عن فرج امرأة حرام قطّ، فسألت عن رقيقه، فقيل لي: أما في الحوك فسبعون سوى غيرهم.
وساير عمر عروة بن الزبير يحدّثه، فقال: وأين زين المواكب؟ - يعنى ابنه محمدا، وكان يعرف بذلك لجماله- فقال عروة: هو أمامك، فركد يطلبه، فقال له عروة: يا أبا الخطّاب، أولسنا أكفاء كراما لمحادثتك! قال: بلى، بأبي أنت وأمي، ولكني مغرى بهذا الجمال حيث كان، ثم التفت إليه، وقال: [البسيط]
إنّي امرؤ مولع بالحسن أتبعه ... لا حظّ لي فيه إلّا لذّة النّظر
أخذه العباس بن الأحنف، فقال: [البسيط]
أتأذنون لصبّ في زيارتكم ... فعندكم شهوات السّمع والبصر
لا يضمر السّوء إن طالت إقامته ... عفّ الضمير ولكن فاسق النّظر
[مما قيل في حلق الشعر]
ومما يتعلق بذكر الشّعر حلاقة، والشعر فيه كثير؛ فنلمّ منه باليسير.
وأول من قرع هذا الباب- فيما يذكر- القائل: [الخفيف]
حلقوا رأسه ليكسوه قبحا ... خيفة منهم عليه وشحّا
كان من قبل ذاك ليلا وصبحا ... فمحوا ليله وأبقوه صبحا
وقال أبو العباس القريعيّ: [الرمل]
كان إلّا قمرا تحت دجى ... فانجلى اللّيل ولاح القمر
أو كزهر في كمام كامن ... شققت عنه فتمّ الزّهر
وقال أبو العباس بن حيّون: [الكامل]
حلقوك في تغيير حسنك رغبة ... فازداد حسنك بهجة وضياء
كالخمر فضّ ختامه فتشعشعت ... والشّمع قطّ ذباله فأضاء
***
قوله: «قنفشت»، أي أخذت بسرعة، تقول: قفشت الشيء، قفشا إذا جمعت عليه
стр. 299
كفّك بسرعة، وقد انقفشت العنكبوت، إذا دخلت حجرها.
قوله: «الجوى»، أي مرض القلب. نديل: نعوّض، والإدالة: أن يكون الشيء لك مرة ولغيرك أخرى وهي من الدّولة. النوى: البعد أو يريد: هلمّ لنجدّد المودّة في هذه الليلة، ويكون ذلك عوضا من طول الفرّاق، فقد عزمت على أن أنسلّ بالسّحر وأفرّ، والانسلال: الخروج مستخفيا. أصلي قلب الوالي: أجعله متحرّقا بالتحسر والتفجع.
***
قال: فقضيت اللّيلة معه في سمر، آنق من حديقة زهر، وخميلة شجر، حتّى إذا لألأ الأفق ذنب السّرحان، وآن انبلاج الفجر وحان، ركب متن الطّريق، وأذاق الوالي عذاب الحريق، وسلّم إليّ ساعة الفراق، رفعة محكمة الإلصاق، وقال:
ادفعها إلى الوالي إذا سلب القرار، وتحقّق منّا الفرار؛ ففضضتها فعل المتملّس، من مثل صحيفة المتلمّس.
***
قضّيت: أتممت. سمر: حديث بالليل يسمر عليه. آنق: أحسن. حديقة: بستان، ولا تكون إلا تحت حائط أو زرب. زهر: تور. خميلة: روضة فيها شجر. لألأ: لمع وأضاء. الأفق: جهات السماء. ذنب السّرحان، هو الفجر الكاذب، وهو ضوء يظهر قبل الفجر دقيق متصعّد إلى السماء. والسّرحان: الذئب، شبّه ضوأه بذنبه. آن: حان وقرب.
انبلاج الفجر: ظهور ضوئه. متن: ظهر. الحريق: سلّم: ترك. محكمة الإلصاق: متقنة الطيّ. القرار: السكينة، يريد أنّ الوالي إذا أخبر بهربنا ذهب عقله، فجعل يتململ ولا يقرّ. فضضتها: كسرت ختامها.
[المتلمس وصحيفته]
والمتلمّس، شاعر مشهور، اسمه جرير بن عبد المسيح، وسمّي المتلمّس بقوله: [الطويل]
فهذا أوان العرض جنّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس (١)
وهو مأخوذ من تلمّس الرجل الحاجة، إذا طلبها سرّا من غيره، وأصل ذلك من اللّمس باليد، كالذي يلمس بيده في الظلام مواضع خفيّة يطلب منهاشيئا ضاع منه، أو كلمس الأعمى شيئا بيده.
стр. 300
ومن كلام عامّتنا: فلان يتلمّس، بسكون التاء، أي يدخل بين الناس باستخفاء ولا يشعر به.
والمتلمّس أحد الثلاثة الذين اتفق العلماء على أنهم أشعر المقلّين في الجاهلية، وهم: المتلمّس والمسيّب بن علس وحصين بن الحمام.
والمتملس، بالميم قبل اللام، هو المتخلّص الذي يطلب السلامة والخلاص بسهولة، وقد أملس إذا خرج من بين القوم هاربا وهم لا يشعرون، وقد أملس الشيء، إذا سقط من يدك ولم تشعر به لملاسته.
والصحيفة: الكتاب. وقصّتها أن المتلمّس وطرفة كانا يتنادمان مع عمرو بن هند ملك الحيرة- وكان سيّئ الخلق شديده، وهو الذي حرّق من تميم مائة رجل، فهجوه، فقال فيه المتلمس- وكان طرده لشيء بلغه عنه: [الكامل]
أطردتني حذر الهجاء ولا ... واللّات والأنصاب لا تئل (١)
أي لا تنجو.
وقال فيه أيضا: [الكامل]
إن الخيانة والمغالة والخنا ... والغدر نتركه ببلدة مفسد (٢)
ملك يلاعب أمّه وقطينها ... رخو المفاصل أيره كالمبرد
فإذا حللت ودون بيتي غاوة ... فابرق بأرضك ما بدا لك وارعد
وقال طرفة: [الوافر]
فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور (٣)
لعمرك إنّ قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير
في أبيات شهرتها تنبي وتغني عن ذكرها؛ فاستحيا أن يقتلها بحضرته، وبينهما إدلال المنادمة، فكتب لهما بصحيفتين، وختمهما لئلّا يعلما ما فيهما- هو أوّل من ختم الكتاب- وقال لهما: اذهبا إلى عاملي بالبحرين، فقد أمرته أن يصلكما بجوائز. فذهبا
стр. 301
فمرّا بطريقهما بشيخ يحدث ويأكل من خبز بيده، ويتناول القمل من ثيابه ويقصعه، فقال المتلمّس: ما رأيت شيخا كاليوم أحمق من هذا! فقال الشيخ: ما رأيت من حمقى! أخرج الداء، وآكل الدّواء، وأقتل الأعداء. ويروى: أقتل عدوّا، وأدخل طيّبا، وأخرج خبيثا، أحمق والله منّي من يحمل حتفه بيده.
