بلى، فما تقول يا أمير المؤمنين، إني لآكل الجذع من الإبل، أنتقيه عظما عظما، وأشرب الشّنّ (١) من اللبن رائبا (٢) أو صريفا (٣).
***
قوله: «أقردت». سكت وخضعت. ما لبث: ما تمهّل. الجراب: وعاء الزاد، وأراد بطنه. أمل، يقال: أمليت عليه إذا ألقيت عليه ما يكتب، وأمللت لغة، وقيل:
الأصل أمللت، فأبدل من اللام ياء. نكلت: انقطعت.
***
[الخفيف]
قل لمن يلغز المسائل إنّي ... كاشف سرّها الذي تخفيه
إنّ ذا الميّت الذي قدّم الشّر ... ع أخا عرسه على ابن أبيه
رجل زوّج ابنه عن رضاه ... بحماة له، ولا غزو فيه
ثمّ مات ابنه وقد علقت من ... هـ فجاءت بابن يسرّ ذويه
فهو ابن ابنه بغير مراء ... وأخو عرسه بلا تمويه
وابن الابن الصّريح أدنى إلى ... الجدّ وأولى بإرثه من أخيه
فلذا حين مات أوجب للزو ... جة ثمن التراث تستوفيه
وحوى ابن ابنه الذي هو في الأص ... ل أخوها من أمّها باقيه
وتخلّى الأخ الشقيق من الإر ... ث وقلنا يكفيك أن تبكيه
هاك منّي الفتيا التي يحتذيها ... كلّ قاض يقضي وكلّ فقيه
***
لا غزو: لا عجب. علقت: حملت. ذويه: قرابته، وأضاف «ذوي» إلى المضمر، وهي لغة قليلة، ومنعها بعضهم، وجوّزها جماعة من أئمة اللغة.
وقال أبو عليّ الفارسيّ. اللهمّ صلّ على محمد وذويه، حملوا «ذوي» على الأصحاب.
الأزهريّ: سمعت غير واحد من العرب، يقول: كنّا مع ذوي عمرو، يعني مع أصحاب عمرو، وهو كثير في كلام قيس ومن جاورهم.
وقال الحريريّ في الدرة: ويقولون: رأيت الأمير وذويه، فيهمون فيه، لأنّ العرب لم تنطق بذي، الّذي بمعنى صاحب إلّا مضافا إلى اسم جنس، كقولك: ذو مال وذو
стр. 422
نوال، فأمّا إضافته إلى الأعلام أو إلى أسماء الصفات المشتقّة من الأفعال فلم تسمع بحال، ولهذا لحن من قال: صلى الله على محمد وذويه، وكما لم يقولوا: ذو أبي ولا ذو أمّي، واقتصروا على إضافته إلى الجنس، ولهذا لم يرفع السببيّ، لأنه ليس بمشتقّ [من فعل]، فلا يقال: مررت برجل ذي مال أخوه؛ وتصحيحه ذو مال أخوه، لأن النكرة تختصّ بأن توصف بالجملة.
قوله: «مراء» جدال. تمويه: كذب. الصريح: الخالص. أدنى: أقرب. التّراث:
المال الموروث. حوى: حاز. تخلّى: خرج بلا شيء. هاك: خذ. يحتذيها: يتبعها ويعمل بها.
وتقريب هذا اللغز أن تقول: رجل وابنه وامرأة وابنتها، تزوّج الرجل البنت، والابن الأمّ، فمات الابن، وقد حملت منه الأم، فوضعت غلاما، فكان للرّجل ابن ابنه، ولزوجته أخا لأم، ثم مات الرّجل وترك أخا فورثت زوجته الثمن، وأخوها من أمّها الباقي، لأنه ابن ابن الميّت، وهو يحجب الأخ، كما كان يحجبه الابن لو كان حيّا.
ومثله قوله الآخر: [الطويل]
وقائلة أوص الغداة فإنّني ... أرى الموت قد حطّت لديك ركائبه
فقلت وقد راع الفؤاد مقالها ... وضاقت به خوف الحمام مذاهبه
لك الثّمن إن حانت وفاتي فريضة ... وسائر ما يبقى فصنوك صاحبه
جوابه: [الطويل]
تعلّم فإنّ العلم أكبر ملبس ... لمن شرفت أخلاقه ومذاهبه
حليلة هذا أمّها زوجة ابنه ... فذلك والإلغاز جمّ عجائبه
فإن ابنه صنو لزوجته ومن ... يقرّ بعرف العلم تعلو مراتبه
فميراثها ثمن وللصّنو ما بقي ... كذلك يقضي من تعالت مناقبه
والمتقدّم للسؤال في هذه المسألة عبد الملك بن مروان، وذلك أنه وقف به رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا تزوّجت امرأة، وزوّجت ابني من أمّها، فامددنا بشيء نستعين به. فقال له: إن أخبرتني كيف يدعى ابن كلّ واحد منكما لابن صاحبه، فأنا أرفدك، وإلا فلا أعطيك شيئا. فقال له الرجل: فسل عن ذلك كاتبك وصاحب شرطتك، فإن أجاباك، فما تعطيه لي، فادفعه إليهما، وإلا فأنا أعذر. فسألهما فلم يعرفا ذلك، فابتدر رجل من آخر الصفوف، وقال له: أرأيت إن أخبرتك، أتعطيني ما ذكرت للسائل؟ فقال له: نعم، فقال ابن الأب عمّ ابن الابن وابن الابن خال ابن الأب، فوصله.
فهذا أخفّ أمرا في الظاهر من التّوارث الذي فرض الحريريّ، وأشكل في المعنى.
***
стр. 423
قال: فلمّا أثبت الجواب، واستثبتّ منه الصّواب، قال لي: أهلك واللّيل، فشمّر الذّيل، وبادر السّيل، فقلت: إني بدار غربة، وفي إيوائي أفضل قربة، لا سيّما وقد أغدف جنح الظّلام، وسبّح الرّعد في الغمام، فقال: اغرب عافاك الله إلى حيث شيت، ولا تطمع في أن تبيت، فقلت. ولم ذاك، مع خلوّ ذراك؟
قال: لأنّي أنعمت النّظر، في التقامك ما حضر، حتّى لم تبق ولم تذر، فرأيتك لا تنظر في مصلحتك، ولا تراعي حفظ صحّتك، ومن أمعن فيما أمعنت، وتبطّن ما تبطّنت، لم يكد يخلص من كظّة مدنفة، أو هيضة متلفة، فدعني بالله كفافا، واخرج عنّي ما دمت معافى، فوالذي يحيي ويميت، ما لك عندي مبيت.
فلمّا سمعت أليّته، وبلوت بليّته، خرجت من بيته بالرّغم، وتزوّد الغمّ، تجودني السّماء، وتخبط بي الظّلماء، وتنبحني الكلاب، وتتقاذف بي الأبواب، حتّى ساقني إليك لطف القضاء، فشكرا ليده البيضاء!
***
قوله: «أثبت» صحّح. استثبتّ، أي وجده ثابتا. أهلك والليل، كلام للعرب، كأنه قال: بادر أهلك قبل الليل، وتحقيق المعنى في ذلك أنه عطف الليل على الأهل، وجعلهما مبادرين، ومعنى المبادرة مسابقتك الشيء، كقولك: بادرت زيدا المنزل كأني سابقته إليه، وكأنّ الليل والرجل المخاطبيتسابقان إلى أهل الرجل، فأمره الآمر أن يسابق الليل إليهم، ليكون عندهم قبل الليل. شمّر الذيل، أي ارفع ساقك، واستعدّ للمشي. إيوائي: ضمّي. قربة: ما يتقرّب به من أعمال البرّ. أغدف: أسبل وأرسل، ومنه قول عنترة: [الكامل]
إن تغدفي دوني القناع فإنّني ... طبّ بأخذ الفارس المتلثّم (١)
وإنما قيل للغراب غداف لسبوغ ريشه.
وقال رؤبة يخاطب أخاه: [الرجز]
* نبّت من جناحك الغدافي* (٢)
стр. 424
جنح الظلام: ميله، وجنح الليل جنوحا، وأجنح: مال، وهو من الجناح وكان الطائر إذا عدل عن طريق طيرانه، فيرجع يطير إلى جهة جناحه، قيل له: جنح، ثم استعير في الليل وغيره، كما قيل: نكّب عن طريقه، هي من المنكب، كأنه قال: مال بمشيه إلى جهة منكبه.
سبّح: صوت. الغمام: السحاب. اغرب: غب وابعد. ذراك: منزلك. أنعمت:
بالغت. تراعي: تحفظ. أمعن: كثر، وتقول: أمعن لي بحقي: اعترف به وأظهره، مأخوذ من الماء المعين، وهو الجاري الظاهر.
الفرّاء: المعين من الماعون، أو مفعول من العيون.
تبطّن: ملأ بطنه. كظّة: امتلاء البطن. مدنفة: ممرضة. هيضة: انطلاق البطن بالقيء والإسهال. كفافا: مسالمة، أي كفّ عني شرّك وخيرك. معافى: سالما من الآفات.
أليّته: يمينه. بلوت: خبرت وشاهدت. الرّغم: الذلّ. تجودني: تمطرني والسماء: المطر هنا.
وتذكرت بهذه الحالة خروج السّلامي من دار الشريف الرضي في عشيّة ماطرة، فأعطاه كساء استتر به، فلما وصل إلى منزله كتب إليه بقصيدة:
منها: [الكامل]
ودّعت دارك والسماء تجودني ... بيد الغمام فلا يكن بك ما بي
ما كنت إلا جنّة فارقتها ... كرها فصبّ عليّ سوط عذاب
ورأيت غالية الطريق ومسكه ... طيبا معدّا لي على الأبواب
وحمى كساؤك لا عدمت معيرة ... درّاعتي وعمامتي وجبابي
فوليت يا بحر السماحة كسوتي ... وولي أخوك الغيث بلّ ثيابي
فوصلت أشكر ذا وأشكو ذا وبال ... عينين ما بهما من التّسكاب
وقال آخر فأحسن: [الكامل]
وغمامة نثرت دموعا عند ما ... نثر النّسيم جمانها تسبيكا
تهدي السقوف جمانها متفرّقا ... وتمدّه عند السّقوط سلوكا
وقال ابن شهيد فأحسن: [الطويل]
ومرتجز ألقى بذي الأثل كلكلا ... وحطّ بجرعاء الأبارق ما حطّا
سعى في قياد الرّيح يسمح للصّبا ... فألقت على غبر التّلاع به مرطا
وما زال يروي التّرب حتى كسا الرّبا ... درانك، والغيطان من نسحه بسطا
стр. 425
وعنّت له ريح تساقط قطره ... كما نثرت حسناء عن جيدها سمطا
قوله: «تخبط» أي تجعلني أمشي فيها على غير هدى. تتقاذف: تترامى وتتطارح، وجعل الأبواب يرميه بعضها على بعض، لمّا كان يقرعها ولا تفتح له.
لطف القضاء، أي رفق قدر الله وقضائه. يده البيضاء: نعمته الكريمة، وتقول:
لفلان عليّ يد بيضاء أي نعمة، وجمعها أياد.
[شكر النعمة ومما قيل فيها]
قال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : «من أهدى إلى قوم نعمة فلم يشكروها له استجيب له فيهم».
قال عبد الله بن المبارك: أقبل نصر بن سيّار: فقال: اللهمّ إني أهديت إلى بسّام نعمة فلم يعد لي بشكرها، فاجعل موتهم قتلا بالسيف. فبلغني أنه قتل منهم سبعون رجلا.
وقال أبو نواس وأتى بمعنى بديع: [الكامل]
قد قلت للعباس معتذرا ... من ضعف شكريه ومعترفا
أنت امرؤ جلّلتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم تقدمة ... لاقتك بالتصريح مكتنفا
لا تحدثنّ إليّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
اعترضه الناشئ في معناه فقال: [الكامل]
إن أنت لم تحدث إليّ يدا ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
لم أحظ منك بنائل أبدا ... ورجعت بالحرمان منصرفا
وقال طريح: [الطويل]
طلبت ابتغاء الشّكر فيما صنعت بي ... فقصّرت مغلوبا وإني لشاكر
وقد كنت تعطيني الجزيل بداية ... وإني لما استكثرت منك لحاقر
فأرجع مغبوطا وترجع بالتّي ... لها أوّل في المكرمات وآخر
وقال آخر: [الطويل]
رهنت يدي بالشّكر في شكر برّه ... وما فوق شكري للشّكور مزيد
ولو أنّ شيئا يستطاع استطعته ... ولكنّ ما لا يستطاع شديد
وقال إبراهيم بن العباس الصولي: [المتقارب]
فلو كان للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمله الناظر
стр. 426
لمثّلته لك حتى تراه ... فتعلم إني امرؤ شاكر
وهذا الباب من الشكر وإن وفّيناه حقه هنا يأتي متفرّقا في الكتاب.
