← Акыда

Акыда · id 7614

الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (106 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المعتني إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فهذه طبعة جديدة لكتاب: "الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية" لشيخ الإسلام ابن تيمية، تصنيف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله١. وهذا الشرح الذي بين أيدينا من أمتع الشروح السهلة التي تذلل للقارئ الكثير مما في باب القدر من المشكلات، وصعوبة الفهم. وقد اعتمدت في هذه الطبعة على النسخة المطبوعة قديما بتحقيق الشيخ عبد الغني عبد الخالق، فجعلتها أصلا، وقابلت نص القصيدة على ثلاث نسخ مطبوعة، وكنت أتمنى الحصول على نسخة خطية لنص القصيدة فلم أوفق. ١- النسخة المطبوعة ضمن مجموع الفتاوى جمع ابن القاسم. ٢- النسخة المطبوعة بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي سنة ١٣٧٥هـ والمطبوعة بمطبعة السنة المحمدية مع كتاب القول الأسنى في نظم الأسماء الحسنى للشيخ حسين بن عبد الوهاب. وإليها الإشارة بـ "س".

стр. 2

٣- النسخة الموجودة ضمن كتاب "العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية" للعلامة محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المطبوعة بمطبعة المدني ص (٢٥٤-٢٦٠) وجاء في آخرها: "تمت بحمد الله وعونه وهي مائة وأربعة وثمانون بيتا بل هي مائة وخمسة أبيات" اهـ. والذي يظهر بعد المقابلات بين النسخ المطبوعة السابقة: أن عدد الأبيات ١٢٥ بيتا، مع ملاحظة ما يلي: * سقط بيت رقم ٧ من الأصل المطبوع، و"س"، واستدركته من الفتاوى والعقود وأيضا: سقط بيت رقم ١٢٤ من الأصل المطبوع، و"س" واستدركته من الفتاوى والعقود. * سقط بيت رقم ١٠٣ من الفتاوى والعقود وهو موجود بالمطبوع، و"س". * سقطت الأبيات من رقم ١١إلى ٢٩ من العقود وهي موجودة بباقي النسخ. وقد نقل الحافظ ابن القيم منها بيتين (وهما رقما ٤، ٥) في طريق الهجرتين (١/١٦٧) . هذا وقد قمنا بضبط الكتاب، وتنسيقه، وتخريج آياته وأحاديثه وعلقت عليه ببعض الفوائد المهمة، وغير ذلك مما يراه القارئ؛ سائلا المولى جل وعلا أن يحفظ علينا ديننا ودنيانا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يميتنا على الإسلام، إنه سبحانه على كل شيء قدير. الإسماعيلية ١١صفر ١٤١٩هـ أبو محمد أشرف عبد المقصود غفر الله له

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الشارح الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، الملك الحق المبين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد المرسلين. اللهم صل على محمد وآله وصحبه؛ والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد طلب مني بعض الإخوان: أن أشرح "المنظومة التائية في القدر" لشيخ الإسلام والمسلمين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية؛ لما فيها من التحقيق العظيم في مسألة القضاء والقدر. ولمتانتها وصعوبة فهمها، واحتياجها إلى شرح متوسط؛ يوضحها ويكشف عن معانيها؛ ولكون المقام والموضوع مقاما مهما جدا، والحاجة – بل الضرورة – داعية إلى علمه؛ والتحقق به معرفة واعتقاداً. وهذا النظم: قد أتى فيه الشيخ بالعجب العجاب، وبين الحق الصريح وكشف الشكوك والشبهات: التي طالما خالطت قلوب أذكياء العلماء وحيرت كثيرا من أهل العلم الفضلاء؛ لذلك أجبت السائل لما طلبه. وأرجو الله وأسأله: أن يعين على تحقيقه وتوضيحه؛ فإن التوضيح والبيان – خصوصا في هذا المقام – أولى من الاختصار؛ وذكر الشواهد والأمثلة الموضحة أولى من الاقتصار. وأسأله تعالى: أن يجعل الداعي إليه إرادة وجهه الكريم، وإرادة النفع به للمشتغلين.

стр. 4

والشيخ ﵀ وقدس روحه نظمها جوابا لسؤال أورده عليه من قال: "إنه ذمي"١ ليشبه على المسلمين، وليشككهم في أصول الدين فإن الإيمان بالقضاء والقدر أحد أصول الإسلام، ومبانيه العظام.

