← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7611

السنة النبوية وحي - خليل خاطر

خليل بن إبراهيم ملا خاطر

Полный текст (90 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وما جاء بلفظ الاشتراط، وما جاء بلفظ الانتداب، وما جاء بلفظ التجاوز، وما جاء بلفظ النفث في الرُّوع، وما جاء بلفظ البعثة، وما جاء بلفظ الجعل، وما جاء بلفظ الاستئذان، وما جاء بلفظ الإخبار، وما جاء بلفظ العَجَب، وما جاء بلفظ الإبدال، وما جاء بلفظ الكفالة، وما جاء بلفظ الضمان، وما جاء بلفظ القَسَم على بعض الأمور، وما جاء بلفظ التصديق، وما جاء بلفظ العذر، وما جاء بلفظ الكتابة، وما جاء بلفظ الوجوب، وما جاء بلفظ الدخول في الجنة أو النار، وما جاء بلفظ السؤال، وما جاء بلفظ القضاء، وما جاء بلفظ العرض، وما جاء بلفظ التوكيل، وما جاء بلفظ القسْم، وما جاء بلفظ الإمداد، وما جاء بلفظ الإحداث، وما جاء بلفظ الرضا، ... إلخ. وما جاء مِن إخبار رسول الله ﷺ عن الله تعالى وأوصافه وأسمائه وأفعاله، وإخباره ﷺ عن نفسه الشريفة، وما خصه الله تعالى به وفضله، وإخباره ﷺ عن فضل الصلاة والسلام عليه، وبيان عقوبة تارك الصلاة عليه، وإخباره ﷺ من بيان مسارعة الله تعالى في رضاه ﷺ ، وإخباره ﷺ عن القرآن الكريم ونزوله وترتيبه وحروفه وثواب قراءته، وعن الأحاديث القدسية، وإخباره ﷺ عن الملائكة الكرام عموماً، وعن جبريل ﵇ وتعليمه له ونزوله عليه ومصاحبته له، ... إلخ، وإخباره ﷺ عن الجنة ونعيمها ودرجاتها وكيفيتها وأبوابها ومن يدخلها، ... وعن النار ودركاتها وأوديتها ونارها وعذابها وقوتها وأهلها وأحوالهم ومَن يدخلها ومَن يخرج منها، ... وعن الأنبياء السابقين عليه وعليهم الصلاة والسلام وأحوالهم وأوصافهم وما حصل معهم، ... وعن الأمم السابقة وما حصل فيها، وما ورد مِن بعض أفرادها، ... وعن أهل بيته ﷺ وأحوالهم وما سيكون لهم، وعن الزيادة عن الأربع في أزواجه رضي الله تعالى عنهن، وعن أصحابه رضي الله تعالى عنهم ووفياتهم، وما سيحصل لهم،

стр. 37

أو لبعضهم بعده ﷺ ، وعن قرنه وفضل أهله ومدة بقائهم، وإخباره ﷺ عن المدينة النبوية وحرمها وأهلها ومكانتها وأحوالها وصفاتها وما يكون فيها، وعن مكة المكرمة وحرمها ومكانتها وأحوالها وأهلها، وعن الغيوب المستقبلة، والأمور البعيدة القادمة، وعن الفتن والملاحم، والحروب الحاصلة بين الأمم، أو بين المسلمين أنفسهم، وإخباره ﷺ عن الشهداء ومكانتهم وأحوالهم وأنواعهم، وعن أشراط الساعة بنوعيها الكبرى والصغرى وما ظهر منها وما لم يظهر، وإخباره ﷺ عن الكائنات في زمانه؛ فوقعت كما أخبر، سواء كان حصولها في زمانه أو بعده ... إلخ وما جاء مِن إخباره ﷺ عن الفضائل في الأعمال والأقوال؛ كالذكر والدعاء والأيام والأمكنة والأزمنة والأفراد، وإخباره ﷺ عن الهجرة وفضلها، وعن أمته ﷺ وفضلها ومكانتها وأجرها وانتشارها ومُلكها، ... وأنها لا تجتمع على ضلالة، ووجود الطائفة المنصورة فيها على الدوام، وعن المساجد الثلاثة وفضلها، وعن بدء الخلق، وعمن سيكونون تحت العرش يوم القيامة من أصناف المؤمنين، وعن أحوال القبر والبرزخ، ... وعن الجن والشياطين وأحوالهم، وعن العالَم المادي والمعنوي من الشمس والقمر، والزمان، ... إلخ وما جاء مِن إخباره ﷺ عن الإيمان وأركانه، ... والإسلام وتشريعاته، والإحسان وأحواله، ... وعن عرض الأعمال على الله تعالى، وتشريعه ﷺ للأحكام في الحلال والحرام؛ سواء في النكاح أو المطعومات أو المشروبات أو اللباس، ... إلخ، وبيانه ﷺ للعبادات المختلفة، والزائدة؛ في الحضر والسفر، والأمن والخوف، وإخباره ﷺ عن خَلق الإنسان، والأمور الطبية، والأدوية والعلاجات، ... مما لا مدخل للبشر فيه، وعن المؤمنين وصفاتهم وأحوالهم وشوقهم وحنينهم، وعن المنافقين وأحوالهم وصفاتهم وأنواعهم، وعن أول ما

стр. 38

يُقضى به بين الناس يومَ القيامة، وعن يوم القيامة وأحوالها وشدتها، وما فيها من الحوض والكوثر والصراط، ... وعن عَرض الجنة والنار عليه ﷺ ، وما رأى فيهما، وعن أول من يُدعى إلى الجنة، وأول من يدخلها، وما شعار المؤمنين يومئذ يوم العرض، وإخباره ﷺ عن الرَّحِم ومكانتها، وعن أحوال بعض الناس، وعن الرحمة وأقسامها، وعن بعض الحيوانات ما يُقتل منها وما لا يُقتل، وعن الجمادات والتفريق بينها، والتفريق بين قِطَع الأرض والمدن والبلاد، وبيان الثواب والأجر على الأعمال؛ من صلاة وصيام ووضوء وحج وقتلِ حيوانٍ معينٍ، ... ومن الأذكار، وإخباره ﷺ عن العقوبات على من فرَّط في الطاعات، وعلى إطلاع الله تعالى له عما يفعله أو يقوله المشركون أو المنافقون، وعن مكايد اليهود وغدرهم، وعن عطف لفظ الرسول ﷺ على لفظ الجلالة في حصول أمر معين، وأنه ﷺ أُوتي القرآن ومثله معه، ... إلخ وهناك غيرها كثير، لأن كل حديث شريف يمكن أن يندرج تحت عنوان أو أكثر، لكن ما ذكرته يكفي للدلالة، والله تعالى أعلم.