***
ولمّا ذكر البطنة وخطرها، وأنها أوجبت عليه خروجه من منزل ضيفه على الحالة التي وصف، أردنا أن نصلها بما يشاكلها.
ومما جاء في ذم البطنة من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يشتري غلاما وضع بين يديه تمرا، فإن أكل كثيرا قال: «ردّوه، فإن كثرة الأكل من الشؤم».
وقيل للتّستري: الرجل يأكل في اليوم مرة؟ قال: أكل الصدّيقين، قيل: فمرتين؟
قال: أكل المؤمنين. قيل: فثلاثا؟ قال: قل لأهلك يبنوا لك معلفا.
ويقبح أن يكون الرجل وصّافا لبطنه وفرجه، وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه.
وقال عمرو بن العاص لمعاوية ﵄ يوم الحكمين: أكثروا الطعام، فو الله ما بطن قوم قط إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزيمة رجل بات بطينا.
وقال بعض الحكماء: لكل شيء صدأ وصدأ القلوب شبع البطون.
عزم المعتصم يوما على الاصطباح، وأمر ندماءه أن يطبخ كلّ واحد منهم قدرا، فدخل عليه غلام ابن أبي داود، فقال المعتصم: الساعة يأتي ابن أبي دواد، فيقول: فلان الهاشمي، وفلان القرشيّ والأنصاريّ، فيقطعنا بحوائجه عما عزمنا عليه، وأنا أشهدكم أني لا أمضي له يومي هذا حاجة، فلم يتم الكلام إلا والحاجب يستأذن به، فقال لجلسائه: كيف ترون؟ فقالوا: لا تأذن له، فقال: سوأة لكم! الحمّى سنة أهون عليّ من ذلك، ودخل فما هو إلا أن سلّم وجلس وتكلم حتى ضحك المعتصم، وسفر وجهه إليه، ثم قال: يا أبا عبد الله، لقد طبخ كل واحد من هؤلاء قدرا، وقد جعلناك حكما في طبخها، قال: فليحضر كل واحد قدره وآكل، ثم أحكم فيها. فوضعت بين يديه، فأكل من أول قدر أكلا كثيرا، فقال المعتصم: هذا ظلم، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأني أراك أمعنت في هذا اللون، وستحكم لصاحبه، فقال: عليّ أن آكل من القدور كلّها مثله، قال: شأنك، فأكل ثم قال: أمّا هذه فقد أجاد طباخها، إذ قلّل خلّها وكثّر زيتها، ثم أكل من كل قدر كذلك، ووصف القدور كلّها بصفات حسنة سرّ بها أصحابها، ثم قدّم الطعام، فأكل مع القوم كما أكلوا، أنظف أكل وأحسنه، وهو يحدّثهم بأخبار الأكلة في صدر الإسلام، كمعاوية وعبد الله بن زياد، والحجاج وسليمان بن عبد الملك. وعن أكلة دهره مثل ميسرة التمّار، ودورق القصّاب، وحاتم الكيّال، وإسحاق الحمّامي.
стр. 427
فلما رفعت الموائد قال له المعتصم، وقد أطربه حديثه: ألك حاجة يا أبا عبد الله؟
قال: رجل من أهل بيتك، وطئه الدهر، وغيّر حاله، قال: ومن هو؟ قال: سليمان بن عبد الله، قال: قدّر له ما يصلحه، قال: خمسون ألفا، قال: قد أنفذت ذلك له، قال:
ولي حاجة أخرى، ثم ذكر ثلاث عشرة حاجة لا يردّه عن شيء منها، ثم قام خطيبا، فقال: عمّرك الله يا أمير المؤمنين طويلا فبعمرك تخصب جنّات رعيتك، ويلين عيشهم، وتنمو أموالهم، ولا زلت ممتّعا بالكرامة والسلامة، مدفوعا عنك حوادث الأيّام وغيرها، ثم انصرف. فقال المعتصم: هذا والله يتزين الملك بمثله، ويبتهج بقربه، أما رأيتم كيف دخل، وكيف تكلم، وكيف أكل، ثم انبسط في الكلام، وكيف طاب به أكلنا، ما يردّ هذا عن حاجته إلّا لئيم الأصل، والله لو سألني في مجلسي هذا ما قيمته عشرة آلاف ما رددته عنها، وأنا أعلم أنه يكسبني في الدنيا حمدا، وفي الآخرة ثوابا.
وفيه يقول أبو تمام: [الوافر]
لقد أنست مساوئ كلّ دهر ... محاسن أحمد بن أبي دواد (١)
وهذه الحكاية تنتظم في حكايات أهل الزّرد المتقدمين في المقامة، وقد احتوت على رجال موصوفين بذلك، ختمنا بها الباب.
***
فقلت له: أحبب بلقائك المتاح، إلى قلبي المرتاح، ثمّ أخذ يفتن في حكاياته، ويشمط مضحكاته بمبكياته، إلى أن عطس أنف الصبّاح، وهتف داعي الفلاح، فتأهّب لإجابة الدّاعي، ثمّ عطف إلى وداعي، فعقته عن الانبعاث، وقلت: الضّيافة ثلاث، فناشد وحرّج، ثمّ أمّ المخرج، وأنشد إذ عرّج: [الخفيف]
لا تزر من تحبّ في كل شهر ... غير يوم ولا تزده عليه
فاجتلاء الهلال في الشّهر يوم ... ثمّ لا تنظر العيون إليه
قال الحارث بن همّام: فودّعته بقلب دامي القرح، ووددت لو أنّ ليلتي بطيئة الصّبح.
***
قوله: «أحبب»، تعجّب معناه: ما أحبّ لقاءك إلى قلبي. المتاح: المقدّر، والمرتاح: المهتزّ طربا. يفتن: ينوّع. ويشمط: يخلط. أنفه: أوله، وجعل للصباح أنفا عاطسا مجازا لمّا كان يدفع ظلمة الليل. هتف: صاح. داعي الفلاح، هو المؤذّن.
стр. 428
والفلاح: البقاء. تأهّب: استعدّ. عقته: حبسته. الانبعاث: النّهوض.
وذكر أنّ الضيافة ثلاث: لأنه جاء في حديث أبي شريح الخزاعي ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (١). وجائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاث، ولا يحلّ له أن يثوى عنده حتى يحرجه، فما أنفق عليه بعد ثلاث فهو صدقة.
أبو عبيدة: جائزته يوم وليلة، أي يعطي الضيف بعد إكرامه ثلاثة أيام ما يجوز به يوما وليلة، يقال: أسفّ بجائزة وجيزة، وجوزة، أي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل.
ومن ملح باب الضيافة، قال المبرّد: أضاف رجل رجلا فأطال المقام حتى كرهه، فقال الرجل لامرأته: كيف لنا أن نعلم مقدار مقامه؟ فقالت له: ألق بيننا شرّا حتى نتحاكم إليه، ففعل، فقالت المرأة للضيف: بالذي يبارك لك في غدوّك غدا، أيّنا أظلم؟ فقال:
والذي يبارك لي في مقامي عندكم شهرا ما أعلم.
ونزل بصريّ على مدنيّ، وكان صديقا له، فألحّ عليه في الجلوس، فقال المدنيّ لامرأته: إذا كان غدا فإني أقول لضيفنا: كم ذراع يقفز فأقفز، فإذا قفز فأغلقي الباب خلفه، فلمّا كان من الغد، قال له المدنيّ: كم قفزك يا أبا فلان؟ قال: جيّد، فعرض عليه أن يقفز معه، فأجابه، فوثب المدنيّ من داره إلى خارج أذرعا، وقال للضيف: ثب أنت، فوثب الضيف إلى داخل الدار ذراعين، فقال له: وثبت أنا إلى خارج الدار أذرعا، وأنت إلى داخلها ذراعين، فقال الضيف: ذراعان من الدار خير من أربع إلى «برّا».
الأزهريّ: برّا مولدة.
قوله: «ناشد» حلّف. حرّج: وكّد يمينه، أي لا يقيم، والحرج: الإثم.
ابن الأنباري: تحرّج فلان عن كذا، أي تديّن وضيّق على نفسه، والحرج عندهم الضيق. أمّ: قصد. عرّج: التوى عن الباب منصرفا. اجتلاء: نظو.
القرح: الجرح، وأنشد الثعالبي في هذا المعنى، فقال: [الطويل]
عليك بإقلال الزيارة إنّها ... إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت الغيث يسأم دائما ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
стр. 429
وقال رسول الله ﷺ : «زر غبّا تزدد حبّا» (١).
نظمه الشاعر فقال: [الطويل]
إذا شئت أن تقلى فزر متواترا ... وإن شئت أن تزداد حبّا فزر غبّا
وقالوا: قلة الزيارة أمان من الملالة.
وقالوا في ضدّه: ترك الزيارة سبب القطيعة.
وقال عليّ ﵁: الصبر من كرم الطبيعة، والمنّ مفسدة الصنيعة، وترك التعاهد للصديق يكون داعية القطيعة.
وقال عبد الصمد بن المعذّل في ضدّ هذا: وأن يحافظ على الصداقة بظهر الغيب، ويمدح إبراهيم بن الحسن: [البسيط]
يا من فدت نفسه نفسي وقد جعلت ... له وقاء لمن يخشى وأخشاه
أبلغ أخاك وإن شطّ المزار به ... إنّي وإن كنت لا ألقاه ألقاه
وإنّ طرفي موصول برؤيته ... وإن تباعد عن مثواي مثواه
الله يعلم أني لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه
لا شيء مما نرى إلا له شبه ... وما لكم آل إبراهيم أشباه
عذرا فهل حسن لم ينمه حسن ... وهل فتى عدلت جدواه جدواه
قال أبو العتاهية: [الكامل]
أقلل زيارتك الصّديق ولا تطل ... إتيانه فتلجّ في هجرانه (٢)
إنّ الصديق يلج في غشيانه ... لصديقه فيلجّ في عصيانه
حتى تراه بعد طول سروره ... وكأنه متبرّم بمكانه
وإذا تولّى عن صيانة نفسه ... رجل تنقّص واستخفّ بشأنه
وإفراط البرّ بالصاحب داع إلى كثرة الإخجال، ومانع من العودة بعد الانفصال.
وكتب ابن عمار إلى ابن زريق، وقد عتب عليه، أن اجتاز ببلده ولم يلقه هذه الأبيات: [البسيط]
لم يلوعنك عناني سلوة خطرت ... ولا فؤادي ولا سمعي ولا بصري
لكن عدتني عنكم خجلة عرضت ... كفاني العذر منها بيت معتذر
стр. 430
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
ضمّن ابن عمار هذا البيت أحسن تضمين، وهو للمعرّي، وما قيل في العجز عن الشكر أحسن منه، والإقلال يمنع تلاقي الأحباب، ويحطّ من همم ذوي الأحساب، فإنه إذا لم يكن عندك ما تقدّم بين يدي ضيفك أو زائرك تمنّيت إذا حلّ بك ألّا تراه.
وقال حبيب: [الطويل]
وسيّان عندي صادفوا لي مطمعا ... أعاب به أو صادفوا لي مقتلا
وقال ابن الجدّ: [الطويل]
وإني لصبّ بالتلاقي وإنما ... يصد فؤادي عن معاذ يرك العسر
أذوب حياء من زيارة صاحب ... إذا لم يساعدني على برّه الوفر
وفي المقامة التي تلي هذه فنّ ثان من الزيارة، تقف عليه إن شاء الله تعالى.
***
стр. 431
المقامة السّادسة عشرة وتعرف بالمغربيّة
حكى الحارث بن همّام، قال: شهدت صلاة المغرب، في بعض مساجد المغرب، فلمّا أدّيتها بفضلها، وشفعتها بنفلها، أخذ طرفي رفقة قد انتبذوا ناحية، وامتازوا صفوة صافية، وهم يتعاطون كأس المنافثة، ويقتدحون زناد المباحثة، فرغبت في محادثتهم، لكلمة تستفاد، أو أدب يستزاد، فسعيت إليهم، سعي المتطفّل عليهم.
