ال مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن بين يديك أخي القارئ الكريم أوراق كتبتها وجمعتها عن عَلَمٍ من أعلام الأمة، ألا وهو الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ الذي قام يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى اتباع سنة نبيه ﷺ سنوات طويلة من حياته التي امتدت لما يقارب من التسعين عاما، وقد واجه في سبيل ذلك الكثير من العنت والإعراض والأذى، وناله عدد من المغرضين بالسب والافتراء والبهتان ووصفوه بالابتداع، وألّبوا عليه عوام الناس وخواصهم، ولكنه صبر وصابر حتى أظهره الله تعالى ونصر دعوته.
والقارئ المنصف والمطلع المتجرد لسيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ومؤلفاته ورسائله، يجدها بحمد الله تعالى متفقة مع نصوص الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المعتبرين من علماء الإسلام، وبعيدة كل البعد عن لمز وهمز أهل الأهواء والضلال.
стр. 2
ولا يخفى عليك أخي الكريم حديث المصطفى الكريم ﷺ الذي يقول فيه:
"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ١، ومعنى قوله ﷺ : " يجدد لها دينها" أنه كلما انحرف الكثير من الناس عن جادة الدين الذي أكمله الله لعباده، وأتم عليهم نعمته ورضيه لهم دينا، بعث إليهم علماء أو عالما بصيرا بالإسلام وداعية رشيدا يبصر الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ الثابتة، ويجنبهم البدع، ويحذرهم من محدثات الأمور، ويردهم عن انحرافهم إلى الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فسمي ذلك تجديدا بالنسبة للأمة، لا بالنسبة للدين الذي شرعه وأكمله، فإن التغير والضعف والانحراف إنما يطرأ مرة بعد مرة على الأمة، أما الإسلام نفسه فمحفوظ بحفظ كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ المبينة له قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ٢.
فقبل قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بدعوته الإصلاحية المباركة كانت الأوضاع الدينية في الأمة بالغة السوء، وقد شهد القرن الثاني عشر الهجري غربة عظيمة للتوحيد والعلم بالدين وأحكامه، ورواجا كبيرا للشرك والجهل والخرافات والبدع.
стр. 3
فجدد الله بهذا الإمام ﵀ دين الإسلام وأظهر معالمه وشرائعه، وطمس به الشرك والجهل والضلال، كل ذلك بفضل الله تعالى أولا ثم بفضل دعوته وجهوده المباركة.
فالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بذل كل الجهد والوقت لإعادة الناس إلى الدين الصحيح، وتصحيح معتقداتهم، وإزالة ما ألصق بالدين من شركيات وبدع وخرافات، ولا شك بأن من قام بهذه الأعمال الجليلة يعد من أعلام الأمة المجددين، الذين كان لهم دور بارز في تجديد معالم الدين بعد اندراسها، وقد اتخذ ﵀ من كتاب الله الكريم ومن سنة المصطفى الأمين محمد بن عبد الله ﷺ مرجعا لدعوته الإصلاحية المباركة، سائرا وملتزما بمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
الغرض من هذا الكتاب:
حرصت عند كتابتي هذه الأوراق وجمعها من مصادرها المختلفة تحقيق عدد من الأهداف، والتي من أهمها:
التوكيد على سلفية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقيامها على الكتاب العزيز والسنة المطهرة وفق منهج أهل السنة والجماعة، دون ابتداع أو تبديل، وبيان عدد من إصلاحاتها وآثارها، وهذا كله من حقوق الشيخ ﵀ علينا.
стр. 4
* الدفاع عن هذه الدعوة السلفية الإصلاحية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عنها، وإزالة الشبه الباطلة التي أثارها أعداؤها في مسعى منهم لتشويه سمعة هذه الدعوة، ولمزها بالابتداع والضلال وغير ذلك، لصرف الناس عنها.
* نشر فضائل أئمة هذه الدعوة، والتعريف بمن كان له فضل ـ بعد فضل الله تعالى ـ في نشرها، والمحافظة على استمرارها من الولاة والحكام والعلماء والدعاة، وهذا لا شك فيه بيان لحقهم علينا، وإبراز لجهودهم.
* بيان الأثر العظيم الذي تسببت به هذه الدعوة الإصلاحية من الخير العظيم على الأمة، سواء في داخل الجزيرة أو خارجها.
هذه أبرز الأهداف التي حرصت من خلالها على نشر هذه الأوراق وبثها في المكتبة الإسلامية، وتيسير اطلاع طلاب العلم عليها، وهذا الكتاب في أصله مجموعة محاضرات ألقيتها على طلاب المستوى السابع (٤/١) في كلية أصول الدين بالرياض لكون مقرر " الدعوة الإصلاحية" أحد المقررات المعتمدة في جميع أقسام جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المباركة١.