стр. 5

نص سؤال الذمي الذي كان سببا في نظم القصيدة ... وهذا نص السؤال نص السؤال الذمي للتشكيك في القدر أيا علماء الدين، ذمي دينكم ... تحير دلوه بأوضح حجة إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يرضه مني، فما وجه حيلتي؟ دعاني، وسد الباب عني٢، فهل إلى ... دخولي سبيل؟ بينوا لي قضيتي

стр. 6

قضى بضلالي١، ثم قال: ارض بالقضا ... فهل٢ أنا راض بالذي فيه شقوتي فإن كنت بالمقضي يا قوم راضيا ... فربي لا يرضى بشؤم بليتي وهل٣ لي رضا، ما ليس يرضاه سيدي ... فقد حرت دلوني على كشف حيرتي إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة ... فهل أنا عاص في إتباع المشيئة؟ وهل لي اختيار أن أخالف حكمه؟ ... فبالله فاشفوا بالبراهين غلتي هذه آخر السؤال المذكور توضيح الشارح للسؤال وحاصله: أنه إيراد على مذهب الجبرية القائلين: إن العبد مجبور مقهور على جميع أقواله وأفعاله؛ وإنه لا قدرة له على شيء منها. بل هي عندهم واقعة بغير اختياره.

стр. 7

وهذا القول باطل بالكتاب والسنة، وباطل بالعقل والحس؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وجميع المسلمين من جميع الطوائف أهل السنة وغيرهم ينكرون هذا المذهب ويتبرؤون منه. فيقول هذا المشبه على المسلمين، المشكك لهم، بانيا على مذهب الجبرية الذي يتبرأ منه جميع الطوائف سوى غلاة الجهمية من الجبرية يقول: "إذا كان الله قضى علي بالكفر، وقدر علي أن لا أكون مسلما، أو قدر علي المعاصي وأن لا أكون طائعا؛ فكيف لي الخلاص من الكفر والمعاصي؟ وكيف أتمكن من الإيمان والطاعة بعدما قضى علي الكفر والمعصية؟ فهل أكون معذورا إذا تجرأت على الكفر والفسوق والعصيان، وأنا لا حيلة لي في الانفكاك عنها؟ ١

стр. 8

وكيف أجمع بين الرضا بالقضاء، وبين الرضا بالمقضي، من الكفر والمعاصي؛ فإن الله لا يرضى بالكفر والفسوق والعصيان، فكيف قدرها علي، وهو لا يرضاها؟. هذا حاصل هذا السؤال. الجواب الإجمالي ورد الشارح على هذا السؤال وجوابه على وجه الإجمال بسيط ولله الحمد

стр. 9

فاستحق الأولون: المدح والثواب، واستحق الآخرون الذم والعقاب. ولم يجبر الله أحدا منهم على خلاف مراده واختياره، فلا عذر للعاصين إذا عصوا وقالوا: إن الله قدرها علينا، فلنا بذلك العذر. فيقال لهم: إن الله قد أعطاكم المكنة والقدرة على كل ما تريدون وأنتم بزيغكم وانحرافكم أرتم الشر ففعلتموه، والله قد حذركم وهيأ لكم كل سبب يصرف عن معاصيه، وأراكم سبيل الرشد فتركتموه وسبيل الغي فسلكتموه. زيادة إيضاح للجواب الإجمالي وإذا أردت زياد إيضاح لهذا المقام: فإنه من المعلوم لكل أحد: أن كل فعل يفعله العبد، وكل كلام يتكلم به، فلا بد فيه من أمرين: ١- قدرة منه على ذلك الفعل والقول. ٢- وإرادة منهم. فمتى اجتمعن، وجدت منه الأقوال والأفعال. والله تعالى هو الذي خلق قدرة العبد وإرادة العبد. وخالق السبب التام، خالق للسبب. فالله تعالى خالق أفعال العباد، والعباد هم الفاعلون لها حقيقة. فهذا الإيراد الذي أورده هذا المشكك وما أشبهه من الإيرادات التي يحتج بها أهل المعاصي بالقدر

стр. 10

يجيبونهم بهذا الجواب المفحم فيقولون: دلت أدلة الكتاب والسنة الكثير على أن الخالق كل شيء، وعلى كل شيء قدير وأن كل شيء بقضاء وقدر: الأعيان والأوصاف والأفعال. * ودلت أيضا أدلة الكتاب والسنة: أن العباد هم الفاعلون لفعلهم حقيقة بقدرتهم واختيارهم، فإنه تعالى نسب إليهم وأضاف إليهم كل ما فعلوه من إيمان وكفر، وطاعة ومعصية. وإنه تعالى مكنهم من هذا ومن هذا. ولكنه تعالى حبب إلى المؤمنين الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان. وولى الآخرين ما تولوا لأنفسهم، حيث اختاروا الشر على الخير وأسباب العقاب على أسباب الثواب. وهذا كما أنه معلوم بالضرورة من الشرع، فهو معلوم بالحس الذي لا يمكن أحدا المكابرة فيه. فإن العبد يفرق بين أفعاله التي يقسر ويجبر ويقهر عليها، وبين أفعاله التي يختارها ويريدها، ويحب حصولها. فهذا الجواب المجمل.

