← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

صلتك، وأصلها أن تجعل صاحبك أسوة نفسك. شعاري: ثوبي اللاصق بجسمي، سمّي شعارا لأنه يلي شعر الجسد، والظّهار: الثّوب الذي يظهرللعيون، والدّثار: الثوب الذي بينهما. ردن: كم. درع: قميص. دريس. خلق. برزت: ظهرت. دردبيس: داهية. ريب: جور. غنوا: أقاموا. غضيض: منكسر. صيتهم: ذكرهم الحسن، وهو من الصوت، فلما كسرت الصاد أصير على وزن الذكر ومعناه، وانقلبت واوه ياء. مستفيض: متحدّث به مشهور. نجعة: مرعى. أعوزت: فقدت. الشهباء: التي أجدبت فلا مطر فيها، ولا عشب. والرّوض: الموضع الكثير العشب. أريض: متّسع. تشب: توقد. للسارين: للماشين بالليل: غريض: طريّ. ساغبا: جائعا. الرّوع: الفزع. الجريض: الغضّ بالريق عند الموت. حال: منع، أي لا يقول جارهم حال الموت دون الأمن. *** [قصة المثل: حال الجريض دون القريض] ووفد عبيد بن الأبرص على النعمان الأكبر، وهو ابن الشقيقة وباني الخورنق، فامتدحه فوصله وأكرمه، وكان له يوم نعيم ويوم بؤس في السنة، فورد عليه في ويوم بؤسه، فقال له: ما أخرجك، ثكلتك أمك! فقال: حضور أجلي، وانقطاع أملي؛ وكان من لقيه يوم بؤسه لم يخلّصه من الموت شيء، فاستنشده: [مخلع البسيط] * أقفر من أهله ملحوب* (١) فقال له: حال الجريض دون القريض، فعزم عليه أن ينشد، فأنشده: [مخلع البسيط] أقفر من أهيله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد (٢) ثم قال له: اختر، إن شئت أخرجت نفسك من الأكحل، وإن شئت من الأبجل، وإن شئت من الوريد، فقال عبيد: [السريع] خيّرتني بين سحابات عاد ... فردت من بؤسك شرّ المراد

стр. 387

وكان قتل النعمان لعبيد سبب قطعه يوم بؤسه، فلم يفعله بعد. [السريع] *** فغيّضت منهم صروف الرّدى ... بحار جود لم نخلها تفيض وأودعت منهم بطون الثّرى ... أسد التحامي وأساة المريض فمحملي بعد المطايا المطا ... وموطني بعد البقاع الحضيض وأفرخي ما تأتلي تشتكي ... وبؤسا له في كلّ يوم وميض إذا دعا القانت في ليله ... مولاه نادوه بدمع يفيض يا رازق النّعّاب في عشّه ... وجابر العظم الكسير المهيض أتح لنا اللهمّ من عرضه ... من دنس الذّمّ نقيّ رحيض يطفئ نار الجوع عنّا ولو ... بمذقة من حازر أو مخيض فهل فتى يكشف ما نابهم ... ويغنم الشّكر الطويل العريض فو الذي تعنو النواصي له ... يوم وجوه الجمع سود وبيض لولاهم لم تبد لي صفحة ... ولا تصدّيت لنظم القريض *** قوله: «غيّضت»، أي أذهبت. والصروف: الطواري تصرفك من حال إلى حال. لم أخلها: لم أحسبها. أودعت: ضمنت. الثرى: التراب. التّحامي: الحماية والمنعة، وتحاميته: تباعدت منه وتمنّعت عليه. أساة: أطباء: المطايا: الإبل. المطا: الظهر. محملي: ما أحمل عليه أثقالي. تقول: صرت أحمل على ظهري بعد أن كان محملي ظهور الإبل. اليفاع: الارتفاع من الأرض. الحضيض: أسفل الجبل. ما تأتلي: تقصّر. بؤسا: ضرّا. وميض: لمعان. القانت: العابد، والقنوت. طول القيام: يفيض: يملأ العين حتى تفيض بالدمع. النّعّاب: فرخ الغراب، اختصّه من الطير لأنهم يزعمون أنه يخرج من بيضته أبيض الزّغب، فيراه الذّكر فيستريب فيضرب أنثاه، وينقرها حتى تفرّ طائرة فيطير خلفها ويتركانه، فيقيّض الله له ذبابا يطير حول عينيه، فيفتح منقاره ليشرّدها، فتدخل في حلقه، فيتغذّى بها حتى يسودّ ريشه، فحينئذ يرجع إليه أبواه، فيكمّلان تربيته. ويا رازق النّعاب، من دعاء داود ﵇. المهيض: الذي انكسر بعد الجبر. أتح: قدّر. رحيض: مغسول. مذقة: جرعة. حازر. لبن حامض شديد الحموضة. والمخيض: اللبن يمزج بالماء، ويحرّك، والمخض التحريك ليخرج زبده، وإذا طال مكث المخيض واشتدّت حموضته سمي حازرا. نابهم: نزل بهم. العريض: الواسع العرض. تعنو: تذلّ. النّواصي: شعر مقدّم الرأس. صفحة: ناحية العنق. تصدّيت: تعرّضت. القريض الشعر. *** قال الرّاوي: فو الله لقد صدّعت بأبياتها أعشار القلوب، واستخرجت خبايا

стр. 388

الجيوب، حتى ماحها من دينه الامتياح، وارتاح لرفدها من لم نخله يرتاح، فلمّا افعوعم جيبها تبرا، وأولاها كلّ منّا برّا، تولّت يتلوها الأصاغر، وفوها بالشّكر فاغر، فاشرأبّت الجماعة بعد ممرّها، إلى سبرها، لتبلو مواقع برّها. فكفلت لهم باستنباط السّرّ المرموز، ونهضت أقفو أثر العجوز، حتى انتهيت إلى سوق مغتصّة بالأنام، مختصّة بالزّحام، فانغمست في الغمار، وامّلست من الصّبية الأغمار، ثم عاجت بخلوّ بال، إلى مسجد خال، فأماطت الحلباب، ونفضت النّقاب، وأنا ألمحها من خصاص الباب، وأرقب ما ستبدي من العجاب. *** قوله: «صدعت»: شقّت: أعشار: قطع: خبايا: ما خبّئ فيها من الدراهم. ماحها: أعطاها. دينه: عادته. الامتياح: طلب المعروف، يريد مشيخة الشعراء الذين قد مرّ ذكرهم، وعيش الشعراء إنما هو من الاستجداء والطلب، ومعلوم أنه من كانت عادته أن يأخذ لا يعطي في الغالب شيئا، ولذلك قال: من لم نخله يرتاح، أي من لم نحسب أنه يهتزّ للعطاء، وقد ارتاح، إذا اهتزّ للكرم والعطاء ولذلك قال حبيب: [الكامل] لم يخلق الرّحمن أحمق لحية ... من سائل يرجو النّدى من سائل وقال آخر: [الطويل] لموت الفتى خير من الفقر للفتى ... وللموت خير من سؤال بخيل لعمرك ما شيء لوجهك قيمة ... فلا تلق مخلوقا بوجه ذليل ولا تسألن من كان يسأل مرّة ... فللموت خير من سؤال سئول وحدّث عيسى بن عمر النحويّ، قال: قدمت من سفر، فدخل عليّ ذو الرّمة الشاعر، فعرضت عليه أن أعطيه شيئا، فقال: أنا وأنت نأخذ ولا نعطي. ومدح أبو الشمقمق مروان بن أبي حفصة فقال له: يا أبا الشمقمق، أنت شاعر وأنا شاعر، وغايتنا جميعا السؤال. وكان بشار يعطيه في كل سنة مائتي درهم، فأتاه مرّة، فقال: هلمّ الجزية يا أبا معاذ، فقال: ويحك! أجزية هي؟ قال: هو ما تسمع، فقال له بشار يمازحه: أنت أفصح منّي؟ قال: لا، قال: فأعلم؟ قال: لا، قال: فأشعر؟ قال: لا، قال: فلم أعطيك؟ قال: لئلا أهجوك، قال: إن هجوتني هجوتك، قال أبو الشمقمق: أو كذا هو؟ اسمع: [الرجز] إني إذا ما شاعر هجانيه ... أدخلت في است أمّه علانيه بشار يا بشار ... وأراد أن يقول: يا بن الزانية، فأمسك بشّار بفمه، وقال: أراد والله

стр. 389

أن يشتمني. ثم دفع إليه مائتي درهم، وقال: لا تسمعنّ منك هذا الصبيان. ولقيت بسجلماسة شاعرها وعينها الحاج أمدحثر، وكان له شعر رائق، فحدّثت عنه أنه قصده يوما فتى شاعر يستجديه بشعر، فوقع الحاجّ تحت شعره: [الرجز] نحن بزاة النّاس لا نصاد ... من كان ذا فهم بنا يصطاد ثم كتب له، قطعة من شعره، وقال له: اقصد بها فلانا فإنه يصك بما يرضيك، فعلم المقصود بالشعر بنية الحاج، فوصله بما أرضاه. وعد أبو نواس أبا الطفيل الشاعر وعدا فألحّ عليه، فقال: [الطويل] وأخرس ولاج وغاد ورائح ... رجاء نوال لو يعان بجود وإني وإياه كعريان يصطلي ... من الطّلّ نارا غير ذات وقود زويت له وجها قطوبا عن النّدى ... وألبسته من وعده بوعيد فإن كنت لا عن سوء فعلك مقلعا ... فدونك فاستظهر بنعل حديد فعندي مطل لا يطير غرابه ... مطير ولا يدعى له بوليد قوله: «افعوعم»، امتلأ، وافعوعل بينت للمبالغة. تبرا: ذهبا. أولاها: أعطاها. البرّ: الإكرام. فاغر: منفتح. اشرأبّت: تطلّعت، وتقول: اشرأبّ الرجل، إذا مدّ عنقه لينظر. سبرها: اختبارها. تبلو تختبر، يريد أن الجماعة أرادت أن تعرف: هل أوقعت إكرامها فيمن يستحقه أم لا. كفلت ضمنت. استنباط: استخراج. المرموز: المخفي. نهضت: تقدّمت للمشي أقفو: أتبع. مغتصّة: ممتلئة. انغمست: غابت ودخلت. الغمار: كثرة الخلق وجماعتهم الّتي تغمر الأرض، أي تغطّيها، وردّه ابن الأنباري وجعله من خطأ العامّة، وقال: إنما تقول العرب دخل في خمار الناس، بالخاء، وهو جمعهم، إذا استتر بهم، ومنه الخمار لتغطية الرأس، ومنه الخمر. وقال يعقوب: هو كلّ ما استتر به الإنسان من شجر أو غيره، فإن كان من شجر خاصّة فهو الضّراء، وحكى بعضهم غمارا، جعله من غمر الماء الشيء، إذا غطاه. قوله: امّلست: انفلتت بسهولة، والامّلاس: أن يسقط الشيء من يدك ولا تشعر به. الأغمار: الجهّال. عاجت: مالت. بخلوّ بال، أي خالية منفردة. أماطت: أزالت. الجلباب: ثوب أوسع من الخمار يتجلبب به، أي يلتف فيه والجلباب كالملحفة للمرأة والرداء للرجل. نضت: نحّت وجرّدت: النقاب: ما يغطّى به الوجه ألمحها: أنظرها. خصاص: فرج، يريد به من شقوق الباب. *** فلمّا انسرت أهبة الخفر، ورأيت محيّا أبي زيد قد سفر، فهممت بأن أهجم عليه، على ما أجري إليه، فاسلنقى اسلنقاء المتمرّدين. ثم رفع عقيرة المغردين، واندفع ينشد: [المجتث]

стр. 390

يا ليت شعري أدهري ... أحاط علما بقدري وهل درى كنه غوري ... في الخدع أم ليس يدري كم قد قمرت بنيه ... بحيلتي وبمكري وكم برزت بعرف ... عليهم وبنكري أصطاد قوما بوعظ ... وآخرين بشعر وأستفزّ بخلّ ... عقلا وعقلا بخمر وتارة أنا صخر ... وتارة أخت صخر ولو سلكت سبيلا ... مألوفة طول عمري لخاب قدحي وقدحي ... ودام عسري وخسري فقل لمن لام: هذا ... عذري فدونك عذري *** انسرت: زالت، ويروى: بفصل سرت عن إن، ومعناه إن أزالت بالهمزة- والمنفصل فعل العجوز، والمتصل فعل الأهبة، وهي العدّة؛ يريد لمّا أن زالت عنها هيئة لباسها التي استترت بها عنا كان الخفر وهو الحياء يمنعها أن تكشف وجهها حتى نعرفها. محيّا: وجه سفر: انكشف. أهجم: آخذه على غفلة. أعنّفه: أقبّح فعله. اسلنقى: صار على ظهره. المتمردين: الشياطين ومن لا يرجى صلاحه. عقيرة: صوت. المغرّدين. المطربين بالغناء، والعقيرة بمعنى معقورة، أي جارحة مقطوعة. كان رجل قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى. ورفع صوته فقيل لكلّ من رفع صوته: قد رفع عقيرته. قوله: «يا ليت شعري» معناه: ليت درايتي وفطنتي، ومعنى الشاعر في كلامهم الفطن العالم، وسمّي شاعرا، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره. وأجاز الفرّاء: ليت شعري أباك ما صنع، على معنى: ليتني أعلم أباك ما صنع، وأنشد: [الخفيف] ليت شعري مسافر بن أبي عم ... رو وليت يقولها المحزون (١) ومعناه ليتني أعلم مسافرا. وقال آخر: [الخفيف] خمّر الشيب لممّتي تخميرا ... وحدا بي إلى القبور البعيرا ليت شعري إذا القيامة قامت ... ودعي بالحساب أين المصيرا

