← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7611

السنة النبوية وحي - خليل خاطر

خليل بن إبراهيم ملا خاطر

Полный текст (90 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لا علمَ لنا إلا ما علَّمتَنا، إنك أنت العليم الحكيم. اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتَنا، وزدنا علماً. اللهم لا سهل إلا ما جعلتَه سهلاً، وأنت تجعلُ الحَزْنَ إذا شئتَ سهلاً، فيسِّر لنا أمورَنا، واختم لنا بالسعادة، إنك على كل شيء قدير. أما بعد: فقد جعل الله تعالى معجزةَ النبي المصطفى الكريم ﷺ الوحيَ، ذلك أن الله تعالى أعطى كلَّ نبيٍّ من أنبيائه ﵈ آيةً يُعرف بها، وتدل على نبوته، وصدقه، ولكن كل تلك الآيات أو المعجزات كانت وقتيَّةً، زال أثرها بزوال وقتها، وبموت من حضرها، وقد أَعطى الله تعالى نبيَّه المصطفى الكريم ﷺ من تلكم المعجزات والخوارق ... الشيءَ الكثير، فهو أكثر واحد فيهم أُعطي، ولكن معجزتَه ﷺ التي بقيت بعده، واستمر عطاؤها إلى زماننا، وستبقى إلى قيام الساعة: هي الوحي. ولهذا طلب الله تعالى منه ﷺ أن ينذر به. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٤٥] وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " ما مِن

стр. 2

الأنبياء نبي إلا أُعطي مِن الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُتيتُه وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعاً يوم القيامة " متفق عليه (١) . وقال ﷺ كما في حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه-: "ألا إني أُعطيتُ القرآنَ ومثلَه معه، ... " رواه أحمد وأبو داود والطحاوي والآجري والدارقطني والبغوي وابن حبان في آخرين (٢) . ورواه آخرون بلفظ قريب. ومن خلال الآية الكريمة والحديثين الشريفين يتضح أن رسول الله ﷺ (قد أعطاه الله جل شأنه وحيين، هما: وحي القرآن الكريم، ووحي السنة النبوية الشريفة. لكن القرآن الكريم: وحيٌّ متلُوٌّ معجِزٌ متعبَّدٌ بتلاوته، ... وأما السنة النبوية: فهي وحيٌ غيرُ متلُوٍّ ولا معجز ولا متعبَّد بتلاوته، ... إلخ الفوارق (٣) . والقرآنُ الكريمُ خاتمةُ الكتب، وهو وحي من الله تعالى، لأنه كلامه جل شأنه؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد تكفَّل الله سبحانه

стр. 3

وتعالى بذلك. والنبيُّ المصطفى الكريمُ ﷺ هو رسول الله ﷺ (- والرسولُ من مرسِله، لأنه يبلِّغ عنه ما يريد - والرسالةُ قد تكون مختومةً ليس له إلا تبليغها بعبارتها ولفظها، وقد تكون شفاهاً يبلغها بعبارته، لأنه مؤتمن. لذا فما كان من القسم الأول فهو: وحيُ القرآن، وما كان من القسم الثاني فهو: وحيُ السنة. والله تعالى أعلم. وهذا ما دلت عليه الآياتُ القرآنيةُ الكريمةُ، والأحاديثُ النبويةُ الشريفةُ، ودلائلُ النبوة، واتفقت كلمةُ العلماء رحمهم الله تعالى عليه. وهو أن ما نطق به رسول الله ﷺ : هو وحيٌ - لكنه غيرُ مَتْلُوٍّ ولا مُعجِز - أوحاه الله إليه. قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى (١) - وقد سئل عن الوحي -: «الوحيُ ما يُوحي الله إلى نبي من الأنبياء، فيثبتُه في قلبه، فيتكلم به، ويكتبه، وهو كلام الله، ومنه ما لا يتكلم به، ولا يكتبه لأحد، ولا يأمر بكتابته، لكنه يحدِّث به الناسَ حديثاً، ويبين لهم أن الله أمره أن يبيِّنه للناس، ويبلغهم إياه» .اهـ. وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (٢) : ما فرض رسول الله ﷺ (شيئاً قط إلا بوحي، فمن الوحي ما يُتلى، ومنه ما يكون وحياً إلى رسول الله ﷺ ؛ فيستن به - ثم ذكر حديثَ المطلب بن حنطب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما تركتُ شيئاً مما أمركم الله به: إلا وقد أمرتُكم به، ولا شيئاً مما نهاكم عنه: إلا وقد نهيتُكم عنه، وإن الروحَ الأمينَ قد أَلقى في رُوعي أنه لن تموتَ نفسٌ حتى تستوفي رزقَها، فأجملوا في الطلب". قال الإمام الشافعي: وقد قيل: ما لم يُتْلَ قرآناً، إنما ألقاه جبريل في رُوعه

стр. 4

- ﷺ بأمر الله، فكان وحياً إليه. وقيل: جعل الله إليه لما شهد له به من أنه يهدي إلى صراط مستقيم، أن يسن. وأيهما كان؛ فقد ألزمهما الله تعالى خلقَه، ولم يجعل لهم الخِِيَرَةَ من أمرهم، فيما سَنَّ لهم، وفرض عليهم اتباع سنته. اهـ. وقال رحمه الله تعالى - في موطن آخر (١) في تعليقه على حديث اللعان، فيما نَقل عمَّن سبقه -: فأَمْرُ الله تعالى إياه وجهان: أحدهما: وحيٌ ينزل، فيُتلى على الناس. الثاني: رسالةٌ تأتيه عن الله تعالى، بأن افعل كذا فيفعله، ... اهـ وقال الإمامُ ابنُ حزم الظاهريُّ رحمه الله تعالى (٢) : لما بيَّنّا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع؛ نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجابَ طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ (ووجدناه يقول فيه واصفاً لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣– ٤] فصح لنا أن الوحيَ ينقسم من الله إلى رسوله ﷺ إلى قسمين: أحدهما: وحيٌ متلُوٌّ، مؤَلَّفٌ تأليفاً، معجزُ النظام، وهو القرآن. والثاني: وحيٌ مرويٌّ، منقولٌ غيرُ مؤلَّفٍ، ولا معجز النظام، ولا متلُوٍّ، لكنه مقروء، وهو الخبرُ عن رسول الله ﷺ ، وهو المبيِّنُ عن الله مرادَه منا، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .

стр. 5

ثم قال: والقرآن والخبرُ الصحيح بعضُهما مضافٌ إلى بعض، وهما شيءٌ واحد في أنهما من عند الله تعالى، وحكمهما حكمٌ واحد، ... ثم قال: أخبر تعالى - كما قدمنا - أن كلامَ نبيِّه ﷺ كلَّه وحيٌ، والوحيُ بلا خلاف ذِكْرٌ، والذكرُ محفوظٌ بنص القرآن، ... إلخ ونقل الإمام السيوطي رحمه الله تعالى عن الإمام الجويني رحمه الله تعالى قال: كلام الله المنزل قسمان: قسم: قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسَلٌ إليه: إن الله تعالى يقول: (افعل كذا وكذا، وأمر بكذا) ففهم جبريل ما قاله ربُّه، ثم نزل على ذلك النبي، وقال له ما قاله ربُّه، ولم تكن تلك العبارةُ تلكَ العبارة. كما يقول الملِكُ لمن يثق به: قل لفلانٍ يقول الملِك: اجتهد في الخدمة، واجمع جندَك للقتال، فإن قال الرسول: يقول الملِك: لا تتهاون في خدمتي، ولاتترك الجند تتفرق، وحُثَّهم على المقاتَلة؛ لا يُنسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر: قال الله تعالى لجبريل ﵇: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل جبريلُ بكلمةٍ من الله تعالى، من غير تغيير، كما يكتب الملِك كتاباً، يسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يُغَيِّرُ منه كلمةً ولا حرفاً. اهـ قال الإمامُ السيوطي رحمه الله تعالى (١) - في تعليقه على هذا القول -: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول هو السنة. كما ورد أن جبريل ﵇ كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، ومن هنا جاز روايةُ الحديث

стр. 6

بالمعنى، لأن جبريل أدّاه بالمعنى، ولم تجز القراءة بالمعنى، لأن جبريل أدّاه باللفظ، ولم يُبح له إيحاءَه بالمعنى. والسر في ذلك: أن المقصودَ منه التعبدُ بلفظه، والإعجازُ به، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، ... والتخفيفُ على الأمة، إذ جعل المنزَّلَ إليهم على قسمين؛ قسم: يروُونه بلفظه الموحَى به، وقسم: يروونه بالمعنى، ولو جعل كلُّه مما يُروى باللفظ لَشَقَّ، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف، فتأمل. اهـ قلت: لكن لم أر من ذكر أن جبريل ﵇ كان ينقل نصَّ الحديث إلى رسول الله ﷺ بالمعنى، ويتصرف في العبارة، إلا أن يقال: فُهم أنه أُبيح له، مقارنةً بلفظ القرآن، وعدم تغيير حرف منه، والله تعالى أعلم. وقد بدأت عنايتي بهذا الموضوع (السنة النبوية وحي) عندما كتبتُ (الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وأثره في الحديث وعلومه) إذ بينت فيه أن السنة النبوية وحي. كما يراها الإمامُ الشافعي رحمه الله تعالى. والأدلة على أن السنة وحي هي أربعة مصادر: أولاً: من القرآن الكريم، ثانياً من السنة النبوية الشريفة، ثالثاً من دلائل النبوة، رابعاً: الإعجاز العلمي. وقد جعلت هذا المختصر على شاكلة الأصل، من خمسة فصول: أما الفصل الأول فيحوي: بين النبوة والوحي، وفيه تعريف الوحي، وأنواعه، والنبوة تثبت بالوحي لا بنزول الكتاب، وليس كل الوحي مكتوباً. ويحوي الفصل الثاني: الأدلة من القرآن الكريم.

стр. 7

ويحوي الفصل الثالث: الأدلة من السنة النبوية. ويحوي الفصل الرابع: الأدلة من دلائل النبوة. ويحوي الفصل الخامس: الأدلة من الإعجاز العلمي. وفي الخاتمة: نتائج البحث والتوصيات. أسأله تعالى أن يجعل هذا البحث وغيره خالصاً لوجهه الكريم، ويجعله ذخيرة مدخرة ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، ويرزقني فيه الصدقَ في القول، والإخلاصَ في العمل، ويسدد قلمي، ويحفظني فيما بقي من عمري في ديني وصحتي وعقلي وذريتي، إنه نعم المولى ونعم النصير. وصلى الله وسلَّم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.

стр. 8

الفصل الأول: بين النبوة والوحي مدخل ... الفصل الأول: بين النبوة والوحي إن الحديث عن الاستدلال على أن السنة النبوية وحي لا بد أن يسبقه أمور: تعريف الوحي، وبيان أنواعه، وهل يشترط نزولُ كتاب على من اختاره الله تعالى للنبوة، أو يُكتفى بوجود الوحي؟ لأنه لو كان يُشترط وجودُ كتابٍ حتى تثبت نبوة من اختاره الله تعالى؛ لَما بقي إلا القليل من العدد الكبير من الأنبياء والرسل ﵈، لأنه من الثابت عدم وجود الكتب عند الكثيرين منهم، كما لا بد من معرفة أن ليس كل ما ينزل على الأنبياء ﵈ من وحيٍ هو مكتوب، بل قد يكون غير مكتوب، وهذا ما سنراه إن شاء الله تعالى في هذا الفصل. والخلاصة أن الكلام في هذا الفصل سيكون في أربعة أمور: أولاً: في تعريف الوحي. ثانياً: في أنواع الوحي. ثالثاً: النبوة تثبت بالوحي لا بنزول الكتاب. رابعاً: ليس كل الوحي مكتوباً. والله تعالى هو الموفق والمعين.

стр. 9

أولاً - تعريف الوحي: الوحي لغةً: يطلق على: الإشارة، ِ والكتابةِ، والرسالةِ، والإلهامِ، والكلامِ الخفيِّ، والسرعة، وكل ما ألقيتَهُ إلى غيرك. ومن هذا يقال للوحي: هو الإعلامُ الخفيُّ السريعُ (١) . وقد ورد الوحيُ بالمعنى اللغوي في عدد من الآيات القرآنية.

стр. 10

كقولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [سورة القصص: ٧] وقولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [سورة النحل: ٦٨] وقولِه جل شأنه: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الأنعام: ١١٢] وقولِه تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [سورة مريم: ١١] وقولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [سورة المائدة:١١١] وقولِه : ﴿وَأَوْحَى فِي كُلّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ ِ [سورة فصلت:١٢] وقولِه تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا، وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [سورة الزلزلة: ١– ٥] وأما تعريفُه في الشرع: فهو الإعلامُ بالشرع. وذلك بأن يُعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كلَّ ما أراد اطلاعَه عليه؛ من حُكمٍ شرعي وغيرِه، ويكونُ في خفاءٍ، غيرِ معتادٍ للبشر، وهذا باعتبار مصدرِه. وقد يُطلق ويرادُ به اسمُ المفعول منه، وهو المُوحى به؛ وهو كلامُ الله المنزَّلُ على نبيه الكريم سيدنا محمدٍ ﷺ .