стр. 11

الجواب المفصل للناظم هذا سؤال معند مختصم لله وهو من جنس سؤال إبليس اللعين ... الجواب المفصل للناظم وأما الجواب المفصل. فقد ذكره الشيخ قدس الله روحه فقال: ١- سؤالك يا هذا، سؤال معاند ... مخاصم١ رب العرش، باري البرية ٢- فهذا سؤال، خاصم الملأ العلا ... قديما به إبليس، أصل البلية ٣- ومن يك خصما للمهيمن يرجعن ... على أم رأس هاويا في الحفيرة هذا سؤال معاند مخاصم الله وهو من جنس سؤال إبليس اللعين الشرح بين الشيخ في أول الجواب: أن هذا السؤال والإيراد، إنما صدر عن رجل معاند مكابر، مخاصم لله. فإن هذا السؤال في الحقيقة موجه إلى الله والسائل قد أورده على ربه واعترض عليه، وزعم: أن الله ظالم له، حيث قدر عليه الكفر والمعاصي وعذبه عليه. وكل من عاند الله، فحجته داحضة باطلة، وهو مخصوم محجوج. وهذا السؤال من جنس سؤال إبليس حيث قال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (لأعراف:١٦) فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ولم يقل: "غويت".

стр. 12

وإبليس هو الذي غوى واستكبر عن أمر ربه، حيث أمره بالسجود لأدم فقال: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (الإسراء:٦١، ٦٢) . فإبليس خاصم الله، وبادأه بالمعصية، واستكبر عن أمره، واستكبر على آدم. فكل من خاصم عن نفسه، أو عن غيره في معصية الله، فهو وارث إبليس، وعنه أخذ هذه الخصومة. فكل من خاصم الحق، فلج وخصم، كما أن كل من خاصم بالحق فلج وغلب. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ (الإسراء:٨١) . وكل من نصر الباطل، فهو من خصوم الله ولكن: أصناف القدرية الثلاثة١، هم أحق الناس بهذا الوصف.

стр. 13

فلهذا قال الشيخ: بيان طوائف القدرية الثلاث، خصوم الله يوم المعاد ٤- ويدعى١ خصوم الله يوم معادهم ... إلى النار طرا، معشر القدرية ٥- سواء نفوه، أو سعوا ليخاصموا ... به الله، أو ماروا به للشريعة الشرح يشير الشيخ إلى ما رواه ابن ماجه عن عائشة ﵂، قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: " من تكلم في شيء من القدر، سئل عنه يوم القيامة "٢. أي: سؤال تقريع وتوبيخ. وهو كما ذكر الشيخ يشمل طوائف القدرية الثلاثة: ١- القدرية النفاة ٢- والقدرية المجبرة ٣- والقدرية المشركين فكل الطوائف الثلاث خاضوا في القدر خوضا منحرفا، وبعضهم أغلظ من بعض، وكلهم عن الصراط ناكبون.

стр. 14

حقيقة مذهب القدرية النفاة وبيان أنهم مجوس هذه الأمة ... ١- فأما القدرية النفاة: فهم الذين يطلق عليهم أكثر العلماء اسم "القدرية". وهم الذين ورد فيهم الحديث، الذي في "السنن": " أنهم مجوس هذه الأمة "١. وأكثر أهل "المعتزلة" على هذا المذهب الباطل. وحقيقة مذهبهم أنهم يقولون: إن أفعال العباد، وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره. فأثبتوا قدرة الله على أعيان المخلوقات وأوصافها، ونفوا قدرته على أفعال المكلفين، وقالوا: إن الله لم يردها ولم يشأها منهم، بل هم الذين أرادوها وشاءوها، وفعلوها استقلالا بدون مشيئة الله. ويزعمون: أنهم بهذا القول ينزهون الله عن الظلم، لأنه لو قدر المعاصي عليهم، ثم عذبهم عليها، لكان ظالما لهم، وللزم من إثبات قدرة الله على أفعالهم الجبر، الذي هو باطل بالشرع والعقل، كما تقدمت الإشارة إليه.

стр. 15

ولكنهم بهذا القول الباطل ردوا نصوصا كثيرة من الكتاب والسنة تثبت وتصرح أن جميع أعمال العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية بقضاء الله وقدره. كما أجمع المسلمون: أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وسموا "مجوس هذه الأمة"، لأنهم أشبهوا "المجوس" الذين أثبتوا خالقا للخير، وخالقا للشر، وهو إبليس على زعم "المجوس" ١. وهؤلاء "القدرية" أثبتوا: أن الله خالق للعباد لأعيانهم وأوصافهم، ولم يثبتوا أنه خالق لأفعالهم. فأخرجوا أفعال العباد عن قدر الله، ولم يهتدوا إلى ما اهتدى إليه أهل السنة، من أن الله كما أنه الذي خلقهم، خلق ما به يفعلون من قدرتهم وإرادتهم، ثم فعلوا الأفعال المتنوعة من طاعة، ومعصية بقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقهما الله باتفاق المسلمين. حتى هؤلاء "القدرية" يثبتون: أن قدرة العباد وإرادتهم مخلوقة له. وحيث وقعت أفعال العباد بقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقهما الله في العبد ليتمكن بهما من كل ما يريده من أقوال وأفعاله. وخالق السبب التام خالق السبب.

