← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

استسمنت: حسبته سمينا وطلبت السمانة من هزيل. ورم: دمّل، والمعنى أنه يرميه بسوء الفهم، وقد بيّن هذا أبو الطيّب المتنبي فقال: [البسيط] أعيدها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم (١) وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظّلم ونفخت في غير ضرم، مثل لطلب الشيء في غير موضعه، ولفظ المثل: «نفخت» أو «تنفخ»، والضّرم: النار. النّدر، والنادر: الغريب. الثغر: الأسنان، مبسمه: موضع ابتسامة، يعني الفم. الشّنب: الماء القليل الجاري على الأسنان الجرميّ: سمعت الأصمعي يقول: الشّنب برد الأسنان والفم، فقلت: أصحابنا يقولون: حدّتها حين تطلع، فيراد بذلك حداثتها وطراءتها، لأنّها إذا أتت عليها السنون تغيّرت، فقال: ما هو إلا بردها. ابن سيده: قال الأصمعيّ: سألت رؤبة عن الشّنب ما هو؟ فأخذ حبّة رمان فأومأ إلى بصيصها. ناهيك: كافيك، وتقول: ناهيك بفلان! أي قد انتهى الأمر فيه إلى الغاية ونهي الرّجل من اللحم وأنهى، إذا شبع منه واكتفى، والنّهي: الغدير لأنه ينتهي إليه ماء الوادي. يفترّ: يكشف ويبسم. رطب، أي طريّ كما أخرج من أصدافه، وفي اللؤلؤ إذ ذاك رطوبة وسطوح بياض، فإذا أصابه الهوى ودام عليه صلب، وإذا تداولته الأيدي باللمس وقدم تغيّر بياضه. الطّلع: أول حمل النخلة، وهو الفرخ فإذا انشق فهو بالضّحك، وبه تشبه الأسنان في بياضه، ثم الإغريض إذا افترق حبّه، وإنّما شبّه الأسنان بالطّلع، وهو الفرخ، لأنه إذا شقّ وجد ما فيه من حمل النخلة في غاية البياض، ويقال له: الوليع، قال الشاعر: [المتقارب] وتبسّم عن لؤلؤ كالوليع ... تشقّق عنه الرّقاة الجفوفا (٢) الجفوف جمع جفّ وهو قشر الفرخ، ويقال له القيقاء والبلبلة، وهو طيّب الريح، والرّقاة: الراقون إلى أعلى النخل. والحبب: تنضّد الأسنان، وقيل: طرائق تظهر في الخمر عند مزجها بالماء، فأمّا الفقاقيع الّتي تعلو الخمر عند المزج فهي الحباب، بزيادة الألف، قال المتلمّس: [الوافر]

стр. 72

عقار أعتقت في الدّنّ حتّى ... كأنّ حبابها حدق الجراد (١) وقال آخر: [الكامل] حمراء قانية إذا ما شعشعت ... ينزو إلى وجه النّديم حبابها *** فاستجاده من حضر واستحلاه، واستعاده منه واستملاه، وسئل لمن هذا البيت، وهل حيّ قائله أو ميت؟ فقال: أيم الله، للحقّ أحقّ أن يتّبع، وللصّدق حقيق بأن يستمع؛ إنّه يا قوم، لنجيّكم منذ اليوم. قال: فكأنّ الجماعة ارتابت بعزوته، وأبت تصديق دعوته. فتوجّس ما هجس في أفكارهم، وفطن لما بطن من استنكارهم، وحاذر أن يفرط إليه ذمّ، أو يلحقه وهم، فقرأ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ. ثمّ قال: يا رواة القريض، وأساة القول المريض، إنّ خلاصة الجوهر تظهر بالسّبك، ويد الحقّ تصدع رداء الشّكّ، وقد قيل فيما غبر من الزّمان: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وها أنا قد عرّضت خبيّتي للاختبار، وعرضت حقيبتي على الاعتبار. *** قوله: «استعاده»، أي قال: أعده عليّ. استملاه: طلب أن يكتبه. ايم الله: يمين يحلف به. نجيّكم: محدّثكم- يعني نفسه. ارتابت: شكّت والرّيب: الشكّ. بعزوته: بنسبته، أي بنسبته إلى نفسه. دعوته: ادعاؤه أنه من قوله: والدّعوة بكسر الدّال في النّسب، وبفتحها في الطعام. فتوجّس: أي أحسّ وسمع هجس: وقع وخطر. فطن: شعر. بطن: خفي، يريد أنه فهم منهم أنهم لم يصدّقوه في أنّ الشعر له، وأنكروا أن يقول مثله. حاذر: خاف. يفرط: يسبق. القريض: الشعر. أساة: أطبّاء، وأحدهم آس. القول المريض: الضعيف من قبل راويه. خلاصة: ما خلص منه. وجواهر الأرض، مثل الحديد والنحاس وغيرهما، فإذ عرض الجوهر على النّار، فما كان منه خالصا زاد صفاء وجودة، وما لم يكن خالصا فضحته النار وأظهرت عيبه. السّبك: الاختبار بالنار. تصدع: تشق. غبر: مضى هنا، ويستعمل كثيرا بمعنى «بقي» وهو من الأضداد؛ يقال: غبر الشيء غبورا إذا بقي، قال الله تعالى: إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ [الأعراف: ٨٣]، أي الباقين. الامتحان: الاختبار والبحث، وهذا المثل من أمثال الفرس، ولهذا أبعد مدّته حيث قال: غبر من الزمان. خبيّتي: مكتومي، وما خبأته من علمي، وأصل «خبيّتي» الهمز، فقلبت همزته ياء وأدغمت فيها الياء، كما قلبت في «خاسية». وتقول:

стр. 73

عرضت الشيء على البيع وعرّضته للبيع، إن أتيت بعلى خفّفت الراء، وإن أتيت باللام شدّدتها. والحقيبة: وعاء يجعله الراكب خلفه، والاعتبار والاختبار واحد. ... فابتدر أحد من حضر، وقال: أعرف بيتا لم ينسج على منواله، ولا سمحت قريحة بمثاله، فإن آثرت اختلاب القلوب، فانظم على هذا الأسلوب: [البسيط] فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد ... قوله: «ابتدر»، أي سبق بالكلام وبادر به. والمنوال: خشبة الحائك؛ يريد أنّ البيت رفيع الصنعة في الشّعر لم يصنع بيت مثله، لأنّ الثوب أنواع، وصنعة الشعر تشبه نسج الثوب. سمحت: جادت. قريحة: ذهن. آثرت: فضّلت. اختلاب القلوب: إمالتها إليك بتصديقك وانخداعك بما تبديه، وهو من الخلب وهو من غشاء القلب. وعن أبي عبيدة وغيره قال ثعلب: الخلب: الّذي بين الزيادة والكبد، يقال: خلبني حبّ فلان، أي وصل حبّه إلى خلبي، وفلان خلب نساء، أي تخلبه النساء، وخلّاب: يخلب الناس، أي يذهب بقلوبهم، وخلب جمعه خلبة، وكلّه من الخلب، قال أعرابيّ: [البسيط] من كان لم يدر ما حبّ جمعت له ... أو كان في غفلة أو كان لم يجد فالحبّ أوّله روع وآخره ... مثل الحرارة بين الخلب والكبد [انظم: قل شعرا منظوما. والأسلوب: الطريقة]. لؤلؤا: درّا. النرجس: نوّار أصفر في نوره انكسار وفتور لا يكاد يرى، له ورقة قائمة، تشبّه به العينان إذا كان في نظرهما فتور. [ما قيل في النرجس] وقد تمادى إنكار أدباء وقتنا تشبيه العين بهذا النوّار الأصفر المعروف عندنا بالنرجس، فأكثرهم ينكر أن يكون يقع به تشبيه لأجل صفرته، وإن ذكرته لأحد قال: وأيّ صفرة في العين إلّا أن يكون بصاحبها علّة اليرقان! ويستهجن موضع التشبيه جدّا. وقد سألت عنه بعض أشياخي في صغري، وأنا أقرأ عليه كتاب «الجمل» وكان أديبا شاعرا، فأنكر وقوع التشبيه بهذا النّور الأصفر، وقال لي: النّرجس عندهم بالمشرق نور يشبه نوّار القول، وأكثر من لقيته يستبعد التشبيه بهذا الأصفر، لأجل لونه، وذلك لقلّة تحصيلهم معرفة كلام العرب وتشبيهاتها، والعرب توقع تشبيهاتها على الصورة دون المعنى، وعلى المعنى دون الصورة، وعليهما جميعا؛ وهو أكمل وجوه التشبيه. وانظر أقسام التشبيه في الثالثة والعشرين تقع على علم هذا وغيره بإذن الله تعالى.

стр. 74

وتشبيه العيون بالسيوف والسّهام، إنّما المراد به المضاء والقطع، ولا يلتفت في ذلك إلى اللون، وكذلك تشبيه العيون بالنّرجس الأصفر إذا قصد ما فيه من الفتور واقع متمكّن في التشبيه، ألا ترى ابن المعتزّ التفت إلى الفتور وحده حين قال: [الكامل] وسنان قد خدع النّعاس جفونه ... فحكى بمقلته ذبول النّرجس (١) والنّرجس الذي يشبّه به أهل المشرق العيون، هو نبات له قضبان خضر في رءوسها أقماع، يخرج منها نور ينبسط منه على الأقماع ورق أبيض، في وسط البياض دائرة قائمة من ورق صغير. هذه الصفة التي تقع في أشعارهم إذا ذكروا النّرجس، وبذلك وصفه كسرى أنوشروان، فقال: النّرجس ياقوت أصفر، بين درّ أبيض على زمرّد أخضر، أخذه بعضهم فقال فيه: [الطويل] وياقوتة صفراء في رأس درّة ... مركبّة في قائم من زبرجد كأنّ بهيّ الدرّ عقد نظامها ... فريد أنيق قد أطاف بعسجد وأنشد أبو عون الكاتب في كتاب التشبيه له، فقال: من جيّد ما قيل في النرجس ما أنشده المبرّد رحمه الله تعالى: [السريع] نرجسة لاحظني طرفها ... تشبه دينارا على درهم وقال عبيد الله بن عبد الله فيه: [المنسرح] ترنو بأبصارها إليك كما ... ترنو إذا خافت اليعافير مثل اليواقيت قد نظمن على ... زمرّد فوقهنّ كافور كأنّها والعيون ترمقها ... دراهم وسطها دنانير وقال أبو نواس: [الطويل] لدى نرجس غضّ القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون مخالفة في شكلهنّ وصفرة ... مكان سواد والبياض جفون أجاد التشبيه، وكشف بذكر المخالفة قناع الشبهة، وبين مواقع التشبيه غاية البيان. وقال أبو عبد الملك بن فرج في كتاب الحاسّ والمحسوس، له: وأحسن بيت أنشدنيه أبو جعفر البغداديّ ﵀: [الطويل] مداهن درّ بين أوراق فضّة ... على قيس شبر أخضر كالزّبرجد وقال أبو الفرج الببغاء: [السريع]

стр. 75

ونرجس لم يعد مبيضّه ال ... كأس ولا أصفره الرّاحا تخال أحقاق لجين حوت ... من أصفر العسجد أقداحا كأنما يهدي المحيّي به ... لطفا إلى الأرواح أرواحا يغني عن الورد إذا مارنا ... ويخلف الورد إذا فاحا وقال ابن المعتزّ: [الطويل] كأنّ عيون النّرجس الغضّ بيننا ... مداهن درّ بينهنّ عقيق إذا بلهنّ القطر خلت دموعه ... بكاء عيون كحلهنّ خلوق وقال النّاشيّ: [مجزوء المتقارب] أخصّ الصفات التي ... تناولها من كتب عيون بلا أوجه ... لها حدق من ذهب وقال ابن الروميّ: [الكامل] يا نرجس الدّنيا ترى أبدا ... للافتراج ودائم النّخب ذهب العيون إذا مثلن لنا ... درّ الجفون زبرجد القصب وهذه الصفة التي أثبتها أهل المشرق للنّرجس، هي التي يصف بها أهل المغرب البهار، قال ابن أبي عامر في جارية اسمها بهار: [الكامل] حدق الحسان تقرّ لي وتغار ... وتظلّ في صفة البهار تحار طلعت على قضبي عيون كمائمي ... مثل العيون تحفّها الأشفار وأخصّ شيء بي إذا شبّهتني ... درّ تمنطق سلكه دينار أهدى لنا قضب الزّبرجد ساقه ... وحباه أنفس عطره العطّار أنا نرجس حقّا بهرت عقولهم ... ببديع تركيبي فقيل بهار بيّن أن البهار عندنا، هو الذي تسميه أهل المشرق نرجسا. وقال أبو جعفر بن برد: [الطويل] تأمّل فقد شقّ البهار مغلّسا ... كمائمه عن نوره الخضل النّدى مداهن تبر في أنامل فضّة ... على أذرع مخروطة من زبرجد وقال القسطليّ: [المتقارب] بهار يروق بمسك ذكيّ ... وصنع بديع وخلق عجب