стр. 5
قبل البدء:
قال الشاعر:
وقلت في نفسي صححته ... كم من كتاب قد تصفحته
ثم إذا طالعته ثانيا ... رأيت تصحيفا فأصلحته
وقال العماد الأصفهاني: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، هذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
ويأبى الله أن يجعل الكمال إلا لكتابه الكريم، الذي يقول عنه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، وقال جل شأنه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
ولا يغيب عن ذهنك أخي الكريم أن ما في هذا الكتاب هو اجتهاد من الكاتب، فما كان فيه من صواب فهو من توفيق الله تعالى وفضله، وما كان فيه من خطأ فهو لا يعدو كونه عملا بشريا يعتريه كثيرا النقص والخطأ١.
стр. 6
الشكر والدعاء:
أحمد الله جل شأنه وتعالى ذكره على ما أنعم به عليّ من إتمام هذا الكتاب، فالحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، ثم الدعاء لوالديّ الكريمين بالمغفرة والرحمة وطول العمر على طاعة الله تعالى، ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] .
والشكر والدعاء لكل من أبدى لي ملحوظة أو ساهم برأي أفاد في ظهور هذا الكتاب بما هو عليه الآن، وفي مقدمة الجميع فضيلة الشيخ أ. د/ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء على تفضله بقراءة هذا الكتاب والتقديم له، فبارك الله في الجميع وجزاهم على ذلك كل خير. د
أسأل المولى أن يرزقنا الإخلاص له سبحانه وحده، وأن يجعل هذا العمل من الصدقة الجارية التي تنفعني في الحياة وبعد الممات، كما أسأله سبحانه أن يوفقنا للعمل الصالح والعلم النافع، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
عبد الله بن محمد بن عبد المحسن المطوع
الرياض
стр. 7
تمهيد
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وسار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد اطلعت على الكتاب المفيد الذي هو بعنوان: "الدعوة الإصلاحية في بلاد نجد على يد الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأعلامها من بعده"
تأليف الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد المحسن المطوع وفقه الله، فألفيته كتابا قيما مفيدا في موضوعه، فيه تقويم لهذه الدعوة المباركة، ورد على الشبهات التي أثيرت حولها بقصد تشويهها وصد الناس عنها، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
стр. 8
الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ـ٣٣] ، والحمد لله ما زادت هذه الشبهات وهذه الاعتراضات هذه الدعوة المباركة إلا تألقا وظهورا، كما قال الشاعر:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف عرف طيب العود
ومن ظهور هذه الدعوة المباركة أن قيض الله لها من يظهر مزاياها ويرد الكيد عنها، كما قال الشاعر:
وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع
ومن هؤلاء الذين نافحوا عن هذه الدعوة المباركة صاحب هذا الكتاب الشيخ عبد الله بن محمد المطوع جزاه الله خيرا وأثابه على ما فعل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
كتبه/ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
عضو اللجنة الدائمة للإفتاء
١٠/٨/١٤٢٠هـ
стр. 9
الفصل التمهيدي
المقصود بالدعوة الإصلاحية في الجزيرة العربية
...
١ـ المقصود بالدعوة الإصلاحية في الجزيرة العربية
يحسن بنا قبل الحديث عن مفردات هذا الكتاب أن نبين المقصود بالدعوة الإصلاحية والجزيرة العربية.
فالمقصود بالدعوة الإصلاحية هي: تلك الجهود الكبيرة والأعمال الجليلة التي قام بها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لتصحيح الأوضاع الدينية الفاسدة والأحوال الاجتماعية المنحرفة التي كانت سائدة في الجزيرة العربية بعامة وفي وسطها بخاصة إبان القرن الثاني عشر الهجري.
أما الجزيرة العربية فهي: المنطقة الواقعة في قلب العالم والمحدود شمالا ببلاد الشام والعراق وجنوبا ببحر العرب وشرقا بالخليج العربي وغربا بالبحر الأحمر وتسمى أيضا بشبه الجزيرة العربية؛ لأن المياه تحيط بها من جهات ثلاث فقط، وفي الوقت الراهن تتكون في الجزيرة العربية مجموعة من الدول هي: المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والبحرين، والكويت، وعمان، واليمن١.
ولجزيرة العرب خصائص تتميز بها عن غيرها، منها:
١- أنها مهد الإسلام ومنطلق الرسالة الخاتمة وعاصمتها الأولى
стр. 10
وقاعدتها الحصينة، ففيها ولد خير البشر محمد ﷺ وفيها بعث وبين بلادها هاجر، ومنها أشرقت أنوار رسالته لتضيء أرجاء المعمورة.