стр. 16

فالعبد المؤمن: هو الذي يصلي، ويصوم، ويتصدق، ويحج، ويعمل أعمال البر، بما مكنه الله، وأعطاه من قدرة وإرادة يتمكن بهما من أفعال الخير. والعبد الكافر أو الفاجر،: هو الذي يشرك، ويقتل، ويزني، ويسرق ويعمل أجناس المعاصي، بما مكنه الله به وأعطاه من قدرة وإرادة يفعل بهما تلك الأفعال. والقدرة والإرادة اللتان أعطاهما الله للعبد خير ونعمة، وفضل من الله، لكن العبد العاصي هو الذي وجه قواه وأفعاله إلى أعمال الشر. فلم يكن له على الله حجة، بل لله عليه الحجة البالغة، نهج الله له طريق الخير فأباه، وسلك بنفسه طريق الشر وارتضاه، فلا يلومن من بعد ذلك إلا نفسه. فمن احتج مع ذلك على ربه وقال: إنه قدر علي المعاصي فلا لوم علي؟! ١

стр. 17

الرد على من احتج بالمعاصي على القدر قيل له: هذه حجة أبطلها الله في كتابه، حيث قال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام:١٤٨-١٤٩) .

стр. 18

فتضمنت هاتان الآيتان: أن الاحتجاج بالقدر على المعاصي باطل من وجوه: منها: أن هذا هو احتجاج المشركين. ومنها: أن هذا الاحتجاج بالقدر على الشر، لم يمنعهم من عذاب الله. حيث قال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ . ومنها: أن الله وبخهم على ذلك، وطالبهم بالبرهان في قوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ (الأنعام: ١٤٨) . فنفى عنهم العلم وأخبر أنهم يتبعون الظن الذي لا يغني من الحق شيئا. ومنها: أنه أخبر أن له الحجة البالغة على جميع من تجرأ على معاصيه. فمن احتج على المعاصي فهو أظلم الظالمين. وأيضا: فهذا المحتج بالقدر، المقيم لعذر نفسه على ربه، هو يكذب نفسه بنفسه، فإنه لو تجرأ عليه أحد بتعد على ماله أو بدنه أو محبوباته، واعتذر بالقدر لم يقبل عذره، فكيف يقبل عذر نفسه على تجرئه على ربه؟! فالمحتج بالقدر على المعاصي: يكذبه الكتاب والسنة والعقل، وضميره يكذبه كما ذكرنا، وإنما يقصد باحتجاجه دفع الشناعة عن نفسه. وكانت طائفة القدر في أول أمرهم ينكرون العلم، وينكرون القدر١ فيقولون: إن الله لا يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها، ولا تعلقت بها

стр. 19

مشيئة الله. فلما شنع عليهم المسلمين وكفروهم بذلك تحولوا عن قولهم الأول، فأثبتوا العلم، وأنكروا القدر. ولهذا كان الأمة كالإمام أحمد، وغيره يقولون: "ناظروا القدرية بالعلم، فإن أنكروا العلم كفروا، وإن اعترفوا به خصموا"١. يعني: أن "القدرية" النافين لعلم الله بأفعال عباده، جاحدون لنصوص الكتاب والسنة المصرحة بإحاطة علم الله، بما كان وما يكون من أعيان وأوصاف، وأفعال، مما دق وجل. فمن أنكر ذلك فقد كذب الكتاب والسنة صريحا، وذلك هو الكفر. وإن اعترفوا بإحاطة علم الله بكل شيء، وبأفعال العباد قبل وقوعها كما هو القول الذي استقر عليه مذهبهم خصموا.

стр. 20

ووجه ذلك: أنهم يقولون: إن أفعالهم لا تتعلق بها مشيئة الله وإرادته، وإنما هم مستقلون بها من كل وجه. إذا كان هذا قولهم في مشيئة الله، مع قولهم: وإن الله يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها؛ فهذا تناقض محض!! كيف يعلمها وهو لم يقدرها ولم يردها؟ هذا محال ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:١٤) . فيلزم أحد الأمرين: ١- إما أن لا يتناقضوا، فينفوا الأمرين علم الله بأفعاله، ومشيئته لها. فيتضح كفرهم. ٢- وإما أن يرجعوا إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون، وهو: أنه تعالى كما أنه بكل شيء عليم، وبكل شيء محيط؛ فإنه على كل شيء قدير. ومن جملة الأشياء: أفعال العباد طاعتهم ومعاصيهم فهو تعالى يعلمها إجمالا وتفصيلا قبل أن يعملوها. وأعمالهم وأفعالهم داخلة تحت مشيئة الله وإرادته؛ فقد شاءها منهم وأرادها، ولم يجبرهم لا على الطاعات، ولا على المعاصي، بل هم الذين فعلوها باختيارهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:٢٨، ٢٩) .

