ومثل قوله: [مجزوء الكامل]
ووتّرت أرباب الأرا ... ئك والدّرانك والسّجوف
وهي كثيرة، وفي الخمسين له كلام لا يليق إلا بالدهر، فجعل أخذ الحارث من أبي زيد، كناية عن علم الحريريّ بما جرّب من صروف الدهر.
قوله: «اقتعدت» أي ركبت، وأصله اتخذت قعدة أو قعودا، وهما اسمان للبعير يقعد عليه راكبه. والغارب: مقدّم سنام البعير. والاغتراب والغربة: التحوّل في البلدان والبعد عن الأوطان، وسيأتي ما أصلهما، وأراد: لما اتخذت ظهر الغربة قعودا. أنأتني:
أبعدتني. المتربة: الفقر. الأتراب: الأصحاب على سنن واحد. طوّحت: رمت.
وطوائح: نوائب؛ تقول: طوحت بالرجل، إذا رميت به إلى الهلاك، وقياس الطوائح المطاوح لأنك تقول: طوّحت فهي مطوحة والجمع مطوحات ومطاوح. قال أبو عبيد: جاءت الطوائح على حذف الزيادة، وردّ الفعل إلى أصله، فإنه من طاحت فهي طائحة، والجمع طوائح، قال أبو عمرو الشيبانيّ: جاءت على النّسب، مثل لابن وتامر، أي ذو لبن وذو تمر وذات تطويح، قال الشاعر: [الطويل]
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط ممّا تطيح الطوائح (١)
ومثله وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر: ١٥]: تقديره ملاقح، لأنك تقول:
ألقحت الريح السحاب إذا جمعته وألقته، وضارع مرتفع بمضمر تقديره: يبكيه ضارع، وهو الذليل.
***
[صنعاء]
صنعاء، بلد باليمن، وأضافها إلى اليمن، لأن ثمّ صنعاء أخرى، وهي قرية بدمشق. وكان اسم صنعاء في القديم «أزال»، قال ابن الكلبيّ والشرقي (٢): ولما وافتها الحبشة قالوا: نعم، فسمّى جبلها نعم أي انظر، فلما نظروا إلى مدينتها ورأوها حصينة مبنية بالحجارة قالوا: هذه صنعاء، وتفسيرها هنيّة، فسميّت صنعاء.
وحكى الهمذاني قال: وأهل صنعاء يقولون في الإسلام: إنها القرية المحفوظة، وأنهم
стр. 37
سمعوا هاتفا يقول في بعض أيام من حاربهم: كلّ عليك يا أزال، وأنا أتحنن عليك!
وأقدم قصور اليمن وأنبهها ذكرا، وأبعدها صيتا غمدان وقصر أزال، وهي صنعاء.
والذي أسس غمدان وابتدأ بنيانه واحتفر بئره الذي هو اليوم سقاية لمسجد جامع صنعاء، سام بن نوح ﵇، على ما يذكره علماء صنعاء واليمن، وذلك أنّه لما مات نوح اجتوى بعده السكنى في الأرض الشمالية، فأقبل طالعا في الجنوب يطلب أطيب البلاد، حتى صار إلى الإقليم الأول، فوجد اليمن أطيبه مسكنا، وصنعاء أطيب اليمن، فوضع مقراته- وهى الخيط الذي يقدر به البناء ويبنى على حده- فوضع الأساس في ناحية فجّ غمدان في غربيّ الجبل، وهو اليوم معروف بصنعاء، فلما ارتفع بعث الله طائرا، فاختطف المقراة فطار بها، وتبعه سام، لينظر أين يقع؛ فأمّ بها جنوب النّعم من سفح نعم، فوقع بها، فلما اتبعه طار بها، وطرحها على حرّة غمدان، فلما قرّت، علم سام أنه قد أمر بالبناء هنالك؛ فأسس غمدان. واحتفر بيده بئره المسمى كرامة. ويستقى منها إلى اليوم لكنها أجاج.
خاوي الوفاض: فارغ المزاد، ويقال: خوى الرّجل، إذا سجد فترك بين جسده وبين الأرض خواء، وخوى البعير: برك على هذه الحال. والوفاض: جمع وفضة وهي شبه الجراب، وهي أيضا كنانة السهام إذا كانت من جلد لا من خشب، فإن كانت من خشب مجلد أو غير مجلد فهي كنانة أو جعبة.
ابن سيده في المحكم: الوفضة خريطة يحمل فيها الراعي أداته وزاده. والوفضة:
جعبة السهام. قال أبو منصور الأزهري معنى قول النبي ﷺ «أنه أمر بصدقة [أن] توضع في الأوفاض» (١): إنهم أخلاط الناس. قال الفراء: هم أهل الصّفّة. أبو عبيد: هذا كله عندنا واحد؛ لأن أهل الصّفّة أخلاط من قبائل شتّى، ويمكن أن يكون مع كل واحد منهم وفضة، فعلى هذا من قصر الوفضة على الجعبة، وخطأ الحريري بأن الزاد لا يكون في الجعبة، فهو المخطي والجاهل باتساع اللغة. بادي الإنفاض: ظاهر الفقر، وقد أنفض، إذا فنى زاده. وأنفض الجراب إذا انتفض وسقط ما من فيه من بقية الزاد، ومنه قولهم:
النّفاض يقطّر الجلب، أي فناء زادهم يجعل إبلهم قطارا، أي مربوطة بعضها خلف بعض، تساق إلى السوق فتباع، فيأكلون ثمنها، قال الهذلي: [المتقارب]
له ظبية وله عكّة ... إذا انفض القوم لم ينفضّ (٢)
ظبية: جريب صغير من جلد ظبي. بلغة: زاد للمسافر يبلغ به من يومه إلى
стр. 38
غده، الجراب: وعاء من جلد يصنع للزاد- مضغة: لقمة.
***
فطفقت أجوب طرقاتها مثل الهائم، وأجول في حوماتها جولان الحائم، وأرود في مسارح لمحاتي، ومسايح غدواتي وروحاتي، كريما أخلق له ديباجتي، وأبوح إليه بحاجتي، أو أديبا تفرّح رؤيته غمّتي، وتروي روايته غلّتي؛ حتى أدّتني خاتمة المطاف وهدتني فاتحة الإلطاف إلى نادر رحيب، محتو على زحام ونحيب، فولجت غابة الجمع، لأسبر مجلبة الدّمع، فرأيت في بهرة الحلقة، شخصا شخت الخلقة، . عليه أهبة السّياحة، وله رنّة النّياحة، وهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه ويقرع الأسماع بزواجر وعظه، أحاطت به أخلاط الزمر إحاطة الهالة بالقمر، والاكمام بالثمر، فدلفت إليه لأقتبس من فوائده، وألتقط بعض فرائده، فسمعته يقول حين خبّ في مجاله وهدرت شقاشق ارتجاله:
***
طفقت: أخذت وجعلت، ومعناها ابتداء الفعل والدخول فيه. أجوب: أقطع وأخرق، وجوب الأرض: قطعها بالمشي، الهائم: الحيران. أجول: أتصرف. حوماتها:
جهاتها، الحائم: الطائر العاطش يحوم حول الماء، أي يدور به، أراد: ألتمس المسارح:
مراعي البهائم. لمحاتي: نظراتي، يريد المواضع التي يسرح عينيه فيها بالنظر، مسايح:
مسالك، أراد طرقه التي يسير فيها بالمشي بالغدوّ والعشيّ، والسيح: الماء الجاري على وجه الأرض، وتكون المسائح أيضا جمع مسيحة أو مسحة، وهي الطوافة، من قولك:
مسحت البيت، أي طفت به، فيكون على هذا «فعائل» ميمها أصيلة، وعلى الأول «مفاعل». أخلق: أهين، ديباجتي: جلدة وجهي، يريد أنه يخلق وجهه بالمسألة كما يخلق الثوب، وهذا من قول النبي ﷺ : «المسألة كدوح وخدوش في وجه صاحبها» (١) وقوله ﷺ : «لا تزال المسألة بالرّجل حتى يلقى الله ، وما على وجهه مزعة لحم» (٢)، أي قطعة. أبوح: أذكر، حاجتي: فقري. تفرّج: تزيل. غمّتي: غمّي وما يضيق نفسي. غلّتي: عطشي. أدتني: أوصلتني. خاتمة المطاف: آخر المشي هدتني: دلتني.
والإلطاف: حسن السؤال وفاتحته، أراد به سؤالك من تلقى في الطريق إذا دخلت بلدا غريبا، فإذا سألت بتلطّف أرشدت بسرعة، فسؤالك هو الذي فتح لك الطريق. ويقال:
لطف سؤال الرجل، إذا رقّ لفظه ولم يكن فيه جفاء، فتقبله القلوب، وألطف الرجل
стр. 39
سؤاله، إذا سألك بحنان وتلطف، واللطف الرفق، وألطفتك أيضا: بررتك وأكرمتك.، فالإلطاف مصدر ألطف، ويروي: «الألطاف» جمع لطف وهو الرّفق، يقال: لطف الله بالعباد لطفا رفق بهم رفقا، وهو راجع إلى الأول. ناد مجلس. رحيب: واسع محتو:
مشتمل، نحيب: بكاء. ولجت: دخلت، غاية الجمع: وسط الناس، وأصل الغابة الشجر الملتف يغيب فيه من يدخله، لأسبر: لأفتش، وأراد دخلت بين الناس لأجرب وأعرف ما الذي أبكاهم وجلب دموعهم. ويروي «محلبة» بالحاء، وهي من الحلب، يقال: انحلبت عينه، إذا سالت بالدمع. بهرة: وسط. شخت: دقيق ورقيق، والشّخّت: الحطب الرقيق. أهبة السياحة: آلة العبادة وهي مثل العصا وركوة الماء وثياب الصوف وغير ذلك. يطبع الأسجاع، أي يرتبها ويصنعها، تقول: طبعت الدرهم والسيف إذا صنعتهما، وطبعت الكتاب إذا ختمته، وكانت الملوك تكتب في فصوص خواتمها «لا إله إلا الله» و «الملك لله» وتطبع بذلك كتبها هذا المعني أليق بطبع الأسجاع، أي يزينها ويختمها بجواهر كلامه، ومن روى «الجواهر» باللام فعلى «يصنعها» لا غير، والتفسير على الروايتين أخذته عن أبي ذرّ. والأسجاع الكلام المفقر، له قافية. كقافية الشعر، وكان من كلام الكهّان، وهذه الموعظة التي في المقامة من الأسجاع، وسجعت الحمامة، إذا غنّت على طريقة واحدة، يقرع: يضرب. الأسماع: الآذان. زواجر: نواه، وزجره: نهاه وانتهره. أحاطت؛ حلّقت: أخلاط: أصناف. مختلطون. الزّمر: الجماعات. الهالة:
الدارة حول القمر من نوره، والطّفاوة: الدارة حول الشمس. والساهور: هو غلاف القمر الذي يستتر فيه ما نقص منه. الأكمام: جمع كم، وهو الغلاف الذي ينشق عن الثمر ويحيط به وسمّي كما لأنه يستر ما تحته، والأكمام: جمع قليل، والكثير كمام، والثمر حمل الأشجار، دلفت: قربت. ودلف الشيخ في مشيته إذا أسرع من ضعف فقارب خطوه، اقتبس من فوائده: التمس وطلب أخذها واكتسابها، والفرائد: شذور الذهب تفصل ما بين الجواهر. خبّ في مجاله: أخذ في كلامه، والخبّ عدو سهل وهو الذي تسميه العامة السير، وفرس مسيار والمجال للخيل: موضع تصرّفها وجريها، هدرت:
صوّتت. شقاشق: جمع شقشقة، وهي النّفاخة يخرجها فحل الإبل من حلقه عند هياجه ورغائه، ويرجع فيها هديره؛ شبّه صوت الواعظ حين يرفعه ويزجر به الناس بصوت البعير يهيج ويتابع الهدير، قال الأخطل: [الوافر]
إذا هدرت شقاشقه ونشبت ... له الأظفار ترك له الهدار (١)
أراد: نشبت وترك، فخفف.
***
стр. 40
أيّها السّادر في غلوائه، السّادل ثوب خيلائه، الجامح في جهالاته، الجانح إلى خزعبلاته ... إلام تستمرّ على غيّك، وتستمرئ مرعى بغيك! وحتام تتناهى في زهوك، ولا تنتهي عن لهوك!
***
السّادر: الراكب هواه، لا يردّه شيء استطالة وبغيا، ويقال للذي يطيل الجلوس في الشمس حتى يتحير بصره: قد سدر فهو سادر. في غلوائه: في ارتفاعه للشرّ ولجاجة فيه، وهو من غلا يغلو في الأمر، إذا جاز الحدّ؛ فيقول: يا أيّها الأعمى الكثير اللجاج في ركوب المعاصي؛ هلّا نظرت بعين البصيرة، ورجعت عمّا أنت عليه من الضلال! السّادل: المرخي، خيلائه: كبره. الجامح: الجاري إلى غير غاية، وقد جمح الفرس إذا أكبّ رأسه، وجرى في غير قصد، فيريد أنه أكثر الفساد حتى جرى منه في غير طريق الجانح: المائل. الخزعبلات: الأباطيل، وهو ما يتراءى للإنسان في نومه من الخيال.