***
أدّيتها: تمّمتها، شفعتها: زوجتها، يريد أنّه صلّى الفريصة، ثم صلّى النافلة بفضلها، يريد أنّه صلّاها في الجماعة، وهي أفضل من صلاة الفذّ. انتبذوا: انفردوا، وصاروا إلى جهة وزاوية من المسجد. وامتازوا: انفصلوا. صفوة: خيارا. يتعاطون:
يعطي بعضهم بعضا. المنافثة: المحادثة. يقتدحون، أي يضربونها ويستخرجون نارها.
المباحثة: المناظرة في العلم.
***
[في معنى التطفّل]
المتطفّل: الآتي إلى الطعام من غير أن يدعى، وهو الوارش (١) عند العرب.
وتطفّل: تشبّه بطفيل العرائس، وهو طفيل بن دلال الدارميّ، يسمّى طفيل الأعراس، وطفيل العرائس، لكثرة دورانه على حضورها، ومشاهدته لها، والأكل منها، من غير أن يدعى إليه، واسمه مشتقّ من الطّفل، وهو إقبال الليل على النهار.
أبو عمرو: الطّفل: الظّلمة.
ابن الأعرابيّ: ويقال للطّفيلي اللّعموظ، والجمع اللعاميظ.
وطفيل من بني عبد الله بن غطفان، كان يأتي الأعراس ولم يدع. ومسكنه بالكوفة، وكان يقول: وددت أن الكوفة بركة مصهرجة، فلا يخفى عليّ فيها دخان، فنسب إليه كل
стр. 432
من يتطفّل، نسبة مذهب لا نسب، والتطفّل من أخلاق اللئام، وسجايا الأوغاد، ومنهي عنه في الشرع.
ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوى دخل سارقا وخرج مغيرا» (١).
عائشة ﵂: قال النبيّ ﷺ : «من دخل على قوم لطعام لم يدع فأكل دخل فاسقا، وأكل حراما».
***
[من أخبار المتطفلين]
ونسوق هنا فصلا للطفيليّين، يكون في هذه المقامة بمنزلة فضل الأكلة في المقامة التي قبل هذه لأن حالتيهما متقاربة.
فمن ذلك ما يحكى عن بشار الطفيليّ أنه قال: رحلت يوما إلى البصرة، فلما دخلتها قيل لي: إنّ هنا عريفا للطّفيليّين يبرهم، ويكسوهم ويرشدهم إلى الأعمال ويقاسمهم. فسرت إليه فبرّني وكساني، وقمت عنده ثلاثة أيام، وله جماعة يصيرون إليه بالزّلّات (٢) فيأخذ النّصف، ويعطيهم النّصف، فوجّهني معهم في اليوم الرابع، فحصلت في وليمة، فأكلت وأزللت معي شيئا كثيرا وجئته به، فأخذ النصف، وأعطاني النصف، فبعت ما وقع لي بدراهم، فلم أزل على هذه الحالة أياما، ثم دخلت يوما على عرس جليل، فأكلت وخرجت بزلّة حسنة، فلقيني إنسان فاشتراها بدينار، فأخذته وكتمته، وكتمت أمرها. فدعا جماعة من الطفيليّين، فقال: إن هذا البغداديّ قد خان، فظنّ أني لا أعلم ما فعل، فاصفعوه وعرفوه ما كتمنا، فأجلسوني شئت أم أبيت، وما زالوا يصفعونني واحدا بعد واحد، فيصفعني الأول منهم، ويشمّ يدي، ويقول: أكل مضيرة (٣)، ويصفعني الآخر ويشمّ يدي، ويقول: أكل كذا، ويصفعني الآخر، حتى ذكروا كلّ شيء أكلته، ما غلطوا بشيء منه، ثم صفعني شيخ منهم صفعة عظيمة، وقال: باع الزّلة بدينار، وصفعني آخر، وقال: هات الدّينار، فدفعته إليه، وجرّدني الثياب التي أعطانيها، وقال: اخرج يا خائن في غير حفظ الله. فخرجت إلى بغداد، وحلفت ألّا أقيم ببلد فيه طفيليّة يعلمون الغيب.
ونريد هنا أن نذكر بعض ما اشتهر من حكايات طفيليّة البصرة، إذ هم أحذق خلق الله في باب التطفيل:
стр. 433
بعث المأمون في طلب عشرة من زنادقة البصرة، فجمعوا فرآهم طفيليّ، فمضى معهم، فأدخلوا في سفينة، فدخل معهم، وجيء بالقيود، فقيّد معهم، فقال أحدهم: يا طفيليّ إليّ هنا، فأقبل عليهم فقال: فديتكم، أيّ شيء أنتم؟ فقالوا له: بل أنت، من أنت؟ وهل أنت من أصحابنا؟ قال: والله ما أعرفكم، غير أني طفيليّ، خرجت من منزلي، فرأيت منظرا جميلا، ونعمة ظاهرة، فقلت: شيوخ وكهول وشبّان، ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع، فدخلت وسطكم كأني أحدكم إلى هذا الزورق، فرأيته قد فرش ومهّد، ورأيت سفرا (١) مملوءة فقلت: نزهة إلى بعض البساتين والقصور، إن هذا اليوم يوم مبارك، فزدت ابتهاجا، فجاء هذا الموكّل بكم فقيّدكم، فطار عقلي فما الخبر؟ فضحكوا وفرحوا به، وقالوا له: قد حصلت في الإحصاء، نحن مانيّة على مذهب ماني، القائل بالنور والظلمة، نسير إلى المأمون، فيسألنا عن مذهبنا، ويدعونا إلى التوبة. ويظهر لنا صورة ماني، ويأمرنا أن نتفل عليها، ونبرأ منها، فمن فعل نجا، وإلا قتل، فإذا دعيت فأخبره باعتقادك، وللطفيليّ مداخلات وأخبار فاقطع سفرنا بها. فكان ذلك. فلما دخلوا على المأمون، دعاهم بأسمائهم وامتحنهم فأمرّ عليهم بالسيف، وتأخّر الطفيليّ وقد استوعب العدّة، فسأل الموكّلين بهم، فقالوا: وجدناه معهم، فجئنا به، فقال له: ما خبرك؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق إن كنت أعرف من أقوالهم شيئا، إنما أنا رجل طفيليّ، ثم قصّ قصته معهم.
فضحك المأمون كثيرا، ثم أظهر الصورة، فلعنها وبرئ منها، ثم قال: اعطوها لي حتى أسلح عليها، والله ما أدري ما ماني! أنصرانيّ أم يهوديّ أم مسلم؟ فقال المأمون:
يؤدّب على فرط جهله وتطفيله ومخاطرته بنفسه، فقال: يا أمير المؤمنين بحياتك، إن كنت ولا بدّ عازما، فاجعل السّياط كلّها على بطني، فهو الذي حملني على هذا الغرر.
فعاد إلى الضحك، فاستوهبه منه إبراهيم بن المهدي بحديث في تطفيله يذكر في خبر إسحاق الموصلي، فوهبه له، وأجاز الطفيليّ بجائزة سنيّة.
كان إبراهيم بن المدبّر عاملا على البصرة، وكان له سبعة ندماء لا يأنس بغيرهم، وكلّ واحد منهم منفرد بعلم من العلوم. وكان طفيلي يعرف بابن درّاج، من أكمل الناس أدبا، وأخفّهم روحا وأشدّهم في كلّ مليحة افتنانا. فاحتال ودخل في جملة الندماء، فخرج إبراهيم، فرآه فقال لحاجبه: قل لهذا الرجل، ألك حاجة؟ فسقط في يد الحاجب، وعلم أنّ الحيلة تمّت عليه، وأنه لا يرضي ابن المدبّر من عقوبته إلا بقتله، فمرّ يجر رجليه، فقال له: يقول لك الأستاذ: ألك حاجة؟ فقال: قل له: لا، فأدخله عليه، فقال:
فأيّ شيء أدخلك! أأنت طفيليّ؟ فقال: نعم أصلحك الله! فقال: إن الطفيليّ يحتمل على دخوله على الناس بخصال، منها أن يكون لاعبا للشّطرنج أو بالنّرد، أو ضاربا بالعود، أو
стр. 434
بالطنبور، فقال: أيّدك الله، إنا لما ذكرت في الطبقة العليا، فقال لبعض الندماء: لاعبه بالشطرنج، قال: أعزّك الله. فإن قمرت (١)؟ قال: أخرجناك، قال: وإن قمرت، قال:
أعطيناك ألف درهم، فقال: أحضرها فإن في حضورها قوة للنفس، فلعبا بالشطرنج، فغلب الطفيلي، ومدّ يده لأخذ الدراهم، فقال الحاجب: أعزّك الله، ذكر أنه في الطبقة العليا، وإن فلانا غلامك يغلبه، فأحضر الغلام فغلبه؛ فقالوا له: انصرف، فقال:
أحضروا النرد، فلوعب به فغلب، فقال الحاجب: لكن بوّابنا فلان يغلبه، فأحضر البوّاب فغلبه، فقيل له: اخرج، قال: فالعود؟ فأعطي عودا، فضرب فأصاب، وغنى فأطرب، فقال الحاجب: يا سيّدي إن في جوارنا شيخا يعلّم القيان، هو أحسن منه، فأحضر إليه، فكان أطيب منه، فقيل له: اخرج، فقال: فالطنبور؟ فضرب ضربا لم ير أحسن منه، فقال الحاجب: إنّ فلانا المحتكر أطيب منه، فأحضر فكان أحذق منه، فقال ابن المدبّر: قد تقصّينا لك بكلّ جهد، فأبت حرفتك إلا طرحك، فقال: يا سيّدي، بقيت معي فائدة حسنة، فقال: وما هي؟ قال: تأمر أن يحضر قوس بندق مع خمسين بندقة من رصاص، ويقام هذا الحاجب فأرميه في دبره، فإن أخطأته بواحدة، فاضرب عنقي، فضجّ الحاجب. ووجد ابن المدبّر شفاء نفسه في عقوبته، فأمر بخشبتين، وشدّ الحاجب فوقهما. وأعطي القوس، فرماه بخمسين بندقة، فما أخطأ دبره بواحدة منها.
وحلّ الحاجب وهو يتأوّه لما به، فقال له الطفيليّ: يا صفعان، هل على باب الأمير من يحسن مثل هذا؟ فقال له الحاجب: يا قرنان إذا كان البرجاس (٢) استي فلا يحسن أحسد مثلك.
قال: وذهب الضّحك بابن المدبّر هو وأصحابه كلّ مذهب، ثم أعطاه ألف درهم وانصرف.
صحب طفيليّ رجلا في سفر، فلما نزلوا ببعض المنازل، قال له الرجل: خذ درهما وامشي فاشتر لنا لحما. فقال له الطفيليّ: قم أنت، والله إنّي لتعب، فاشتر أنت.
فمضى الرّجل، فاشتراه، ثم قال له الرجل: قم فاطبخه، فقال: لا أحسن، فقام الرجل، فطبخه، ثم قال الرّجل للطفيليّ: قم فاثرد، فقال: والله إنّي لكسلان، فترد الرّجل، ثم قال له: قم فاغترف، قال: أخشى أن ينقلب على ثيابي، فغرف الرجل حتى ارتوى الثّريد، فقال له: قم الآن فكل، قال: نعم إلى متى هذا الخلاف! قد والله استحييت من كثرة خلافك. وتقدّم فأكل.
وقال طفيل العرائس: ليس في الأرض أكرم من ثلاثة أعواد: عصا موسى ﵇، وخوان الطعام، ومنبر الخليفة.
стр. 435
ومن وصيّته لأصحابه: إذا دخلتم عرسا، فلا تلتفتوا إلى الملاهي، وتخيّروا المجالس، وإن كان العرس كثير الزحام، فليمض أحدكم ولا ينظر في عيون الناس، ليظنّ أهل الرجل أنه من أهل المرأة، وأهل المرأة أنه من أهل الرجل، وإن كان البواب فظّا وقحا، فليبدأ به فليأمره ولينهه من غير عنف، ولكن بين النصيحة والإدلال.
وقال بنان الطفيليّ: التمكن على المائدة خير من ثلاثة ألوان.