стр. 76

غصون الزّبرجد قد أورقت ... بها فضة نوّرت بالذّهب وقال القاضي أبو الحسن بن لبّال: [الرمل] وبهار يحكى كئوس لجين ... حملتها أنامل من زبرجد سامرتها الكواكب الزّهر حتى ... سمّرت وسطها كواكب عسجد وأنشدني بعض أشياخنا: [الكامل] انظر إلى حسن البهار وغنجه ... يرنو إليك بمقلتي وسنان فكأنما هي راحة من فضّة ... قد ضمّنت كأسا من العقيان وكأنّ نشر نسيمه غبّ النّدى ... يأتيك بالأنفاس من بغدان والّذي تسميه أهل المغرب نرجسا يسمّيه أهل المشرق بهارا، ولذلك قال الحريريّ في العاشرة: «ووردتي بالبهار»، دعا فيها على الغلام بالحمّى، وأن ينعكس حمرة خدّه صفرة، وقال حبيب في ذلك: [الخفيف] إنّ وجه الحمّى لوجه صفيق ... حين تسطو به نهارا جهارا لم تشن ورد وجنتيه ولكن ... صيّرت ورد وجنتيه بهارا وبلون النرجس يشبّه أهل الأندلس المريض. وقال أبو بكر الأبيض: [البسيط] يا شاكيا صدّني عن مسّه ألمي ... طال اشتياقي به ليلا فلم أنم تضاءل الدّهر إشفاقا على قمر ... رقيبه في سماء المجد والكرم لم أرض قلبي مكانا إذ حللت به ... حتى خلطتك في سودائه بدمي أنت البهار ولا أدري متى خلعت ... عليك أيدي اللّيالي نرجس السّقم ولابن الزقّاق: [الرمل] وغزال ذي اعتدال شفّه ... بعد ما شقّ هواه الأنفسا جارت الحمّى على وجنته ... فاستحال الورد منه نرجسا فثبت بما قدمناه، أنّ نرجسهم بهارنا، وأن بهارهم نرجسنا. وآكد ما يدلّ على صحته اشتراك البيت الذي أنشده أبو الفرج على النّرجس مع بيت ابن برد في لفظ واحد، أخذ ابن برد منه صفة النرجس، فقلبه لاسم البهار حين نظمه. واعلم أن تشبيه العين بنرجسهم أبين لتعلّقهم بالصورة، وأن تشبيهها بنرجسنا أدون لتعلّقه بالمعنى، وهو مع ذلك متمكّن في باب التشبيه، وأنّاسم النرجس لا بدّ فيه من صفرة.

стр. 77

وقد قال شاعر من المشرق، وهو أحمد بن يونس الكاتب في مناقضة ابن الروميّ في تفضيله النرجس على الورد: إن كنت تنكر ما ذكرنا بعد ما ... قامت عليه دلائل وشواهد فانظر إلى المصفرّ لونا منهما ... وافطن فما يصفرّ إلا الحاسد فلولا ما ذكرنا من أشعارهم، لحكمنا بهذا البيت، على أن نرجسهم هو نرجسنا، ومذهب ابن الروميّ تفضيله على الورد، وهو القائل: [المتقارب] وأحسن ما في الوجوه العيو ... ن وأشبه شيء بها النّرجس والنّفوس تتشوّق إلى رؤية نرجسهم، لأنّا لم نعلم نرجسنا غير هذا الأصفر، حتى نعلم بما ذكرناه أنّه هو النوّار المعروف، وهم أيضا يتشوّقون لمنظر نرجسنا. ويدلّ على ذلك حكاية القاضي الفقيه أبي الحسن بن لبّال، قال: خرجت عشيّة لخارج إشبيليّة أيام حداثتي وقراءتي بها، فجلست في وسط واديها، وبيدي كتاب أنظر فيه، وإذا رجل يحملق حواليّ، فإذا نظرت في الكتاب يأخذ وينشد للأشعار التي بين أيدينا نظائر من بديع الشعر، فذاكرته فوجدته بحر أدب، فسألته عن محفوظه، فقال: أحفظ خمسة عشر ألف بيت من الشعر، فسألته: هل تنظم شيئا؟ فأنشدني في وصف فرس، وزعم أنه القائل: [الكامل] منع الحوافر أن تطين به الثّرى ... فكأنه في جريه متعلّق وكأنّ أربعة توافق طرفه ... فتكاد تسبقه إلى ما يرمق فاستعدت بيته، وراجعته في قوله: «تطين»، فقلت له: إنما هو «تطأن»، فلم يعرف اللفظ، وإنما تكلّم بلا همر على لحن عامته، فجرّبته في غيره، فوجدت شعره من جهة الطبع وكثرة الحفظ، لا من جهة العلم، فسألته عن بلاده، فقال: أنا من العراق، فقلت له: فما السّبب الذي جاء بك إلى الأندلس؟ فقال لي: لأرى النّرجس الأصفر المذكور في أشعاركم عيانا. ودعاني إلى الإطالة في ذكر النّرجس رغبة أن أرفع عن غيري حيرة الشبهة التي أقمت فيها زمانا طويلا، لا أجد من يرفعها عني. [الوأواء الدّمشقي] والبيت الذي اقتضى النّظم على أسلوبه هو لأبي الفرج الغسّاني الدّمشقي، المعروف بالوأواء، ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمته، فقال: أبو الفرج من حسان الدهر، وصاغة الكلام. ومن عجائب أمره أنه كان مناديا بدار البطّيخ بدمشق ينادي على الفواكه، وما زال يشعر حتى جاد شعره، ووقع له ما يروق، ويشوق ويفوق، حتى تعلّق بالعيّوق.

стр. 78

وقال الفتح بن خاقان: إني انصرفت البارحة من مجلس أمير المؤمنين، فلما دخلت مجلسي لقيت خلافة جاريتي، فلم أتمالك أن، قبّلتها، فوجدت ما بين شفتيها هواء، لو رقد المحموم فيه لأفاق. وهذا مستطرف من كلام الفتح، فقال الوأواء ملمّا به: [الطويل] سقى الله ليلا طاب إذ زار طيفه ... فأفنيته حتى الصّباح عناقا (١) بطيب نسيم منه يستجلب الكرى ... فلو رقد المحموم فيه أفاقا وله أيضا: [البسيط] بالله ربّكما عوجا على سكني ... وعاتباه، لعلّ العتب يعطف (٢) وعرّضا بي وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه! فإن تبسّم قولا في ملاطفة ... ما ضرّ لو بوصال منك تسعفه! وإن بدا لكما من سيّدي غضب ... فغالطاه، وقولا: ليس نعرفه وله في النحول: [الوافر] وما أبقى الهوى والشوق منّي ... سوى روح تردّد في خيال (٣) خفيت عن العواذل أن تراني ... كأنّ الرّوح منّي في محال وله في الزّرقة: [البسيط] يا من هو الماء في تكوين خلقته ... ومن هو الخرّ في أفعال مقلته (٤) ومن بزرقة سيف اللحظ طلّ دمي ... والسيف، ما فخره إلا بزرقته علّمت إنسان عيني أن يعوم فقد ... جادت سباحته في بحر دمعته وله أيضا: [المتقارب] تملّكت يا مهجتي مهجتي ... وأسهرت يا ناظري ناظري (٥) وما كان ذا أملى يا ملول ... ولا هجس الهجر في خاطري فجد بالوصال فدتك النفوس ... فلست على الهجر بالقادر وفيك تعلّمت نظم القريض ... فلقّبني الناس بالشاعر وله من قصيدة: يقمن لنا برق الثّغور أدلّة ... إذا ما ضللنا في ظلام الذّوائب

стр. 79

قال: ومن بديع تشبيهاته قوله: فأمطرت لؤلؤا من نرجس ... (١) البيت. ثم قال: هذا البيت ضمّنه خمسة تشبيهات بغير أداة التشبيه، وذكر المتنبّي منها أربعة فأجاد، وهي ما ضمنها قوله ﵀: [الوافر] بدت قمرا، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا (٢) وللفقيه أبي محمد بن حزم خمسة تشبيهات في بيت واحد، ولا يقدر أحد على أكثر منه، إذ لا يحتمل العروض ولا أبنية الأسماء أكثر من ذلك، قال: [الطويل] خلوت بها والكأس ثالثة لنا ... وجنح ظلام اللّيل قد مدّ واتّلج فتاة عدمت العيش إلّا بقربها ... وهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج! كأنّي وهي والكأس والخمر والدّجى ... ثرى وحيا والدّرّ والتّبر والسّبج وقبل بيت الوأواء: [البسيط] إنسيّة لو بدت للشمس ما طلعت ... للنّاظرين ولم تغرب على أحد قالت وقد فتكت فينا لواحظها: ... ما إن أرى لقتيل الحبّ من قود فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد ثم استمرت وقالت وهي ضاحكة: ... قوموا انظروا كيف فعل الظّبي بالأسد! وأول القصيدة: [البسيط] لمّا وضعت على صدري يدا ليد ... وصحت في اللّيلة الظلماء واكبدي! وقال أيضا: [الوافر] أتاني زائرا من كان يبدي ... لي الهجر الطّويل ولا يزور (٣) فقال النّاس لمّا أبصروه ... ليهنك زارك القمر المنير فقلت لهم ودمع العين يجري ... على خدّي له درّ نثير ولو نصبوا رحا بإزاء عيني ... لكانت من مدامعها تدور *** فلم يكن إلّا كلمح البصر أو هو أقرب، حتّى أنشد فأغرب: [البسيط] سألتها حين زارت نضو برقعها ال ... قاني وإيداع سمعي أطيب الخبر

стр. 80

فزحزحت شفقا غشّى سنا قمر ... وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر *** قوله: «لمح البصر»، يعني نظر العين إلى الشيء بسرعة ثم تغيب عنه بسرعة، وأصل البصر الإدراك بالعين. أغرب: أتى بغريب. نضو: كشف. القاني: الأحمر. إيداع سمعي: إعطاء أذني، كأنه جعله وديعة عنده. زحزحت: أزالت. الشفق: حمرة الشمس بعد الغروب. غشّى: غطّى. سنا: ضوء. عطر: فوّاح طيّب التنفس. وبيت الحريريّ في صنعة البديع فائق، وإن لم يأت بعدد تشبيهات بيت أبي الفرج، وبيانه أن أبا الفرج يصف امرأة باكية، فيقول: إنها نثرت دموعها على من قتلت من عشاقها، فسقطت على خدّها فبلّلته، وعضّت على أصابعها المصبوغة بالحنّاء بأسنانها، فجعل البيت كلّه استعارة، فقال: «فأمطرت لؤلؤا»، وهو يريد: بكت دمعا، وذكر نرجسا ووردا، وهو يريد عينا وخدّا، وذكر عنّابا وبردا، وهو يريد أنامل وأسنانا، فضمّن تحت ألفاظه هذه المعاني، وزاد فائدة التشبيه؛ وهذا يفعله أهل القدرة على الشعر، فقابل الحريريّ هذا بقوله: «فزحزحت شفقا»، وهو يرى نقابا أحمر، وذكر «سنا قمر» وهو يريد ضوء وجهها، وذكر لؤلؤا من خاتم، وهو يريد كلاما من فم. والبيت الثاني في مقابلة بيت أبي الفرج، والأول توطئة له، وهو يصف امرأة زارته متنقّبة فسألها، أن تكشف عن وجهها وتحدّثه، فأزالت نقابها، وأسمعته كلاما حسنا من فم عطر. [ما قيل في اللؤلؤ] واللؤلؤ تشبّه به الأسنان في مثل قوله: [السريع] * كأنما يبسم عن لؤلؤ (١) * وقوله: [البسيط] * يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد* ويشبّه به الكلام في مثل قول البحتريّ: [الكامل] * ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه (٢) *