١- أنها تضم أعظم البقاع وتحتضن أشرف الأماكن في الأرض ففيها الحرم الآمن الذي جعله الله مثابة وأمنا كما قال : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] ، وقال : ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧] ، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٦] .
والمسجد الحرام هو أول بيت وضع للناس كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦-٩٧] .
وفيها طيبة الطيبة مهاجر رسول الله ﷺ ومستقره التي بها مسجده ﵊ ذو المرتبة التالية للمسجد الحرام.
وفيها أيضا البقاع المشرفة والمواضع المحترمة المقدسة عند أهل الإسلام والمرتبطة بالركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج، وهذه البقاع هي: منى وعرفات والمزدلفة.
٣- أن الله تعالى اختار لغة أهلها لتكون لغة لأعظم كتبه وأشرفها وخاتمها كما قال : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢] ، وقال سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى
стр. 11
قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] .
١- أنها في الإسلام وقف على الإسلام وأهله لا يجتمع فيها دينان ولا يستقر فيها كافر حتى يبقى شرع الله تعالى ودينه فيها بلا منافس ولا منازع١.
ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ في آخر ما أوصى به النبي ﷺ عند موته: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ٢.
وفي المسند وغيره عن عائشة ﵂ قالت: كان آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: "لا يترك بجزيرة العرب دينان" ٣، وروى مسلم في صحيحه أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما" ٤٥.
стр. 12
٢ـ أهداف الحديث عن الدعوة الإصلاحية ودراستها:
نهدف من دراسة الدعوة الإصلاحية في الجزيرة العربية إلى أمور مهمة منها:
١- بيان أهمية الدعوة إلى الله تعالى من خلال تقديم أنموذج حي قريب يمثل هذا المنهج في العصور المتأخرة، والتوكيد على أن مسيرة الدعوة وفق المنهج الصحيح سائرة مستمرة في طريقها برغم العوائق والعقبات.
٢- التوكيد على سلفية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وقيام دعوته على نصوص الكتاب والسنة ووفق منهج أهل السنة والجماعة وأن دعوته متبعة لهذا المنهج العظيم.
٣- التعريف بعدد من الأعلام ممن كان لهم دور عظيم في نصرة الدعوة الإصلاحية التي قام بها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
إطلاعنا نحن أبناء المملكة العربية السعودية أقرب الناس إلى هذه الدعوة وأكثر المستفيدين منها على أحوال بلادنا قبل الدعوة وبعدها وتذكيرنا بذلك وترسيخه في أذهاننا؛ لندرك عظيم نعمة الله تعالى علينا الذي أنقذنا من الشرك والجهل والخرافة وفتح لنا أبواب الخير والرزق بسبب هذه الدعوة المباركة لنشكر نعمة الله علينا.
стр. 13
ونحافظ على أسباب استمرار هذا الخير، ثم نعرف لأهل هذا الفضل فضلهم، وأهل الفضل هنا هم الذين قاموا بالدعوة وناصروها من الحكام والعلماء.
стр. 14
تعريف الدعوة إلى الله تعالى:
لكلمة الدعوة في اللغة معان متعددة منها: الطلب والنداء والحث والسؤال، وهي مصدر للفعل الثلاثي دعا١، والمعاني السابقة تجتمع في الدعوة التي نقصدها.
وتكون الدعوة إلى الخير كما تكون إلى الشر أيضا، كما قال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر:٤١-٤٢] ، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١] .
أما الدعوة في الاصطلاح فتطلق ويراد بها أمران أو معنيان:
المعنى الأول: دين الإسلام نفسه، ولها بناء على هذا المعنى تعريفات، منها:
١- دين الله الذي بعث به الأنبياء جميعا، تجدد على يد محمد ﷺ
стр. 15
خاتم النبيين، كاملا وافيا لصلاح الدين والآخرة١.
٢- الخضوع لله والانقياد لتعاليمه بلا قيد ولا شرط٢.
والمعنى الثاني: عملية نشر الإسلام وتبليغه، وهذا المعنى هو المقصود هنا٣، ولها بناء على المعنى تعريفات كثيرة منها:
١- حث الناس على الخير والهدى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليفوزوا بسعادة العاجل والآجل٤.
٢- العلم الذي تعرف به كافة المحاولات الفنية المتعددة، الرامية إلى تبليغ الناس الإسلام، بما حوى من عقيدة وشريعة وأخلاق٥.
٣- الحث على فعل الخير، واجتناب الشر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحبيب بالفضيلة، والتنفير عن الرذيلة، واتباع الحق ونبذ الباطل٦.