تستمرّ: تدوم في زورك. غيّك: ضلالك. تستمرئ: تستطيب من المريء، وهو ما يلتذ به من الطعام. بغيك: ظلمك. تتناهى: تبلغ النهاية، ونهاية الشيء، آخره، زهوك: كبرك وعجبك. اللهو: ما يشغل عن الخير من أنواع الطرب.
[ما قيل شعرا في ذم الكبر]
وقال القاضي أبو جعفر بن عمر في ذمّ الكبر وما يتعلق به: [الوافر]
ولا تنسب إلى كبر فهذا ... أبوك التّرب يخفضك انتسابا
ولا تصحب أخا كبر وقدّم ... على النّفس الأعادي والصّحابا
ولا تحبب محاباة بمدح ... كفى بالمرء حوبا أن يحابى
وحاذر أن ترى في القوم رأسا ... ولا تنس الذّنوب وكن ذنابى
ترابا كن هنا فعساك ألّا ... تمنّى أن تكون غدا ترابا
وقال أبو نواس: [البسيط]
حذّرتك الكبر لا يغشاك ميسمه ... فإنّه ملبس نازعته الله (١)
يا بؤس جلد على جوف مجوفه ... يحوي مقادير إن كلمته تاها
يرى عليك له فضلا يبين به ... إن نال في العاجل السلطان والجاها
إني لأمقت نفسي عند نخوتها ... فكيف آمن مقت الله إيّاها
وقال أبو العتاهية: [السريع]
стр. 41
عجبت للإنسان في فخره ... وهو غدا في قبره يقبر (١)
ما بال من أوّله نطفة ... وجيفة آخره يفخر!
أصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر
***
تبارز بمعصيتك، مالك ناصيتك، وتجترئ بقبح سيرتك على عالم سريرتك، وتتوارى عن قريبك، وأنت بمرأى رقيبك، وتستخفي من مملوكك، وما تخفى خافية على مليكك أتظنّ أن ستنفعك حالك إذا آذن ارتحالك! أو ينقذك مالك، حين توبقك أعمالك! أو يغني عنك ندمك، إذا زلّت قدمك! أو يعطف عليك معشرك، يوم يضمك محشرك!
***
قوله: «تبارز» أي تكاشف وتقابل، والبارز: الظاهر المنكشف، والناصية: شعر مقدم الرأس. تجترئ: تقدم وشجع. والجريء: الشجاع المقدام. سيرتك: عادتك، وجمعها سير وهي ما يعامل به الناس من خير أو شرّ، وتقول: سرت سيرة من خير أو شرّ، إذا أحدثتها فعمل بها الناس بعدك، فصارت عادة لهم ولذلك فسرّنا السيرة بالعادة حيث وقعت، وأصل السيرة هيئة فعل السّير، وذلك أنك تقول: جلس فلان جلسة بالفتح، وهي المرة الواحدة من جلوسه، فإذا كسرت الجيم فهي هيئة جلوسه، ومثله ركب ركبة والرّكبة هيئة ركوبه، وتقول: سار هذا الفعل سيرة، والسّيرة بالكسر: هيئة سيره في الناس من حسن أو قبح أو صواب أو خطأ، وسيرة رسول الله ﷺ : هيئة أفعاله حيث كانت. تتوارى: تستتر بمرأى من رقيبك، أي بمنظر ربّك أو بحيث يراك، ورقيب الشيء: حافظه وحارسه. ومليكك: مالكك، وأراد أنّ الإنسان إذا خلا بريبة، استتر بها عن أخيه وعبده حياء منهما، ولا يستحي من ربّه الذي يطّلع على معاصيه، ولا يخفى عليه خافية، وأشار إلى قوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ ... [النساء: ١٠٨]، وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: [البسيط]
إن كنت تعلم أن الله يا عمر ... يرى ويسمع ما يأتي وما تذر
وأنت في غفلة من ذاك تركب ما ... نهاك عنه، فأين الخوف والحذر!
تجاهر الله إقداما عليه، ومن ... حثالة النّاس تستحيي وتعتذر
وقال نابغة بني شيبان: [الخفيف]
стр. 42
إن من يركب الفواحش سرا ... حين يخلو بسرّه غير خال (١)
كيف يخلو وعنده كاتباه ... شاهداه وربّه ذو الجلال
وقال أبو نواس: [الطويل]
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت، ولكن قل عليّ رقيب (٢)
ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة ... ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب
لهونا لعمر الله حتى تراكمت ... ذنوب على آثارهن ذنوب
حالك: عزّتك ومالك. آن: حان وقرب. ارتحالك: انتقالك، توبقك: تهلكك، يقال: أوبقته الذنوب، أهلكته فوبق، أي هلك ووبق أيضا.
وقال أعشى همدان: [البسيط]
أستغفر الله أعمالي الّتي سلفت ... من عثرة يعاقبني بها أبق
زلّت: زلقت .. معشرك: قومك. محشرك: موضعك الذي تحشر إليه.
***
هلّا انتهجت محجّة اهتدائك، وعجلت معالجة دائك، وفللت شباة اعتدائك، وقدعت نفسك فهي أكبر أعدائك!
أما الحمام ميعادك فما إعدادك! وبالمشيب إنذارك، فما أعذارك، وفي اللّحد مقيلك، فما قيلك! وإلى الله مصيرك فمن بصيرك! طالما أيقظك الدّهر فتناعست، وجذبك الوعظ فتقاعست، وتجلّت لك العبر فتعاميت، وحصحص الحقّ فتماريت، وأذكرك الموت فتناسيت، وأمكنك أن تواسيفما آسيت.
***
انتهجت: ركبت. والنهج المنهج والمنهاج: الطريق الواضح. محجّة: طريق، من حجة يحجّه، إذا قصده. اهتدائك؛ استقامتك. معالجة: مداواة. فللت كسرت. شباة: حدّ.
اعتدائك: جورك وظلمك. قدعت: كففت قال النبي ﷺ : «ليس عدوّك الذي إن قتلته كان لك نورا، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك». قال الأصمعي: كنّا بطريق مكة في بعض المنازل، إذ وقفت علينا أعرابية فقالت: أطعمونا مما أطعمكم الله، فناولها بعض القوم شيئا فقالت له: كبت الله لك كلّ عدوّ لك إلا نفسك.
стр. 43
قوله: «أما»: حرف إخبار واستفتاح كألا، الحمام: الموت، من حمّ الأمر، قضي:
الموعد. ما إعدادك: ما استعددت له، والاعداد مصدر أعدّ للأمر إذا هيأ له ما يحتاج إليه من عدّة، يقول: الموت: هو الذي وعدت به أن يأتيك ولا بد، فاستعد له من أفعال البر.
وللفقيه الزاهد أبي عمران موسى بن عمران: [السريع]
يا صاح في الموت لنا حكمة ... بالغة لو أننا ننتفع
فاعمل له قبل مفاجاته ... ويحصد الزارع ما قد زرع
لا حيلة تنجيك منه ولا ... ذو وزر عنه به يمتنع
كم أمم أفناهم قبلنا ... وشمل قوم شتّه فانصدع
ولحبيب: [الطويل]
فقد أيقنت بالموت نفسي لأنّني ... رأيت المنايا يخترمن حياتيا (١)
فيا ليت أنّي بعد موتي ومبعثي ... أكون رفاتا لا عليّ ولا ليا
المشيب: الشيب، يقال: شاب رأسه شيبا أو مشيبا. إنذارك: إعلامك، وأنذرك:
أعلمك ممّا تحذر وخوّفك منه، وأراد قوله تعالى: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر: ٣٧]، وانظر هذا المعنى في الحادية والأربعين مستوفي نظما ونثرا.
أعذارك: جمع عذر، والإعذار بكسر الهمزة مصدر أعذر في طلب الحاجة إذا بالغ فيها قال: ابن السّبتي وجنّس قوافيه: [مخلع البسيط]
الشّيب في مفرقي حلّا ... وعقد عهد الملاح حلّا
وكان كالآبنوس رأسي ... فاحتله عاجه فحلّا
وحرّمت وصلي الغواني ... وقلن قتل العميد حلّا
اللحد: حفرة في جانب القبر، ولحد الميت وألحده: شقّ له في جانب القبر وأصل اللفظة الميل، ومقيلك: مقامك، وأصله النوم في القائلة، قيلك: حديثك المقول وحجّتك الواضحة، والقول مصدر كالطحن والذبح والقيل: اسم للمقول كالطحن بالكسر: اسم للدقيق المطحون، والذبح اسم للمذبوح، يعقوب: القال والقيل اسمان لا مصدران. ابن سيده: القيل في الأصل مصدر، وحكى الفارسيّ قاله قولا وقيلا، مثل ذكره ذكرا، والقال يجوز أن يكون مصدرا، فإنّ سيبويه حكى: ذامه ذاما وعابه عابا، إلا أنه لم ينص على القال، مصيرك: رجوعك نصير: معدول عن ناصر للمبالغة. تناعست،
стр. 44
أي أظهرت أنك ناعس. جذبك: قادك بعنف، ويقال: جذب وجبذ وهي أقلّ من الأولى، وصحفت العامة هذه الثانية وقالوا: «حبد» بدال غير منقوطة، تقاعست: تأخرت وتصعبت وتشبهت بالأقعس؛ وهو الذي دخل ظهره وخرج صدره، أي قادك الوعظ إلى الخير فلم تنقد له والعرب تقول: عزة قعساء كأنها تتقعّس عن الذلة. تجلت: ظهرت والعبر: ما يتخوف ويتعظ به عند رؤيته حصحص: تبين، من الحصّ وهو ذهاب الشعر فيتبين ما تحته، والحاء الثانية مبدلة من صاد ثالثة، وإذا اجتمع الأمثال في مثل هذا، أبدلت العرب من الحرف الأوسط حرفا من جنس الحرف السابق، ومثله حثحثت ورقرقت، أصلهما حثثت ورققت، هذا قول الكوفيين، وقال البصريون: هما لغتان تقاربتا، إذ لا يبدل الحرف إلا من مثله أو من مقاربه في المخرج، هذه الحروف متباعدة لا يصحّ إبدالها، ماريت: شككت: تؤاسي: تعطي.
***
تؤثر فلسا توعيه، على ذكر تعيه، وتختار قصرا تعليه على برّ توليه، وترغب عن هاد تستهديه، إلى زاد تستهديه، وتغلّب حبّ ثوب تشتهيه، على ثواب تشتريه.
يواقيت الصّلات، أعلق بقلبك من مواقيت الصّلاة، ومغالاة الصّدقات، آثر عندك من موالاة الصّدقات، وصحاف الألوان، أشهى إليك من صحائف الأديان.
ودعابة الأقران، آنس لك من تلاوة القرآن.
***
تؤثر: تفضل. توعيه: تجعله في وعاء. برّ إحسان. توليه: تعطيه وتلصقه بمن تبره. هاد: مرشد لطريق الخير. ترغب عنه: أي تتركه. تستهديه، أي تسترشده وتسأله أن يهديك إلى الخير، وتستهديه الثانية: تطلب أن يهدي لك هدية. يقول: تترك من يهديك إلى طريق الخير، فلا تسأله الهداية، وتقصد أعراض الدنيا من الأطعمة وغيرها، وترغب أن تعطي منها هدية، قال الزاهد بن عمران: [الطويل]
توقّ وحاذر من قبول هديّة ... وإن جاءك فيها الحديث المرغّب
فقد حدثت بعد الرّسول حوادث ... تحذّرنا منها، وعنها ترغّب
وكانت هديّات الأوائل قبلنا ... تؤلّف فيما بينهم وتحبّب
فعادت بلايا يسرع المنّ نحوها ... تفرّق فيما بيننا وتجنّب
وله في مثله: [السريع]
احذر هدايا النّاس تأمن المن ... ها أو قول واش يشي
فقلّ من يهديك إلّا امرؤ ... من رغبة أو رهبة قد حشي
стр. 45
التبس الأمر فلا تقدمن ... واخش مقام الله فيمن خشي
كانت هدايا ثم عادت رشا ... وفي الرّشّا الهلك لمن يرتشي
حذّرنا منها نبيّ الهدى ... إذ لعن الرّاشي والمرتشي
الثواب: المكافأة على الفعل، وأراد به ما يجازي الله به عباده على إحسانه من الأجر، وهو من ثاب يثوب إذا رجع، وأثبت الرجل: أعطيته الثواب، وهو المكافأة على فعله، قوله «يواقيت»: أي جواهر. الصّلات: العطايا.
أعلق: ألصق. مواقيت: أوقات، وهي جمع ميقات.