стр. 391

قال ثعلب: المصير منصوب بشعري، أي ليتني أعلم المصير أين هو، والبعير منصوب بحدا، أي وحدا الشيب البعير إلى القبور بي. كنه: حقيقة. غوري: آخر أمري، وأصل الغور: قعر الحرجة والمنخفض من الأرض. قمرت: غلبت وخدعت. مكري: خداعي. أستفزّ: أستخف وأخدع، واستفزّه من كذا: أخرجه منه، والخلّ كناية عن الشرّ، والخمر كناية عن الخير، هذا على مذهب العرب. وكانت الخمر أجلّ ما عندهم، ويقولون: ما عنده خلّ ولا خمر، أي ما عنده شرّ ولا خير، وإذا فسدت الخمر عندهم صارت خلا، وقد قال في ألغازه: [مجزوء الوافر] وما شيء إذا فسدا ... تحوّل غيّه رشدا يريد أنّ الخمر إذا فسدت، صارت خلا، فبعد أن كانت حراما رجعت حلالا، وزال تأثيرها في العقول. صخر: هو ابن الشريد، وأخته الخنساء، فأراد أنه مرّة رجل، ومرّة، أخرى امرأة. ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة لعنوا في السماء: رجل خلقه الله ذكرا فتأنّث، وامرأة خلقها الله أنثى فتذكرت، تتشبّه بالرجال. والذي يضلّ الأعمى، ورجل حصور؛ ولم يجعل الله حصورا إلّا يحيى بن زكريا ﵉». وأما صخر، فهو ابن عمرو بن الحارث بن الشّريد بن رباح، من بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. وكان في جماله أجمل رجل في العرب، وسنذكر لمعة من أخبار صخر وأخته الخنساء في المقامة الأربعين إن شاء الله تعالى. سلكت سبيلا: دخلت طريقا. مألوفة: مركوبة ملتزمة قدحي: سهمي. قدحي: ضربي بالزّند. عسري: فقري. خسري: ضدّ ربحي، والخسر: النقص، يريد: لو مشيت على طريقه واحدة أبدا لخسرت وخبت. دونك، أي خذ. *** قال الحارث بن همّام: فلمّا ظهرت على جليّة أمره، وبديعة إمره، وما زخرف في شعره من عذره، علمت أن شيطانه المريد، لا يسمع التفنيد، ولا يفعل إلا ما يريد. فثنيت إلى أصحابي عناني، وأبثثتهم ما أثبته عياني، فوجموا لضيعة الجوائز، وتعاهدوا على محرمة العجائز. *** جلية: ظاهرة. بديعة: غريبة. إمره: دهائه وعجبه. زخرف: زيّن. المريد: العاري من الخير إنما هو شرّ كله. التفنيد: اللوم، وفنّدت فعله، إذا عبته. ثنيت: عطفت، وتقول: جاء ثانيا عنانه، إذا بلغ مراده ولم يجهد نفسه. أبثثتهم: أخبرتهم: أثبته. حققه. عياني: معاينتي. وجموا: غضبوا. الجوائز: العطايا. تعاهدوا: تحالفوا. محرمة: منع وحرمان.

стр. 392

المقامة الرابعة عشرة وهي المكيّة حكى الحارث بن همّام، قال: نهضت من مدينة السّلام، لحجّة الإسلام، فلمّا قضيت بعون الله التّفث، واستبحت الطيب والرّفث، صادف موسم الخيف، معمعان الصّيف، فاستظهرت للضّرورة؛ بما يقي حرّ الظّهيرة، فبينا أنا تحت طراف، مع رفقة ظراف، وقد حمي وطيس الحصباء، وأعشى الهجير عين الحرباء، إذ هجم علينا شيخ متسعسع، يتلوه فتى مترعرع، فسلّم الشّيخ تسليم أديب أريب، وحاور محاورة قريب لا غريب، فأعجبنا بما نثر من سمطه؛ وعجبنا من انبساطه قبل بسطه، وقلنا له: ما أنت! وكيف ولجت وما استأذنت! *** نهضت، أي تقدّمت، وسمّي النهوض تقدّما لسرعة الحركة، وسمّى المنصور بغداد مدينة السلام، لأنّ دجلة يقال لها وادي السلام، ونهر السلام، وأضاف الحجة إلى الإسلام لأنها أحد أركانه، قال النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس» (١)، والحجّ أحدها. التّفث: ما يلزم الحاجّ من ترك الطّيب وحلاق الشعر. والرفث: النكاح. استبحت: استحللت. الموسم: الموضع الذي يجتمع فيه النّاس من عيد أو سوق. الخيف: موضع بمكة. معمعان: شدّة الحرّ. استظهرت: استعددت، تقول: قد استظهر للشيء بكذا إذا استعدّ له، وقد تقدّم آنفا للحسن: [الطويل] * فدونك فاستظهر بنعل حديد* يقي: يمنع. الظهيرة: حرّ نصف النهار، فيقول: بسبب ضرورة الحرّ جعلت على نفسي سترا يمنع عني حرّ الشمس. طراف: قبّة من جلد. ظراف: جمع ظريف، وهو النّبيل المهذب. حمي وطيس الحصباء: اشتدّ حرّ الجنادل لمن وطئها، وأصل الوطيس التنور يحمى فيطبخ فيه. أعشى: أعمى. الهجير: حرّ نصف النهار. الحرباء: دويبة

стр. 393

تستقبل الشمس وتدور معها، وانظرها في المقامة السادسة والثلاثين، وقال المعرّيّ: [الكامل] وهجيرة كالهجر موج سرابها ... كالبحر ليس لمائه من طحلب (١) أوفي بها الحرباء عودي منبر ... للظّهر إلا أنه لم يخطب فكأنه رام الكلام ومسّه ... عيّ فأسعده لسان الجندب وقال أيضا في نحوه: [الطويل] وساحرة الأقطار يجنى سرابها ... فتصلب حرباء بريّا على جذع (٢) قوله: «هجم» أي دخل على غفلة. متسعسع: هرم متقارب الخطو. مترعرع: شاب متزايد، وترعرع الغلام، أي أخذ في الزيادة في طوله وخلقته، والرّعرع: الشباب. أريب: عاقل. حاور: راجع الكلام. نثر من سمطه، أبدى من كلامه، وأصل السّمط خيط الجوهر. انبساطه: دالّته، وهذا الكلام أصله في البساط، تقول: بسطته فانبسط، فلا يكون الانبساط مطاوعا إلا بعد الشروع في البسط، يقول: فهذا الشيخ انبسط علينا قبل أن نبسطه، أي دلّ علينا قبل أن نجعل له السبيل في ذلك. ومما يستحسن من المنظوم هنا قول ابن كناسة: [المنسرح] فيّ انقباض وحشمة فإذا ... لاقيت أهل الوفاء والكرم أرسلت نفسي على سجيّتها ... فقلت ما قلت غير محتشم قال إسحاق الموصلي: أنشدني ابن كناسة هذين البيتين، فقلت له: وددت أني سبقتك إليهما وينقص من عمري سنتان. ولجت: دخلت. *** فقال: أما أنا فعاف، وطالب إسعاف، وسرّ ضرّي غير خاف، والنّظر إليّ شفيع لي كاف، وأما الانسياب، الذي علق به الارتياب، فما هو بعجاب، إذ ما على الكرماء من حجاب، فسألناه: أنّى اهتدى إلينا، وثم استدلّ علينا؟ فقال: إنّ للكرام نشرا تنمّ به نفحاته، وترشد إلى روضة فوحاته، فاستدللت بتأرّج عرفكم، على تبلّج عرفكم، وبشّرني تضوّع رندكم بحسن المنقلب من عندكم. فاستخبرناه حينئذ عن لبانته، لنتكفّل بإعانته. *** عاف: طالب معروف. إسعاف: قضاء حاجتي. الشفيع: الطالب لغيره، يقول:

стр. 394

لست أحتاج إليكم مع ظهور سرّي لشفيع، لأن نظركم إليّ يغني عن الشفيع. كاف: مغن عن غيره. الانسياب: الدخول بسهولة، وقد تقدّم أصله في الأولى. الارتياب: الشكّ والإنكار. عجاب: مبالغة في عجب. أنّى: كيف. نشرا تنمّ به نفحاته: طيبا تفوح روائحه وأنفاسه. ترشد: تدلّ وتهدي. فوحاته: روائحه العطرة. والعرف: الرائحة الطيبة، وتأرّجها: تحركها، وتأرّج الطّيب: فاح. تبلّج: ظهور. عرفكم: معروفكم؛ ولاحظ الحريري في هذا قول العرجيّ: [المنسرح] يوم يقول الرسول قد أذنت ... فأت على غير رقبة فلج (١) أقبلت أهوى إلى رحالهم ... أهدى إليها بريحها الأرج قالوا: ويستدل بالطيب على الملوكية في المواطن التي يكون الناس فيها غير معروفين؛ فمن ذلك الحمّام ومعرك الحرب، ومثل هذا الموطن الذي ذكر الحريري في الحج إذا حلّ، قالوا: والطيب دليل لا يكذب ونمّام لا يفسد، والطيب: غذاء الرّوح، والنفحات الذكية: نشاط النفس، فهو طبّ وطيب، وقال ابن البوّاب: [الطويل] إذا أبصرتك العين من بعد غاية ... فأوقعت شكا فيك أثبتك القلب ولو أنّ ركبا يمّموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدلّ بك الركب وقال السّري الموصليّ: [البسيط] حليّه وثناياه وعنبره ... كلّ ينم عليه أو يراقبه فلست أدري إذا ما سار في أفق ... شمائل الأفق أذكى أم جنائبه وقال ابن سكّرة: [البسيط] أهلا وسهلا بمن زارت بلا عدة ... تحت الظلام ولم تحذر من العسس تستّرت بالدجى عمدا فما استترت ... وناب إشراقها ليلا عن القبس ولو طواها الدّجى عنّي لأظهرها ... برق اللّثات وعطر النّحر والنفس وأخذه المعتمد بن عباد فقال: [الرجز] ثلاثة منعتنا من زيارتها ... خوف الوشاة، وخوف الحاسد الحنق ضوء الجبين ووسواس الحليّ وما ... تحوي معاطفها من عنبر عبق هب الجبين بفضل الكمّ تستره ... والحلي تنزعه، ما حيلة العرق! *** فقال: إنّ لي مأربا، ولفتاي مطلبا، فقلنا: كلا المرامين سيقضى، وكلاكما

стр. 395

سوف يرضى، ولكن الكبر الكبر، فقلنا: أجل، ومن دحى السّبع الغبر، ثم وثب للمقال، كالمنشط من العقال، وأنشد: [مجزوء الرجز] إنّي امرؤ أبدع بي ... بعد الوجى والتّعب وشقّتي شاسعة ... يقصر عنها خببي وما معي خردلة ... مطبوعة من ذهب فحيلتي منسدّة ... وحيرتي تلعب بي إن ارتحلت راجلا ... خفت دواعي العطب وإن تخلّفت عن الرّف ... قة ضاق مذهبي فزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب وأنتم منتجع الرّ ... اجي ومرمى الطّلب لهاكم منهلّة ... ولا انهلال السّحب وجاركم في حرم ... ووفركم في حرب ما لاذ مرتاع بكم ... فخاف ناب النّوب *** قوله: «مأربا»، أي حاجة. المرامين: المطلبين. الكبر الكبر، أي قدّموا الأكبر. ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «أمرني جبريل ﵇ أن أقدّم الأكبر». أجل: نعم. دحا: بسط. السبع الغبر: الأرضين. المنشط: المحلول. عقال: قيد البعير، وعقدته بأنشوطة، أي عقدته عقدة تنحلّ بجذبة أو بجذبتين، وقولهم: بئر نشوط، إذا كان دلوها يخرج بجذبة أو جذبتين، وتسمي عامّتنا عقدة الأنشوطة اللخّ. أبدع بي: أي عطبت ناقتي، يقال: أبدع بالرّجل إذ كلّت إبله أو عطبت. وفي الحديث: إنّ رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال: احملني فإني أبدع بي، فقال النبي ﷺ : «ما عندي ما أحملك عليه ولكن اذهب إلى فلان فقل له يحملك»، فأتاه فحمله فرجع إليه فأخبره، فقال النبي ﷺ : «من دلّ على خير فله أجر فاعله» (١). قوله: «الوجى»: وجع الحافر من الحفى. شقّتي شاسعة: سفرتي بعيدة. خببي: مشيتي، وخبّب الفرس خببا، وهو ضرب من العدو دون الإسراع. الخردل: حبّ معروف في نهاية الصّغر. مطبوعة: مصنوعة. منسدّة: منغلقة. العطب: الهلاك. تخلّفت: تأخرت. مذهبي: طريقي. زفرتي في صعد: نفسي في