стр. 21

فهذه الآية فيها: رد على القدرية النفاة وعلى القدرية المجبرة وإثبات للحق الذي عليه أهل السنة والجماعة. فقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أثبتت أنه لهم مشيئة حقيقية وفعلا حقيقيا وهو الاستقامة باختيارهم. فهذا رد على الجبرية. وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أخبر أن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله، وأنها لا توجد بدونها. فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ففيها رد على القدرية القائلين: إن مشيئة العباد مستقلة، وليست نابعة لمشيئة الله. بل عندهم: يشاء العباد ويفعلون ما لا يشاؤه الله ولا يقدره. ودلت الآية على الحق الواضح، وهو: أن العباد هم الذين يعملون الطاعات والمعاصي حقيقة، وليسوا مجبورين عليها. وأنها مع ذلك تابعة لمشيئة الله، كما تقدم كيفية وجه ذلك. والآيات الدالات على هذا كثيرة جدا. فهذه إحدى الطوائف الثلاث المخاصمين لله؛ فإنهم أنكروا عموم مشيئته وقدره، وجحدوا ما قرره الله في كتابه، وعلى لسان رسوله من شمول قدره لكل شيء. فزعموا: أن أفعال العباد خارجة من هذا العموم.

стр. 22

٢- حقيقة مذهب القدرية المجبرة والرد عليهم وأما الطائفة الثانية فهم الجبرية: الذين يقال لهم: "القدرية المجبرة". وهم "غلاة الجهمية" الذين إمامهم في هذا وغيره "جهم بن صفوان" المتفق على بدعته، بل بدعه الخبيثة المتنوعة. *فزعموا: أن عموم مشيئة الله، وعموم إرادته تقتضي: - أن العبد مجبور على أفعاله، مقسور مقهور على أقواله وأفعاله. - لا قدرة له على شيء من الطاعات، ولا على ترك المعاصي. - ومع أنه لا قدرة له على ذلك عندهم، فهو مثاب معاقب على ما لا قدرة له عليه. وهذا القول من أشنع البدع وأنكرها. وهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأئمة المهتدين، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ومخالف للعقول والفطر، ومخالف للمحسوس. وكل قول يمكن صاحبه أن يطرده إلا هذا القول الشنيع، فإنه لا يمكن أن يعمل به ويطرده، كما تقدم: أنه لا يعذر من ظلمه وتعدى عليه، مع اعتذار المعتدي بالقدر. فإن الجبري لا يعذره، بل يرى اعتذاره بالقدر زيادة ظلم، وتهكما به.

стр. 23

فكيف يسلك هذا المسلك مع ربه، وهو لا يرتضيه لنفسه من غيره؟!. والمقصود: أن هذه الطائفة خالفت المنقول والمعقول. ونصوص الكتاب والسنة تبطل قولهم، فإن الله نسب أعمال العباد إليهم من الطاعات المتنوعة والمعاصي الكثيرة كلها يضيفها إلى الفاعلين ويخبر أنهم هم الفاعلون لها، ويستحقون جزاءها من خير وشر. فلو كان مجبورين عليها لم ينسبها لهم، ولم يضفها لهم، بل ينسب الأفعال إلى نفسه. حاشاه وتعالى عن ذلك. فلا يقال: الله هو الذي فعل الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية. بل يقول كل أحد: العبد هو الذي فعلها، والله هو الذي قدرها من غير أن يجبره عليها. ويلزم على قول "الجبرية" أيضا: إسقاط الأمر والنهي؛ لأنه كيف يؤمر وينهى من لا قدرة له على امتثال الأمر، واجتناب النهي؟! ويلزم أيضا على قولهم: إسقاط الحدود عن جميع أهل الجرائم؛ إذ كيف يعاقبون وتقام عليهم الحدود، وهم غير قادرين، بل مجبورون؟! فهذا القول الباطل مخالف لجميع أصول الدين وفروعه. ويلزم أيضا على قول الجبرية: تعطيل الأسباب الدينية والدنيوية. وذلك: أن الله تعالى جعل الأسباب موصلة إلى مسبباتها؛ وأمر العباد بسلوك كل سبب نافع لهم في دينهم ودنياهم.

стр. 24

فكيف يؤمرون وهم مجبورون غير قادرين؟! فالقول بالجبر فيه فساد الدين والدنيا. والذي حملهم على هذا القول مع ظهور فساده ظنهم: وأنه لا يمكنهم إثبات عموم مشيئة الله وقدره، حتى يسلبوا العبد قدرته. وقد غلطوا بهذا الظن، فإنه كما تقدم يتمكن العبد من إثبات عموم القدر، ومن إثبات أن الأعمال هي أعمال العباد حقيقة، لأن الله خلقهم وخلق كل ما فيهم من القوى الظاهرة والباطنة. وبقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقهما الله ومكن العبد بها من كل ما يريده من خير وشر فعلوا الأمرين باختيارهم من غير إجبار.