стр. 39

ثانياً: ذكر بعض الأمثلة من الحديث على وحي السنة النبوية: سوف أقتصر على ذكر بعض الفقرات، كما سأقتصر على ذكر حديث واحد أو اثنين في كل فقرة، إلا ما ورد في الفقرة الأولى فإني سأذكر ستة أحاديث فيها إن شاء الله تعالى، وجميع ما أذكره فهو مما ورد في الصحيحين أو أحدهما، ومن أراد معرفةَ ما في هذه الفقرات السابقة من الأحاديث فلينظر في الأصل (السنة النبوية وحي) مع التنبيه على أني لا أذكر كل مشتقات الكلمة، إنما أذكر واحدة أو اثنتين، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 40

أ - كل ما ورد بلفظ الوحي: ١- عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: خسفت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ (، فدخلتُ على عائشة وهي تصلي، فقلت: ما شأن الناس يصلون؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلتُ: آية؟ فأشارت برأسها أي نعم، فأطال رسولُ الله ﷺ (القيامَ جداًّ، حتى تجلاني الغَشْيُ، ... قالت: فانصرف رسولُ الله ﷺ ، وقد تجلَّت الشمسُ، فخطب رسولُ الله ﷺ (الناسَ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد، ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أُوحي إليَّ أنكم تفتنون في القبور، قريباً - أو مثل - فتنة المسيح الدجال، ... " الحديث بطوله، متفق عليه (١) . ٢- عن عياض بن حِمارٍ ﵁ قال: قام فينا رسولُ الله ﷺ (ذات يوم خطيباً، فقال: " ... وإن الله أَوْحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يَبْغي أحدٌ على أحد" الحديث، رواه مسلم (٢) . ٣- وعن يعلى بن أمية ﵁ قال لعمر ﵁: أرني النبيَّ ﷺ (حين يُوحى إليه، قال: فبينما النبيُّ ﷺ (بالجعرانة - ومعه نفر من أصحابه - جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، كيف ترى في رجلٍ أَحْرم بعُمْرَةٍ، وهو متضمِّخٌ بطيبٍ؟ فسكت النبيُّ ﷺ (ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمرُ ﵁ إلى يَعْلى، فجاء يَعْلى- وعلى رسولِ الله ﷺ (ثوبٌ قد أُظِل به

стр. 41

- فأَدخل رأسَه، فإذا رسولُ الله ﷺ (محمرُّ الوجهِ، وهو يغطُّ، ثم سُرِّيَ عنه، فقال: " أين الذي سأل عن العمرة؟ " فأُتي برجل، فقال: "اغسل الطِّيبَ الذي بك ثلاثَ مرات، وانزع عنك الجُبَّةَ، واصنع في عمرتك كما تصنعُ في حجتك" متفق عليه، واللفظ للبخاري (١) . ٤- وعن عائشة ﵂ قالت: " ما غرتُ على امرأةٍ لرسول الله ﷺ (كما غرتُ على خديجةَ، لكثرة ذِكرِِ رسولِ الله ﷺ (إياها، وثنائِه عليها، وقد أُوحي إلى رسول الله ﷺ أن يبشرها ببيت لها في الجنة، من قصب - زاد في رواية -: "لا صخبَ فيه ولا نصب". متفق عليه، واللفظ للبخاري (٢) . ٥- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرجتْ سودةُ بعدما ضُرب عليها الحجابُ، لتقضي حاجتَها، وكانت امراةً جسيمةً، تَفْرَعُ النساءَ جسماً، ولا تَخفى على من يعرفها، فرآها عمرُ بن الخطاب، فقال: يا سودة، والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأتْ راجعةً، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عَرْقٌ، فدخلَتْ، فقالت: يا رسول الله إني خرجتُ، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأَوْحى الله إليه، ثم رُفِعَ عنه، وإن العَرْقَ في يده ما وضعه، فقال: "إنه قد أُذِن لكُنَّ أن تَخرجنَ لحاجتِكُن" متفق عليه (٣) .

стр. 42

٦- وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: "إنَّ مما أخافُ عليكم من بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" فقال رجل: يا رسول الله، أوَ يأتي الخيرُ بالشرِّ؟ فسكت النبيُّ ﷺ ، فقيل له: ما شأنُك تكلم النبيَّ ﷺ ولا يكلمك؟ فرأينا أنه ينزل عليه - وفي رواية للبخاري: يوحى إليه، وسكت الناسُ كأن على رؤوسهم الطير - قال: فمسح عنه الرحضاء،فقال: " أين السائل - وكأنه حمدَه - فقال: إنه لا يأتي الخيرُ بالشر ... " الحديث، متفق عليه (١) . ب - كل ما ورد بلفظ الأمر: فعن عبد الله بن عُمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "أُمرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالَهم، إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله". متفق عليه (٢) . وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "أُمرتُ أن أسجدَ على سبعةِ أعظم؛ على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكْفتَ الثيابَ والشَّعَرَ". متفق عليه (٣) .

стр. 43

ج - كل ما جاء بلفظ الوعد: فعن عائشة ﵂ قالت: خَسفت الشمسُ، فقام النبي ﷺ ، فقرأ سورةً طويلةً، ... الحديث بطوله في صلاة الخسوف، وفيه ثم قال: " ... لقد رأيتُ في مقامي هذا كلَّ ما وُعِدتُه حتى لقد رأيتُني أُريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني جعلتُ أتقدَّم، ... ". الحديث بطوله، متفق عليه (١) . وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع عُمر بين مكة والمدينة، ... ثم أنشأ يحدِّثُنا عن أهل بدر، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدرٍ بالأمس، يقول: "هذا مصرعُ فلان غداً إن شاء الله". قال: فقال عمر ﵁: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدودَ التي حدَّ رسول الله ﷺ قال: فجُعلوا في بئر؛ بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال: "يا فلان بنَ فلان، ويا فلان بنَ فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسولُه حقّاً؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني الله حقّاً". رواه مسلم (٢) . وقد روياه من غير حديثه أيضاً بنحوه. د - كل ما جاء بلفظ الإعطاء: فعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيتُ خمساً لم يُعطهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة، وأُحِلَّتْ لي الغنائم، ولم تحلَّ لأحد قبلي، وجُعِلَتْ لي الأرضُ طهوراً ومسجداً، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونُصرتُ بالرعب بين يدَيَّ مسيرةَ شهر، وأُعطيتُ الشفاعة". متفق عليه (٣) .

стр. 44

ففي هذا الحديث خمس منح: أُعطيتُ، بُعثتُ، أُحلِّتْ، جُعلَتْ، نُصرتُ. وعن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ خرج يوماً فصلّى على أهل أُحُدٍ صلاتَه على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: "إني فَرَطٌ لكم، وأنا شهيدٌ عليكم، وإني - والله - لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أُعطيتُ مفاتيحَ خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، ... " متفق عليه (١) . هـ- كل ما جاء بلفظ الإذن: فعن أبي شُريح رضي الله تعالى عنه - في خطابه لعَمْرو بن سعيد - وهو يُجهِّز الجيشَ لغزو مكة أيام ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مكة حرَّمها الله، ولم يُحرِّمها الناسُ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَسفك بها دماً، ولا يعضدَ بها شجرةً، فإن أحدٌ ترخَّص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أَذن لي فيها ساعةً من نهار، ثم عادت حُرمتُها اليوم كحُرمتِها بالأمس، ... " متفق عليه (٢) . و كل ماجاء بلفظ الترخيص: فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رَخَّص رسول الله ﷺ في أمرٍ، فتنزَّه عنه ناسٌ من الناس، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فغضب، حتى بان الغضبُ في وجهه، ثم قال: "ما بال أقوام يرغبون عمّا رُخِّص لي فيه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدُّهم له خشية" رواه مسلم (٣) .