***
[التجنيس]
ومما يستحسن من تجنيس الصّلات الصّلاة، حكاية أحمد بن المدبر- وكان إذا مدحه شاعر ولم يرض شعره، قال لغلامه: امض به إلى المسجد فلا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة، ثم خلّه، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدين- فجاء الحسين بن عبد الرحمن البصريّ المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد، فقال: أعرفت الشرط؟ قال نعم: وأنشد: [الوافر]
أردنا في أبي حسن مديحا ... كما بالمدح تنتجع الولاة
فقلنا أكرم الثقلين طرا ... ومن كفّاه دجلة والفرات
فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه على المدح الصّلاة
فقلت لهم: وما تغني صلاتي ... عيالي، إنّما تغني الزكاة!
فأمّا إذ أبى إلا صلاتي ... وعاقتني الهموم الشّاغلات
فيأمر لي بكسر الصّاد منها ... لعلّي أن تنشطني الصّلات
فيصلح لي على هذي حياتي ... ويصلح لي على هذي الممات
فضحك واستظرفه، وأمر له بمائة دينار، وقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبي تمام: [الكامل]
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنّهن حمام (١)
***
قوله: «مغالاة الصّدقات»، أي الزيادة في المهور، وغاليت: زدت في ثمن السّلعة ورددتها غالية، والصّدقات واحدتها صدقة، قال النبي ﷺ : «من يمن المرأة تيسير صداقها
стр. 46
وخطبتها» (١)، قال عروة: وأنا أقول: من أول شؤمها أن يكثر صداقها. آثر: أفضل وأكثر أثرة. موالاة: متابعة. صحائف: جمع صحيفة، وهي الورقة يكتب فيها من الرّق والقرطاس، دعابة: مزاج، وفي فلان دعابة وتداعب الرّجلان: تمازحا، وفي الحديث:
«كانت فيه ﷺ دعابة» (٢)، وفي حديث جابر ﵁: «هلّا بكرا تداعبها وتداعبك! » (٣). الأقران: الأصحاب والأمثال. تلاوة: قراءة، وتلوته: قرأته، واختلفوا في اشتقاق القرآن، فقال أبو عبيدة: سمّي قرآنا لأنه يجمع السور ويضمها، قال الله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ٣]، أي إذا جمعنا لك شيئا فضمّه واعمل به، وقال قطرب: سمّي قرآنا لأن القارئ يظهره ويبينه ويلقيه منّ فيه، من قول العرب: ما قرأت الناقة سلا قطّ، أي ما رمت به. قال النبي ﷺ : «إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد» قالوا: يا رسول الله. ما جلاؤها؟ قال: «قراءة القرآن» (٤).
تأمر بالعرف وتنتهك حماه وتحمي عن النّكر ولا تتحاماه، وتزحزح عن الظّلم ثم تغشاه، وتخشى النّاس والله أحقّ أن تخشاه ثمّ أنشد: [المجتث]
تبّا لطالب دنيا ... ثنى إليها انصبابه
ما يستفيق غراما ... بها وفرط صبابه
ولو درى لكفاه ... ممّا يروم صبابه
***
العرف، أي المعروف، تنتهك: تبالغ في تناوله بما لا يجوز. حماه: ما حمي منه ومنع، وأصل الحمى موضع العشب يحميه الرجل لإبله، وانتهاكه: استئصال عشبه بالرعي، ونهكت الجلد وانتهكته، إذا أخذته بشفرة حتى يرقّ ويضعف النّكر: المنكر.
تتحاماه: تتباعد عنه. تزحزح عن الظلم: تنحي عنه غيرك وتزيله، وتغشاه: تأتيه وتباشره، تخشى: تخاف، وقال ذو الرّمة في هذا المعنى وهو أحسن شعر قاله: [البسيط]
يا ربّ قد أسرفت نفسي وقد علمت ... علما يقينا لقد أحصيت آثاري
стр. 47
يا مخرج الرّوح من نفسي إذا احتضرت ... وفارج الكرب زحزحني عن النّار (١)
دعا لنفسه أن يكون من الفائزين، لقوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [آل عمران: ١٨٥].
قوله «تبّا»، أي خسرانا وهلاكا، وتبّت يده: خسرت قال تعالى: وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود: ١٠١]، أي غير خسار وهلاك، قال الشاعر: [الوافر]
عرادة من بقيّة قوم لوط ... ألا تبّا لما عملوا تبابا (٢)!
ثنى: عطف ورد: انصبابه: جريه، يستفيق: يستريح، وأفاق من المرض: استراح، غراما: شدّة حبّ لازم له غير مفارق، ومنه سمّي الغريم لملازمته التقاضي وإلحاحه فيه؛ قال تعالى: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً [الفرقان: ٦٥] أي ملحا دائما ومنه إِنَّا لَمُغْرَمُونَ [الواقعة: ٦٦]، وفلان مغرم بالنساء: يحبهن ويلازمهنّ، وقال حاتم: [الطويل]
فما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام
أي بهلاك وملازمة.
فرط صبابة: شدة شوق ومجاوزة حدّ في ذلك. يروم: يطلب. صبابة. بقيّة الماء.
***
[ما قيل شعرا في ذم الدنيا]
وهذا الشعر مستحسن القوافي، ومثله في ذلك قول الزاهد ابن عمران، وكثيرا ما كان يستمد في شعره من أدب المقامات: [الكامل]
تبّا لذي جهل دعا لمبرّة ... وأجبته برّا به فأذاعها
منّا وقد كافأته بهباته ... وذخرتها عندي له، فأضاعها
فأقل اللّئام من الرجال ولا تجب ... مهما دعوك وجنّبن أوضاعها
وقال آخر: [مجزوء الكامل]
يا من يضيّع عمره ... متماديا في اللهو أمسك
واعلم بأنّك لا محا ... لة ذاهب كذهاب أمسك
стр. 48
ولمنصور الفقيه في الشعر المردف: [المتقارب]
إذا كنت تزعم أنّ الفراق ... فراق الحياة قريب قريب
وأن المقدّم ما لا يفوت ... على ما يفوت مصيب مصيب
وأنت على ذاك لا ترعوي ... فأمرك عندي عجيب عجيب
وقال القاضي أبو حفص عمر في معنى شعر الحريريّ في ذم الدنيا: [مخلع البسيط]
يا راكضا في طلاب دنيا ... ليس لمن تصرع انتعاش
لم تخش نار هوى لظاها ... بمن له نحوها انحياش
أعذر منك الفراش حالا ... علمت ما يجهل الفراش
نطلبها لا تنام عين ... عنها ولا يستقرّ جاش
من لك بالرّيّ من شراب ... يشتدّ من شربه العطاش
دعها فطلّابها رعاع ... طاشت بألبابهم فطاشوا
لم يردوها فهم رواء ... وواردوها هم العطاش
فاظمأ لتروى، وكن كقوم ... سقوا بها غبّة فعاشوا
كأنّ آمالنا ظباء ... ونحن من حيرة خداش
إن لآمالنا انبساطا ... به لأعمارنا انكماش
كأن رجالنا صقور ... ونحن من تحتها خشاش
ولابن الرومي رحمه لله: [الطويل]
لعمرك ما الدّنيا بدار إقامة ... إذا زال عن عين اللبيب غطاؤها
فكيف بقاء الناس فيها وإنما ... ينال بأسباب الفناء بقاؤها
وقال آخر: [الطويل]
ومن يحمد الدنيا لعيش يسرّه ... فسوف لعمري عن قريب يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيرا همومها
ولابن سارة رحمه الله تعالى: [الوافر]
بنو الدّنيا بجهل عظّموها ... فجلّت عندهم وهي الحقيره
يهارش بعضهم بعضا عليها ... مهارشة الكلاب على العقيره
***
ثمّ إنّه لبّد عجاجته، . وغيّض مجاجته، واعتضد شكوته. وتأبّط هراوته فلمّا
стр. 49
رنت الجماعة إلى تحفّزه، ورأت تأهّبه لمزايلة مركزه، أدخل كلّ منهم يده في جيبه، فأفعم له سجلا من سيبه، وقال: اصرف هذا في نفقتك، أو تفرّقه على رفقتك، فقبله منهم مغضيا، وانثنى عنهم مثنيا، وجعل يودّع من يشيّعه، ليخفي عليه مهيعه، ويسرّب من يتبعه، لكي يجهل مربعه.
***
قوله: «ثم إنه لبّد عجاجته»، أي سكّن غبرته المرتفعة حتى لصقت بالأرض غيّض:
جفف. المجاجة: ما يلقي من فيه، وقد مجّ الرجل ريقه إذا سال من حمق أو كبر، وأراد بلبد عجاجته، قطع كلامه الذي كان قد استرسل، وأخذه من قول سليمان بن عبد الملك، وقد تكلّم وفد بين يديه، فلم يصنعوا شيئا وتكلم بعدهم رجل قبيح المنظر فأبلغ، فقال سليمان: كأن كلامه بعد كلامهم سحابة لبّدت عجاجا.
وأراد ب «غيّض مجاجته» ما كان يسيل من عينيه وأنفه عند البكاء. واعتضدها:
جعلها تحت عضده. والشكوة: ركوة الماء تصنع من جلد الثور أو الخروف، وتأبطها:
جعلها تحت إبطه. هراوته: عصاه. رنت: نظرت. تحفزه: تهيؤه وعجلته للانصراف، وتحفّز وانحفز، إذا كان جالسا على عقبيه متهيّئا للقيام، تأهّبه: استعداده، مزايله:
مفارقه. مركزه: موضعه الذي قام به. أفعم ملأ، وفعمت الشيء فعما: ملأته. سجلا:
دلوا. سيبه: عطاؤه، معناه وهب له نصيبا من عطائه. رفقتك: أصحابك. مغضيا:
مستحييا، وأصل «أغضى» كفّ بصره وضم جفنيه، . انثنى: رجع وانعطف عن طريقه، مهيعه: طريقه البيّن. يسرّب: يفرق. فكأنه «تفعّل» من السّرب وهو الطريق، كأنه يردّهم عن تشييعه في طريق مختلفة، أو يكون من لفظ السّرب، وهو الجحر. فكأنه يغيبهم عنه حيث يقصد تعمية طريقه عليهم، أو يكون من لفظ السارب وهو الذاهب في الأرض، وقد سرب سروبا، فكأنه يذهبهم في كلّ ناحية ليجهل مكانه مربعه: منزله في الربيع خاصة. والمربع: المنزل في كل وقت؛ من ربعت بالمكان، أقمت به.
***
قال الحارث بن همّام: فاتّبعته مواريا عنه عيانيّ، وقفوت إثره من حيث لا يراني؛ حتى انتهى إلى مغارة، فانساب فيها على غرارة، فأمهلتهريثما خلع نعليه، وغسل رجليه، ثمّ هجمت عليه، فوجدته محاذيا لتلميذ، على خبز سميذ، وجدي حنيذ، وقبالتهما خابية نبيذ، فقلت له: يا هذا، أيكون ذاك خبرك وهذا مخبرك!
***
مواريا: ساترا. عياني: شخصي، أي تبعته مستخفيا بحيث لا يراني، قفوته: اتبعته من جهة قفاه، انساب: دخل، وأصل الانسياب، جرى الحية على وجه الأرض، أو
стр. 50
جرى الماء كذلك، ولا يكون الانسياب إلا على وجه الأرض، لا يقال: انساب في الجحر؛ حدّثني به بعض من لقيت من أصحابنا، وكان أضبط النّاس للسان العرب، قال:
وقول الحريري: «انساب فيها» وهم منه، ولو قال: «انشام فيها» لكان أمثل، يشبّهه بالسيف إذا وضع في غمده. غرارة: غفلة. ريث: قدر. هجمت عليه: دخلت عليه فجأة، ومنه هجم عليه الحرّ، وهجمت عينه: دخلت في رأسه. محاذيا: ملاصقا أو جالسا بحذائه. تلميذ: متعلم الصنعة حنيذ: مشويّ، وحنذ اللحم حنذا: شواه بحجارة محماة. نبيذ، أراد به خمرا، خبرك، أراد به أمرك الذي أنت عليه، مخبرك، أي باطنك وما يختبر منك.
ومما ينتظم في هذا النمط حكاية أبي نواس حين رئي في مجلس منصور بن عمار يبكي، فظن الناس أنه قد نسك، فجعلوا يهنئونه، ويقولون: نرجو لك من الله الخير، فقال: أنا أهون على الله من ذلك؛ وليس كما تظنون، ولكن أبكي لبكاء ذلك الغزال- وغلام بالمجلس يبكي من وعظ منصور- ثم قال: [السريع]
لم أبك في مجلس منصور ... شوقا إلى الجنّة والحور
لكن بكائي لبكا شادن ... تقيه نفسي كلّ محذور
تنتسب الألسن في وصفه ... إلى مدى عجز وتقصير
وحضر أيضا مجلس بعض القصاص، فقالوا له: لعلّ الله قد أقبل بك! فقال: إنما حضرت لأجل هذا الغزال، ثم قال: [مجزوء الرمل]
خلّياني والمعاصي ... ودعا ذكر القصاص
واسقياني الخمر صرفا ... في أباريق الرّصاص
وعلى وجه غزال ... طائع ليس بعاصي
بين فتيان كرام ... قد تواصوا بالمعاصي
وعلى الله- وإن أف ... رطت في الذنب- خلاصي
***
فزفر زفرة القيظ، وكاد يتميّز من الغيظ؛ ولم يزل يحملق إلي، حتى خفت أن يسطو عليّ، فلمّا أن خبت ناره، وتوارى أواره، أنشد: [المتقارب]
لبست الخميصة أبغي الخبيصة ... وأنشبت شصّي في كلّ شيصه
وصيّرت وعظي أحبولة ... أريغ القنيص بها والقنيصه
وألجأني الدّهر حتى ولج ... ت بلطف احتيالي على اللّيث عيصه
على أنّني لم أهب صرفه ... ولا نبضت لي منه فريصه
стр. 51
ولا شرعت بي على مورد ... يدنّس عرضي نفس حريصه
ولو أنصف الدّهر في حكمه ... لما ملّك الحكم أهل النّقيصه
***
قوله: «فزفر زفرة القيظ» الزفرة: تنفس المهموم أو المغتاظ، والقيظ: شدّة الحرّ، شبّه ما أبداه من شدّة الغيظ بوهج الحر. يتميّز: يتقطع ويتفرّق، يحملق: يحدّ النظر، والحملقة: نظر الغضبان، والحملاق: باطن الجفن. يسطو: يصول ويتناولني بالمكروه، يقال: سطا عليه وبه، يسطو سطوا وسطوة، إذا قهره وأذله، خبت ناره: سكنت حدّة غيظه، توارى: تغطى واستتر. أواره: لهبه ونار غيظه، والأوار: وهج النار الخميصة:
كساء فيه خطوط، وقال يعقوب وأبو عبيد: الخميصة: كساء مربع أسود له علمان.
الخبيصة: نوع من الحلواء، وتسميه عامتنا الخبيز، بالزاي، وكنى به عن لذة العيش، .
الشّصّ: حديدة معوجة يصاد بها الحوت، وتسمى الصنارة، شيصة: ثمرة رديئة؛ ومن ملح قصاص البلدان، أن أبا عبد الله الخواص كان يقول فيقصصه: إنما الناس مثل التمر، فيهم الشيص والبرني، يا رب اجعلنا برنيّا ولا تجعلنا شيصا، وقال قاصّ آخر: إن في الجنة لحم جدي ولحم كلّ شيء بلا عظم مثل الشّيص في بلادنا بلا نوى، يريد أنه لا يحتقر شيئا؛ فكل ما اتخذ له أخذه، أحبولة: آلة يصاد بها، أريغ: أطلب ما يصعب أخذه، كأنه يروغ من كذا، أي عدل عنه ورجع، وهو يخفى رجوعه. قال الفراء: يقال لا للذي يرجع: راغ يروغ، إلا أن يكون مخيفا لرجوعه، قال الله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [الصافات: ٩٣]، أي رجع إليهم يضربهم مخيفا لرجوعه، ومعنى «باليمين» أي بيمينه الذي حلف في قوله تعالى: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧]، أو يريد باليمين القوة، وقال تعالى: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ [الذاريات: ٢٦]، أي رجع إليهم في إخفاء منه لرجوعه. القنيص والقنيصة: الذكر والأنثى مما يصاد من الوحش، وهذا مثل، وإنما أراد ما يأخذه من الناس بالحيل، ألجأني: أحوجني. ولجت: دخلت.
لطف: رقة، وتلطف، عيصه: بيته، وأصله الشجر الملتفّ. والليث: الأسد. أهب:
أخف، صرفه تقلبه، نبضت: تحركت. فريصة: بضعة في آخر الكتف تتحرك عند الفزع، شرعت: دخلت، وعلى: بمعنى «في» نحو قولك: كان ذلك على عهد فلان، أي في عهده. مورد موضع الماء. يدنّس: يوسخ ويعيب، . عرضي: ذكرى. نفس حريصة:
كثيرة الرغبة والطمع، النقيصة: الخصلة القبيحة يفعلها الرجل فينقص بها.
وقال بعضهم: [الكامل]
غضّي عيونك يا عيون النّرجس ... منك استحيت بأن أقبّل مؤنسي
نام الحبيب تدبّلت أجفانه ... وعيونكنّ شواخص لم تنعس
فأجابني تفاح صفحة خده ... بفصاحة من ألسن لم تخرس
стр. 52
قبّل حبيبك ما اشتهيت فإن من ... عاداتنا كتمان سرّ المجلس
يا رب إن قدّرته لمقبّل ... غيري فللمسواك أو للأكؤس
ولئن قضيت لنا بصحبة ثالث ... يا رب فلتك شمعة في المجلس
ومن أحسن ما قيل في الدهر، قول تميم بن المعز:
يا دهر ما أقساك من متلون ... في حالتيك وما أقلّك منصفا
أتروح للنّكس الجهول ممهّدا ... وعلى اللّبيب الحرّ سيفا مرهفا!
وإذا صفوت كدرت شيمة باخل ... وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا
لا أرتضيك وإن كرمت لأنني ... أدري بأنّك لا تدوم على الصّفا
زمن إذا أعطى استردّ عطاءه ... وإذا استقام بدا له فتحرّفا
ما قام خيرك يا زمان بشرّه ... أولى بنا ما قل منك وما كفى
إدريس بن اليمان: [البسيط]
ماذا أقول لدنيا لو ظفرت بها ... أدّبتها غضبا للعلم والأدب
شجا من أقذية الأيام برّح بي ... بل بالعوالي وبالهندية القضب
***
ثم قال لي: ادن فكل، وإن شئت فقم وقل. فالتفتّ إلى تلميذه وقلت:
عزمت عليك، بمن تستدفع به الأذى، لتخبرني من ذا؟ فقال: هذا أبو زيد السّروجي، سراج الغرباء، وتاج الأدباء.
فانصرفت من حيث أتيت، وقضيت العجب ممّا رأيت!
***
قول: «أدن» أي أقرب. قل، أي قل ما شئت، التلميذ: الخادم، والجمع التلاميذ، قال لبيد: [المنسرح]
* يجلو التلاميذ لؤلؤا قشبا (١) *
أي يجلو التلاميذ لؤلؤا جديدا، وطلبة العلم: تلاميذ شيخهم، الأذى: الضرر،
стр. 53
سراج: مصباح، يريد أنه للغرباء مصباح يفخرون به ويهتدون بحيلته، وللأدباء تاج يتزينون به ويضعونه فوق رءوسهم. انصرفت: رجعت، قضيت العجب؛ أي أتممته، كأنه قال: قضيت حاجتي مما رأيت، ويقال: قضى بحبه من كذا، أي بلغ مراده، وقضى عليه القاضي، أي قطع عليه، والقاضي: القاطع للأمور المحكم لها. وقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: ١٢]، أي قطعهنّ وأحكم خلقهن، ويكون «قضى» بمعنى «عمل».
стр. 54
المقامة الثانية وهي الحلوانيّة
حكى الحارث بن همام قال: كلفت مذ ميطت عنّي التّمائم، ونيطت بي العمائم، بأن أغشى معان الأدب، وأنضي إليه ركاب الطّلب لأعلق منه بما يكون لي زينة بين الأنام، ومزنة عند الأوام، وكنت لفرط اللهج، باقتباسه، والطّمع في تقمّص لباسه، أباحث كلّ من جلّ وقلّ، وأستسقي الوبل الطّلّ، وأتعلّل بعسى ولعلّ.
***
كلفت، أي اشتد حبي، والكلف: شدة الحبّ والمبالغة فيه، فلان كلف بفلان، أي مبالغ في محبّته، وميطت وأميطت: أزيلت. التمائم: الأحراز نيطت: علّقت، وإذا بلغ الصبيّ الحلم عند العرب أزلوا الأحراز عن عنقه، وألبس العمامة والإزار، وقلّد السيف، فأراد: أحببت مذ بلغت الحلم مجالس الأدباء. أغشى: أقصد وأدخل.
المعان: المنزل. أبو عبيد، يقال: البصرة معان منّا، أي منزل منا، قال المعري:
[الوافر]
* معان من أحبّتنا معان (١) *
فالأول اسم موضع معلوم جنّس به، وجعله منزل أحبابه، وقال بعضهم: سمي معانا لمعاينة الناس فيه بعضهم بعضا، أو لأن فيه أعيانا، أنضي: أهزل الركاب: الإبل، وجعل للطلب إبلا مجازا، وإنما يريد: أتعبت نفسي فرحلت إلى طلبه على الإبل، لأعلق منه: لأحصل منه على فائدة أتعلق بها، الأنام: الخلق مزنة: سحابة. الأوام: شدّة العطش؛ يريد أنه يتعب نفسه في طلب الأدب ليتزيّن به بين الناس؛ ويعيش به إذا احتاج إليه، فرط اللهج: شدّة الحب، يقال: قد لهج بالشيء، إذا أكثر الحديث به لحبه فيه، وحرصه عليه، ولهج الفصيل بالرّضاع، إذا لجّ فيه. اقتباسه: اكتسابه، التقمص: لبس
стр. 55
القميص. لباسه: ثيابه، أي أطمع أن ألبس من ثيابه قميصا. أباحث: أسائل. جلّ:
عظم. قلّ: حقر. أستسقى الوبل والطلّ، أي أطلب منه السقي، والوبل: أشدّ المطر والطلّ: أضعفه، ويقال: الركّ أضعف من الطلّ، ومنه قيل للدني: ركيك. أتعلّل:
أشغل نفسي وأطمعها، والعلالة: الشيء اليسير، وعسى ولعلّ: معناهما الرجاء والطمع؛ يريد أنه يسائل الجليل في العلم والحقير، ومن كثر علمه وكان كالوبل، أو قلّ وكان كالطّل، وإذا فقد من يؤخذ عنه العلم رجا نفسه بوجوده وأطمعها. والتعلّل: قطع الزمان بالعيش اليسير وقد تعلّل بشرا به، إذا أخذ منه قليلا قليلا؛ فمعنى «أتعلل عسى ولعل»، أذهب عله وجدي بالرجاء والطمع.
***
فلما حللت حلوان ، وقد بلوت الإخوان، وسبرت الأوزان؛ وخبرت ما شان وزان، ألفيت بها أبا زيد السّروجيّ يتقلب في قوالب الانتساب، ويخبط في أساليب الإكتساب فيدعي تارة أنّه من آل ساسان، ويعتزي مرّة إلى أقيال غسان، ويبرز طورا في شعار الشّعراء، ويلبس حينا كبر الكبراء.
[حلوان]
حللت: نزلت، وحلوان: بلدة بينها وبين مدينة بغداد أربع مراحل، وهي من كور الجبل، وسميت باسم بانيها، وهو حلوان بن علي بن الحاف بن قضاعة وهي مدينتان بينهما نهر عظيم مقداره فرسخ، وهي مقابلة لطبرستان، وهي جبلية سهلية بحرية لها زيتون ونخيل، وبها قصب السكر وافتتحت في زمن عمر.
***
بلوت: جربت، الإخوان: الأصحاب. سبرت: فتشت، الأوزان: أقدار الناس، خبرت: جربت وعرفت، شان: عاب. وزان: زيّن؛ يريد أنه دخلها وهو مجرّب عارف بالناس. ألفيت: وجدت، يتقلب: يتنوّع. قولب جمع قالب، وقالب كل شيء: قياسه، وما يصنع عليه. يخبط: المشي في الأرض على غير قصد كمشي الأعمى، أساليب:
طرق. واحدها أسلوب. آل ساسان: ملوك الفرس. يعتزي: ينتسب. أقيال: ملوك غسان: قبيلة باليمن كان منها ملوك، وغسان: ماء كان شربا لولد مازن بن الأزد بن الغوث فسمّوا به، يبرز: يظهر. طورا: حينا. شعار: ثياب. والشّعار ثوب يلي الجسد.
كبر: تكبر، يريد أنه لقي أبا زيد بحلوان يتنوّع بذلك. في أحوال المكدين، ويجري بذلك في طرق اكتساب المعيشة فيدعي أنه من آل ساسان.