стр. 81

وقول الحريريّ: [البسيط] * وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر* ويشبّه به الدمع، كقول الوأواء: «فأمطرت لؤلؤا»، وهو كثير. ومن أحسنه قول الشاعر: [الطويل] ولمّا وقفنا للوداع ودمعها ... ودمعي يثيران الصّبابة والوجدا بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعي ... عقيقا، وصار الكلّ في نحرها عقدا وقال ابن عبد ربه: [الكامل] وكأنما غاص الأسى بجفونها ... حتى أتاك بلؤلؤ منثور فأخذه الرمادي فحسّنه فقال: [الطويل] ولم أر أحلى من تبسّم أعين ... غداة اللّوى عن لؤلؤ كان كامنا قال: فوقعت استعارة التبسّم للعين موقعا لطيفا، وإنما هو للثغر بسبب توسط اللؤلؤ. والحذّاق يتحيّلون في أخذ المعاني بترك القافية والوزن، كقول ابن شهيد: [الطويل] ولمّا فشا من دمعنا بعض سرّنا ... إلى كاشحينا والقلوب كواتم أمرنا بإمساك الدّموع جفوننا ... ليشجي بما يطوي عذول ولائم أبى دمعنا يجري مخافة شامت ... فنظّمه بين المحاجر ناظم وراق الهوى منّا عيون كريمة ... تلمّحن حتى ما تروق المباسم [ما قيل في الامتحان] وقال ابن شهيد في الامتحان فأحسن: [الطويل] ونبّئت أقواما تجيش صدورهم ... عليّ وأنّي منهم فارغ الصّدر أصاخوا إلى قولي فأسمعت صمّهم ... وغاصوا على سرّي فأعياهم أمري فقال فريق: ليس ذا الشعر شعره ... وقال فريق ليمن الله ما ندري فمن شاء فليخبر فإنّي لحاضر ... ولا شيء أجلى للشّكوك من الخبر وينظر في هذا الامتحان ونسبة شعره فيه إلى الانتحال، إلى قصة أبي بكر بن بقيّ حين استهدى بعض إخوانه أقلاما، فبعث إليه بثلاث من القصب، وكتب معها: [البسيط] خذها إليك أبا بكر العلا قصبا ... كأنّما صاغها الصّوّاغ من ورقه يزهى بها الطّرس حسنا ما نثرت به ... مسك المداد على الكافور من ورقه

стр. 82

فأجابه أبو بكر بن بقيّ فقال: [البسيط] أرسلت نحوي ثلاثا من قنا سلب ... ميّادة تطعن القرطاس في ورقه فالحظّ ينكرها والخطّ يعرفها ... والرقّ يخدمها بالرق في عنقه فحسده عليها بعض من سمعها، ونسبه إلى الانتحال، فقال أبو بكر يخاطب صاحبه الأوّل: [البسيط] وجاهل نسب الدّعوى إلى كلمي ... لمّا رماه بمثل النّبل في حدقه فقلت من حنقي لمّا تعرّض لي: ... من ذا الّذي أخرج اليربوع من نفقه! ما ذمّ شعري وايم الله لي قسم ... إلا امرؤ ليست الأشعار من طرقه الشّعر يشهد أنّي في كواكبه ... بل الصّباح الذي ينشقّ في أفقه وخرج السّلاميّ (١) إلى الموصل وهو صبيّ حين راهق البلوغ، فوجد بها أبا عثمان الخالديّ وأبا الفرج الببّغاء وأبا الحسن التّلّعفريّ وشيوخ الشعراء، فلما رأوه عجبوا منه، واتّهموه في شعره، فقال الخالديّ: أنا أكفيكم أمره. فاتخذ دعوة، وجمع الشعراء والسّلاميّ معهم، فلما توسّطوا الشراب، أخذ في التفتيش عن قدر بضاعته، ثمّ لم يلبثوا أن جاء مطر شديد وثلج وبرد عمّ الأرض كثرة، فألقى أبو عثمان الخالديّ نارنجا بين أيديهم على ذلك البرد، وقال: يا أصحابنا، هل لكم في أن نصف ذلك؟ فقال السّلاميّ ارتجالا: [مجزوء الكامل] لله درّ الخالديّ ... الأوحد النّدب الخطير أهدى لماء المزن عن ... د جموده نار السّعير حتى إذا صدر العتا ... ب إليه من حنق الصّدور بعثت إليه بعذره ... من خاطري أوفى السّرور لا تعذلوه فإنّما ... أهدى الخدود إلى الثغور فأمسكوا عنه عند ذلك، واعترفوا له بالفضل، إلّا التّلّعفريّ، فإنه أقام على قوله فيه، حتى قال السّلاميّ فيه: [الكامل] يا شاعرا بشعوره لم يشعر ... ما كنت أوّل طالب لم يظفر لو كنت تعرف والدا تسمو به ... لم تنتسب صفة إلى تلعفر تاه ابن فائقة الفسوق على الورى ... بقذال صفعان ونكهة أبخر وبلادة في الشّعر تعلم أنه ... تيس ولو نصرت بطبع البحتري

стр. 83

وقال فيه: [الوافر] سما التلّعفريّ إلى وصالي ... ونفس الكلب تكبر عن وصاله ينافي خلقه خلقي وتأبى ... فعالى أن تضاف إلى نعاله فصنعتي اللطيفة في لساني ... وصنعته الخسيسة في قذاله فإن أشعر فما هو من رجالي ... وإن يصفع فما أنا من رجاله [صاعد بن الحسن الربعي] وكان المنصور بن أبي عامر قد أثبت عنده الحسدة، أنّ صاعدا اللغوي متّهم في كل ما يورده من حديث أو شعر، فأدخلت عليه يوما باكورة ورد لم تفتح أكمامها، فقال فيها صاعدا ارتجالا: [المتقارب] أتتك أبا عامر وردة ... يذكّرك المسك أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطّت بأكمامها راسها فسرّ بذلك المنصور. وكان ابن العريف حاضرا فحسده وقال: إن هذين البيتين لغيره، [وقد أنشدنيهما بعض البغداديين بمصر لنفسه، وهماعندي على ظهر كتاب بخطه، فقال له المنصور: أرنيه. فخرج ابن العريف، وركب وجعل يبحث، حتى أتى مجلس ابن برد- وكان أحسن أهل وقته بديهة- فوصف له ما جرى فقال: [المتقارب] عشوت إلى قصر عبّاسة ... وقد صرّع النّوم حرّاسها أبياتا ضمّن فيها البيتين، فكتبها ابن العريف بخطّ بصريّ، وصار بها إلى المنصور. فاشتدّ غيظه، وقال: غدا أمتحنه، فإن فضحه الامتحان لم يبق في موضع لي فيه سلطان ثم أخذ طبقا فيه ضروب من الأنوار، وعليه جوار باسمين على بركة ماء حصباؤها الدّر والجوهر. ودعاه في مجلس حافل، وقال له: هذا طبق فيه شيء ما توهمت أنه قدّم بين يدي ملك قبلي، فصفه فقال على البديهة: [الطويل] أبا عامر هل غير جدواك واكف ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف! وشائع نور صاغها هامر الحيا ... حليّا فمنها عبقر ورفارف ولمّا تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع الملاهي الوصائف كمثل الظباء المستكنّة كنّسا ... تظلّلها بالياسمين السّقائف فلم ترعيني في البلاد حديقة ... تنقّلها في الراحتين المناصف والحكاية لطولها في القسم الرابع من الذخيرة. وخرج معه إلى أرض الزاهرة، فمد يده إلى شيء من التّرنجان يعبث به، ورمى به إلى صاعد معرّضا بأن يصفه، فقال: [الطويل]

стр. 84

لم أدر قبل ترنجان عبثت به ... أنّ الزّمرّد قضبان وأوراق من طيبه سرق الأترج نكهته ... يا قوم حتّى من الأشجار سرّاق! كأنما الحاجب المنصور علّمه ... فعل الجميل فطابت منه أخلاق من ليس يقعده عن سؤدد كرم ... ولا يقول له في سوأة ساق وله أيضا: [الوافر] بعثت إليك من خيري داري ... محزمة كألوان العقيق توكّل بالعكوف على التّصابي ... وتصطاد الخليع من الطريق *** فحار الحاضرون لبداهته، واعترفوا بنزاهته. فلمّا آنس استئناسهم بكلامه، وانصبابهم إلى شعب إكرامه، أطرق كطرفة العين، ثم قال: ودونكم بيتين آخرين، وأنشد: [البسيط] وأقبلت يوم جدّ البين في حلل ... سود تعضّ بنان النّادم الحصر فلاح ليل على صبح أقلّهما ... غصن وضرّست البلّور بالدّرر فحينئذ استسنى القوم قيمته، واستغزروا ديمته، وأجملوا عشرته، وجمّلوا قشرته*** قوله: «لبداهته»، أي لارتجاله وإنشاده من غير فكرة، ويقال: بدهه بدها وبديهة وبداهة، إذا فجأه. وبده في كلامه: إذا لم يتفكّر فيه، وفلان حسن البديهة والبداهة، أي الارتجال. [سرعة البديهة وما قيل فيها] والقول من غير تفكّر وهو عندهم مما يمدح به، وإن كانت الإصابة غالبا في الرويّة وإطالة الفكرة، كما قال عبد الله بن وهب الراسبيّ للخوارج حين عقدوا له: دعوا الرأي حتى يختمر، فلا خير في الرأي الفطير، والقول القصير. وقال المنصور لكاتبه: لا تبرم أمرا حتى تفكّر، فإن فكرة العاقل مرآته تريه حسنه من قبيحه. وقال أيضا: الحكمة نور الفكرة، والصواب فرع الرويّة، والتدبير فرع الهمة. قال ابن الروميّ: [البسيط] نار الرويّة نار جدّ منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح

стр. 85

وقد يفضّلها قوم لعاجلها ... لكنّه عاجل يمضي مع الريح وقال أشجع في جعفر بن يحيى: [المتقارب] يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكنّ معروفه أوسع بداهته مثل تفكيره ... متى تلقه فهو مستجمع وقال فيه: [الوافر] بديهته وفكرته سواء ... إذا التبست على النّاس الأمور وقال إبراهيم بن العبّاس الصوليّ في الفضل بن سهل: [الكامل] يقضي الأمور على بديهته ... وتريه فكرته عواقبه فيظلّ يوردها ويصدرها ... فلنعم حاضره وغائبه ودخل المأمون يوما بعض دواوينه، فرأى غلاما جميل الصورة، على أذنه قلم فقال: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين الناشئ في دولتك، والمتقلب في نعمتك، والمؤمّل بخدمتك؛ الحسن بن رجاء خادمك. فقال المأمون: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول. ثم أمر أن ترفع مرتبته في الديوان. *** قوله: «بنزاهته» أي برفعته وبعده من التّهمة بسرقة الشعر. آنس: أبصر استئناسهم: أنسهم وتركهم الإنكار. طرفة: نظرة، قد طرف طرفا، إذا حرّك جفنيه بعد النظر. دونكم: إغراء، ومعناه خذوا حذركم واسمعوا. جدّ: تحقّق. البين: الفراق. بنان: أصابع. الحصر: المنقطع عن الكلام عيّا. ليل؛ أراد به نقابا أسود. صبح: وجه. أقلّهما: رفعهما. غصن: قد. ضرّست البلّور: الأصابع. الدرر: الأسنان. والظاهر من سياق هذين البيتين أنه قصد أن يزيدهم استئناسا بأنه غير مدّع في الشعر، ودلّ على هذا ظاهر الكلام قبل البيتين وبعدهما، وهو قد أدرج معنى زائدا في البيت ولم يصرح به لما عليه في ذلك من التقصير عن درجة غيره، وذلك أنه لمّا لم يستوف مقابلة بيت أبي الفرج مرّة ببيتيه المتقدمين، استوفاها في هذا البيت الثاني، لأنه قابل «أمطرت» بساقطت، واللؤلؤ باللؤلؤ، والنرجس بالخاتم، وهما العين والفم، وحمرة الخد بسنا القمر، وبقي عليه زائد من قول أبي الفرج: «وعضت على العنّاب بالبرد» فقابله في هذا البيت بقوله: «وضرّست البلور بالدرر، وجعلها تعضّ على أصابعها وهي بيض، لأنه يصف امرأة شعرت بفراق أحبابها، فتركت الزينة واستعمال الحنّاء، فلمّا حان وقت فراقهم، لبست ثياب الحزن، وأقبلت تودّعهم تلهّفا وتندّما على فراقهم، ووصف الأصابع

