إثبات قدرة الله الشاملة وخلقه ومشيئته
...
إثبات قدرة الله الكاملة والشاملة وخلقه ومشيئته
ثم قال أيضا:
٢١- فنؤمن أن الله عز بقدرة ... وخلق وإبرام لحكم المشيئة
٢٢- فنثبت هذا كله لإلهنا ... ونثبت ما في ذاك من كل حكمة
٢٣- وهذا مقام طالما عجز الأولى ... نفوه وكروا راجعين بحيرة
٢٤- وتحقيق ما فيه بتبيين غوره ... وتحرير حق الحق في ذي الحقيقة
٢٥- هو المطلب الأقصى لوراد١ بحره ... وذا عسر في نظم هذي القصيدة
٢٦- لحاجته إلى بيان محقق٢ ... لأوصاف مولانا الإله الكريمة
٢٧- وأسمائه الحسنى، وأحكام دينه ... وأفعاله في كل هذي الخليقة
стр. 37
٢٨- وهذا بحمد الله قد بان ظاهرا ... وإلهامه للخلق أفضل نعمة
٢٩- وقد قيل في هذا وخط كتابه ... بان١ شفاء للنفوس السقيمة)
الشرح
كرر المؤلف هذه المعاني بهذه العبارات لما ذكره: أن المقام مقام عظيم طالما عجز الذين نفوه ولم يفهموه، وبقوا حائرين غير مهتدين.
ومسائله العظيمة مستمدة من أسماء الله، وأوصافه، وأفعاله، ومعرفة دينه، والتدبر لكتابه.
فمن تفقه في الأسماء الحسنى، واعترف لما لله من الصفات العليا وعرف أن أفعاله تعالى مشتملة على الحق، والحق غايتها ومقصودها وتدبر كتاب الله الذي فيه الهدى والشفاء، وسنة نبيه ﷺ .
من عرف ذلك كله، واعترف به؛ وجزم جزما لا تردد فيه بأنه تعالى خلق المخلوقات وأوجدها ودبرها بمشيئة نافذة وحكمة شاملة ورحمة واسعة.
وذلك: أن عظمة المخلوقات تدل على عظمة خالقها ومبدعها، وكمال قدرته.
стр. 38
* وما فيها من التخصيصات المتنوعة من كل وجه؛ يدل على نفوذ مشيئته وإرادته.
* وما فيها من الحكم والانتظام، والحسن والالتئام والخلق الغريب والإبداع العجيب يدل على شمول علمه وإحاطته وشمول حكمته وحمده.
* وما فيها من الخيرات الكثيرة، والمنافع الغزيرة؛ والصلاح والإصلاح يدل ذلك على سعة رحمته وبره، وكرمه وإحسانه.
وتحقيق هذه المقامات هو: المطلب الأقصى لرواد الحقيقة.
ولا سبيل لذلك إلا استمداد من كلام الله وكلام رسوله، واستنارة بهداية الأئمة المهتدين. ومعرفته وإلهامه للعباد من أجل نعم الله عليهم.
والقرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشكوك، والشبهات والشهوات.
стр. 39
سؤال السائل: لم شاء الله كفر الكفار؟ مثل سؤال السائل: لم قدم الله هذا المخلوق على غيره ؟
...
سؤال السائل: لم شاء الله كفر الكافر؟ مثل سؤال: لم قدم الله هذا المخلوق على غيره؟
ثم قال الشيخ مجيبا للمعترض:
٣٠- فقولك: لم قد شاء؟ مثل سؤال من ... يقول: فلم قد كان في الأزلية؟
٣١- وذاك سؤال يبطل العقل وجهه ... وتحريمه قد جاء في كل شرعة.
الشرح
يعني ﵀: أن سؤال السائل واعتراض المعترض بقوله: "لم شاء وكيف شاء كفر الكافرين، ووقوع العصيان من العاصين؟ "؛ ونحوها من الأسئلة المشابهة لذلك، كلها محظورة ممنوعة لأن الله تعالى هو الحاكم ليس محكوما عليه ولا يلزم أن يبدي لعباده كل حكمة اشتملت عليها مراداته ومفعولاته؛ فقد أخبر عباده بالأمر العم، وهو أنه حكيم في كل ما خلق، وكل ما شرع.
وأما دقائق الخلق وأسرارها وأسرار أفعاله فعنده علمها، ولا يلزم أن يطلع العباد عليها، إلا ما شاء منها.
وهذا مثل سؤال السائل: لم قدر الله هذا المخلوق على هذا المخلوق؟ ولم كان هذا المخلوق سابقا وهذا المخلوق لاحقا؟
فإنه تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء:٢٣)
فالعقل والشرع لا يبيح أمثال هذه الأسئلة التي يعترض بها العبد الحقير.
стр. 40
على الرب العظيم؛ فإنه محرم في جميع الشرائع.
حتى وصلت بهم الحال إلى ما قاله النبي ﷺ : " لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقولوا هذا: الله خلق هذا الخلق؛ فمن خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان، ولينته " ١.
стр. 41
أمره ﷺ عند الشكوك والأسئلة المحرمة بثلاثة أشياء
فأمر ﷺ عند هذه الشكوك والأسئلة المحرمة بثلاث أشياء:
١- بالإيمان بالله لأنه الإيمان الصحيح يدفع هذه الشبهات.
لعلم العبد المؤمن أنه تعالى الأول الذي ليس قبله شيء، وأنه لا منتهى لأوليته، كما لا منتهى لآخرته.
٢- وبالإستعاذة بالله من الشيطان الموسوس الموقع لهذه الشكك والشبهات.
٣- وأمره: أن ينهي، وأن يعلم: أن هذا سؤال باطل شرعا وعقلا وهو من باب المكابرة والمباهته؛ لأنه تعالى واجب الوجود، ووجود كل شيء بإيجاده.
стр. 42
ما في الكون تخصيصات كثيرة تدل على أنها بإرادة الله
٣٢- وفي الكون تخصيص كثير يدل من ... له نوع عقل: أنه بإرادة
٣٣- وإصداره عن واحد بعد واحد ... أو القول بالتجويز رمية حيرة
٣٤- ولا ريب في تعليق كل مسبب ... بما قبله من علة موجبية
٣٥- بل الشأن في الأسباب، أسباب ما ترى ... وإصدارها١ عن الحكم محض المشيئة
الشرح
يقول: إن في العالم العلوي والسفلي تخصيصات كثيرة جدا، تدل دلالة عقلية صريحة أنها بإرادة العزيز الحكيم.
مثل جعل بعضها عاليا وبعضها سافلا. وبعضها كبيرا وبعضها صغيرا وبعضها متصلا وبعضها منفصلا، وبعضها على صفة وبعضها على صفة أخرى؛ مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (النور: ٤٥) .
стр. 43
والتخصيصات لا يحيط بها الوصف وكلها تدل على أنها متعلقة بإرادة الله ومشيئته، وأنه الفعال لما يريد.
стр. 44
الرد على الفلافسة القئلين: ((إن الواحد لا يصدرعنه إلا واحد))
...
الرد على الفلاسفة القائلين: "إن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد"
ومن الغلط العظيم والحيرة والضلال قول الفلاسفة: "إن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد".
فإن هذا باطل شرعا وعقلا من وجوه كثيرة؛ ذكرها الشيخ في كتاب العقل والنقل، وفي المنهاج وغيرها من كتبه١ لكن الأمر الذي لا ريب فيه أن كل مسبب لا بد له من سبب وكل معلول لا بد من علة موجبة.
وكل شيء لا بد من مادة قد خلق منها.
لكن جميع الأسباب تنتظم في قضاء الله وقدره، وهي من القضاء والقدر، ولهذا لما قالوا للنبي ﷺ : "يا رسول الله: أرأيت أدوية نتداوى بها ورقي نسترقيها، وتقاة نتقيها؛ هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: " هي من قدر الله "٢.
وثبت في الصحيحين: أن الصحابة ﵃ حين ذكر النبي ﷺ ، القدر السابق قالوا: " يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا
стр. 45
الأول وندع العمل؟
فقال: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة " ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ١ (الليل:٥-١٠)
فبين ﷺ أن السعادة والشقاوة وإن كانت مقدرة مفروغا منها.
فإن الله قدرها بأسبابها، وهو أن الله ييسر أهل السعادة لليسرى، بما فعلوه من الأسباب الثلاثة: وهي قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ وأنه ييسر أهل الشقاوة للعسرى، بما فعلوه من الأسباب الثلاثة وهي: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ .
стр. 46
مشيئته تعالى لا تنافي ما جعله من الأسباب الدنيوية والأخروية
ومشيئته تعالى لا تنافي ما جعله من الأسباب الدنيوية والأخروية.
فقد أخبر في عدة آيات: أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
وفي آيات أخر أخبر بالأسباب التي تنال بها هداية الله، ويستحق بها العبد أن يبقى على ضلاله.
стр. 47
* كقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦] .
* وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] .
* وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [لأنفال:٢٩]
* وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]
* وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]
* وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة: ١٠]
* وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]
* وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]
وهذه الآيات فيها من أسرار القدر في هداية من يهديه وإضلال من يضله ما شهد لله بكمال الحكمة والحمد.
وكذلك أخبر في عدة آيات أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وفي آيات أخر أخبر عن الأسباب التي تنال بها مغفرة الله مثل قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]
والأسباب التي يستحق بها العذاب مثل قوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه:٤٨]
وكذلك أخبر في آيات كثيرة: أنه يرزق لمن يشاء، ويوسع الرزق على
стр. 48
من يشاء ويقبضه على من يشاء، وفي آيات أخر ذكر الأسباب التي ينال بها رزقه؛ مثل قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: ٣) .
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ (الطلاق: ٤) .
كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له أجله فليصل رحمه "١.
وكذلك الأسباب المادية، مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:١٥)
стр. 49
جميع المطالب الدنيوية والأخروية جعل لها أسبابا متى سلكها الإنسان حصل له مطلوبه
وجميع المطالب الدنيوية والأخروية، جعل لها أسبابا متى سلكها الإنسان حصل له مطلوبه؛ وقد جمع النبي ﷺ ذلك، في كلمة واحدة فقال: " احرص على ما ينفعك واستعن بالله "٢.
فقوله: " احرص على ما ينفعك " أي: في دينك ودنياك، واسلك كل طريق يوصلك إلى هذه المنفعة. ولكن لا تتكل على حولك وقوتك بل توكل على الله، واستعن به. فمن فعل ذلك: فهو عنوان سعادته ونجاحه؛ وإلا فلا يلم العبد إلا نفسه.
стр. 50
الاعتراض عن الله فيما يشاء هو الذي أضل عقول الخلق وعلى رأسهم المجوس ومن تابعهم
٣٦- وقولك: لم شاء الإله؟ هو الذي ... أزل١ عقول الخلق في قعر حفرة
٣٧- فإن المجوس القائلين بخالق ... لنفع، ورب مبدع للمضرة
٣٨- سؤالهم عن علة الشر٢، أوقعت ... أوائلهم في شبهة الثنوية
الشرح
يعني: أن هذا السؤال الذي مضمونه الإعراض على الله ومضمونه أيضا الدخول فيما ليس للعقل سبيل إليه لم يزل يضل عقول الخلق ويلقيهم في الهلاك.
وهو الذي أوقع المجوس القائلين: إن الخالق اثنان خالق الخير هو الله، وخالق الشرور هو الشيطان. فأشركوا بالربوبية بعد شركهم في الإلهية فكانوا يعبدون النار، ويستحلون المحارم.
فزاد شركهم على المشركين:
- من جهة استحلال المحارم.
- ومن جهة اعتقادهم: أن إبليس خالق الشر.
стр. 51
فجعلوا رب العالمين اثنين؛ ولهذا يقال لهم: الثنوية١.
والذي أوقعهم في هذا الشر العظيم الذي لم يصل إليه المشركون هذا السؤال؛ فقالوا: كيف يخلق الله الشر؟!
فعلينا أن ننزه الله عن خلق الشر، فأتوا بهذه الطامة الكبرى، والمقالة الشنعاء.
يقول الشيخ ﵀: "فهؤلاء المشككون الذين يقولون: كيف يقدر الله علينا الكفر والمعاصي، ويعذبنا على ذلك؟ قد تابعوا في اعتراضهم، كل كفار عنيد من (المجوس الثنوية) .؛ وكذلك من هم أعظم منهم شرا وجرما ملاحدة الفلاسفة"
стр. 52
ملاحدة الفلاسفة أوقعتهم عقولهم الفاسدة في الهلاك
٣٩- وإن ملاحيد الفلاسفة الأولى ... يقولون بالفعل القديم لعلة
٤٠- بغوا علة للكون١ بعد انعدامه ... فلم يجدوا ذاكم، فضلوا بضلة
فلهذا قال الشيخ:
الشرح
يعني: أن ملاحدة الفلاسفة المعطلين لله ولكتبه ورسله، المكذبين لهم أوقعتهم عقولهم الفاسدة في الهلاك.
حيث حكموها في البحث عن علة إيجاد هذا الكون فلم تهتدي لذلك لقصورها وتقصيرها.
فزعم كثير منهم: "أن هذا العالم قديم، وأنه لم يزل ولا يزال". وبذلك أنكروا وجود الرب العظيم.
ومن باب أولى: أنكروا رسله، وكتبه وتضاربت نظرياتهم الفاسدة فضلوا وأضلوا.
ولقد صدق عليهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر:٨٣]
стр. 53
ثم إن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة في هذه الأوقات أبطلوا بأنفسهم نظرية أسلافهم وأحدثوا لهم نظريات متعددة متضاربة، مبنية على الخرص، والجهل المركب.
ولم يزالوا في اضطراب.
وهذه حالة كل من ترك الحق واستكبر عنه، وتاه بعقله.
قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [قّ:٥]
стр. 54
مبادئ الشر في كل أمة كتابيه، نشأت من مثل هذا الإعراض
ولهذا قال الشيخ:
٤١- وإن مبادي الشر في كل أمة ... ذوي ملة ميمونة نبوية
٤٢- لخوضهم١ في ذاكم، صار شركهم ... وجاء دروس البينات بقترة٢
الشرح:
يعني: وكذلك الأمم الذين ينتسبون للأنبياء كاليهود والنصارى مبادي شرهم وشركهم جنس هذا السؤال، وخوضهم بالباطل، فانحرفوا عن أديان الأنبياء، واتبعوا كل شيطان مريد.
*قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠١]
فأخبر: أنهم تركوا الإيمان بسيد الرسل محمد ﷺ ، وأفضل الكتب وتعوضوا عن ذلك بالعلوم الباطلة، التي هي السحر، ونحوها.
فكل من ترك الأمور النافعة، ابتلي بالأمور الضارة. وكل زهد من بالحق وقع في الباطل. وهذا مطرد في كل زمان ومكان، وكل أمة.
стр. 55
ما ينقض ويلزم القول بالاحتجاج بالقدر على المعاصي
٤٣- ويكفيك نقضا أن ما قد سألته ... من العذر مردود لدى كل فطرة
٤٤- فأنت تعيب الطاعنين جميعهم ... عليك، وترميهم بكل مذمة
٤٥- وتنحل من والاك صفو مودة ... وتبغض من ناواك١ من كل فرقة
٤٦- وحالهم في كل قول وفعلة ... كحالك يا هذا بأرجح حجة
الشرح:
وهذا كما تقدم إلزام ونقص واضح، على من اعتذر عن مخالفته ومعاصيه بالقدر. فإنه في فطرة كل عاقل: أن من ذمك ذمته، ومن عابك عبته، ومن ظلمك في نفسك أو مالك، عاملته معاملة الظالم.
فكيف تعذر نفسك إذا عصيت الله، ولا تعذرهم إذا ذموك، أو ظلموك بل تبغضهم وتذمهم، وتقابلهم على ظلمهم بما تقدر عليه؟! وهذا شيء كل أحد يعرفه. فاتضح بهذا: أن المحتج بالقدر على المعاصي، كما أنه مخالف للشرع والعقل، فهو مخالف للفطرة التي فطر عليها كل أحد. بل هو مكابر مستهزئ.
стр. 56
أمثلة للرد على المعترضين بأقدار الله على المعاصي
ثم أعاد هذه المعاني، بذكر أمثلة توضح المقام، لكونه من أهم المهمات فقال:
٤٧- وهبك كففت اللوم عن كل كافر ... وكل غوي خارج عن محبة
٤٨- فيلزمك الإعراض عن كل ظالم ... على الناس في نفس، ومال، وحرمة
٤٩- فلا١ تغضبن يوما على سافك دما ... ولا سارق مالا لصاحب فاقة
٥٠- ولا شاتم عرضا مصونا، وإن علا ... ولا ناكح فرجا على وجه غية
٥١- ولا قاطع للناس نهج سبيلهم ... ولا مفسد في الأرض في كل وجهة
٥٢- ولا شاهد بالزور إفكا وفرية ... ولا قاذف للمحصنات بزنية٢
٥٣- ولا مهلك للحرث والنسل عامدا ... ولا حاكم للعالمين برشوة
стр. 57
٥٤- وكف لسان اللوم عن كل مفسد ... ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة
٥٥- وسهل سبيل الكاذبين تعمدا ... على ربهم، من كل جاء بفرية
٥٦- وإن قصدوا إضلال من يستجيبهم ... بروم فساد النوع، ثم الرياسة
٥٧- وجادل عن الملعون، فرعون، إذ طغى ... فأغرق في اليم انتقاما بغصة١
٥٨- وكل كفور مشرك بإلهه ... وآخر طاغ كافر بنبوة
٥٩- كعاد، ونمروذ، وقوم لصالح ... وقوم لنوح٢، ثم أصحاب الأيكة
٦٠- وخأصم لموسى، ثم سائر من أتى ... من الأنبياء محييا للشريعة
стр. 58
٦١- على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا ... ونالوا من العاصي١ بليغ العقوبة
٦٢- وإلا فكل الخلق في كل لفظة ... ولحظة عين، أو تحرك شعرة
٦٣- وبطشة كف، أو تخطي قديمة ... وكل حراك، بل وكل سكينة
٦٤- هم تحت أقدار الإله وحكمه ... كما٢ أنت فيما قد أتيت بحجة
الشرح:
هذه الإلزامات التي ذكرها الشيخ في غاية القوة والوضوح، يبطل كل واحد منها اعتذار المعتذرين بالأقدار.
ومثل بأمثلة كثيرة يعرفها كل أحد، لأن كثرة الأمثلة توضح المعاني وتصور المقالات القبيحة بأشنع صورة.
ولأنه لو فرض أنه تأول من ألزم بها بعض هذه الأمثلة باحتمالات ضعيفة، لم يكن له سبيل إلى بقيتها.
فالشيخ يقول لهؤلاء المعارضين، المعترضين بأقدار الله على المعاصي:
стр. 59
يلزمكم أن تعرضوا عن كل ظالم للناس في دمائهم وأعراضهم وأموالهم. فلا تغضبون على من سفك الدماء وأخذ الأموال بالغضب والسرقة، ولا من شتم الأعراض، ولا على الزناة وقطاع الطرق والمفسدين في الأرض ولا قاذف أو شاهد بالزور، ولا من سعى في الأرض، ليهلك الحرث والنسل، ولا من حكم بالرشوة وجار في حكمه.
بل يجب عندهم كف اللسان عن كل مفسد معتد على الخلق.
بل عليك أن تسهل سبيل الكاذبين على ربهم، وتعتذر عنهم، وإن سعوا في إضلال الناس.
بل وجادل عن أئمة الكفر، كفرعون وقارون وهامان، وكل مشرك وكافر، كعاد وثمود، ونمرود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وما أشبههم من الكفار المعاندين.
بل على قول هؤلاء، عليك أن تخاصم جميع الرسل والأنبياء، حيث جاهدوا الناس على الإيمان، وعاقبوا أهل الجرائم، لأن الخلق كلهم في جميع حركاتهم وسكناتهم، ولفظاتهم ولحظاتهم تحت أقدار الله.
وهذا القول الفظيع الذي يفضي إلى هذه المكابرات، والمجاهرة بتكذيب الله ورسله وكتبه حسب الناظر لهذا القول: أن يتصور هذه اللوازم التي هي غاية المشاقة لله ولرسله، وفيها فساد الدين والدنيا والآخرة.
стр. 60
إلزامات أخرى تدحض حجة المعرضين بأقدار الله على المعاصي
٦٥- وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل ... فعال ردى، طردا لهذي١ المقيسة
٦٦- فهل يمكنن٢ رفع الملام جميعه ... عن الناس طرا عند كل قبيحة؟
٦٧- وترك عقوبات الذين قد اعتدوا ... وترك الورى الإنصاف بين الرعية
٦٨- فلا تضمنن نفس ومال بمثله ... ولا يعقبن٣ عاد بمثل الجريمة
٦٩- وهل في عقول الناس، أو في طباعهم ... قبول لقول النذل: ما وجه حيلتي؟!
الشرح
لما ذكر الشيخ تلك الإلزامات التي لا محيد لهم عنها، ألجأهم أيضا إلى إلزامات أخر، فقال: فلو فرض أنك أيها المعتذر بالقدر على المعاصي رفعت اللوم عن العاملين لمعاصي الله، المتجرئين على محارمه: فهل يمكنك طرد ذلك، وترك عقوبات المعتدين، وترك الحدود عن أهل
стр. 61
الجرائم، بحيث لا يضمن القاتل نفسا، ولا الغاضب والمتلف مالا، ولا ينصف الحكام بين رعاياهم إذا قالوا وادعوا أنهم معذورون بالقدر؟!
وهل في عقل أحد أو فطرته، قبول قول الواحد من هؤلاء المجرمين: ما وجه حيلتي، وأنا معذور؟ فإني وإن خالفت الشرع فقد وافقت القدر؟
وهل هذا إلا تلاعب محض، وتهكم صرف؟!
стр. 62
أمثلة أخرى للرد على المحتجين بأقدار الله على المعاصي
ثم قال:
٧٠- ويكفيك نقضا: ما بجسم ابن آدم ... صبي، ومجنون، وكل بهيمة:
٧١- من الألم المقضي من١ غير حيلة ... وفيما يشاء الله أكمل حكمة
٧٢- إذا كان في هذا له حكمة، فما ... يظن بخلق الفعل، ثم العقوبة؟
٧٣- فكيف٢، ومن هذا عذاب مولد ... عن الفعل، فعل العبد عند الطبيعة؟
٧٤- كآكل سم، أوجب الموت أكله ... وكل بتقدير لرب المشيئة٣
٧٥- فكفرك يا هذا؛ كسم أكلته ... وتعذيب نار. مثل جرعة غصة
٧٦- ألست ترى في هذه الدار من جنى ... يعاقب. إما بالقضا. أو بشرعة؟
стр. 63
٧٧- ولا عذر للجاني بتقدير خالق ... كذلك في الأخرى بلا مثنوية
الشرح:
يعني: أنه يكفيك نقضا لقولك، وإبطالا له: أن الله تعالى يقضي بحكمته الآلام على غير المكلفين، من الصبيان والمجانين والبهائم.
وهذه الآلام من لوازم الطبيعة: فلا تنفك الطبائع إلا أن تكون على هذه الصفة، تكون صحيحة ومريضة، ومرتاحة ومتألمة، بحسب ما يعرض للطبيعة من استقامة وانحراف.
فإذا كانت أسباب الآلام، إذا وجدت، تولدت عنها الآلام، وترتبت عليها الأسقام، كمن أكل سما ترتب عليه الهلاك، أو ألقى نفسه في نار أو مهلكة، لابد أن يترتب عليه مقتضاه وأثره.
فإذا كنت لا تعذر من أكل سما أو ألقى نفسه في التهلكة، وتنسب هلاكه إلى عمله، فالكفر والمعاصي كذلك، بل أبلغ، لأن آكل السم والملقي نفسه بالهلكة، ربما يعرض بعض العوارض المانعة من الهلاك. بخلاف الكفر وتوابعه، فإن آثاره مترتبة عليه قطعا، إلا إذا رفعها العبد بتوبة نصوح.
стр. 64
ومما يؤيد هذا: أنك تشاهد في هذه الدار عقوبات الباغين والظالمين والمعتدين، عقوبات يشاهدها كل أحد:
العقوبات القدرية
* إما عقوبات قدرية: يوقعها الله بالمجرمين، كما أهلك الأمم السابقة بالعقوبات المتنوعة؛ وكما يشاهده من سبر أحوال الخلق، وتتبع ما جرياتهم وكيف كانت عواقب الباغين والمجرمين أشنع العواقب.
العقوبات الشرعية
* وإما عقوبات شرعية: يقتل القاتل، ويقطع السارق ويقام الحد بالرجم أو الجلد على الزنى ويجلد الشارب للخمر ويعذر في كثير من المعاصي.
فهل تقول أيها المعتذر على العاصين بالقدر: إن جميع هؤلاء قد ظلمهم الله حيث أوقع بهم هذه العقوبات، وحيث أحل بهم المثلات؟
فإن قلت ذلك: فقد بلغت من عداوة الله وعداوة رسله، ومحاربة الله مبلغا ما بلغه أحد.
وإن رجعت إلى الحق وقلت: إن هذه العقوبات القدرية والشرعية هي عدل الله بين عباده، وهي حكمنه التي وضعها الله موضعها وجعلها في محلها اللاحق بها؛ وليس لهؤلاء الجناة المعاقبين عذر بل أصابهم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير.
فالرجوع إلى الحق أحق. وبذلك وغيره؛ يتضح بطلان الاعتذار بالقدر عن المجرمين.
стр. 65
كما جعل الله الذنوب والجرائم أسبابا للعقوبات، فقد جعل الله التوبة وأعمال الخير أسبابا للعفو
وشبيه بهذا أيضا قول الشيخ:
٧٨- وتقدير رب الخلق للذنب١ موجب ... بتقدير٢ عقبى الذنب إلا بتوبة
٧٩- وما٣ كان من جنس المتاب لرفعه ... عواقب أفعال العباد الخبيثة
٨٠- كخير٤ به تمحى الذنوب. ودعوة ... تجاب٥ من الجاني. ورب شفاعة
٨١- وتقديره للفعل يجلب نعمة٦ ... كتقديره الأشياء٧ طرا بعلة
الشرح
يعني: كما جعل الله الذنوب والجرائم أسبابا للعقوبات، فقد جعل الله التوبة وأعمال الخير والدعوات والشفاعات؛ تمحى بها الذنوب وتكشف بها الكروب.
فالله تعالى بحكمته ورحمته جعل أعمال العباد خيرها وشرها
стр. 66
تترتب عليها آثارها، وتحصل موجباتها عاجلا وآجلا.
فكم جلبت أفعال الخير من نعم؟
وكم دفعت من نقم؟
كذلك أفعال الشر؛ كم حصل بها من عقوبات؟
وكم ترتب عليها من شرور ومصائب.
فهذه أمور لا بد منها في قدر الله، وفي حكمه الشرعي، وحكمه الجزائي الذي يحمد عليه لما فيه من العدل والفضل.
стр. 67
اعتذار المجرم بأن الذنب مقدر عليه، مثل قول الحيوان المفترس والشرير: "هذه طبيعتي فلا لوم علي "
...
ثم قال الشيخ ﵀:
٨٢- وقول حليف الشر: إني مقدر ... علي. كقول الذئب: هذي طبيعتي
٨٣- فهل ينفعن عذر الملوم ١. بأنه ... كذا طبعه. أم هل يقال لعثرة؟
٨٤- أم الذم والتعذيب أوكد للذي ... طبيعته فعل الشرور الشنيعة؟
الشرح
يعني: أن المجرم إذا اعتذر بذلك العذر المردود، وقال: "إن الذنب مقدر علي" فهو مثل قول الذئب والسبع المفترس، ومثل الشرير: إذا فعل الشر والعدوان والبغي، وقال: "هذه طبيعتي فلا لوم علي".
فهل يرفع هذا القول عنه الملام والعقاب أم يكون لومه أشد وعقوبته أوكد لأنه عمل العمل القبيح واتصف بالخلق القبيح فكان أغظ جرما وأشد عقوبة ممن فعل جرما عارضا؛ فإنه يرجى له الرجوع والتوبة بخلاف الشرير، الذي طبيعته وقوته متوجهة إلى الشرور والمعاصي.
стр. 68
ما ينجي المكلف من هذا المأزق الحرج
ثم ذكر الشيخ ما ينجي العبد من هذا المأزق الحرج، فقال:
٨٥- فإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى ... ينجيك من نار الإله العظيمة
٨٦- فدونك رب الخلق، فاقصده ضارعا ... مريدا لأن يهديك نحو الحقيقة
٨٧- وذلل قياد النفس للحق، واسمعن ... ولا تعص من يدعو لأقوم شرعة١
٨٨- ودع دين ذي العادات، لا تتبعنه ... وعج عن سبيل الأمة الغضبية٢
٨٩- وما بان من حق فلا تتركنه ... ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة
٩٠ - ومن ضل عن حق فلا تقفونه٣ ... وزن ما عليه الناس بالمعدلية
٩١- هنالك تبدو طالعات من الهدى ... بتبشير٤ من قد جاء بالحنيفية
стр. 69
٩٢- بملة إبراهيم. ذاك إمامنا ... ودين رسول الله خير البرية
٩٣- فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذي ... به جاءت الرسل الكرام السجية
٩٤- وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي ... حوى كل خير في عموم الرسالة
٩٥- وأخبر عن رب العباد بأن من ... غدا عنه في الأخرى بأقبح خيبة
٩٦- فهذي دلالات العباد لحائر ... وأما هداه١ فهو فعل الربوبية
٩٧- وفقد الهدى عند الورى لا يفيد من ... غدا عنه، بل يجزى٢ بلا وجه حجة
الشرح
هذه نصائح نفيسة من نصائح الشيخ، مسندة إلى الكتاب والسنة.
يقول: إذا كنت أيها العبد تريد نجاتك من عذاب الله والفوز بثوابه
стр. 70
فاقصد ربك، متضرعا له آناء الليل والنهار واسأله أن يهديك الصراط المستقيم، ووطن نفسك للانقياد للحق، واقبله ممن قاله؛ وكن ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه.
ودع عنك دين العادات، واقتداء بأهل الغضب والضلال.
وأكثر من التدبر لكتاب الله وسنة نبيه؛ ثم ما بان لك من الحق فاتبعه غير مبال بخلاف المخالفين.
واجعل كتاب الله وسنة نبيه نصب عينيك، وزن بهما أحوالك وأحوال غيرك؛ فإنهما الميزان العادل غير العائل فإنك إذا فعلت ذلك، حصلت لك تباشير الخير، وأمارات السعادة.
واتبع ملة إبراهيم حنيفا، مائلا عن جميع الأديان والبدع، إلى دين محمد ﷺ ؛ فإن الله لا يقبل من أحد دينا سوى الدين الذي ارتضاه لرسله وأتباعهم، حتى ختمهم بإمامهم وسيدهم محمد ﷺ ؛ الذي جمع الله به وله من المحاسن والكمالات، ما لم تجتمع في غيره وقد أخبر عن ربه أن من اتبعه فهو المهتدي السعيد، ومن تولى عنه فهو الضال الطريد.
ثم قال: وهذا الذي بينته في هذه الأبيات؛ فيه الدلالة للحيران والتفاصيل التي يحصل بها الفرقان، والهداية بيد الله؛ لكنه من أقبل على الله صادقا، وعمل بأسباب الهداية، فلا بد أن يقبله الله ويسلك به الصراط المستقيم.
стр. 71
احتجاج المحتج بتقدير الرب يزيده عذابا
٩٨- وحجة محتج بتقدير ربه ... تزيد١ عذابا، كاحتجاج مريضة
الشرح
وذلك لأنه عمل في الحقيقة جرمين، بل ثلاثة:
أحدهما: فعله للذنب.
ثانيا: احتجاجه عليه بالقدر.
وهو كذب؛ فإن مضمون الاحتجاج بالقدر؛ يعني: أن الله اضطره وألجأه إليه، وأكرهه عليه، وهو لا يريد الذنب. وهو كذب صريح: فإن الله مكنه من الترك. بل فتح له كل باب يصده عن الذنب؛ وقد أبت نفسه الأمارة بالسوء إلا أن توقعه في الذنب. فالملام عليه لا على ربه.
ثالث: أنه بهذا الإعتذار، يمهد على نفسه الإصرار على الذنوب، والإقامة على ما يسخط علام الغيوب.
فإن هذا الإعتذار يهون عليه كل ذنب، كما هو مشاهد.
стр. 72
الرد على من احتج على المعاصي: بأنها من قضاء الله الذي يجب الرضا به
٩٩- وأما رضانا بالقضاء فإنما ... أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة
١٠٠- كسقم، وفقر، ثم ذل، وغربة ... وما كان من مؤذ١، بدون جريمة
١٠١- فأما الأفاعيل التي كرهت لنا ... فلا نص يأتي في رضاها بطاعة٢
١٠٢- وقد قال قوم من أولي العلم: لا رضا ... بفعل المعاصي والذنوب الكبيرة٣
١٠٣-[فإن إله الخلق لم يرضها لنا ... فلا نرتضي مسخوطة لمشيئة] ٤
١٠٤- وقال فريق: نرتضي بقضائه ... ولا نرتضي المقضي أقبح خصلة٥
١٠٥- وقال فريق نرتضي بإضافة ... إليه. وما فينا فنلقي بسخطة٦
стр. 73
١٠٦- كما أنها للرب خلق، وأنها ... لمخلوقه، ليست١ كفعل الغريزة
١٠٧- فنرضى من الوجه الذي هو خلقه ... ونسخط من وجه اكتساب الخطيئة٢
الشرح
يعني: إذا أورد المورد علينا: أنه يجب الرضا بقضاء الله.
يعني: والمعاصي من قضاء الله، فقد أجاب الشيخ بأربعة أجوبة كل واحد منها كاف شاف، فكيف إذا اجتمعت:
أحدها: أن الذي أمرنا أن نرضى به المصائب دون المعائب.
فإذا أصبنا بمرض أو فقر، أو نحوهما من حصول مكروه، أو فقد محبوب فيجب علينا الصبر على ذلك.
واختلف في وجوب الرضا.
والصحيح: استحبابه، لأنه لم يثبت ورود الأمر به على وجه الوجوب ولتعذره على أكثر النفوس لأن الصبر: حبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى والأعضاء عن عملها بمقتضى السخط، من نتف الشعر وشق الجيوب وحثو التراب على الرؤوس ونحوها.
стр. 74
وذلك واجب مقدور.
وأما الرضا الذي هو مع ذلك: طمأنينة القلب عند المصيبة، وأن لا يكون فيه تمني أنها ما كانت فهذا صعب جدا على أكثر الخلق، فلهذا لم يوجبه الله ولا رسوله، وإنما هو من الدرجات العالية، وهو مأمور به أمر استحباب.
وأما الرضا بالذنوب والمعائب، فلم نؤمر بالرضا بها، ولم يأت نص صحيح أو ضعيف في الأمر بها، فأين هذا من ذاك؟!.
الجواب الثاني: ما قاله طائفة من أهل العلم: إن الله لم يرضى لنا أ، نكفر ونعصي، فعلينا أ، نوافق ربنا في رضاه وسخطه.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] .
فالدين موافقة ربنا في كراهة الكفر والفسوق والعصيان مع تركها وموافقته في محبة الشكر والإيمان والطاعة لنا نع فعلها.
الجواب الثالث: أن القضاء غير المقضي.
فنرضى بالقضاء، لأنه فعله تعالى.
وأما المقضي الذي هو فعل العبد فينقسم إلى أقسام كثيرة:
١- الإيمان والطاعة: علينا الرضا بها.
٢- الكفر والمعصية: لا يحل لنا الرضا بها، بل علينا أن نكرهها
стр. 75
ونفعل الأسباب التي ترفعها من التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية وإقامة الحد والتعزيز على من فعلها.
١- والمباحات: مستوية الطرفين.
الجواب الرابع: أن الشر والمعاصي تختلف إضافتها، فهي من الله: خلقا وتقديرا وتدبيرا، وهي من العبد: فعلا وتركا.
فحيث أضيفت إلى الله قضاء وقدرا نرضى بها من هذا الوجه
وحيث أضيفت إلى العبد: نسخطها، ونسعى بإزالتها بحسب مقدورنا.
فهذه الأجوبة عن الأمر بالرضا بالقضاء، قد اتضح أنها لا تدل على شيء من مطلوب المعترض.