стр. 16
١- تبليغ الإسلام للناس وتعليمه إياهم وتطبيقه في واقع الحياة١.
ومن التعريفات السابقة نستطيع أن نعرف الدعوة بالتعريف الآتي:
"نشر الإسلام وتبليغه للناس عن علم وبصيرة وفق الطرق المشروعة، اتباعا لهدي النبي ﷺ ، وابتغاء لمرضاة الله وثوابه".
ولمصطلح الدعوة إلى الله تعالى بناء على هذا التعريف علاقة مباشرة بمصطلحات أخرى: كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، والوعظ، والتذكير، والاحتساب، والإصلاح، والتجديد، فمفهوم الدعوة إلى الله تعالى يضمها جميعا٢.
*****
стр. 17
٤ـ أهمية الدعوة إلى الله وفضلها
الدعوة إلى الله تعالى من أهم الطاعات وأجل القربات التي أمر بها الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، ومما يبين شرفها ومنزلتها وأهميتها النقاط الخمسة الآتية:
١- أن الدعوة إلى الله تعالى تولاها الله سبحانه بنفسه فهو الذي يدعو عباده إلى طاعته وتقواه التي هي طريق الجنة، وينهاهم عن معصيته ومخالفة أمره التي هي طريق النار والعذاب، كما قال : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] .
ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب التي فيها الأوامر الصريحة بتوحيده وتقواه وطاعته، كما أنه نصب الأدلة والبراهين من مخلوقاته وآياته على أنه الرب الخالق المدبر المتصرف في هذا الكون، والإله الحق الذي يجب أن تصرف جميع أنواع العبادة له سبحانه دون ما سواه.
٢- أن الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء والمرسلين الذي هم خيار الخلق وأشرف العباد، فإن الله تعالى اصطفى من عباده خيارهم ليكلفهم بالدعوة إليه سبحانه وتبليغ دينه كما قال : ﴿وَلَقَدْ
стр. 18
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴿ [النحل: ٣٦] ، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي﴾ [الأنبياء:٢٥] ، وقوله سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] ، وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
فهي وظيفة هؤلاء الأخيار الأطهار المصطفين من عباد الله، ويأتي في مقدمتهم فضلا ومكانة نبينا محمد ﷺ الذي قال عنه ربه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ـ٤٦] ، فأي وظيفة أكرم وأشرف من وظيفة يتولاها خيار الناس ويقومون بها.
٣ـ أن الله تعالى جعل أحسن الأقوال وأشرفها الدعوة إليه سبحانه كما قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] .
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ حول هذه الآية:
"هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر أي: لا أحد أحسن قولا، أي كلاما وطريقة وحالة ممن دعا إلى الله بتعليم الجاهلين ووعظ الغافلين والمعرضين ومجادلة المبطلين بالأمر بعبادة الله بجميع أنواعها، والحث عليها وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه وتقبيحه بكل
стр. 19
طريق يوجب تركه، خصوصا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن الدعوة إلى الله: تحبيبه إلى عباده بذكر تفاصيل نعمه وسعة جوده وكمال رحمته وذكر أوصاف كماله ونعوت جلاله.
ومن الدعوة إلى الله: الترغيب في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله الكريم ﷺ والحث على ذلك بكل طريق موصل إليه، ومن ذلك: الحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام، وبر الوالدين.
ومن ذلك: الوعظ لعموم الناس في الأوقات والمواسم والعوارض والمصائب بما يناسب ذلك الحال، إلى غير ذلك مما لا ينحصر إفراده بما تشمله الدعوة إلى الخير كله والترهيب من جميع الشر"١.
٤ـ أن من أسباب تفضيل هذه الأمة على غيرها وتميزها بين سائر الأمم وخيريتها عليهم كونها تدعو إلى الله تعالى بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: " يخبر تعالى
стр. 20
عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان بن ميسرة عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام ... والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس"١.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ موضحا معنى هذه الآية: "من فعل فعلهم كان مثلهم"٢،أي من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وآمن بالله تعالى وأتى بهذه الصفات الثلاثة فهو من أهل هذه الأمة الخيرة.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في الآية: "هذا تفضيل من الله لهذه الأمة بهذه الأسباب التي تميزوا بها وفاقوا بها سائر الأمم وأنهم خير الناس للناس نصحا ومحبة للخير ودعوة وتعليما وإرشادا وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وجمعا بين تكميل الخلق والسعي في منافعهم بحسب الإمكان وبين تكميل النفس بالإيمان بالله والقيام بحقوق الإيمان"٣.