стр. 86

باللّين والصبغ، وذلك مذكور في العاشرة، وجعلها لابسة السواد، لأنّ أهل الشرق يلبسونه لحزنهم، وأهل الأندلس يلبسون البياض لحزنهم، قال الشاعر: [الوافر] ألا يا أهل أندلس فطنتم ... بلطفكم إلى أمر عجيب لبستم في مآتمكم بياضا ... وجئتم منه في زيّ غريب صدقتم فالبياض لباس حزن ... ولا حزن أشدّ من المشيب وأنشد أبو عثمان الأشناندانيّ في أبيات المعاني له: [البسيط] أرعت مراتع مدراها على عجل ... صنوين إن أفردا لم يرعيا أبدا واستبدلت من رياض الحزن مونقة ... ثوب الأمير الذي في ملكه قعدا عنى بمراتع مدارها شعرها، وبصنوين مقصّ حلقته به، وبرياض الحزن ثيابا ملوّنة، وبثوب الأمير ثوبا أسود، لأن ملوك بني العباس لباسهم السواد وعارض ابن لبّال الحريريّ في أبياته فقال: [مجزوء الكامل] ودّعتها ومدامعي ... تنهلّ بالدّمع الطّليق فبكت فأذرت أدمعا ... في صفحة الخدّ الأنيق ومضت تعضّ بنانها ... بين التلهّف والشهيق ورأيت مبيضّ اللّج ... ين يعضّ محمرّ العقيق وكما عارض بيت الحريري عارض قول البحتريّ المتقدم: [السريع] يا بأبى ظبيّ إذا مارنا ... أثخن قلبي وفؤادي جراح يفترّ عن طلع وعن جوهر ... وفضّة أو حبب أو أقاح فزاد عليه بوصفين. [مما قيل في الفراق] ومما يناظر ما تقدّم من البكاء عند الفراق قول محمد بن يوسف: [الكامل] وكأنّما أثر الدموع بخدّها ... طلّ تساقط فوق ورد يانع عذب الفراق لنا قبيل وداعنا ... ثم اجترعناه كسمّ ناقع وقال ابن الروميّ: [المنسرح] لو كنت يوم الوداع شاهدنا ... وهنّ يطفئن غلّة الوجد لم تر إلّا دموع باكية ... تسفح من مقلة على خدّ كأنّ تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد

стр. 87

وقال النّاشي: [المتقارب] بكيت الفراق وقد راعني ... بكاء الحبيب لبعد الديار كأنّ الدموع على خدّها ... بقيّة طلّ على جلنار وقال أبو نواس: [الطويل] تقول غداة البين إحدى نسائهم ... لي الكبد الحرّى فسر ولك الصّبر (١) وقد غلبتها عبرة فدموعها ... على خدّها جمر وفي نحرها صفر يقول: لون خدها أحمر، فتشكلت الدمعة به جمرا، ولون نحرها أصفر عاجيّ كما قال ذو الرمة: [البسيط] كأنّها فضّة قد مسّها ذهب ... فصار فيها للون الدمع صفرته وقيل للعباس بن محمد: ما لون الماء؟ فقال: لون إنائه. ولمّا ذكر الحريريّ الحلل السود على الجارية، تذكّرت ما قال أبو عثمان الناجم في جارية رأى عليها ثوبا أزرق: [الخفيف] ما تعدّت قبول حين جلت زيّ ... اشبيها بوجهها ذي الضّياء لبست أزرقا فجاءت بوجه ... يشبه البدر في أديم السّماء ولأبي حفص بن برد في غلام بدا له في ثوب لازورديّ، فقال: [مجزوء الكامل] لمّا بدا في لازور ... ديّ الحرير وقد بهر كبّرت من فرط الجما ... ل وقلت ما هذا بشر فأجابني لا تنكرن ... ثوب السماء على القمر وقال ابن المعتزّ في غلام عليه ديباج بنفسجيّ: [مجزوء الكامل] وبنفسجيّ الثوب قت ... ل محبّه من حاله الآن صرت البدر إذ ... ألبست ثوب جماله قوله: «استسنى»، أي استعظم، وقد سنو الرجل، وسنا: شرف وعظم. ديمته: كلامه بالشعر وهو دائم غير منقطع، أو يريد بها فطنته التي تمدّه بما شاء من الشعر، وأصل الديمة المطر الدائم. واستغزروها: استكثروها ووجدوها غزيرة أجملوا عشرته، أي أحسنوا صحبته وعاشروه بالجميل. جمّلوا قشرته، أي حسّنوها، من لفظ الجمال، أو يكون معناه: جمّلوا من جمّلت الحساب وأجملته، أي جمعته، فكأنهم جمعوا له شيئا

стр. 88

وكسوه. وقشرته: ثوبه، لأنه قدّم أنّ هيئته كانت رثّة، فاحتاجوا أن يكسوه. *** قال المخبر بهذه الحكاية: فلمّا رأيت تلهّب جذوته، وتألّق جلوته، أمعنت النّظر في توسّمه، وسرّحت الطّرف في ميسمه، فإذا هو شيخنا السّروجيّ، وقد أقمر ليله الدّجوجيّ، فهنّأت نفسي بمورده، وابتدرت استلام يده، وقلت له: ما الّذي أحال صفتك، حتّى جهلت معرفتك، وأيّ شيء شيّب لحيتك، حتّى أنكرت حليتك! فأنشأ يقول: [المجثث] وقع الشّوائب شيّب ... والدّهر بالنّاس قلّب إن دان يوما لشخص ... ففي غد يتغلّب فلا تثق بوميض ... من برقه فهو خلّب واصبر إذا هو أضرى ... بك الخطوب وألّب فما على التّبر عار ... في النّار حين يقلّب ثم نهض مفارقا موضعه، ومستصحبا القلوب معه *** تلتهب جذوته: اشتعال جمرته واتّقادها؛ وأراد حدّة ذهنه، والجذوة: النار في طرف العود. تألق: لمعان. جلوته: ما جلاه وكشفه من وجهه، وتقول: جلوت العروس جلوة، إذا أزلت نقابها، وأظهرت وجهها، والجلوة بالكسر: هيئة جلوة حين يجلى، وأراد بتألّق جلوته بريق وجهه. أمعنت: بالغت وأدمت النظر، وأصله من أمعن في الأرض إذا أبعد الذهاب فيها. توسمه: نظر سماته، وهي علامته التي يعرف بها، ويريد أنه أدام النظر في نعوته. سرّحت الطّرف: أرسلت العين بالنظر، وأصل الطرف تحرّك العين عند النّظر، تقول: طرفت العين طرفا. والعين: الجارحة، والبصر: ما تدركه بنظرها، ثمّ سمّيت العين طرفا لذلك. وميسمه: علامته. أقمر: ابيضّ، فصار مثل لون القمر. الدّجوجيّ: الشديد السواد، وأراد نبات شعره الأسود. قوله: «بمورده»، أي بقدومه وإتيانه، تقول: ورد علينا فلان، إذا قدم عليك من بلد آخر، والمورد: مصدر ورد، وهو بمعنى الورود، لأنه قدّم أنه غاب عنه مدّة لا يعرف له موضعا، ولا يجد عنه مخبرا؛ حيث قال: «واستتر عنّي حينا»، فلما رآه ببلده بالبصرة فرح بقدومه وهنّأ نفسه على ذلك. استلام: تقبل اليد. ابن الأنباريّ: استلم الحجر، معناه أخذه ومسّه بيده، واستلم، افتعل، من المسالمة. يريد أخذ الحجر وضمّه إليه، أو يكون استفعل، من اللأمة وهي

стр. 89

السلاح، يريد أنه حصّن نفسه بمسّ الحجر من العذاب، لأن السلاح إنما يلبس ليمتنع به ويتحصّن. أحال: غيّر. حليتك: صفتك، ولذلك احتاج أن يمعن النظر لمّا تغيرت صفاته التي كان يعرفه بها من الفتوّة والشبيبة، فلما رآه قد شاب شعره، وتغيّرت صفاته لم يعرفه إلّا بعد طول تأمّل. وقال الحلواني القيروانيّ: [الكامل] ولربّ باكية رأت في لمّتي ... وخز المشيب تألّقت ضحكاته قالت: أغصنا قد علاه فلا أرى ... زهر الرّياض ونوّرت ورقاته فأجبتها: قارعت في جنب الهوى ... صرف الزّمان، وهذه نكباته ولابن الجدّ: [الكامل] نكرت نحولي وهو من فرط الأسى ... لفراق إخوان عليّ كرام وتعجّبت للشّيب لا تتعجّبي ... هذا غبار وقائع الأيّام قوله: «فأنشأ يقول» أي ابتدأ، وأنشدوا: [مجزوء الكامل] أنشأت تطلب ما تغيّ ... ر قد تناشبت الأظافر أي ابتدأت تطلب. الشوائب، أصله ما يقع في الماء الصافي من الأقذاء فيكدّره، فأراد أن أنكاد الدهر شيّبته. وقلّب: كثير التقلّب، فيحوّل من حال إلى حال. دان: طاع وانقاد. يتقلّب: يتحوّل عن الطاعة. وميض: لمع خفيّ. خلّب: خدّاع، لا ماء فيه، وأراد: لا تثق بالدّهر، إذا ما كسبت فيه شيئا من المال فإنه يحوّل عنك ولا يترك لك منه شيئا. أضرى: أغرى وألصقها بك، وأصل «أضرى» من ضراوة الكلب، تقول ضري الكلب بالصيد؛ إذا تعلّم الصيد، وأضربته أنا بمعنى عرّضته للصيد. والخطوب: الأمور الشداد. وألّب: حشد، أي اصبر للشدائد إذا أضراها الدهر بك وحشدها، فما عليك في ذلك عيب، كما أن الذهب يسبك بالنار وهو مع ذلك عزيز القدر. والتّبر: الذهب قبل سبكه، وانظر هذا المعنى عند قوله في السابعة والأربعين: [البسيط] وطالما أصلي الياقوت جمر غضى ... ثم انطفأ الجمر والياقوت ياقوت وزاد الآخر في المعنى فقال: [البسيط] إني أنا الذّهب المحمى ومخبره ... يزيد في السّبك للدينار دينارا وأنشدوا: [الكامل] اصبر على نوب الزّما ... ن فهكذا مضت الدّهور فرح وحزن تارة ... لا الحزن دام ولا السّرور

стр. 90

المقامة الثّالثة وهي الدّيناريّة روى الحارث بن همّام قال: نظمني وأخدانا لي ناد، لم يخب فيه مناد، ولا كبا قدح زناد، ولا ذكت نار عناد؛ فبينا نحن نتجاذب أطراف الأناشيد، ونتوارد طرف الأسانيد، إذ وقف بنا شخص عليه سمل، وفي مشيته قزل. *** نظمني، أي جمعني. أخدانا؛ أي أصحابا. ناد: مجلس. مناد: متكلّم. كبا: شحّ ولم يبد نارا. قدح: ضرب. زناد: حديدة النار، وزناد العرب من خشب، وأكثر ما يكون من المرخ والعفار؛ وإنما هو أن يؤخذ عود قدر شبر، فيثقب في وسطه ثقب لا ينفذ، ويؤخذ عود آخر قدر ذراع، فيحدّ طرفه، ويجعل ذلك في الثّقب، وقد وضعه رجل بين رجليه، فيديره ويفتله، فيبدي النار، فالأعلى زند والسفلى زندة، والزّناد جمع زند. قوله: «ذكت»، أي اشتعلت. عناد: خلاف، يريد أنّ هؤلاء الأصحاب لحسن أدبهم ومناظرتهم ليس بينهم خلاف، وهم علماء لا يسقط من كلامهم شيء، وليس فيهم جاهل، فيكون كلامه قليل الإصابة. والأناشيد: ما يتناشدونه من الأشعار بينهم، كأنّ واحدها أنشودة. وتجاذب أطرافها، يريد المشاركة في إنشادها، أي إذا أنشد أحدهم شعرا ليغرب به شاركوه في إنشاده لحفظهم الأشعار، فكأنهم تجاذبوه كما يتجاذب بأطراف الثوب. والأسانيد: الأخبار المسندة إلى أهلها. وأصل التوارد، مزاحمة الإبل على شرب الماء، فجعل مشاركتهم في ضبط غرائب الأخبار كتوارد الإبل على الماء، والطّرف: الغرائب، والطّرفة: الشيء العجيب من كل شيء، الذي لا يوجد له نظير. سمل: ثوب خلق، وأكثر ما تقول العرب: ثوب أسمال وأخلاق، فيوصف بالجمع لأنه قطع متفرّقة. وسمل: قليل، وفي تبذّل اللباس روى أبو هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ : «إن الله يحب المتبذّل لا يبالي بما لبس». قزل: عرج. *** فقال: يا أخاير الذّخائر، وبشائر العشائر، عموا صباحا، وأنعموا اصطباحا، وانظروا إلى من كان ذا نديّ وندى، وجدة وجدا، وعقار وقرى، ومقار وقرى، فما زال به قطوب الخطوب، وحروب الكروب، وشرر شرّ الحسود، وانتياب