стр. 11

ثانياً - أنواع الوحي: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]

стр. 12

لقد حصرها الله تعالى في ثلاثِ حالات، وهي ترجع إلى حالتين: الأولى: بغير واسطة، وتشمل الحالتين الأولى والثانية. والثانية: بواسطة، وتشمل الحالة الثالثة. والحالات الثلاث هي: ١- قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْياً﴾ فيكون بغير واسطةٍ، وله حالتان: - يكون في اليقظةِ؛ كالإلهامِ، والتكلمِ ليلةَ المعراج مع النبي المصطفى الكريم ﷺ بدون واسطة، ... - يكون في المنام؛ كما في قصة إبراهيم ﵇، وكما في قصة دخول النبي ﷺ مكة، ... إلخ. ٢- قوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وذلك بأن يكلمَ الله تعالى نبيَّه من وراء حجاب، كما حصل لموسى ﵇. ٣ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ فيوحي ذلك الرسولُ الملَكُ إلى المرسَلِ إليه من البشر، بإذن الله تعالى ما يشاءُ الله تعالى، وله صور متعددة: أ - أن يظهر بصورته الحقيقية الملكية، كما حصل لرسول الله ﷺ ، إذ رأى جبريلَ ﵇ مرتين، كما حكى القرآن الكريم في سورة النجم. (١) ب - أن يظهرَ جبريلُ ﵇ بصورةِ إنسانٍ، ويراه الناسُ، وقد ظهر في صورة دِحية الكلبي رضي الله تعالى عنه مراراً، كما ظهر في صورة أعرابي، كما في حديث سؤاله عن «الإيمان، والإسلام، والإحسان» وهو المعروف بحديث جبريل ﵇.

стр. 13

ج- أن ينفث في الرُّوع، وذلك بأن ينفث روحُ القدس في رُوع النبيِّ المصطفى الكريم ﷺ . د- أن يهبط على النبي المصطفى الكريم ﷺ خفية - وهذا هو الغالب -، بحيث لا يراه الناسُ الحاضرون، ولكن يظهر أثرُه من التغيير والانفعال الذي يصيب النبيَّ المصطفى الكريمَ ﷺ ، والاستغراق التام، ... وتصببِ العرق في اليوم الشديد البرد. وله مقدمةٌ تُنبِّه النبيَّ الكريمَ ﷺ بقدومه، شبَّهها ﷺ بصلصلة الجرس، ويسمعها الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم كدوي النحل. والقرآن الكريم نزل كلُّه بواسطةِ جبريل ﵇، إلا ما ورد في أواخر سورة البقرة (١) .

стр. 14

ثالثاً - ثبوت النبوة بالوحي: إن نزول الوحي على من اصطفاه الله تعالى من البشر؛ بما يريدُه تعالى، وبما يدلُّه عليه، وينزله عليه من أحكام تشريعية، وأخبارٍ بمغيبات، ودلائل، وحججٍ، ... كلُّ ذلك يدل على أن هذا المصطفى من الخلق إنما هو نبي، أُعلم بذلك من قِبَل الله تعالى، وهو كافٍ في الدلالة على نبوته واصطفائه من قِبَلِ ربه . فإذا نزل عليه أمرٌ من الله جل شأنه بتبليغ ما أنزل عليه، فهو رسولٌ، فحصل من هذا: أن كلَّ رسولٍ نبيٌّ، ولا عكس. وقد يكون النبيُّ المختارُ متعبَّداً على شريعةِ من سبقه من الأنبياء والرسل

стр. 15

على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. كما قد يكون في الوقت الواحد أكثرُ من نبيٍّ، ولو في القرية الواحدة، ... كما قد يكون أكثر من رسول أيضاً. ولا يشترطُ وجودُ كتابٍ منزل من قبل الله تعالى حتى يعتبر ذلك المصطفى بالوحي رسولاً أو نبياً، إنما العبرةُ بوجود الوحي، لأنه من المجمع عليه أن الكتب والصحف إنما نزلت على بعض الأنبياء والرسل ﵈، أما أغلب الأنبياء والرسل ﵈ فليس عندهم كتب ولا صحف، إنما ينزل عليهم الوحي بما يريده الله . ولو كان يُشترط وجودُ الكتاب لصحة النبوة أو الرسالةِ لأُلغِيت نبوةُ كثيرين ورسالتهُم من الرسل والأنبياء ﵈، لعدم وجود ذلك عندهم. كما لو كان وجودُ الكتاب شرطاً لصحة نبوة كل نبي، لوجب وجودُ الكتب عندهم جميعاً، وهذا خلاف الواقع المجمع عليه، وهو وجودُ بعض الكتب عند بعض الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. لكن المجمع عليه: هو وجودُ الوحي عند جميعهم ﵈. كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ [النساء:١٦٣] فيلاحظ قوله تعالى: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إذ ذكر نوحاً ﵇ لأنه أولُ رسولٍ أُرسل إلى البشرية، ثم ذكر ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ليكون شاملاً مستغرِِقاً جميعَ الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة السلام من بعد نوح ﵇.

стр. 16

وقال الله جل شأنه عن سيد البشر عليه وآله الصلاة والسلام: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] فالعبرة إذاً: بوجود الوحي، وبه قامت الحجةُ على الناس كلهم، والله تعالى أعلم.

стр. 17

رابعاً - ليس كل الوحي مكتوباً: والأمر الآخر المقرر، بالنسبة للأنبياء والرسل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام الذين ينزل عليهم الوحي، فإنه لا يُشترط أن يكون ذلك الوحيُ مكتوباً، سواء ممن لم يسبق لهم كتابٌ منزل، كما هو الحال في أغلب الأنبياء والرسل ﵈، أو حتى الذين نزلت عليهم كتبٌ وصحفٌ؛ كموسى وعيسى وداود ... على نبينا وعليهم الصلاة السلام، فإنه لا يشترط أن يكون جميعُ الوَحْي المنزَّل إليهم مكتوباً في الكتب أو الصحف المنزلةِ عليهم. وقد عرفنا هذا مما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم. ولما كانت الشواهدُ في القرآن الكريم كثيرةً جداً فإني أقتصر على ذكر شاهدين فقط: ليكونا مثالاً لما قررتُه هنا، ومن أراد الزيادة، فليرجع إلى ما كتبته في غير هذا المكان (١) . المثال الأول: قال الله ﵎ بعد ما ذكر ما كان بين نوح ﵇ وبين قومه -: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا

стр. 18

تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ، قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم يقول الله ﵎ في خاتمة الآيات لنبيه المصطفى الكريم سيدنا محمد ﷺ : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٣٦ – ٤٩] هذا الخطاب من الله تعالى لنوح ﵇ بعدم إيمان قومه، وأمره له ﵇ بصناعة السفينة، وعدم مخاطبته جل وعز في الكفار بعد عقوبتهم، ثم هذه المحاورة بين الله تعالى ونوح ﵇ بشأن ولد نوح، وما كان منه، ثم الأمر منه تعالى لنوح بالهبوط من السفينة إلى اليابسة: هل هذا موجودٌ في كتابٍ مكتوبٍ عند نوح ﵇ يقرؤه ويتلوه، أو هو خطاب مباشِرٌ، كلّمه الله جلت قدرته به مباشرةً، وليس ثمة كتاب يقرؤه؟ والجواب: لا يمكن أن يكون هذا مكتوباً في كتاب، إذ لو كان مكتوباً عنده في كتاب لأُمر بالرجوع إليه مباشرة، ولما احتيج إلى هذه المحاورة والمخاطبة، ثم إن سياق القصة يتضح منه عدم وجوده عنده من قبل، كما هو واضح، والله تعالى أعلم.