стр. 21
٥ـ استمرار الثواب والأجر وتتابعه للداعي إلى الله تعالى إذا اهتدى على يديه أحد؛ مما يدل على أهمية الدعوة وفضلها وعلو شأنها.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" ١.
فأبان هذا الحديث عظم الجزاء للداعية المترتب على تأثر الناس بدعوته " فإنه من دعا إلى هدى كان له مثل أجور تابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقا إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو أدب أو غير ذلك"٢.
وجاء في حديث آخر عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" ٣.
وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات ابن
стр. 22
آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" ١، والعلم الذي ينتفع به يدخل في عموم الدعوة إلى الله تعالى.
ولو أردنا استقصاء ما يدل على أهمية الدعوة وبيان منزلتها العظيمة لطال بنا المقام ولما استطعنا ذلك لكثرته في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولكننا نستطيع القول بأن كل ما يدل على مشروعية الدعوة يدل بالضرورة على شرفها وفضلها ومنزلتها؛ لأنها طاعة وقربة لله تعالى.
*****
стр. 23
٥ـ منهج السلف الصالح في الدعوة إلى الله
المنهج: هو الطريق الواضح البين١، وهو الطريق المستقيم الواضح الذي لا يتغير٢.
فمنهج السلف الصالح في الدعوة واضح وثابت لا يتغير لكونه مستمد من الشريعة الإسلامية، وإن تبدلت أساليبه ووسائله من زمان لآخر، ومن أشخاص لآخرين، حسب حال المدعو وظروف الدعوة وموضوعها.
والسلف الصالح: هم أتباع النبي ﷺ من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين أهل القرون المفضلة التي قال عنها النبي ﷺ : " خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" الحديث٣.
وهكذا من جاء بعدهم من أتباعهم أئمة الدين وأعلام الملة الذين ساروا على هدي النبي ﷺ ولم يخالفوه في الاعتقاد والقول والعمل، ولم يبتدعوا ولم يبدلوا، ولم يحدثوا في دين الله ما ليس منه٤، وهؤلاء هم أهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة والفرقة
стр. 24
الناجية الذين جاء ذكرهم في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" ١.
وفي رواية أخرى قال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" ٢.
كما ذكرهم ﵊ في الحديث الذي رواه عوف بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار، قيل يا رسول الله: من هم؟ قال: الجماعة" ٣.
وقد قال أيضا ﵊: "وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ... " الحديث٤.
стр. 25
وسمى السلف سلفا: لسبقهم في الوقت وقربهم من الرسالة مقارنة بمن بعدهم، ولتقدمهم في الفضل والمكانة والخير والهدى، ويسمون أهل السنة: لانتسابهم إلى سنة النبي ﷺ وتمسكهم بها وعدم عدولهم عنها.
وسموا بالجماعة: لاجتماعهم على الحق والهدى، ولأن السلف الصالح أهل اتباع لا ابتداع واجتماع لا اختلاف؛ لأنهم يتلقون عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ فطريقتهم ومنهجهم في العلم والاعتقاد والقول والعمل أسلم وأعلم وأحكم١.
ومن خلال تتبع النصوص الشرعية وفهم السلف وتطبيقهم لها يمكن القول بأن منهج السلف في الدعوة يقوم على ركائز جليلة، من أهمها:
١ـ العلم:
وهو أول أمر يقوم عليه منهج السلف في الدعوة إلى الله تعالى، فالدعوة بلا علم دعوة فاسدة باطلة لا قيمة لها ولا اعتبار، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، فتشبع الداعي بالعلم بالدعوة والمعرفة بأصولها وفروعها وأسباب نجاحها وفشلها من العوامل الرئيسة التي لا يستغني عنها الداعية بأي حال من الأحوال٢.
ولا يتصور وفق منهج السلف قيام دعوة صحيحة من دون علم
стр. 26
بدين الله، والعلم المقصود هنا هو: العلم بنصوص الكتاب والسنة، وهو كما يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: معرفة الله ومعرفة نبيه ﷺ ومعرفة دين الإسلام بالأدلة١.
وهو مرتبط بجميع مراحل الدعوة ولذلك قال الله جل وعلا لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] ، والبصيرة: هي العلم والفهم كما قال بذلك جماعة من المفسرين٢.
والعلم لا أن يسبق القول والعمل، وممن أوضح ذلك الإمام البخاري في كتابه الصحيح حين وضع بابا في كتاب العلم وسمه بقوله: "باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فبدأ بالعلم"٣.
وبفقد العلم في الدعوة يتحكم الهوى وتقع بسبب ذلك المصائب والضلالات والجهالات، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
والدعوة بلا علم قول على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ بغير علم
стр. 27
وكذب وافتراء عليهما وذلك من أقبح الذنوب وأعظم السيئات، كما قال : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] ، وقال : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] .