стр. 91

النّوب السّود، حتّى صفرت الرّاحة، وقرعت السّاحة، وغار المنبع، ونبا المربع، وأقوى المجمع، وأقضّ المضجع، واستحالت الحال، وأعول العيال، وخلت المرابط، ورحم الغابط، وأودى الناطق والصّامت، ورثى لنا الحاسد والشّامت. *** قوله: «يا أخاير الذخائر»، الأخاير: جمع أخير، كما يقال: أكبر وأكابر، والمستعمل خير وشر، ولا يقال: أخير ولا أشرّ إلا شاذّا، وإن كان هو الأصل، لكنه رفض استعماله وجاء الجمع على الأصل، لأنه يردّ الشيء إلى أصله وقال رؤبة: [الرجز] * بلال خير النّاس وابن الأخير (١) * فنطق بالمستعمل لشهرته، وبأصله وهو قليل، فإذا تعجّبوا من ذلك قالوا: ما أخير فلانا، وما أشرّ فلانا. والذخائر: جمع ذخيرة؛ وهي الشيء النفيس الغالي يصونه الإنسان ويعتدّه لزمانه. البشائر: جمع بشارة، وقد بشّرت الرجل بشارة إذا أدخلت عليه السرور. والعشائر: جمع عشيرة، وهي قرابة الرجل من قبيلته، يقول: أنتم أرفع الذخائر، وخيرها، وأنتم يستبشر من لقيكم برؤيتكم، ويتيامن بلقائكم، ويعلم أنكم تصلونه وتكرمونه؛ ليستعطفهم بهذا الكلام. عموا صباحا: دعاء لهم بالنّعمة في الصباح، أي جعلكم الله تنعمون في صباحكم. وعموا: أمر من وعم يعم، وهي في معنى نعم ينعم. وأنعموا اصطباحا، أي طاب شربكم في الصّباح وتنعمتم به، والاصطباح: أن يصبحوا وهم يشربون. نديّ: مجلس اجتماع، أي هو شريف يقعد ويجتمع عنده. ندى: كرم. جدى: عطيّة. العقار: المال الذي لا ينتقل كالنخل والدّور والأرضين. قرى: جمع قرية. مقار: جفان يقرى فيها الأضياف، أي يطعمون فيها. والقرى: طعام الضيف. قطوب. عبوس. الخطوب: الشدائد. الحروب: القتال. الكروب: الهموم، قال النبي ﷺ : «مما أعلم أنّه لا يقوله مكروب إلّا فرّج الله عنه، كلمة أخي يونس: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ ... [الأنبياء: ٨٧] الآية». ومن كلام ابن المعتز: الحوادث المحضة مكسبة لحظوظ جزيلة، وثواب مدخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريف بقدر النعمة، ومرور على مقارعة الدهر، وإذا استرجع الله مواهب الدنيا كانت مواهب الآخرة. غيره: لولا حوادث الأيام، لم يعرف صبر الكرام، ولا جزع اللئام. وقال أبو تمّام: [الكامل]

стр. 92

والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها (١) الحسود: المتمنّي إهلاك مالك، وإذا رأى لك خيرا تمنّى إزالته، يريد أن الحسود اتّبع ما له بالعين حتى أهلكه، وقلّما يوجد الذي يرمي بالعين إلا حسودا. انتياب: نزول وقصود. النّوب: النوازل. قوله، «صفرت»، أي خلت من الدراهم الراحة: باطن الكف. قرعت: خلت من المال وصارت قرعاء. والساحة: فناء الدار، والساحة عند العرب: الرّحبة التي تحلّق بها البيوت، وأراد أنّها خلت من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك. غار المنبع: جفّ الماء النابع، والمنبع: موضع النّبع. المربع: المنزل في الربيع. ونبا: بأهله: وجد نبوة، أي ارتفاعا غير وطئ فلم تمكن الإقامة فيه. أقوى: خلا. المجمع: موضع الاجتماع. أقضّ: خشن وصار فيه القضض، وهي الحجارة. والمضجع: موضع رقاده، وأخذه من قول أبي ذؤيب: [الكامل] أم ما لجنبك لا يلائم مضجعا ... إلّا أقضّ عليه ذاك المضجع (٢) وكنى بهذه الألفاظ عن تغيّر الأحوال وذهاب الملل. وساق الكلام مساق حكايات الأعراب؛ منها أنّ أعرابيا وقف بقوم، فقال: أشكو إليكم أيّها الملأ زمانا أناخ عليّ بكلكله بعد نعمة من البال، وثروة من المال، وغبطة من الحال، أصماني جديداه بنبل مصائبه، عن قسيّ نوائبه، فما ترك لي راغية أجتدي ضرعها، ولا ثاغية أرتجي نفعها، فهل فيكم من معين على صرفه، أو معد على حتفه! وقد ذكرنا منها جملة في الثالثة والثلاثين. وحكى أبو عليّ في نوادره حكاية عن أبي زيد اللغويّ على لسان أعرابيّ يشبه كلام الحريريّ هنا في سياقه وكثير من الألفاظ، فيقول: إنّ المنبع الذي كنا نعيش به نحن وأموالنا قد ذهب، فهلكنا بذهابه. والمربع: وهو موضع الخصب، صار نبوة لا ينبت شيئا، فلم تجد الإبل ما ترعاه فهلكت، وإذا هلك المال هلك صاحبه، والمجالس الّتي كنا نجتمع فيها، هلك أهلها فخلت، ومضجعنا الذي كان موطّأ بالفرش أقضّ فامتنع من الإضجاع عليه. قوله: «استحالت، تغيّرت». وحال الرجل: ما هو عليه من خير أو شرّ أو غنى أو فقر، والحال أيضا: المال. أعول: بكى، وعيال الرّجل: من يفتقر إليه في مئونته ونفقته، واحدهم عيّل. المرابط: المواضع التي تربط فيها الخيل وتحبس. الغابط: الذي يتمنّى مثل مالك ولا ينقص منه شيء. أودى: هلك. الناطق: المال من الحيوان مثل الإبل والبقر والغنم، وكلّ ما يتملّك من ذي روح؛ سميت بذلك لأصواتها، والناطق كل حيوان

стр. 93

له صوت. والصامت: الذهب والفضة والمتاع. رثى: بكى. وأشفق الشامت: الذي يسرّ بمصيبتك، ومنه تشميت العاطس، وهو إدخال السرور عليه بالدعاء، وقد شمت به شماتا وشماتة، فهو شامت إذا سرّ ببلاء ينزل به. والحاسد، هو الحسود. *** [الحسد وما قيل فيه] والحسد أوّل ذنب عصي الله به في السماء والأرض، أما في السماء فحسد إبليس آدم، وأما في الأرض فحسد قابيل هابيل. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [فصلت: ٢٩]: إنهما قابيل وإبليس، فالحسد حمل إبليس على الكفر، وحمل قابيل على قتل أخيه. وقال عليّ ﵁: لا راحة لحسود، ولا أخ لملول، ولا محبّ لسيّئ الخلق. وقال رجل لخالد بن صفوان: إني أحبّك، قال: وما يمنعك، ولست لك بجار ولا أخ ولا ابن عمّ! يريد أن الحسد موكّل بالأدنين. الحسن البصريّ: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد بنفس دائم، وحزن لازم، وغيرة لا تنفد. معاوية: كلّ الناس أقدر على أن أرضيهم إلّا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها. المبرّد: حدثنا الزياديّ، قال: يقال: ستة لا تخطئهم الكآبة: فقير حديث عهد بغنى، ومكثر يخاف على ماله التلف، والحسود، والحقود، وطالب مرتبة فوق قدره، وخليط أهل الأدب وليس منهم. قال الأصمعيّ: اجتمع ثلاثة حسّاد، فقال أحدهم لصاحبه: ما بلغ من حسدك؟ قال: ما اشتهيت أن يفعل بمسلم خير قطّ، فقال الثاني: أنت رجل صالح، ولكني ما اشتهيت أن يفعل بي خير قطّ، فقال الثالث: ما في الأرض خير منكما، ولكني ما اشتهيت أن يفعل أحد بأحد خيرا قطّ. قال: وأنشد الشاعر: [البسيط] كلّ العداوة قد ترجى مودّتها ... إلّا عداوة من عاداك من حسد وقال حبيب: [الكامل] وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود (١)

стр. 94

لولا اشتعال النّار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود وقال القاضي ابن عمر: [المتقارب] نهاني حلمي فما أظلم ... وعزّ مكاني فما أظلم ولا بدّ من حاسد قلبه ... بنور مآثرنا مظلم رحمت حسودي على أنه ... يعذّب بي ثم لا يرحم أتانا الحسود ولسنا كما ... يقول ولكن كما يعلم وقال اليمانيّ: [الكامل] إنّي لأرحم حاسديّ لفرط ما ... ضمّت صدورهم من الأوغار نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنّة وقلوبهم في نار لا ذنب لي قد رمت كتم فواضلي ... فكأنّما برقعتها بنهار قوله: «رثى لنا الحاسد والشامت»: قال النبي ﷺ : «ارحموا ثلاثا: غنيّ قوم افتقر، وعزيز قوم ذلّ، وفقيها يلعب به الجهّال». قال الشافعيّ: خمسة مرحومون: عزيز ذل، وغنيّ فلّ، وحبيب ملّ، وفصيح كلّ، وفقيه ضلّ. وقال الشافعي: ومن حديث واثلة، قال رسول الله ﷺ : «لا تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك» (١)، وأخذه الحريريّ من قول الآخر: [السريع] لم يبق إلّا نفس خافت ... ومقلة إنسانها باهت ومغرم توقد أحشاؤه ... بالنّار إلا أنه ساكت رقّ فما في جسمه مفصل ... إلّا وفيه سقم ثابت يرثي له الشّامت ممّا به ... يا ويح من يرثي له الشامت! *** وآل بنا الدّهر الموقع، والفقر المدقع، إلى أن احتذينا الوجى، واغتذينا الشّجا، واستبطنّا الجوى، وطوينا الأحشاء على الطّوى، واكتحلنا السّهاد، واستوطنّا الوهاد، واستوطأنا القتاد، وتناسينا الأقتاد، واستطبنا الحين المجتاح، واستبطأنا اليوم المتاح، فهل من حرّ آس، أو سمح مواس! فو الذي استخرجني من قيلة، لقد أمسيت أخا عيلة، لا أملك بيت ليلة.

стр. 95

قال الحارث بن همّام: فأويت لمفاقره، ولويت إلى استنباط فقره، فأبرزت دينارا، وقلت له اختبارا: إن مدحته نظما، فهو لك حتما، فانبرى ينشد في الحال، من غير انتحال. *** قوله: «آل بنا» أي رجع بنا، وقد آل يئيل ويؤول، أي رجع. الموقع: المهلك، من أوقع به، ويحتمل أن يريد بالموقع الذي يحمله على الوقوع، ورجل موقع إذا اشتكى ألم رجليه. المدقع: الملصق بالدقعاء، أي التراب، أي لم يترك للإنسان شيئا يبسطه غير التراب. احتذينا: انتعلنا. الوجى: توجّع باطن القدمين من الحفا، يريد أنه ليس مكان النعال الحفا حتى توجّعت قدماه. الشجى: ما يعرض في الحلق، وكنى بهذا عن سوء الحال، لأن الشجىليس بغذاء إنما هو مشقة وتعب. ولكن بالغ في وصف سوء حاله، فقال: إنه ينتعل ما لا ينتعل، ويغتذى ما ليس بغذاء، أي ليس ثمّ انتعال ولا غذاء. استبطنّا، أي جعلناه في بطوننا. الجوى: فساد الجوف. والأحشاء: ما في الجوف وما حشي به. الطّوى: الجوع، وقد طوي يطوى؛ لأن الأحشاء إذا امتلأت من الطعام انتشرت، وإذ فرغت منه انطوى بعضها على بعض. والسّهاد: امتناع النوم، من قول الشاعر: [الرمل] ما لعيني كحلت بالسّهاد ... ولجنبي نابيا عن وسادي استوطنّا: سكنّا واتخذناه وطنا. الوهاد: ما انخفض من الأرض. استوطأنا: وجدناه وطيئا. القتاد: شجر له شوك شديد يسمّى عندنا حمض الأمير. الأقتاد: خشب الرّحال، يريد أنهم نسوا ركوب المطايا لبعد عهدهم بها ورجعوا الآن يمشون على الشوك فيجدونه وطيئا. الحين: الموت. المجتاح: من لفظ الجوائح، يريد به المستأصل للأموال. استبطأنا: وجدناه بطيء المجيء. المتاح. المقدّر، يريد أن يوم موتهم تمنّوه لشدة ما قاسوا، وأبطأ عليهم. آس: طبيب يطبّ علة الفقر والجمع الأساة. سمح: كريم. والمواسي: المعين. وذكر عاصم في شرح قوله: «يواسي في كريهته أخاه»، أن معناه، جعله أسوة نفسه، فمواس من الأسوة، كأنه يشاركه في ماله. ويقال: آسيته، والأصل الهمز. المفضّل: معنى فلان يواسي فلانا، يشاركه، والمواساة المشاركة، وآساه: شاركه فيما هو فيه. مؤرّج: ما يواسيه، أي ما يصيبه بخير أصلا. غيره: معناه يعوّضه من مودّته وقرابته شيئا، من الأوس وهو العوض، قال الشاعر: [مجزوء الكامل]