وسئل بنان: هل تحفظ من كتاب الله تعالى شيئا؟ قال: نعم، آية. قيل: وما هي؟
قال: قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا [الكهف: ٦٢] قيل: أتحفظ شيئا من الشعر؟
قال: بيتا واحدا، قيل: ما هو؟ قال: [البسيط]
نزوركم لا نكافئكم بجفوتكم ... إن الكريم إذا ما لم يزر زارا
وبعده: [البسيط]
يقرّب الشوق دارا وهي نازحة ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا (١)
وقال أبو الورد المحاكمي في طفيلي: [الوافر]
طفيلي يؤم الخبز أنّى ... يراه ولو يراه على يفاع
ولا يروي من الأخبار إلّا: ... «أجيب ولو دعيت إلى كراع»
وقال طفيلي أيضا: [الخفيف]
نحن قوم إذا دعينا أجبنا ... ومتى ننس يدعنا التّطفيل
ونقل علّنا دعينا فغبنا ... وأتانا فلم يجدنا الرّسول
وأقبل طفيليّ إلى طعام لم يدع إليه، فقال صاحب الطعام: من دعاك؟ فأنشده:
[السريع]
دعوت نفسي حين لم تدعني ... فالحمد لي لا لك في الدعوه
وكان ذا أحسن من موعد ... مخلفه يدعو إلى الجفوه
ودخل طفيليّ في صنيع رجل من القبط، فقال له: من أرسل إليك؟ فأنشأ يقول:
[البسيط]
أزوركم لا أكافيكم بجفوتكم ... إن المحبّ إذا ما لم يزر زارا
فقال: «زر زارا»، ليس ندري من هو؟ أخرج من بيتي!
وقال آخر في طفيليّ كوفيّ: [الطويل]
زرعنا فلمّا سلّم الله زرعنا ... وأوفى عليه منجل لحصاد
стр. 436
بلينا بكوفيّ حليف مجاعة ... أضرّ علينا من دبي وجراد
وحدّث آدم الطويل، قال: دخل حانوتيّ غريب يأكل شيئا من الطعام فتقدّم سائل، فقلت له: ما أكثر تردّدك إليّ! فقال الغريب الذي في الحانوت: لعلّه كما قال الشاعر:
[السريع]
لو طبخت قدر بمطمورة ... أوفى ذرا قصر بأعلى الثّغور
وكنت بالصين لوافيتها ... يا عالم الغيب بما في القدور!
حكى المبرّد قال: كان بالبصرة طفيليّ مشهور، وكان ذا أدب وظرف، فمرّ بسكة النّخع بالبصرة على قوم عندهم وليمة، فاقتحم عليهم، وأخذ مجلسه مع من دعي، فأنكره صاحب المنزل فقالوا له: لو تأنّيت أو صبرت يا هذا قبل الدخول حتى يؤذن لك، كان أحسن لأدبك، وأعظم لقدرك، وأجلّ لمروءتك؛ فقال: إنّما اتّخذت البيوت ليدخل فيها، ووضعت الموائد ليؤكل عليها، والحشمة قطيعة، واطّراحها صلة.
وجاء في الآثار: صل من قطعك، وأعط من منعك، وأحسن إلى من أساء إليك.
وأنشد: [الخفيف]
كلّ يوم أدور في عرصة الدا ... ر أشمّ القتار شمّ الذباب
فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخانا أو دعوة الأصحاب
لم أعرج دون التقحّم لا أر ... هب شتما أو لكزة البوّاب
مستهينا بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هيّاب
ذاك أهنا من التكلّف والغر ... م وشتم البقّال والقصّاب
كان بالبصرة طفيليّ يكنى أبا سلمة، وكان إذا بلغه خبر وليمة، لبس لبس القضاة، وأخذ ابنيه معه، عليهما القلانس الطّوال والطيالسة، فيتقدم أحدهما فيدقّ الباب، ويقول:
افتح يا غلام لأبي سلمة، ثم لا يلبث حتى يلحقه الآخر، فيقول: افتح ويلك! قد جاء أبو سلمة، ويتلوهما، فإن لهم يعرفهم البوّاب فتح لهم، وإن عرفهم لم يلتفت إليهم، ومع كلّ واحد منهما فهر مدوّر يسمّونه كيسان، فينتظرون من دعي، فإذا جاء وفتح له طرحوا الفهر في العتبة، حيث يدور الباب، فلا يقدرون على إغلاقه فيهجمون ويدخلون.
فأكل أبو سلمة يوما على بعض الموائد لقمة حارّة من فالوذج، وبلعها بشدّة حرارتها، فتجمّعت أحشاؤه، فمات على المائدة، فقال عبد الصمد بن المعدل يرثيه:
[البسيط]
أحزان نفسي عنّي غير منصرمه ... وأدمعي من جفون العين منسجمه
على صديق ومولى لي فجعت به ... ما إن له في جميع الصالحين لمه
كم جفنة مثل دور الحوض مترعة ... كوماء جاء بها طباخها رذمة
стр. 437
قد كلّلتها شحوم من قليّتها ... ومن سنام جزور عبطة سنمه
غيبت عنها فلم تعلم لها خبرا ... لهفي عليك وعولي يا أبا علمه
ولو تكون لها حيا لما بعدت ... يوما عليك ولو في جاحم حطمه
قد كنت أعلم أن الأكل يقتله ... لكنني كنت أخشى ذاك من تخمه
إذا تعمم في شبليه ثم غدا ... فإن حوزة من يأتيه مصطلمه
***
وقلت لهم: أتقبلون نزيلا يطلب جنى الأسمار، لا جنيّ الثّمار، ويبغي ملح الحوار، لا ملحاء الحوار، فحلّوا لي الحبا، وقالوا: مرحبا مرحبا، فلم أجلس إلّا لمحة بارق خاطف، أو نغبة طائر خائف، حتّى غشينا جوّاب، على عاتقه جراب، فحيّانا بالكلمتين، وحيّا المسجد بالتّسليمتين، ثم قال: يا أولي الألباب، والفضل اللّباب، أما تعلمون أن أنفس القربات، تنفيس الكربات، وأمتن أسباب النّجاة، مواساة ذوي الحاجات. وإنّي ومن أحلّني ساحتكم، وأتاح لي استماحتكم، لشريد محلّ قاص، وبريد صبية خماص، فهل في الجماعة، من يفثأ عنّا حميّا المجاعة؟
فقالوا له: يا هذا، إنّك حضرت بعد العشاء، ولم يبق إلا فضلات العشاء، فإن كنت بها قنوعا، فما تحد فينا منوعا، فقال: إنّ أخا الشدائد، ليقنع بلفاظات الموائد، ونفاضات المزاود. فأمر كلّ منهم عبده، أن يزوّده ما عنده.
***
قوله: «نزيلا» أي ضيفا. الأسمار: المذاكرة بالليل. وجناها: ما يجنى من فوائدها. يبغي: يطلب. ملح الحوار: مليح الكلام، والحوار: مراجعة القول. ملحاء الحوار: لحم سنام الفصيل. الحبا: جمع حبوه، وكانت العرب ليس لها في البوادي حيطان تستند إليها في مجتمعهم، فكان الرجل يقيم ركبتيه في جلوسه، فيضع عليها أو يدير بهما ثوبا، ويعقد عليهما يديه، ويستريح إليها، ويقوم ذلك له مقام الاستناد، فيقال لذلك العقد: الحبوة، فأراد أنّهم حلوا له الحبا إكراما له. لمحة بارق: لمعة برق.
خاطف: يخطف العين بسرعة فيمنعها النظر. نغبة: جرعة. غشينا: دخل علينا فجأة.
جوّاب: قطاع للأرض بمشيه. العاتق: ما بين المنكب والعنق. جراب: وعاء للخبز الكلمتين: سلام عليكم. التسليمتين: سلامه عند الدخول وسلامه من الركعتين. وتحية المسجد: أن يركع الداخل فيه ركعتين، وقيل: التسليمتين تسليمة من صلاة المغرب وتسليمة من الركعتين اللّتين بعدها. الألباب: الأذهان اللّباب: الخالص. أنفس: أرفع.
стр. 438
القربات: ما يتقرّب به إلى الله ، واحدها قربة. الكربات: الهموم. تنفيسها:
تفريجها وإزالتها. أمتن: أقوى وأغلظ. النّجاة: التخلّص. مواساة: جعلك لهم أسوة نفسك. ساحتكم: موضعكم. أتاح: قدّر. استماحتكم: اجتداءكم والطّلب منك. شريد:
منفّر، والشريد: الهارب. قاص: بعيد. بريد: رسول. خماص. جياع. يفثأ: يكسر.
حميّا المجاعة: حدّه الجوع. فضلات: بقايا لفاظات: ما يلفظ منها، أي يطرح.
نفاضات: ما ينفض من بقية الزاد.
ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكل ما يسقط من الخوان نفى عنه الفقر، وعن ولده الحمق».
والمزاود: أوعية الزاد.
***
فأعجبه الصّنع، وشكر عليه، وجلس يرقب ما يحمل إليه، وثبنا نحن إلى استثارة ملح الأدب وعيونه، واستنباط معينه من عيونه، إلى أن جلنا فما لا يستحيل بالانعكاس، كقولك: ساكب كأس. فتداعينا إلى أن نستنتج له الأفكار، ونفترع منه الأبكار، على أن ينظم الباديّ ثلاث جمانات في عقده، ثمّ تتدرّج الزّيادات من بعده، فيربّع ذو ميمنته في نظمه، ويسبّع صاحب ميسرته على رغمه.
قال الراوي: وكنا قد انتظمنا عدّة كأصابع الكفّ، وتألّفنا ألفة أصحاب الكهف.
***
الصنع: الجميل. وقوله: «وجلس يرقب»، وقال قبل هذا: «فلم أجلس إلا لمحة بارق»، وقال في الثامنة والعشرين، «وجلس حتى ختم نظمالتأذين» وأكثر ما صرف الجلوس في مقاماته من قيام.
وقال في الدّرّة: «يقولون للقائم: اجلس، والاختيار على ما حكاه الخليل، أن يقال لمن كان قائما: اقعد، ولمن كان نائما أو ساجدا: اجلس. وعلّل بعضهم هذا الاختيار بأنّ القعود هو الانتقال من علو إلى سفل، ولهذا قيل لمن أصيب برجلة:
مقعد، وإن الجلوس من سفل إلى علو، ومنه قول عمر بن عبد العزيز ﵁:
[الكامل]
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
أي اقصد نجدا.
وكان عمر واليا على المدينة فقال للفرزدق: إن كنت تلزم العفاف، وإلا فاخرج إلى نجد.
стр. 439
وحكى أبو عبد الله بن خالويه: قال دخلت على سيف الدولة بن حمدان يوما، فلما مثلت بين يديه قال: اقعد، ولم يقل: اجلس، فتبينت بذلك اعتلاقه بأهداب الأدب واطّلاعه على أسرار كلام العرب.
والذي نظر هو الوجه، ولهذا جعله على الاختيار، ولم يجعله من اللحن، إلّا أنه لقرب المعنيين، يجوز أن يكون قد استعمل جلس في المقامات، من القيام.
***
يرقب: ينظر ويحرس ثبنا: رجعنا. استثارة: استخراج. ملح: ما يتلمّح به من الكلام. عيونه: مختاره. استنباط: استخراج. معينه: ماؤه الصافي عيونه: جمع عين الماء. وكنى بالمعين والعين عن الكلام والقلوب، جلنا: تصرّفنا. يستحيل. يتغيّر الانعكاس: قراءة اللفظة من آخرها. ساكب: صابّ. تداعينا: دعا بعضنا بعضا. نستنتج:
نستدعي منها النّتاج وهو الولد الأفكار: جمع فكر، وجعل ما يبديه الفكر من الكلام نتاجا له نفترع: نفتض. جمانات: جمع جمانة، وهي حبّة تعمل من فضة كالدرّة، تتدرّج:
تتمشى. يربّع: يصنع أربع جمانات. ذو، بمعنى صاحب. يسبّع: يصنع سبعا رغمه:
إكراهه وإذلاله. انتظمنا: اجتمعنا. تألّفنا: تصاحبنا وانضمّ بعضنا إلى بعض، ومنه ألّفت الكتاب. والألفة: الصحبة والاجتماع. والكهف: الغار وأصحابه قصتهم معروفة.
***
[قصة أهل الكهف]
قال ابن عباس في قوله : ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الكهف: ٢٢] أنا من أولئك القليل، وهم مكسلمينا ويمليخا، وهو المبعوث بالورق إلى المدينة، ومرطونس وسارينوس ويوانس وكفشطيوس وقطينوسيسوس، وهو الراعي، والكلب اسمه قطمير وهو أنمردون الكروي وفوق القلطي.
وقال أبو شبل: بلغني أنّ من كتب هذه الأسماء في شيء ووضعه في الحريق سكن الحريق.