стр. 45

ز- كل ما جاء بلفظ النهي: فعن ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ السِّتارةَ، والناسُ صفوفٌ خلف أبي بكر، فقال: "أيها الناس، إنه لم يبق من مبشِّرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة؛ يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نُهيتُ أن أقرأ القرآنَ راكعاً أو ساجداً، فأما الركوعُ فعظِّموا فيه الربَّ ، وأما السجودُ فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يُستجاب لكم" رواه مسلم (١) . ح - كل ما جاء بلفظ التخيير: فعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: "عبدٌ خيَّره الله بين أن يُؤتيَه زهرةَ الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده" فبكى أبو بكر، وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال: فكان رسولُ الله ﷺ هو المخيَّرَ، وكان أبو بكر أعلمَنا به. متفق عليه (٢) . ط - كل ما جاء بلفظ التفضيل: فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "فُضِّلتُ على الأنبياء بستٍّ؛ أُعطيتُ جوامعَ الكَلِم، ونُصرتُ بالرعب، وأُحلِّتْ لي الغنائمُ، وجُعلت لي الأرضُ طُهوراً ومسجداً، وأُرسلتُ إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيّون" رواه مسلم (٣) .

стр. 46

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضِّلنا على الناس بثلاث؛ جُعلت صفوفُنا كصفوف الملائكة، وجُعلت تربتُها طُهوراً إذا لم نجد الماءَ" وذكر خصلة أخرى. رواه مسلم (١) . ي - كل ما جاء بلفظ الرؤية: فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ في قصة صلاة الكسوف -وفيه قوله ﷺ : "ما من شيء لم أكن أُريتُه إلا رأيتُه في مقامي هذا، حتى الجنةَ والنارَ، فأُوحيَ إليَّ أنكم تُفتنون في قبوركم مثلَ - أو قريباً - من فتنة المسيح الدجال، ... " الحديث، متفق عليه (٢) . وعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: أشرف رسول الله ﷺ على أُطم من آطام المدينة، فقال: "هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقعَ الفتن (تقع) خلال بيوتكم كمواقع القطر" متفق عليه (٣) . إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة، لكني اقتصرت على بعض ما ورد تحت هذه العناوين.

стр. 47

الفصل الرابع: الأدلة من دلائل النبوة الغيب لله ... الفصل الرابع الأدلة من دلائل النبوة والمقصود بدلائل النبوة: المعجزات والخوارق التي يجريها الله تعالى على يد رسوله الكريم ﷺ ، ولا يمكن أن تقع من بشر بصفته البشرية، وليس للاجتهاد فيها مجال، وإنما صَدَرَت من مشكاةِ النبوة، لتدل على صدقه في دعواه للنبوة. لكن لا أريد المعجزات والخوارق الدالة على صدقه ﷺ في دعوى النبوة، فتلك لها بحث مستقل، وإن كانت تتداخل مع ما نحن فيه، إنما أريد بالدلائل هنا: الأحاديث التي قالها رسولُ الله ﷺ ، وهي من علم الغيب، سواء كانت عن الغيوب القديمة الموغلة في القدم، أو الغيوب المستقبلة الموغلة في المستقبل، والتي تدل على أن ما صدر عنه لم يصدر بالاجتهاد ولا من واقع البشرية، لأن ذلك لا يمكن الاطلاع عليه، إنما يصدر عن وحي أوحاه الله إلى رسوله الكريم ﷺ . وأول من تكلم في علامات النبوة الإمامُ البخاري رحمه الله تعالى، حيث عقد بابين في صحيحه، سماهما (علامات النبوة في الإسلام) و (بقية أحاديث علامات النبوة في الإسلام) ... ثم تلاه عدد من العلماء فأفردوها في كتب مستقلة؛ كأبي داود، وابن قتيبة، وابن أبي الدنيا وأبي الشيخ، في آخرين، ومن أوسع من تكلم في الدلائل: الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى - لكن الذي وصلنا مختصره - ثم الحافظُ البيهقي رحمه الله تعالى، وهو أوسعها، ثم تلاهم آخرون، ومن أواخر من تكلم فيها ابن كثير رحمه الله تعالى، حيث

стр. 48

اعتمد على الإمام البيهقي، ولخَّص ما كتبه السابقون، ثم الحافظ السيوطي في كتابه «الخصائص الكبرى» (١) ، ... وغيرهم كثير رحمهم الله تعالى (٢) . وقبل البحث في الدلائل أحب أن أجيب عن إشكال قد يقع في ذهن القارئ، وهو طالما أن الغيب لله تعالى فهل تتعارض تلك النصوص معه؟ الغيب لله : لقد أخبرنا الله تعالى أن الغيب له جل شأنه، وأنه تعالى استأثر به، وأنه لا أحد من الخلق يعلم الغيب. قال الله : ﴿فَقُلْ إِنَّمَاالْغَيْبُ لِلّهِ﴾ [يونس:٢٠] وقال جل شأنه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] بل أخبر تعالى أن نبيَّه المصطفى ﷺ وهو أفضل خلقه وأكرمهم عليه - لا يعلم الغيب. فقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠] في آيات متعددة.

стр. 49

إطلاع الله تعالى بعض خلقه على غيبه: لقد أخبرنا الله تعالى اختصاصه بالغيب، إلا أن يُطلع بعضَ خلقه عليه، تكرماً ومنحةً، فإذا أطلعهم عليه علموه، فهم لا يعلمون إلا ما أطلعهم عليه. فقال جل شأنه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ

стр. 50

ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [الجن: ٢٦ – ٢٧] فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ صريح بذلك. لذا كان رسول الله ﷺ مما أكرمه الله تعالى بإطلاعه على المغيبات السابقة واللاحقة، ولهذا كثرت الأحاديث عنه ﷺ في إخباره عن تلكم الغيوب. وقبل الخوض في بيان الدلائل أذكر بعض الأحاديث الإجمالية، التي تنص على إخباره ﷺ عن الغيوب البعيدة جدّاً - ماضياً ومستقبلاً وما بينهما.

стр. 51

بعض الأحاديث التي تدل على اطلاعه ﷺ على الغيوب: فعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: "قام فينا النبيُّ ﷺ مقاماً، فأخبرنا عن بدء الخلق؛ حتى دخل أهلُ الجنة منازلَهم، وأهلُ النار منازلَهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه". رواه البخاري (١) . أي أخبرهم ﷺ منذ بدء الخليقة حتى نهاية العالَم. وعن حُذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: "قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً، ما ترك شيئاً يكونُ في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدَّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علِمَه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيءُ قد نسيتُه، فأراه، فأذكُرُه، كما يذكرُ الرجلُ وجهَ الرجلِ إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه". متفق عليه، واللفظ لمسلم (٢) . فقوله رضي الله تعالى عنه: (ما ترك شيئاً) أي لم يترك شيئاً ذا بال مهم، يحتاجون إلى معرفته: إلا أخبرهم ﷺ به.

