← Акыда

Акыда · id 7614

الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (106 стр.). Показаны 71–106 · переход к 76.

стр. 71

احتجاج المحتج بتقدير الرب يزيده عذابا ٩٨- وحجة محتج بتقدير ربه ... تزيد١ عذابا، كاحتجاج مريضة الشرح وذلك لأنه عمل في الحقيقة جرمين، بل ثلاثة: أحدهما: فعله للذنب. ثانيا: احتجاجه عليه بالقدر. وهو كذب؛ فإن مضمون الاحتجاج بالقدر؛ يعني: أن الله اضطره وألجأه إليه، وأكرهه عليه، وهو لا يريد الذنب. وهو كذب صريح: فإن الله مكنه من الترك. بل فتح له كل باب يصده عن الذنب؛ وقد أبت نفسه الأمارة بالسوء إلا أن توقعه في الذنب. فالملام عليه لا على ربه. ثالث: أنه بهذا الإعتذار، يمهد على نفسه الإصرار على الذنوب، والإقامة على ما يسخط علام الغيوب. فإن هذا الإعتذار يهون عليه كل ذنب، كما هو مشاهد.

стр. 72

الرد على من احتج على المعاصي: بأنها من قضاء الله الذي يجب الرضا به ٩٩- وأما رضانا بالقضاء فإنما ... أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة ١٠٠- كسقم، وفقر، ثم ذل، وغربة ... وما كان من مؤذ١، بدون جريمة ١٠١- فأما الأفاعيل التي كرهت لنا ... فلا نص يأتي في رضاها بطاعة٢ ١٠٢- وقد قال قوم من أولي العلم: لا رضا ... بفعل المعاصي والذنوب الكبيرة٣ ١٠٣-[فإن إله الخلق لم يرضها لنا ... فلا نرتضي مسخوطة لمشيئة] ٤ ١٠٤- وقال فريق: نرتضي بقضائه ... ولا نرتضي المقضي أقبح خصلة٥ ١٠٥- وقال فريق نرتضي بإضافة ... إليه. وما فينا فنلقي بسخطة٦

стр. 73

١٠٦- كما أنها للرب خلق، وأنها ... لمخلوقه، ليست١ كفعل الغريزة ١٠٧- فنرضى من الوجه الذي هو خلقه ... ونسخط من وجه اكتساب الخطيئة٢ الشرح يعني: إذا أورد المورد علينا: أنه يجب الرضا بقضاء الله. يعني: والمعاصي من قضاء الله، فقد أجاب الشيخ بأربعة أجوبة كل واحد منها كاف شاف، فكيف إذا اجتمعت: أحدها: أن الذي أمرنا أن نرضى به المصائب دون المعائب. فإذا أصبنا بمرض أو فقر، أو نحوهما من حصول مكروه، أو فقد محبوب فيجب علينا الصبر على ذلك. واختلف في وجوب الرضا. والصحيح: استحبابه، لأنه لم يثبت ورود الأمر به على وجه الوجوب ولتعذره على أكثر النفوس لأن الصبر: حبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى والأعضاء عن عملها بمقتضى السخط، من نتف الشعر وشق الجيوب وحثو التراب على الرؤوس ونحوها.

стр. 74

وذلك واجب مقدور. وأما الرضا الذي هو مع ذلك: طمأنينة القلب عند المصيبة، وأن لا يكون فيه تمني أنها ما كانت فهذا صعب جدا على أكثر الخلق، فلهذا لم يوجبه الله ولا رسوله، وإنما هو من الدرجات العالية، وهو مأمور به أمر استحباب. وأما الرضا بالذنوب والمعائب، فلم نؤمر بالرضا بها، ولم يأت نص صحيح أو ضعيف في الأمر بها، فأين هذا من ذاك؟!. الجواب الثاني: ما قاله طائفة من أهل العلم: إن الله لم يرضى لنا أ، نكفر ونعصي، فعلينا أ، نوافق ربنا في رضاه وسخطه. قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] . فالدين موافقة ربنا في كراهة الكفر والفسوق والعصيان مع تركها وموافقته في محبة الشكر والإيمان والطاعة لنا نع فعلها. الجواب الثالث: أن القضاء غير المقضي. فنرضى بالقضاء، لأنه فعله تعالى. وأما المقضي الذي هو فعل العبد فينقسم إلى أقسام كثيرة: ١- الإيمان والطاعة: علينا الرضا بها. ٢- الكفر والمعصية: لا يحل لنا الرضا بها، بل علينا أن نكرهها

стр. 75

ونفعل الأسباب التي ترفعها من التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية وإقامة الحد والتعزيز على من فعلها. ١- والمباحات: مستوية الطرفين. الجواب الرابع: أن الشر والمعاصي تختلف إضافتها، فهي من الله: خلقا وتقديرا وتدبيرا، وهي من العبد: فعلا وتركا. فحيث أضيفت إلى الله قضاء وقدرا نرضى بها من هذا الوجه وحيث أضيفت إلى العبد: نسخطها، ونسعى بإزالتها بحسب مقدورنا. فهذه الأجوبة عن الأمر بالرضا بالقضاء، قد اتضح أنها لا تدل على شيء من مطلوب المعترض.