فاستراب المتلمّس بقوله، وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة من كتّاب العرب، فقال له المتلمّس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم، ففك الصحيفة فإذا فيها: فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّا: فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك، فإنّ فيها مثل هذا، فقال طرفة: كلا لم يكن ليجترئ عليّ- وكان غرّا صغير السّنّ- فقذف المتلمس بصحيفته في نهر الحيرة، وقال: [الطويل]
قذفت بها في الثّني من جنب كافر ... كذلك أقنو كل فظّ مضلّل (١)
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها ... يجول بها التيّار في كل جدول
وأخذ نحو الشأم وقال: [الكامل]
ألقى الصحيفة كيف يخفّف رحله ... والزّاد حتى نعله ألقاها (٢)
أراد: أنه تخفف للفرار، فألقى ما لا يثقل، وما لا بدّ للسفر منه.
وقال حين نجا: [الكامل]
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم ... خبرا فتصدقهم بذاك الأنفس (٣)
أودى الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا- حذار حبائه- المتلمّس
стр. 302
ألق الصحيفة، لا أبا لك إنّما ... يخشى عليك من الحباء النّقرس
وأما طرفة فوصل إلى البحرين، فلما قرأ العامل صحيفته، وسأله عن المتلمّس فأخبره بفراره، عفا عنه لصدقه ورعايته لطابع الملك حيث لم يفكّه.
وقيل: إنه سجنه، وبعث إلى عمرو بن هند، وقال له: ما كنت لأقتل طرفة، وأعادي قبيلته، فإذا أردت قتله، فابعث إليه من يقتله. ففعل وخيّر في قتله؛ فاختار أن يسقى الخمر، ويفصد أكحله؛ ففعل به ذلك حتى مات نزفا، ودفن بهجر. وقيل في قتله غير ذلك.
وقال البحتري يصدّق ما تقدم: [الكامل]
ولقد سكنت إلى الصدود من النّوى ... والشّري أري عند طعم الحنظل (١)
وكذاك طرفة حين أوجس ضربة ... في الرأس هان عليه فصد الأكحل
وقال: وهو في السجن يخاطب قومه: [السريع]
أسلمني قومي ولم يغضبوا ... لسوءة حلّت بهم فادحه (٢)
كلّ خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه
كلّهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه اللّيلة بالبارحه!
وقال يخاطب عمرو بن هند في السجن: [الطويل]
أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطكم بالطّوع مالي ولا عرضي (٣)
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض
وقتل وهو ابن عشرين سنة، والعرب تقول: أشعر الناس ابن العشرين وتعنيه، إلّا أنّ أبا العباس أنشد لأخته ترثيه: [الطويل]
عددنا له ستّا وعشرين حجّة ... فلما توفيّ واستوى سيّدا ضخما (٤)
стр. 303
فجعنا به لمّا رجونا إيابه ... على خير حال، لا وليدا ولا قحما (١)
وهلك المتلمّس في الجاهليّة ببصرى.
***
فإذا فيها مكتوب: [الطويل]
قل لوال غادرته بعد بيني ... سادما نادما يعضّ اليدين
سلب الشيخ ماله، وفناه ... لبّه، فاصطلى لظى حسرتين
جاد بالعين حين أعمى هواه ... عينه فانثنى بلا عينين
خفّض الحزن يا معنى فما يج ... دي طلاب الآثار من بعد عين
ولئن جلّ ما عراك كما ج ... لّ لدى المسلمين رزء الحسين
فقد اعتضت منه فهما وحزما ... واللّبيب الأريب يبغي ذين
فاعص من بعدها المطامع واعلم ... أنّ صيد الظّباء ليس بهين
لا ولا كلّ طائر يلج الف ... خّ ولو كان محدقا باللّجين
ولكم من سعى ليصطاد فاصط ... يد ولم يلق غير خفّي حنين
***
قوله: «غادرته»، أي تركته. يعضّ اليدين: تندما. سادما. متغيّرا، والسادم:
المتغيّر العقل من الغمّ، من قولهم: ماء سدم، ومياه سدم وأسدام، أي متغيّرة، وقيل:
السّديم: الحزين الذي لا يطيق ذهابا ولا مجيئا، من قولهم: بعير مسدّم، إذا منع من الضّراب، فكأنّ الحزين منع من الذهاب والمجيء، فيقول: تركته يعضّ يديه تندما وتلهّفا. اللظى: لهب النار، وقد لظت النار: علا لهبها؛ فيريد أنّ الشيخ أخذ ماله والفتى عقله، فاحترق بنار فجعتين جاد: سمح. العين: الذهب. هواه: تعشّقه وميله: انثنى.
رجع. بلا عينين، أي بغير مال ولا بصر. خفّض: سكّن. معنى: معذّب. يجدي: ينفع، والعين هاهنا: الشخص.
***
[قصة المثل: طلب أثرا بعد عين]
وقولهم: طلب أثرا بعد عين، كأنّ رجلا تمكّن من عدوّه أو من صيد ليرميه، فتراخى عنه حتّى فاته، ثم شدّ في طلبه بعد الفوت؛ وأوّل من قال ذلك مالك بن عمرو العامريّ؛ وكان بعض ملوك غسان أخذه وأخاه سماكا بسبب قتيل كان له في عمالته،
стр. 304
فحبسهما زمانا، ثم قال لهما: إني قاتل أحدكما، فجعل كلّ واحد منهما يقول: اقتلني مكان أخي، فقتل سماكا وخلّي مالكا، فقال سماك حين ظنّ أنهمقتول: [المتقارب]
وأقسم لو قتلوا مالكا ... لكنت لهم حيّة راصده (١)
برأس سبيل على مرقب ... ويوما على طرق وارده
أأمّ سماك فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالده
وانصرف مالك إلى قومه، فلبث فيهم زمانا. ثم إن ركبا مرّوا بهم وأحدهم يغنّي بهذا البيت: [المتقارب]
* وأقسم لو قتلوا مالكا*
فسمعت بذلك أمّ سماك، فقالت: يا مالك، قبّح الله الحياة بعد سماك! اخرج في طلب ثأر أخيك، فخرج فلقي قاتل أخيه في ناس من قومه، فقال: من أحسّ لي الجمل الأحمر! فعرّفوه، فقالوا له: لك مائة من الإبل، وكفّ عنه، فقال: لا أطلب أثرا بعد عين، فذهبت مثلا، ثم حمل على قاتل أخيه فقتله.