وأصل هذا أن الفرس كان فيهم الملك، وكانت العرب تحت حكم ملوكهم، فلما بعث رسول الله ﷺ لملكهم بكتابه يدعوهم إلى الإسلام، مزّقوه، فدعا الله عليهم أن
стр. 56
يمزقوا كلّ ممزق، فأوقع بهم المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ بعد حروب شديدة معظمها بالقادسية، فلم يبق لهم في الملك رسم، وصاروا في خلافة عثمان ﵁ تحت حكم المسلمين، وكانوا أهل دهاء وجراءة وحروب ورماية، فسكن من بقي منهم الأمصار، واستعربوا وتفقهوا. فكان منهم من نفع الله به المسلمين، وكان منهم أهل أهواء وبدع، ونشأت منهم هذه الطائفة الخسيسة أهل الكدية، فكانوا يطوفون على البلدان، ويقولون: نحن من بني ساسان، فينتسبون إلى ملوكهم، ثم يتذلّلون في السؤال، ويذكرون تلاعب الدهر وانقلاب حال الملوك إلى السؤال، فيقع الإشفاق عليهم، والميل بالرزق لهم، حتى شعر الناس بمكرهم وخديعتهم، فطردوا، وصار الناس إذا رأوا سائلا متمسكا قالوا. ساساني، وقيل: إنّ ساسان اسم رجل معين، وهو أول من أسس الكدية، فنسبوا إليه، كما أنّ الطفيلي منسوب إلى رجل اسمه طفيل وهو أول من تطفل، فأراد أن أبا زيد كان يتنوع في أحواله، فيتمسكن تارة ويدعي أنه من ساسان، ويتعاظم أخرى فينتسب إلى غسان، ويبرز مرة في أحلاس الشعراء المكدين، ويظهر ثانية في ثياب فاخرة، ولباس الكبراء المثرين.
***
بيد أنّه مع تلون حاله، وتبيّن محاله، يتجلى برواء ورواية، ومداراة ودراية، وبلاغة رائعة، وبديهة مطاوعة، وآداب بارعة وقدم لأعلام العلوم فارعة، فكان لمحاسن آلاته، يلبس على علاته، ولسعة روايته، يصبي إلى رؤيته، ولخلابة عارضته يرغب عن معارضته ولعذوبة إيراده يسعف بمراده فتعلّقت بأهدابه لخصائص آدابه، ونافست في مصافاته، لنفائس صفاته. [الطويل]
فكنت به أجلو همومي وأجتلي ... زماني طلق الوجه ملتمع الضّيا
أرى قربه قربي ومعناه غنية ... ورؤيته ريّا، ومحياه لي حيا
قوله: «بيد أنه»، أي غير، محاله: باطله: والمحال ما لا يمكن أن يتصور، وهو «مفعل» من حال الشيء، إذا تغير، كأنه أزال عن وجهه. يتجلى: يتزين. رواء: نظافة وحسن منظر، مدارة: حسن سياسة في صحبته، وأصلها المخادعة، دراية ودرية: مصدر دريت، بلاغة: فصاحة، رائعة: معجبة، ومن شاهدها ارتاع وتعجب، والبديهة والبداهة:
الأخذ في الكلام من غير فكرة، وهي الارتجال. مطاوعة: منقادة بارعة: فائقة تفضل غيرها أعلام: جبال فارعة: طائلة قد علتها، واللام في قوله: «لأعلام» زائدة، وزيادتها إذا تقدمت أحسن منها إذا تأخرت، مثل ضربت زيدا ولزيد ضربت، آلاته: عدده، وأراد به هذه الأنواع التي قدمها التيتحلى بها يلبس: يصاحب ويخالط علاته: عيوبه التي ذكر من أنواع الغربة، سعة روايته: كثرة علمه وما يرويه. يصبى: يمال. خلابة: خداع، وقد
стр. 57
خلبه خلبا وخلابة: خدعه، عارضته: قوة كلامه. معارضته: مقابلته ومناقضة كلامه، وتقول: رغبت عن الشيء تركته وتزهدت فيه، ورغبت فيه، إذا أحببته، فيريد أنّه لقوّة كلامه وصلابته لا يتعرّض أحد لجداله فهو يخادع به الناس حتى لا يعترض له فيما يقول، وقيل: معنى فلان شديد العارضة، إذا أفحش وأسمع المكروه، ورجل شديد العارضة، أي لا تقرب ناحيته، إيراده: أخذه في الكلام، يسعف: يساعد، أهدابه: أطراف ثوبه وخصائص الشيء: ما يختص به، أي ينفرد، نافست: زايدت وغاليت مصافاته:
مصاحبته، نفائس جمع نفيس، وهو الرفيع من كل شيء، يسمى نفيسا، من النّفس وهو العين، حتى كأنه لرفعته تتعلق به العين، وقد قال المعري:
فالعين يسلم منها ما رأت فنبت ... عنه وتلحق ما تهوى من الصّور (١)
قوله: «أجلو»، أي أكشف أجتلى: نظر طلق الوجه: مستبشرا، والطلق ضدّ العابس، ملتمع: منير بادي اللمعان: قربي: نسبا، ومغناه: منزله، من قولهم: غني بالمكان يغني غنيانا، إذا أقام به غنية: غنى، يقال: غني يغني غنى فهو غنيّ، إذا استغنى، والاسم: الغنية، ريّا: شبعا من الماء، ورويت من الماء ضدّ عطشت: محياه:
حياته. حيا: مطر عام. يقول: أنه بمصاحبته أبا زيد يزول همه، ويلقاه ببشر منه، فيرى قربه منه بالودّ كقرابة النسب، وكان منزله لما يجد فيه من الخصب أو من غزارة العلم يرى أنه غناه، وإذا رآه زال عطشه للعلم أو للماء برؤيته، وقصد تجنيس الألفاظ يبعد المعنى.
***
ولبثنا على ذلك برهة، ينشئ لي كلّ يوم نزهة، ويدرأ عن قلبي شبهة، إلى أن جدحت، له يد الإملاق كأس الفراق، وأغراه عدم العراق بتطليق العراق، ولفظته معاوز الإرفاق، إلى مفاوز الآفاق ونظمه في سلك الرّفاق خفوق راية الإخفاق، فشحذ للرّحلة غرار عزمته، وظعن يقتاد القلب بأزمته. [الطويل]
فما راقني من لاقني بعد بعده ... ولا شاقني من ساقني لوصاله
ولا لاح لي مذ ندّ ندّ لفضله ... ولا ذو خلال حاز مثل خلاله
لبثنا: أقمنا. برهة: مدة، ينشئ: يصنع ويبتدئ، والنزهة أصلها التّباعد عن الرّيب، ثم كثرت حتى صارت الخروج للرياض، للتفرج، ثم استعملت في المعاني فقيل: نزه فلان في آدابه، وكنى بهذا عمّا يستفيده من علمه. يدرأ: يدفع. شبهة: إشكال والتباس. جدحت: حركت ومزجت، والمجدح: آلة يمزج بها المشروب الصعب
стр. 58
الامتزاج، الإملاق: الفقر من الملقة وهي الصخرة الملساء، فأملق كأنه صادف ملقة لا تنبت شيئا، ولم يصادف خصبا بعد أن كان في ترفه وغنى، أغراه: حرّضه.
والعراق، اختلفوا فيه، فقال صاحب العين: العراق: العظم بلا لحم، فإن كان عليه لحم فهو عرق.
ابن قتيبة، يقال للعظم الذي عليه اللحم عراق، وللخالي من اللحم عرق.
أبو عبيد، العراق: القطعة من اللحم، أبو زيد، قول العامة: ثريده العراق خطأ؛ إذ كان العراق العظام، وأنشد لرجل يطرد الطير عن زرعه في عام جدب: [الرجز]
عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطّير عن أرزاقها (١)
في سنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبرى للّحم عن عراقها
ابن الأنباريّ، قول أبي عبيد هو الصواب؛ لأن العرب تقول: أكلت العراق ولا تقول: أكلت العظم، وفي حديث أم إسحاق العنزية: فجعلت لا آكل العراق ولا أضعه، فقولها: «لا آكل» يدل على أن العراق لحم مفرد أو لحم على عظم،
الأصمعي، قيل لأعرابي: أي الطعام أطيب؟ قال: ثريده دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمض، ذات حفافين من البضع، لها جناحان من العراق، قيل: كيف أكلك لها؟
قال: أصدع بهاتين- يعني السبابة والوسطى- وأسند بهذين- يعنى الإبهام والخنصر- وأجمع ما شذ منها بهذه- يعني البنصر- وأضرب فيها ضرب وليّ السوء في مال اليتيم، فهذا يدل على أن العرق قطع اللحم إذا كانت العرب لا تصف الثريد والأطعمة بكثرة العظام.
والعراق في البيت: الأكل، تقول: عرقت العظم عراقا، أكلت ما عليه من اللحم، والعظم معروق، وهو بمنزلة سكتّ سكاتا.
العراق: قال صاحب العين: هو شاطئ البحر، وبه سميّت العراق لأنها على شاطئ دجلة، ابن الأعرابي، سمي عراقا لأنه سفل عن نجد، ودنا من البحر، أخذ من عراق القربة، وهو الخرزفي أسفلها، قطرب، سمّي عراقا لأنه دنا من البحر، . وبه يناخ وينجد.
ويقال: استعرقت إبلهم، إذا أتت ذلك الموضع، لفظته، أي رمته. ومعاوز: جمع معوز، والمعوز هو العوز نفسه، والمعوز بالكسر: الثوب الخلق وجمعه معاوز، الإرفاق ومصدر أرفقته، إذا أوصلت إليه نفعا يرتفق به، ورفقته بمعناه فأراد بمعاوز الإرفاق فقد ما يرتفق به والمفاوز: جمع مفازة وهي الصحراء سميت مفازة على التفاؤل، لأن الرجل إذا
стр. 59
قطعها فاز ونجا. والآفاق: نواحي الأرض، نظمه: ضمّه وجمعه سلك: خيط، الرّفاق:
جمع رفقة، وعنى بسلك الرفاق الطريق الذي ينتظمون فيه إذا أخذوا في السير، لأنهم يمشون فيه واحدا بعد واحد، فنظمهم الطريق، وصار لهم كالسلك. خفوق: اضطراب، وقد خفق خفقا وخفوقا، والإخفاق: الخيبة، ويقال: غدا فأخفق، إذا خاب، ومثله في الصائد: صاد فأروق. شحذ: حدّ وسن، وشحذ الرجل سيفه.، إذا ألحّ عليه بالتحديد، ومنه قولهم للملحّ في المسألة: شحاذ، والعامة تصحّفه فتقول: شحات، بالتاء. غرار:
حدّ. وأراد أنه لما عزم على الارتحال حدّ عزمته، أي عوّل على السفر يجدّ. والعزمة:
مصدر عزم إذا جدّ، وجعل لها حدا، مبالغة في تعجيل السفر. ظعن: ذهب وارتحل.
أزمة: جمع زمام، وهو حبل من جلود يشدّ به في حلقه مجعولة في وتد أنف البعير، فجعل تعلّق قلوب أصحابه به عند فراقه، وحنينهم إليه؛ كأنه قد ربطها بأزمّة وقادها معه، فمن روى «القلوب» عادت الهاء من «أزمّته» على السروجيّ، ومن روى «القلب» عادت على القلب أو على السروجيّ، والقلب لابن همام.
وقوله: «راقني»، أي أعجبني، وقد راق الشيء يروق روقا فهو رائق إذا أعجب، لاقني: لصق بي وصحبني. شاقني: شوقني. ساقني لوصاله: دعاني لصحبته، لاح:
ظهر، ندّ: فرّ وشرد. ندّ: مثل، والجمع أنداد، خلال: جمع خلّة الضم؛ وهي الصداقة، خلاله: جمع خلّة بالضم أيضا، وهي الخصلة. وهذا النّمط في وصف الصديق وغيبته بارع ولابن عمران في ذلك: [البسيط]
يا مرحبا بصديق لست أبصره ... إلّا تجدّد لي أنس بمرآه
وإن تغيّب عن عيني فلم أره ... فلي فؤاد بظهر الغيب يرعاه
***
واستسرّ عنّي حينا، لا أعرف له عرينا، ولا أحد عنه مبينا، فلمّا أبت من غربتي، إلى منبت شعبتي، حضرت دار كتبها التي هي منتدى المتأدّبين، وملتقى القاطنين منهم المتغرّبين، فدخل ذو لحية كثّة، وهيئة رثة، فسلم على الجلّاس، وجلس في أخريات النّاس.
***
استسرّ: غاب واختفى، وأصله من سرار الهلال في آخر الشهر وهو يستسرّ ليلة لا يظهر أو ليلتين، والعرين: بيت الأسد ومأواه، مبنيا: معلما به يبين لي أين استقرّ. أبت:
رجعت، منبت شعبتي، أي بلدة قرابتي التي نبتوا فيها، يريد البصرة. والشعبة: القرابة، دار كتبها: مدرسة العلم. منتدى: مجتمع القاطنين: الساكنين، وقطن بالمكان: أقام فيه، كثّة: كثيرة الأصول من غير طول.
стр. 60
[اللحية وما قيل فيها]
ويقال للّحية إذا أقصر شعرها وكثر: أنها لكثة، وقد «كثّت تكثّ كثاثة وكثوثة، ورجل كث اللحية، ولحية كثحمة، إذا كثفت وقصرت وجعدت، ورجل كثحم اللحية، وإذا عظمت وكثر شعرها قيل: إنه لذو عثنون، وإنه لهلوف، فإذا كانت اللحية قليلة في الذقن ولم تكن في العارضين فذلك السّنوط والسناط، ورجل سناط: بين السّنط، فإذا لم يكن في وجهه كثير شعر، فذلك الثطط ورجل ثطّ، ورجال ثطاط، والسّبلة: مقدّم اللحية، ورجل مسبل، وفلان خفيف العذارين، وهما ما اتصل من شعر اللحية بالصّدغ، وهما العارضان، وهما ما نبت في الخدين من الشعر على عوارض الأسنان، قال رؤبة في لحية حرب بن قطن: [الرجز]
هلّوفة كأنها جوالق ... نكداء لا بارك فيها الخالق (١)
لها فضول ولها بنائق ... إذا الرياح العصف السّوابق
طيّرنها طارت لها عقائق ... إن الذي يحملها لمائق
وأنشد أبو عليّ: [الطويل]
وأنت امرؤ قد كثّأت لك لحية ... كأنك منها قاعد في جوالق (٢)
قال النبي ﷺ : «من سعادة المرء خفة لحيته». وكانت عائشة ﵂ تقسم فتقول: «لا والذي زين الرجال باللّحى»، تقول: إنه قسم الملائكة.
قال الأحدب الصوفيّ: سمعت مطيار بن أحمد يقول: رأيت النبيّ ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله، أشتهى لحية كبيرة، فقال لي: «لحيتك جيدة، وأنت محتاج إلى عقل تامّ».
وقال ﷺ : «اعتبر واعقل الرّجل في ثلاث: في طول لحيته، ونقش خاتمه، وكنيته».
أتى رجل طويل اللحية معاوية فقال له: أمّا اللحية فلا نسأل عنها، فما نقش خاتمك؟ فقال: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ
стр. 61
[النمل: ٢٠]، قال: فما كنيتك؟ فقال: أبو الكوكب الدرّيّ، قال: كمل الرجل.
وكان ﷺ يأخذ من لحيته من طولها وعرضها بالسواء (١).
وكان عبد الله بن عمر يقبض على لحيته، ويأخذ ما زاد منها على قبضته.
الحسن بن المثنى: إذا رأيت رجلا له لحية طويلة، ولم يتخذ لحية بين لحيتين، كان في عقله شيء.
وكان المأمون جالسا مع ندمائه ببغداد، مشرفا على دجلة وهم يتذاكرون أخبار الناس، فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان قط إلا ونقص من عقله بمقدار ما طال من لحيته، وما رأيت عاقلا قطّ طويل اللحية. فقال له بعض جلسائه، ولا يردّ على أمير المؤمنين: قد يكون في طول اللحى أيضا عقل؛ فبينما هم يتذاكرون في هذا، إذ أقبل رجل كبير اللحية، حسن الهيئة، فاخر الثياب، فقال المأمون: ما تقولون في هذا الرجل؟
فقال بعضهم: رجل عاقل، وقال آخر: يجب أن يكون هذا قاضيا، فقال المأمون لبعض الخدم: عليّ بالرجل، فلم يلبث أن أصعد إليه ووقف بين يديه، فسلّم فأجاد السّلام، فأجلسه المأمون، واستنطقه فأحسن النطق، فقال المأمون: ما اسمك؟ فقال: علّوية، قال: فما الكنية؟ قال: أبو حمدويه، فضحك المأمون، وغمز جلساءه ثم قال: ما صنعتك؟ قال: فقيه أجيد الشرع في المسائل، فقال له: نسألك مسألة! فقال الرجل: سل عما بدا لك، فقال لهالمأمون: ما تقول في رجل اشترى شاة من رجل، فلما تسلّمها المشتري، وقضى الثمن، ضرطت، فخرج من استها بعرة ففقأت عين رجل؛ على من تجب دية العين؟ قال: فنكت بإصبعه في الأرض طويلا، ثمّ قال: تجب على البائع دون المشتري، فقال المأمون: وما العلّة التي أوجبت الدية عليه دون المشتري؟ قال: إنه لمّا باعها لم يشترط أنّ في استها منجنيقا، قال: فضحك المأمون حتى استلقى على قفاه، وضحك كلّ من حضره من الندماء. وأنشد المأمون يقول: [السريع]
ما أحد طالت له لحية ... فزادت اللّحية في حليته
إلا وما ينقص من عقله ... أكثر مما زاد في لحيته
وقال آخر: [المتقارب]
إذا عظمت للفتى لحية ... فطالت فصارت إلى سرّته
فنقصان عقل الفتى عندنا ... بمقدار ما زاد في لحيته
وأنشد أبو عليّ: [مجزوء الكامل]
стр. 62
لا تفخرنّ بلحية ... كثرت منابتها طويله (١)
يهوى تفرّقها الرّيا ... ح كأنها ذنب الحسيله
قد يدرك الشّرف الفتى ... يوما، ولحيته قليله
وقال: الحسيلة العجلة.
وأنشد أبو العباس ﵀: [الطويل]
كل امرئ ذي لحية عثوليّة ... يقوم عليها ظنّ أنّ له فضلا (٢)
وما الفضل في طول السّبال وعرضه ... إذا الله لم يجعل لصاحبه عقلا
عثوليّة: كبيرة.
نظر يزيد بن مزيد الشيبانيّ ﵀ إلى رجل ذي لحية عظيمة، وقد تلفّفت على صدره، وإذا هو خاضب، فقال له: إنك من لحيتك في مئونة، فقال: أجل، ولذلك أقول: [الطويل]
لعمرك لو يعطي الأمير على اللّحى ... لأصبحت قد أيسرت منذ زمان
إذا لشفتني لحيتي من عصابة ... لهم عنده ألف ولي مائتان
لها درهم للدّهن في كلّ جمعة ... وآخر للحنّاء يبتدران
ولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لصوّت فى حافاتها الجلمان
فأمر له بعشرة آلاف درهم. والجلمان: المقصّ، ويسمى الجالم.
وقال إسحاق بن خلف يصف رجلا بالقصر وطول اللّحية: [البسيط]
ما سرّني أنّني في طول داود ... وأنّني علم في البأس والجود
ماشيت داود فاستضحكت من عجب ... كأنني والد يمشي بمولود
ما طول داود إلّا طول لحيته ... يظلّ داود فيها غير موجود
تكنه خصلة منها إذا نفحت ... ريح الشمال، وجفّ الماء في العود
أجدى وأغنى من الخزّ الصّفيق ومن ... بيض القطائف يوم القرّ والسّود
وأشد إفراطا منه قول ابن الروميّ: [السريع]
ولحية يحملها مائق ... مثل الشّراعين إذا أشرعا
تقوده الرّيح بها طائعا ... قودا عنيفا يتعب الأخدعا
стр. 63
وإن عدا والريح في وجهه ... لم ينبعث في مشيه إصبعا
لو غاص في اليمّ بها غوصة ... صاد بها حيتانه أجمعا
وأشد إفراطا منه قول الآخر: [الكامل]
يا لحية الشّيخ الأزبّ تميم ... أهديت للأقوام عرف الثّوم
لو أنها دون السماء غمامة ... ضاقت مسالك دعوة المظلوم
أو صبّها في الماء ثم سما بها ... قامت مقام العارض المركوم
ولابن سارة: [البسيط]
ولحية لست أدري كيف أنعتها ... فضول أشعارها أودت بأشعاري
كأنها ويمين الرّيح تنشرها ... مذبّة وقعت في عود بيطار
وقال آخر: [السريع]
أبصرت شيخا ذاهبا جائيا ... ذا لحية قد كبرت في اتّساع
عرضا وطولا وهو من خلفها ... كأنه ناشر ثوب يباع
وقال آخر: [الوافر]
لقد كانت مجالسنا فساحا ... فضيّقها بلحيته رباح
مقلّبة الأسافل والأعالي ... لها في كلّ زاوية جناح
وقال آخر: [السريع]
يا أيّها الناس خذوا حذركم ... قد برزت لحية بهلول
فطولها الفرسخ في فرسخ ... وعرضها ميل إلى ميل
لو ضمّ ما يقطر من دهنها ... أسرج منه ألف قنديل
ولو سها الحجّام عن قصّها ... لخالطت ما في السّراويل
ذكر هنا أبو محمد لحية السروجيّ أنّها كثّة، وكل صفة يصف بها السّروجيّ في المقامات، فتلك كانت صفة الحريري. وذكر ابن جهور أنّ الحريريّ كان قليل اللّحية لا خلقة، وإنما كان مولعا بنتفها، كانت يده ﵀ لا تفارق لحيته. وهذا على كثرته قليل فيما قيل في اللحية.
قوله «رثّة»، أي خلقة بالية. أخريات: أطراف، وهي جمع أخرى.
***
ثمّ أخذ يبدي ما في وطابه، ويعجب الحاضرين بفصل خطابه، فقال لمن
стр. 64
يليه: ما الكتاب الّذي تنظر فيه؟ فقال: ديوان أبي عبادة، المشهود له بالإجادة.
***
أتى طلحة ﵁ مجلس قوم، فجعلوا ينادونه من كلّ جانب: هاهنا يا صاحب رسول الله! قال: فجلس في أدنى المجلس، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ من التواضع لله الرضا بالدّون من شرف المجلس».
وطابه: زقاق لبنه، أراد أنه يظهر ما عنده. يعجب: يجعلهم يتعجّبون. بفصل خطابه: يريد بفصل كلامه وجودة بلاغته، وقوله تعالى: وَفَصْلَ الْخِطابِ [ص: ٢٠] هو قول الخطيب: «أما بعد». يليه: يلصق به.
[البحتريّ]
أبو عبادة. قال البكريّ: هو الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد، من بني بحتر بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة، وهي طيّئ. شاعر مقدّم لا يعدل به أحد، يفضّل على حبيب، والناس في تفضيلهما على اختلاف.
قال أبو الفرج الأصبهانيّ: كان البحتريّ شاعرا فصيحا، حسن المذهب نقيّ الكلام، ختم به الشعراء المحدثون، وله تصرّف في ضروب الشعر، سوى الهجاء، فإنّ بضاعته فيه نزرة.
قال البحتريّ: وكان أول أمري أنّي سرت إلى أبي عامر بحمص، فعرضت عليه شعري- والشعراء يعرضون عليه أشعارهم- فترك من حضر وأقبل عليّ، فقال لي حين تفرّقوا: أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك؟ فشكوت خلّة، فكتب إلى أهل معرّة النعمان، وشهد لي بالحذق في الشعر، وشفع لي إليهم، وقال: امتدحهم. فسرت إليهم، فأكرموني بكتابه، ووظّفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أوّل مال أصبته.
وحدّث أبو الفرج، قال: حدثني أبو الغوث البحتريّ، عن أبيه، قال: أوّل أمري أنّي دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف الثغريّ، فأنشدته قصيدة أولها: [الكامل]
* أأفاق صبّ من هوى فأفيقا (١) *
فسرّ أبو يوسف بها، وقال: أحسنت والله يا فتى وأجدت- وفي مجلسه رجل رفيع نبيل قريب المجلس منه، فوق كل من حضر، تكاد تمسّ ركبته ركبته، فأقبل عليّ، ثم قال: أما تستحي مني! هذا شعري تنتحله وتنشده بحضرتي! فقال أبو سعيد: أحقّا ما
стр. 65
تقول؟ قال: نعم، وإنما علقه منّي وسبق به إليك، وزاد فيه. ثم اندفع فأنشد أكثر القصيدة، حتى شكّكني- علم الله- في نفسي، وبقيت متحيّرا، فقال لي أبو سعيد: يا فتى، قد كان لك في قرابتك منّي ما يغنيك عن هذا! فجعلت أحلف بكل محرّجة من الإيمان أن الشعر لي، ما سمعته منه، ولا انتحلته. فلم ينفع ذلك شيئا، وأطرق أبو سعيد، وقطع بي حتى تمنّيت أن يساخ بي في الأرض، فقمت منكسف البال، أجرّ رجليّ، فما بلغت باب الدار حتى ردّني الغلام، فأقبل عليّ الرجل وقال: الشعر لك يا بنيّ، والله ما قلته قطّ، ولا سمعته إلا منك؛ ولكنني كنت ظننت أنّك تهاونت بموضعي، فأقدمت على الإنشاد بحضرتي، تريد مضاهاتي، حتى عرّفني الأمير نسبك، ولوددت ألّا تلد طائيّة إلا مثلك، ودعاني وضمّني إليه، وعانقني، وأبو سعيد يضحك، فلزمته بعد ذلك وأخذت عنه، واحتذيت فنه.
وعن أبي الغوث عن أبيه قال: قال لي أبو تمام: بلغني أن بني حميد أعطوك مالا جليلا، فبم مدحتهم؟ فأنشدني شيئا منه، فأنشدته، فقال لي: كم أعطوك؟ فقلت: كذا، فقال لي: ظلموك، والله ما وفّوك حقّك، فلم استكثرت ما أعطوك! والله لبيت منها خير مما أخذت. ثم أطرق قليلا وقال: لعمري لقد استكثرت ذلك لمّا مات الكرام، وذهب الناس، وغاضت المكارم، وكسدت أسواق الأدب، أنت والله يا بنيّ أمير الشعراء غدا بعدي، فقمت فقبّلت رأسه ويديه ورجليه، وقلت: والله لهذا القول أسر لي مما وصل إليّ منهم.