стр. 19

المثال الثاني: ما كان بين موسى ﵇ وبني إسرائيل، في قصة البقرة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٦٧- ٧٣] . ففي هذه الآيات: أمرانِ وأربعةُ أقوالٍ لله تعالى، فلو كانت هذه الأقوال في التوراة، لما اضطر موسى ﵇ إلى الأسئلة عن البقرة وأجوبتها، بل لأمرهم بالرجوع إلى التوراة، أو لقرأها عليهم، وأمرهم بالعمل بها، وكل ذلك غير موجود، إنما هو سؤالٌ وجوابٌ عن حادثةٍ وقعت.

стр. 20

يضاف إلى هذا: أن التوراة نزلت جملةً واحدةً، وليس فيها إلا ما هو مسطور، وأما ما يقع بعدها من حوادث فتحتاج إلى جوابٍ جديدٍ. وهذا الخطاب هو وحيٌ غير مسطور ولا متلوٍّ. فإذا جاز هذا لموسى وغيره من الأنبياء السابقين على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فنبينا المصطفى الكريم ﷺ من باب أولى وأولى، والله تعالى أعلم.

стр. 21

الفصل الثاني: الأدلة من القرآن الكريم الأول: أدلة عامة ... الفصل الثاني الأدلة من القرآن الكريم إن الأدلة من القرآن الكريم على أن السنة النبوية وحي نوعان: الأول: أدلة عامة. والثاني: أدلة جزئية، وسأذكر من كل نوع بعضَ الأدلة على قدر هذا المختصر، ومن أراد الزيادة فليرجع إلى كتاب (السنة النبوية وحي) فقد ذكرت سبعين دليلاً على التفصيل. أما النوع الأول: وهو الأدلة العامة، ففيها نصوص كثيرة، أقتصر على بعضها للتدليل، ومن أراد الزيادة فلينظر في الأصل. ١- قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١- ٥] فقوله جل وعز: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ لفظة عامة؛ تشمل جميع ما يلفظه ﷺ ، لأنها سياق النفي، وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ حصر ذلك بالوحي، لأن معناه ـ والعلم عند الله تعالى ـ ما هو إلا وحي يوحى إليه. وإذا كان كلُّ ما يقولُه ﷺ : إنما هو وحيٌ يُوحى إليه به، دل على أن السنة النبوية هي وحي. والله تعالى أعلم. ولا يصح حمل هذا اللفظ الكريم على غير رسول الله ﷺ ، بدلالة سياق الآية الكريمة ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ وهو ما عبَّر عنه تعالى بذلك في عدَّة آيات، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَاصَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] والآيات التي تليها. والله تعالى أعلم.

стр. 22

٢- قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] في أربع آيات كريمات، تكرَّرَ فيها عطفُ الحكمة على الكتاب (١) . فالحكمة المعطوفة على الكتاب ـ هي السنة النبوية ـ وهي وحي منزل من عند الله تعالى بدلالة الآيات التاليات. قال الله جل شأنه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِه﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال الله : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٣] فقول الله : ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ و ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يدل على أن «الحكمة» منزَّلةٌ من عند الله ، كما هو الحال في الكتاب الكريم، لأنها معطوفةٌ عليه، ومقرونةٌ به، وكلاهما منزَّل. ولا يصح أن يقال: إن «الحكمة» هنا هي «الكتاب» بدلالة قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٤] فالكتابُ هو آيات الله في هذه الآية الكريمة - عُطفت عليها الحكمةُ، فدل اللفظ على التغاير، لكن كلاهما - أي الكتاب والحكمة-

стр. 23

منزَّلان متلوان، ولا يكون ذلك إلا للوحي. وإن كان تلاوةُ الكتاب الكريم غيرَ تلاوة الحكمة. والله تعالى أعلم. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (١) : ذَكَر الله الكتابَ - وهو القرآن - وذكر الحكمةَ، فسمعتُ مَن أرضى مِن أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمةُ سنةُ رسول الله ﷺ . وهذا يشبه ما قال، والله تعالى أعلم. لأن القرآن ذُكِر، وأُتبعته الحكمةُ، وذَكَر الله مَنَّه على خَلْقه: بتعليمهم الكتابَ والحكمةَ، فلم يَجُز - والله أعلم - أن يُقال الحكمة ههنا: إلا سنة رسول الله ﷺ .اهـ وما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى - ونقله عمن رضي من أهل العلم بالقرآن - ليس مذهبَه فحسب، بل هو مذهبُ عامة السلف والمفسرين (٢) ، كما بينت هذا في غير هذا الموضع. والله تعالى أعلم. ٣- لقد تكفل الله تعالى بجمع القرآن الكريم في صدر رسول الله ﷺ ، كما تكفل جل شأنه ببيانه، فقال ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٦ – ١٩] كان رسول الله ﷺ يُحرِّك لسانه أثناء قراءة جبريل ﵇ في نزوله بالوحي عليه ﷺ ، مخافةَ أن ينفلت منه، ولا يحفظه، فنُهي ﷺ عن ذلك، وأُخبر أن الله هو المتكفل بحفظه في صدره ﷺ ، وجريانه على لسانه بعد

стр. 24

ذلك، كما أنه تعالى هو المتكفِّل بتفهيم تلك الآيات ومناسباتها له ﷺ ، ويوضِّح ذلك: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "كان رسول الله ﷺ يُعالج من التنزيل شدَّة، وكان مما يُحرِّك شفتيه". وفي رواية:"كان رسولُ الله ﷺ إذا نزل جبريلُ ﵇ عليه بالوحي، وكان مما يُحرك به لسانه وشفتيه، فيشتدّ عليه، وكان يعرف منه، فأنزل الله الآية التي في ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال: علينا أن نجمعه في صدرك، وقرآنه (فتقرأه) ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فإذا أنزلناه فاستمع ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ علينا أن نبيِّنه بلسانك (وفي رواية أخرى: أن نبيِّنه على لسانك) قال: فكان (رسول الله ﷺ بعد ذلك) إذا أتاه جبريل أطرق. فإذا ذهب جبريل قرأه النبي ﷺ كما وعده الله". متفق عليه (١) . فقولُه في الحديث (علينا أن نبيِّنه على لسانك - أو بلسانك -) هو بيان مجملات الوحي، وتوضيح مشكلاته، وبيان معانيه وأحكامه، ... والله تعالى أعلم، بحيث يُجري الله تعالى ذلك على لسان نبيه ومصطفاه ﷺ بعد قذف ذلك في قلبه. والله تعالى أعلم. وقولُه : ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ تَكَفُّلٌ من الله ببيان القرآن الكريم؛ الذي يُشكل على الناس في معانيه، ومجمله، وأحكامه، ... وهذا البيان الذي تكفَّل الله تعالى به: إما أن يكون قرآناً لاحقاً؛ ينزله في كتابه مثل القرآن النازل، أو لا.

стр. 25

- فإن كان قرآناً افتقر هو الآخر إلى بيان آخر أيضاً، وهكذا يحتاج القرآن إلى قرآن تالٍ ليبيِّنه، ... ويكون التسلسل. يضاف إلى ذلك أيضاً أن مجملَ القرآن، ومعانيه، وأحكامَه، ... موجودةٌ في القرآن الكريم، وقد بيَّنها النبي المصطفى الكريم ﷺ ،كما سيأتي ذكرُ بعضه بعد قليل، إن شاء الله تعالى. - وإن كان البيان علاوةً على القرآن الكريم - وهو الحقُّ - كان منزَّلاً أيضاً، باعتبار قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ حيث تكفَّل به، وكان هذا البيانُ المنزَّلُ غيرَ الذي نقرؤه، وهو وحيٌ أيضاً باعتبار الالتزام الذي التزم الله به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ولا شك أن هذا البيان هو السنة؛ الموحى بها إلى النبي المصطفى الكريم ﷺ ، والله تعالى أعلم. ومن هنا يتضح كيف أن الله جل شأنه قد وكَلَ هذا البيانَ إلى رسوله المصطفى الكريم ﷺ ، حيث قال جل شأنه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] بل حصر الله مهمَّةَ رسوله الكريم ﷺ في ذلك، فقال جل شأنه ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] فهذا البيانُ المُلتَزَمُ به مِن قِبل الله ، والمعهودُ به إلى النبي المصطفى الكريم ﷺ هو من الوحي المنزَّل، باعتبار الالتزام، والعهد به إلى النبي المصطفى الكريم ﷺ ، وبه بانت السنة النبوية أنها وحي أيضاً، والله تعالى أعلم.

стр. 26

٤ - بيان الأحكام الشرعية. إن أغلب الآيات القرآنية الكريمة في أحكام العبادات والمعاملات، ... إلخ جاءت مجملةً، أو مطلقةً، أو عامةً، وجاءت السنةُ النبويةُ الشريفة مبيِّنةً، أو مقيِّدةً، أو موضِّحةً، أو مخصِّصةً، ... أو جاءت بأحكام زائدة. ففي العبادات مثلاً: جاءت آيةٌ في التيمم ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء:٤٣، والمائدة:٦] وأخرى في الوضوء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] لكن لم يرد فيهما الاستجمار والاستنجاء، وغَسلُ النجاسة، وكيفية الغسل، ولم يوضِّح الماء، ومقداره في الوضوء، كما لم يأت كثير من الأحكام في آية الوضوء، كغسل اليدين في ابتداء الوضوء، والمضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما، والاستنثار، والسواك، ومسح الأذنين، والتثليث في ذلك، ... إلخ وفي الصلاة: جاءت الآية مجملة ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فجاءت السنة النبوية الشريفة لتبيِّن أوقاتها، وعددَ ركعات كل صلاة، وكيفيتها، وماذا يقال في القيام، وفي الركوع، وفي السجود، وما يجوز فيها، وما لا يجوز، وما يشترط لها، وما يبطلها، ... وجاءت بالأذان والإقامة وألفاظهما،.. والصلاة النافلة؛ المقيدة وغيرها، ... والجمع بين الصلوات في السفر والحضر، والقصر في السفر من غير خوف، ... إلخ

стр. 27

وفي الزكاة: جاءت الآية مجملة ﴿وءاتوا الزكاة﴾ فجاءت السنة النبوية الشريفة لتحدِّد الأموال التي تخرج فيها الزكاة؛ من النقدين، والأنعام، والخارج من الأرض، وأحكامَ الركاز، وتحديد الحول، والنصاب، ومقدار الزكاة؛ ففي الإبل: في خمس شاة، ... وفي الغنم: في الأربعين شاة، ... وفي البقر: في الثلاثين تبيع أو تبيعة، ... وفي الفضة: في كل مائتي درهم، ... وفي الذهب: في العشرين مثقال، وكلاهما ربع العشر. وفي المزروعات: فقد جاءت الآية مجملةً ﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾ لكن ما هي المزروعات التي تزكّى، وما هو المقدار، وما هو النصاب، وما حكم ما كان يُسقى بغرب أو سانية، وما كان يُسقى من السماء، ... كل ذلك جاء في السنة النبوية الشريفة. ثم جاءت السنة النبوية الشريفة لتبيِّن ما لا تجب فيه الزكاة من هذه الأموال، ... وهكذا. وفي الصيام: جاءت الآيةُ فيه مبينةً وجوبَ الصوم، ثم إباحة الرفث والطعام والشراب ليلة الصيام (١) لكن ما حكم من أكل أو شرب، ... ناسياً، وما هي المفطرات في الصيام، والمباشرة والقُبلة للصائم، ثم صيام الأيام التي يسن صيامها؛ كالاثنين والخميس، ونصف الشهر، وستٍّ من شوال، ... وأيهما الأفضل في السفر؛ الصوم أو الفطر،. إلخ وفي الحج: حيث جاءت الآية عامة ومجملة، لكن من الذي رتبه بالصورة التي نعرفها، كتعيين المواقيت الزمانية والمكانية، ومواقيت الآفاقيين ومن دونهم والمقيم في مكة، ... والمبيت في منى ليلة التاسع، وبدء الوقوف بعرفة وإنتهائه، ومكان الوقوف فيه، والمبيت في مزدلفة، وجمع الجِمار، ورمي الجمرات،

стр. 28

والمبيت في منى ليالي أيام التشريق، ... وما مبطلات الحج، وما يلزم فيه الدم، وما لا، ... إلخ كل ذلك جاءت به السنة النبوية الشريفة. ومثل ذلك في المعاملات وغيرها كثير. فهل عيَّن النبي المصطفى الكريم ﷺ ذلك من عند نفسه، أو هو الوحي الذي لم نطَّلع عليه؟ وكيف يكون من عند نفسه - حاشاه بأبي هو وأمي - والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ لكنه البيان الذي وَكَل الله تعالى إليه، وأوحاه له فنطق به، حيث يقول الله جل شأنه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ بعد أن تكفَّل الله تعالى بالبيان ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وقد أخبرنا تعالى بأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إنما هو الوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فهو ﷺ يَتَّبع ما يوحيه الله تعالى إليه في كل أموره، كما أخبرنا الله جل شأنه عنه ﷺ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ ثم ما كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك من عند نفسه، ولو فعل ﷺ لما أقرَّه الله تعالى، ولذكر الله تعالى ذلك لنا في كتابه الكريم، ولكان ﷺ متقوِّلاً على ربه - حاشاه بأبي هو وأمي - فلما أقره الله تعالى - بل وَكَلَ ذلك البيان إليه؛ دلَّ على أن ما فعله ﷺ من البيان إنما هو بأمر الله الذي أوحاه إليه، وأنه ﷺ إنما اتبع ما يوحى إليه، وإن كان قد خفي علينا كثيرٌ من ذلك، لأن بعضاً منه قد صرح ﷺ بتعليم جبريل ﵇ له، كما ذكرته في الأصل، والله تعالى أعلم. والنصوص في هذا النوع كثيرة، إنما ذكرت ما يناسب هذا المختصر، والله تعالى أعلم.

стр. 29

الثاني: أدلة جزئية ... ومن النوع الثاني: وهو ما جاء في جزئيات خاصة؛ فأقتصر على بعض النماذج أيضاً. ١- قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] فقوله تعالى: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أخبره بما كانت أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها - التي أَسَرَّ إليها النبيُّ المصطفى الكريمُ ﷺ قد أفشت الحديثَ الذي أسرَّه إليها. فهل هذا الإظهارُ موجودٌ في القرآن الكريم؟ لا، إنما كان بينَ اللهِ تعالى وبين نبيه الكريم ﷺ ، حيث أطلعه على ما فعلَتْ أمُّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وبدلالة آخر الآية ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ والإنباء وحي كما هو معلوم. وإذا كان الإظهارُ من الله جل شأنه لنبيه المصطفى الكريم ﷺ والإنباء وحي، وهو غيرُ مكتوب، ولا موجود في القرآن - دل على أنَّ من الوحي ما هو ليس بمكتوب، وأن ما أخبر به رسول الله ﷺ إنما هو بإيحاء الله تعالى له، وإنبائه إياه، وأن السنةَ النبوية وحيٌ، لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، إنما يتبع ما يوحى إليه، ولاسيما أن مثلَ هذا الأمر الذي كان من أم المؤمنين ﵅ جميعاً أمرٌ مخفي؛ لا يعلمه إلا الله تعالى. والله تعالى أعلم. ٢ - لقد نفى الله تعالى عن الخلق جميعاً علمَ الغيب، وحصر تعالى ذلك به ، فهو له تعالى لا يملكه أحد، وقد جاء ذلك في عدد من الآيات القرآنية الكريمة.

стр. 30

قال الله : ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس:٢٠] وقال : ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] لكن الله تعالى استثنى من ذلك من يُطلعه تعالى من رسله ﵈ سواء من الملائكة، أو من البشر - على غيبه. فقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [الجن: ٢٦ – ٢٨] فإذا اختار الله تعالى ذلك الرسولَ، وأطلعه على غيبه خصه تعالى بمزيد عناية، إذ يجعل تعالى بين يديه حفظةً يحفظونه، ويساوقونه على ما معه من الوحي، ويحرسونه من شياطين الإنس والجن. وإطلاعُ الله تعالى رسولَه المصطفى الكريم ﷺ على بعض ما عنده تعالى من الغيب قد ظهر جليّاً من الأحاديث الكثيرة التي تحدَّثت عما علمه ﷺ من الغيوب؛ التي لا يمكن أن تكون إلا بوحي، سواء من ذكر الغيبِ السحيقِ في القدم، أم من الغيبِ البعيدِ القادم، وقد توسعت في بيان ذلك في: (أشراط الساعة) وأقتصر على أربعة أحاديث عامة. فعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: "قام فينا النبيُّ ﷺ مقاماً، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهلُ الجنة منازلهم، وأهلُ النار النارَ". رواه البخاري (١) .

стр. 31

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: "قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً، ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيتُه، فأراه، فأذكره، كما يذكر الرجلُ وجهَ الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه". متفق عليه، واللفظ لمسلم (١) . وقوله: (ما ترك شيئاً، ... ) أي لم يترك أمراً مهمّاً ذا بال؛ يحتاجون إلى معرفته إلا أخبرهم ﷺ به، والله تعالى أعلم. وعن عَمْرو بنِ أخطب الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: "صلّى بنا رسول الله ﷺ الفجرَ، وصعد المنبرَ، فخطبنا حتى حضرت الظهرُ، فنزل فصلّى، ثم صعد المنبرَ، فخطبنا حتى حضرت العصرُ، ثم نزل فصلّى، ثم صعد المنبرَ، فخطبنا حتى غربت الشمسُ، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظنا". رواه مسلم (٢) . وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: "أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألتُه عنه، إلا أني لم أسأله: ما يُخرج أهلَ المدينة من المدينة؟ ". رواه مسلم (٣) . وكثير مما قاله ﷺ وأخبر به أصحابَه رضي الله تعالى عنهم قد وقع وفق ما قال، وكلُّ ذلك لا يمكن أن يكون من قدرة البشر، إنما هو من وحي الله تعالى لرسوله الكريم ﷺ ، خاصة وأنه ﷺ قد تكلم على الماضي السحيق

стр. 32

- وهو بدء الخليقة - والقادم البعيد - وهو حتى يدخل أهل الجنة منازلهَم، وأهلُ النار منازلهم - كما ذكر ما بين هذين الزمنين من حوادث وأخبار مهمة، ... ووقائع،.. وكل ذلك داخل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولًٍ﴾ ولاسيما أن المصطفى الكريم ﷺ بأبي هو وأمي - أُمِّيٌّ؛ لم ولن يقرأ، ولم يكتب، ولا يكون ذلك له، ولم يَطَّلع على كتب الأقدمين (١) إنما هو مِن أنباء الغيب الذي يوحيه الله تعالى إليه، ولهذا تكرر قوله : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٤٤، ويوسف ١٠٨] فإذا أضيف إلى ذلك قولُه تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] ومع هذا لم يُذكر من أشراط الساعة في القرآن شيء، إنما جاء بيانُها مفصَّلةً في السنة النبوية الشريفة، علمنا أن ما قاله ﷺ ليس من عنده، لأن ذلك كلَّه من الغيب، وإنما هو الوحي غيرُ المتلو، وهو السنة. وقد توسعت في بيان ذلك في (أشراط الساعة) والله تعالى أعلم. ٣- لما خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى بدر لتلقي عيرَ قريش، وخرجت قريش لمنع عيرها ولملاقاة النبي المصطفى الكريم ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم - وذلك كله بتقدير الله تعالى ليقضي أمراً كان مفعولاً - وعده الله تعالى إحدى الطائفتين؛ العير أو النفير، فلما سلمت العيرُ، وتعين النفيرُ: صار رسول الله ﷺ يسأل ربَّه قبل بدء المعركة بيوم تنفيذَ ما

стр. 33

وعده تعالى به، حتى سقط رداؤه عن كتفيه من شدة إلحاحه في الدعاء، فخرج رسول الله ﷺ من الخيمة وهو يثب في الدرع، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ثم أراهم ﷺ مصارع القوم قبل بدء المعركة بيوم، وهو يقول لهم: "هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله" فما زاول واحد من الذين عينهم ﷺ مكانَه بالأمس. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابُه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبيُّ الله ﷺ القِبلةَ، ثم مدَّ يديه، فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، ... " إلى آخر الحديث، وفيه سقوط ردائه ﷺ ، والتزامُ أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه له، وقولُه: يا نبيَّ الله، وفي بعض الروايات: كفاك مناشدتُك ربَّك، فإنه سينجز لك ما وعدك". رواه مسلم (١) . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله ﷺ قال - وهو في قبةٍ يومَ بدر -: "اللهم أنشدك عهدَك ووعدَك، ... " ثم ذكر بنحوه، وفيه زيادةُ خروجه وهو يثب ﷺ في الدرع، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ .رواه البخاري (٢) .

стр. 34

وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يُرينا مصارعَ أهل بدرٍ بالأمس. يقول: "هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله" قال عمر رضي الله تعالى عنه: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدودَ التي حدَّ رسول الله ﷺ ، ... رواه مسلم (١) . زاد أنس رضي الله تعالى عنه في روايته: "ويضع يدَه على الأرض، ههنا وههنا. قال: فما ماط أحدُهم عن موضع يدِ رسول الله ﷺ ". رواه مسلم (٢) ومن الآية والأحاديث السابقة يتضح ما يلي: أ - كون هذا الوعد من الله تعالى كان قبل المعركة، لأن سورة الأنفال نزلت بعدها، وأن الوعد جاء بصيغة المضارع ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ وكذا رغبة المسلمين ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ مما يدل على أن ذلك كله كان قبل بدء المعركة. ب - إخباره ﷺ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى وعده إحدى الطائفتين، وذلك قبل بدء المعركة، وقبل نزول هذه الآية. ج - مناشدته ﷺ ربه تعالى إنجاز ما وعده وتعهَّد به، وذلك قبل بدئها. د - تحديده ﷺ مصارع القوم قبل قتلهم، مع تحديد مكان مصارعهم، هـ- - سؤاله ﷺ قتلى مشركي قريش وهم في القليب: هل وجدوا ما وعدهم الله تعالى ورسوله ﷺ ؟ فإنه ﷺ وجد ما وعده الله تعالى حقّاً. كما في أحاديث ابن عمر وأبي طلحة عند البخاري، وعمر وأنس رضي الله تعالى عنهم عند مسلم (٣) . وكل ذلك لا يمكن أن يكون بالاجتهاد، إنما هو وحيٌ من الله تعالى، ولم يرد في القرآن الكريم، مما يدل على أن السنة النبوية وحي، والله تعالى أعلم.

стр. 35

الفصل الثالث: الأدلة من السنة النبوية أولاً: عناوين الأحاديث ... الفصل الثالث الأدلة من السنة النبوية إن الأدلةَ من السنة النبوية الشريفة على أن السنةَ النبويةَ وحيٌ كثيرةٌ جداً يصعب حصرها أو ذكرها، وقد قسمتها - بعد البحث- إلى مجموعات، واقتصرت على مائة عنوان، وتحت كل عنوان يندرج مجموعة من الأحاديث، تزيد أو تنقص، فقد تصل إلى المئات، وقد تنقص إلى الآحاد، لذا فإني أذكر هنا بعض العناوين، ثم أقتصر على ذكر بعض ما جاء في بعضها من الأحاديث، على قدر هذا المختصر. وعند ذكري للعنوان لا أعنيه بمفرده، بل يندرج تحته كلُّ مشتقاته في اللغة (١) ثم أقتصر على ذكر بعض الأمثلة مما هو من مشتقاته، والله تعالى هو الموفق والمعين. أولاً: عناوين الأحاديث: كل ما جاء بلفظ الوحي، وما جاء بلفظ الأمر، وما جاء بلفظ الإعطاء، وما جاء بلفظ الوعد، وما جاء بلفظ الحل، وما جاء بلفظ الإباحة، وما جاء بلفظ التطييب، وما جاء بلفظ الإذن، وما جاء بلفظ الترخيص، وما جاء بلفظ النهي، وما جاء بلفظ الإبدال، وما جاء بلفظ التفضيل، وما جاء بلفظ الرؤية، وما جاء بلفظ الإتيان، وما جاء بلفظ التحريم، وما جاء بلفظ البِشارة، وما جاء بلفظ الإيتاء، وما جاء بلفظ التخيير، وما جاء بلفظ النصر،

стр. 36

وما جاء بلفظ الاشتراط، وما جاء بلفظ الانتداب، وما جاء بلفظ التجاوز، وما جاء بلفظ النفث في الرُّوع، وما جاء بلفظ البعثة، وما جاء بلفظ الجعل، وما جاء بلفظ الاستئذان، وما جاء بلفظ الإخبار، وما جاء بلفظ العَجَب، وما جاء بلفظ الإبدال، وما جاء بلفظ الكفالة، وما جاء بلفظ الضمان، وما جاء بلفظ القَسَم على بعض الأمور، وما جاء بلفظ التصديق، وما جاء بلفظ العذر، وما جاء بلفظ الكتابة، وما جاء بلفظ الوجوب، وما جاء بلفظ الدخول في الجنة أو النار، وما جاء بلفظ السؤال، وما جاء بلفظ القضاء، وما جاء بلفظ العرض، وما جاء بلفظ التوكيل، وما جاء بلفظ القسْم، وما جاء بلفظ الإمداد، وما جاء بلفظ الإحداث، وما جاء بلفظ الرضا، ... إلخ. وما جاء مِن إخبار رسول الله ﷺ عن الله تعالى وأوصافه وأسمائه وأفعاله، وإخباره ﷺ عن نفسه الشريفة، وما خصه الله تعالى به وفضله، وإخباره ﷺ عن فضل الصلاة والسلام عليه، وبيان عقوبة تارك الصلاة عليه، وإخباره ﷺ من بيان مسارعة الله تعالى في رضاه ﷺ ، وإخباره ﷺ عن القرآن الكريم ونزوله وترتيبه وحروفه وثواب قراءته، وعن الأحاديث القدسية، وإخباره ﷺ عن الملائكة الكرام عموماً، وعن جبريل ﵇ وتعليمه له ونزوله عليه ومصاحبته له، ... إلخ، وإخباره ﷺ عن الجنة ونعيمها ودرجاتها وكيفيتها وأبوابها ومن يدخلها، ... وعن النار ودركاتها وأوديتها ونارها وعذابها وقوتها وأهلها وأحوالهم ومَن يدخلها ومَن يخرج منها، ... وعن الأنبياء السابقين عليه وعليهم الصلاة والسلام وأحوالهم وأوصافهم وما حصل معهم، ... وعن الأمم السابقة وما حصل فيها، وما ورد مِن بعض أفرادها، ... وعن أهل بيته ﷺ وأحوالهم وما سيكون لهم، وعن الزيادة عن الأربع في أزواجه رضي الله تعالى عنهن، وعن أصحابه رضي الله تعالى عنهم ووفياتهم، وما سيحصل لهم،