стр. 76

بيان حقيقة معصية المكلف، وأن الله قد وضع أسبابا لأفعال العباد، وأن حكمته اقتضت افتراقهم بالعلم والجهل وما إلى ذلك ثم قال الشيخ: ١٠٨- ومعصية العبد المكلف تركه ... لما أمر المولى، وإن بمشيئة ١٠٩- فإن إله الخلق حق مقاله ... بأن العباد١ في جحيم وجنة ١١٠- كما أنهم في هذه الدار هكذا ... بل البهم في الآلام أيضا ونعمة الشرح يعني: أن معصية العبد: تركه لما أمر الله به ورسوله، وإن كان ذلك بمشيئة الله. فالله تعالى شاءه وأراده: لما له في ذلك من الحكمة، ولعلمه تعالى أن العبد يفعله باختياره ومرا غمته لربه. فلا حجة له في ذلك. وقد أخبر الله تعالى: أن الأبرار لفي نعيم، وأن الفجار لفي جحيم، في دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، إما الجنة أو النار. بل البهائم في الدنيا، منها ما هو منعم، ومنها ما هو مريض أو مصيبه شيء من الآلام. ولذلك كله أسباب وطرق معروفة، يحمد المولى بوضعه الأسباب المنوعة، مفضية إلى مسبباتها.

стр. 77

خلق الله للعبد مشيئة يتمكن بها من كل ما يريد ولهذا قرر الشيخ هذا المقام بقوله: ١١١- وحكمته العليا اقتضت ما اقتضت ... فروق١ بعلم ثم أيد ورحمة ١١٢- يسوق أولي التعذيب بالسبب الذي ... يقدره نحو العذاب بعزة ١١٣- ويهدي أولي التنعيم نحو نعيمهم ... بأعمال صدق، في رجاء وخشية ١١٤- وأمر إله الخلق بين٢ ما به ... يسوق أولي التنعيم نحو السعادة ١١٥- فمن كان من أهل السعادة أثرت ... أوامره فيه بتيسير صنعة ١١٦- ومن كان من أهل الشقاوة لم يبل٣ ... بأمر ولا نهي بتيسير ٤ شقوة ١١٧- ولا مخرج للعبد عما به قضي ... ولكنه مختار حسن وسوأة

стр. 78

١١٨- فليس بمجبور عديم إرادة١ ... ولكنه شاء بخلق الإرادة٢ الشرح: يعني: أن حكمة الرب العليا اقتضت افتراق العباد: بالعلم والجهل والعمل والكسل. والنعيم وضده. وذلك: بحسب عملهم بالأسباب النافعة أو الأسباب الضارة. فإن الله دعا إلى دار السلام، وبين طريقها، وأعمال البر الموصلة إليها التي مرجعها إلى ثلاثة أمور: ١- تصديق خبر الله ورسوله. ٢- وامتثال أمر الله ورسوله، واجتناب نهيهما. ٣- وأمر العباد بسلوكها. وأخبر بما لهم عنده من الكرامة. *فمن كان من أهل السعادة: يسره لعمل أهل السعادة، وحبب إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، فسار يحسن طريقه إلى سعادته الأبدية. ومن كان من أهل الشقاوة: لم يبال بأمر الله ولا نهيه، بل كذب

стр. 79

وتولى، فاستحق العذاب بجرمه وذنوبه. بين الله له الهدى، وأمره بسلوكه فأدبر وتولى، فولاه الله ما تولى لنفسه، ووكله إليها. ومن وكل إلى نفسه الأمارة بكل سوء، الظالمة الجاهلة: فقد هلك، وذلك بما كسبت يداه، ليس بمجبور على ذلك ولا مكروه ولا مقسور، بل هو مختار مسرف كفور.

стр. 80

الرد على من قال: هل اختار ترك حكم الله وقدره؟ وهو ختام رد الناظم ولهذا قال الشيخ: ١١٩- ومن أعجب الأشياء: خلق مشيئة ... بها صار مختار الهدى بالضلالة ١٢٠- فقولك: هل اختار تركا لحكمة١؟ ... كقولك: هل اختار ترك المشيئة؟ ١٢١- وأختار [أن] ٢ لا اختار فعل ضلالة ... ولو نلت هذا الترك فزت بتوبة ١٢٢- وذا ممكن، لكنه متوقف ... على ما يشاء الله من ذي المشيئة الشرح: يقول الشيخ: إن من أعجب الأشياء: أن خلق الله للعبد مشيئة يتمكن بها من كل ما يريد. فيختار بها الهدى، إن كان من أهل السعادة ويختار بها الضلالة، إن كان من أهل الشقاوة. والعبد هو الذي يفعل ويعمل ويكسب: من غير ممانع له عما يريده. فقولك أيها المعترض عليه: هل أختار ترك حكم الله وقدره؟ مثل قولك: هل أختار ترك مشيئتي؟

стр. 81

يعني: فأنت الذي اخترت أفعال المعاصي، فلو زعمت: أنك لا تختار ولا تحب فعل الضلالة والغي، فأنت بين أمرين: *إما أن تكون كاذبا، وهو الواقع على كل من يعترض على المعاصي بالقدر ولكنه يريد بهذا الكلام دفع الشنعة عليه، وقصده معروف، فهو يعرف من نفسه: أنه لا يختار ولا يحب أن يترك ما باشره من الكفر والإجرام. *فلو فرض وقدر على وجه الإمكان أنه صادق في قوله: "إني أختار أن لا أختار فعل الضلالة"، وكان ذلك من صميم قلبه صادقا في ذلك لو كان الأمر كذلك، لكان هذا توبة. لأن العبد متى كانت له إرادة مصممة على فعل ما يحبه الله، وعلى ترك ما يكرهه الله: أقبل بهذه الإرادة إلى الخيرات، وانصراف عن السوء والسيئات، وكان توبة له من جميع الموبقات. ولكن من وفق لهذه الحال، كان أبعد الناس عن الاحتجاج بالقدر. والوصول إلى هذه الدرجة العالية، ممكن في حق كل أحد، ولكنه يتوقف على مشيئة الله وإرادته. ومن لجأ إلى الله وأناب إليه، هداه الله، وشاء منه أن يفعل ما يحبه ويرضاه. وأشار الشيخ إلى هذا الفرق اللطيف، بقوله: "على ما يشاء الله من ذي المشيئة"

стр. 82

و"ذو المشيئة": هو العبد. وهذا الفرق اللطيف هو: أنه إن شاء الله تعالى أن يعين عبده على فعل ما يحبه ويرضاه، وشاء من عبده ذلك الفعل: حصل المطلوب، وفاز العبد بكل مرغوب. وإن لم يشأ تعالى إعانة عبده، بل أمره بالخير وأحب منه أن يفعله، ونهاه عن الشر وكره له فعله، ولكن لم يشأ من نفسه لإعانته: بقي العبد على ما اختاره لنفسه: من الإقامة على مساخط الله.

стр. 83

خاتمة الناظم في أن هذه الأجوبةتبين أصل القدر الذي هو أحد أصول الإيمان قال الشيخ بعدما أجاب بهذه الأجوبة السديدة، والمعارف المفيدة: ١٢٣- فدونك فافهم ما به قد أجبت به١ ... معان إذا انحلت بفهم غريزة ١٢٤-[وصلى إله الخلق ﷻ ... على المصطفى المختار خير البرية] ٢ ١٢٥- أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى ... ولله رب الخلق أكمل مدحة٣ الشرح: أي: دونك هذه الأجوبة لما سألت عنه، سواء كان السؤال سؤال استرشاد، أو سؤال اعتراض وعناد، كما هو الظاهر من ألفاظ السائل وفحوى كلامه. وهو الذي فهمه الشيخ. فهذه الأجوبة: التي تشير وتبين هذا الأصل، وهو أصل القدر، الذي هو أحد أصول الإيمان. وقد بين الشيخ في تفاصيل جوابه هذا الأصل بيانا شافيا، ووضحه توضيحا كافيا، لا نجد هذا التفصيل وهذا التحقيق، في كلام غير هذا الإمام العظيم.

стр. 84

فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين عموما، وأهل العلم خصوصا أفضل الجزاء، ورفعه في أعلا درجات الصديقين، ونفع بعلومه جميع المسلمين. آمين.

стр. 85

خاتمة: في ذكر أمثلة متنوعة تكشف لك مسألة القضاء والقدر حيث كان المقام من أهم الأمور، وقد حارت فيه أفهام كثير من الأذكياء، ولم يهتد إلى الصواب المحض كثير من العلماء. وكثير منهم يأخذ مسائله على وجه التقليد: غير مقتنع بوجه يجمع فيه بين الإيمان بشمول القضاء والقدر، مع أن العبد هو الفاعل حقيقة لفعله وهو الممدوح أو الملوم على كسبه. مع أن الشيخ ﵀ حقق هذا المقام في هذا النظم، غاية التحقيق، وبين فيه الهدى من الضلال، حتى وضح الطريق، لكن الأمثلة تزيد البصير بصيرة، وتزيل عن الشاك الطالب للحق الريب والحيرة. ولهذا، نقول في ضرب الأمثلة المتعلقة بهذه المسألة العظيمة:

стр. 86

المثال الأول: ﴿محاورة رجل عاص مسرف وصاحب له مخلص﴾ ... المثال الأول: [محاورة بين رجل عاص مسرف وصاحب له مخلص] ١. رجل كان مسرفا على نفسه، كثير الجراءة على المعاصي. فقال له صاحبه وهو يناصحه ويحاوره: أما ترتدع عما أنت عليه؟ أما تتوب إلى ربك وتنيب إليه؟ أما علمت أن عقابه شديد على العاصين؟ فقال المسرف: دعني أتمتع فيما أريد، فلو شاء الله لهداني، ولو أراد لي غير ذلك لما أغواني. فقال له الناصح: بهذا الاعتذار الكاذب ازداد جرمك، وتضاعف ذنبك، فإن الله لم يغوك، بل الذي أغواك: الشيطان مخاطبا لربه ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [صّ:٨٣] . فالشيطان دعاك إلى المعاصي فأجبته. والله دعاك إلى الهدى فعصيته. بين الله لك السعادة وطرقها، وسهل أسبابها ورغبك فيها، ووضح لك طريق الشقاوة، وحذرك من سلوكها واتباع خطوات الشيطان. وأخبرك بما تؤول إليه: من العذاب الشديد، فرضيت، واستبدلت الضلالة بالهدى، والشقاوة على السعادة.

стр. 87

وجعل لك قدرة وإرادة: تختار بهما، وتتمكن بهما، وتتمكن بهما من كل ما تريد. ولم يلجئك لفعل المعاصي، ولا منعك من الخير. فسلكت طريق الغي وتركت طريق الرشد. فلا تلم إلا نفسك. أما سمعت ما يقول الداعي لأتباعه يوم القيامة حيث يقوم خطيبا فيهم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] . فقال المسرف: كيف أستطيع أن أترك ما أنا فيه: والله هو الذي قدره علي؟!. وهل يمكنني الخروج عن قضائه وقدره؟ فقال له الناصح: نعم يمكنك الخروج بقدره. فالتوبة والإقلاع عما أنت فيه وأنت تعلم علما لا شك فيه من قدر الله فارفع قدر الله بقدره. ثم إن قولك: "إن المعاصي الواقعة مني من قدر الله". إن أردت: أن الله أجبرك عليها وحال بينك وبين الطاعة؛ فأنت كاذب وأول من يعلم كذبك نفسك. فإنك تعلم كل العلم أنك لو أردت ترك الذنوب لما فعلتها، ولو أردت إرادة جازمة فعل الواجبات لفعلتها؛ فلقد أقدمت على

стр. 88

المعاصي برغبة منك ومحبة لها، وإرادة لا شك ولا يشك غيرك فيها. وتعلم أن قولك: "إنها بقضاء الله وبقدره"؛ دفع للوم عنك. فهل تقبل هذا العذر: لو ظلمك ظالم أو تجرأ عليك متجرئ وقال: إني معذور بالقدر؛ فلا تلمني؟ أما يزيدك كلامه هذا حنقا وتعرف أنه متهكم بك؟! فقال المسرف: بلى هذا الواقع. فقال الناصح: كيف ترضى أن تعامل ربك الذي خلقك وأنعم عليك النعم الكثيرة بما لا ترضى أن يعاملك به الناس؟! وإن أردت بقولك: "إنها بقضاء وقدر"؛ بمعنى: أن الله علم مني سأقد عليها، وأعطاني قدرة إرادة أتمكن بهما من فعلها؛ وأنا الذي فعلت المعاصي بما أعطاني ربي من القوى التي مكنني فيها من المعاصي. وأعلم: أنه لم يجبرني ولم يقهرني وإنما أنا الذي فعلت وأنا الذي تجرأة فقد رجعت إلى الحق والصواب واعترفت بأن لله الحجة البالغة على عباده.

стр. 89

المثال الثاني: [استرشاد رجل بعض العلماء إلى أمر يطمئن له في أمر القدر] رجل جاء لبعض العلماء، فقال له:"أحب أن ترشدني إلى أمر يطمئن له قلبي. وتقنع به نفسي، من جهة القضاء والقدر. فإني لا أشك الله جميع الحوادث بقضاء الله وقدره: وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وأعلم مع ذلك أن أفعالي كلها باختياري وإرادتي، وأنا الذي عملتها. هذا أمر ضروري، لاشك فيه، وأعتقد أنه لا يشك فيه أحد ولكن: أحب طريقة تهديني إلى كيفية الجمع بين الأمرين". فقال العالم: الجواب المقنع في هذه المسألة: أنك إذا علمت أن الله خلقك وخلق أعضاءك الظاهرة والباطنة: هذا أمر لا تشك فيه ولا يشك فيه مسلم. ومن أعظم الأعضاء الباطنة: أن الله جعلك مريدا لكل ما تحبه كارها لما تبغضه، إجمالا وتفصيلا، وأن الله أعطاك قدرة، توقع بها جميع ما تريد فعله، وتنكف بها عما تريد تركه، فأنت تعترف بذلك ولا تستريب فيه، وتعرف مع ذلك أنك إذا أردت أمرا من الأمور إرادة جازمة، وأنت تقدر عليه، فعلته من دون توقف. حتى إن الأمور المستقبلة التي تريد فعلها إرادة جازمة تقول فيها: سأفعل إن شاء الله كذا، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] . فإذا اعترفت بذلك كله يعني: اعترفت بأنه تعالى خلقك وخلق قولك

стр. 90

الظاهرة والباطنة، ومكنك من كل ما تريد بما أعطاك من قدرة ومشيئة وأنت الذي تختار وتفعل أو تترك. فقد جمعت بين الأصلين: ١-الاعتراف بعموم قدر الله ٢-وأن أفعالك كلها من كسبك. وأنه إن وفقك للخير فبفضله وتيسيره، وإن لم يوفقك بل وكذلك إلى نفسك فلا تولمن إلا نفسك. ومعرفة هذه المقدمات سهلة بسيطة، وبها يحصل لك الاقتناع التام. ففعلك داخل في عموم قدرة الله وخلقه، لأن خالق السبب التام، هو الخالق للمسبب، والسبب التام: قدرتك وإرادتك، والله هو الذي خلقهما، وأنت الذي تفعل بهما. وإنما الإشكال الذي لا يمكن حله لبطلان أحد أصليه اعتقادك أنك مجبور على أفعالك، فهذا الذي لا يمكن العبد أن يعرف معه: أن الأفعال أفعاله. وهذا يعلم بطلانه بالضرورة، كما سبق بيانه. فقال الرجل السائل المسترشد: لقد وضحت المسألة وضوحا لا أشك فيه، علمت بأن الله خلقني، وخلق جميع أوصافي، وخلق الأسباب التي أتمكن بها من الأفعال، وأنا الذي أفعل وأطيع، إن ساعدني الله بتوفيقه. أعصي وأغفل، إن وكلني إلى نفسي. فقال العالم: وأزيدك إيضاحا وبيانا لهذا السؤال:

стр. 91

قال الله لخيار المؤمنين: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] . فلم يقل: فإن الله أجبرهم على الإيمان إلى آخره. ولكنه تعالى لما علم حالة النفس وأنها ظالمة جاهلة أمارة بالسوء، لطف بالمؤمنين وحبب إليهم قلوبهم الإيمان وزينه فيها فانقادت إلى الخيرات باختيارها؛ لما جعل الله في قلوبهم من الأوصاف الجليلة. ولما كره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، انصرفوا عنها؛ لكراهتهم لها وكان هذا لطفا وكرما منه. وأما الآخرون: فلم يجعل لهم نصيبا من هذا اللطف، فانحرفوا باختيارهم وكانوا هم السبب لأنفسهم. حيث كانت مقاصدهم فاسدة؛ وحيث عرض عليهم الخير فرفضوه واعترض لهم الشر والغي فاختاروه؛ فولاهم الله ما تولوا لأنفسهم: واللوم كله عليهم، والحجة البالغة لله على العباد كلهم: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] . وأزيدك إيضاحا وبيانا: أليس تفرق ويفرق كل أحد بين حركة المرتعش بغير اختياره؛ وبين حركة الباطش والكاتب باختياره؛ وتعلم أن الأخير فعل العبد حقيقة، والأول مقسور عليه، وما أشبه ذلك من الحركات التي من هذا النوع تفرق بين الحركة الاختيارية، والحركة الاضطرارية؟!

стр. 92

فمن ألحق أحد القسمين بالأخر، وساواه به؛ فهو مختل الشعور. فقال الرجل: جزاك الله خيرا، فلقد أزلت عني كل إشكال، واقتنعت بذلك غاية الاقتناع.

стр. 93

المثال الثالث: قضية الرجل الجبري ١ كان رجل قد غلا في الجبر غلوا عظيما، فكان يعتذر بالقدر عند كل جليل وحقير: حتى آلت به الحال إلى الإستهتار، وانتهاك أصناف المعاصي وكلما نصح وليم على أفعاله، جعل القدر حجة له في كل أحواله. وكان له صاحب يعذله وينصحه عن هذه المقالة التي تخالف العقل والنقل والحس، ولا يزيده العذل إلا إغراء. وكان صاحبه ينتظر وينتهز الفرصة في إلزامه بأمور تختص به وتتعلق. وكان هذا الجبري صاحب ثروة له أموال منوعة، وقد وكل عليها الوكلاء والعملة. فصادف في وقت متقارب أن جاءه صاحب ماشية. فقال: إن الماشية هلكت وتلفت جميعها: لأني رعيتها في أرض جذبة ليس فيها عود أخضر. فقال له: فعلت ذلك وأنت تعلم أن الأرض الفلانية خصبة؛ فما عذرك في ذلك؟ فقال: قضاء الله وقدره.

стр. 94

وكان ممتلئا غضبا قبل ذلك؛ فزاد غضبه من هذا الكلام، واستشاط غضبه، وكاد يتقطع من هذا الاعتذار. وجاءه صاحب البضاعة، فقال: إني سلكت الطريق المخوف، فاقتطع المال قطاع الطريق. فقال له: كيف تسلك هذا الطريق المخوف مع علمك أنه مخوف وتترك الطريق الآمن الذي لا تشك في أمنه؟! فأجابه مثل جواب الراعي للماشية، وعمل معه الجبري ما عمله مع صاحبه. ثم جاءه وكيله على تربية أولاده وحفظهم، فقال: إني أمرتهم أن ينزلوا في البئر الفلانية ليتعلموا السباحة فغرقوا. فقال: لم فعلت ذلك، وأنت تعلم أنهم لا يحسنون السباحة؟ والبئر المذكور تعلم أن ماءها غزير؛ فكيف تتركهم ينزلون فيها وحدهم وأنت لست معهم؟! فقال: هكذا قضاء الله وقدره. فغضب عليه غضبا لا يشبه الغضب على الأولين، وكاد الغضب أن يقتله. وكل واحد من هؤلاء الذين وكلهم على ما ذكرنا يزداد غضبه عليه إذا قال له: هذا قضاء الله وقدره. فحينئذ قال له صاحبه: يا عجبا لك يافلان! كيف قابلت هؤلاء

стр. 95

المذكورين بهذا الغضب البليغ، ولم تعذرهم حين اعتذروا بالقدر، بل زاد هذا الاعتذار في جرمهم عندك، وأنت مع ربك في أحوالك المخجلة قد سلكت مسلكهم وحذوت حذوهم؟! فإن كان لك عذر: فهم من باب أولى أعذر وأعذر، وإن كانت أعذارهم تشبه التهكم والاستهزاء؛ فكيف ترضى أن تكون مع ربك هكذا؟! فانتبه الجبري حينئذ، وصحا بعدما كان غارقا في غلوه. وقال: الحمد لله الذي أنقذني مما كنت فيه، وجعل لي موعظة وتذكيرا من هذه الوقائع التي وقعت لي، ولمست فيها غلطي الفاحش. والآن أعتقد: أن ما حصل لي من نعمة الهداية إلى الحق، أعظم عندي من هذه المصائب الكبيرة. كما تحققت فيه قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] .

стр. 96

المثال الرابع: مخاصمة بين القدري١ والجبري طال الخصام بين قدري يعتقد: أن أفعال العباد لا تتعلق بها مشيئة الله وبين جبري يعتقد: ضد ذلك، وأنهم مجبورون على أفعالهم، واقعة بغير اختيارهم؛ لأنهما متباعدان في طرفي نقيض. فاتفقا على التحاكم إلى عالم من علماء أهل السنة، يعرفان كمال معرفته، وكمال دينه. فقال السني: ليعرض كل منكما علي مقالته، ولكما علي أن أدقق الحكم بينكما، وأن أرد ما مع كل واحد من باطل؛ وأثبت ما معه من الحق. فقال القدري: أنا أقول: إن الله حكم عدل، لا يظلم من عباده أحدا ومن مقتضى إثباتي لهذا الأصل؛ أني أنزه ربي عن أن تكون الفواحش الواقعة من العباد واقعة بمشيئة الله؛ بل العبد هو الذي تجرأ عليها، وهو الذي فعلها استقلالا. وأدلتي على هذا: جميع النصوص الدالة على أن الله ليس بظلام للعباد مثقال ذرة، وأنه حكم عدل؛ لأن تعلق مشيئته بأفعالهم. ثم تعذيبهم عليها؛ ظلم من جهتين:

стр. 97

١- من جهة إضافتها إلى مشيئته. ٢- وظلم من جهة كيف يعذبهم على أمر هو الذي شاءه وقدره؟! ثم إني لو قلت: إنها واقعة تحت مشيئة الله؛ لأبطلت بذلك أمر الله ونهيه. بل في ذلك إبطال للشرع، فأنا ما رأيت السلامة من هذا المحذور المحظور، إلا بهذه الطريقة العادلة التي يرتضيها كل عاقل ميزه الله. فقال الجبري: أنا أقول: إن الله على كل شيء قدير، وإنه خالق كل شيء، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قضايا، لا يمكن مسلم أن ينكرها، ولا ينازع فيها. وهذا عموم لا يخرج عنه حادثة، ومن أعظم الحوادث أفعال العباد من طاعات، ومعاصي وغيرها. فلو أنها خارجة عن قدرة الله ومشيئته، لم يكن الله قديرا على كل شيء ولا خالقا لكل شيء. ومقضي ذلك: أن العباد مجبورون على أفعالهم، غير مختارين لها لأنهم لو اختاروها وفعلوها حقيقة؛ لخرجت عن مشيئة الله وقدرته. فتعين القول بالجبر، وأنهم مجبورون مقسورون على أفعالهم، وقد نفذت فيهم مشيئة الله، وصرفتهم الإرادة. وأدلتي على قولي هذا: جميع النصوص المثبتة لعموم خلق الله ومشيئته وقدرته؛ وأني لو قلت: إن العبد فاعل حقيقة لفعله؛ لأخرجت هذا

стр. 98

القسم عن مشيئة الله وقدرنه. فقال الحاكم السني: لقد وضح كل واحد منكما مذهبه توضيحا كاملا، واستدل كل واحد بأدلة لا يمكن المنازعة فيها؛ لكثرتها ووضوحها. ولكن كل واحد منكما لم ينظر المسألة من جميع نواحيها بل لحظ جانبا، وعمي عن الجانب الآخر. وكثير من الأغلاط يأتي من هذا السبب. وسأحكم بينكما بحكم يستند على الكتاب والسنة ويستند إلى العقل والفطرة. وسأقنع كل واحد منكما إن كان قصده طلب الحقيقة. أما أنت أيها القدري؛ فأصبت بقولك: إن أفعال العباد كلها من كسبهم، وكلها من فعلهم، طاعاتها ومعاصيها وغيرها من أفعالهم. وأصبت في استدلالك عليها؛ بأن الله نسبها وأضافها إليهم. وأصبت في تبريك من قول يلزم منه إسقاط الأمر والنهي؛ وهو: الجبر. ولكنك أخطأت خطأ كبيرا، حيث زعمت أن مشيئة الله وقدرته لا تعلق لها بأفعال العباد. فنفيت عموم النصوص الدالة على هذا الأصل؛ وظننت أن إثبات عموم الخلق والمشيئة لله ينافي كون الأفعال الصادرة من العباد تكون باختيارهم ومن كسبهم. وهذا الظن غلط محض.

стр. 99

بل المؤمن العارف يجمع بين الأمرين: يثبت لله تعالى أنه خالق كل شيء؛ من الأعيان والأوصاف والأفعال. وأنه مع ذلك الأفعال صادرة منهم حقيقة. وأما أنت أيها الجبري؛ فلقد أصبت بإثباتك: أن الله على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء وأنه ما شاء كان ووجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن، وأصبت في هذا الاستدلال. ولكنك أخطأت خطأ كبيرا، حيث زعمت أن من لوازم إثبات عموم مشيئة الله؛ أن العبد مجبور على أفعاله؛ لم تقع بمشيئته، وظننت أن إثبات عموم القدر يقتضي منك أن تقول هذا القول. ثم قال السني أيضا لهما: لقد قال كل منكما قولا ممزوجا حقه بباطله؛ وسأحكم بينكما بحكم، يتضمن إثبات ما مع كل منكما من الحق؛ وإبطال ما مع كل منكما من باطل. وقد دل على هذا الحكم عدة نصوص: منها قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨، ٢٩] . فهذه الآية الكريمة حكمت بينكما؛ فإن الله أثبت للعبد مشيئة بها يفعل ويسلك الصراط المستقيم، أو يدعه باختياره ومشيئته. وأخبر أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، غير خارجة عنها.

стр. 100

فمشيئة الله عامة، لا يخرج عنها شيء ومع ذلك فالعباد هم الذين يعملون ويطيعون ويعصون. ومع أن هذا هو الذي دلت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة فهو الذي يدل عليه العقل والواقع والحس. فإن الله خلق العبد، وخلق ما فيه من جميع الأوصاف والقوى. ألستما تعترفان بذلك، وكل عاقل يعترف به؟! قالا: بلى. قال السني: فإن من جملة أوصاف العبد التي خلقها الله فيه انه أعطاه قدرة ومشيئة يتمكن بهما من كل ما يريده من خير وشر، وطاعة ومعصية وبهما تقع طاعاته ومعاصيه. وتعلمان: أن العبد متى أراد أمرا من الأمور التي يقدر عليها، فعله بتلك القدرة والإرادة اللتين خلقهما الله فيه. فإذا أوقع العبد بهما فعلا من أفعاله، دخلت تحت عموم قدر الله؛ لأن خالق السبب التام الذي هو قدرة العبد وإرادته خالق للمسبب. يعني: لما يصدر عنهما. وكل منكما يعترف أن الله خالق قدرة العبد ومشيئته كما خلق جميع قواه الظاهرة والباطنة. فإذا اتفقتما على هذا القول؛ الذي هو الصواب بما عرف من دلالة النصوص الشرعية عليه، وأنه هو المعقول المحسوس عاد الأمر إلى الوفاق.

стр. 101

فليتبرأ كل منكما من الباطل الذي معه، وليعترف بالحق الذي مع صاحبه. ليتبرئ الجبري من اعتقاده: أن العبد مجبور مقهور على أفعاله. وليعترف: أنها واقعة بكسبه وفعله حقيقة. وليتبرئ القدري من اعتقاده: أن أفعاله غير داخلة تحت مشيئة الله وغير شامل لها خلق الله وقدره. وليعترف: بعموم خلق الله، وشمول قدره. والحمد لله الذي بين الصواب، ووفق من شاء من عباده لاتباعه. ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .

стр. 102

المثال الخامس: في الآجال والأرزاق اعلم أن الآجال والأرزاق كسائر الأشياء مربوطة بقضاء الله وقدره فالله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؛ ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [لأعراف:٣٤] . فهذا أمر لا ريب فيه ولا شك. وع ذلك فهي أيضا كغيرها: لها أسباب دينية وأسباب طبيعية مادية والأسباب تبع قضاء الله وقدره. ولو كان شيء سابق القضاء والقدر من الأسباب لسبقه العين؛ لقوتها ونفوذها. فمن الأسباب الدينية لطول العمر وسعة الرزق١: لزوم التقوى والإحسان إلى الخلق لا سيما الأقارب كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحب أن يبسط له في رزقه وينشأ له في أثره [أي: يطيل عمره] ؛ فليصل رحمه "٢. وذلك: أن الله يجازي العبد من جنس عمله، فمن وصل رحمه وصل الله أجله ورزقه وصلا حقيقيا. وضده: من قطع رحمه قطعه الله في أجله وفي رزقه.

стр. 103

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢، ٣] . ومن الأسباب الدينية لقطع طول العمر: البغي والظلم للعباد فالباغي سريع المصرع، والظالم لا يغفل الله عن عقوبته. وقد يعاقبه عاجلا بقصم العمر. ومن الأسباب الدينية لمحق الرزق: المعاملات المحرمة كالربا والغش، وأكل أموال الناس بالباطل. فصاحبها يظن بل يجزم: أنها توسع عليه الرزق؛ ولهذا تجرأ عليها. والله تعالى يعامله بنقيض قصده. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . فالمعاملة بالربا تمحق صاحبها، وتمحق ماله، وإن تمتع به قليلا، فمآله إلى المحق والقل. كما أن المتصدق يفتح الله له من أبواب الرزق مالا يفتحه على غيره. كما قال النبي ﷺ : " ما نقصت صدقة من مال، بل تزيده ثلاثا "١.

стр. 104

وكذلك الغش وأكل أموال اليتامى والأوقاف بغير حق؛ من أكبر أسباب المحق؛ مع ما على صاحبها من الإثم والعقوبة. ومن أسباب طول العمر وقصره الطبيعية: الصحة والمرض فالعافية من الأسقام؛ سبب لطول العمر كما أن الأمراض بأنواعها سبب لقصره. والمسكن والبقعة: إذا كانت صحيحة طيبة الهواء، صارت من أسباب عافية أهلها وطول أعمارهم والعكس بالعكس: البقاء رديئة المناخ والهواء، أو البقاع الوبيئة سبب لقصر العمر، كما هو شاهد. والتوفي عن المخاطر والمهالك، واستعمال الأسباب الواقية فائدتها في طول العمر ظاهرة، والإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وسلوك المخاطر وكل أمر فيه خطر سبب ظاهر للهلاك. والأمثلة في هذا كثيرة. ومن الأسباب المادية في حصول الرزق وسعته: استعمال المكاسب النافعة وهي كثيرة متنوعة. كل أحد يناسب له منها ما يوافقه ويحسنه، ويليق بحاله. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي

стр. 105

مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥] . فيدخل في هذا العمل: جميع الأسباب النافعة. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . إلى غير ذلك من الآيات. وكل هذه الأمور تابعة لقضاء الله وقدره. فإن الله تعالى قدر الأمور بأسبابها: فالأسباب والمسببات من قضاء الله وقدره. ولهذا لما قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها وتقاة نتقيها، ورقي نسترقيها؛ هل ترد من قضاء الله وقدره شيئا؟ فقال: " هي من قضاء الله وقدره "١. وكذلك: الأدعية المتنوعة سبب كبير لحصول المطلوب، والسلامة من المرهوب. وقد أمر الله بالدعاء ووعد بالإجابة. والدعاء نفسه والإجابة كلها داخلة في القضاء والقدر. وقد جمع النبي ﷺ الأمر؛ بالعمل بكل سبب نافع، مع الاستعانة بالله.

стр. 106

كما ثبت في الصحيح مرفوعا: " احرص على ما ينفعك واستعن بالله "١. فهذا أمر بالحرص على الأسباب النافعة في الدين والدنيا، مع الاستعانة بالله. لأن هذه: الاستقامة. وذلك أن الانحراف من أحد أمور ثلاثة: ١- إما أن لا يحرص على الأمور النافعة؛ بل يكسل عنها وربما اشتغل بضدها. ٢- أو يشغل بها، ولكن يتكل على حوله وقوته، وينظر إلى الأسباب ويعلق جميع قلبه بها، وينقطع عن مسببها. ٣- أو لا يشتغل بالأسباب النافعة يزعم: أنه متوكل على الله، فإن التوكل لا يكون إلا بعد العمل بالأسباب. فهذا الحديث بين فيه النبي ﷺ الطرق النافعة للعباد. ولنقصر على هذا: فإنه يحصل به المقصود، والله أعلم؛ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. قال ذلك وكتبه: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعد. غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين. وافق الفراغ منه: في ٣٠ ربيع الثاني، سنة ١٣٧٦هـ. وتم نقله بيد راجي عفو ربه: محمد السليمان البسام؛ في ٢٢ جمادى أول، سنة ١٣٧٦هـ.