стр. 52

وعنه رضي الله تعالى عنه قال: "أخبرني رسولُ الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيءٌ إلا قد سألتُه، إلا أَني لم أسأله ما يُخرج أهلَ المدينة من المدينة". رواه مسلم (١) . وعن عَمْرو بن أَخطب رضي الله تعالى عنه قال: "صلى بنا رسولُ الله ﷺ الفجرَ، وصعد المنبرَ، فخطبنا حتى حضرت الظهرُ، فنزل فصلى، ثم صعد المنبرَ، فخطبنا حتى حضرتِ العصرُ، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبرَ، فخطبنا حتى غربت الشمسُ، فأخبَرَنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا". رواه مسلم (٢) . فهذا فيه كسابقه (فأخبرنا بما كان - أي فيما مضى - وبما هو كائن - في المستقبل) . والله تعالى أعلم. ففي هذه النصوص الكريمة - وغيرها مما لم أذكره - دلالةٌ على أنه ﷺ أخبرهم عن الماضي السحيق، بدء الخلق، وعن المستقبل البعيد، بعد دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ولا يمكن أن يكون رسول الله ﷺ قد قال ذلك اجتهاداً من واقع البشرية؛ إذ ليس في ذلك مسرح، إنما هو الوحي الذي آتاه الله تعالى، لأنه لا ينطق عن الهوى، وإنما يتبع ما يُوحى إليه. ودلائل النبوة كثيرة، والحمد لله، وهي متنوعة، لكني سأقتصر هنا على ذِكرِ ما يخص بحثنا هذا - وهي أربعة أنواع - كما سأقتصر على بعض ما ورد في الصحيحين - أو أحدهما - فقط، والله تعالى المعين.

стр. 53

أولاً - إخباره ﷺ بالغيوب الماضية: وبالنظر فيما ورد عنه ﷺ من الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن الغيوب الماضية نجدها قسمين الأول: تتحدث عن الأنبياء السابقين على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. الثاني: تتحدث عما حصل في الأمم الماضية، مما لم يرد ذكره في القرآن الكريم، ولا يُعرف في كتاب، وهذا كثيرٌ جداً أيضاً. ١- الأحاديث التي تتحدث عن الأنبياء السابقين على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وهي نوعان: أ- ما جاء عن الأنبياء ﵈ مع تعيينهم بأسمائهم. والأحاديث في ذلك كثيرة، لكني أقتصر على ما في الصحيحين أو أحدهما، فمن ذلك: بيان خَلق آدم ﵇ وطوله، وسلامه ﵇ على الملائكة وردّهم عليه، ومحاجة آدم وموسى ﵉، وطواف إبليس به عند خَلقه، وإنذار نوح ﵇ أمتَه الدجال، ووصيته لبنيه، واختتان إبراهيم ﵇ وهو ابنُ ثمانين سنة، وتعويذه إسماعيل وإسحق ﵈، وما حصل له ولزوجه في مصر، وأن إسماعيل ﵇ كان رامياً، وما حصل له في مكة، وأن يوسف ﵇ هو الكريم ابنُ الكريم ابنِ الكريم ابن الكريم ﵈، واغتسال أيوب ﵇ عارياً، ونزول رجل الجراد من ذهب عليه، وحثوه في ثوبه، ومرور يونس ﵇ في ثنية هَرْشى (١) على ناقة حمراء يلبي، وخُلق موسى ﵇، وما كان بينه وبين بني إسرائيل، وأذيته من قِبَلهم، واغتساله منفرداً، وسؤاله عن أدنى أهل الجنة،

стр. 54

وما حصل له مع ملَك الموت، وتخفيفِ القرآن على داود ﵇، وصلاته وقيامه بالليل، وبيان غَيرتِه، وأكلِه من عمل يده، وقضاءِ سليمان ﵇ بين المرأتين، وطوافه على تسعين امرأة، وأن زكريا ﵇ كان نجاراً، وعن قَوام عيسى ﵇، وأن الشيطان نخس في الحجاب ولم ينخس فيه، وما حصل له مع السارق، ... إلخ ب - ما جاء عن الأنبياء ﵈ من غير تسمية لواحد منهم: وهذا كثير أيضاً، لكني سأقتصر على ذكر بعض ما ورد في الصحيحين أو أحدهما، فمن ذلك: إخباره ﷺ أن لكل نبيٍّ حواريين، وإعطاء كل نبيٍّ آية على مثلها آمن البشر، وأن لكل نبيٍّ بطانتين، وأن كلَّ واحد منهم رعى الغنم، وتخيير كل نبيٍّ عند المرض بين الدنيا والآخرة، وأنهم تنام أعيُنُهم ولا تنام قلوبُهم، وأن لكل واحد منهم دعوة مستجابة قد تنجَّزها في حياته، وأن الله تعالى إذا أراد رحمةَ أمة قبض نبيَّها قبلها ليكون لها فرطاً، وأنهم أخوة لعلاّت، وأن كلَّ واحد منهم بُعث إلى قومه خاصة إلا النبي المصطفى الكريم ﷺ ، وأن كل واحد منهم حذّر أمتَه من الدجال، وأن منهم من لم يصدِّقه من أمته إلا رجلٌ واحد، وأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌٌّ، وأن الشمسَ حُبست لنبيٍّ من الأنبياء، وأن الله تعالى عاتب نبيّاً حرَّقَ قريةَ النمل لقرص واحدة منها له، وأن واحداً منهم كان يخط، وأنه لم يُعط أحد منهم سورةَ الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، وأن هلاك الأمم السابقة باختلافهم على أنبيائهم وكثرة أسئلتهم، وما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، ... إلخ

стр. 55

٢ - وهو الإخبار عن الأمم السابقة: إن الأحاديث التي وردت عن النبي المصطفى الكريم ﷺ وهي تتحدث عن الأمم السابقة كثيرة جدّاً، لكني أذكر هنا بعضَ ما ورد في الصحيحين أو أحدهما فقط، ومن ذلك ما يلي: تقدير المقادير قبل خلق السموات والأرض، جعل الرحمة مائة قسم، وإنزال قسم منها إلى الأرض لتتراحم به الخلائق، وخلق الملائكة من نور، وجعل الأرواح جنوداً مجندةً، واصطفاء كنانة مِن ولد إسماعيل ﵇، وأن عَمرَو بنَ لُحَيٍّ أولُ من سيَّب السائبة، وأن المسجدَ الأقصى بُني بعد المسجد الحرام بأربعين سنة، وأن الوزغَ كان ينفخ النار على إبراهيم ﵇ ليؤجِّجها، وأن هلاك عادٍ بالدَّبور، ولولا ادخار بني إسرائيل اللحمَ لم يخنز، وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وأن بني إسرائيل دخلوا على أستاههم مخالفين أمر الله تعالى، ولِم سُمِّي الخضر بهذا الاسم، وقصة موسى والخضر ﵉، وأن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافراً، وبيان عدد الذين تكلَّموا في المهد مع بيان أسمائهم وقصصهم، وقصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام، وقصة الذي كان به جرح فانتحر، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى، وقصة أصحاب الغار الثلاثة، وقصة البغِيِّ التي سقت الكلبَ فغفر لها، وقصة الرجل الذي سقى الكلب فشكر الله تعالى له فغفر له، ودخول المرأة النار بسبب هرة حبستها ولم تطعمها حتى ماتت، وتجاوز الله تعالى عمن كان يتجاوز عن المعسرين، وقصة الزارع الذي سمع الصوت من السحاب، وقصة الذي استقرض مالاً فلم يجد مركباً يوصل المال إلى صاحبه فأرسله في خشبة، وصفة عاقر الناقة، وحال الذي لم يعمل خيراً قط، وقصة