وذكر الطبري أنّهم كانوا في أيام الطوائف على دين عيسى ابن مريم، وكانوا في حكم ملك للرّوم يسمّى دقيانوس يعبد الأصنام، فبلغه عن الفتية مخالفتهم لدينه، فطلبهم فهربوا منه، فاجتازوا براعي غنم، فأتبعهم بكلبه، فعلموه دينهم، وصاروا إلى ربّهم، فآواهم الليل إلى كهف، فقالوا: نبيت هنا الليلة ثم نصبح فنرى رأينا، فضرب الله على آذانهم فناموا، وتبعهم الملك فوجدهم في الكهف، فلم يطق أحد منهم دخوله، فبنى عليهم باب الكهف، ففتحه الرّعاء بطول الزمان، فأقاموا فيه ما ذكر الله تعالى، ثم أحياهم الله تعالى بعد ثلاثمائة وتسع، فشكّوا: هل ناموا يوما واحدا أو بعضه؟ ثم مسّهم الجوع،
стр. 440
فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاما، ووصّوه أن يحترز حتى لا يشعر بهم أحد، فيدلّ عليهم فيحملوا إلى الملك الذي فرّوا منه أمس فيما ظنوا، فيرجمهم أو يرجعوا إلى دينه، فلمّا أتى باب المدينة، أنكر أن تكون هي التي خرج منها أمس في ظنه لأنها تغيّرت بمرور بعد زمان عليها، فأنكر أهلها. ثم أخرج الدراهم ليشتري طعاما، فقال له البائع: من أين لك هذه الدراهم؟ وأمسكه، فقال: خرجت أمس مع أصحاب لي فارّين من هذا الملكو دينه، فبتنا في كهف، وأصبحنا اليوم، فأرسلوني لأشتري لهم طعاما، فاستر علينا، فحمله الرّجل إلى ملك المدنية يسمع منه، وكان ملكا صالحا، نقصّ عليه القصة، فركب الملك في جملة من الناس ليطلعوا على أمرهم، فدخل على أصحابه، فوجدهم قد عادوا إلى نومهم، فضرب الله على أذنه معهم، فدخل النّاس فوجدوا أجساما لا ينكرون منها شيئا، وكأنهم مستيقظون يكلمونهم، غير أنها بغير أرواح، فقال لهم الملك: هذه آية الله إليكم، فبنوا عليهم مسجدا يصلون فيه.
***
فابتدر لعظم محنتي، صاحب ميمنتي، وقال: لم أخامل وقال ميامنه: كبّر رجاء أجر ربّك. وقال الّذي يليه: من يربّ إذا برّ ينم. وقال الآخر: سكت كلّ من نمّ لك تكس.
وأفضت النّوبة إليّ، وقد تعيّن نظم السّمط السّباعيّ عليّ فلم يزل فكري يصوغ ويكسر، ويثري ويعسر، وفي ضمن ذلك أستطعم، فلا أجد من يطعم، إلى أن ركد النّسيم، وحصحص التّسليم، فقلت لأصحابي: لو حضر السّروجيّ هذا المقام، لشفى الدّاء العقام، فقالوا: لو نزلت هذه بإياس، لأمسك على ياس.
وجعلنا نفيض في استصعابها، واستغلاق بابها، وذلك الزّور المعتري يلحظنا لحظ المزدري، ويؤلّف الدّرر ونحن لا ندري.
***
قوله: «لعظم محنتي» لعظم بليتي.
***
لم: من اللوم. ملّ: من الملل. كبّره: عظّم الكبير، وقدّمه على نفسك.
يربّ: يصلح. برّ: أكرم. ينم: يزيد خيره، وترتفع منزلته ونمى الشيء ينمي وينمو نماء، ونموّا ونميّا: زاد، قال الأصمعي: نميت.
حديث فلان إلى فلان أنميه، إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، وفي
стр. 441
الحديث: «فقال خيرا أو نمى خيرا» (١) أي أبلغ خيرا، أو رفعه، وكلّ شيء رفعته.
فقد نميته. ورواية ابن ظفر: «من يربّ إذا برّ ينمّ»، أي إذا كان البرّ من الناس يمشي بالنميمة فمن يرب فعلا جميلا ويصلحه.
تكس: تكن كيّسا، والكيّس: الناقد في أموره، وقيل العاقل. أفضت: وصلت.
النّوبة: الدولة. السّمط: الخيط يعقد فيه اللؤلؤ.
يصوغ: يصنع. يثري ويعسر، أي يستغني ويفتقر، أي يكثر الكلام مرّة ويقلّل أخرى.
وفي ضمن ذلك، أي في أثنائه وفي مدّته. أستطعم: أطلب طعاما، هذا أصله، وتقول: أطعمت القارئ إذا وقف ففتحت عليه وأفتيته. واستطعم هو، إذا استدعي ذلك. عليّ ﵁: إذا استطعم الإمام فأطعموه، أي إذا أرتج عليه فافتحوا له.
ركد النسيم: سكنت الريح، يعني كلامه حصحص: تبيّن. التّسليم: الانقياد، أي انقدت للعجز عن الإتيان بها.
المقام: الموقف. العقام: الشديد الّذي لا يؤثّر فيه الدواء، بمنزلة الرحم العقيم، التي لا تؤثر فيها النطفة فلا تلد.
إياس، تقدّم ذكره. واليأس: ضدّ الطمع.
ولما ذكر هنا إياسا ويأسا، نذكر فصلا ذكره في الدّرة على اللفظتين، قال:
ويقولون: أشرف فلان على الإياس من طلبه، فيهمون كما وهم أبو سعيد السكّري، وكان من جلّة النحويّين، وأعلام العلماء المذكورين، فقال: إن إياسا سمّي بالمصدر، من أيس، وليس كذلك- وإنما إياس عند المحققين مصدر آسيته، أي أعطيته، والمصدر منه الأوس، ومنه المواساة، فكأنهم سمّوا إياسا بمعنى تسميتهم عطاء. ووجه الكلام أن يقال: أشرف على اليأس، لأنّ أصل الفعل منه يئس على فعل، قال الله تعالى: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ [الممتحنة: ١٣] فأمّا أيس بتقديم الهمزة فمقلوب من يئس واستدلّ شيخنا أبو القاسم بن المفضل النحويّ على صحّة ذلك فإن لفظة يئس، تساوي لفظة اليأس، الذي هو الأصل في نظم الصيغة، فتكون الياء مبدوءا بها والهمزة مثنىّ بها بخلاف تنزّلهما في أيس، فلهذا حكم على أيس أنها مقلوبة من يئس، والمقلوب لا يتصرف تصرّف الأصل ولا يكون له مصدر.
نفيض: نندفع بالكلام. المعتري: القاصد. يلحظنا: ينظرنا بطرف عينه. استحقارا منه لنا. المزدري: المحتقر. يؤلّف: يجمع. الدّرر: جواهر الكلام.
***
стр. 442
فلمّا عثر على افتضاحنا، ونضوب ضحضاحنا، قال: يا قوم إنّ من العناء العظيم، استيلاد العقيم، والاستشفاء بالسّقيم، وفوق كلّ ذي علم عليم. ثمّ أقبل عليّ، وقال: سأنوب منابك، وأكفيك ما نابك؛ فإن شئت أن تنثر، ولا تعثر، فقل مخاطبا لمن ذمّ البخل، وأكثر العذل: لذ بكلّ مؤمّل، إذا لم وملك بذل وإن أحببت أنّ تنظم، فقل للّذي تعظم: [مجزوء الرجز]
أس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا
أسند أخا نباهة ... ابن إخاء دنّسا
اسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا
اسر إذا هبّ مرا ... وارم به إذا رسا
اسكن تقوّ فعسى ... يسعف وقت نكسا
***
عثر: اطّلع. افتضاحنا: اشتهارنا بالعجز. نضوب ضحضاحنا: جفوف مائنا القليل.
الاستيلاد: طلب الولد، يقول: إنّ من تعب النفس طلب فائدة من ذهن كليل وقريحة جامدة. نابك: نزل بك. تنثر: تقول نثرا. لذ: استتر به والجأ إليه. مؤمّل: مرجوّ لفعل الخير. لم: جمع المال. بذل: تكرّم على غيره، وهذا اللفظ من المعكوس في النثر بديع، فما ظنك بهذا النظم الرفيع الذي أردفه عليه، فإنه من أشرف حسناته، ﵀! .
قوله: «أس» أعط، والأوس: العطيّة. أرملا: فقيرا أفنى زاده. عرا: قصد. ارع:
احفظ الصحبة. أسا: أتى بسوء، وأصله الهمز أساء فسهّل الهمزة، يقول: إن قصدك فقير فصله، وإن أخطأ عليك صاحب فلا تقطعه، وارع حقّ الصحبة، ويقال: المرء بالهمز، والمر بلا همز، وبترك الهمز يستقيم الانعكاس في بيت الحريري، ويقال: المرة، قال دعبل: [البسيط]
واحفظ عشيرتك الأدنين إنّ لهم ... حقّا يفرّق بين الزّوج والمرة (١)
وهذا البيت الذي فسرناه وما بعده من الأبيات تقرؤه إن شئت من أوّله، وإن شئت من آخره. وجعل هذا النّمط في عكس الحروف توطئة لما يذكر في المقامة بعد هذا في الرسالة القهقرية، من عكس ألفاظها، من أوّلها إلى آخرها إلا أنّ ذلك العكس بالألفاظ وهذا بالحروف، وكلاهما غاية في بابه، وإنما يذكر الأدباء هذا استملاحا في كلامهم، وامتحانا لخواطرهم.
***
стр. 443
[أمثلة من التصحيف وقلب الكلام]
ونريد أن نذكر هنا فصلا مما يوافقه أو يقاربه على ما شرطناه؛ فمن ذلك أن بعض الأدباء اتّهم صاحبا له بسعاية في جانبه فكتب إليه في المجلس: ساءك نم، فنظره الذي وشى به، فكتب إليه: صحّفه واقلب، فهو والله ما نطق به على لسانك، من بغيك وعدوانك، وهو مقلوب مصحف: منك أتيت، فتضاحكا وتصافيا.
وكتب بعضهم إلى خازن السلطان: [السريع]
قد أقبل الشهر وإقباله ... يأتي بما أجرى ترتيبه
فوجه البرّ ومقلوبه ... يجزيك عن برّك مقلوبه
وكتب بعض الظرفاء إلى صاحب له وهو مقلوب مصحّف: ظبي سراب خشن. فإذا قرأته على الولاء من آخره بعد القلب والتصحيف جاء منه: حسن شراب طيّب.
ومن أنواع المعميّات التّصحيف، ومثاله: أنّ إبراهيم بن المهدي كتب إلى إسحاق الموصليّ: لا يرتج مثل الأسنّة، فكتب إليه إسحاق. لا يرث جميل إلابثينة.
وقال أبو الجهم بن الأنباريّ للحسن بن وهب: ما تصحيف: كلني بيمينك فبعني بحبّتين، فقال: كل شيء منك في عيني حسن.
وغاب صديق عن صديق له، فلمّا لقيه قال له: عنّ تعبي، فجاوبه: زرعنا يزداد حبا، فالأول قال: غبت عنّي، والثاني قال: زر غبّا تزداد حبّا.
وذكر في بعض مجالس الأدب التصحيف، فقال فتى شابّ: أنا ابن بجدته، فقال بعضهم: ما تصحيف: نصحت فحشي، فقال: تصحيف حسن، فاستغرب إسراعه، فاتهمه شاعر من بلنسية، فقال: ما تصحيف بلنسية؟ فأطرق ساعة، ثم قال: أربعة أشهر، فقال له البلنسيّ: صدق ظنّي إنك تنتحل ما تقول ويحك! والفتى يضحك، فقال له:
اشعر، فإنك شاعر، فقال: وأي نسبة بين أربعة أشهر وبلنسية؟ فقام وهو يقول: هو ذاك؛ ثم تنبّه بعد انصراف الفتى بعض من حضر، فنظر فإذا أربعة أشهر ثلاث سنة، وهو تصحيف بلنسية، فخجل المنازع، ومضى إلى دار الفتى معتذرا.
كتب بعض وزراء ابن عبّاد إليه يتسخّط الإخوان هذا البيت: [الكامل]
وإذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد، وأين ذاك الواحد!
فوقّع في الكتاب: وأين ذاك الواحد؟ صحّف تعرف: فلمّا قرأه الوزير طار سرورا، ومثل بالبساط فلثمه بين يديه، وإنما صحّف، وأين، فجاء منه: وأنت، فردّ عليه من كلامه أبلغ جواب.