وقال ﵊: " من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار" ١. وقال أيضا ﵊: " من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" ٢.
يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ ناصحا كل داعية مخلص: " إياك أن تدعوا على جهالة، وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم، فالجاهل يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، فاتق الله يا عبد الله إياك أن تقول على الله بغير علم، لا تدعو إلى شيء إلا بعد العلم به والبصيرة بما قاله الله ورسوله ... "٣.
وكل هذا يؤكد وبجلاء على أهمية قيام الدعوة إلى الله تعالى على
стр. 28
أسس وقواعد متينة مرتكزة على العلم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ حتى تؤتي الدعوة ثمارها المرجوة منها بإذن الله تعالى.
٢ـ العمل:
المقصود بالعمل: تطبيق ما تعلمه الإنسان على نفسه أولا، والاجتهاد في ذلك، ليكون الداعية قدوة حسنة للمدعوين في كونه عاملا بما يأمرهم به، مجتنبا ما ينهاهم عنه.
ولأهمية العمل والاستقامة على طاعة الله لا سيما في حق الداعية فقد أمر الله بها رسله عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] ، وقوله لموسى وهارون ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩] .
وقال تعالى عن شعيب ﵇ وهو يدعو قومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب﴾ [هود: ٨٨] .
وقد أدرك صحابة رسول الله ﷺ أهمية اقتران العمل بالعلم فقرنوا بينهما في تعلم كتاب الله تعالى والعمل به، فقد روى الإمام أحمد قال: حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء عن أبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني: قال: حدثنا من كان يقرئنا القرآن من أصحاب رسول الله
стр. 29
ذلك هو منهج السلف الصالح ﵏ وبه يتواصون يقول الفضيل ﵀: " على الناس أن يتعلموا فإذا علموا فعليهم العمل"١، ويقول ابن عيينة: "العلم إن لم ينفعك ضرك"، وقال الشيخ الألباني ﵀ معلقا على هذا القول: "يعني إن لم ينفعه بأن يعمل به ضره بكونه حجة عليه"٢.
والذي لا يعمل بما علم يقع تحت طائلة الوعيد الذي أخبر الله تعالى عنه في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون﴾ [الصف: ٢، ٣] ، وقد ذم الله اليهود ووبخهم بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُون﴾ [البقرة: ٤٤] ، قال ابن عباس ﵄: " كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ولذي قرابته، ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين: اثبت على الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل ـ يريدون محمدا ﷺ فإن أمره حق، فكانوا
стр. 30
يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه"١.
وفي الحديث الذي رواه أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له: يا فلان، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيقول: بلى كنت أمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" ٢٣، فيتضح من هذا الحديث الشريف التحذير لمن خالف قوله عمله، نسأل الله العافية والسلامة، ثم ليعلم الداعية أن
стр. 31
العمل بطاعة الله تعالى وأوامره زاد عظيم يقويه ويعينه على المضي في طريق دعوته، وليكون قدوة حسنة للمدعوين.
٣ـ مراعاة الأوليات في الدعوة:
فبما أن موضوعات الدعوة تتفاوت في الأهمية كما تتفاوت الأساليب والوسائل والمدعوين، فإن منهج السلف الصالح يقوم على وجوب مراعاة الأوليات في هذه الأمور، فتقدم الأصول على الفروع، والأهم على ما دونه في الأهمية، والفاضل على المفضول.
فأمور العقيدة مثلا في مضمون الدعوة هي أهم ما يجب التركيز عليه، وهي المقدمة على ما سواها وبخاصة إذا كان هناك خلل في هذا الجانب عند المدعوين، ويدل على ذلك عناية الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بالتوحيد أولا، واهتمامهم به فكل رسول يدعو قومه إليه أولا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٦٨] وكل نبي يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤] .
ويدل على هذا الأمر أيضا وصيته ﵊ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: " إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم
стр. 32
أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ١.
فانظر كيف رتب ﵊ لمعاذ ﵁ فهذه الأمور بحسب أهميتها.
يقول الشيخ عبد الله بن حميد ﵀: " وقد علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ـ كما أمر النبي ﷺ بذلك معاذا.."٢.