стр. 56

الذي قتل تسعة وتسعين، وكلام البقرة والذئب، وقصة الذي خسف الله تعالى به الأرض، وقصة الذي ابتاع أرضاً فوجد فيها كنزاً، وشكر الله تعالى لمن نحّى غصن شوك عن الطريق، وقصة السارق من بني إسرائيل، ووجود المحَدَّثين في الأمم السابقة، وقصة إرسال الطاعون رجساً على بني إسرائيل، وتحريم الشحم عليهم واحتيالهم في أكله، ... إلخ ثانياً - إخباره ﷺ عن الكائنات المستقبلة في حياته فوقعت طبق ما أخبر به، سواء في حياته أو بعد وفاته، لكن في زمن أصحابه، وهو نوعان: النوع الأول: ذكره القرآنُ الكريم، أو أشار إليه، وهو كثير (١) . وهذا النوع لن أتعرض إليه، ولن أذكر منه شيئاً. النوع الثاني: ما ورد من الأحاديث النبوية الشريفة مما لم يرد ذكرُه في القرآن الكريم، أو يشر إليه، وهو كثير جداً أيضاً، لكني سأقتصر على ذكر بعض ما ورد في الصحيحين أو أحدهما فقط، على سبيل الإشارة، وإن كان في غيرهما حديثٌ صحيح كثير، فمن ذلك: إخباره ﷺ عن الهجرةِ من مكة إلى المدينة، وإخباره ﷺ عن إتمام هذا الدِّين وظهورِه، وإخباره ﷺ عن الخصائص التي خصَّه الله تعالى بها، وعن استشهاد بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم (كعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ... ) وإخباره ﷺ عن قَتْلهِ ﷺ لأُميَّةَ بنِ خلف، وقتل أُبي بن خلف، وعن مصارع صناديدِ قريش في بدر؛ مع تحديد أماكنهم، وعن الخلفاء بعده، وعن البلوى التي ستصيب عثمان رضي الله تعالى عنه، وعن الذراع المسمومةِ، وعن الرجل يومَ خيبر أنه من أهل النار، وعن الأنصارِ أنهم يَقلِّون، وأنهم

стр. 57

سيجدون أثرةً بعده، وعن فتح اليمن والشام والعراق ومدائن كسرى ومصر، وعن هلاك كسرى وقيصر، وإنفاق كنوزهما في سبيل الله تعالى، وعن فتح الحيرة، وخروجِ الظعينة منها، وعن إفاضة المال حتى لا يوجد من يقبله، وعن استشهاد أمراء غزوة مؤتة ﵃، وعن استشهاد أهل بئر معونة، وعن موت النجاشي وإخباره وقع في الأيام التي ماتوا فيها، وعن تقدُّمِ وفاته ﷺ قبل أمته، والإشارة إلى وفاته ﷺ في المدينة، وأنه ﷺ فرطٌ لهم، وعن المبشَّرين من أهل الجنة، وبمن يموتُ على الإسلام، وأنه ﷺ إذا قال لأحد أصحابه عند الحرب: يرحمه الله، فإنه سيقتل شهيداً، ... وإخباره ﷺ حال من غلَّ شملة يوم خيبر، وأنها تشتعل عليه ناراً، وأن الأرض لن تقبل الذي ارتد، وعن فتح مكة، ودخولها، وأن قريشاً لن تغزوهم، وعن عدم دخول أحد ممن شهد بدراً وبيْعة الرضوان النارَ، وأن جابراً ﵁ سيحصل لهم الأنماط، وعن انتقال أهل المدينة إلى الشام واليمن والعراق، وأن دون الفتنة باب (وهو عمر رضي الله تعالى عنه) فإذا انكسر لن يُغلق، وأنه ﵁ من المُحَدَّثين، وإخباره ﷺ عن المُخْدَج (١) عند قتال الخوارج، وعن الفتن في المدينة، وأن عمّاراً رضي الله تعالى عنه تقتله الفئة الباغية، وأن عبدَ الله بنَ سلام ﵁ لن يقتل بل يموت، وعن فتح خيبر على يد الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ﷺ ، وعن خطاب حاطب بن بلتعة ﵁ لأهل مكة بمسير النبي المصطفى الكريم ﷺ إليهم، وعن المنافق يوم حنين وعن شيعته التي ستكون، وعن سبب هبوب الريح الشديدة عند عودتهم من تبوك، وعن المنافقين يوم الثنية في تبوك،

стр. 58

وعمن تخلف في المدينة لعذر يوم سيرهم إلى تبوك، وعن قدوم وفد عبد القيس، وقصة الذي ضُرب في رجله منهم، وعن قدوم وفد أهل اليمن، وإخباره ﷺ أبا هريرة ﵁ بوصول غلامه يوم هجرته، وإخباره ﷺ عن الآيات الست بين يدي الساعة وأولها موته ﷺ ، وعن غزو فئام من الناس، والإشارة إلى خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وشهادة عكاشة بن محصن، وثابت بن قيس ﵄، وعن استدارة الزمان، وعن تمادي الناس حتى يسألوا عن الله جل شأنه، وإخباره ﷺ عن سيادة الحسن بن عليٍّ ﵄، وعن الغزو في البحر وكون أم حرام ﵂ معهم، وعن قتال الترك، وانخرام قرنه ﷺ بعد مائة عام، وأن فاطمة ﵂ أول أهله لحوقاً به، وأن زينب أو سودة أول نسائه ﵅ لحوقاً به، وعن ولادة ولده إبراهيم وأن له مرضعاً تتم رضاعَه في الجنة، وعن بدء فتح ردم يأجوج ومأجوج، وعمن قيل إنه مات أنه انتحر، وعن اليهودي ورقص قلوصه به وهو متوجه إلى الشام، وإخباره ﷺ للصحابة رضي الله تعالى عنهم يوم حجة الوداع: لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ... إلخ ثالثاً - إخباره ﷺ عن الغيوب المستقبلة: إن الأحاديث في هذا الباب كثيرة جدّاً، لكني سأقتصر على ذكر بعض ما ورد في الصحيحين أو أحدهما للاختصار لا لإهمال غيرهما - معاذ الله - وإلا فإن في غير الصحيحين أحاديث صحيحة كثيرة أيضاً، ولاسيما أنهما لم يستوعبا كلَّ الصحيح، وقد ذكرت تلك الأحاديث في الأصل، لأن القصد هو الإشارة والتنبيه، والله تعالى هو الموفق والمعين، فمن ذلك: إخباره ﷺ عن الفتن والملاحم، وعن الخوارج، وخوارج آخر الزمان،