стр. 96

فلأرمينّك مشقصا ... أوسا أويس من الهباله (١) والهبالة: اسم ناقة، أي أرميك بسهم يكون عوضا عن الناقة. وكأنّ أصله يؤاوسه، فقدموا السين وهي لام الفعل، وأخّروا الواو وهي عينه، فصار «يؤاسوه» فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فهو من المقلوب، وإن جعلته من أسوت الجرح، إذا أصلحته فلا قلب فيه. قوله: «فو الذي استخرجني من قيلة»، قيلة هي أمّ الأوس والخزرج، وهي بنت الأرقم الغسّانية، وانتسابه لها كانتسابه قبل إلى أقيال غسّان. أخا عيلة: صاحب فقر، قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [التوبة: ٢٨]، أي فقرا، وقال ﷺ : «أعوذ بك من القسوة والغفلة والعيلة والمسكنة». بيت ليلة: قوت يبيت عليه ليلة. أويت: أشفقت وحننت. مفاقره: جمع فقر على غير قياس- ومثله مذاكير الرجل جمع ذكر: محاسنه ومساويه. لويت: انعطفت. استنباط: استخراج الفقر في النثر: فواصله، وهي مثل القوافي في النظم، والفقر: ما تقدّم في المقامة من الكلام المفقّر. أبرزت: أطهرت. حتما: واجبا، يريد أنه قصد إلى أن يحقّق ما تقدّم من الفصاحة في فقره إن كانت له أو انتحلها، فقال ليختبره: امتدح هذا الدينار بشعر. فانبرى، أي اعترض وتقدّم. انتحال: ادّعاء منه في شعر غيره، يقال: انتحل كذا، أي ألزمه نفسه، وجعله كالملك، من النّحلة، وهي الهبة والعطية. [الرجز] *** أكرم به أصفر راقت صفرته ... جوّاب آفاق ترامت سفرته مأثورة سمعته وشهرته ... قد أودعت سرّ الغنى أسرّته وقارنت نجح المساعي خطرته ... وحبّبت إلى الأنام غرّته كأنّما من القلوب نقرته ... به يصول من حوته صرّته وإن تفانت أو توانت عترته ... يا حبّذا نضاره ونقرته وحبّذا مغناته ونصرته ... كم آمر به استتبّت إمرته ومترف لولاه دامت حسرته ... وجيش همّ هزمته كرّته وبدر تمّ أنزلته بدرته ... ومستشيط تتلظّى جمرته أسرّ نجواه فلانت شرّته ... وكم أسير أسلمته أسرته

стр. 97

أنقذه حتّى صفت مسرّته ... وحقّ مولى أبدعته فطرته * لولا التّقى لقلت جلّت قدرته* *** قوله: «اكرم به»، معناه ما أكرمه. راقت. أعجبت. جوّاب آفاق: قطّاع بلاد. ترامت سفرته: بعدت غيبته، وسمّى السّفر سفرا، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، أي يكشفها ويوضّحها، أخذ من قولهم: سفرت المرأة عن وجهها، إذا كشفته وأظهرته، ويقال للمكنسة: مسفرة، لأنها تسفر التراب عن الموضع، وسفر بيته، كنسه. مأثورة: محدّث بها. سمعته: ذكره المسموع أودعت: ضمّنت. أسرّته: خطوط وجهه، أراد نقشه، وأنّ بين أسطاره سرّ الغنى، فمن ملكه ملك الغنى. قارنت: ساوت: النجح: ضد الخيبة. المساعي: المشي في طلب الحوائج. الأنام: الخلق. غرّته: وجهه؛ قيل لأبي الزناد: مالك تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا! قال: إنها وإن أدنتني من الدنيا، فقد صانتني عنها. والنّقرة: القطعة المسبوكة من الذهب والفضة، قبل أن يطبع منها الدراهم والدنانير، وأراد: كأنما قطعت نقرته من قلوب الناس لشدّة حبهم فيه. والنّقرة، إنما تستعمل من الفضة، واستعملها في الذهب لقرب ما بينهما، وأخذه من قول البحتريّ: فكلّ قلب إليه منصرف ... كأنّه من جميعها خلقا (١) أو من قول ابن الروميّ: [الطويل] *** به أمست الأهواء يجمعها هوى ... كأنّ نفوس النّاس في حبّه نفس أو من قول المتنبي: [الكامل] *** في خطّه من كلّ قلب شهوة ... حتّى كأنّ مداده الأهواء (٢) يصول: يقهر ويغلب، وصال الشجاع على قرنه، والفحل على إبله، والحمار على أتنه صولا، إذا قهر وعلا وصاح بها. الصّرّة: الخرقة تصرّ فيها الدراهم. حوته: ضمّته، يريد أنّ من ملك الدينار صال به على زمانه. تفانت: هلكت. توانت: أبطأت وضعفت عن نصرته. عترته: قرابته الأدنون نضاره: ذهبه. نضرته: حسنه. مغناته: منابه، يقال فلان يغني مغناتك، أي ينوب منابك، ويقوم مقامك، يريد أنه ينوب عن الإنسان في المضايق وينصره. استتبّت: تمّت واستقامت، والمستتبّ: الطريق البين، قال الشاعر: [الطويل] * على مستتبّ كالمجرّة تعمل*

стр. 98

إمرته: ولايته. مترف: منعّم. حسرته: تفجّعه، وحزنه. كرّته: رجعته، وبدر تم: القمر ليلة الكمال؛ ويريد به شخصا به يشبه البدر في حسنه ورفعته، فإذا بعثت في طلبه الدينار أنزلته عن مرتبته وتملكته، والبدرة: عشرة آلاف درهم مستشيط: غضبان: تتلظّى: تتلهب. جمرته: شدّة غيظه أسرّ: أخفى نجواه: حديثه سرا. شرّته: حدّته وغضبه، يقول: كم من غضبان شديد الغيظ، مثل حاكم يصول بصاحب جناية ويهدّده، فإذا رشي بالدينار وبعث إليه سرّا أزال غضبه، وسكنت حدّته. أسلمته، تركته. أسرته: قومه. مسرّته: فرحه أبدعته: أوجدته قبل أن يكون. فطرته: خلقته. التقى: الخوف. جلّت: عظمت. *** ثمّ بسط يده، بعد ما أنشده، وقال: أنجز حرّ ما وعد، وسحّ خال إذا رعد فنبذت الدّينار إليه، وقلت: خذه غير مأسوف عليه، فوضعه في فيه، وقال: بارك اللهمّ فيه، ثم شمّر للانثناء، بعد توفيه الثّناء. *** قوله: «أنجز حرّ ما وعد»، هذا مثل، قاله الحارث آكل المرار- وهو جدّ امرئ القيس- لصخر بن نهشل بن دارم؛ وذلك أن الحارث قال: يا صخر، هل أدلك على غنيمة على أنّ لي خمسها؟ قال نعم، فدلّه على قوم من العرب، فأغار عليهم صخر بقومه فظفروا وغنموا، فحملهم صخر على أن يعطوا الحارث الخمس، فأبوا؛ وكان طريقهم على شجعات- وهي ثنيّة متضايقة- فلما دنوا منها صار إليهم صخر حتى قعد على رأسها، ومنعهم الجواز أو يعطوا الحارث الخمس، فقال حمزة اليربوعيّ: والله لا نعطيه من غنيمتنا شيئا؛ ومضى في الثنيّة، فحمل عليه صخر فقتله. فلما رأى ذلك الجيش أعطوه الخمس، ففي ذلك يقول نهشل بن حرّيّ بن منجز بن نهشل بن دارم: [الطويل] ونحن منعنا الجيش أن يتأوّبوا ... على شجعات والجياد بنا تجري حبسناهم حتّى أقرّوا لحكمنا ... وأدّي أنفال الخميس إلى صخر فمعنى «أنجز حرّ ما وعد» أحضر وهيّأ. وقد نجز الشيء إذا حضر، ولفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، أراد لينجز حرّ ما وعد. *** سحّ: صبّ وأمطر. خال: سحاب يخيّل لك أنّ المطر فيه. رعد: صوّت؛ يقول لابن همام: إنّ السحاب إذا سمع الرعد سحّ بالمطر، وأنت قد أسمعتني ذكر الدينار، ووعدتني به، فأنجز لي وعدي. نبذت: رميت. مأسوف: محزون. بارك: أي ضع البركة فيه، وقولهم: تبارك الله،

стр. 99

أي تقدّس وتطهّر، وقيل: هو «تفاعل» من البركة، أي البركة تنال بذكر اسمك. الانثناء: الرجوع. توفيه الثناء: كمال الشكر والمدح. [في وصف الدينار] وممّا قيل في وصف الدينار ومدحه: [الكامل] ومقسّم الوجنات يبرق وجهه ... باد على وجناته عبّاد جبل الأنام على محبّة حسنه ... فكأنّه ربّ وهم عبّاد وفي مقامات البديع في وصفه: [الرجز] يا حسنها فاقعة صفراء ... مشرقة منقوشة قوراء يكاد أن يقطر منها الماء ... قد أثمرتها همّة علياء يا ذا الّذي بغيته الثّناء ... ما ينقضي بقدرك الإطراء * امض على الله لك الجزاء* *** [الوعد وإنجازه] وإذ قد فرغت من شرح ألفاظه في إنجاز الوعد في المثل، وما اتّصل به، فلنذكر مذاهبهم في ذلك. فأكثرهم على إنجاز الوعد، وقد ذكر فيما هو مستقبل: [المتقارب] * وبع آجلا منك بالعاجل* وقال: وإذا خيّرت بين ذرّة منقودة، ودرّة موعودة فمل إلى النقد وقال جرير: [الطويل] إنّي لأرجو منك خيرا عاجلا ... والنّفس مولعة بحبّ العاجل (١) قال آخر: [الطويل] ولا شكّ أنّ الخير منك سجيّة ... ولكنّ خير الخير عندي المعجّل وقال آخر: [الطويل] أتى زائرا من غير وعد وقال لي: ... أجلّك عن تعذيب قلبك بالوعد وبعضهم يرى أن يكون بين الوعد الإنجاز مهلة؛ ومنه أنّ منصور بن زياد كلّم يحيى

стр. 100

ابن خالد في حاجة رجل، فقال له: عده عنّي قضاءها، فقال منصور بن زياد: وما يدعوك إلى العدة مع القدرة! فقال: هذا قول من لا يعرف موقع الصنائع من القلوب، إنّ الحاجة إذا لم يتقدّمها وعد ينتظر به نجحها، لم تتحدّث النفس بسرورها؛ إنّ الوعد مطعم والإنجاز طعام، وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته وتطعّمه ثم طعمه، فدع الحاجة تختمر بالوعد، ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ولطف محلّ. قال ابن الكلبيّ لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، لا تصنع إليّ معروفا حتى تعدني به، فإنه لم يأتني منك سيب على غير وعد إلّا هان عليّ قدره، وقلّ منّي شكره، فقال له: لم قلت ذلك، وقد قال سيّد قومك أبو مسلم الخولانيّ: إنّ أنجح المعروف في القلوب، وأبرده على الأكباد معروف غير منتظر بوعد لا يكدّره مطل. ووعد المهديّ عيسى بن دأب جارية ثم وهبها له، فأنشده عبد الله بن مصعب الزّبيريّ [قول مضرّس الأسديّ] [الطويل] ولا تيأسن من صالح أن تناله ... وإن كان قدما بين أيد تبادره فقال: يدفع لعبد الله جارية أخرى، فقال الزّبيريّ: وأنجز خير الناس من قبل وعده ... أراحك من مطل ومن طول كدّه فقال له عيسى بن دأب: ما صنعت شيئا! هلّا قلت: [الرجز] حلاوة الفضل بوعد ينجز ... لا خير في العرف كنهب ينهز فقال المهديّ: [مجزوء الكامل] الوعد أحسن ما يكو ... ن إذا تقدّمه ضمان وقال بعض البلغاء: دع الوعد يركض ثلاثا، فإن كثير العطاء قبل الوعد قليل، وجليله حقير. وقال يحيى بن خالد: من لم يبت مسرورا بوعد، لم يجد للصنيعة مطعما وفيه يقول أبو قابوس النّصرانيّ: [البسيط] رأيت يحيى أتمّ الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد ينسى الّذي كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد وقال الحارثيّ: [الطويل] وما روضة داريّة أسديّة ... منمنمة زهراء ذات ثرى صعد بأحسن من حرّ تضمّن حاجة ... لحرّ، فأوفى بالنّجاح مع الوعد وقال ابن رشيق: [السريع]