стр. 25

وقد تصل الحال بهذه الطائفة وتغلوا في القدر حتى يعتقدوا أن معاصيهم طاعات، لأنها بمشيئة الله، فيشاركون: ٣- حقيقة مذهب القدرية المشركة وبيان أن الطائفة الثانية قد تشاركهم فيه الطائفة الثالثة، وهم القدرية المشركون الذين اعتذروا عن شركهم وتحريمهم ما أباح الله بالمشيئة. وجعلوا مشيئة الله هي محبته، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ . وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ

стр. 26

مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (النحل:٣٥) فهذه الطوائف الثلاث هم خصماء الله في قضاءه وقدره. ١- منهم من نفاه. ٢- ومنهم من غلا فيه غلوا أوقعه في الباطل. ٣- وهدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلفوا فيه بإذنه، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: ٢١٣) . * فأثبتوا عموم قضاء الله ونفوذ مشيئته في كل شيء. * وأثبتوا مع ذلك أفعال العباد من الطاعات والمعاصي. * وقالوا: إنها واقعة باختيارهم. * ولا حجة للعاصين على الله إذا احتجوا على معاصيهم بقدره، بل حجتهم داحضة باطلة. * وقالوا: إن مشيئة الله غير محبته. - فمشيئته تعلقت بكل شيء موجود من خير وشر، وطاعة ومعصية. - ومحبته خاصة للطاعات وأهلها. - كما أخبر بذلك في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ .

стр. 27

بيان أصل ضلال الفرق الضالة عامة وما يتعين على المكلفين اعتباره واعتقاده ثم قال الشيخ ﵀: ٦- وأصل ضلال الخلق من١ كل فرقة ... هو الخوض في فعل الإله بعلة ٧-[فإنهمو لم يفهموا حكمة له ... فصاروا على نوع من الجاهلية] ٢ ٨- فإن جميع الكون أوجب فعله ... مشيئة رب الخلق باري الخليقة ٩- وذات إله الخلق واجبة بما ... لها من صفات واجبات قديمة ١٠- مشيئته مع علمه، ثم قدرة ... لوازم ذات الله قاضي القضية ١١- (وإبداعه ما شاء من مبدعاته ... بها حكمة فيه وأنواع رحمة) الشرح يذكر الشيخ: أن أصل ضلال الخلق من جميع فرق الضلال والخوض في فعل الرب.

стр. 28

وذلك: أن جميع الكون العالم العلوي والسفلي وما فيهن من المخلوقات خلقها الله وأوجدها بمشيئته وقدرته. فإنه تعالى هو الواجب بأسمائه وصفاته القديمة التي لا أول لها، لأنه الأول الذي ليس قبله شيء، ولم يزل بأسمائه وصفاته كذلك. فإذا كانت أوصافه كلها قديمة واجبة، لأنه واجب الوجود. فمن لوازم صفاته اللازمة لذاته: ١- العلم المحيط بكل شيء. ٢- والقدرة الشاملة لكل شيء. ٣- والمشيئة العامة لكل موجود. فهو تعالى لم يزل عليما فعالا لما يريد. وأفعاله تعالى وإبداعه لمبتدعاته تابعة لحكمته التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها. فلم يخلق ولن يخلق شيئا عبثا، بل خلق المخلوقات وأبدع المبدعات بالحق وللحق، فهي صدرت عن الحق، واشتملت على الحق، وكانت غاياتها المقصودة الحق. فهذا: التقرير الصحيح لمذهب أهل السنة والجماعة. وهو الذي دلت عليه الأدلة الكثيرة.

стр. 29

فكما أنه تعالى أخبر: أنه على كل شيء قدير، وأنه فعال لما يريد، وأنه إذا أراد أمرا قال له:"كن" فيكون، وأن كل شيء خلقه بقدر، وكل صغير وكبير مستطر، فكذلك قد أخبر: أنه الحكيم الذي شملت حكمته كل شيء، وأنه خلق السماوات والأرض ومن فيهن بالحق، ولم يخلقهما باطلا. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (صّ: ٢٧) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون:١١٥) ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (القيامة:٣٦) . إلى غير ذلك من الآيات الدالات على الأصلين، وهما: عموم مشيئته لكل موجود، وشمول حكمته للخلق والأمر. هذا: الذي يتعين على المكلفين الاعتراف به واعتقاده.

стр. 30

بيان ما زعمه الجبرية، وإبطاله ... أما مذهب "الجبرية" فإنهم زعموا: أن فعل الرب وإبداعه لجميع المبتدعات لغير حكمة: بل أوجدها عندهم بمشيئة مجردة. وقالوا: إنه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء:٢٣) ولا حجة لهم بالآية الكريمة، بل هي حجة عليهم، فإنه لا يسأل عما يفعل، لكمال حكمته، فلا يمكن مخلوقا أن يعترض على الله اعتراضا صحيحا في شيء من مخلوقاته. بل: لو اجتمعت عقول الخلق من أولهم وآخرهم ليقترحوا أحسن من خلقه وإبداعه وتكوينه، لعجزت عقولهم وقواهم.

стр. 31

وإنما حسب العقول الكاملة أن تدرك حكمة الله، وأن تفهمها، وما يخفى عليهم من الحكم أعظم وأكثر. * قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النمل: ٨٨) . * وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (السجدة: من الآية٧) . * وقال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (الملك: من الآية٣) . أي: نقص وخلو من الحكمة. * ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (الملك:٤) ومن تأمل في المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع المصنوعات، ورأى ما فيها من الحسن والانتظام والإتقان، وشاهد ما فيها من المنافع التي لا تحصى، شهد لله بكمال الحكمة، وعموم الرحمة. فتبا لمن زعم أن أفعال الباري صادرة عن محض المشيئة الخالية من الحكمة والرحمة. لقد ضلت أفهامهم حيث أنكروا أظهر الأشياء وأوضحها.

стр. 32

بيان أن الحكم لله وحده، وأن الخاق والأمر له سبحانه لا شريك له في ملكه ... بيان أن الحكم لله وحده، وأن الخلق والأمر له سبحانه لا شريك له في ملكه ولهذا، قال الشيخ: ١٢- ولسنا إذا قلنا جرت بمشيئة ... من المنكري آياته المستقيمة ١٣- بل الحق أن الحكم لله وحده له ... الخلق والأمر الذي في الشريعة الشرح: أي: إذا قلنا: إن جميع الكائنات جرت بمشيئة الله وإرادته، فلسنا نكرر حكمته، وآياته المستقيمة الدالة على الغايات المحمودة. بل نجمع بين إثبات الأمرين، ونعتقد شمول الأصلين لكل ما خلقه وشرعه. لأنه تعالى له الحكم وحده، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (لأعراف: ٥٤) . أي: له وصفا وفعلا الخلق الشامل لكل مخلوق، والأمر الشامل لجميع الأحكام الشرعية. فكما [أنه] لا خالق سواه، فلا حاكم بين العباد سواه. وكما أن مخلوقاته مملوءة من الحكمة والرحمة، فشرعه العظيم أعظم وأعظم، كله حكمة، وكله رحمة. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٥٠) .لا شريك لله في ملكه

стр. 33

لا شريك لله في ملكه ... فلهذا، قال: ١٤- هو الملك المحمود في كل حالة ... له الملك من غير انتقاص بشركة الشرح: أي: له الملك كله، وله الحمد كله. لا شريك له في ملكه، ولا في حمده. فهو المحمود على ما له من الأسماء الحسنى، وعلى ما له من الصفات الكاملة العليا. وهو المحمود على فضله الشامل، ورحمته الواسعة، وعلى عدله وحكمته التي وضع بها الأشياء مواضعها. فيحمد على عدله، كما يحمد على فضله. كما قال الشاعر: ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع. إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع.

стр. 34

قدرة الله الكاملة وإرادته الشاملة وخلقه ومشيئته وقد قرر الشيخ هذا المقام، فقال مقررا، مكررا للمعاني بعبارات مختلفة، لأن المقام مهم جدا: ١٥- فما شاء مولانا الإله، فإنه ... يكون وما لا لا يكون بحيلة ١٦- وقدرته لا نقص فيها، وحكمه ... يعم. فلا تخصيص في ذي القضية ١٧- أريد بذا أن الحوادث كلها ... بقدرته كانت، ومحض المشيئة ١٨- ومالكنا في كل ما قد أراده ... له الحمد حمدا يعتلي كل مدحة ١٩- فإن له في الخلق رحمته سرت ... ومن حكم فوق العقول الحكيمة ٢٠- أمورا يحار العقل فيها إذا رأى ... من الحكم العليا وكل عجيبة الشرح: يعني: أنه ما شاء الله كان، لا مانع من كونه ووجوده إذا شاءه الله. وما لم يشأ لم يكن، فلا يدرك بحيلة، ولو اجتمع عليه جميع الخلق.

стр. 35

* وفي حديث ابن عباس أنه ﷺ : قال: " ... واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك "١. فقدرة الباري تعالى كاملة لا نقص فيها. حدثت جميع الحوادث، ووجدت الموجودات بها وبمشيئته. وله في ذلك الخلق والإيجاد كمال الحكمة، وسعة الرحمة؛ التي تحار العقول في كثرتها، وسعتها وعظمتها. وهو المحمود تعالى على ذلك كله.

стр. 36

إثبات قدرة الله الشاملة وخلقه ومشيئته ... إثبات قدرة الله الكاملة والشاملة وخلقه ومشيئته ثم قال أيضا: ٢١- فنؤمن أن الله عز بقدرة ... وخلق وإبرام لحكم المشيئة ٢٢- فنثبت هذا كله لإلهنا ... ونثبت ما في ذاك من كل حكمة ٢٣- وهذا مقام طالما عجز الأولى ... نفوه وكروا راجعين بحيرة ٢٤- وتحقيق ما فيه بتبيين غوره ... وتحرير حق الحق في ذي الحقيقة ٢٥- هو المطلب الأقصى لوراد١ بحره ... وذا عسر في نظم هذي القصيدة ٢٦- لحاجته إلى بيان محقق٢ ... لأوصاف مولانا الإله الكريمة ٢٧- وأسمائه الحسنى، وأحكام دينه ... وأفعاله في كل هذي الخليقة

стр. 37

٢٨- وهذا بحمد الله قد بان ظاهرا ... وإلهامه للخلق أفضل نعمة ٢٩- وقد قيل في هذا وخط كتابه ... بان١ شفاء للنفوس السقيمة) الشرح كرر المؤلف هذه المعاني بهذه العبارات لما ذكره: أن المقام مقام عظيم طالما عجز الذين نفوه ولم يفهموه، وبقوا حائرين غير مهتدين. ومسائله العظيمة مستمدة من أسماء الله، وأوصافه، وأفعاله، ومعرفة دينه، والتدبر لكتابه. فمن تفقه في الأسماء الحسنى، واعترف لما لله من الصفات العليا وعرف أن أفعاله تعالى مشتملة على الحق، والحق غايتها ومقصودها وتدبر كتاب الله الذي فيه الهدى والشفاء، وسنة نبيه ﷺ . من عرف ذلك كله، واعترف به؛ وجزم جزما لا تردد فيه بأنه تعالى خلق المخلوقات وأوجدها ودبرها بمشيئة نافذة وحكمة شاملة ورحمة واسعة. وذلك: أن عظمة المخلوقات تدل على عظمة خالقها ومبدعها، وكمال قدرته.

стр. 38

* وما فيها من التخصيصات المتنوعة من كل وجه؛ يدل على نفوذ مشيئته وإرادته. * وما فيها من الحكم والانتظام، والحسن والالتئام والخلق الغريب والإبداع العجيب يدل على شمول علمه وإحاطته وشمول حكمته وحمده. * وما فيها من الخيرات الكثيرة، والمنافع الغزيرة؛ والصلاح والإصلاح يدل ذلك على سعة رحمته وبره، وكرمه وإحسانه. وتحقيق هذه المقامات هو: المطلب الأقصى لرواد الحقيقة. ولا سبيل لذلك إلا استمداد من كلام الله وكلام رسوله، واستنارة بهداية الأئمة المهتدين. ومعرفته وإلهامه للعباد من أجل نعم الله عليهم. والقرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشكوك، والشبهات والشهوات.

стр. 39

سؤال السائل: لم شاء الله كفر الكفار؟ مثل سؤال السائل: لم قدم الله هذا المخلوق على غيره ؟ ... سؤال السائل: لم شاء الله كفر الكافر؟ مثل سؤال: لم قدم الله هذا المخلوق على غيره؟ ثم قال الشيخ مجيبا للمعترض: ٣٠- فقولك: لم قد شاء؟ مثل سؤال من ... يقول: فلم قد كان في الأزلية؟ ٣١- وذاك سؤال يبطل العقل وجهه ... وتحريمه قد جاء في كل شرعة. الشرح يعني ﵀: أن سؤال السائل واعتراض المعترض بقوله: "لم شاء وكيف شاء كفر الكافرين، ووقوع العصيان من العاصين؟ "؛ ونحوها من الأسئلة المشابهة لذلك، كلها محظورة ممنوعة لأن الله تعالى هو الحاكم ليس محكوما عليه ولا يلزم أن يبدي لعباده كل حكمة اشتملت عليها مراداته ومفعولاته؛ فقد أخبر عباده بالأمر العم، وهو أنه حكيم في كل ما خلق، وكل ما شرع. وأما دقائق الخلق وأسرارها وأسرار أفعاله فعنده علمها، ولا يلزم أن يطلع العباد عليها، إلا ما شاء منها. وهذا مثل سؤال السائل: لم قدر الله هذا المخلوق على هذا المخلوق؟ ولم كان هذا المخلوق سابقا وهذا المخلوق لاحقا؟ فإنه تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء:٢٣) فالعقل والشرع لا يبيح أمثال هذه الأسئلة التي يعترض بها العبد الحقير.

стр. 40

على الرب العظيم؛ فإنه محرم في جميع الشرائع. حتى وصلت بهم الحال إلى ما قاله النبي ﷺ : " لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقولوا هذا: الله خلق هذا الخلق؛ فمن خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان، ولينته " ١.
следующие страницы →