стр. 59

وإخباره ﷺ عن القتال بين الطائفتين الكبيرتين من المسلمين، وعن غزوِ القسطنطينية، وعن قتالِ التركِ، وعن فِتَنِ أغيلمةٍ من قريش، وعن الدجاجلة والكذَّابين، وعن القرون المفضَّلة، وعن أشراط الساعة، وعن النار التي ستخرج من أرض الحجاز، وعن وجود الشر بعد الخير في هذه الأمة، وعن الجلادِين، والنساءِ الكاسيات العاريات، وعن بلوغ مُلْك أمته ﷺ ، وعن استخلاف أمته فيها، وعن منع العراق الشام ومصر أرزاقهم، وعن نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، وعن كسره للصليب، وعن الخلفاء الاثني عشر، وعن طاعون عمواس، وعن أويس القَرَني - رحمه الله تعالى -، وعن معركة الجمل، وصفّين، وعن مروق مارقة عند اختلافٍ بين طائفتين من المسلمين، وعن خروج أهل المدينة منها إلى الشام واليمن والعراق، وعن عين تبوك والجنان فيها، ... إلخ. وإخباره ﷺ عن الطائفة المنصورة، وعن اتباع هذه الأمة للأمم السابقة، وعن حصول الردة - والعياذ بالله تعالى - في آخر الزمان قبيل قيام الساعة، حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة، وعن الشر الكائن بعد هذا الخير، وعن الهرج في آخر الزمان، وأنه إذا وُضع السيف في هذه الأمة فلن يُرفع إلى قيام الساعة، وعن الأقوام الذين بأيديهم مثل أذناب الإبل، وعن عدم مبالاة الناس بم يأخذون المال من حلٍّ أو حرام، وعن تمني محبيه رؤيتَه ﷺ ، وعمن يتبعون المتشابه، وعمن يُحدِّثون بما لم يكن، والإشارة إلى الكذّابَين؛ الأسود العنسي ومُسيلمة الكذاب، وأن في ثقيف كذّاباً ومبيراً، وأنه لا يُقتل بعد الفتح قرشيٌّ صبراً، وأنه ﷺ لا يخشى على أمته الفقر، ولكن التنافس في الدنيا، وعن قتال اليهود، وأنه لو كان العلم بالثريّا لناله رجال من فارس،

стр. 60

وعن غزو الهند وفارس والترك، ... وعن يأس الشيطان أن يُعبد في جزيرة العرب، ... إلخ رابعاً- إجابته ﷺ عن مسائل فكانت وفق الواقع، وأن هذه الإجابات لا تكون من عِلْم البشر. كجوابه ﷺ لعبد الله بن سلام قبل إسلامه عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا نبيٌ، وهي عن الروح، وعن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدرى ما صنعوا، وعن رجل طوّاف في الأرض بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وجوابه ﷺ حَبْر يهود عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي؛ عن خَلْق الوَلَد وكيف ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه، وعن أول طعامٍ يأكله أهلُ الجنة، وعن أولِ أشراط الساعة، وجوابه ﷺ حبرَ يهودٍ عن أين يكون الناس يومَ تُبَدَّل الأرضُ غير الأرض والسموات، ومن أول الناس إجازةً، وما تحفتهم حين يدخلون الجنة، وما غذاؤهم على إثره، وما شرابهم عليه، ومن أين يكون الولد، وجوابه ﷺ لليهودي عن أن الولد يكون من الرجل والمرأة، وبيانه ﷺ له عن ماء الرجل وماء المرأة، وعن السواد الذي في القمر، وجوابه ﷺ لعصابة من اليهود عن أربع خلال؛ عن الطعام الذي حرَّمه إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وعن ماء الرجل وماء المرأة، وكيف يكون الولد ذكراً، وكيف يكون أنثى، وكيف يكون النبي المصطفى الكريم ﷺ في النوم، ومن وليّه ﷺ من الملائكة، وجوابه ﷺ لليهوديين عن الآيات التي أعطاها الله تعالى لموسى ﵇، وإخباره ﷺ اليهود عما في التوراة من أمر الرجم في الزاني المحصن، وإخباره ﷺ لليهود عن وصفه في التوراة، وتصديق الغلام اليهودي له، وإخباره ﷺ السائل اليهودي عن النجوم التي رآها يوسف ﵇ ساجدةً له، وإخباره صلى الله عليه وسلم

стр. 61

أصحابه ﵃ عما في نفوسهم قبل أن يسألوه؛ كإخباره ﷺ وابصة الأسدي ﵁ عن البر والإثم قبل أن يسأله، وإخباره ﷺ الرجلَ الثقفيَّ عن صلاة الليل وركوعه وسجوده وصيامه وغسله من جنابة، وإخباره ﷺ للأنصاري ﵁ عن خروجه من بيته إلى البيت العتيق ووقوفه بعرفة وحلقه رأسه وطوافه بالبيت ورميه الجمار، ... إلخ. والله تعالى أعلم.

стр. 62

الفصل الخامس: الأدلة من الإعجاز العلمي في السنة النبوية مدخل ... الفصل الخامس الأدلة من الإعجاز العلمي في السنة النبوية وأعني بالإعجاز العلمي ما اصطُلِحَ عليه مؤخراً مما جاء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية الشريفة مما له علاقة بالعلوم الكونية والعصرية، فجاء العلمُ الحديثُ كاشفاً لما كان قد جاء فيهما صراحةً أو إشارة. لكن المقصود هنا الإعجاز العلمي في السنة النبوية، لأنها مجال البحث. وإذا كان الشيخ طنطاوي جوهري _رحمه الله تعالى- قد جعل تفسيره: (الجواهر) شاملا - حسب ما يراه - للآياتِ الكونية في القرآن الكريم، وما تقوم به هيئاتٌ متخصصةٌ من بحثٍ في (الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) فإن كثيراً من الأحاديث النبوية ما زالت تنتظر دورَها في البحث العلمي أيضاً. هذا، وقد جمعت الهيئة التأسيسية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، التابعة لرابطة العالم الإسلام ١٧٤٤ حديثاً مما يدخل في العلوم الكونية والطبية ونحوها وإن كان قد فاتها الكثير؛ لاقتصارها على الكتب التسعة فقط. وأذكر هنا عدداً من الأحاديث النبوية الشريفة، التي جاء العلمُ الحديث مقرِّراً لما تضمنته. لكن أقتصر على الأمر العلمي، وبشكل مختصر جدّاً، ولن أتعرض لما حوته تلك الأحاديث الشريفة من الأمور الشرعية، لأن القصد هو التنبيه على الأمور العلمية.