ومن ملح ابن عباد في التصحيف، أنه خرج في جملة وزرائه الأدباء، فاجتازوا
стр. 444
بإشبيليّة بالموضع الذي يباع فيه الجير والجبس، فلقي هناك جارية من أحسن الناس وأقلّهم حياء. فأقبل ابن عبّاد على ابن عمار، وقال: يا بن عمار الجيارين، فقال ابن عمّار: يا مولاي والجبّاسين، فعلم من حضر أنهما لم يريدا أن يعرّف كلّ واحد منهما صاحبه بما ذكر، فبحثوا عن مرادهما، فلم يعرفوه، فسألوا: ابن عمّار، فقال له ابن عباد: لاتبعها منهم إلا غالية. ثم إن ابن عمار أخبرهم أنّ ابن عبّاد أعجبه حسن الجارية، وعابها بقلة الحياء، فصحّف «الجيارين»، فجاء منه «الحيازين» وصحّفت أنا «الجباسين»، فجاء منه «الخناشين»، فاستغربوا حضور أذهانهما وحسن كنايتهما.
أين هذه الأذهان من رجل مغفّل، كان له ابن يسمّى حسنا مسافرا، فاستفتح المصحف يتفاءل له في القدوم، فخرج له «وحسن مآب»، فترك التيامن بهذا اللفظ لمآب الفتى سالما، وقال: تصحيف «حسن مآب»: «حسن مات»، فاستدعى أمّ الفتى وخدمه، ونعاه لهنّ فأقمن مناحة، وجاء الجيران والقرابة يتطلعون حادثتهم، فهو يخبرهم بما تصحّف له، والفتى داخل قد أقبل في أغبط حال وأسرّها، فاستحمق وصار مثلا.
***
قوله: «أسند» أضفه إليك وقرّبه منك. نباهة: رفعة. أبن: باعد. دنس: عيب.
يقول: صاحب من يشرّفك بذكره الجميل، وباعد من يدنس عرضك وتعاب به.
***
[مما قيل في الصديق]
وقد قيل: الصاحب رقعة في الثوب، فلينظر الإنسان ما يرقّع به ثوبه.
قال ابن رشيق: [المنسرح]
اصحب ذوي القدر واستعدّ بهم ... وعدّ عن كلّ ساقط سفله
فصاحب المرء شاهد ثقة ... يقضي به غائبا عليه وله
ورقعة الثّوب حين تلبسه ... شهرته أو تكون مشتكله
وفي الحديث: «الأنفس أجناد مجنّدة، وإنها لتشامّ في الهوى كما تشامّ الخيل فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (١).
ونظم هذا الحديث أبو نواس فقال: [البسيط]
إنّ القلوب لأجناد مجنّدة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف (٢)
стр. 445
فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف
وقال طرفه- أو عديّ بن زيد: [الطويل]
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن مقتدي
وقال أبو العتاهية: [الرجز]
اصحب ذوي الفضل وأهل الدّين ... فالمرء منسوب إلى القرين
وقال الخالديّ: [الكامل]
وإذا أردت ترى فضيلة صاحب ... فانظر بعين البحث من ندمانه
فالمرء مطويّ على علّاته ... طيّ الكتاب وصحبه عنوانه
وممّا يروى لعليّ بن أبي طالب ﵁: [الهزج]
فلا تصحب أخا السّوء ... وإياك وإيّاه (١)
فكم من جاهل أودى ... حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء ما شاه
وفي النّاس من النّاس ... مقاييس وأشباه
وفي العين غنى للعي ... ن أن تنطق أفواه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وقال ابن رشيق: [مجزوء الكامل]
اختر لنفسك من تعا ... دي كاختيارك من تصادق
إن العدو أخو الصديق ... وإن تخالفت الطرائق
قوله: «اسل جناب غاشم» يريد جانب منزل ظالم، ولا تقرّبه. وسلوت يتعدى بعن وبنفسه، تقول: سلوت عنه، وسلوته وسليته.
وقال الأسود بن يعفر: [الطويل]
فأقسمت لا أشريه حتى يملّني ... بشيء ولا أسليه حتى يفارقا (٢)
стр. 446
قوله: «مشاغب» مسارع للشرّ. هبّ: تحرك. مراء: جدال، ومعنى «اسر» اكشف وأزل، يقول: إذا تعلّق بك وهبّ عليك جدال من صاحب فاكشفه عن نفسك بالمناصحة، وباعد المراء. وتقول: سريت الثوب عنّي، وسريته، إذا كشفته، قال ابن هرمة: [الطويل]
* سرى ثوبه عني السرى المتخايل (١) *
ومنه سرّي عن الرجل أي كشف عنه ما كان يجده من الغمّ والغضب، وقد يكون معنى «اسر» باعد وفارق من السّرى، وهو سير الليل، فيقول: فارق موضع الجدال وباعده. رسا: ثبت، أي إذا سكن الخلاف بين القوم فارم أنت به واتركه، ويروى: «اسر» بالضمّ، أي كن سريّا، أي سيدا ذا مروءة، إذاهاج الجدال بين القوم فباعده.
وقال سابق البريري: [البسيط]
لا تنفعنّ لجوجا حين تزجره ... إنّ اللّجوج له في المال إغراء
وأغض في حسن عفو عن نوادره ... فالحرّ فيه عن الآفات إغضاء
***
[المراء والجدال]
والمراء مدافعة الحقّ وترك الانقياد، لما ظهر منه، وقد يستعمل بمعنى الجدال، فمن جادل ليظهر باطلا فجداله محظور.
وفي الحديث: «من ترك الجدال محقا بنى الله له بيتا في الجنة» (٢).
وقال ميمون بن مهران: لا تمار من هو أعلم منك إنه يختزن عنك علمه ولم تضره شيئا.
وقال لقمان لابنه: من لا يملك لسانه يندم، ومعن يكثر المراء يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يتّهم. يا بنيّ لا تمار العلماء فيمقتوك.
وقال مالك بن أنس ﵁: المراء يقسي القلوب ويورث الضغائن وقال بلال بن مسعدة: إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا بنفسه فقد تمت خسارته.
стр. 447
ولمسعر بن كدام يخاطب ابنه: [الكامل]
إنّي منحتك يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أب، عليك شفيق (١)
أمّا المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق
إني بلوتهما فلم أختّرهما ... لمجاور جار ولا لرفيق
قوله: «اسكن» الزم السكون والوقار. تقوّ: أراد تتقوى، يسعف: يساعد ويوافق.
نكس: قصّر بك، يقول: لا تبادر إلى الجدال، والزم السكون، حتى يتقوّى نظرك، ويظهر لك صوابك، فعسى يوافقك على الإصابة بحسن التدبير وقت كان يصرفك عن الصواب، لو التزمت الجدال.
ومن أعاجيب ابن الرومي قوله في ذم الجدال: [الكامل]
لأولي الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حجج تضلّ عن الهدى وتجور
وهنّ كآنية الزجاج تصادمت ... فهوت وكلّ مكاسر مكسور
فالقاتل المقتول ثمّ لوهنه ... ولضعفه، والآسر المأسور
وقال من شعر يمازح صديقا له: [السريع]
لكنّ في الشيخ غريزية ... يخاصم الله بها في القدر
ما كان لم كان وما لم يكن ... لم يكن فهو كيل البشر
***
قال: فلمّا سحرنا بآياته، وحسرنا ببعد غاياته، مدحناه حتى استعفى، ومنحناه إلى أن استكفى.
ثمّ شمّر ثيابه، وازدفر جرابه، ونهض ينشد: [الكامل]
لله درّ عصابة ... صدق المقال مقاولا
فاقوا الأنام فضائلا ... مأثورة، وفواضلا
حاورتهم فوجدت سح ... بان لديهم باقلا
وحللت فيهم سائلا ... فلقيت جودا سائلا
أقسمت، لو كان الكرا ... م حيا، لكانوا وابلا
***
قوله: «سحرنا» تركنا مسحورين. بآياته. بعجائبه، يقال: إنّ فلانا آية من الآيات،
стр. 448
أي عجب من العجائب. حسرنا: قطعنا وأكلنا. والغاية: الطّلق، يريد أنا كلّنا في الغايات التي جرى فيها لبعدها؛ ويريد اتساعه في الكلام.
استعفى: قال: عافوني منه. منحناه: أعطيناه. استكفى: قال: يكفيني. ازدفر:
حمله على ظهره، والزفر الحمل على الظهر. جرابه: وعاء خبزه. عصابة: جماعة.
صدق المقال، أي صادقين في قولهم، وصدق جمع صدوق، وعدل عن صدوق على جهة المبالغة في صدقة. مقاولا: ملوكا. فاقوا: فضلوا، وزادوا عليهم. فضائلا: جمع فضيلة، وهي ما تفضل به غيرك من الأفعال المحمودة مأثورة: متحدّث بها.
فواضلا: عطايا وأيادي، الواحدة فضيلة، وفواضل المال: ما يأتيك من مرافقتك وعكسه.
ومن كلام العرب: إذا عزب المال قلّت فواضله، أي قلّ انتفاع ربّ الإبل بلبنها إذا بعدت، قال الشاعر:
سأبغيك مالا بالمدينة إنّني ... أرى عازب الأموال قلّت فواضله (١)
قوله: «حاورتهم» خاطبتهم.
***
[سحبان وائل]
سحبان فصيح العرب، وهو سحبان بن زفر بن إياس بن عبد شمس الواثلي من واثل باهلة، وكان من فصحاء العرب وبلغائها، وبه يضرب المثل في البيان والفصاحة، فيقال: أفصح من سحبان.
ودخل عند معاوية وعنده خطباء القبائل، فلمّا رأوه خرجوا لعلمهم بقصورهم عنه، فقال: [الطويل]
لقد علم الحيّ اليمانون أنّني ... إذا قلت أمّا بعد أنّي خطيبها (٢)
فقال له معاوية: اخطب، فقال: انظروا لي عصا، فقالوا: وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ قال: وما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربّه! فأخذه في يده، فتكلّم من الظهر إلى أن كادت صلاة العصر تفوت، ما تنحنح ولا سعل، ولا توقّف ولا ابتدأ في معنى، فخرج منه وقد بقيت عليه فيه بقية، ولا مال عن الجنس الذي يخطب فيه، فقال معاوية: الصلاة! فقال: الصلاة أمامك، ألسنا في تحميد وتمجيد، وعظة وتنبيه،
стр. 449
ووعد ووعيد! فقال له معاوية: أنت أخطب العرب، فقال: العرب وحدها! بل أخطب الإنس والجن، فقال له معاوية: كذلك أنت.
وهو أوّل من قال: أما بعد، وأوّل من آمن بالبعث من الجاهليّة، وأوّل من توكأ على عصا، وعمّر مائة وثمانين سنة، وهو القائل يمدح طلحة بن عبيد الله، وهو طلحة الطلحات الخزاعي فقال فيه: [مجزوء الكامل]
يا طلح أكرم من مشى ... حسبا وأعطاهم لتالد (١)
منك العطايا فاعطني ... وعليّ مدحك في المشاهد
فقال له طلحة: احتكم، فقال: برذونك الورد، وقصرك بزرنج، وغلامك الخباز، وعشرة آلاف درهم، فقال له: أفّ أف لك! لم تسألني على قدري، إنما سألتني على قدرك وقدر باهلة، والله لو سألتني كلّ قصر لي وعبد ودابة لأعطيتك.
***
[باقل]
قوله: «باقلا»، هو من إياد، قيل من بني مازن. وقال حميد الأرقط في وصف ضيف أكثر من الطعام: [الطويل]
أتانا وما داناه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل (٢)
فما زال عنه اللّقم حتى كأنه ... من العيّ لمّا أن تكلّم باقل
والعرب تقول: إنّه لأعيا من باقل، ومن عيّه أنه اشترى ظبيا، فحمله على عنقه، فسئل عن ثمنه، فحلّ عنه يديه وفتح أصابعه، وأشار بها- وأخرج لسانه- يريد أنه بأحد عشر درهما، ولم يلهم أن يخبر عن سومه بلسانه- ولمّا عيّر باقل بفعله قال: [المتقارب]
يلومون في عيّه باقلا ... كأنّ الحماقة لم تخلق
فلا تكثروا العتب في عيّه ... فللعيّ أجمل بالأموق
خروج اللسان وفتح البنان ... أخفّ علينا من المنطق
الأموق: الأحمق. قوله: «حللت» نزلت. سائلا: طالبا معروفهم جودا: كرما.
سائلا: جاريا. حيا: مطرا كثيرا.
والوابل: أشدّ المطر، يريد أنهم كانوا يزيدون عليهم في الفضل.
***
стр. 450
ثمّ خطا قيد رمحين، وعاد مستعيذا من الحين، وقال: يا عزّ من عدم الآل، وكنز من سلب المال، إنّ الغاسق قد وقب، ووجه المحجّة قد انتقب، وبيني وبين كنّي ليل دامس، وطريق طامس، فهل من مصباح يؤمّنني العثار ويبيّن لي الآثار؟
***
خطا: مشى ونقل خطاه. قيد: قدر. مستعيذا: مستجيرا. الحين: الموت. عدم الآل: فقد الأهل، يقول: أنتم عزّ لمن فقد أهله، وكنز لمن أخذ ماله. الغاسق: القمر.
عائشة ﵂ قالت: نظر النبيّ ﷺ إلى القمر، فقال: «يا عائشة استعيذي بالله من شرّ هذا، فإنّ هذا هو الغاسق إذا وقب» (١)، يعني من شرّه إذا كسف. ووقب القمر: يقب وقوبا: دخل في الظلام الذي يكسفه، وكلّ ما غاب فقد وقب. المحجّة:
الطريق. انتقب: استتر، وجعل من الظلام نقابا. وكنّي: منزلي. دامس: مظلم. طامس:
دارس؛ لأن الظلام لمّا غطاه كأنه محاه. الآثار: الطرق التي أثر فيها المشي.
***
[مما قيل في الشمع]
قال الصابي في شمعة، وذكر هذا المعنى: [البسيط]
وليلة من محاق الشّهر مدجنة ... لا النجم يهدي السّرى فيها ولا القمر
كلفت نفسي بها الإدلاج ممتطيا ... عزما، هو الصارم الصّمصامة الذّكر
إلى حبيب له في النّفس منزلة ... ما حلّها قبله سمع ولا بصر
ولا دليل سوى هيفاء مخطفة ... تهدي الرّكاب وجنح الليل معتكر
غصن من الذّهب الإبريز أثمر في ... أعلاه ياقوتة صفراء تستعر
تأتيك ليلا كما يأتي المريب فإن ... لاح الصبّاح طوتها دونها الجدر
وقال آخر في مثله: [الطويل]
لنا شمعة نيطت ذراها بشعلة ... كحقّة تبر علّقت بلسانها
إذا عثر الساري بذيل من الدّجا ... نحرنا له قلب الدّجى بسنانها
تفك قيود اللّيل عن كل زائر ... فتجري بها الرّجلان ملء عنانها
إذا ما أحسّت بالصباح تمارضت ... كنرجسة قد أذبلت بمكانها
تموت إذا ما قبّلت خدّ حائط ... فتثبت خالا فوقه من دخانها
стр. 451
كأنّ الجراد امتصّ جوهر روحها ... ولم يمتنع منها سويدا جنانها
وقال النّمريّ: [المتقارب]
ولمّا دجا الليل مزقته ... بروح ينحف جثمانها
بشمع أعير قدود الرماح ... يحاكي ذراها وألوانها
غصون من التبر قد ركّبت ... لهيبا يزيّن أفنانها
فيا حسن أرواحها في الدجى ... وقد أكلت فيه أبدانها
***
قال: فلمّا جيء بالملتمس، وجلّي الوجوه ضوء القبس، رأيت صاحب صيدنا، هو أبو زيدنا.
فقلت لأصحابي: هذا الّذي أشرت إلى أنّه إذا نطق أصاب، وإن استمطر صاب.
فأتلعوا نحوه الأعناق، وأحدقوا به الأحداق، وسألوه أن يسامرهم ليلته، على أن يجبروا عيلته. فقال: حبّا لما أحببتم، ورحبا بكم إذ رحّبتم، غير أنّي قصدتكم وأطفالي يتضوّرون من الجوع، ويدعون لي بوشك الرّجوع، وإن استراثوني خامرهم الطّيش، ولم يصف لهم العيش، فدعوني لأذهب فأسدّ مخمصتهم، وأسيغ غصّتهم، ثمّ أنقلب إليكم على الأثر، متأهّبا للسّمر إلى السّحر.
فقلنا لأحد الغلمة: اتّبعه إلى فئته، ليكون أسرع لفيأته، فانطلق معه مضطبنا جرابه، ومحثحثا إيابه.
***
قوله: «الملتمس»، أي المطلوب وهو المصباح، والقبس ضوأه. جلا: كشف.
صاحب صيدنا، أي الذي اصطاد أموالنا. استمطر: سئل المطر. صاب: وقع وقعا شديدا، وكنى بالمطر الصّوب عن العلم الكثير. أتلعوا: مدّوا، وأتلع الرجل: نصب عنقه ومدّها، وتطاول لينظر شيئا. أحدقوا: حلّقوا وأحاطوا، والأحداق: سواد العين الأعظم:
عيلته: فقره يتضوّرون: يصيحون. ابن الأنباري: وقولهم: تركته يتضوّر، معناه يظهر الضرّ الذي وقع به بالتقلقل والاضطراب والصياح، فيتضوّر، يتفعّل من الضّور، والضّور بمعنى الضّير، ويقال: ضرّني يضرّني ضرّا، وضارني يضيرني ويضورني ضيرا وضورا
стр. 452
بمعنى. وشك: سرعة. استراثوني: استبطئوني. خامرهم: خالطهم. الطيش: الخفّة وذهاب العقل من الجوع. أسدّ مخمصتهم: أزيل جوعهم. والغصة: ما يختنق به وإساغتها: تسهيلها حتى تبتلع. انقلب على الأثر، أي في الحين وفي الطريق الذي أمضى فيه. أرجع: أمشي على أثري فيه مسرعا، قبل أن يمشي غيري فيغيّره، فهذا معنى أنقلب على الأثر. متأهّبا: مستعدّا. فيئته: رجوعه. مضطبنا: حاملا على ضبنه وهو خصره.
محثحثا: معجّلا. إيابه: رجوعه.
***
فأبطأ بطءا جاوز حدّه، ثمّ عاد الغلام وحده، فقلنا له: ما عندك من الحديث عن الخبيث؟
فقال: أخذني في طرق متعبة، وسبل متشعّبة، حتّى أفضينا إلى دويرة خربة، فقال: هاهنا مناخي، ووكر أفراخي. ثمّ استفتح بابه، واختلج منّي جرابه، وقال:
لعمري، لقد خفّفت عنّي، واستوجبت الحسنى منّي، فهاك نصيحة هي من نفائس النّصائح، ومغارس المصالح، وأنشد: [المتقارب]
إذا ما حويت جنى نخلة ... فلا تقربنها إلى قابل
وإمّا سقطت على بيدر ... فحوصل من السّنبل الحاصل
ولا تلبثنّ إذا ما لقطت ... فتنشب في كفّة الحابل
ولا توغلنّ إذا ما سبحت ... فإنّ السّلامة في السّاحل
وخاطب بهات، وجاوب بسوف ... وبع آجلا منك بالعاجل
ولا تكثرنّ على صاحب ... فما ملّ قطّ سوى الواصل
***
الخبيث، قال أبو الهيثم: الخبيث: الذكر من الشياطين وجمعه خبث. أبو عبيدة:
الخبيث: ذو الخبث في تفسيره. متشعّبة: متفرّقة، وتشعّب الطريق: خرجت منه شعب إلى كل جهة، أي طرق أخر، فأراد أنه خلط عليه بحيث لا يهتدى إلى منزله، فكان يخرجه من طريق إلى طريق. أفضينا: وصلنا، وهو من الفضاء. مناخي: منزلي، وأصله موضع إناخة البعير. وكر أفراحي: عشّ أولادي. استفتح: ضرب وقال: افتحوا الباب.
اختلج: أخذ بسرعة. جرابه: وعاء زاده. الحسنى: الفعل الحسن. هاك: خذ النّفائس:
الذخائر: الرّقاع. مغارس: مواضع يغرس فيها. المصالح: جمع مصلحة، مفعلة من الصلاح. حويت: جمعت وحزت. جنى نخلة: هو التمر. بيدر: أندر الزرع، يسمّى بالشأم أندر، وبالعراق بيدر. حوصل: اجعل في حوصلتك وهي للطائر في الأصل.
стр. 453
كفّة: شبكة. الحابل: الصائد. توغلنّ: تكثرنّ الدخول. سبحت: عمّت. السّاحل: ما ولي الماء من الأرض، وهو فاعل بمعنى مفعول، لأنّ الماء سحله أي قشره وأخذ عشبه، كما تسحل الحديدة بالمبرد، أي تبرد بالمبرد، والسّحالة: ما سقط من المسحول.
وخاطب بهات: عكس قول الصاحب، وقد أهدى إليه العميريّ قاضي قزوين هديّة وكتبت معها: [الخفيف]
العميريّ عبد كافي الكفاة ... ومن اعتدّ في وجوه القضاة
خدم المجلس الرفيع بكتب ... مفعمات من حسنها مترعات
فوقّع تحتها: [الخفيف]
قد قبلنا من الجميع كتابا ... ورددنا لوقتها الباقيات
لست أستغنم الكثير فطبعي ... قول خذ، ليس مذهبي قول هات
قوله: «آجلا» ضد عاجل. وقوله: «ولا تكثرن على صاحب»، أي لا تكثر من الزيارة وأقللها خشية الملل. وروى قدامة بن جعفر أنّ رجلا كتب إلى آخر: إن رأيت أن تحدّد لي موعدا لزيارتك أتوقّته إلى وقت رؤيتك فيؤنسني إلى حين، فافعل.
فأجابه الآخر: أخاف أن أعدك وعدا يعرض دون الوفاء به ما لا أملك دفعه، فتكون الحسرة أعظم من الفرقة.
فأجابه: إنما أسرّ بموعدك، وأكون جذلا با
стр. 454
أتاني هدوّ وعين الرّقي ... ب مطروفة بالكرى الغامر
وأحبب به يسعف الهاجعين ... وتحرمه مقلة السّاهر
وعهدي بتمويه عين المحبّ ... تنمّ على قلبه الطّائر
فلمّا التقينا برغم الرّقا ... دموّه قلبي على ناظري
قال الرضيّ: قلت هذه الأبيات سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وتداول أهل الأدب إنشادها، واستغربوا هذا المعنى، وشهدوا أنه مخترع لم يسمع، فلما تصفّحت ديوان شعر أبي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وجدت بخطه في الجزء الثاني من شعره:
[الخفيف]
إن طيف الخيال زار طروقا ... والمطايا بين القنان وشعب
زارني واصلا على غير وعد ... وانثنى هاجرا على غير ذنب
كان قلبي إليه رائد عيني ... فعلى العين منّة للقلب
كان عندي أنّ الغرور لطرفي ... فإذا ذلك الغرور لقلبي
فلا أدري: هل قصد نظمها حتى لا يخلي شعره من هذا المعنى، أو أنسي سماعه مني، وقذف به خاطره، وكثيرا ما يلحق الشعراء ذلك، فيتواردون في بعض المعاني المسبوق إليها، وقد كانوا سمعوها فأنسوها؛ والخواطر مشتركة، والمعاني معترضة لكل خاطر، وكيفما جرى الأمر فالعنصر واحد.
***
ثم قال: اخزنها في تامورك، واقتد بها في أمورك، وبادر إلى صحبك، في كلاءة ربّك، فإذا بلغتم، فأبلغهم تحيّتي، واتل عليهم وصيّتي، وقل لهم عنّي: إنّ السّهر في الخرافات، لمن أعظم الآفات، ولست ألغي احتراسي، ولا أجلب الهوس إلى رأسي.
قال الرّاوي: فلمّا وقفنا على فحوى شعره، واطّلعنا على نكره ومكره، تلاومنا على تركه، والاغترار بإفكه.
ثمّ تفرّقنا بوجوه باسرة، وصفقة خاسرة.
***
قوله: «اخزنها في تامورك»، أي اجعلها في قلبك، والتّامور: حجاب القلب، وقيل: دم القلب. كلاءة: حفظ وكلأه يكلؤه: حفظه.
الخرافات: أحاديث اللهو والأباطيل، قال الخليل: الخرافة الحديث المستملح في
стр. 455
الكذب. أبو عبيدة: كان خرافة رجلا صالحا سبته الجنّ، فرأى منهم عجائب فحدّث بها، فيقال في كلّ حديث يستغرب: كأنه حديث خرافة.
ألغي: أترك. الحتراسي: تحفّظي. الهوس: يبس الرأس، يتولّد من كثرة السهر.
فحوى: معنى. نكره: منكره ودهائه. تلاومنا: لام بعضنا بعضا. الاغترار: الانخداع.
إفكه: كذبه. باسرة: عابسة، وبسر وجهه بسورا: عبّسه. وصفقة خاسرة، أي تجارة ومبايعة ناقصة.
***
стр. 456
المقامة السّابعة عشرة القهقريّة
حدث الحارث بن همام قال: لحظت في بعض مطارح البين، ومطامح العين، فتية عليهم سيما الحجا، وطلاوة نجوم الدّجى. وهم في مماراة مشتدّة الهبوب، ومباراة مشتطة الألهوب، فهزّني لقصدهم هوى المحاضرة، واستجلاء جنى المناظرة.
فلمّا التحقت برهطهم، وانتظمت في سمطهم، قالوا: أأنت ممن يبلى في الهيجاء، ويلقي دلوه في الدّلاء؟ فقلت: بل أنا من نظارة الحرب، لا من أبناء الطّعن والضّرب. فأضربوا عن حجاجي، وأفاضوا في التّحاجي.
***
لحظت: نظرت. مطارح: جمع مطرح، وهو الموضع تطرح فيه نفسك، أي ترميها فيه.
البين: الفراق، فيريد بمطارح البين البلاد التي طرحه فيها البين ورماه إليها. ومطامح العين:
المواضع الحسان التي تطمح فيها العين بالنّظر، أي ترتفع إليها. سيما الحجا: علامة العقل، والسّيما من وسمت الشيء وسما إذا علّمته، وأصله «وسمى»، فحوّلت الواو من موضع الفاء إلى العين. فصار سومي، فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. طلاوة: حسن. الدّجا: الظّلمة.
المماراة: الخصام. مشتدّة: كبيرة الحركة. والشدّ: الجري. الهبوب: مجيء الريح: مباراة:
معارضة. مشتطّة: ممتدّة متجاوزة الحدّ. الألهوب: الجري الشديد، فأراد أن حركة الكلام بينهم في المناظرة شديدة. والمحاضرة: مجالسة العلماء. مناظرة: سؤال العالم لتعلم حسن نظره وقدر معرفته. جناها: فوائدها. رهطهم: جماعتهم. انتظمت في سمطهم، أي جلست بينهم. يبلى في الهيجاء: يقاتل في الحروب. النظارة: القوم يقعدون في موضع مرتفع من الأرض ينظرون منه القتال ولا يشهدونه، فأراد أنني ممن يحضر معكم للاستماع، لا للمناظرة.
الحجاج: مصدر حاجّة، تقول: حاججت فلانا إذا أوردت عليه الحجّة وأوردها عليك، فإن غليته قلت: حججته. أفاضوا في الأحاجي: اندفعوا فيالألغاز.
***
وكان في بحبوحة حلقتهم، وإكليل رفقتهم، شيخ قد برته الهموم، ولوّحته السّموم، حتّى عاد أنحل من قلم، وأقحل من جلم، إلا أنه كان يبدي العجاب، إذا
стр. 457
أجاب، وينسي سحبان، كلّما أبان. فأعجبت بما أوتي من الإصابة، والتّبريز على تلك العصابة، وما زال يفضح كلّ معمّى، ويصمي في كلّ مرمى، إلى أن خلت الجعاب، ونفد السؤال والجواب.
فلمّا رأى إنفاض القوم، واضطرارهم إلى الصّوم، عرّض بالمطارحة، واستأذن في المفاتحة.
فقالوا له: حبّذا، ومن لنا بذا!
***
بحبوحة: وسط. إكليل: دائرة، وأصلها عصابة مكلّلة بالدرّ والياقوت، تعتمد على رءوس الملوك. رفقتهم: جماعتهم. برته: أذهبت لحمه. لوّحته: غيّرته وأضمرت جسمه. السّموم: الريح الحارّة. أقحل: أيبس.
جلم: مقصّ، وأكثر ما يستعمل مثنّى، فيقال: جلمان، والعجب من أبي محمد يقول في الدرّة: ويقولون: قرضت بالمقراض، وقصصت بالمقصّ فيهمون، كما وهم بعض المحدثين حين قال في صفة مزنون بالقيادة، وإن كان قد أبدع في الإجادة: [السريع]
إذا حبيب صدّ عن إلفه ... تيها وأعيا كلّ روّاض
ألّف فيما بين شخصيهما ... كأنّه مسمار مقراض
قال: والصّواب أن يقال: مقراضان ومقصّان وجلمان، لأنهما اثنان.
فما منعه غيره أباحه هنا لنفسه، فقال: أقحل من جلم، ولا نقول كما قال: إنه وهم، بل نقول: إنها لغة قليلة.
قال يعقوب: والجلم الذي يجزّ به، وقال رجل من الأزد في مفرد مقراض:
فعليك ما اسطعت الظّهور بلمّتي ... وعليّ أن ألقاك بالمقراض
وقال الراجز في مفرد الجلم: [الرجز]
* وجلم كريشة الوقواق*
والوقواق: الخطّاف، والجسم النّحيل يشبّه بالقلم والجلم، وقلب الشاعر التشبيه وألغز بالقلم، فقال: [المتقارب]
ضئيل الرّواء كثير الغناء ... من البحر في المنصب الأخضر
كمثل أخي العشق في شخصه ... وفي لونه من بني الأصفر
وقال ابن أبي لبابة في جلم: [الوافر]
ومعتنقين ما اتّهما بعشق ... وإن وصفا بضمّ واعتناق
стр. 458
لعمرو أبيك ما اجتمعا لمعنى ... سوى معنى القطيعة والفراق
وتقدّم في الثانية من أبيات المعاني فيه: [البسيط]
ارعت مراتع مدراها على وهن ... صنوين إن أفردا لم يرعيا أبدا
أبان: بيّن. التّبريز: الظهور والخروج قبلهم.
العصابة: الجماعة. يفضح: يشهر عيبه. معمّى: مستور. يصمي: يصيب المقتل.
خلت الجعاب: أي أفرغ الكلام، والجعبة: وعاء السهام، فكنى بها عن القلوب، وبالسهام عن الكلام الذمي يصدر عنها.
الإنفاض: فناء الزاد، وقد أنفض القوم، وأراد نفاد ما عندهم من العلم. الصّوم:
السّكوت والإمساك عن الكلام.
المطارحة، أصلها في الغناء، وهو ما يأخذه المتعلّم عن المعلّم وعرّض بها، أي ذكرها. المفاتحة: استفتاح الكلام.
***
فقال: أتعرفون رسالة أرضها سماؤها، وصبحها مساؤها، نسجت على منوالين، وتجلّت في لونين، وصلّت إلى جهتين، وبدت ذات وجهين، إن بزغت من مشرقها، فناهيك برونقها، وإن طلعت من مغربها، فيا لعجبها!
قال: فكأن القوم رموا بالصّمات، أو حقّت عليهم كلمة الإنصات. فما نبس منهم إنسان، ولا فاه لأحدهم لسان، فحين رآهم بكما كالأنعام، وصموتا كالأصنام، قال لهم: قد أجّلتكم أجل العدّة، وأرخيت لكم طول المدّة، ثمّ هاهنا مجمع الشمل، وموقف الفصل، فإن سمحت خواطركم مدحنا، وإن صلدت زنادكم قدحنا، فقالوا له: والله ما لنا في لجّة هذا البحر مسبح، ولا في ساحله مسرح، فأرح أفكارنا من الكدّ، وهنّئ العطيّة بالنّقد، واتّخذنا إخوانا، يثبون إذا وثبت، ويثيبون متى استثبت.
فأطرق ساعة، ثم قال: سمعا لكم وطاعة، فاستملوا منّي، وانقلوا عنّي ...
***
أرضها سماؤها: يريد أعلاها أسفلها. صبحها مساؤها: أولها آخرها. المنوال:
خشبة الحائك، أراد أنها نسجت من الطّرفين، لأنّك تبتدئها بالقراءة إن شئت من أولها، وإن شئت من آخرها.
بزغت: طلعت. ناهيك: كافيك.
стр. 459
رونقها: حسنها، والرّونق: صفاء الوجه وحسنه ونعمته.
الصّمات: السكوت، والإنصات مثله. نبس: تكلم. الأنعام: المواشي.
أجّلتكم: أخّرتكم والعدّة هنا: عدة الموت، لأنها أطول العدد، ألا ترى أنه أرخى لهم طول المدة؛ والطّول: الحبل. والشّمل: الاجتماع. الفصل: القضاء، يقول: قد طوّلت لكم الأمد لتستخبروا هذه الرسالة، وفي هذا الموضع يكون اجتماعنا ويفصل فيه بين العارف وضده.
خواطركم: أذهانكم. صلدت: شحت. قدحنا: ضربنا زند النار، يقول: إن عرفتموها مدحناكم وإن جهلتموها عرّفناها لكم، وجعل صلود الزند كناية عن جمود القرائح.
لجّة: معظم الماء. مسبح: موضع يسبح فيه، أي يعام. مسرح: موضع يسرح فيه، أي يمشي ويتصرّف. الكد. الجهد والتعب. هنيء: طيّب. النقد: حضور المال. يثبون:
يقومون لقيامك. يثيبون: يهبون الثواب. استثبت: طلبت الثواب. استملوا: اكتبوا.
***
الإنسان صنيعة الإحسان، وربّ الجميل فعل النّدب، وشيمة الحرّ ذخيرة الحمد، وكسب الشّكر استثمار السّعادة، وعنوان الكرم تباشير البشر، واستعمال المداراة يوجب المصافاة، وعقد المحبّة يقتضي النّصح، وصدق الحديث حلية اللّسان، وفصاحة النّطق سحر الألباب، وشرك الهوى آفة النّفوس، وملل الخلائق شين الخلائق، وسوء الطّمع يباين الورع، والتزام الحزامة زمام السّلامة، وتطلّب المثالب، شرّ المعايب، وتتبّع العثرات، يدحض المودّات، وخلوص النّيّة، خلاصة العطيّة. وتهنئة النّوال ثمن السّؤال، وتكلّف الكلف، يسهّل الخلف، وتيقن المعونة يسنّي المئونة، وفصل الصّدر، سعة الصدر، وزينة الرّعاة، مقت السّعاة، وجزاء المدائح، بثّ المنائح، ومهر الوسائل، تشفيع المسائل، ومجلبة الغواية، استغراق الغاية، وتجاوز الحدّ يكلّ الحدّ.
***
صنيعة: ما يصطنعه الإنسان لغيره من الخير، يريد أن الإنسان أهل الإحسان، وإن عكست قلت: الإحسان صنيعة الإنسان، أي إصلاح الإحسان وتتميمه من صنع من يوصف بالإنسانيّة وقد تقدّم: [المتقارب]
* وما فيهم من يربّ الصّنيع*
وقال أعرابيّ لعبد الملك بن مروان: [الطويل]
يرب الّذي يأتي من الخير إنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمّما
стр. 460
وليس كبان حين تمّ بناؤه ... تتبّعه بالنّقض حتى تهدّما
فمعنى يربّ، هو قوله: زاد وتمّما.
النّدب: السّيّد الخفيف: شيمة: طبيعة. الذخيرة: الشيء الرفيع من مال أو غيره، والادخار كالاقتناء. استثمار: تناول الثمر: عنوان: دليل: تباشير: أوائل، وتباشير الصبح: طرائق ضوئه في الليل؛ ويقال للطرائق التي تراها على وجه الأرض من آثار الرياح: التّباشير. البشر: طلاقة الوجه. المداراة: خداع القلوب بلطف الكلام، ومداراة الناس: معاملتهم بما يحبّون. المصافاة: إخلاص الصحبة. عقدها: ربطها. يقتضي:
يتضمّن. حلية: زينة. الألباب: العقول. الهوى: ما يهواه الإنسان ويميل إليه. آفة: داء.
الخلائق: الناس. شين: عيب. الخلائق: الطبائع، يقول: الملل في الناس يعيب أخلاقهم. سوء الطمع: كثرة الحرص. تباين: تباعد. الورع: الكف عمّا فيه إثم، وقد ورع الرجل يرع ورعا ورعة؛ إذا كفّ عمّا لا يحلّ، والورع بفتح الراء: الجبان، وقد ورع وورع، وقال عروة بن أذينة في ذمّ الطمع: [البسيط]
لقد علمت وخير القول أصدقه ... بأنّ رزقي وإن لم آت يأتيني
أسعى له فيعنيني تطلّبه ... وإن قعدت أتاني لا يعنيني
لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وعقة من قوام العيش تكفيني (١)
وأنشد الحريريّ البيت الأول في الدرة: [البسيط]
لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني (٢)
قال: فيروي أكثرهم «الإسراف» بالسين المهملة، وروى بعضهم بالشين المعجمة، ليكون معناه التطلّع إلى الشيء والاستشراف إليه.
***
[عروة بن أذينة وهشام بن عبد الملك]
قال: ولهذا البيت حكاية تحثّ على استشعار اليقين، وإعلاق الأمل بالخالق دون