***
قوله: «جلّ»، أي عظم. عراك: قصدك. رزء الحسين: المصاب بقتله حين قتل بكربلاء.
وحديثه أن معاوية لمّا مات أرسل إليه أهل الكوفة أن قد حبسنا أنفسنا على بيعتك.
وطولب بالمدينة أن يبايع يزيد، فخرج إلى مكة، وأرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة وقال له: إن كان حقّا ما كتبوا به، فعرّفني ألحق بك.
فخرج من مكّة للنصف من رمضان، وقدم [الكوفة] لخمس خلون من شوّال، وأميرها النّعمان بن بشير، فدخل مستترا، فبايعه من أهلها ثمانية عشر ألفا. فكاتبه بذلك.
فلمّا همّ بالخروج لقيه ابن عباس ﵄، فقال له: يا بن عمّ، أهل العراق أهل غدر، وإنّما يدعونك للحرب، فقال له: يا ابن عمّ، كتب إليّ مسلم باجتماع أهل الكوفة عليّ، فقال له: قد جرّبتهم، وهم أصحاب أبيك وأخيك. وقتلتك غدا مع أميرهم، إذا بلغ ابن زياد خبرك استفزّهم، فكان الذين كتبوا إليك أشدّ عليك عن عدوّك، فإن أبيت إلّا الخروج فلا تخرجنّ بنسائك وولدك معك، فإنّي لخائف أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وولده ينظرون إليه. فردّ عليه: لأن أقتل بموضع كذا، أحبّ إليّ من أن أستحلّ بمكة.
стр. 305
واتّصل الخبر بيزيد، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتوليته الكوفة. فخرج مسرعا، فدخلها في حشمه وهو ملثّم، والناس يتوقّعون قدوم الحسين، فجعل عبيد الله بن زياد يسلّم على الناس، والناس يقولون: وعليك السلام يا ابن رسول الله، قدمت خير مقدم، حتى انتهى إلى القصر.
فحسر اللّثام، ففتح له النعمان الباب، وتنادي النّاس: ابن مرجانة، فحصبوه بالحصباء، ففاتهم. ووضع الرّصد في طلب مسلم، فصاح مسلم: يا منصور- وكان شعارهم- فاجتمع له في ساعة واحدة ثمانية عشر ألفا. فأحاطوا بالقصر فقاتلوا ابن زياد، فلم يمس المساء ومعه مائة رجل. فلما رأى تفرّقهم سار نحو أبواب كندة، فبلغ الباب ومعه ثلاثة، فخرج وليس معه أحد، فبقي حائرا لا يدري أين يتوجّه، فنزل من على فرسه، ودخل أحد أزقّة الكوفة، فانتهى إلى باب مولاة لمحمد بن الأشعث، فاستسقاها فسقته، وأعلمها حاله، فرقّت له، فآوته وأعلمت محمد بن الأشعث بمكانه، فمشى إلى ابن زياد، فأعلمه، فوجّه معه سبعين رجلا، فاقتحموا عليه، فقاتلهم مسلم، وأمّنه محمد بن الأشعث، وحمله إلى ابن زياد فضرب عنقه، وبعث برأسه إلى يزيد بن معاوية، فصلب جثّته.
وانتهى الأمر إلى الحسين، وقد بلغ القادسيّة، فهمّ بالرجوع، فقال له إخوة مسلم:
لا نرجع أو نقتل، أو نأخذ بثأرنا، فقال الحسين: لا خير في العيش بعدكم، فسار حتى لقي خيلا لابن زياد، وعليها عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فعدل إلى كربلاء، وهو في نحو خمسمائة فارس، فلما كثرت العساكر أيقن أنّه لا محيص له، فقال: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا، ثم هميقاتلوننا! ثم خطب قومه فقال: يا عباد الله، اتّقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر، فإن الدنيا لو بقيت على أحد، أو بقي عليها أحد، لكانت الأنبياء أحقّ بها وبالبقاء، غير أنّ الله خلقها للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحل، وسرورها مكفهرّ، والدار قلعة، والمنزل تلعة (١)؛ فتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلكم تفلحون.
ثم قاتل حتى قتل ﵁ وفيه ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة؛ وتولّى قتله سنان بن أنس النّخعيّ، واحتزّ رأسه، وانطلق به مسرعا إلى ابن زياد، وهو يقول: [الرجز]
أوقر ركابي فضة وذهبا ... إني قتلت الملك المحجّبا
* قتلت خير الناس أمّا وأبا*
وبعث معه الرأس إلى يزيد بن معاوية، وعنده أبو برزة، فجعل ينكت بالقضيب على فيه، وهو يقول: [الطويل]
стр. 306
نفلّق هاما من رجال أعزّة ... علينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما (١)
فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك عن فمه، فلقد رأيت رسول الله ﷺ يلثمه.
وقتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وقتل معه سبعة وثمانون، منهم عليّ ابنه الأكبر، ومن ولد أخيه الحسن عبد الله والقاسم وأبو بكر، ومن إخوته العباس وعبد الله وجعفر ومحمد وعثمان بنو عليّ، ومن بني عمّه جعفر ومحمد وعون أبناء عبد الله بن جعفر. ومن ولد عقيل عبد الله وعبد الرحمن وجعفر، ودفنهم أهل القادسيّة بعد قتلهم بيوم، وقتلوا هم من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانين.
***
قوله: «اعتضت»: اقتلعت من العوض. يبغي ذين: يطلب هذين. الظّباء: الغزلان.
يلج: يدخل. محدقا باللّجين، أي محلّقا بالفضة، والصائد يفرّق حول الفخ حبّ القمح وشبهه، فيلقطه الطائر حتى يتوصّل إلى ما نصب له فيقع، فقال: ما كلّ طائر يخدع، ولو حلّق له الفخّ بحبّ اللّجين بدلا من القمح، وإني من هذا الصنف.