قال البحتريّ: أنشدت أبا تمام يوما شيئا من شعري، فأنشدني بيت أوس: [الطويل]
وإن مقرم منّا ذرا حدّ نابه ... تمخّط فينا ناب آخر مقرم (١)
ثم قال: يا بنيّ، نعيت إليّ نفسي: فقلت: أعيذك بالله من هذا! فقال لي: إن عمري ليس يطول، وقد نشأ مثلك لطيئ، أما علمت أن خالد بن صفوان المنقريّ رأى شبيب بن شبّة، وهو من رهطه يتكلم، فقال. يا بنيّ، نعى نفسي إليّ إحسانك في كلامك؛ لأنّا أهل بيت، ما نشأ فينا قطّ خطيب إلا مات من قبله.
قال: فمات أبو تمام بعد سنة من قوله هذا، ومات البحتري سنة ثلاث وثمانين ومائتين.
المبرّد: ذكرت للمتوكل المنازعة الّتي جرت بيني وبين أبي الفتح في تأويلات، فبعث إلى عامله بالبصرة أن يحملني إليه مكرها، فوردت سرّ من رأى، فأدخلت على
стр. 66
المتوكّل، وفي المجلس البحتريّ وأبو العنبس الصيمريّ، فأنشده البحتريّ قصيدة أولها:
[مجزوء الكامل]
عن أيّ ثغر تبتسم ... وبأيّ طرف تحتكم (١)
حسن يضنّ بحسنه ... والحسن أشبه بالكرم
حتى بلغ:
قل للخليفة جعفر المت ... وكّل بن المعتصم
المرتضى ابن المجتبى ... والمنعم ابن المنتقم
أمّا الرعيّة فهي من ... أمنات عدلك في حرم
يا باني المجد الذي ... قد كان قوّض فانهدم
اسلم لدين محمّد ... فإذا سلمت فقد سلم
نلنا الهدى بعد العمى ... بل والغنى بعد العدم
ثم مشى القهقرى للانصراف، فوثب أبو العنبس، وقال: يا سيّدي، تأمر بردّه! فقد والله عارضته، فأخذ ينشد في ذلك: [مجزوء الكامل]
في أيّ سلح تنتظم ... وبأيّ كفّ تلتقم
أدخلت رأس البحتر ... يّ أبي عبادة في الرّحم
ووصله بما يشبهه من الشعر. فضحك المتوكّل حتى استلقى، وقال: يدفع إلى أبي العنبس عشرة آلاف درهم، فقال أبو الفتح: يا أمير المؤمنين، والبحتريّ الذي هجي وأسمع المكروه ينصرف خائبا؟ قال: ويدفع إلى البحتريّ عشرة آلاف درهم، قال: يا سيّدي، وهذا البصريّ الذي أشخصناه من بلده، ألا يشركهم فيما حصلوه؟ قال: ويدفع له عشرة آلاف: قال وانصرفنا كلّنا في شفاعة الهذليّ، ولم ينفع البحتريّ جدّه وحذقه.
وأما أبو الفرج، فقال: حدّثني جحظة عن أبي العنبس الصيمريّ، قال: كنت عند المتوكل والبحتريّ ينشده:
* عن أيّ ثغر تبتسم*
وكان البحتريّ من أبغض الناس إنشادا، يتشادق ويتزاور في مشيه مرّة جانبا، ومرّة القهقرى، ويهزّ رأسه مرة ومنكبيه أخرى، ويشير بكفيه، ويقف عند كل بيت، ويقول:
أحسنت والله! ثم يقبل على المستمعين، ويقول لهم: ما لكم لا تقولون: أحسنت! هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله، فضجر المتوكل من ذلك، وأقبل عليّ فقال: أما
стр. 67
تسمع يا صيمريّ ما يقول؟ فقلت: بلى يا سيدي، فمر فيه بما أحببت، فقال: بحياتي اهجه على هذا الرويّ، فقلت على البديهة [مجزوء الكامل]
أدخلت رأسك في الرّحم ... وعلمت أنك تنهزم
يا بحتريّ حذار ويح ... ك قضاقضة ضغم
فلقد أسلت بواديي ... ك من الهجاسيل العرم
فبأيّ عرض تعتصم ... وبهتكه جفّ القلم
والله حلفة صادق ... وبقبر أحمد والحرم
وو حق جعفر الإما ... م بن الإمام المعتصم
لأصيّرنّك شهرة ... بين المسيل إلى العلم
يا بن الثّقيلة والثّقي ... ل على قلوب ذوي النّعم
وعلى الصّغير مع الكب ... ير من الموالي والحشم
وبعد هذا ما يقبح ذكره؛ فغضب البحتريّ، وخرج يعدو، وجعلت أصيح به:
أدخلت رأسك في الرّحم ... وعلمت أنك تنهزم
والمتوكّل يضحك، ويصفّق حتى غاب عنه.
ومدح البحتريّ بعض الولاة، فتوانى في حقه، فأنشده: [البسيط]
إنّ الأمير أطال الله مدّته ... يعطى من العرف ما لم يعطه أحد (١)
ينسى الذي كان من معروفه أبدا ... إلى العباد، ولا ينسى الذي يعد
فأعطاه خمسين ألف درهم، وقال: البيتان خير من القصيدة.
وقال الهذليّ: قيل للبحتريّ: أيما أشعر؟ أنت أو أبو تمام؟ قال: جيّده خير من جيّدي، ورديئي خير من رديئه. وصدق، أبو تمّام لا يتعلّق به أحد في جيّده، وربما اختلّ لفظه لا معناه، والبحتريّ لا يختلّ لفظه.
وقيل له: قد عثرت باحتذائك أبا تمام في شعرك! فقال: أيعاب عليّ أن أتبع أبا تمام، وما عملت بيتا قط حتى أخطر شعره ببالي!
وذكروا معنى تعاوره البحتريّ وأبو تمام، فقال المبرّد للبحتريّ: أنت في هذا أشعر من أبي تمّام، فقال: لا والله، ذلك الرئيس الأستاذ، والله ما أكلت الخبز إلا به.
وقال عبد الله بن الحسن: سألت المبرّد عن أبي تمام والبحتريّ أيهما أشعر؟ فقال:
стр. 68
لأبي تمّام استخراجات لطيفة، ومعان ظريفة، وجيّده أجود من شعر البحتريّ ومن تقدّمه من المحدثين، وشعر البحتريّ أحسن استواء من شعره، لأنّ البحتريّ يقول القصيدة كلّها، فتكون سليمة من طعن طاعن، وأبو تمام يقول البيت النّادر والبارد؛ وهذا المعنى كان أعجب إلى الأصمعيّ، وما أشبّهه إلا بغائص يخرج الدرّة المخشلبة- وهي زجاجة توضع مكان الدّرّة- ثم قال: لأبي تمام والبحتريّ من المحاسن ما لو قيس بأكثر شعر الأوائل ما وجدوا فيه مثله، ثم قال: والبحتريّ ختم الشعر، وله بيتان لو وضعا إلى شعر زهير لجازا فيه؛ وهما: [الوافر]
فما سفه السّفيه وإن تعدّى ... بأنجع فيك من حلم الحليم (١)
متى أحفظت ذا كرم تخطّى ... إليك ببعض أفعال اللّئيم
وذكر المبرّد في هذا المجلس شعرا له، وقدّمه على نظرائه: [الكامل]
وإذا ذكرت محاسن ابني صاعد ... أدّت إليك مخائل ابني مخلد (٢)
كالفرقدين إذا تأمّل ناظر ... لم يعل موضع فرقد عن فرقد
وقوله: [الكامل]
من شاكر عنّي الخليفة للّذي ... أولاه من فضل ومن إحسان (٣)
حتّى لقد أفضلت من إفضاله ... ورأيت نهج الجود حيث رآني
وبعدهما: [الكامل]
أغنت يداه يدي وشرّد جوده ... بخلي، فأفقرني كما أغناني
وله أيضا في الفتح بن خاقان، وقد نزل إلى الأسد فقتله: [الطويل]
حملت عليه السيف عطفك ما انثنى ... ولا يدك ارتدّت ولا حدّه نبا (٤)
فأحجم لمّا لم يجد فيك مطمعا ... وصمّم لما لم يجد عنك مهربا
وله فيه:
وما منع الفتح بن خاقان نيله ... ولكنها الأيام تعطى وتحرم (٥)
سحاب خطاني جوده وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رجلي منه أسود مظلم
стр. 69
أأشكو نداه بعد أن وسع الورى ... ومن ذا يذمّ الغيث إلا مذمّم!
وله أيضا في انتقاض صلح بين عشيرته: [الوافر]
إذا ما الجرح رمّ على فساد ... تبيّن فيه تفريط الطّبيب (١)
وللسّهم السّديد أشد حبّا ... إلى الرامي من السهم المصيب
ومن جيّد شعره: [الطويل]
ولما التقينا واللّوى موعد لنا ... تبيّن رائي الدرّ حسنا ولا قطه (٢)
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
والبحتريّ مكثر جدّا، وديوان شعره نسخ مختلفا بالزيادة والنقص؛ لأن شعره لا ينضبط لكثرته.
[وصية أبي تمام للبحتري]
قال البحتريّ: كنت أروم الشعر في حداثتي، وكنت أرجع فيه إلى الطبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمّام، وانقطعت فيه إليه، واتّكلت في تعريفه عليه، فكان أوّل ما قال لي: يا أبا عبادة، تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم. واعلم أنّ العادة جرت في الأوقات أن يقصدها الإنسان لتأليف الشيء، أو حفظه في وقت السّحر، وذلك أن النفس تكون قد أخذت بحظها في الراحة، وقسطها من النوم، فإن أردت التشبيب، فاجعل اللفظ رقيقا، والمعني رشيقا، وأكثر فيه بيان الصّبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق؛ فإذا أخذت في مدح سيّد [ذي أياد]، فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وابن معالمه، وشرّف مقامه، ونضّد المعاني، واحذر المحتمل منها. وإيّاك أن تشين شعرك بالألفاظ الهجينة، وكن كأنك خيّاط تقطع الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضّجر فأرح نفسك، ولا تعمل شعرا إلا وأنت فارغ القلب. واجعل شهوتك إلى قول الشعر الذّريعة إلى حسن نظمه، فإن الشهوة تجمع النفس. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سبق من شعر الماضين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه؛ ترشد إن شاء الله تعالى.
قال: فأعملت نفسي فيما قال، فوقفت على السياسة.
***
فقال: هل عثرت له فيما لمحته، على بديع استملحته؟ قال: نعم، قوله: [السريع]
كأنّما يبسم عن لؤلؤ ... منضّد أو برد أو أقاح (٣)
стр. 70
فإنّه أبدع في التشبيه، المودع فيه.
***
قوله: «هل عثرت»، معناه اطّلعت. لمحته: نظرته. بديع: معنى لم يسبق غيره إليه من تشبيه أو تجنيس وشبههما ممّا ذكر من صنع البديع في [المقامة] الثالثة والعشرين.
والبدع: إحداث الشيء قبل أن يكون أولا، والبدعة: ما ابتدع من الدّين، والبديع:
المحدث العجيب، وأبدع الرجل: أتى ببديع من قول أو فعل، وأبدع الله الأشياء وابتدعها: خلقها بلا مثال. استملحته: وجدته مليحا. يبسم: يبدي بعض أسنانه عند الضحك. لؤلؤ: جوهر شبّه به الأسنان. وهذا البيت من شعره، وقبله: [السريع]
بات نديما لي حتّى الصّباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح (١)
فبتّ أفديه ولا أرعوي ... لنهي ناه عنه أو لحي لاح
أمزج كأسي بجنى ريقه ... وإنما أمزج راحا براح
كأنما يبسم ... البيت.
وبعده: [السريع]
سحر العيون النّجل مستهلك ... لبّي، وتوريد الخدود الملاح
قل لأبي نوح شقيق العلا ... ومعدن الجود، وترب السّماح
أعوذ بالفضل الجميل الّذي ... عوّدتني، والنائل المستماح
من أن تصدّ الطّرف عنّي وأن ... أخيب في جدواك بعد النّجاح
أشمتّ حسّادي وأخرجتني ... عن سيبك المغدى عليّ المراح
فهل لأنس بان من عودة ... أم هل لحال فسدت من صلاح
لست على سخطك جلد القوى ... ولا على هجرك شاكي السّلاح
قوله: «المودع»: المضمّن، وأودع الشيء: صيّره وديعة.
***
فقال له: يا للعجب، ولضيعة الأدب! لقد استسمنت ذا ورم، ونفخت في غير ضرم! أين أنت من البيت النّدر، الجامع مشبّهات الثّغر! وأنشد: [البسيط]
نفسي الفداء لثغر رق مبسمه ... وزانه شنب ناهيك من شنب
يفترّ عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب
***
стр. 71
استسمنت: حسبته سمينا وطلبت السمانة من هزيل. ورم: دمّل، والمعنى أنه يرميه بسوء الفهم، وقد بيّن هذا أبو الطيّب المتنبي فقال: [البسيط]
أعيدها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم (١)
وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظّلم
ونفخت في غير ضرم، مثل لطلب الشيء في غير موضعه، ولفظ المثل: «نفخت» أو «تنفخ»، والضّرم: النار. النّدر، والنادر: الغريب. الثغر: الأسنان، مبسمه: موضع ابتسامة، يعني الفم.