على أن ترتيب الأولويات لا يعني ترك الدعوة إلى ما دون الفاضل لأجل المفضول، فمثلا: نبدأ بالدعوة إلى مسائل العقيدة والتوحيد، وهذا لا يعني أن نغفل جوانب شرعية ودينية أخرى من العبادات والأحكام والمعاملات، وقد تجلى هذا الأمر في دعوات كثير من الأنبياء ﵈، فشعيب ﵇ دعا إلى التوحيد، ولكنه لم يغفل إنكار ما عليه أكثر قومه من تطفيف المكيال والميزان،
стр. 33
قال تعالى: ﴿إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤] ، ولوط ﵇ دعا إلى التوحيد ولكنه لم يغفل إنكار الجريمة الشنعاء التي وقع فيها قومه، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) ﴾ [الشعراء: ١٦٠، ١٦٦] .
٤ـ استخدام الوسائل والأساليب الدعوية المشروعة:
إن منهج السلف الصالح في الدعوة يقوم على أن الأساليب والوسائل لها حكم الغايات، فغاية الدعوة وهدفها شريف ومشروع، فكذلك يجب أن تكون أساليبها ووسائلها، ولذلك فمبدأ الغاية تبرر الوسيلة مبدأ مرفوض في منهج الدعوة الصحيح، واستخدام الوسائل والأساليب مرتبط بالحكمة التي تضع كل أسلوب وكل وسيلة في موضعها الصحيح، ولقد أوضح الله تعالى في كتابه عددا من أساليب الدعوة ووسائلها، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا
стр. 34
مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ، وقال جل وعلا لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) ﴾ [طه: ٤٣ـ ٤٤] ، وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وقال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] .
هذه بعض النصوص التي تحدثت عن الأساليب الدعوية ووسائلها، والمقصود أنه لا يستخدم في أساليب الدعوة ووسائلها إلا ما أباحه الشرع وأجازه، لا ما حرمه ونهى عنه، ولا بد أيضا أن يوضع هذا الأسلوب أو الوسيلة في موضعه الصحيح، حتى تؤتي الدعوة بإذن الله ثمارها المرجوة.
٥ـ الصبر على تبعات الدعوة:
الصبر من أهم الخصال التي أمر الله بها عباده المؤمنين كما قال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] .
وهو في حق الداعية أوجب وألزم، فالداعية يحتاج الصبر بأنواعه الثلاثة التي هي الصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله والصبر
стр. 35
على أقدار الله١، وذلك لطبيعة العمل الذي يقوم به ويؤديه، فهو يحتاج إلى الصبر قبل قيامه بالدعوة بطلب العلم والجمع بينه وبين العمل، ويحتاجه معها في قيامه بتبليغ الدعوة وحرصه عليها، ويحتاجه بعدها لما قد يترتب عليها من إعراض المدعو أو ما قد يلحقه بسببها من الأذى.
والصبر لازم للداعية لكونه يسلك سبيل الأنبياء والرسل ﵈، وقد تسلحوا بالصبر في دعواتهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤] .
ولذلك قرن الله التواصي بالصبر مع التواصي بالحق في سورة العصر بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
وجاء الصبر مقرونا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وصية لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه كما أخبر الله تعالى عنه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] .
يقول الحافظ ابن كثير: "علم ـ لقمان ـ أن الآمر بالمعروف والناهي
стр. 36
عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى فأمره بالصبر"١.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده"٢.
وبعد ذكر أبرز ما يقوم عليه منهج السلف الصالح ﵏ في الدعوة نجد أن إمام الدعوة في وقته الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذكر معظمها حيث قال: "اعلم أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل، الأولى: العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، الثانية: العمل به، الثالثة: الدعوة إلى الله، الرابعة: الصبر على الأذى فيه"٣.
وهذا مما يؤكد اتباع الشيخ ﵀ لمنهج أئمة السلف وأعلامهم في دعوته الإصلاحية والتزامه فيها بالضوابط التي ذكروها في الدعوة إلى الله?.
стр. 37
الفصل الأول: أحوال العالم الإسلامي قبل الدعوة الإصلاحية
أولا: حال العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري
...
أولا: حال العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري
تمهيد:
تفيد دراسة حال العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري في تشخيص أوضاع المسلمين ومعرفة الانحرافات التي كانت سائدة، لندرك جيدا أهمية الدعوة على الله تعالى وضرورة القيام بها لتصحيح الأوضاع الفاسدة. ت
كما ندرك أهمية الجهد الذي بذله الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في معالجة تلك الانحرافات سائرا في ذلك على هدي النبي ﷺ ، ليقتدي به المسلمون اليوم وبمن سبقه من سلف الأمة، للمضي قدما في طريق الدعوة وإبلاغ الحق للناس وحملهم عليه، حتى يتحقق لهم العز والنصر والتمكين والأمن والرخاء بإذن الله تعالى.
وسيكون تركيزنا في دراسة حالة العالم الإسلامي على أهم حالتين تندرج بقية الأحوال تحتهما، وهاتان الحالتان هما:
* الحالة السياسية.