стр. 101

أحسنت في تأخيرها منّة ... لو لم تؤخّر لم تكن كامله وكيف لا يحسن تأخيرها ... بعد يقيني أنها حاصله! وجنّة الفردوس يدعى بها ... آجله للمرء، لا عاجله وقال رجل لأبي عمرو بن العلاء: وعدتني بأمر فلم تنجزه! فقال أبو عمرو: من أولى منّا بالعتب؟ أنا وإلا أنت! قال: أنا؛ قال أبو عمرو: لا والله بل أنا، قال: وكيف؟ قال: لأبي وعدتك وعدا فأنت تفرح بالوعد، فبتّ ليلتك جذلان مسرورا وبتّ أنا بهمّ الإنجاز، فبتّ ليلتي مفكرا مغموما بما عاق الدّهر من بلوغ الإرادة فيه، فلقيتني مدلّا ولقيتك مستحييا. واعتذر بعض الرؤساء لأبي عليّ البصريّ من تأخّر وعد، فقال: في شكر ما تقدّم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخّر منه. *** فنشأت لي من فكاهته نشوة غرام، سهّلت عليّ ائتناف اغترام، فجرّدت دينارا آخر وقلت له: هل لك في أن تذمّه، ثمّ تضمّه؟ فأنشد مرتجلا وشدا عجلا: *** قوله: «فنشأت»، أي ظهرت وبدت. فكاهة: مزاح. نشوة غرام: سكرة شوق، والغرام: الحبّ المعذّب للقلب. ائتناف: استقبال. اغترام: غرم. ثم ذكر أن يذمه ثم يضمّه، وقد نظمهما الزاهد بن عمران في قوله: [الكامل] إنّ المئونة والحساب كلاهما ... قرنا بهذا الدّرهم المذموم كلف الأنام بذمّه وبضمّه ... فتعجّبوا لمذمّم مضموم وقال ابن شرف في الدينار والدرهم: [الطويل] ألا ربّ شيء فيه من أحرف اسمه ... نواه لنا عنه وزجر وإنذار فتنّا بدينار وهمنا بدرهم ... وآخر ذا هم، وآخر ذا نار وقال ابن رشيق: [المجتث] صحّفت دالين من دين ... ار يلوح ودرهم فقال لي ذلكم «ذي ... نار» وذا قال: «ذرهم» وابن رشيق وابن شرف أديبا القيروان، يجمعهما البلد والزّمان، وكانا مرّة يتصاحبان، ومرّة يتباغضان. وقال ابن رشيق في مدح الدينار والدرهم: [الوافر]

стр. 102

صديق المرء كالدينار طبعا ... وكيف يفارق المرء الطباعا! تراه إذا أقام يقيم جاها ... وإن فارقته أجدى انتفاعا أخذه من قول كشاجم: [الرمل] ومريد من أباه ... ومهين من أجلّه (١) فهو كالدّينار لا يك ... رم إلا من أذلّه وقال آخر: [البسيط] النار آخر دينار نطقت به ... والهمّ آخر هذا الدّرهم الجاري والمرء ما لم يفد من غيره ورعا ... مقسّم القلب بين الهمّ والنّار قوله: «مرتجلا»، أي من غير تفكّر. شدا: ابتدأ الغناء وطرّب بنشيده [الرجز] *** تبّا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق يبدو بوصفين لعين الرّامق ... زينة معشوق ولون عاشق وحبّه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق لولاه لم تقطع يمين سارق ... ولا بدت مظلمة من فاسق ولا اشمأزّ باخل من طارق ... ولا شكا الممطول مطل العائق ولا استعيذ من حسود راشق ... وشرّ ما فيه من الخلائق أن ليس يغني عنك في المضايق ... إلّا إذا فرّ فرار الآبق واها لمن يقذفه من حالق ... ومن إذا ناجاه نجوى الوامق قال له قول المحقّ الصّادق: ... لا رأى في وصلك لي ففارق *** تبا: أي خسرا. مماذق: لا يصفو ودّه لصاحبه، وقد مذق ودّه، إذا لم يخلصه، ومذق اللبن: خلطه بالماء، والمذيق: المخلوط. أصفر ذي وجهين، قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «شرّ النّاس ذو الوجهين، يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» (٢).

стр. 103

ووقع هذا في نثر البديع، قال في مخاطبة أبي الفتح عيسى: أظعنا تريد؟ قلت: إي والله، قال: أخصب رائدك، ولا ضلّ قائدك، فمتى عزمت؟ قلت: غداة غد، فقال: [الوافر] صباح الله لا صبح انطلاق ... وطير الوصل لا طير الفراق وقال السّعد لا يعدوك دأبا ... يصاحبكم إلى يوم التّلاقي فأين تريد؟ قلت: الوطن، قال: بلّغت الوطن، وقضيت الوطر، فمتى العود؟ قلت: القابل، فقال: طويت الرّيط (١)، وثنيت الخيط، فأين أنت من الكرم؟ قلت: بحيث أردت، فقال: إذا رجعك الله سالما من هذا الطريق؛ فاستصحب لي عدوّا في ثياب صديق، من نجار الصّفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظّفر، كدارة العين، يحطّ ثقل الدين، وينافق بوجهين. فعلمت أنه يلتمس دينارا، فقلت: ذلك لك نقدا، ومثله وعدا، فأنشأ يقول: [مخلع البسيط] رأيك ممّا خطبت أعلى ... لا زلت للمكرمات. أهلا صلبت عودا، ودمت فردا ... وطبت فرعا وطبت أصلا يا واحد الدهر والمعالي ... لا لقي الدّهر منك ثكلا قوله: «عدوّا في ثياب صديق» من قول أبي نواس: [الطويل] إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق (٢) قوله: «الرامق» أي الناظر، ورمقت الشيء رمقا أتبعت النظر إليه. وزينة المعشوق التي في الدينار: نقشه وتزيينه، ولون العاشق: صفرته، فالناظر في الدينار يرى في الظاهر زينته فيهواه، فيقع على ما وقع عليه باطن العاشق من العذاب والغرام، ويدلّ على ذلك صفرته الظّاهرة عليه. وقال ابن ظفر: زينة المعشوق غرور مدعاة إلى التهوّر في الغرام، ولون العاشق وهو الأصفر دليل على ما أسرّ من شاغف الكلف، فالغافل ينظر من الدينار مثل زينة المعشوق مجرّدة عن عاقبتها، فيصيده الهوى، والعاقل ينظر منه إلى لون العاشق، فيستدلّ على باطن الجوى ذوي الحقائق، يعني أهل الرشد والعلم، والذين ينظرون إلى ما في الدنيا بعين الحقيقة. ثم لولا حبّ الدنيا ما سرق السارق، فيستوجب قطع يده، أو بعض أعضائه، واليد يجب قطعها بربع دينار ذهب. ومن ملح السّرقة أن الجاحظ حكىأن رجلين كان أحدهما أيمن، والآخر أعسر، فكان الأيمن يفخر على الأعسر، فأخذا في سرقة، فقطعت أيمانهما، فكان الأعسر يعمل بيساره أعماله كلها، والأيمن لا يستطيع أن يعمل بيساره

стр. 104

شيئا، ففخر الأعسر عليه بذلك، فقال له الأيمن: ما علمت أنّ للأعسر فضيلة إلا أن يسرق فيؤخذ فتقطع يمينه. الفاسق: الخارج عن الطاعة إلى ركوب المعصية أو عن الإيمان إلى الكفر، أخذ من فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها. وقال قوم: الفاسق الجائر، واحتجوا بقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠]، أي جار، عنه قال رؤبة: [الرجز] يهوين في نجد وغور غائرا ... فواسقا عن قصدها جوائرا (١) اشمأزّ: انقبض. باخل: شحيح، وبخيل أكثر من باخل. طارق: قاصد بليل. المطل: تأخير الحق الواجب، وأصله من مطل القين الحديد في النار، إذا مدّه وطوّله. العائق: الحابس، وقد عاقه عن الشيء إذا حبسه. راشق: عائن، وأصله الرامي، فجعله للذي يصيب الناس بعينه. واستعيذ: قرئ عليه المعوّذتان، وهما: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. الخلائق: الطبائع، واحدتها خليقة. الآبق: الهارب، وأبق العبد يأبق إباقا: زال عن مولاه، وفي معنى فراق الدينار فوق الأخطل: [الوافر] ومعشوق يرقص كلّ يوم ... ترى في وجهه أبدا كلاما إذا فارقته أجداك خيرا ... ولا يجدي عليك إذا أقاما وهذا من قول الحسن البصريّ، وقد رأى رجلا يقلّب درهما، فقال له: أتحبّ درهمك هذا؟ قال: نعم، قال: فإنه ليس لك حتى يخرج من يدك. واها: تعجّب، معناه ما أعجب من يقذفه. حالق: جبل أملس منيف. ناجاه: حدّثه سرّا. الوامق: المحبّ، وقد ومق يمق مقة المحقّ: القائل الحق. *** فقلت له: ما أغزر وبلك! فقال: والشّرط أملك، فنفحته بالدّينار الثّاني، وقلت له: عوّذهما بالمثاني، فألقاه في فمه، وقرنه بتوأمه، وانكفأ يحمد مغداه، ويمدح النّادي ونداه. ***

стр. 105

قوله: «ما أغزر ويلك»، أي ما أكثر بلاغتك. وأملك: ألزم وأحقّ، يريد أن شرطك الذي شرطت من إعطائي دينارا آخر إن ذممته، قد لزمك بذمّي له. والشرط أملك مثل، وأول من قاله الأفعى الجرهميّ، وكان حكيما للعرب، فتحاكم إليه خصمان، فاشترط أحدهما وأراد ألّا يلتزمه، فقال الأفعى: الشرط أملك، وتقديره الشرط أملك لأمرك منك. نفحته: رميته. عوّذهما: رقاهما. والمثاني: أمّ القرآن، سميت بذلك لأنها تثني في الصلاة، واختصّها لأنه أشار عليه أن يحمد الله على أخذ الدينار، فكأنه قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين، شكرا لله عليهما وتعويذا لهما. وهذا كما قال ابن رشيق في غلام جميل: [السريع] معتدل القامة والقدّ ... مورّد الوجنة والخدّ لو وضع الورد على خدّه ... ما عرف الخدّ من الورد قل للّذي يعجب من حسنه ... اقرأ عليه سورة الحمد وله في مثله: [السريع] شكوت بالحبّ إلى ظالمي ... فقال لي مستهزئا: ما هو! قلت: غرام ثابت، قال لي: ... اقرأ عليه «قل هو الله» وقال أبو عبيد: المثاني في كتاب الله ثلاثة أشياء: القرآن، سمّاه الله المثاني في قوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر: ٢٣]، وسمّى الفاتحة «مثاني» في قوله: سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الحجر: ٨٧] وروى عثمان وابن عباس وابن مسعود عنه ﷺ . «إن المثاني من السور ما دون المئين»، كأنها جعلت مبادئ والتي تليها مثاني. قوله: «بتوأمه»، أي بأخيه، يعني الدّينار الأول. انكفأ: انقلب وولّى، معناه بكوره وسيره في الغدوّ. النادي ونداه: المجلس وكرم أهله. [مدح الأشياء وذمّها] ونريد أن نأتي بفصل في مدح الشيء وذمّه على حكم ما مدح الحريريّ الدّينار وذمّه، ونبيّن مذهب العرب وأهل الأدب في ذلك، فقد ألّف ابن رشيق فيه كتابا جلبت في هذا الكتاب عيونه. قال أبو عثمان الجاحظ: العربيّ يعاف الشيء ويهجو به غيره، فإن ابتلي به فخر به، ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به غيره، فافهم هذا؛ فإنّ الناس يغلطون على العرب، ويزعمون أنّهم يمدحون بالشيء الذي يهجون به، وهذا باطل؛ ليس شيء إلا وله وجهان، فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإذا ذمّوا ذكروا أقبح الوجهين.