قوله: «ولكم من سعى ليصطاد فاصطيد»، من قول الصابي: [الرجز]
يا قمرا كالخشف في نظرته ... وكالقضيب اللّدن في نضرته
خلتك صيدا كان في قبضتي ... فصرت من صيدي في قبضته
والسابق له كعب بن زهير في قوله: [البسيط]
طاف الرّماة بصيد راعهم فإذا ... بعض الرّماة بنبل الصيد مقتول (٢)
***
[قصة المثل: رجع بخفي حنين]
وخفّا حنين، يضرب بهما المثل للخائب الخاسر، واختلف في حنين، فقال يعقوب: إنه كان رجلا مدّعيا، فجاء إلى عبد المطلب، وعليه خفّان، فقال: يا عم إني من ولد هاشم، فأنعم النّظر فيه، وقال: لا وعظام هاشم، ما أرى فيك شمائل هاشم، فارجع خائبا خاسرا.
وقيل: كان رجلا مغنّيا، فدعاه قوم من أهل الكوفة. ليطربهم في نزهة، فخرجوا به إلى الصحراء، فضربوه وسلبوا ثيابه، وتركوا عليه خفيّه؛ فلما رجع إلى زوجته- وكانت تنتظر رجوعه على عادته بما يفضل من أطعمة النزهة- ورأته على تلك الحالة قالت لكل من سألها: رجع حنين بخفّيه.
стр. 307
وقيل: إنه كان صانعا، فساومه أعرابيّ بخفّين، وماكسه حتى أخرجه. فلما ارتحل الأعرابيّ، أخذ حنين إحدى الخفين فوضعها على الطريق، ثممشى وألقى الأخرى في موضع آخر على الطريق، وكمن له، فلما مرّ الأعرابيّ بالخفّ قال: ما أشبه هذه بخفّ حنين؛ ولو كان معها الأخرى لأخذتها. فلمّا انتهى إلى الأخرى، ندم على ترك الأولى، فأناخ راحلته، وأخذها ورجع إلى الأولى؛ فلما غاب عمد حنين إلى راحلته بما عليها فركبها، ومضى بها، ورجع الأعرابيّ إلى قومه بخفّين، فكان إذا سئل عن حاله قال:
رجعت بخفّي حنين فصار مثلا.
وقيل: كان حنين لصّا حقيرا فأخذ وصلب، فجاءته أمّه وعليه خفّان فانتزعتهما ورجعت، فقيل: رجعت بخفّين حنين، أي رضيت منه بذلك.
***
فتبصّر ولا تشم كلّ برق ... ربّ برق فيه صواعق حين
واغضض الطّرف تسترح من غرام ... تكتسي فيه ثوب ذلّ وشين
فبلاء الفتى اتّباع هوى النّف ... س وبذر الهوى طموح عين
قال الراوي: فمزّقت رقعته شذر مذر، ولم أبل أعذل أم عذر.
***
قوله «تبصر»: أي أحسن النظر. حين: هلاك. والصاعقة: نار ترسل مع الرعد والبرق، وجمعها صواعق، وصعق الرجل إذا أصابته، وصعق إذا مات، وقيس تقول:
صاعقة، وبنو تميم صاقعة؛ وقد صقع. غرام: عذاب الحب. شين: عيب. والبذر: زرع الحبّ في الأرض.
طموح: ارتفاع يريد أن أصل العشق مداومة النظر، ألمّ فيه بقول عيسى ﵇: «لا يزني فرجك ما غضضت بصرك»؛ وقد تقدّم: من كثرت لحظاته دامت حسراته.
وقال سابق البربريّ في اتباع الهوى: [الطويل]
وهجر الهوى للمرء فاعلم سعادة ... وطول الهوى رين على القلب رائن
فكن دافنا للشّرّ بالخير تسترح ... من الشرّ إنّ الخير للشرّ دافن
وقال آخر: [الطويل]
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى كلّ ما فيه عليك مقال
وقال المتنبي: [الطويل]
стр. 308
عزيز أسى من داؤه الأعين النّجل ... عناء به مات المحبّون من قبل (١)
فمن شاء فلينظر إليّ فمنظري ... نذير إلى من ظنّ أنّ الهوى سهل
وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل
وقال ابن زيدون: [البسيط]
من يسأل الناس عن حالي فشاهده ... محض العيان الّذي يغني عن الخبر (٢)
أما الضّنى فجنته نظرة عنن ... كأنّها والرّدى جاءا على قدر
فهمت معنى الهوى من وحي طرفك لي ... إن الحوار لمفهوم من الحور
وقال العبّاس بن الأحنف: [الكامل]
الحبّ أوّل ما يكون لجاجة ... تأتي به وتسوقه الأقدار (٣)
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار
فهذا كله يبيّن بيت الحريريّ.
قوله: «مزقت»: قطعت. شذر مذر: قطعا متفرقة في كلّ جهة، وأصل الشّذر قطع الذهب، ومذر اتباع لها.
لم أبل: أي لم أبال. عذل: لام. عذر: قبل العذر.
стр. 309
المقامة الحادية عشرة وهي الساوية
حدّث الحارث بن همام، قال: أنست من قلبي القساوة، حين حللت ساوة، فأخذت بالخبر المأثور، في مداوتها بزيارة القبور.
فلمّا صرت إلى محلّة الأموات، وكفات الرّفات، رأيت جمعا على قبر يحفر، ومجنوز يقبر، فانحزت إليهم متفكّرا في المآل، متذكّرا من درج من الآل.
فلمّا ألحدوا الميت، وفات قول ليت، أشرف شيخ من رباوة، متخصّرا بهراوة، وقد لفّع وجهه بردائه، ونكّر شخصه لدهائه.
***
الحادية عشرة، تبنى على الفتح كبناء أحد عشر. آنست: أدركت وأحسست.
القساوة: غلظ القلب. وقلب قاس وقسيّ، أي صلب، وقلوب قاسية وقسيّة؛ وهما عن السكائيّ والفرّاء لغتان بمعنى واحد.
أبو عبيدة: القاسية مأخوذة من القسوة، والقسّية التي ليست خالصة الإيمان، كالدرهم القسيّ وهو الذي خالطه غش من نحاس أو غيره، وقد قسا القلب يقسو قساوة، وقساء: صلب.
ساوة: بلد بينه وبين الرّي اثنان وعشرون فرسخا، وهي في الطريق ما بين همذان والرّيّ.
الخبر المأثور، أي المحدّث به، وهو قوله ﷺ : «عودوا المرضى، واحضروا المقابر، فإنّها تزهّد في الدنيا، وتذكّر الآخرة» (١).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ثم بدا لي فزوروها، فإنها ترقّق القلب، وتدمع العين، وتذكّر الآخرة» (٢).
стр. 310
وسأل رجل عائشة ﵂، فقال: يا أمّ المؤمنين، إن لي داء فهل عندك دواؤه؟ قالت: وما داؤك؟ قال: القسوة، قالت: بئس الدّاء داؤك. عد المرضى، وأشهد الجنائز، وتوقّع الموت.
وقيل لعليّ ﵁: ما شأنك جاورت المقبرة! قال: إني أجدهم خير جيران صدق، يكفّون الألسنة، ويذكّرون الآخرة.
وكانت عجوز في عبد القيس متعبّدة، فإذا جاء الليل تحزّمت، ثم قامت إلى المحراب، فإذا جاء النهار خرجت إلى المقبرة؛ فعوقبت في إتيان القبور، فقالت: إن القلب القاسي إذا جفا لم يليّنه إلا رسوم البلى، وإنّي لآتي القبور؛ فكأني أنظر وقد خرجوا من بين أطباقها، وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المتعفّرة، وإلى تلك الأجسام المتغيّرة، وإلى تلك الأكفان الدّسمة.
وقال ميمون بن مهران: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة؛ فلمّا نظر إلى القوم بكى، ثم أقبل عليّ فقال: يا ميمون، هذه قبور آبائي بني أميّة كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذّاتهم وعيشهم؛ أما تراهم صرعى قد خلت من قبلهم المثلات، واستحكم فيهم البلى، وأصابت الهموم في أبدانهم مقيلا، ثم بكى وقال: والله لا أعلم أحدا أنعم ممّن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله.
استنشد المتوكل أبا الحسن عليّ بن محمد بن موسى بن جعفر بن عليّ بن الحسين، فقال: إني لقليل الرّواية في الشعر، فقال: لا بدّ، فأنشده: [البسيط]
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم ... وأودعوا حفرا، يا بئس ما نزلوا!
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا: ... أين الأسرّة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت منعّمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل!
فأفصح القبر عنهم حين سيل بهم: ... تلك الوجوه عليها الدّود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
قال عمر: لو أنشد شعرا في أوصاف آبائه وبني عمّه ملوك بني أميّة وانحطاطهم من عزّ المملكة إلى ذل المقبرة، لم يكن إلا هذا الشعر.
أبو الحسن القلويّ كان قد سعي به إلى المتوكل، وقيل له إن في بيته سلاحا وكتبا وغير ذلك، فوجّه إليه بعدّة من الأتراك، فهجموا عليه على غفلة ممّن في داره، فوجدوه
стр. 311
في بيت مغلق عليه وحده، وعليه مسح شعر، ولا بساط في البيت إلّا الرّمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة صوف متوجها إلى ربه، يترنّم بالقرآن، فمثل بين يدي المتوكل على حاله، والمتوكّل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه عظمه وأجلسه إلى جنبه. وعلم أنه لا يوجد عنده شيء مما قيل، فناوله، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ولا دمعي قطّ فأعفني منه، فأعفاه، ثم قال: أنشدني شعرا أستحسنه، فأنشده الأبيات المتقدّمة، فأشفق من حضر عليه من المتوكل. فو الله لقد بكى المتوكل بكاء طويلا، وبكى من حضر، وقال: يا أبا الحسن، أعليك دين؟ قال: أربعة آلاف درهم، فدفعت إليه، وردّ إلى منزله مكرّما، وقال: ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب! قال: وما يقولون يا أمير المؤمنين في رجل افترض الله طاعته على بنيه! فأمر له بمائة ألف درهم، وإنّما أراد طاعة الله على بنيه فعرّض.
وقال سابق البربري في المعاريض: [الطويل]
تعاون على الخيرات تظفر ولا تكن ... على الإثم والعدوان ممّن يعاون (١)
وداهن إذا ما خفت يوما مسلّطا ... عليك، ولا يحتال من لا يداهن
ولا تك ذا لونين يبدي بشاشة ... وفي صدره ضبّ من الغلّ كامن
رجعت إلى عرض المقامة.
عمر بن الخطاب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فجلس إلى قبر، وكنت أدنى القوم منه، فبكى وبكينا، فقال: ما يبكيكم؟ قلنا: بكاؤك، قال: هذا قبر أمي آمنة، استأذنت ربي في زيارتها، فأذن لي (٢). فاستأذنته في أن أستغفر لها، فأبى عليّ، فأدركني ما يدرك الولد من الرّقّة.
وكان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبلل لحيته، فسئل عن ذلك، فقيل له:
تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي إذا وقفت على قبر! فقال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «إنّ القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ» (٣).
стр. 312
والمقصود من زيارة القبور الاعتبار للزائر والانتفاع بدعائه للمزور، ولا ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت.
وكان رجل يشهد الجنائز، فإذا أمسى وقف على المقابر، فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم الله غربتكم، وتجاوز الله عن سيئاتكم، وقبل الله حسناتكم؛ لا يزيد على هذا شيئا. قال: فأمسيت ليلة ولم أدع، فبينما أنا نائم إذا خلق كثير قد جاءوني، فقلت: من أنتم؟ قالوا نحن أهل المقابر، قلت: ما حاجتكم؟ قالوا: إنّك كنت عودتنا هديّة عند انصرافك إلى أهلك، قلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو، قلت:
فإني أعود لذلك؛ فما تركتها بعد ذلك.
قوله: محلّة الأموات، هي المقابر التي يحلّون بها. كفات: قبور وأوعية وكفتّ الشيء: ضممته وقبضته، وكفات الشيء: ما ضمه وستره، وقوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً [المرسلات: ٢٥ - ٢٦] قيل: كفات الأحياء بيوتهم، وكفات الأموات قبورهم. والرفات: العظام البالية، وقال ابن المعتز في مقبرة: [الطويل]
وسكّان دار لا تزاور بينهم ... على قرب بعض في التجاور من بعض (١)
كأنّ خواتيما من الطّين فوقهم ... فليس لها حتّى القيامة من فضّ
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: [البسيط]
انظر لنفسك يا مسكين في مهل ... ما دام ينفعك التفكير والنّظر
قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها ... لله درّك ماذا تستر الحفر!
ففيهم لك يا مغرور موعظة ... وفيهم لك يا مغترّ معتبر!
وقال مالك بن دينار: مررت بالمقابر، فأنشدت أقول: [المتقارب]
أتيت القبور فناديتها ... فأين المعظّم والمحتقر؟
وأين المدلّ بسلطانه ... وأين المزكّي إذا ما افتخر؟
فنوديت من بينهم: لا رأى ... شخوصا لهم ولا من أثر!
تفانوا جميعا فلا مخبر ... وماتوا جميعا ومات الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا ... أما لك فيما ترى معتبر!