الشّنب: الماء القليل الجاري على الأسنان الجرميّ: سمعت الأصمعي يقول:
الشّنب برد الأسنان والفم، فقلت: أصحابنا يقولون: حدّتها حين تطلع، فيراد بذلك حداثتها وطراءتها، لأنّها إذا أتت عليها السنون تغيّرت، فقال: ما هو إلا بردها. ابن سيده: قال الأصمعيّ: سألت رؤبة عن الشّنب ما هو؟ فأخذ حبّة رمان فأومأ إلى بصيصها.
ناهيك: كافيك، وتقول: ناهيك بفلان! أي قد انتهى الأمر فيه إلى الغاية ونهي الرّجل من اللحم وأنهى، إذا شبع منه واكتفى، والنّهي: الغدير لأنه ينتهي إليه ماء الوادي. يفترّ: يكشف ويبسم. رطب، أي طريّ كما أخرج من أصدافه، وفي اللؤلؤ إذ ذاك رطوبة وسطوح بياض، فإذا أصابه الهوى ودام عليه صلب، وإذا تداولته الأيدي باللمس وقدم تغيّر بياضه. الطّلع: أول حمل النخلة، وهو الفرخ فإذا انشق فهو بالضّحك، وبه تشبه الأسنان في بياضه، ثم الإغريض إذا افترق حبّه، وإنّما شبّه الأسنان بالطّلع، وهو الفرخ، لأنه إذا شقّ وجد ما فيه من حمل النخلة في غاية البياض، ويقال له: الوليع، قال الشاعر: [المتقارب]
وتبسّم عن لؤلؤ كالوليع ... تشقّق عنه الرّقاة الجفوفا (٢)
الجفوف جمع جفّ وهو قشر الفرخ، ويقال له القيقاء والبلبلة، وهو طيّب الريح، والرّقاة: الراقون إلى أعلى النخل.
والحبب: تنضّد الأسنان، وقيل: طرائق تظهر في الخمر عند مزجها بالماء، فأمّا الفقاقيع الّتي تعلو الخمر عند المزج فهي الحباب، بزيادة الألف، قال المتلمّس: [الوافر]
стр. 72
عقار أعتقت في الدّنّ حتّى ... كأنّ حبابها حدق الجراد (١)
وقال آخر: [الكامل]
حمراء قانية إذا ما شعشعت ... ينزو إلى وجه النّديم حبابها
***
فاستجاده من حضر واستحلاه، واستعاده منه واستملاه، وسئل لمن هذا البيت، وهل حيّ قائله أو ميت؟ فقال: أيم الله، للحقّ أحقّ أن يتّبع، وللصّدق حقيق بأن يستمع؛ إنّه يا قوم، لنجيّكم منذ اليوم. قال: فكأنّ الجماعة ارتابت بعزوته، وأبت تصديق دعوته. فتوجّس ما هجس في أفكارهم، وفطن لما بطن من استنكارهم، وحاذر أن يفرط إليه ذمّ، أو يلحقه وهم، فقرأ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.
ثمّ قال: يا رواة القريض، وأساة القول المريض، إنّ خلاصة الجوهر تظهر بالسّبك، ويد الحقّ تصدع رداء الشّكّ، وقد قيل فيما غبر من الزّمان: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وها أنا قد عرّضت خبيّتي للاختبار، وعرضت حقيبتي على الاعتبار.
***
قوله: «استعاده»، أي قال: أعده عليّ. استملاه: طلب أن يكتبه. ايم الله: يمين يحلف به. نجيّكم: محدّثكم- يعني نفسه. ارتابت: شكّت والرّيب: الشكّ. بعزوته:
بنسبته، أي بنسبته إلى نفسه. دعوته: ادعاؤه أنه من قوله: والدّعوة بكسر الدّال في النّسب، وبفتحها في الطعام. فتوجّس: أي أحسّ وسمع هجس: وقع وخطر. فطن:
شعر. بطن: خفي، يريد أنه فهم منهم أنهم لم يصدّقوه في أنّ الشعر له، وأنكروا أن يقول مثله. حاذر: خاف. يفرط: يسبق. القريض: الشعر. أساة: أطبّاء، وأحدهم آس.
القول المريض: الضعيف من قبل راويه. خلاصة: ما خلص منه. وجواهر الأرض، مثل الحديد والنحاس وغيرهما، فإذ عرض الجوهر على النّار، فما كان منه خالصا زاد صفاء وجودة، وما لم يكن خالصا فضحته النار وأظهرت عيبه. السّبك: الاختبار بالنار.
تصدع: تشق. غبر: مضى هنا، ويستعمل كثيرا بمعنى «بقي» وهو من الأضداد؛ يقال:
غبر الشيء غبورا إذا بقي، قال الله تعالى: إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ [الأعراف:
٨٣]، أي الباقين. الامتحان: الاختبار والبحث، وهذا المثل من أمثال الفرس، ولهذا أبعد مدّته حيث قال: غبر من الزمان. خبيّتي: مكتومي، وما خبأته من علمي، وأصل «خبيّتي» الهمز، فقلبت همزته ياء وأدغمت فيها الياء، كما قلبت في «خاسية». وتقول:
стр. 73
عرضت الشيء على البيع وعرّضته للبيع، إن أتيت بعلى خفّفت الراء، وإن أتيت باللام شدّدتها. والحقيبة: وعاء يجعله الراكب خلفه، والاعتبار والاختبار واحد.
... فابتدر أحد من حضر، وقال: أعرف بيتا لم ينسج على منواله، ولا سمحت قريحة بمثاله، فإن آثرت اختلاب القلوب، فانظم على هذا الأسلوب: [البسيط]
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
... قوله: «ابتدر»، أي سبق بالكلام وبادر به. والمنوال: خشبة الحائك؛ يريد أنّ البيت رفيع الصنعة في الشّعر لم يصنع بيت مثله، لأنّ الثوب أنواع، وصنعة الشعر تشبه نسج الثوب. سمحت: جادت. قريحة: ذهن. آثرت: فضّلت. اختلاب القلوب: إمالتها إليك بتصديقك وانخداعك بما تبديه، وهو من الخلب وهو من غشاء القلب. وعن أبي عبيدة وغيره قال ثعلب: الخلب: الّذي بين الزيادة والكبد، يقال: خلبني حبّ فلان، أي وصل حبّه إلى خلبي، وفلان خلب نساء، أي تخلبه النساء، وخلّاب: يخلب الناس، أي يذهب بقلوبهم، وخلب جمعه خلبة، وكلّه من الخلب، قال أعرابيّ: [البسيط]
من كان لم يدر ما حبّ جمعت له ... أو كان في غفلة أو كان لم يجد
فالحبّ أوّله روع وآخره ... مثل الحرارة بين الخلب والكبد
[انظم: قل شعرا منظوما. والأسلوب: الطريقة].
لؤلؤا: درّا. النرجس: نوّار أصفر في نوره انكسار وفتور لا يكاد يرى، له ورقة قائمة، تشبّه به العينان إذا كان في نظرهما فتور.
[ما قيل في النرجس]
وقد تمادى إنكار أدباء وقتنا تشبيه العين بهذا النوّار الأصفر المعروف عندنا بالنرجس، فأكثرهم ينكر أن يكون يقع به تشبيه لأجل صفرته، وإن ذكرته لأحد قال:
وأيّ صفرة في العين إلّا أن يكون بصاحبها علّة اليرقان! ويستهجن موضع التشبيه جدّا.
وقد سألت عنه بعض أشياخي في صغري، وأنا أقرأ عليه كتاب «الجمل» وكان أديبا شاعرا، فأنكر وقوع التشبيه بهذا النّور الأصفر، وقال لي: النّرجس عندهم بالمشرق نور يشبه نوّار القول، وأكثر من لقيته يستبعد التشبيه بهذا الأصفر، لأجل لونه، وذلك لقلّة تحصيلهم معرفة كلام العرب وتشبيهاتها، والعرب توقع تشبيهاتها على الصورة دون المعنى، وعلى المعنى دون الصورة، وعليهما جميعا؛ وهو أكمل وجوه التشبيه. وانظر أقسام التشبيه في الثالثة والعشرين تقع على علم هذا وغيره بإذن الله تعالى.
стр. 74
وتشبيه العيون بالسيوف والسّهام، إنّما المراد به المضاء والقطع، ولا يلتفت في ذلك إلى اللون، وكذلك تشبيه العيون بالنّرجس الأصفر إذا قصد ما فيه من الفتور واقع متمكّن في التشبيه، ألا ترى ابن المعتزّ التفت إلى الفتور وحده حين قال: [الكامل]
وسنان قد خدع النّعاس جفونه ... فحكى بمقلته ذبول النّرجس (١)
والنّرجس الذي يشبّه به أهل المشرق العيون، هو نبات له قضبان خضر في رءوسها أقماع، يخرج منها نور ينبسط منه على الأقماع ورق أبيض، في وسط البياض دائرة قائمة من ورق صغير. هذه الصفة التي تقع في أشعارهم إذا ذكروا النّرجس، وبذلك وصفه كسرى أنوشروان، فقال: النّرجس ياقوت أصفر، بين درّ أبيض على زمرّد أخضر، أخذه بعضهم فقال فيه: [الطويل]
وياقوتة صفراء في رأس درّة ... مركبّة في قائم من زبرجد
كأنّ بهيّ الدرّ عقد نظامها ... فريد أنيق قد أطاف بعسجد
وأنشد أبو عون الكاتب في كتاب التشبيه له، فقال: من جيّد ما قيل في النرجس ما أنشده المبرّد رحمه الله تعالى: [السريع]
نرجسة لاحظني طرفها ... تشبه دينارا على درهم
وقال عبيد الله بن عبد الله فيه: [المنسرح]
ترنو بأبصارها إليك كما ... ترنو إذا خافت اليعافير
مثل اليواقيت قد نظمن على ... زمرّد فوقهنّ كافور
كأنّها والعيون ترمقها ... دراهم وسطها دنانير
وقال أبو نواس: [الطويل]
لدى نرجس غضّ القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون
مخالفة في شكلهنّ وصفرة ... مكان سواد والبياض جفون
أجاد التشبيه، وكشف بذكر المخالفة قناع الشبهة، وبين مواقع التشبيه غاية البيان.
وقال أبو عبد الملك بن فرج في كتاب الحاسّ والمحسوس، له: وأحسن بيت أنشدنيه أبو جعفر البغداديّ ﵀: [الطويل]
مداهن درّ بين أوراق فضّة ... على قيس شبر أخضر كالزّبرجد
وقال أبو الفرج الببغاء: [السريع]
стр. 75
ونرجس لم يعد مبيضّه ال ... كأس ولا أصفره الرّاحا
تخال أحقاق لجين حوت ... من أصفر العسجد أقداحا
كأنما يهدي المحيّي به ... لطفا إلى الأرواح أرواحا
يغني عن الورد إذا مارنا ... ويخلف الورد إذا فاحا
وقال ابن المعتزّ: [الطويل]
كأنّ عيون النّرجس الغضّ بيننا ... مداهن درّ بينهنّ عقيق
إذا بلهنّ القطر خلت دموعه ... بكاء عيون كحلهنّ خلوق
وقال النّاشيّ: [مجزوء المتقارب]
أخصّ الصفات التي ... تناولها من كتب
عيون بلا أوجه ... لها حدق من ذهب
وقال ابن الروميّ: [الكامل]
يا نرجس الدّنيا ترى أبدا ... للافتراج ودائم النّخب
ذهب العيون إذا مثلن لنا ... درّ الجفون زبرجد القصب
وهذه الصفة التي أثبتها أهل المشرق للنّرجس، هي التي يصف بها أهل المغرب البهار، قال ابن أبي عامر في جارية اسمها بهار: [الكامل]
حدق الحسان تقرّ لي وتغار ... وتظلّ في صفة البهار تحار
طلعت على قضبي عيون كمائمي ... مثل العيون تحفّها الأشفار
وأخصّ شيء بي إذا شبّهتني ... درّ تمنطق سلكه دينار
أهدى لنا قضب الزّبرجد ساقه ... وحباه أنفس عطره العطّار
أنا نرجس حقّا بهرت عقولهم ... ببديع تركيبي فقيل بهار
بيّن أن البهار عندنا، هو الذي تسميه أهل المشرق نرجسا.
وقال أبو جعفر بن برد: [الطويل]
تأمّل فقد شقّ البهار مغلّسا ... كمائمه عن نوره الخضل النّدى
مداهن تبر في أنامل فضّة ... على أذرع مخروطة من زبرجد
وقال القسطليّ: [المتقارب]
بهار يروق بمسك ذكيّ ... وصنع بديع وخلق عجب