стр. 106

قال ابن رشيق: وأكثر ما تجري هذه الممادح والمذامّ على جهة المنافقة، لا على جهة المناصفة، ومن باب المسامحة لا من باب المشاححة، وإلّا فالشيء لا يوافق ضده، فيكون الحسن قبيحا في حالة واحد، والمدح ذمّا لمعنى واحد، لكن لكلّ شيء- كما ذكر الجاحظ- مساوئ ومحاسن؛ كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله ﷺ وقد استشهده الزّبرقان بن بدر على ما ادّعاه من الشرف في قومه، قال عمرو: أجل يا رسول الله، إنه مانع حوّزته، مطاع في أنديته، شديد العارضة. فقال الزبرقان: أما والله لقد علم أكثر مما قال؛ ولكن حسدني شرفي، فقال عمرو: أما وقد قال ما قال، فو الله ما علمته إلا ضيّق الطعن زمر المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى فرأى الكراهة في عين رسول الله ﷺ لمّا اختلف قوله، فقال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت؛ وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، فقال رسول الله ﷺ : «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة» (١). وكتب يزيد بن معاوية في صدر كتابه إلى عبيد الله بن زياد- وقد ولّاه محاربة الحسين بن عليّ ﵄ وكان قبل ذلك يسيء الرأي فيه: أمّا بعد، فإن المسبوب يوما ممدوح، وإنّ الممدوح يوما مسبوب. ويروى أن عيسى ﵊ لم يعب شيئا قط، فمرّ يوما بكلب ميّت، فقال أصحابه: ما أنتن ريحه! فقال عيسى ﵊: ما أحسن بياض أسنانه! . وقالت للحضين بن منذر امرأة: كيف سدت وأنت دميم بخيل! فقال: لأني سديد الرأي، شديد الإقدام. وقال مسلمة بن عبد الملك لأخيه هشام: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل، وأنت جبان! فقال: لأني حليم، وأنا عفيف؛ فسلّم لعائبه ما ادّعاه من مساوئه، وذكر من محاسنه ما لم ينازع فيه. صعد خالد بن عبد الله القسريّ منبر مكة يوم الجمعة، وهو أمير للوليد بن عبد الملك بن مروان، فأثنى على الحجّاج خيرا، فلما كانت الجمعة الثانية وقد مات الوليد، ورد عليه كتاب سليمان يأمره بشتم الحجّاج وذكر عيوبه، وإظهار البراءة منه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ إبليس كان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له به عليهم فضلا، وكان الله قد علم من غشّه ما خفي عن الملائكة، فلما أراد الله فضيحته ابتلاه بالسّجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه منهم، فلعنوه. وإنّ

стр. 107

الحجّاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنّا نرى له به فضلا، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين من غلّه وغشّه على ما خفي عنّا؛ فلما أراد فضيحته أجرى ذلك على يد أمير المؤمنين فالعنوه لعنة الله. ثم نزل. ومرّ غيلان بن خرشة الضّبّي مع عبد الله بن عامر بنهر أم عبد الله الذي يشقّ البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النّهر لأهل هذا المصر! فقال غيلان: أجل والله أيّها الأمير؛ يتعلّم العوم فيه صبيانهم، ويكون لسقائهم ولسيل مياههم، ويأتيهم بميرتهم؛ ثم عاد ابن عامر فساير زيادا عليه، فقال زياد: ما أضرّ هذا النهر لأهل هذا المصر! فقال: أجل والله أيّها الأمير، تنزّ منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ويكثر لأجله بعوضهم. ومدح الجاحظ العروض، فقال: هو ميزان الشّعر ومعياره، به يعرف الصحيح من السقيم، والعليل من السليم، وعليه مدار القريض والشعر، وبه يسلم من الأود والكسر. ثم ذمّه فقال: هو علم مولّد، وأدب مستبرد، ومذهب مرفوض، تستنكره العقول، مستفعلن فعول، من غيره فائدة ولا محصول. وكان العباس بن عليّ عمّ المنصور يأخذ الكأس بيده، ثم يقول: أمّا النفس فتسمحين، وأما الهمّ فتطردين، أفتراك منّي تفلتين! ثم يشربها. وشكا أبو العنياء حاله إلى عبد الله بن سليمان، فقال: أليس قد كتبنا لك إلى إبراهيم بن المدبّر! قال: كتبت إلى رجل قد حصر من همّته طول الفقر، وذلّ الأسر، ومعاناة محن الدهر، فأخففت في طلبتي. قال: أنت اخترته، قال: وما علمي أعزّ الله الامير في ذلك! قد اختار موسى قومه سبعين رجلا وما كان منهم رشيد، واختار رسول ﷺ ابن أبي سرّح كاتبا فرجع إلى المشركين مرتدّا، واختار عليّ ﵁ أبا موسى حكما، فحكم عليه. *** قال الحارث بن همّام: فناجاني قلبي بأنّه أبو زيد، وأنّ تعارجه لكيد. فاستعدته وقلت له: قد عرفت بوشيك، فاستقم في مشيك. فقال: إن كنت ابن همّام، فحيّيت بإكرام، وحييت بين كرام. فقلت: أنا الحارث، فكيف حالك والحوادث؟ فقال: أتقلّب في الحالين: بؤس ورخاء، وأنقلب مع الرّيحين: زعزع ورخاء. فقلت: كيف ادّعيت القزل، وما مثلك من هزل! فاستسرّ بشره الّذي كان تجلّى، ثم أنشد حين ولّى: [المتقارب] تعارجت لا رغبة في العرج ... ولكن لأقرع باب الفرج وألقي حبلي على غاربي ... وأسلك مسلك من قد مرج

стр. 108

فإن لامني القوم قلت اعذروا ... فليس على أعرج من حرج *** قوله: «فاستعدته»، أي قلت له أعد عليّ. عرفت بوشيك، أي عرفت بحسن كلامك وتزيينه. استقم استعدل وأزل عوجك. حيّيت: طال بقاؤك، والتحية البقاء: حييت: عشت. والحوادث: ما يحدث من الخير والشر. بؤس: شدّة العيش. رخاء: لينه وسعته. زعزع: ريح شديدة تحرّك الشجر وتقلعه. والزعزعة: تحريك الشيء إذا أردت قلعه. رخاء: ريح ليّنة سريعة، من الإرخاء في السّير، وهو عدو فوق التقريب، وناقة مرخاء: سريعة القزل: أسوأ العرج، وقد قزل قزلا. وهزل هزلا: ترك الجدّ في قول أو فعل، يقول: كيف تحيّلت بالعرج ومثلك لا يهزل ولا يقع في هذه النقيصة! فهو يهزأ به، فغضب عند ذلك استسرّ بشره: زال عنه سماحه وطلاقة وجهه. تجلّى: ظهر. ولّى: ذهب. قوله: «أقرع»، أي أضرب. الفرج: كشف الهمّ. ألقي حبلي على غاربي: أي أسرح وأمشي حيث أحببت، والعرب تطلق هذا اللفظ، فتقول للمرأة: حبلك على غاربك، أي أنت مسيّبة فتوجّهي حيث شئت لا مانع لك ولا حابس، والغارب: ما انحدر من السّنام، والحبل هو الذي يعقل به البعير، فإذا سرّحوه حلّوا عقاله وألقوه على غاربه، قال ابن الأنباريّ: أصله أن يلقى على حبل الناقة على غاربها فتفزع، ولا ترعى إذا لم تره على الأرض. أسلك مسلك، أي أدخل مدخل، والمسلك: الطريق. مرج: خلط الجدّ بالهزل. حرج: إثم والله تعالى أعلم.

стр. 109

المقامة الرّابعة وهي الدّمياطيّة أخبر الحارث بن همّام قال: ظعنت إلى دمياط، عام هياط ومياط؛ وأنا يومئذ مرموق الرّخاء، موموق الإخاء، أسحب مطارف الثّراء، وأجتلي معارف السّراء. فرافقت صحبا قد شقّوا عصا الشّقاق، وارتضعوا أفاويق الوفاق؛ حتّى لاحوا كأسنان المشط في الاستواء، وكالنّفس الواحدة في التئام الأهواء. وكنّا مع ذلك نسير النّجاء، ولا نرحل إلّا كلّ هوجاء، وإذا نزلنا منزلا، أو وردنا منهلا، اختلسنا اللّبث، ولم نطل المكث، فعنّ لنا إعمال الرّكاب، في ليلة فتيّة الشّباب، غدافيّة الإهاب. فأسرينا إلى أن نضا اللّيل شبابه، وسلت الصّبح خضابه. *** قوله: «ظعنت»، أي رحلت، والظعن ضدّ الإقامة. دمياط: بلد بينه وبين مصر ثلاثون فرسخا، وهي على ساحل البحر الملح، وإلى دمياط ينتهي ماء النيل، فيفترق منها فيخرج بعضه إلى بحيرة تنّيس، وهي بحيرة تجري فيها السفن والمراكب العظام، ويخرج بعضه إلى البحر، وبها تعمل الشروب، وقد ذكرنا ذلك عند تنيس. قوله: «هياط»: صياح، وتهايط القوم: اجتمعوا ودبّروا أمرهم. مياط: دفاع، أي كان عام هرج وخلاف. مرموق: منظور إليه، الرخاء: سعة المال موموق: محبوب. أسحب: أجرّ. مطارف: ثياب لها أعلام في أطرافها أجتلى: أنظر. معارف: وجوه. السرّاء: الغنى والسرور. رافقت: صحبت في السفر. والصّحب: الأصحاب الشّقاق: الخلاف، ومعنى شقّوا عصاه، أزالوه وطرحوه، والعرب تقول: شقّ فلان العصا، إذا ترك الطاعة وخرج مباينا، قال أبو عبيد: العصا تضرب مثلا للاجتماع، وانشقاقها يضرب مثلا للافتراق الّذي لا اجتماع بعده. أفاويق: جمع أفواق، وأفواق جمع فواق، وهو ما بين الحلبتين والوفاق: ترك الخلاف، وقد وافقته موافقة ووفاقا. قوله: «لاحوا» أي ظهروا. والعرب تضرب المثل بأسنان المشط، وهو يقع على كلّ استواء في أيّ حال كان، قال النبي ﷺ : «الناس كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون

стр. 110

بالعافية»، فإن أرادوا الاستواء في الشرّ قالوا: سواسية كأسنان الحمار، وقال كثيّر يهجو بني ضمرة: [الطويل] فسائل بقومي كل أجرد سابح ... وسلّ غنما ربّي بضمرة أو سخلا (١) سواء كأسنان الحمار فلا ترى ... لذى كبرة منهم على ناشئ فضلا التئام: اجتماع واتّفاق. الأهواء: جمع هوى، وهو ما تحبّه وتميل إليه النفس، فأراد أنّ أغراضهم متّفقة. النّجاء: السير السريع. نرحل: نشدّ عليها الرّحل ونشخص بها. هوجاء: ناقة سريعة، كأنّ بها هوجا وهو الحمق، لسرعة مشيها. وردنا منهلا: أتينا ماءً ننزل عليه، والنّهل: المشرب الأوّل، والعلل الثاني؛ وذلك أنّ الإبل ترد الماء فتشرب منه، ثم تخرج ترعى ساعة وتستريح، وتسمّي تلك الاستراحة الرّعي التّمرئة، ثم ترد مرّة أخرى فتشرب الماء، فالشرب الأول نهل، والثاني علل. والمنهل: موضع النّهل. والورود: قصد الماء. اختلسنا: استرقنا. اللبث: الإقامة، ومثله المكث، أي لا يستقرّون بموضع ينزلون فيه إلا قليلا. والرّكاب: الإبل؛ وإعمالها: استعمالها. فتيّة الشباب: صغيرة السن، وأراد أنها طويلة سوداء لا قمر فيها، لأن شعر الشباب أسود، ويريد أنها أول الشهر، فهي كالفتيّة، والليلة أوّل الشهر سوداء. غدافيّة: منسوبة إلى الغداف، وهو الغراب لسواده، والإهاب: الجلد، وأراد لونها أسرينا: مشينا بالليل، ويقال: سرى وأسرى. نضا الليل شبابه، أي أزال ظلامه، ونضا ثوبه: جرّده عنه، ومثله: سلت خضابه، وأراد أن الصبح بيّض الظلام بضوئه، وسلت الشيء سلتا؛ أزاله عمّا علق به، والمرأة خضابهاكذلك، وسيأتي ذكر الصبح آخر المقامة. [مما قيل في سواد الليل] وينظر في سراه مع صحبه في سواد الليل إلى قول ابن شهاب: [الخفيف] وفتوّ أسروا وقد عكف اللّي ... ل وأقعى مغدودف الأطناب وكأنّ النجوم لمّا هدتهم ... أشرقت كالعيون من أهداب يتفرّون جوز كلّ فلاة ... جنح ليل جوزاؤه من ركاب عنّ ذكرى لمدحهم فتناهوا ... من حديثي في عرض أمر حجاب همّة في السّماء تسحب ذيلا ... من ذيول العلا وجدّ الرّكاب ومما جاء في سرى الليل قول عبد الصّمد بن المعذّل، وهو من حسن الاستعارة: [المتقارب]
следующие страницы →