стр. 396

ارتفاع. عبرتي في صبب: دمعي في انحدار. المنتجع: الموضع الخصيب الذي ينتجع للمرعى، يقول: موضعكم خصيب وأنتم كرام فمن طلب منكم رزقه وجده. لهاكم: عطاياكم. منهلّة: منصبّة. لاذ: تستّر ولجأ. مرتاع: خائف. والنّوب: جمع نائبة على غير قياس، وهي الداهية، وجعل لها نابا مجازا وجنّس به، وأصل الناب للسبع. *** [الرجز] ولا استدرّ آمل ... حباكم فما حبي فانعطفوا في قصّتي ... وأحسنوا منقلبي فلو بلوتم عيشتي ... في مطعمي ومشربي لساءكم ضرّي الّذي ... أسلمني للكرب ولو خبرتم حسبي ... ونسبي ومذهبي وما حوت معرفتي ... من العلوم النّخب لما اعترتكم شبهة ... في أنّ دائي أدبي فليت أني لم أكن ... أرضعت ثدي الأدب فقد دهاني شؤمه ... وعقّني فيه أبي *** استدرّ: طلب الدّرّ وهو اللبن. آمل: راج. حباءكم: عطاءكم. انعطفوا: ميلوا. منقلبي: مرجعي، يقول: عساكم أن تشفقوا عليّ وتميل قلوبكم بالرحمة إليّ حتى يحسن منقلبي من عندكم. بلوتم: جرّبتم. أسلمني: تركني. الكرب: الهموم. خبرتم: اختبرتم. حسبي: شرفي. والحسب آباء أشراف بحسب أو أفعال كريمة. مذهبي: طريقتي. خوت: جمعت. النّخب المختارة. اعترتكم قصدتكم. شبهة: شكّ وحيرة. دهاني: أهلكني وضرّني. شؤمه: نحسه. عقني قطعني وأساء إليّ بتعليمه، فهو يتطيّر بأدبه. [الأدب] والتّطيّر بالأدب مذهب قديم متداول، وقد أشار إليه ابن قتيبة في صدر أدبه: وقال عمر بن شبّة: من أعجب العجب ثلاثة مقارنة لثلاثة: الحرفة للأدباء، وتباعد المال عن الظرفاء، وإقبال الدنيا على النّوكى. وقيل للحسن البصري ﵀: لم صارت الحرفة مقرونة مع العلم، والثروة مقرونة مع الجهل؟ فقال: ليس كما قلتم، ولكن طلبتم قليلا في قليل فأعجزكم، طلبتم

стр. 397

المال وهو قليل في أهل العلم وهم قليل، ولو نظرتم إلى من تحارف من أهل الجهل لوجدتموهم أكثر؛ وقال الحمدوني: [البسيط] ما ازددت من أدبي حرفا أسرّ به ... إلّا تزيّدت حرفا تحته شوم كذا المقدّم في حذق بصنعته ... أنى توجّه فيها فهو محروم وقال أبو إسحاق الصّابي: [الطويل] إذا جمعت بين امرأين صناعة ... فأحببت أن تدري الذي هو أحذق فلا تتفقد منهما غير ما جرت ... به لهما الأرزاق حين تفرّق فحيث يكون النّقص فالرزق واسع ... وحيث يكون الفضل فالرزق ضيّق أخذه عبد الملك بن وهبون، فقال: [الطويل] يعزّ على العلياء أنّي خامل ... وإن أبصرت مني خمود شهاب وحيث ترى زند النجابة واريا ... فثمّ ترى زند السّعادة كابي وقال أبو إسحاق الصّابي: [البسيط] قد كنت أعجب من مالي وكثرته ... وكيف تغفل عنه حرفة الأدب حتى انثنت وهي كالغضبى تلاحظني ... شزرا فلم تبق لي شيئا من النّشب واستيقنت أنها كانت على غلط ... فاستدركته وأفضت بي إلى الحرب الضبّ والنون قد يرجى اجتماعهما ... وليس يرجى اجتماع المال والأدب وقال عليّ بن بسام يرثي عبد الله بن المعتز، على ما كان بينهما من العداوة: [البسيط] لله درّك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب ما فيه «لوّ» ولا «ليت» فتنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب وكان ابن المعتز قام على المقتدر، فلما ظفر به أمر فرمي في صهريج فيه ماء في شدّة البرد فمات. ومن عجائب الدنيا أنّ أباه المعتزّ لما خلع عن الملك أدخل حمّاما، وأغلق عليه فمات من حرّه. وكما نفوا أنّ يجتمع المال والفهم في الغالب، كذلك نفوا أن تجتمع النجابة في الولد والوالد في الغالب، قال الشاعر. [المتقارب] إذا أطلع الدهر حرّا لبيبا ... فكن في ابنه سيّئ الاعتقاد فلست ترى من نجيب نجيبا ... وهل تلد النّار غير الرّماد! ولما أوجع الفقر والحرمان القاضي عبد الوهاب لأجل أدبه على ما شرطوا في

стр. 398

الأدب، تمنّى الكفاف ولزوم العلم إلى الممات، فقال: [البسيط] يا لهف نفسي على شيئين لو جمعا ... عندي لكنت إذا من أفضل البشر كفاف عيش كفاني ذلّ مسألة ... وخدمة العلم حتى ينقضي عمري فلما فتح عليه باب الرزق مات، على ما يأتي ذكره، فسبحان من أنفذ حكمه في خلقه كيف شاء! *** فقلنا له: أما أنت فقد صرّحت أبياتك بفاقتك، وعطب ناقتك، وسنمطيك ما يوصّلك إلى بلدك، فما مأربة ولدك؟ فقال له: قم يا بنيّ كما قام أبوك، وفه بما في نفسك لا فضّ فوك. فنهض نهوض البطل للبراز، وأصلت لسانا كالعضب الجراز، وأنشأ يقول: [المجتث] يا سادة في المعالي ... لهم مبان مشيده ومن إذا ناب خطب ... قاموا بدفع المكيدة ومن يهون عليهم ... بذل الكنوز العتيده أريد منكم شواء ... وجردقا وعصيده فإن غلا فرقاق ... به توارى الشّهيده أو لم يكن ذا ولا وذا ... فشبعة من ثريده فإن تعذّرن طرّا ... فعجوة ونهيده فأحضروا ما تسنّى ... ولو شظى من قديده وروّجوه فنفسي ... لما يروج مريده والزّاد لا بدّ منه ... لرحلة لي بعيده وأنتم خير رهط ... تدعون عند الشّديده أيديكم كلّ يوم ... لها أياد جديده وراحكم واصلات ... شمل الصّلات المفيدة وبغيتي في مطاوي ... ما ترفدون زهيده وفيّ أجر وعقبى ... تنفيس كربي حميده ولي نتائج فكر ... يفضحن كلّ قصيده *** قوله: «صرحت» بينت. فاقتك: فقرك، وتصريح أبياته بعطب ناقته هو قوله، «أبدع

стр. 399

بي» المتقدّم، وفي معناه: أنّ أعرابيّة خرجت إلى الحجّ، فلما كانت ببعض الطريق عطبت ناقتها، فرفعت يديها إلى السماء وقالت: يا ربّ أخرجتني من بيتي إلى بيتك، فلا بيتي ولا بيتك! قوله: «نمطيك» نعطيك مطيّة. مأربة: حاجة. فه: تكلّم. فضّ: كسر. نهض: تقدّم. أصلت: جرّد. العضب. الجراز: السيف القاطع. مشيدة: مرتفعة. ناب خطب: قصد أمر شديد. والمكيدة، هي الكيد، وكل ما يكاد به فهو مكيدة. وقاموا بدفعها: اقتدروا عليها، يقول: إذا قصدوا بأمر عظيم وكيدوا به اقتدروا على دفع الكيد واكتفوا بمن يريد ضرّهم. العتيدة: الحاضرة المذخورة. رقاق: خبز رقيق. توارى: تغطّى. الشّهيدة: الشاة المشوية، وقلّما يؤكل لحمها إلا بالرّقاق، وربما سمّوا الهريسة شهيدة، وأنشدوا في ذلك: [الطويل] هلمّوا إلى من عذّبت طول ليلها ... بأضيق سجن في الجحيم تسعر وقد جلدوها الحدّ وهي برّيّة ... فسيروا إلى دفن الشهيدة تؤجروا وقيل: الشهيدة الدّجاجة المحشوّة، وقيل: السمكة المحشوّة. طرّا: جميعا. عجوة: نوع من التمر الطيّب. والنّهيدة: الزّبدة، والتمر بالزّبد شيء يلذ عندهم أكله. تسنّى: حضر. شظّى: قطعة. روّجوه: عجّلوه. ولا بدّ منه، أي قد وجب عليكم فالتزموه لي، تقول: لا بدّ من كذا، معناه قد ألزمته نفسي وجعلته واجبا عليّ، من قول العرب: قد أبد الرّجل القوم، وأبد الرامي الوحش، إذا ألزمهنّ الحتف، قال أبو ذؤيب: [الكامل] فأبدهنّ حتوفهنّ فهارب ... بذمائه أو بارك متجعجع (١) قوله: «أياد»: أي نعم. راحكم: أكفّكم. واصلات شمل الصّلات: أي تؤلّف وتصل متفرق العطايا والفوائد. بغيتي: إرادتي. مطاوي ما ترفدون. مطاوي الثوب: معاطفه وما يطوى منه. وترفدون: تعطون، وتقدير البيت: بغيتي زهيدة أي قليلة في مطاوي عطاياكم، أي ما طلبته منكم قليل في أثناء ما تهبون. قوله: «وفيّ أجر»: عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : «من أطعم أخاه المؤمن طعاما وافق به شهوته أدخله الله الجنة». وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص «من أطعم أخاه خبزا حتى يشبعه وسقاه ماء يرويه أبعده الله من النار سبع خنادق». تنفيس: تفريج، وترويح، يقول: عاقبة تفريج همي لمن فرّجه محمودة للأجر الّذي فيها، والثناء بشعري عليه، وعلى هذا رتّب: «ولي نتائج فكر»: وهي أشعاره الحسان. يفضحن: يشهرن عيوبها، يقول: إذا أنشدت شعري افتضحت قصائد الشعراء وتنقصت.

стр. 400

قال الحارث بن همام: فلمّا رأينا الشّبل يشبه الأسد، أرحلنا الوالد وزوّدنا الولد، فقابلا الصّنع بشكر نشرا أرديته، وأدّيا به ديته. ولمّا عزما على الانطلاق. وعقدا للرّحلة حبك النّطاق، قلت للشيخ: هل ضاهت عدتنا عدة يعقوب، أو هل بقيت حاجة في نفس يعقوب! فقال: حاش لله وكلّا، بل جلّ معروفكم وجلّى، فقلت له: فدنّا كما دنّاك، وأفدنا كما أفدناك أين الدّويرة، فقد ملكتنا الحيرة! . *** الشّبل: ولد الأسد. أرحلناه: أعطيناه راحلة يركبها. الصنع: الفعل الجميل. نشرا أرديته: استعارة لنشر الشكر. أدّيا: أعطيا. ديته: حقّه، يقول: جعلا شكرهما حقّا لبرّنا ومكافأة لصلتنا، وكأن المال الموهوب قد استهلكه الآخذ له، فإن شكر عليه فالشّكر للواهب هو دية ماله الهالك. وإنما أراد قول النبي ﷺ : «من نشر معروفا فقد شكره، ومن ستره فقد كفره». [مما قيل في الشكر] وفي حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعطي شيئا فوجد فليجر، ومن لم يجد فليثن به، فإن أثنى عليه فقدشكره، وإن كتمه فقد كفره». وفي حديث ابن عمر ﵄ قال: «من دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم يجد أحدكم فليدع له حتى يعلم أنه قد كافأه». وقالوا: إذا قصرت يداك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر. وما أحسن قول حبيب في نشر الشكر وذمّ ستره. [الكامل] للنار نار الشوق في كبد الفتى ... والبين يوقده هوى مسموم خير له من أن يخامر قلبه ... وهواه معروف امرئ مكتوم سرق الصنيعة فاستمرّ ملعّنا ... يدعو عليه النّائل المظلوم أأقّنع المعروف وهو كأنه ... قمر الدّجى إني إذا للئيم مثر من المال الّذي ملّكتني ... أعناقه ومن الوفاء عديم فأروح في بردين لم يسحبهما ... قبلي فتى وهما الغنى واللّوم ومن ملح الأعراب؛ أن أعرابيا لصّا أخذه الحجاج، فضربه سبعمائة سوط، وهو يقول عند كلّ سوط: شكرا يا ربّ، فقيل له: والله ما يمنع الحجاج من تركك إلا كثرة شكرك، أما سمعت الله يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧]! فأنشأ الأعرابي يقول: [الرجز]

стр. 401

يا ربّ لا شكر فلا تزدني ... أسات في شكرك فاعف عنّي باعد ثواب الشاكرين مني ومرّ بشار برجل قد رمحته بغلة فسقط مكسورا، وهو يقول: الحمد لله والشكر لله، فقال: استزده يزدك من هذه النعم. وسيأتي نوع آخر من الشعر في الشكر بحول الله تعالى. *** قوله: «حبك النطاق»: النطاق والمنطقة: ما يشدّ على وسطك كالحزام. والحبك: خيوط أو شرك يشدّ بها النطاق، وأراد أنهما تحزّما للارتحال، ويقال: حبكت الشيء حبكا: شددته، واحتبكت إزاري: شددته. والمحبوك: المفتول، وحبكته: شددت فتله، والحبك: الطرائق في السماء من أثر الغيم، والحبك أيضا: التكسير الذي يكون في الرمل والشّعر والماء. ضاهت: شابهت. عدتنا: ما وعدناك به من الرّاحلة، ولابنك من الزاد. *** [قصة المثل: مواعيد عرقوب] عرقوب: رجل من العماليق يضرب به المثل في إخلاف الوعد، وقصّته أنّه أتاه أخ له يسأله شيئا، فقال له: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فلما أطلعت أتاه فقال له: دعها حتى تصير بلحا، فلما أبلحت أتاه، فقال له: دعها حتى تصير زهوا، فلما أزهت قال له: دعها حتى تصير رطبا، فلما أرطبت قال له: دعها حتى تصير تمرا، فلما أتمرت عمد إليها عرقوب من اللّيل فجدّها، ولم يعطه شيئا. وقيل: عرقوب هو ابن سعد بن زيد مناة بن تميم، ويقول بنو سعد: هو منّا. وقيل: هو من الأوس والخزرج، قال علقمة: [الطويل] وقد وعدتك موعدا لو وفت به ... كموعود عرقوب أخاه بيثرب (١)

стр. 402

وقال كعب بن زهير: [البسيط] كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل (١) *** وقال عبد الله بن عمر: خلف الوعد ثلث النفاق. وحاجة نفس يعقوب: خشية العين على بنيه حين أمرهم أن يتفرّقوا على الأبواب، ولا يدخلوا من باب واحد، لأنهم كانوا في غاية الجمال وكمال الخلق، وقال الله تعالى: ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها [يوسف: ٦٨]، وأراد الحريريّ: هل بقيت لك حاجة لم تقضها؟ فقال: حاش لله، أي معاذ الله. ابن الأنباري قولهم: حاشى فلانا، معناه أستثنيه، وأخرجه من المذكورين الفرّاء: هو من حاشيت أحاشي، ويقال: قام القوم حاشى عبد الله بالنصب والخفض، وحاشى لعبد الله، وحاش وحشى، وخفض ما بعدها بإضمار اللّام لكثرة صحبتها حاشى، كأنها ظاهرة، أو تقول: أضيفت حاشى إلى عبد الله، لأنه أشبه الاسم لما لم يأت معه فاعل. كلّا: معناها الزّجر، أي ليس الأمر كما تظن. جلّ: عظم. وهو من الجلل، والجليل هو العظيم ويكون في غير هذا اليسير وهو من الأضداد، جلّى: سبق معروفكم كل معروف، والمجلّي من الخيل: السابق. دنّا: جازنا أين الدويرة؟ سأله أين تسكن من البلاد، ملكتنا: غلبتنا، يقول: قد التبس علينا أمرك وتحيرنا فيه. *** فتنفّس تنفّس من ادّكر أوطانه، وأنشد والشهيق يلعثم لسانه: [مجزوء الرمل] سروج داري ولكن ... كيف السبيل إليها وقد أناخ الأعادي ... بها وأخنوا عليها فو الّتي سرت أبغي ... حطّ الذّنوب لديها ما راق طرفي شيء ... مذ غبت عن طرفيها ثم غرورقت عيناه بالدموع، وآذنت مدامعه بالهموع، فكره أن يستوكفها، ولم يملك أن يكفكفها، فقطع إنشاده المستحلي، وأوجز في الوداع وولّى. ***

стр. 403

تنفّس: ردد النفس إلى الجوف بصوت ورفعه إلى صدره، والتنفّس: ضدّ الشهيق، وهو ردّ النفس إلى الجوف بصوت، يلعثم: يلوي ويعقل، ويقال: سأله عن كذا فما تلعثم، أي ما توقّف ولا تلبّث ولا أبطأ، فإذا ذكرت للغريب بلده وهو على بعد منه تنفّس وتلهّف. أناخ: أقام ونزل. أخنوا: أفسدوا، وأتوا على خرابها. والتي يبغي حطّ الذنوب إليها هي مكة. حطّ: إلقاء وإنزال. لديها: عندها، أي إذا حجّ ودعا الله حط ذنوبه عنه. وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : «من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (١). راق: أعجب. طرفيها: جهتيها. اغرورقت: امتلأت. آذنت: أعلمت. الهموع: السّيلان، يستوكفها: يستدرّها ويجريها، يكفكفها: يردّها، المستحلي: المستعذب. أوجز: اختصر. *** [مما قيل في الحنين إلى الأوطان] ومما ينتظم بهذا الموضع من ذكر الأوطان والتشوق إليها قوله رفاعة بن عاصم الفقعسي، وأنشدها البكري لامرأة من طيئ: [الطويل] ألم تعلمي يا دارا بلجاء أنني ... إذا أخصبت أو كان جدبا جنابها (٢) أحبّ بلاد الله ما بين منعج ... إليّ وسلمى أن يصوب سحابها بلاد بها نيطت عليّ ثمائمي ... وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها قال عليّ بن عبد الكريم النصيبيني: أتاني ابن الروميّ بقصيدته التي يمدح فيها سليمان بن عبد الله بن طاهر، وقال لي: أنصفني وقل الحقّ: أيّما أحسن قولي في الوطن: [الطويل]

стр. 404

ولي وطن آليت ألّا أبيعه ... وألّا أرى غيري له الدّهر مالكا عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنوا لذلكا أو قول الأعرابيّ: أحب بلاد الله ... الأبيات، فقلت: بل قولك لأنه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت حبّ الوطن والعلّة في ذلك. وقال ابن الرومي يتشوّق إلى بغداد: [الكامل] بلد صحبت به الشبيبة والصّبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد أخذه من قول أعرابي يتشوق إلى بلده: [الطويل] ذكرت بلادي فاستهلّت مدامعي ... بشوق إلى عهد الصّبا المتقادم حننت إلى ربع به اخضرّ شاربي ... وقطّع عنّي قبل عقد التّمائم وقال إسحاق الموصلي: [الطويل] أتبكي على بغداد وهي قريبة ... فكيف إذا ما ازددت عنها غدا بعدا لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى ... لو أنا وجدنا من فراق لها بدّا كفى حزنا أن رحت لم أستطع لها ... وداعا ولم أحدث لساكنها عهدا وأنشدني أن شيخنا أبو بكر السّلاميّ وكان يزعم أنهما لأخي الحريري، وقد أحسن قائلهما كائنا من كان: [البسيط] طيب الهواء ببغداد يؤرقني ... شوقا إليها وإن عاقت مقادير فكيف أصبر عنها اليوم إذ جمعت ... طيب الهواءين: ممدود ومقصور

стр. 405

المقامة الخامسة عشرة وهي الفرضيّة أخبر الحارث بن همام قال: أرقت ذات ليلة حالكة الجلباب. هامية الرّباب، ولا أرق صبّ طرد عن الباب، ومني بصدّ الأحباب، فلم تزل الأفكار يهجن همّي، ويجلن في الوساوس وهمي، حتى تمنّيت لمضض ماعانيت، أن أرزق سميرا من الفضلاء، ليقصّر طول ليلتي اللّيلاء، فما انقضت منيتي، ولا أغمضت مقلتي، حتى قرع الباب قارع، له صوت خاشع، فقلت في نفسي: لعلّ غرس التّمنّي قد أثمر، وليل الحظّ قد أقمر، فنهضت إليه عجلان، وقلتمن الطارق الآن! فقال: غريب أجنّة الليل، وغشيه السّيل، ويبتغي الإيواء لا غير، وإذا أسحر قدّم السير. *** أرقت: سهرت ولم أنم، وفي حديث زيد بن ثابت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أرقا أصابني، فقال: «قل اللهمّ غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم، أهدئني ليلي، وأنم عيني». فقلتها فأذهب الله عنّي ما كنت أجده. حالكة الجلباب: سوداء الثوب، هامية الرّباب: سائلة السحاب؛ يريد أن الليلة مظلمة ممطرة، صبّ: عاشق. طرد: نفي. مني ابتلى. صدّ: هجر. الأفكار: أحاديث النفس. يهجن: يحرّكن. ويجلن: يصرفن والوساوس الفكر المقلقة، وهمي: بالي وخاطري، وقال ابن شهيد في نحو هذه الليلة: [الكامل] ولربّ ليل للهموم تسدّلت ... أستاره فمحا الضّيا بستوره كالبحر يضرب موجه في موجه ... صعب على العبّار وجه عبوره طاولته من عزمتي بتصبّر ... أثبتّ همّي في قرارة كوره وبراحة من همتي ذو كرّة ... عمدت تذاكرني بطبع ذكيره فرد إذا انبعثت دياجي جنحه ... هولا عليّ خبطت في ديجوره حتى بدا عبد العزيز لناظري ... أملي، فمزّقت الدّجى عن نوره

стр. 406

وليلة الحريري ضدّ ليلة ابن رشيق في قوله: [الطويل] ومن حسنات الدّهر عندي ليلة ... من العمر لم تترك لأيّامنا ذنبا خلونا ننفي القذى عن عيوننا ... بلؤلؤة مملوءة ذهبا وملنا لتقبيل الخدود ولثمها ... كميل جياع الطّير تلتقط الحبّا قوله: «تمنيت». ابن الأنباري: في معناه قدرت وأحببت أن يصير إليّ، وهو من المنى وهو القدر، يقال: منى الله لك ما تحبه يمنيه منيا، أي قدّره لك. لمضض، أي لحرقة، عاينت: شاهدت، ويروى «عانيت» أي قاسيت، سميرا: صاحبا يسمر معه يقصر: يردّها قصيرة بأنسه وحديثه. الليلاء: الشديدة الطويلة السواد، ولابن الزّقاق في مثل هذا السمير: [الخفيف] ربّ ليل أتحفت فيه بأنس ... من سمير زفّ الحديث عروسا فاجتنينا مما يحدّث زهرا ... واغتبقنا من خلقه خندريسا وانثنى الليل يفضل الصبح حسنا ... والدّراري يفضلن فيه الشموسا ولئن كان لم يحل عن دجاه ... فلقد عاد فحمه آبنوسا قوله: «أغمضت مقلتي»، نامت عيني. قرع: ضرب. خاشع: ليّن. أثمر: طلع ثمره، الحظ: البخت. أقمر: صار قمر، يقول: لعلّ: بختي قد زال نحسه وأقبل سعده إذ وجدت ما تمنيت، نهضت: تقدمت. الطارق: الآتي بالليل أجنه: ستره. غشيه: غطاه، الإيواء مصدر آويت الرجل، إذا أنزلته على نفسك وضممته، وتقول: أويته وآويت بمعني واحد. أسحر: دخل في وقت السّحر، يريد أنه لا يطلب غير المبيت وينصرف في السحر. *** قال: فلمّا دلّ شعاعه على شمسه، ونمّ عنوانه بسرّ طرسه، وعلمت أن مسامرته غنم، ومساهرته نعم، ففتحت الباب بابتسام، وقلت ادخلوها بسلام، فدخل شخص قد حنى الدّهر صعدته، وبلل القطر بردته، فحيّا بلسان عضب، وبيان عذب، ثم شكر على تلبية صوته، واعتذر من الطروق في غير وقته، فدانيته المصباح المتّقد، وتأمّلّته تأمّل المنتقد، فألفيته شيخنا أبو زيد بلا ريب؛ ولا رجم غيب، فأحللته محلّ من أظفرني بقصوى الطّلب ونقلني من وقذ الكرب، إلى روح الطّرب، ثمّ أخذ يشكو الأين وأخذت في كيف وأين. فقال: أبلعني ريقي، فقد أتعبني طريقي، فظننته مستبطنا للسّغب، متكاسلا لهذا السّبب، فأحضرته ما يحضر للضيف المفاجئ، في الليل الدّاجي. ***

стр. 407

الشّعاع: ما يبدو لك من الشمس إذا ظهرت كالخيال، نمّ: أفشى السرّ: والطّرس: الكتاب. العنوان: ما يكتب على ظهره، يريد أنّ كلام الطارق تدلّ على مراده. والمسامرة. هي المساهرة. غنم: غنيمة، نعم: نعمة. بسلام، أي بسلامة وأمن. قوله: «صعدته»، الصّعدة: الرمح الطويل، وكني به عن القامة. بردته: ثوبه. عضب: قاطع. تلبية: قولي له: لبّيك. الطروق: المجيء بالليل. دانيته: قربت منه، تأملته: نظرته المنتقد: المجرب للدراهم، أي نظرته بعين المباحثة، ألفيته: وجدته، ريب: شك. رجم الغيب: رمى الظنّ. أظفرني: ملّكني. قصوى: غاية. هي مؤنث الأقصى أي الأبعد. وقذ الكرب. حرقة الهموم: روح الطرب: راحة السرور. الأين: التعب كيف: سؤال عن حال. وأين: سؤال عن مكان، أي سألته كيف حالك، ومن أين جئت. أبلعني ريقي، أي لا تكثر عليّ السؤال فيجعلني جوابك عن بلع ريقي. السّغب: الجوع، وقد سغب وسغب جاع. الدّاجي: المظلم. *** فانقبض انقباض المحتشم، وأعرض إعراض البشم، فسؤت ظنّا بامتناعه، وأحفظني حئول طباعه، حتى كدت أغلظ له في الكلام، وألسعه بحمة الملام، فتبيّن من لمحات ناظري، ما خامر خاطري، فقال: يا ضعيف الثّقة، بأهل المقة، عدّ عما أخطرته بالك، واستمع إليّ لا أبا لك! فقلت: هات، يا أخا التّرّهات، فقال: اعلم أني بتّ البارحة حليف إفلاس، ونجيّ وسواس، فلما قضى الليل نحبه، وغوره الصبح شهبه، غدوت وقت الإشراق، إلى بعض الأسواق؛ متصدّيا لصيد يسنح أو حرّ يسمح، فلحظت بها تمرا قد حسن تصفيفه، وأحسن إليه مصيفه، فجمع على التحقيق، صفاء الرّحيق، وقنوء العقيق، وقبالته لبأ قد برز كالإبريز الأصفر، وانجلى في اللّون المزعفر، فهو يثني على طاهيه، بلسان تناهيه، ويصوّب رأي مشتريه، ولو نقد حبّة القلب فيه. *** المحتشم: المستحي هنا. أعرض: نحّى وجهه. وتحقيقه: ولّى عرضه، أي جانبه. البشم: الكسل من الشّبع وقد بشم بشما: مرض من كثرة الأكل. سؤت ظنا: أساء ظني، وظنا المنصوب على التميز فاعل في المعنى، من باب تفقّأ شحما. أحفظني: أغضبني. حئول طباعه: تغيّر أخلاقه. حمة الملام: سمّ العتاب. ألسعه: أقرصه بلساني، ولسعته العقرب: ضربته بإبرتها. لمحات ناظري، أي خطرات عيني، خامر خاطري، خالط فكري المقة: الحبّ. عدّ، أي اصرفه عن نفسك، الترهات: العجائب، وأيضا الأباطيل، وأصلها الطرق الصغار المتشعّبة عن الطريق الأعظم. حليف إفلاس: ملازم فقر. نجي: محدث. ولما كانت الوساوس تشغل بال الإنسان وتجعله يتحدث وحده جعل نفسه محدّثا لها. قضى نحبه:

стр. 408

تمّ وانقضى، وقضى الرجل نحبه: مات، والنحب: النذر. وغوّر: غيّب. شهبه: نجومه. والإشراق: الارتفاع الشمس وصفاؤها الأسواق: جمع سوق وسميت سوقا، لأن الأشياء تساق إليها، وتساق منها، أو لأن سوق الناس تكثر فيها. والسوق: جمع ساق، والسّوق بالفتح: مصدر سقت، وبالضم الاسم، متصديا: متعرضا. يسنح: يعرض من جهة اليمين ويزاد بيانا عند ذكر السانح والبارح، يسمح: يجود، لحظت: نظرت، ولحظت: أضيق عيني، أي أبصرت بضيق عيني. تصفيفه، أي جعله صفا واحدا، وصففت الشيء: جعلته صفّا واحدا مضموما. المصيف: زمن الصيف. الرحيق: الخمر، قنوء: حمرة. العقيق: خرز أحمر. عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «تختموا بخواتيم العقيق فإنه لا يصيب أحدكم غمّ ما دام عليه ذلك» واللبأ: أول ما يحلب من اللبن وهو لم ينضج. برز: ظهر. الأبريز: الذهب الخالص. المزعفر: المصبوغ بالزعفران. ويروى: «المعصفر»، وهو المصبوغ بالعصفر، وطاهيه: طابخة: تناهيه غايته وكماله، يقول: هذا اللبأ بحسن صنعته وجودة طبخه كأنه يثني للمشترين على طابخه وإن لم يكن له لسان، فكماله في الحسن وجودته في الصنعة قام له مقام اللسان، ويسمى هذا الكلام بلسان الحال قال الشاعر: [الكامل] ولسان نعمتك التي قلدتني ... بالشكر أبلغ من لسان بياني وقال المتنبي: [المنسرح] تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسن ما لهنّ أفواه (١) إذا مررنا على الأصمّ بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه أخذه من قول نصيب: [الطويل] فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب (٢) وقال أبو العتاهية: [المتقارب] أيا عجبا كيف يعصي الإل ... هـ أم كيف يجحده الجاحد! (٣) وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنه واحد ولله في كلّ تسكينه ... وتحريكة في الورى شاهد

стр. 409

وقال الفضل بن عيسى الرقاشي: سل الأرض: من غرس أشجارك، وشق أنهارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا. ومنه سؤال العرب للمنازل الخالية والديار الدارسة، وقال شاعرهم: [الطويل] وأجهشت للتوباد حين رأيته ... وكبّر للرحمن حين رآني وأذريت دمع العين لما رأيته ... ونادى بأعلى صوته فدعاني فقلت له أين الذين عهدتهم ... حواليك في أمن وخصب زمان! فقال مضوا واستودعوني ديارهم ... ومن ذا الذي يبقي على الحدثان! التّوباد: جبل بني عامر، وجوابه لهذا الشاعر بالمعنى، فجعله لفظيا مجازا، وهذه الحالة الدالة التي سماها الجاحظ في أقسام البيان النّصبة، قال الجاحظ: جمع أصناف الدلالة على المعاني من لفظ أو غيره خمسة لا تنقص ولا تزيد، أولها اللفظ ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم النّصبة، والعقد؛ أخذ العدد في الأصابع. قوله: «نقد»، أي أعطى نقدا، وهو المال الحاضر، حبّة القلب: سواده. *** فأسرتني الشهوة بأشطانها، وأسلمتني العيمة إلى سلطانها، فبقيت أحير من صبّ، وأذهل من صبّ، لا وجد يوصلني إلى نيل المراد، ولذّة الازدراد، ولا قدم يطاوعني على الذهاب، مع حرقة الالتهاب، لكن حداني القرم وسورته، والسّغب وفورته، على أن أنتجع كلّ أرض، وأقتنع من الورد ببرض، فلم أزل سحابة ذلك النّهار، أدلي دلوي إلى الأنهار، وهي لا ترجع ببلّة، ولا تجلب نقع غلّة، إلى أن صفت الشمس للغروب، وضعفت النفس من اللّغوب، فرحت بكبد حرّى، وانثنيت أقدّم رجلا وأؤخّر أخرى. *** أسرتني: ربطتني كالأسير. أشطانها: حبالها. أسلمتني: تركتني. العيمة: شهوة اللبن. وسلطانها: قدرتها وغلبتها، يريد أنّ الشهوة إلى اللّبأ قهرته حتى تركته مستسلما لا يملك نفسه. [الضب] الضّبّ: يشبه الحرذون، وهو حرذون الصحراء وإذا فارق جحره لم يهتد إليه فيتحيّر. فيجعل حجرا عند جحره، واقفا ليهتدى به، فإذا أزاله الصائد تحيّر، فجاء فأخذه، وربما قتله بذلك الحجر، قال الشاعر: [الوافر]

стр. 410

وإن الضب ذو دهي ومكر ... كما اليربوع والذئب اللعين يرى مرداته من رأس ميل ... ويأمن سيل بارقة هتون ويدخل عقربا تحت الذنابي ... رواغ الفهد من أسد كمين جعل الذئب لعينا، لأنّ من رآه صاح عليه، ومرداته: حجره، والعقرب يعدّه الضب للصائد إن أدخل يده في جحره، وأخذ بذنبه، لسعته العقرب، وربما أكل العقارب وترك منها واحدا في باب جحره للصائد، قال الشاعر: [الطويل] وأخدع من ضبّ إذا جاء حارش ... أعدّ له عند الذّنابة عقربا (١) والضبّ، أي وصف بالضلال وقالوا في بيت المتنبي: [الطويل] لقد لعب البين المشتّ بها وبي ... وزودني في السير ما زوّد الضّبا (٢) أراد أنه زودني الضلال عن وطني، الذي خرجت منه، فما أوفق للعود إليه، والاجتماع مع الحبيب. وقال الواحدي يقول: جعل البين زادي زاد الضب، والضبّ لا يتزود في المفازة، ومعناه: فارقت الحبيب من غير وداع ولا التقاء يكون لي زادا على البعد. ويقال أيضا: أخدع من ضبّ، وذلك أنه يطمع الصائد في نفسه، فإذا حنق عليه خدع في جحره، ومنه أخذ معنى الخداع. ويقال فيه: إنه أعقّ من ضبّ، وذلك أنه يأكل أولاده، ويكنى أبا الحسل ويسمّي ولده الحسل، وأمثال العرب به كثيرة. ويزعمون أنه كان حكما في الدوابّ في الزمان، الذي كانت فيه الحيوان تتكلم. وعنه يروون: في بيته يؤتى الحكم، يعني نفسه. وفيه خواص ليست في الحيوان، تزعم العرب أنه لا يشرب الماء، وإذا أخذه العطش صعد ربوة واستقبل الريح، وأنه طويل العمر. ويقولون: إنه أحيا من ضب، يريدون أن حياته لا تكاد تنقضي، وأنه لا يسقط له سن، وأنه أطول الدواب دما، وإذا ذبح يبقى زمانا، وحينئذ يموت، وأن له ذكرين ولأنثاه فرجين. *** «أذهل من ضبّ»: أي أشغل قلبا من عاشق، ووساوس العشق أفضت ببعض العشاق إلى الجنون، وجد: غنى، وقد وجدت وجدا، أي كثر مالي والازدراد: كثرة الأكل، وزردت الطعام وازدردته إذا ابتلعته، الالتهاب: اشتغال نار الجوع. حداني: ساقني، القرم: شهوة اللحم، وأراد به شهوة الأكل. سورته: شدته. وفورة السغب:

стр. 411

غليان الجوع. أنتجع: أمشي في طلب ما آكل، والورد: الحظ من الماء. والبرض: قليل الماء. سحابة ذلك النهار، أي طوال ذلك النهار، كما تقول: بياض يومي، أي يومي كله، أي لم يزل طول يومه يستجدي فلم يعط شيئا. نقع غلّة: إرواء عطش صغت: مالت. اللّغوب: الفشل. حرّى: ملتهبة، انثنيت: رجعت. [المقامة المجاعية] أطال أبو محمد هذه المقامة حتى كادت تثقل على السامع، وللبديع فيما يتعلق بمعناها مقامة بتراء فلو زيد في البديعية وقصر في الحريرية لاعتدلتا. وها أنا أذكر البديعية هنا بجملتها؛ لرشاقتها وخفّتها. قال عيسى بن هشام: كنت ببغداد عام المجاعة، فدفعت إلى جماعة قد نظمهم سلك الثريا، وكلهم يطلب شيئا، وفيهم ذو لثغ في لسانه وفلج في أسنانه فقال: ما خطبك؟ فقلت: حالات لا يفلح صاحبهما، فقير كدّه الجوع، وغريب ليس يمكنه الرجوع، فقال، أي الثلمتين تريد سدها؟ فقلت: الجوع يا سيدي، وقد بلغ منّي مبلغه فقال: ما تقول في رغيف، على خوان نظيف، ونقل قطيف، على لون لطيف، وخردل حرّيف، إلى شواء صفيف، يقربه إليك من لا يماطلك بوعد، ولا يعذبك بصدّ. [ثم يعلّك بعد ذلك بأقداح ذهبية، من راح عنبيّة]، أذاك أحب إليك أم أوساط محشوة وأكواب مملوءة، وأنقال معدّدة، وفرش منضدة، [وأنوار مجوّدة] ومطرب مجيد، له من الغزال عين وجيد، فإن لم ترد هذا ولا ذلك، فما تقول في لحم طيريّ، وسمكبحريّ، وباذنجان مقلي، وراح نقيّ، وتفاح جنيّ، ومضطجع وطيّ، على حذاء نهر جار، وبركة ذات ثرثار. فقلت: أنا عبد الثلاثة، فقال: وأنا خادمها لو حضرت، فقلت من أيّ الحجرات أنت؟ فقال: [الكامل] من ربعة الإسكندريّة ... من نبعة فيهم زكيّه سخف الزّمان وأهله ... فركبت من سخفي مطيّه *** وبينما أنا أسعى وأقعد، وأهبّ وأركد؛ إذ قابلني شيخ يتأوّه آهة الثّكلان، وعيناه تهملان، فما شغلني ما أنا فيه من داء الذّئب، والخوى المذيب، عن تعاطي مداخلته، والطّمع في مخاتلته، فقلت له: يا هذا، إنّ لبكائك سرا، ووراء تحرّقك لشرا، فأطلعني على برحائك، واتّخذني من نصحائك، فإنك ستجد مني طبّا آسيا، أو عونا مواسيا، فقال: والله ما تأوّهي من عيش فات، ولا من دهر افتات، بل لانقراض العلم ودروسه، وأفول أقماره وشموسه، فقلت: وأيّ حادثة نجمت، وقضيّة

стр. 412

استعجمت حتّى هاجت لك الأسف، على فقد من سلف. فأبرز رقعة من كمّه، وأقسم بأبيه وأمّه، لقد أنزلها بأعلام المدارس، فما امتازوا عن الأعلام الدّوارس، واستنطق لها أحبار المحابر، فخرسوا ولا خرس سكّان المقابر، فقلت: أرينها فلعلّي أغني فيها، فقال: ما أبعدت في المرام؛ فربّ رمية من غير رام، ثم ناولنيها، فإذا المكتوب فيها: *** قوله: «أسعى»، أي أمشي مسرعا، أهبّ وأركد: أتحرك وأسكن، أراد أجري وأقف، وأصل الهبوب والركود للربح، يتأوه: يتوجّع ويقول: آه، وهو قول الحزين. آهة الثكلان: توجّع الفاقد لأحبابه. تهملان: تسيلان، وداء الذئب: هو الجوع، والذئب أصبر السباع على الجوع وأعفّها، وإذا افترس شاة أكل منها شبعة وترك سائرها ولم يرجع إليها، وعافة إن أروح (١) الخوى: خلو الجوف من الطعام. المذيب: المذهب اللحم والقوى. التعاطي: تناول ما لا تحبّ. ومداخلته: معرفة سرّه. مخاتلته: مخادعته. تحرّقك: توجعك، والبرحاء: الشدّة والمشقّة. طبّا: حاذقا. آسيا: طبيبا. مواسيا: معينا، والمواساة تكون بالنفس أو بالمال، ويشاكل كلامه قول الشاعر: [الطويل] ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجّع (٢) افتات: ظلم وجاوز الحدّ. انقراض: انقطاع. دروسه: محوه. أفول: مغيب، وكنى بالأقمار والشموس عن مشاهير العلماء، وبأفولهم عن هلاكهم، قال أبو الدرداء ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «موت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسدّ، ونجم طمس، وموت قبيلة أيسر من موت عالم» (٣)، حادثة: نازلة وأمر حدث، نجمت: ظهرت. قضية: قصّة، استعجمت. أشكلت. هاجت: حركت. الأسف: الحزن. سلف: مات وذهب. أعلام: مشاهير، وأصلها الجبال يستدلّ بها على مجاهيل الأرض. المدارس: جمع مدرسة، وهي المحاضر التي يدرس فيها العلم. امتازوا: افترقوا. والأعلام الدّوارس: الجبال المقفرة الخالية من الأشجار والعمران. استنطق: استخبر، وسألهم أن ينطقوا ويجيبوا عنها. أحبار: علماء. خرسوا: سكتوا. أغني: أقرّب وأنفع. المرام: الطلب. ***

стр. 413

[قصة المثل: ربّ رمية من غير رام] ربّ رمية من غير رام، أي قد يصيب الغرض من ليس له علم بالرماية، وهو مثل، قاله حكيم بن عبد يغوث المنقريّ، وكان حكيم من أرمى الناس، فأقسم يوما ليعقرنّ ولا بدّ، فخرج ومعه قوسه فرمى ولم يصنع شيئا، فبات ليله بأسوإ حال، وفعل في اليوم الثاني والثالث كذلك، فلما أصبح قال لقومه: ما أنتم صانعون، فإني قاتل اليوم نفسي إن لم أعقر اليوم مهاة؟ فقال له ابنه: يا أبت احملني معك، أرفدك، فقال: وما أحمل من رعش وهل، جبان فشل، فانطلقا فإذا هما بمهاة فرماها فأخطأها، ثم مرت به أخرى، فقال له ابنه مطعم: يا أبت ناولني القوس، فغضب أبوه وهمّ أن يعلوه بها، فقال له مطعم: أحمد بحمدك، فإن سهمي سهمك، فناوله القوس، فرمى مطعم فلم يخطئ، فقال عند ذلك حكيم: رب رمية من غير رام، وقال: [الوافر] رماها مطعم من غير علم ... بمسّ القوس لم يخطئ صلاها وكان أبوه قد آلى عليها ... فلم تبرر أليّته مهاها *** [الخفيف] أيها العالم الفقيه الذي فا ... ق ذكاء فما له من شبيه أفتنا في قضيّة حاد عنها ... كلّ قاض وحار كلّ فقيه رجل مات عن أخ مسلم حرّ ... تقيّ من أمّه وأبيه وله زوجة لها أيّها الح ... بر أخ خالص بلا تمويه فحوت فرضها وحاز أخوها ... ما تبقّى بالإرث دون أخيه فاشفنا بالجواب عمّا سألنا ... فهو نصّ لا خلف يوجد فيه فلما قرأت شعرها، ولمحت سرّها، قلت له: على الخبير سقطت، وعند ابن بجدتها حططت، إلّا أني مضطرم الأحشاء، مضطرّ إلى العشاء؛ فأكرم مثواي، ثمّ استمع فتواي؛ فقال: لقد أنصفت في الاشتراط؛ وتجافيت عن الاشتطاط؛ فصر معي إلى مربعي لنظفر بما تبتغي، وتنقلب كما ينبغي. قال: فصاحبته إلى ذراه، كما حكم الله. فأدخلني بيتا أحرج من التابوت، وأوهن من بيت العنكبوت، إلّا أنّه جبر ضيق ربعه، بتوسعة ذرعه، فحكّمني في القرى، ومطايب ما يشترى؛ فقلت: أريد أزهى راكب على أشهى مركوب، وأنفع صاحب مع أضرّ مصحوب. *** قوله: «فاق»، أي فضل. ذكاء: حدّة ذهن. حاد: مال.

стр. 414

قوله: «رجل مات عن أخ .. »، البيت. فائدة ذكر الأخ، إثبات النّسب، لأن الأجنبيّ لا يرث، وفائدة ذكر المسلم أنّ أهل دينين لا يتوارثان، وفائدة ذكر الحرّ أن العبد لا يرث الحرّ، وأما التقيّ، فما لقيت من أشياخنا من نبّه عليه، حتى حدّثني به الفقيه أبو العباس اللّيثيّ، عرف بالحضّار، فقال فائدة لطيفة، وهي التحرّز من قاتل العمد، لأنه لا يرث وليّه، فأراد أن موجبات التّوارث قد كملت لهذا الوارث، ومع هذا لم يرث أخاه. والحبر: العالم. تمويه: شكّ وكذب. حوت: حازت. الإرث: لغة في الورث، وهو بالهمز بدل من الواو. لمحت: أي نظرت، واللمحة نظرة غير متمكّنة. ابن بجدتها: عالم سرّها، ويقال: بجد في المكان إذا أقام به، والمقيم بالموضع عالم به. وقيل: أصله من قولهم: فلان من أهل البجد، أي من أهل البادية، وهم العلماء باللسان على ما وضع. حططت: نزلت، والخبير، عالم الخبر، وهذه أمثال للعالم بحقيقة الشيء. مضطرم: متّقد. مثواي: منزلي، وأكرمت مثوى الضّيف، إذا أحسنت نزله ووطّأت له. فتواي: ما أفتيك به. الاشتراط والشرط بمعنى. تجافيت: تباعدت. الاشتطاط: مجاوزة الحدّ. مربعي: منزلي. تظفر: تفوز، وأصله من الظّفر، كأنه إذا ظفر بشيء أنشب أظفاره فيه. تنقلب: ترجع. ذراه: منزله، وكلّ ما كان من حائط وشبهه ذرى. أحرج: أضيق. أوهن: أضعف. جبر: أصلح. توسعة ذرعه: سعة خلقه واحتماله. القرى: طعام الضّيف. مطايب: جمع طيب، على غير قياس. أزهى: أعجب، والزّهو الكبر، وكانوا يصفّفون التمرة على اللّبأ عند بيعه، فيريد بالراكب التمر وبالمركوب اللّبأ؛ لأنهم يشقّون التمرة ويغترفون بنصفها من القدح الذي فيه اللّبأ. ويريد: بأنفع صاحب التمر، وبأضرّ مصحوب اللّبأ، وهذا يوافق قول الأعرابيّ: [الطويل] ألا ليت لي خبزا من التمر واللّبا ... وخيلا من البرنيّ فرسانها الزّبد فأطلب فيما بينهنّ شهادة ... بموت كريم لا يعدّ له لحد والبرنيّ من أفضل التمر، وقال صحار الكلبيّ: [المتقارب] أكلت الضّباب فما عفتها ... وإني لأهوى قديد الغنم وركّبت زبدا على تمرة ... فنعم الطعام ونعم الأدم والعرب تقول: على الثمرة مثلها زبدا، وقيل في تفسيره بالعكس، لأنّ الأطباء يقولون: إن التمر مضرّ سريع العفن، يولّد السّداد (١)، ويقولون أيضا: إنه حارّ رطب مليّن للبطن يولّد المني، فيقابل ضرره نفعه، وكفى لنا أنه قوت يكتفى معه بأدنى الطعام، وفيه قوة زائدة، وبالجملة فاللفظ مشكل، وما وجدت من يحققه.

стр. 415

ويستملح من كلام الحريريّ أنه أراد بالراكب وبأنفع صاحب التمر، لأنه قدّمه في التفسير حين قال: لعلّك تعني ابنة نخيلة، مع لبإ سخيلة، وليس في الأبيات المتقدمة شاهد على اللّبأ، لأن حكم الزبد للزوجة، وتعلقه بالتمرة غير حكم اللبأ، فبالحرى يقرن اللّبأ بالتمر إذا شقّت، وجعله أضرّ مصحوب لأنه لبن لم ينضج، والنار تقطع بعض ضرره. وقال الفنجديهيّ: أزهى راكب التمر، أي أحسن منظرا وأكثر حمرة، وأشهى مركوب اللّبأ وجعل التمر راكبا واللّبأ مركوبا، لأنّ التّمر يجتنى من رءوس النخل، فهو كالراكب، ولأن اللّبأ يضع تمرات فوق اللّبأ والرائب، ليزيد رغبة المشتري فيه. وجعل التمر أنفع صاحب، لاكتفاء العرب به عن جميع المطعومات، حتى يبقى أحدهم دهرا لا يأكل إلا التمر، ولا يضرّه ذلك، وجعل اللبأ أضرّ مصحوب، لأنه يولّد الصفراء. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إنا كنا آل محمد ﷺ نمكث شهرا لا نستوقد نارا؛ إن هو إلا الأسودان: الماء والتمر (١). وقال ﷺ : «بيت لا تمر فيه جياع أهله» (٢). والعرب تستحسن أكل الزّبد مع التمر، قال سفيان الثوريّ: ما رأيت أحسن من زبدة على إزادة. وقال معاوية لعبد الرحمن بن أبي بكر: أيّ اللقمة أطيب؟ قال: تعضوضة عليها مثلها زبدا، والإزاد نوع من التمر، والتّعضوض تمر أسود. وقالوا: ما أكلنا تمرا أحمد من التّعضوض، أي أشد حلاوة، وتاؤه زائدة. *** فأفكر ساعة طويلة، ثم قال: لعلّك تعني بنت نخيلة، مع لبإ سخيلة، فقلت: إيّاهما عنيت، ولأجلهما تعنّيت، فنهض نشيطا، ثمّ ربض مستشيطا، وقال: اعلم أصلحك الله، أن الصدق نباهة، والكذب عاهة؛ فلا يحملنّك الجوع الذي هو شعار الأنبياء، وحلية الأولياء على أن تلحق بمن مان، وتتخلّق بالخلق الذي يجانب الإيمان، فقد تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها، وتأبى الدنيّة ولو اضطرّت

стр. 416

إليها. ثم إني لست لك بزبون، ولا أغضي على صفقة مغبون، وها أنا قد أنذرتك قبل أن ينهتك السّتر، وينعقد فيما بيننا الوتر، فلا تلغ تدبّر الإنذار، وحذار من المكاذبة حذار. *** قوله: «سخيلة»، السّخيلة: ولد الشاة ذكرا كان أو أنثى. تعنّيت: تعبت. وقال أعرابيّ: أنا أشتهي ثريدة دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمّص، ذات جناحين من اللحم، لها جناحان من الفواق، فأضرب فيها كما يضرب وليّ السوء في مال اليتيم. وقال رجل لأعرابيّ: ما يسرني لو بتّ ضيفا لك، قال: لو بتّ ضيفا لي أصبحت أبطن من أمّك قبل أن تلدك بساعة. قيل لأشعب: ما تقول في ثريدة مغمورة بالسمن، مشقفة باللحم؟ قال: فأضرب كم؟ قالوا: تأكلها من غير ضرب. قال: هذا ما لا يكون، ولكن لم أضرب أو أتقدم على بصيرة؟ . وقيل لمزبّد- وقد أكل طعاما كظّه: قئه، فقال: وما فيه! خبز نقيّ، ولحم جدي طريّ، امرأته طالق لو وجدت قيئا لأكلته. قوله: «نهض»، تقدّم للمشي. نشيطا: أي خفيفا، وهي من الأنشوطة. ربض: نزل. مستشيطا: شديد الغضب. نباهة: رفعة. عاهة: آفة وعيب. شعار: علامة، وشعار المؤمنين في الحرب «لا إله إلا الله»، أي علامتهم، والأنبياء ﵈ منزّهون عن شهوات المطاعم. أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «نور الحكمة الجوع والتباعد من الله الشّبع، والقربة إليه حبّ المساكين والدّنو منهم. لا تشبعوا فتطفئوا نور الحكمة من قلوبكم، ومن بات يصلّي في خفّة من الطعام، بات حور العين حوله حتى يصبح». أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: دخلت على النبيّ ﷺ فقلت: «ما أحوجك إلى الجلوس؟ قال: الجوع، فبكيت، فقال: لا تبك، فإن شدّة القيامة لا تصيب الجائع إذا ما احتسب». قوله: «حلية»: صفة يتحلّون بها. وتتخلّق: تتطبّع. يجانب: يباعد. وأشار لقوله ﷺ ، قيل: أيكون المؤمن كذّابا؟ قال: لا. عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ : «لا يبلغ صريح الإيمان عبد حتى يدع المزاح والكذب والمراء، وإن كان محقّا» (١).

стр. 417

وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: اتقوا الكذب، فإن الكذب يجانب الإيمان. *** [قصة المثل: تجوع الحرّة ولا تأكل ثدييها] قوله: «تجوع الحرّة ولا تأكل ثدييها»، أي لا ترضع لبنها بالأجرة، ثم تأكلها، وهو مثل يضرب للذي لا يمنعه من صيانته شدّة فقره، وهذا المثل للحارث بن سليل الأسديّ، وكان خطب إلى علقمة بن خصفة الطائيّ- وكان شيخا فقال علقمة لامرأته: اختبري ما عند ابنتك، فقالت: أي بنيّة، أيّ الرجال أحبّ إليك؟ الكهل الجحجاح الواصل الميّاح، أم الفتى الوضّاح، الذهول الطمّاح؟ قالت: بل الفتى، قالت: إن الفتى يغيرك، وإن الشيخ يعيرك، قالت: يا أماه إن الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب، يا أمّاه أخشى من الشيخ أن يدنّس ثيابي ويبلي شبابي، ويشمت بي أترابي. فلم تزل أمّها بها حتى غلبتها على رأيها. فتزوّجها الحارث، ثم ارتحل بها إلى أهله، وإنه لجالس ذات يوم بفناء قبّته، وهي إلى جانبه إذ أقبل شباب من بني أسد يعتلجون، فتنفّست الصّعداء ثم بكت، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: ما لي وللشيوخ، الناهضين كالفروخ، من كل حوقل فنيخ، فقال: ثكلتك أمّك! تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ثم قال: وأبيك لربّ غارة شهدتها، وسبيّة أردفتها، وخمرة شربتها، فالحقي بأهلك، فلا حاجة لي فيك. قولها: «الجحجاح»: السيد السمح. والميّاح: الكثير المعروف، ويغيرك يتزوّج عليك، ويعيرك: يميرك، ويعتلجون: يتصارعون. والحوقل: اللسن، والفنيخ: الضعيف الرّخو. وقول العامة: لا تأكل ثدييها، أي لا تأكل لحم الثدي خطأ لا وجه له، ويجوز على حذف مضاف تقديره أجر ثدييها أو ثمنهما، أو يكون على المجاز، كأنها إذا أكلت أجرهما فقد أكلتهما، ونحوه قول الشاعر: [الطويل] إذا صبّ ما في القعب فاعلم بأنّه ... دم الشّيخ فاشرب من دم الشّيخ أودعا يريد رجلا أخذا إبلا في دية أبيه، فيقول له: إذا شربت لبنها فكأنك تشرب دم أبيك. قوله: «وتأبى الدنيّة ولو اضطرت إليها»: أي تتمنّع من إتيان الفعل الدنيء، ولو ألجئت إليه. والزّبون: الذي يغلب في المعاملات، فعول بمعنى مفعول، لأنه بزين أي يدفع عن استكمال حقه. أغضى: أسدل جفّني، أي لا أسكت لك على الخداع. أنذرتك: نبّهتك. ينهتك: ينقطع. الوتر: العداوة، وقيل: الفرد، فيكون معنى: «ينعقد بيننا الوتر»، أي يرتبط. وتري بوترك، أي شخصي بشخصك في هذه المعاملة، أو عند المضاربة معك إن خدعتني. تلغ: تترك. الإنذار: التحذير. حذار، أي احذر وخف. ***

стр. 418

فقلت: والّذي حرّم أكل الرّبا، وأحلّ أكل اللّبأ، ما فهت بزور، ولا دلّيتك بغرور، وستخبر حقيقة الأمر، وتحمد بذل اللّبأ والتّمر. فهشّ هشاشة المصدوق، وانطلق مغدّا إلى السوق، فما كان بأسرع من أن أقبل بهما يدلح، ووجهه من التّعب يكلح، فوضعهما لديّ، وضع الممتنّ عليّ، وقال: اضرب الجيش بالجيش، تحظ بلذّة العيش. فحسرت عن ساعد النّهم، وحملت حملة الفيل الملتهم، وهو يلحظني كما يلحظ الحنق، ويودّ من الغيظ لو اختنق، حتّى إذا هلقمت النّوعين، وغادرتهما أثرا بعد عين، أقردت حيرة في إظلال البيات، وفكرة في جواب الأبيات، فما لبث أن قام، وأحضر الدّواة والأقلام، وقال: قد ملأت الجراب، فأمل الجواب، وإلّا فتهيّأ إن نكلت، لاغترام ما أكلت، فقلت له: ما عند إلّا التّحقيق، فاكتب الجواب، وبالله التوفيق. *** الربا: البيع الفاسد. ابن عباس ﵄، قال رسول الله ﷺ : «من أكل درهما من ربا، فهو مثل ثلاث وثلاثين زنية، ومن نبت لحمه من السّحت فالنار أولى به» (١). فهت: نطقت. زور: باطل. دلّيتك بغرور: يريد أنه لم يعرّر به بل صدّقه. ستنخبر: ستجرّب. هش: اهتزّ. المصدوق: الذي أخبر بالصدق. مغذّا: مسرعا، وقد أغذّ إغذاذا، إذا أسرع. يدلح: يتثاقل في المشي، ودلحت الدّابة بالحمل دلوحا، والسحاب بالماء. نهضت به ثقيلا. يكلح: يعيش. الممتنّ: المتفضّل. اضرب الجيش بالجيش، أي اخلطهما عند أكلك لهما. تحظّ: تسعد، حسرت عن ساعد، أي شمرت عن ذراع. النّهم: الكثير الشهوة والحرص على الأكل. الملتهم: المبتلع لما وجد. يلحظني: ينظرني بطرف عينه. الحنق: المغتاظ. وحنق حنقا: اشتدّ غيظه. هلقمت: ابتلعت بسرعة. غادرتهما: تركتهما أثرا بعد عين، أي بعد أن كان الطعام مريئا ابتلعته فلم يبق غير أثره الإناء. *** [ما شهر من مغربات الزرد] (٢) ويليق بهذا الموضع أن نذكر فيه ما شهر من مغرّبات الزرد، قال الشاعر في أكول: [الوافر]

стр. 419

فتضرب خمس كفّك في ثريد ... بلقم منك منكمش الذهاب كأن دويّه في الحلق لما ... يهمهم صوت رعد أو سحاب وقال آخر: [الطويل] إذا غرّد العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد وقال آخر: [السريع] لم تر عيني آكلا مثله ... يضرب باليسرى معا واليمين تلعب بالقصعة أطرافه ... لعب أخي الشّطرنج بالشّاهين فمن مشاهير أهل الزرد هلال بن أسعر المازني، وهو من شعراء الدّولة الأمويّة، ذكر الأصبهانيّ أنه كان عظيم الخلق شديدا قويّا. قال أبو عمرو بن العلاء: لم أكن أراه حيّا، بل رأيته ميّتا، فما رأيت على سرير أطول منه. قال هلال: جعت مرّة، ومعي بعير لي، فنحرته فأكلته إلا ما جعلته منه على ظهري، ثم أردت جماع امرأتي، فلم أقدر، فقالت: كيف تصل إليّ وبيننا بعير! وحدّث شيخ من بني مازن، قال: أتاني هلال، فأكل جميع ما في بيتنا، فبعثنا إلى الجيران نستقرض الخبز منهم، فلمّا رأى اختلافنا، قال: كأنكم أرسلتم إلى الجيران: أعندكم سويق؟ (١) فأتيته بجراب طويل فيه سويق وبرنيّة (٢) فيها نبيذ، فصبّ السويق كلّه، وصب النّبيذ، وازدرد الكل. ومر على رجل من بني مازن بالبصرة، ومعه زورق رطب، قد ساقها من بستانه، فجلس على زورق منها صغير، مغطّى بباريّة (٣) فقال: آكل من رطبك؟ قال: نعم، قال: ما يكفيني؟ قال: ما يكفيك، فجلس على الزّورق يأكل التمر إلى أن اكتفى، فسلت الباريّة فإذا الزورق مملوء نوى. وقال صدقة بن عبد الله المازني: أولم عليّ أبي لما تزوّجت، فعملنا عشر جفان ثريدا من جزور، فكأن أول من جاءنا هلال، فقدّمت إليه جفنة فأكلها، ثم أخرى حتى أتى على عشر جفان، ثم استسقى، فأتى بقربة من نبيذ، فوضع طرفها في شدقه، فأفرغها في جوفه، ثم خرج، فاستأنفنا عمل الطعام، ومن أعجب ما أكله مائتا رغيف بمكوك (٤) بلح. وكانت شبعته تكفيه لخمسة أيام. وكان لا يقاومه أحد في النجدة.

стр. 420

ومنهم سليمان بن عبد الملك، ذكر المسعودي أن شبعه (١) كانت كل يوم مائة رطل بالعراقي، وكان ربما أتاه الطبّاخون بسفافيد فيها الدجاج، وعليه جبّة الوشي، فبحرصه على الطعام، كان يدخل يده في كمّه ثم يقبض على الدجاجة، وهي حارّة فيفصلها. قال الأصمعيّ: ذكرت ذلك للرشيد، فقال: قاتلك الله! ما أعرفك بأخبارهم! لقد كنت أرى الدّسم في أكمام جبابه، ولا أدري ما سببه، حتى حدّثتني. وكساني منها جبّة. وخرج يوما من الحمام وقد اشتد جوعه [فاستعجل الطعام ولم يكن فرغ منه] فأمر أن يقدّم ما لحق من الشواء، ولم يكن فرغ من الطعام شيء، فقدّم إليه عشرون خروفا، فأكل أجوافها مع أربعين رقاقة، ثم قدّم الطعام، فأكل مع ندمائه كأنه لم يأكل. قال الشمردل وكيل عمرو بن العاص ﵁ لما قدم سليمان الطائف، دخل بستانيّ هو وعمر بن عبد العزيز، وأيوب ابنه، فجال في البستان ساعة، ثم قال: ناهيك بمالكم هذا مالا! ثم ألقى صدره على غصن شجرة، وقال: ويلك يا شمردل! عندك شيء تطعمني؟ فقلت: بلى عندي جدّي، كانت تغدو عليه بقرة وتروح [عليه] أخرى، قال: عجّل به ويحك! فأتيته به كأنه عكّة سمن، فأكله وما دعا عمر ولا ابنه حتى إذا بقي الفخد قال: هلمّ أبا حفص، قال: إني صائم، فأتى عليه، ثم قال: ويلك أعندك شيء؟ فقلت: سبع دجاجات هنديات كأنهن رئلان النعام (٢)، قال: عجّل بهنّ، فأتيته بهن، فكان يأخذ برجل الدجاجة فيلقي عظامها بفيه، فلمّا فرغ منهنّ قال: ويلك! أعندك شيء؟ فقلت: حريرة (٣) كأنها قراضة ذهب، فقال: عجّلها، فأتيته بها، فجعل يشربها شربا، فلما فرغ تجشّأ فكأنما صاح في جبّ، ثم قال: يا غلام أفرغت منغدائي؟ قال: نعم فقدّم إليه ثمانين قدرا، فأكثر ما أكل من قدر ثلاث لقمات، وأقلّ ما أكل لقمة، ثم مسح يده واستلقى على فراشه، وأذن للناس، وصفّت الموائد، فأكل معهم فما أنكرت من أكله شيئا. وسبب وفاته أنّ نصرانيّا أتى بزنبيل مملوء بيضا، وآخر مملوء تينا، فقال: قشّروا، فجعل يأكل بيضة وتينة، حتى أكل الزّنبيلين، ثم أتوه بقصعة مملوءة محا بسكّر، فأكله فأتخم، فمات. ومنهم عمرو بن معد يكرب، دخل على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال: من أين أقبلت يا أبا ثور؟ فقال: من عند سيّد بني مخزوم، أعظمها هامة، وأقلّها ملامة، وأفضلها حلما، وأقدمها سلما، قال: من هو؟ قال: سيف الله وسيف رسوله خالد بن الوليد، قال: فأيّ شيء صنعت عنده؟ قال: أتيته زائرا فدعا لي بقعب وفرس وثور، فقال له عمر: وأبيك إن في هذا لشبعا، قال: لي ولك؟ قال: لي ولك، قال:

стр. 421

بلى، فما تقول يا أمير المؤمنين، إني لآكل الجذع من الإبل، أنتقيه عظما عظما، وأشرب الشّنّ (١) من اللبن رائبا (٢) أو صريفا (٣). *** قوله: «أقردت». سكت وخضعت. ما لبث: ما تمهّل. الجراب: وعاء الزاد، وأراد بطنه. أمل، يقال: أمليت عليه إذا ألقيت عليه ما يكتب، وأمللت لغة، وقيل: الأصل أمللت، فأبدل من اللام ياء. نكلت: انقطعت. *** [الخفيف] قل لمن يلغز المسائل إنّي ... كاشف سرّها الذي تخفيه إنّ ذا الميّت الذي قدّم الشّر ... ع أخا عرسه على ابن أبيه رجل زوّج ابنه عن رضاه ... بحماة له، ولا غزو فيه ثمّ مات ابنه وقد علقت من ... هـ فجاءت بابن يسرّ ذويه فهو ابن ابنه بغير مراء ... وأخو عرسه بلا تمويه وابن الابن الصّريح أدنى إلى ... الجدّ وأولى بإرثه من أخيه فلذا حين مات أوجب للزو ... جة ثمن التراث تستوفيه وحوى ابن ابنه الذي هو في الأص ... ل أخوها من أمّها باقيه وتخلّى الأخ الشقيق من الإر ... ث وقلنا يكفيك أن تبكيه هاك منّي الفتيا التي يحتذيها ... كلّ قاض يقضي وكلّ فقيه *** لا غزو: لا عجب. علقت: حملت. ذويه: قرابته، وأضاف «ذوي» إلى المضمر، وهي لغة قليلة، ومنعها بعضهم، وجوّزها جماعة من أئمة اللغة. وقال أبو عليّ الفارسيّ. اللهمّ صلّ على محمد وذويه، حملوا «ذوي» على الأصحاب. الأزهريّ: سمعت غير واحد من العرب، يقول: كنّا مع ذوي عمرو، يعني مع أصحاب عمرو، وهو كثير في كلام قيس ومن جاورهم. وقال الحريريّ في الدرة: ويقولون: رأيت الأمير وذويه، فيهمون فيه، لأنّ العرب لم تنطق بذي، الّذي بمعنى صاحب إلّا مضافا إلى اسم جنس، كقولك: ذو مال وذو

стр. 422

نوال، فأمّا إضافته إلى الأعلام أو إلى أسماء الصفات المشتقّة من الأفعال فلم تسمع بحال، ولهذا لحن من قال: صلى الله على محمد وذويه، وكما لم يقولوا: ذو أبي ولا ذو أمّي، واقتصروا على إضافته إلى الجنس، ولهذا لم يرفع السببيّ، لأنه ليس بمشتقّ [من فعل]، فلا يقال: مررت برجل ذي مال أخوه؛ وتصحيحه ذو مال أخوه، لأن النكرة تختصّ بأن توصف بالجملة. قوله: «مراء» جدال. تمويه: كذب. الصريح: الخالص. أدنى: أقرب. التّراث: المال الموروث. حوى: حاز. تخلّى: خرج بلا شيء. هاك: خذ. يحتذيها: يتبعها ويعمل بها. وتقريب هذا اللغز أن تقول: رجل وابنه وامرأة وابنتها، تزوّج الرجل البنت، والابن الأمّ، فمات الابن، وقد حملت منه الأم، فوضعت غلاما، فكان للرّجل ابن ابنه، ولزوجته أخا لأم، ثم مات الرّجل وترك أخا فورثت زوجته الثمن، وأخوها من أمّها الباقي، لأنه ابن ابن الميّت، وهو يحجب الأخ، كما كان يحجبه الابن لو كان حيّا. ومثله قوله الآخر: [الطويل] وقائلة أوص الغداة فإنّني ... أرى الموت قد حطّت لديك ركائبه فقلت وقد راع الفؤاد مقالها ... وضاقت به خوف الحمام مذاهبه لك الثّمن إن حانت وفاتي فريضة ... وسائر ما يبقى فصنوك صاحبه جوابه: [الطويل] تعلّم فإنّ العلم أكبر ملبس ... لمن شرفت أخلاقه ومذاهبه حليلة هذا أمّها زوجة ابنه ... فذلك والإلغاز جمّ عجائبه فإن ابنه صنو لزوجته ومن ... يقرّ بعرف العلم تعلو مراتبه فميراثها ثمن وللصّنو ما بقي ... كذلك يقضي من تعالت مناقبه والمتقدّم للسؤال في هذه المسألة عبد الملك بن مروان، وذلك أنه وقف به رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا تزوّجت امرأة، وزوّجت ابني من أمّها، فامددنا بشيء نستعين به. فقال له: إن أخبرتني كيف يدعى ابن كلّ واحد منكما لابن صاحبه، فأنا أرفدك، وإلا فلا أعطيك شيئا. فقال له الرجل: فسل عن ذلك كاتبك وصاحب شرطتك، فإن أجاباك، فما تعطيه لي، فادفعه إليهما، وإلا فأنا أعذر. فسألهما فلم يعرفا ذلك، فابتدر رجل من آخر الصفوف، وقال له: أرأيت إن أخبرتك، أتعطيني ما ذكرت للسائل؟ فقال له: نعم، فقال ابن الأب عمّ ابن الابن وابن الابن خال ابن الأب، فوصله. فهذا أخفّ أمرا في الظاهر من التّوارث الذي فرض الحريريّ، وأشكل في المعنى. ***

стр. 423

قال: فلمّا أثبت الجواب، واستثبتّ منه الصّواب، قال لي: أهلك واللّيل، فشمّر الذّيل، وبادر السّيل، فقلت: إني بدار غربة، وفي إيوائي أفضل قربة، لا سيّما وقد أغدف جنح الظّلام، وسبّح الرّعد في الغمام، فقال: اغرب عافاك الله إلى حيث شيت، ولا تطمع في أن تبيت، فقلت. ولم ذاك، مع خلوّ ذراك؟ قال: لأنّي أنعمت النّظر، في التقامك ما حضر، حتّى لم تبق ولم تذر، فرأيتك لا تنظر في مصلحتك، ولا تراعي حفظ صحّتك، ومن أمعن فيما أمعنت، وتبطّن ما تبطّنت، لم يكد يخلص من كظّة مدنفة، أو هيضة متلفة، فدعني بالله كفافا، واخرج عنّي ما دمت معافى، فوالذي يحيي ويميت، ما لك عندي مبيت. فلمّا سمعت أليّته، وبلوت بليّته، خرجت من بيته بالرّغم، وتزوّد الغمّ، تجودني السّماء، وتخبط بي الظّلماء، وتنبحني الكلاب، وتتقاذف بي الأبواب، حتّى ساقني إليك لطف القضاء، فشكرا ليده البيضاء! *** قوله: «أثبت» صحّح. استثبتّ، أي وجده ثابتا. أهلك والليل، كلام للعرب، كأنه قال: بادر أهلك قبل الليل، وتحقيق المعنى في ذلك أنه عطف الليل على الأهل، وجعلهما مبادرين، ومعنى المبادرة مسابقتك الشيء، كقولك: بادرت زيدا المنزل كأني سابقته إليه، وكأنّ الليل والرجل المخاطبيتسابقان إلى أهل الرجل، فأمره الآمر أن يسابق الليل إليهم، ليكون عندهم قبل الليل. شمّر الذيل، أي ارفع ساقك، واستعدّ للمشي. إيوائي: ضمّي. قربة: ما يتقرّب به من أعمال البرّ. أغدف: أسبل وأرسل، ومنه قول عنترة: [الكامل] إن تغدفي دوني القناع فإنّني ... طبّ بأخذ الفارس المتلثّم (١) وإنما قيل للغراب غداف لسبوغ ريشه. وقال رؤبة يخاطب أخاه: [الرجز] * نبّت من جناحك الغدافي* (٢)

стр. 424

جنح الظلام: ميله، وجنح الليل جنوحا، وأجنح: مال، وهو من الجناح وكان الطائر إذا عدل عن طريق طيرانه، فيرجع يطير إلى جهة جناحه، قيل له: جنح، ثم استعير في الليل وغيره، كما قيل: نكّب عن طريقه، هي من المنكب، كأنه قال: مال بمشيه إلى جهة منكبه. سبّح: صوت. الغمام: السحاب. اغرب: غب وابعد. ذراك: منزلك. أنعمت: بالغت. تراعي: تحفظ. أمعن: كثر، وتقول: أمعن لي بحقي: اعترف به وأظهره، مأخوذ من الماء المعين، وهو الجاري الظاهر. الفرّاء: المعين من الماعون، أو مفعول من العيون. تبطّن: ملأ بطنه. كظّة: امتلاء البطن. مدنفة: ممرضة. هيضة: انطلاق البطن بالقيء والإسهال. كفافا: مسالمة، أي كفّ عني شرّك وخيرك. معافى: سالما من الآفات. أليّته: يمينه. بلوت: خبرت وشاهدت. الرّغم: الذلّ. تجودني: تمطرني والسماء: المطر هنا. وتذكرت بهذه الحالة خروج السّلامي من دار الشريف الرضي في عشيّة ماطرة، فأعطاه كساء استتر به، فلما وصل إلى منزله كتب إليه بقصيدة: منها: [الكامل] ودّعت دارك والسماء تجودني ... بيد الغمام فلا يكن بك ما بي ما كنت إلا جنّة فارقتها ... كرها فصبّ عليّ سوط عذاب ورأيت غالية الطريق ومسكه ... طيبا معدّا لي على الأبواب وحمى كساؤك لا عدمت معيرة ... درّاعتي وعمامتي وجبابي فوليت يا بحر السماحة كسوتي ... وولي أخوك الغيث بلّ ثيابي فوصلت أشكر ذا وأشكو ذا وبال ... عينين ما بهما من التّسكاب وقال آخر فأحسن: [الكامل] وغمامة نثرت دموعا عند ما ... نثر النّسيم جمانها تسبيكا تهدي السقوف جمانها متفرّقا ... وتمدّه عند السّقوط سلوكا وقال ابن شهيد فأحسن: [الطويل] ومرتجز ألقى بذي الأثل كلكلا ... وحطّ بجرعاء الأبارق ما حطّا سعى في قياد الرّيح يسمح للصّبا ... فألقت على غبر التّلاع به مرطا وما زال يروي التّرب حتى كسا الرّبا ... درانك، والغيطان من نسحه بسطا

стр. 425

وعنّت له ريح تساقط قطره ... كما نثرت حسناء عن جيدها سمطا قوله: «تخبط» أي تجعلني أمشي فيها على غير هدى. تتقاذف: تترامى وتتطارح، وجعل الأبواب يرميه بعضها على بعض، لمّا كان يقرعها ولا تفتح له. لطف القضاء، أي رفق قدر الله وقضائه. يده البيضاء: نعمته الكريمة، وتقول: لفلان عليّ يد بيضاء أي نعمة، وجمعها أياد. [شكر النعمة ومما قيل فيها] قال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : «من أهدى إلى قوم نعمة فلم يشكروها له استجيب له فيهم». قال عبد الله بن المبارك: أقبل نصر بن سيّار: فقال: اللهمّ إني أهديت إلى بسّام نعمة فلم يعد لي بشكرها، فاجعل موتهم قتلا بالسيف. فبلغني أنه قتل منهم سبعون رجلا. وقال أبو نواس وأتى بمعنى بديع: [الكامل] قد قلت للعباس معتذرا ... من ضعف شكريه ومعترفا أنت امرؤ جلّلتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا فإليك بعد اليوم تقدمة ... لاقتك بالتصريح مكتنفا لا تحدثنّ إليّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا اعترضه الناشئ في معناه فقال: [الكامل] إن أنت لم تحدث إليّ يدا ... حتى أقوم بشكر ما سلفا لم أحظ منك بنائل أبدا ... ورجعت بالحرمان منصرفا وقال طريح: [الطويل] طلبت ابتغاء الشّكر فيما صنعت بي ... فقصّرت مغلوبا وإني لشاكر وقد كنت تعطيني الجزيل بداية ... وإني لما استكثرت منك لحاقر فأرجع مغبوطا وترجع بالتّي ... لها أوّل في المكرمات وآخر وقال آخر: [الطويل] رهنت يدي بالشّكر في شكر برّه ... وما فوق شكري للشّكور مزيد ولو أنّ شيئا يستطاع استطعته ... ولكنّ ما لا يستطاع شديد وقال إبراهيم بن العباس الصولي: [المتقارب] فلو كان للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمله الناظر
следующие страницы →