تروح وتغدو بنات الثّرى ... وتمحى محاسن تلك الصّور!
ومما وجد على قبر مكتوبا: [المتقارب]
تناجيك أجداث وهنّ سكوت ... وسكّانها تحت التّراب خفوت
стр. 313
أيا جامع الدنيا لغير بلاغة ... لمن تجمع الدّنيا وأنت تموت؟
ومما وجد على قبر مكتوبا: [البسيط]
إن الحبيب من الأحباب مختلس ... لا يمنع الموت بوّاب ولا حرس
فكيف تفرح بالدّنيا ولذّتها ... يا من يعدّ عليه اللفظ والنّفس؟
لا يرحم الموت ذا جاه لعزّته ... ولا الذي كان منه العلم يقتبس
قد كان قصرك معمورا له شرف ... فقبرك اليوم في الأجداث مندرس
ووجد على قبر مكتوبا: [الوافر]
وقفت على الأحبة حين صفّت ... قبورهم كأفراس الرّهان
فلما أن بكيت وفاض دمعي ... رأت عيناي بينهم مكاني
قال أعرابيّ: من خاف الموت بادر الفوت، ومن لم يقمع النفس عن الشهوات بادرت به إلى الهلكات، والجنة والنار أمامك.
مرض أعرابيّ فقيل له: إنك تموت، قال: وإذا مت فإلى أين أذهب؟ قالوا: إلى الله، قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لم أر الخير إلّا منه! .
وقال أعرابيّ: ما بقاء عمر تقطعه الساعات، وسلامة بدن معرّض للآفات! ولقد عجبت للمؤمن كيف يكره الموت وهو ينقله إلى الثواب الذي أحيا له ليله، وأظمأ له نهاره! .
وقال آخر: من كانت مطيّتاه الليل والنهار، سارا به وإن لم يسر، وبلغا به وإن لم يبلغ.
آخر: تصرّف الليل والنهار، لا تبقى معه الأعمار، ولا لأحد فيه الخيار.
***
قوله: مجنوز، أي ميّت؛ وحكى ابن سيده قول بعضهم: جنزت الميت إذا سترته بالكفن. وقال الحسن- لما أنذر بجنازة النّوار امرأة الفرزدق- للمنذر بها: إذا جنزتموها فآذنوني بالجنازة، والجنازة من جنزت وهي بالفتح الميّت، وبالكسر النعش، وقيل معناهما واحد، وهو الميّت والمختار الكسر. يقبر: يدفن. انحزت: ملت. المآل:
المرجع. مذكّرا: متذكّرا. درج: هلك. الآل: الأهل. ألحدوا: دفنوا وألقوه في اللّحد، وهو حفير في جانب القبر، وكان رسول الله ﷺ إذا دخل المقبرة يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» (١).
стр. 314
وكان عليّ ﵁ إذا دخلها يقول: السّلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمنازل المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات. اللهمّ اغفر لنا ولهم، واعف عنّا وعنهم. ثم يقول: الحمد لله الّذي جعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا، منها خلقنا، وإليها معادنا، وعليها محشرنا، طوبى لمن ذكر المعاد، وقنع بالكفاف ورضي عن الله.
وكان الحسن البصريّ ﵀ إذا دخل قال: اللهمّ ربّ الأجساد البالية، والعظام النّخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك وسلاما منا.
قوله: «أشرف»: أي طلع. والرّباوة: الكدية. متخصّر: أي جاعلها مما يلي خصره. هراوة: عصا. لفع: غطّى. نكّر: غيّر هيئته. لدهائه: لمكره.
***
فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون، فاذكروا أيّها الغافلون، وشمّروا أيّها المقصّرون، وأحسنوا النّظر أيّها المتبصّرون. ما لكم لا يحزنكم دفن الأتراب، ولا يهولكم هيل التّراب، ولا تعبئون بنوازل الأحداث، ولا تستعدّون لنزول الأجداث، ولا تستعبرون لعين تدمع، ولا تعتبرون بنعي يسمع، ولا ترتاعون لإلف يفقد، ولا تلتاعون لمناحة تعقد، يشيّع أحدكم نعش الميت، وقلبه تلقاء البيت، ويشهد مواراة نسيبه، وفكره في استخلاص نصيبه، ويخلّي بين ودوده ودوده، ثم يخلو بمزمره وعوده.
***
ويقال: قصر فهو مقصّر، إذا ترك الشيء وهو قادر عليه وشمّر: اجتهد.
والمتبصّر: الناظر في الشيء على وجه التفهّم، فقد يصيب وقد يخطئ، ولذلك قالوا: أحسنوا النظر. الأتراب: الأصحاب المتقاربون في الموالد، كأنّهم قطعوا من تربة واحدة، وأكثر ما يقع للنساء، وإذا مات للإنسان صاحب على سنّه كان أوقع لحزنه، فلذا نبّه بالتّرب، قال الإلبيريّ: [المتقارب]
فإنّ الردى غلّ أهل التقى ... فلم يبق إلا الغشوم العتيد
وأودى بكلّ خليل ودود ... فأين، ولا أين، خلّ ودود!
وكن من أخي ثقة قد لحدت ... فلله ما غيّبته اللّحود
وأثكلني الأنس ثكل اللّذات ... فصرت كأن غريب وحيد
стр. 315
وكم من شقيّ يواري التراب ... وكم من سعيد يواري الصّعيد!
قوله: «يهولكم»، أي يفزعكم، والهيل: الصبّ الكثير من أعلى إلى أسفل، في مثل كدس الرمل، وعند صبّ التّراب على الميت تطير القلوب إشفاقا، وتسيل العيون رحمة، قال أبو العتاهية: [الوافر]
بكيتك يا أخيّ بدمع عيني ... فلم يغن البكاء عليك شيّا
كفى حزنا بدفنك ثمّ أنّي ... نفضت تراب قبرك من بديّا
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
أبو علي الرازيّ: مررت بصبيان في طريق الشأم يلعبون بالتّراب، وقد ارتفع الغبار، فقلت: مهلا، قد غبّرتم، فقال صبي منهم: يا شيخ: أين تفر إذا هيل عليك التراب في القبر، فغشي عليّ، فأفقت والصبيّ قاعد عند رأسي مع الصبيان يبكون، فقلت له: أعندك حيلة في الفرار من التراب؟ قال: أنا لا أعلم، ولكن سل غيري، فقلت: ومن غيرك؟
قال: عقلك. تعبئون: تبالون وتهتمون. والنوازل: جمع نازلة، وهي المصيبة.