* الحالة الدينية.
стр. 38
أـ الحالة السياسية:
كان معظم العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري قبيل دعوة الشيخ محكوما بثلاث دول هي:
١ـ الدولة العثمانية:
وهي دولة تنتسب إلى السنة بدأت على يد عثمان بن أرطغرل سنة ٦٨٧هـ، وسقطت سنة١٣٤١هـ، ووصلت إلى ذروة مجدها السياسي في القرن العاشر الهجري وبسطت سلطتها على كثير من الأقطار الإسلامية، ودخلت جيوشها العديد من البلاد الأوربية، أما في القرن الثاني عشر، فقد تدهورت أحوالها واضطربت أمورها.
فقد كان سلاطينها ـ في ذلك الوقت ـ من الضعف بمكان بحيث لم يكن لهم من أمر الدولة شيء، بل كان الأمر استبداديا بيد وزرائهم ورؤساء الجيش الإنكشاري١الذين لا يعرفون من أمور السياسة شيئا، وفوق ذلك فقد كان سلاطينها في ذلك الوقت مع زعماء الدولة الآخرين قد اشتغلوا بالملذات والشهوات، وأهملوا شؤون الدولة، واهتم الكل بأموره الخاصة، وكان بعض الوزراء من عناصر أجنبية لا تهمهم مصلحة الدولة وعزها بقدر مصلحة أنفسهم، أما الولاة على
стр. 39
أقاليم الدولة فقد ساءت إدارتهم، فهمهم الأكبر جمع الأموال من ولاياتهم على حساب شعوبها، مقابل ما بذلوه من رشاوى في سبيل حصولهم على إدارة هذه البلاد أو الولايات، لذلك لم يهتموا بتطوير ولاياتهم تلك، أو إقامة الأمن والعدل فيها، كما أن الحاميات العسكرية التي توجد في هذه الولايات المختلفة كانت تحدث من الفوضى والنهب عند تأخر رواتبها الشيء الكثير، وهكذا تأخرت الزراعة والتجارة والحرف، وما زاد حال الدولة سوءا التدهور العسكري الذي منيت به في ذلك العصر، فقد أخذت دول أوربا تتألب عليها من كل جانب، فقامت حروب بين الدولة العثمانية وبين دول"النمسا روسيا وبلونية والبندقية" انتهت بمعاهدة "كارلوفتش" المشهورة في يناير عام ١١١٠هـ (١٦٩٩م) والتي حرمت الدولة من كثير من ممتلكاتها في أوربا، وقد زادت هذه المعاهدة من أطماع دول أوربا في أقاليم الدولة العثمانية، وظهر ما يسمى عند المؤرخين بـ" المسألة الشرقية" أي تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين الدولة الأوربية الطامعة، وهي مسألة تقوم على أساس الاستيلاء على البلاد الإسلامية باسم الاستعمار السياسي، وإخفاء ما ينطوي تحته من محاولة القضاء على الدين الإسلامي، لأنه هو الذي يقف في وجه هذه المحاولة الاستعمارية١.
стр. 40
وقد قامت دول في العالم الإسلامي الخاضعة لهذه الدولة بإعلان استقلالها عنها والبعض الآخر ارتبط بها ارتباطا اسميا فقط كما هو الحال في مصر وبلاد المغرب.
٢ـ الدولة الصفوية:
وهي دولة رافضية مغالية في الرفض حكمت بلاد فارس وما جاورها، وكانت شديدة العداء للدولة العثمانية باعتبار الثانية دولة تنسب إلى أهل السنة، وكانت بدايتها على يد الشاه إسماعيل بن صفي الدين العلوي سنة٩٠٦هـ وسقطت عام ١١٣٥هـ.
والغالب على أحوال الدولة الصفوية السياسية والعسكرية الاضطراب والحروب الداخلية.
٣ـ الدولة المغولية:
وبدأت على يد بابر شاه سنة ٩٣٧هـ في الهند، وسقطت سنة ١٢٧٤هـ، وهي دولة خرافية تجمع بين التشيع والتصوف والوثنية، وحالها هو حال سابقتها من الحروب والفتن والاضطراب سقطت بعد ذلك لتخضع الهند إلى حكم الإنجليز سنة١٢٧٤هـ.
أما حال المسلمين على حدود العالم الإسلامي فلم يكن بحال أحسن من داخله، فالإمارات الإسلامية على حدود روسيا القيصرية تعرضت لضغوط خارجية ومحن داخلية انتهى أمرها إلى خضوعها للسيادة الروسية، وفي الصين: اضطهد المسلمون اضطهادا شديدا