стр. 63

١- ليس من كل الماء يكون الولد: عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزل فقال: "ما مِن كلِّ الماء يكون الولد، إذا أراد الله خَلْقَ شيءٍ لم يمنعه شيءٌ" رواه مسلم (١) . في هذا الحديث الشريف ثلاثة أمور علمية محضة، سبق بها الاكتشافات الحديثة، وهي: أ -ليس الخلق يكون من جميع الماء - خلافاً لما كان يُعتقد إلى عهد قريب في الغرب، مع تقلبهم في ذلك - علماً بأن الرجل يقذف في المرة الواحدة ما يقرب من نصف مليار نطفة، لكن لا يصل إلى البويضة إلا أقل من خمسمائة، وقد يصل العشرات فقط، ولكن الذي يلقحها حُوَيْن واحد (نطفة) . ب - أن السقط قد يقع مبكِّراً قبل التخلق. ج - أن الحمل قد يقع بإذن الله تعالى مع تناول الأم موانع الحمل، وهذا واضح من لفظ الحديث "إذا أراد الله خَلْقَ شيء لم يمنعه شيء" والنصوص كثيرة في الدلالة على ذلك. وهذا هو المشاهد الآن، حيث وقع حَملُ كثير من النساء، وهن يأخذن موانع الحمل.

стр. 64

٢ - إثبات ماء الرجل وماء المرأة: فعن ثوبان رضي الله تعالى عنه - في قصة سؤال الحبر اليهودي لرسول الله ﷺ بعض الأسئلة، وفيه: قال الحبر: جئتُ أسألك عن الولد؟ فقال ﷺ :

стр. 65

"ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا؛ فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا (أي كان الولد ذكراً) بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا (أي كان الولد أنثى) بإذن الله" قال اليهودي: صدقتَ وإنك لنبيٌّ، ثم انصرف فذهب. فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علمٌ بشيء منه، حتى أتاني الله به" رواه مسلم (١) . وقد ورد نحو ذلك من حديث عائشة وأنس وأم سلمة ﵃ (٢) ففي هذه الأحاديث الشريفة - وغيرها - أمور علمية، لم تُعرف إلا في هذا القرن، أو قبله بقليل، ومنها: أ - إثبات ماءٍ للرجل، وآخر للمرأة، وهذا لم يُعرف إلا مؤخراً، حيث كانوا يتصورون أن الجنين يُخلق من ماء الرجل لا غير، وبخاصة بعد اكتشاف (لوفنهوك) وتلميذه (هام) النطفة، وكانوا يصورون النطفة على أنها إنسان صغير جدّاً، ينمو في الرحم، حتى يبلغ حجمَه المعروف، دون طروِّ أيِّ تغيير عليه في تركيبه وشكله. واستمر الأمر حتى بعد اكتشاف البويضة، ولم يحسم الأمر إلا في القرن الماضي، حيث اكتشف أهمية النطفة والحُوَيْن في عملية تخلق الجنين (٣) . ب - التفريق بين ماء الرجل وماء المرأة، والذي لم يعرف إلا مؤخَّراً،

стр. 66

لأن منشأ مائها يكون بانسكاب السائل الجريبي، الذي يأتي مع البويضة من المبيض، ويكون لونه أصفر رقيقاً. ج - الجنين لا يكون إلا بعد معاشرة الرجل للمرأة جنسيّاً، فهو مخلوق منهما، خلافاً لما كان سائداً حتى القرن التاسع عشر المسيحي. د - تعيين جنس الجنين لا يكون إلا بغلبة أحد الماءين، خلافاً لما كان سائداً حتى القرن التاسع عشر المسيحي - كما ذكرت - ذلك أنهم كانوا يرون أن ما يطرأ على الجنين إنما هو مجرد نمو في الحجم والوزن والشكل، وأنه من ماء الرجل فقط، أو من ماء المرأة فقط - بعد اكتشاف البويضة - ولكنهم اكتشفوا مؤخراً أنه من الرجل والمرأة معاً، كما نصت عليه هذه الأحاديث. هـ - تحديد الشبه، ونظام التوارث الخَلْقي، بين الولد وأعمامه، وبين الولد وأخواله، وقد سبق الإسلامُ العلمَ الحديثَ بأكثر من ألف عام في ذلك. و كل ذلك بأمر الله تعالى وإذنه، وليس بمجرد اللقاء بين الزوجين، والله تعالى أعلم.

стр. 67

٣ - استقرار النطفة الأمشاج في الرحم: عن حذيفة بن أَسيد رضي الله تعالى عنه يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: "يدخل الملَكُ على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين - أو خمسة وأربعين - ليلةً، فيقول: يا رب، أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيُكتبان، فيقول: يا ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ فيُكتبان، ويُكتبُ عملُه وأثره وأجلُه، ورزقُه، ثم تطوى الصحف، فلا يزداد فيها ولا ينقص" رواه مسلم (١) .

стр. 68

ففي هذا الحديث الشريف برواياته إشارة إلى خمس حقائق علمية، هي: أ -كون النطفة لا تكون في الرحم قبل استقرارها فيه. ب-كون النطفة تكون متحركةً قبل استقرارها في الرحم. ج-استقرار النطفة في الرحم، لكن لم يُحدِّد الحديث مدة الحركة قبل الاستقرار. د-التخلق المخفي يكون بعد مضي أربعين ليلة - أو خمس وأربعين - من استقرار النطفة في جدار الرحم. وأعني بالتخلق المخفي: وضع خارطة للجنين، وهي أشبه بوضع مخطط للبيت، ثم يتم تنفيذه فيما بعد. والله تعالى أعلم. هـ-الإشارة إلى منع دخول أي شيء على النطفة قبل هذه المدة، وهذا هو الواقع حيث إن الرحم يقفل - تقريباً - بما يكون فيه من موانع-بعد نزول البويضة وانغراسها في جدار الرحم. كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد جاء العلم الحديث ليقرر هذه الحقائق العلمية كلها، والتي لم تُعرف إلا مؤخَّراً (١) .

стр. 69

٤- اختراق الأسوار لتصوير الجنين، وحصول التشوه الخِلقي فيه: عن حذيفة بن أَسيد الغفاريِّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بأُذنَيَّ هاتين يقول: "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلةً، ثم يتصوَّر عليها الملَكُ، فيقول: يا ربّ أذكرٌ أو أنثى؟ فيجعله الله ذكراً أو أنثى. ثم يقول:

стр. 70

ياربِّ أسويٌّ أو غيرُ سويٍّ؟ فيجعله الله سويّاً أو غيرَ سويٍّ. ثم يقول: يا ربِّ ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خُلُقُه؟ ثم يجعله شقيّاً أو سعيداً" رواه مسلم (١) في هذا الحديث الشريف عدة أمور علمية دقيقة، لم تُعرف إلا في هذا العصر، أقتصر على ذكر بعضها. أولاً - قوله ﷺ : "ثم يتصوَّر عليها الملَك" التصوُّر: هو النزول من الأعلى، يقال: تصوَّر الدار، وتسوَّر الجدار، أي نزل من أعلاه (٢) . إن البويضةَ بعد تلقيحها في الثلث الأعلى من القناة الرحمية (فالوب) تنتقل منها إلى أعلى الرحم، فتغرس الخلايا المغذيةُ المحيطةُ بها استطالاتِها في مخاطية الرحم، وهي مرحلة العلوق، ثم تبدأ هذه الخلية بالانقسام والتخلق، فتصير علقة، ثم مضغة، ثم يتكوّن الغشاء المشيمي، الذي يتكون من ثلاث طبقات (٣) فإذا أضيف إلى هذه الأغشية جدارُ المشيمة وجدارُ الرحم: صارت بمنزلة الجدر المحيطة بالنطفة، والأسوار القوية المنيعة الحامية لها بإذن الله تعالى، التي تمنع من وصول أي شيء إلى النطفة. يضاف إلى ذلك أيضاً: أن الغدةَ النخاميةَ بإصدارها الأوامر لحدوث: أ - ما يحيط بالنطفة من الأغشية السابقة التي تمنع وصول أي شيء إليها، وتكون جدرانها قوية صلبة. ب - ما يحيط بالنطفة من دماء سميكة وسوائل تمنع وصول أي حيوان أو غيره إليها أيضاً.