الأحداث: ما يحدث على الإنسان من الخير والشر. والأجداث، بالجيم: القبور، واحدها جدث وجدف. تستعبرون: تبكون. تعتبرون: تتّعظون وترونه عبرة. والنّعي:
ذكر موت الإنسان، وكانت العرب إذا مات منها سيّد ركب رجل فرسه، ومشى في الأحياء، فيقول: نعاء فلانا، والناعي: المخبر بموت الرجل، وقد نعاه نعيا. ترتاعون:
تخافون. إلف: صاحب، وهو في الأصل مصدر ألفت الشيء إلفا، فسمّي به، ويقال في معناه: أليف. تلتاعون: تحترقون من الحزن، واللّوعة: حرقة من الهمّ. المناحة: اجتماع النساء للبكاء على الميت. تعقد: تجمع وتؤلّف. وقلبه تلقاء البيت، أي قلبه مستقبل لبيت الميت، يفكّر فيما ترك ليرثه. مواراة: دفن، وقد واراه، إذا ستره. استخلاص:
تحصيل. ودوده الأول: محبوبه الذي يودّه، ودوده الثاني: جمع دودة، والواو للعطف.
وقال سابق البربريّ في معنى ما تقدم: [البسيط]
نلهو ونأمل أياما تعدّ لنا ... سريعة المرّ تطوينا ونطويها
كم من عزيز سيلقى بعد عزّته ... ذلّا، وضاحكة يوما سنبكيها
وللحتوف تربّي كلّ مرضعة ... وللحساب برى الأرواح باريها
لا تبرح النفس تنعى وهي سالمة ... حتى يقوم بنادي القوم ناعيها
ولن تزال طوال الدهر ظاعنة ... حتى تقيم بواد غير واديها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدّهر نبنيها
وقال آخر: [البسيط]
اعمل وأنت من الدّنيا على حذر ... واعلم بأنّك بعد الموت مبعوث
стр. 316
واعلم بأنّك ما قدّمت من عمل ... يحصى عليك، وما خلّفت موروث
وقال الحسن: ابن آدم! أنت أسير الدنيا، رضيت من لذّاتها بما ينقضي، ومن نعيمها بما يمضي، ومن ملكها بما ينفد، تجمع لنفسك الأوزار، ولأهلك الأموال، فإذا متّ حملت أوزارك إلى قبرك، وتركت أموالك لأهلك. أخذه أبو العتاهية فقال: [البسيط]
أبقيت مالك ميراثا لوارثه ... يا ليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال تسرّهم ... فكيف بعدهم دارت بك الحال!
ملّوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال
وقال ابن عبد ربه: [الوافر]
أيا من عنده أمل طويل ... يؤدّيه إلى أجل قصير
أتفرح والمنيّة كلّ يوم ... تريك مكان قبرك في القبور
هي الدنيا فإن سرّتك يوما ... فإنّ الحزن عاقبة السّرور
ستسلب كلّ ما جمعت فيها ... كعارية تردّ إلى المعير
وقال جبلة بن الحويرث: [البسيط]
يا قلب إنّك في الأحياء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير (١)
تريد أمرا ولا تدري: أعاجله ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير!
فاستقدر لله خيرا وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ... إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيّ مسرور
حتى كأن لم يكن إلّا تذكّره ... والدّهر أيّتما حين دهارير
وذاك آخر عهد من أخيك إذا ... بالموت ضمّنه اللّحد الخناسير
***
طالما أسيتم على انثلام الحبّة، وتناسيتم اخترام الأحبّة، واستكنتم لاعتراض العسرة، واستهنتم بانقراض الأسرة، وضحكتم عند الدّفن، ولا ضحككم ساعة الزّفن، وتبخترتم خلف الجنائز، ولا تبختركم يوم قبض الجوائز، وأعرضتم عن
стр. 317
تعديد النّوادب، إلى إعداد المآدب، وعن تحرّق الثّواكل؛ إلى التأنّق في المآكل، لا تبالون بمن هو بال، ولا تخطرون ذكر الموت ببال، حتى كأنكم قد علقتم من الحمام بزمام، أو حصلتم من الزّمان على أمان، أو وثقتم بسلامة الذّات، أو تحقّقتم مسالمة هادم اللّذّات؛ كلّا ساء ما تتوهّمون، ثمّ كلّا سوف تعلمون!
***
قوله: «أسيتم»، أي حزنتم: انثلام: انكسار ونقصان. اخترام: هلاك، يقول: إذا انتقص لكم من المال أدنى شيء حزنتم عليه، ولا تحزنون على نقص أحبابكم.
أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ : «من أصبح حزينا على الدّنيا، أصبح ساخطا على الله».
قوله: «استكنتم»، ذللتم، واستكان، استفعل من لفظ الكين، وهو لحم باطن الفرج. اعتراض العسرة: ظهور الفقر. انقراض الأسرة: موت القرابة الزّفن: الرقص.
ضحكتم عند الدفن، جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «أن الله تعالى كره لكم العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك في الجنائز».
ورأى ابن مسعود ﵁ رجلا يضحك في جنازة، فقال: تضحك وأنت في جنازة! والله لا أكلّمك أبدا.
ونظر عبد الله بن ثعلبة إلى رجل يضحك في جنازة مستغربا، فقال: أتضحك ولعلّك قد أخذت أكفانك من القصّار! .
وفي الحديث «كثرة الضحك تميت القلب وتذهب بهاء المؤمن» (١).
قوله: «تبخرتم»، أي تعظمتم وأظهرتم الإعجاب في مشيكم. الجوائز: الصّلات وهم يظهرون في أحسن الثياب عند الملوك ليكثر لهم العطاء.
أعرضتم: تنحيتم، وهو من العرض، كأنك إذا لقيت من تكره استقبلته بعرضك، أي بجانبك. النوادب: النوائح اللواتي يندبن الميت أي يبكينه، فيقول: أعرضتم عن الباكيات حين عدّدن خصال الميت المحمودة، ولم تفكر في تلك الحال. إعداد، أي استعداد. المآدب: المطاعم للأعراس. تحرّق: توجّع. الثواكل: الفاقدات لأحبابهنّ.
التأنّق: التحسين، وقد تأنّق في الشيء، إذا احتفل فيه فأعجب به كل من رآه. بال.
دارس متغيّر، يريد الميت. ببال: بفكر وخاطر. الحمام: الموت، وأصله القدر. وهو من حمّ، أي قدّر، وذات الشيء نفسه وحقيقته. مسالمة: متاركة ومصالحة.
стр. 318
أبو هريرة ﵁، قال رسول الله: «أكثروا ذكر هاذم اللذات، قالوا: وما هاذم اللذات؟ قال: الموت» (١).
وقال الإلبيريّ في معنى ما تقدّم: [المنسرح]
كم آمن للمنون لاه ... عن الرّدى بات مطمئنّا
صبّحه وافد المنايا ... فعاين الموت حين عنّا
حتى إذا ما قضى بكاه ... حميمه معولا مرنّا
واروه في لحده وسنّوا ... عليه قيد التراب سنّا
وانتهبوا ماله وشنوا ال ... غارات فيما حواه شنّا
لمثل هذا فكن معدّا ... ما قد أعدّ الهداة منّا
وارتقب الموت فهو حتم ... يخترم الطفل والمسنّا
قوله: كلا، زجر، أي ليس الأمر كما ظننتم.
***
ثم أنشد: [المنسرح]
أيا من يدّعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم
تعبّي الذّنب والذّمّ ... وتخطي الخطأ الجمّ
أما بان لك العيب! ... أما أنذرك الشّيب!
وما في نصحه ريب ... ولا سمعك قد صمّ
أما نادى بك الموت ... أما أسمعك الصّوت!
أما تخشى من الفوت ... فتحتاط وتهتمّ
فكم تسدر في السّهو ... وتختال من الزّهو
وتنصبّ إلى اللهو ... كأنّ الموت ما عمّ
***
قوله: [المنسرح]
أيا من يدّعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم
يسمّى هذا من أنواع الشعر المسمّط، أي المفصّل، مأخوذ من السّمط وهو سلك الجوهر المفصّل بالزمرد والذهب وغير ذلك. الوهم: الغلط. الجمّ: الكثير، وعلى
стр. 319
قوله: «وتخطي الخطأ الجم»، ذكر الحريريّ في الدرّة أنّ قول الخواصّ: «أخطأ لمن يأتي بالذنب متعمّدا تحريف للفظ والمعنى، ولا يقال: أخطأ إلّا لمن لم يتعمد الفعل ولمن اجتهد»، فلم يوافق الصواب لقوله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر» (١) وإنما أوجب له الأجر على اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبه أن يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه، و [اسم] الفاعل من هذاالنوع:
مخطئ، والاسم الخطأ، قال الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [النساء: ٩٢] وأما المتعمّد، فيقال فيه: خطئ فهو خاطئ، والمصدر الخطء، قال الله تعالى: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [الإسراء: ٣١]، والاسم منه الخطيئة، ويقع على الصغيرة، قال الله تعالى: أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: ٨٢] إخبارا عن إبراهيم ﵊، وعلى الكبيرة كقوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة: ٨١] الآية: قال أبو محمد الحريريّ: ولي في تضمين هاتين اللفظتين وتخصيص معنييهما المتنافيين: [البسيط]
لا تخطونّ إلى خطء ولا خطأ ... من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا
فأيّ عذر لمن شابت مفارقه ... إذا جرى في ميادين الهوى وخطا
وهذه التفرقة منه مستحسنة، وكذا يقع في أكثر كلامهم، وأما على القطع فلا، لأنه قد حكى الزّجاج وقطرب وابن دريد في الجمهرة أنّ العرب تقول: خطئت الشيء أخطؤه خطأ، وخطئني وأخطأته خطأ في معنى واحد، قال: [الكامل]
والنّاس يلحون الأمير إذا همو ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد (٢)
أما: حرف استفتاح وإخبار. بان: ظهر. أما أنذرك الشيب، سيأتي مستوفيا.
وقال في الشيب الفقيه الزّاهد أبو عمران ﵀: [الكامل]
ذهب الشّباب بجهله وبعاره ... وأتى المشيب بحلمه ووقاره
شتّان بين مبعّد من ربّه ... بغروره ومبشّر بجواره
ما زلت أمرح بالشباب جهالة ... كالطّرف يمرح معجبا بعذاره
وسحبت أثواب البطالة لاهيا ... وجررت من بطر فضول إزاره
حتى تقلّص ظلّه فتكشّفت ... عوراته وبدا قبيح عواره
стр. 320
لم أحظ منه بطائل غير الأسى ... وتندّم منّي على أوزاره
والآن قد خط المشيب بمفرقي ... بمواعظ والحقّ في تذكاره
والنفس تركب غيّها لا ترعوي ... عنه ولا تصغي إلى إنذاره
لهفي على عمر يمرّ مضيّعا ... محصى عليّ بليله ونهاره
كان شابّ في بني إسرائيل عبد الله عشرين سنة، وعصاه عشرين سنة، قنطر يوما في المرآة، فرأى الشيب في لحيته، فساءه ذلك فقال: إلهي أطعتك عشرين سنة، وعصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فسمع صوتا من زاوية البيت: أحببتنا فأحببناك، وتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك؛ فإن رجعت إلينا قبلناك.
قال ابن وضاح: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب، مسح إبليس على وجهه، وقال: بأبي وجه لا يفلح أبدا! وأنشدوا: [الكامل]
وإذا مضى للمرء من أعوامه ... خمسون وهو إلى التّقي لم يجنح
ركدت عليه المخزيات وقلن قد ... أرضيتنا فأقم لذا لا تبرح
وإذا رأى إبليس غرّة وجهه ... حيّا وقال: فديت من لم يفلح
وقال آخر: [الوافر]
تلاحظني المنيّة من قريب ... وتلحظني ملاحظة الرقيب
وتنشر لي كتابا فيه طيّ ... بخطّ الدهر أسطره مشيبي
كتاب في معانيه غموض ... تلوح لكلّ أوّاب منيب
أزال الله يا صاحي شبابي ... فعوّضت البغيض من الحبيب
وبدّلت التكاسل من نشاطي ... ومن حسن النضارة بالشّحوب
كذاك الشمس يعلوها اصفرار ... إذا جنحت ومالت للغروب
وهذا القدر كاف هنا في ذكر الشيب.
***
وقوله: «ريب»، شك. أما أسمعك الصوت، الصوت هنا: النّياحة على الميت.
والفوت: بعد الشيء. الاحتياط، من الحوطة، وهي الوقاية. تسدر: تتبختر. تختال:
تتكبّر. الزهو: الكبر. عمّ: شمل.
ولأبي العتاهية في معناه: [السريع]
حتى متى ذو التّيه في تيهه ... أصلحه الله وعافاه!
يتيه أهل التّيه من جهلهم ... وهم يموتون وإن تاهوا
من طلب العزّ ليبقى به ... فإن عزّ المرء تقواه