стр. 37

أو لبعضهم بعده ﷺ ، وعن قرنه وفضل أهله ومدة بقائهم، وإخباره ﷺ عن المدينة النبوية وحرمها وأهلها ومكانتها وأحوالها وصفاتها وما يكون فيها، وعن مكة المكرمة وحرمها ومكانتها وأحوالها وأهلها، وعن الغيوب المستقبلة، والأمور البعيدة القادمة، وعن الفتن والملاحم، والحروب الحاصلة بين الأمم، أو بين المسلمين أنفسهم، وإخباره ﷺ عن الشهداء ومكانتهم وأحوالهم وأنواعهم، وعن أشراط الساعة بنوعيها الكبرى والصغرى وما ظهر منها وما لم يظهر، وإخباره ﷺ عن الكائنات في زمانه؛ فوقعت كما أخبر، سواء كان حصولها في زمانه أو بعده ... إلخ وما جاء مِن إخباره ﷺ عن الفضائل في الأعمال والأقوال؛ كالذكر والدعاء والأيام والأمكنة والأزمنة والأفراد، وإخباره ﷺ عن الهجرة وفضلها، وعن أمته ﷺ وفضلها ومكانتها وأجرها وانتشارها ومُلكها، ... وأنها لا تجتمع على ضلالة، ووجود الطائفة المنصورة فيها على الدوام، وعن المساجد الثلاثة وفضلها، وعن بدء الخلق، وعمن سيكونون تحت العرش يوم القيامة من أصناف المؤمنين، وعن أحوال القبر والبرزخ، ... وعن الجن والشياطين وأحوالهم، وعن العالَم المادي والمعنوي من الشمس والقمر، والزمان، ... إلخ وما جاء مِن إخباره ﷺ عن الإيمان وأركانه، ... والإسلام وتشريعاته، والإحسان وأحواله، ... وعن عرض الأعمال على الله تعالى، وتشريعه ﷺ للأحكام في الحلال والحرام؛ سواء في النكاح أو المطعومات أو المشروبات أو اللباس، ... إلخ، وبيانه ﷺ للعبادات المختلفة، والزائدة؛ في الحضر والسفر، والأمن والخوف، وإخباره ﷺ عن خَلق الإنسان، والأمور الطبية، والأدوية والعلاجات، ... مما لا مدخل للبشر فيه، وعن المؤمنين وصفاتهم وأحوالهم وشوقهم وحنينهم، وعن المنافقين وأحوالهم وصفاتهم وأنواعهم، وعن أول ما

стр. 38

يُقضى به بين الناس يومَ القيامة، وعن يوم القيامة وأحوالها وشدتها، وما فيها من الحوض والكوثر والصراط، ... وعن عَرض الجنة والنار عليه ﷺ ، وما رأى فيهما، وعن أول من يُدعى إلى الجنة، وأول من يدخلها، وما شعار المؤمنين يومئذ يوم العرض، وإخباره ﷺ عن الرَّحِم ومكانتها، وعن أحوال بعض الناس، وعن الرحمة وأقسامها، وعن بعض الحيوانات ما يُقتل منها وما لا يُقتل، وعن الجمادات والتفريق بينها، والتفريق بين قِطَع الأرض والمدن والبلاد، وبيان الثواب والأجر على الأعمال؛ من صلاة وصيام ووضوء وحج وقتلِ حيوانٍ معينٍ، ... ومن الأذكار، وإخباره ﷺ عن العقوبات على من فرَّط في الطاعات، وعلى إطلاع الله تعالى له عما يفعله أو يقوله المشركون أو المنافقون، وعن مكايد اليهود وغدرهم، وعن عطف لفظ الرسول ﷺ على لفظ الجلالة في حصول أمر معين، وأنه ﷺ أُوتي القرآن ومثله معه، ... إلخ وهناك غيرها كثير، لأن كل حديث شريف يمكن أن يندرج تحت عنوان أو أكثر، لكن ما ذكرته يكفي للدلالة، والله تعالى أعلم.

стр. 39

ثانياً: ذكر بعض الأمثلة من الحديث على وحي السنة النبوية: سوف أقتصر على ذكر بعض الفقرات، كما سأقتصر على ذكر حديث واحد أو اثنين في كل فقرة، إلا ما ورد في الفقرة الأولى فإني سأذكر ستة أحاديث فيها إن شاء الله تعالى، وجميع ما أذكره فهو مما ورد في الصحيحين أو أحدهما، ومن أراد معرفةَ ما في هذه الفقرات السابقة من الأحاديث فلينظر في الأصل (السنة النبوية وحي) مع التنبيه على أني لا أذكر كل مشتقات الكلمة، إنما أذكر واحدة أو اثنتين، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 40

أ - كل ما ورد بلفظ الوحي: ١- عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: خسفت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ (، فدخلتُ على عائشة وهي تصلي، فقلت: ما شأن الناس يصلون؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلتُ: آية؟ فأشارت برأسها أي نعم، فأطال رسولُ الله ﷺ (القيامَ جداًّ، حتى تجلاني الغَشْيُ، ... قالت: فانصرف رسولُ الله ﷺ ، وقد تجلَّت الشمسُ، فخطب رسولُ الله ﷺ (الناسَ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد، ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أُوحي إليَّ أنكم تفتنون في القبور، قريباً - أو مثل - فتنة المسيح الدجال، ... " الحديث بطوله، متفق عليه (١) . ٢- عن عياض بن حِمارٍ ﵁ قال: قام فينا رسولُ الله ﷺ (ذات يوم خطيباً، فقال: " ... وإن الله أَوْحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يَبْغي أحدٌ على أحد" الحديث، رواه مسلم (٢) . ٣- وعن يعلى بن أمية ﵁ قال لعمر ﵁: أرني النبيَّ ﷺ (حين يُوحى إليه، قال: فبينما النبيُّ ﷺ (بالجعرانة - ومعه نفر من أصحابه - جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، كيف ترى في رجلٍ أَحْرم بعُمْرَةٍ، وهو متضمِّخٌ بطيبٍ؟ فسكت النبيُّ ﷺ (ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمرُ ﵁ إلى يَعْلى، فجاء يَعْلى- وعلى رسولِ الله ﷺ (ثوبٌ قد أُظِل به
следующие страницы →