стр. 71

ج - إن عنق الرحم يكون - في أثناء نزول البويضة من مبيضها - واسعاً، ليسمح بولوج ملايين النطف من المهبل إلى القناة، فإذا لقحت وانتقلت إلى الرحم وعلقت بجداره؛ فإن عنق الرحم يضيق جدّاً، بحيث لا يسمح بدخول إلا النادر من النطف. د - إن السائل الجريبي الذي يكون عند مرحلة الإخصاب كثيراً ورقيقاً جدّاً؛ ليسهل انتقال النطف إلى القناة الرحمية بسهولة؛ فإنه بعد العلوق يصبح سميكاً جدّاً جدّاً، بحيث لا يسمح بدخول النطف، فيكون كالسدّادة التي تمنع دخول أي شيء، وإن كان العنق ليس مغلقاً حقيقة، بل هو متضيق جدّاً جدّاً، كما أخبرني الأستاذ الدكتور جمال مرسي، أستاذ واستشاري أمراض النساء والولادة. لذا فإن الملَكَ يتسوَّر هذه الجدران، ويتجاوز هذه الأسوار السميكة المانعة الحارسة - التي جعلها الله تعالى حفاظاً على هذا الجنين الذي لا يملك ما يدافع به عن نفسه - ليصوِّر الجنين، ويخلق الله تعالى على يديه ما يشاء. ثانياً - في هذا الحديث دلالة على أن التشوه الخِلقي لا يكون قبل الأربعين من التلقيح - التي هي فترة تنامي الجنين - وإنما يكون بعدها، وذلك في الفترة التي يكتب فيها الملَك جنس الجنين وعمرَه ورزقَه وخُلقَه، ... إلخ قال الدكتور محمود ناظم نسيمي رحمه الله تعالى (١) : لقد اكتشف أن هناك أوقاتاً خاصة من تنامي الجنين تكون فيها التشوهات محرَّضةً بعوامل خارجية، وأن هناك فترات خاصة - محددة بدقة - بالنسبة للتشوهات النوعية المختلفة:

стр. 72

ففي الدور المبكر - من التكاثر الخلوي - يصعب أن تثير أيُّ عوامل حدوثَ التشوهات، وإذا ما قدِّر وأصيبت المضغةُ بعامل ماسخ لها، فربما تهلك. أما إذا نجت من أثر ذلك العامل، فإنها تتنامى مخلوقاً سويّاً باستبدال الخلايا المتأذية. وكذلك في المراحل المتأخرة من التنامي؛ إذ يصعب أيضاً، ويندر أن تنشأ تشوهات، لأن العمليات المؤدية لنشأة الأعضاء تكون قد قطعت شوطاً بعيداً، وكادت أن تستكمل تماماً. وبالنسبة للبشر: يفترض أن الفترة الحرجةَ أو الحسّاسة تمتد من الأسبوع الرابع للحمل وحتى الأسبوع السابع، وإن كانت التشوهات ممكنةَ الحدوث حتى في الشهر الثالث، ولكن بنسبة أقل بكثير. فمصير الجنين - من حيث السواء، أو التشوه - يتحدد في الأسبوع السابع من التنامي بشكل عام. قلت: إن حصل التشوه قبل الأربعين فله حالتان: إما أن تُستبدل بالخلايا التي شوِّهت أخرى سليمة، ويزول التشوه بإذن الله تعالى، وإما أن يسقط الجنين، إذا كان التشوه كاملا. وأما في المراحل المتأخرة من الحمل فيندر وقوع التشوه، لأن الجنين قد اكتملت صورته وأعضاؤه، وإن كان التشوه ممكناً كما هو الحال في الإنسان بعد ولادته وكبره. إنما يتحدد مصير الجنين في فترة سؤال الملك، فإن كان الله تعالى قد قدَّر أن يكون مشوَّهاً كتبه الملك وكان كذلك، وبقي حتى يخرج إلى الدنيا وهو كذلك، وإن قدَّر تعالى أنه سليم كتبه الملك كذلك، وبقي كذلك حتى يخرج إلى الدنيا وهو كذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 73

٥ - الكتابة على جبهة الجنين: عن عبد الله بن عُمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله أن يخلق نَسمةً قال ملَكُ الأرحام - مُعرِضاً - أي ربِّ أذكرٌ أم أنثى؟ فيقول، فيقضي الله أمرَه، ثم يقول: أي ربِّ أشقيٌّ أم سعيد؟ فيقضي الله أمرَه، ثم يَكتبُ بين عينيه ما هو لاقٍ، حتى النكبةَ يُنْكَبُها" رواه عبد الرزاق وابن حبان وأبو يعلى والبزار والآجري وابن أبي عاصم في آخرين (١) وإسناد أغلبهم صحيح، وروى الشيخان نحوه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. فجاء العلم الحديث ليكشف لنا هذه الحقيقةَ العلميةَ المذهلة، التي نص عليها الحديث، ولكن لم تُعرف إلا في العصر الحديث. قال علماء الأجنة: إذا بلغ الجنينُ أربعةَ أشهر يُكتب على جبهته؛ حتى كأن وجهه وجه فيلسوف، إنها شعيرات مرسومة بمهارة فائقة. والغريب أنه ليس ثمة اثنان على وجه الأرض تتشابه فيهم هذه الكتابة، حتى لو كانا توءمين، ثم تختفي تلك الكتابة تحت طبقة دهنية كثيفة، تغطي جلد الجنين، وتُخفي عن أعين المتلصصين تلك الكتابة الفذة الرائعة (٢) .

стр. 74

٦ - في جسم الإنسان (٣٦٠) مفصلاً: عن السيدة عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "إنه خُلق كلُّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مَفصِلٍ، ... " الحديث، رواه مسلم (١) وقد ورد من حديث غيرها، كما ذكرته في الكتابين المذكورين.

стр. 75

وأذكرها هنا على الإجمال وهي: مجموع مفاصل الأطراف العلوية (٦٤) مفصلاً، ومفاصل الأطراف السفلية (٦٢) مفصلاً، ومفاصل العمود الفقري (٧٦) مفصلاً، ومفاصل القفص الصدري (٦٦) مفصلاً، ومفاصل الجمجمة (٨٦) مفصلاً، ومفاصل الحنجرة (٦) مفاصل، فيكون مجموع ما في جسم الإنسان = ٦٤ + ٦٢ + ٧٦ + ٦٦ + ٨٦ + ٦ = ٣٦٠ مفصلاً. وصلى الله وسلَّم على النبي المصطفى الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →