عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى فأمره بالصبر"١.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده"٢.
وبعد ذكر أبرز ما يقوم عليه منهج السلف الصالح ﵏ في الدعوة نجد أن إمام الدعوة في وقته الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذكر معظمها حيث قال: "اعلم أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل، الأولى: العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، الثانية: العمل به، الثالثة: الدعوة إلى الله، الرابعة: الصبر على الأذى فيه"٣.
وهذا مما يؤكد اتباع الشيخ ﵀ لمنهج أئمة السلف وأعلامهم في دعوته الإصلاحية والتزامه فيها بالضوابط التي ذكروها في الدعوة إلى الله?.
стр. 37
الفصل الأول: أحوال العالم الإسلامي قبل الدعوة الإصلاحية
أولا: حال العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري
...
أولا: حال العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري
تمهيد:
تفيد دراسة حال العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري في تشخيص أوضاع المسلمين ومعرفة الانحرافات التي كانت سائدة، لندرك جيدا أهمية الدعوة على الله تعالى وضرورة القيام بها لتصحيح الأوضاع الفاسدة. ت
كما ندرك أهمية الجهد الذي بذله الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في معالجة تلك الانحرافات سائرا في ذلك على هدي النبي ﷺ ، ليقتدي به المسلمون اليوم وبمن سبقه من سلف الأمة، للمضي قدما في طريق الدعوة وإبلاغ الحق للناس وحملهم عليه، حتى يتحقق لهم العز والنصر والتمكين والأمن والرخاء بإذن الله تعالى.
وسيكون تركيزنا في دراسة حالة العالم الإسلامي على أهم حالتين تندرج بقية الأحوال تحتهما، وهاتان الحالتان هما:
* الحالة السياسية.
* الحالة الدينية.
стр. 38
أـ الحالة السياسية:
كان معظم العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري قبيل دعوة الشيخ محكوما بثلاث دول هي:
١ـ الدولة العثمانية:
وهي دولة تنتسب إلى السنة بدأت على يد عثمان بن أرطغرل سنة ٦٨٧هـ، وسقطت سنة١٣٤١هـ، ووصلت إلى ذروة مجدها السياسي في القرن العاشر الهجري وبسطت سلطتها على كثير من الأقطار الإسلامية، ودخلت جيوشها العديد من البلاد الأوربية، أما في القرن الثاني عشر، فقد تدهورت أحوالها واضطربت أمورها.
فقد كان سلاطينها ـ في ذلك الوقت ـ من الضعف بمكان بحيث لم يكن لهم من أمر الدولة شيء، بل كان الأمر استبداديا بيد وزرائهم ورؤساء الجيش الإنكشاري١الذين لا يعرفون من أمور السياسة شيئا، وفوق ذلك فقد كان سلاطينها في ذلك الوقت مع زعماء الدولة الآخرين قد اشتغلوا بالملذات والشهوات، وأهملوا شؤون الدولة، واهتم الكل بأموره الخاصة، وكان بعض الوزراء من عناصر أجنبية لا تهمهم مصلحة الدولة وعزها بقدر مصلحة أنفسهم، أما الولاة على
стр. 39
أقاليم الدولة فقد ساءت إدارتهم، فهمهم الأكبر جمع الأموال من ولاياتهم على حساب شعوبها، مقابل ما بذلوه من رشاوى في سبيل حصولهم على إدارة هذه البلاد أو الولايات، لذلك لم يهتموا بتطوير ولاياتهم تلك، أو إقامة الأمن والعدل فيها، كما أن الحاميات العسكرية التي توجد في هذه الولايات المختلفة كانت تحدث من الفوضى والنهب عند تأخر رواتبها الشيء الكثير، وهكذا تأخرت الزراعة والتجارة والحرف، وما زاد حال الدولة سوءا التدهور العسكري الذي منيت به في ذلك العصر، فقد أخذت دول أوربا تتألب عليها من كل جانب، فقامت حروب بين الدولة العثمانية وبين دول"النمسا روسيا وبلونية والبندقية" انتهت بمعاهدة "كارلوفتش" المشهورة في يناير عام ١١١٠هـ (١٦٩٩م) والتي حرمت الدولة من كثير من ممتلكاتها في أوربا، وقد زادت هذه المعاهدة من أطماع دول أوربا في أقاليم الدولة العثمانية، وظهر ما يسمى عند المؤرخين بـ" المسألة الشرقية" أي تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين الدولة الأوربية الطامعة، وهي مسألة تقوم على أساس الاستيلاء على البلاد الإسلامية باسم الاستعمار السياسي، وإخفاء ما ينطوي تحته من محاولة القضاء على الدين الإسلامي، لأنه هو الذي يقف في وجه هذه المحاولة الاستعمارية١.
стр. 40
وقد قامت دول في العالم الإسلامي الخاضعة لهذه الدولة بإعلان استقلالها عنها والبعض الآخر ارتبط بها ارتباطا اسميا فقط كما هو الحال في مصر وبلاد المغرب.
٢ـ الدولة الصفوية:
وهي دولة رافضية مغالية في الرفض حكمت بلاد فارس وما جاورها، وكانت شديدة العداء للدولة العثمانية باعتبار الثانية دولة تنسب إلى أهل السنة، وكانت بدايتها على يد الشاه إسماعيل بن صفي الدين العلوي سنة٩٠٦هـ وسقطت عام ١١٣٥هـ.
والغالب على أحوال الدولة الصفوية السياسية والعسكرية الاضطراب والحروب الداخلية.
٣ـ الدولة المغولية:
وبدأت على يد بابر شاه سنة ٩٣٧هـ في الهند، وسقطت سنة ١٢٧٤هـ، وهي دولة خرافية تجمع بين التشيع والتصوف والوثنية، وحالها هو حال سابقتها من الحروب والفتن والاضطراب سقطت بعد ذلك لتخضع الهند إلى حكم الإنجليز سنة١٢٧٤هـ.
أما حال المسلمين على حدود العالم الإسلامي فلم يكن بحال أحسن من داخله، فالإمارات الإسلامية على حدود روسيا القيصرية تعرضت لضغوط خارجية ومحن داخلية انتهى أمرها إلى خضوعها للسيادة الروسية، وفي الصين: اضطهد المسلمون اضطهادا شديدا
стр. 41
على يد أسرة المانشو الحاكمة هناك، وفي أندونيسيا كانت هناك إمارات صغيرة لا حول لها ولا قوة أصبحت فيما بعد لقمة سائغة للهولنديين والإنجليز، وهكذا بقية البلاد الأخرى لم تعش سوى الاضطراب والحرمان والتفكك وغياب السلطة الإسلامية القوية١.
ب ـ الحالة الدينية:
يعد هذا القرن أشد القرون التي سبقته من حيث سوء حالة المسلمين الدينية فيه، ويتمثل سوء الحالة الدينية في هذا القرن من خلال المظاهر التالية?.
١ـ انتشار أنواع الشرك وظهورها بين المسلمين، سواء بتعظيم القبور والمزارات والمشاهد، ودعاء أهلها أو تقديس الأولياء والصالحين، ووضعهم في مقام العبودية، وصرف أنواع العبادات لهم، أو الحلف بغير الله، أو التعامل مع الكهنة والسحرة والعرافين وتصديقهم، وغير ذلك من أبواب الشرك وطرقه.
٢ـ انتشار البدع في الدين، بأنواعها، كبدع الموالد والمناسبات ونحوها، واضمحلال السنن وغربتها.
стр. 42
٣ـ غلبة الصوفية وتغلغلها في حياة كثير من المسلمين، وانشغالهم بخرافاتها وضلالاتها وانتصارهم لها.
٤ـ ضعف الالتزام بشعائر الإسلام الظاهرة، وشيوع المنكرات الكثيرة في السلوك والأخلاق.
٥ـ قلة الدعاة والمصلحين على علم وبصيرة.
وفيما يلي نتحدث عن كل مظهر من هذه المظاهر بإيجاز:
١ـ انتشار الشرك:
الشرك أعظم الذنوب عند الله تعالى، وهو رأس المنكرات وأقبح السيئات، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨] ، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ، وقال رسول الله ﷺ لما سئل أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك" ١، ولا يقبل الله معه عمل عامل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، وقال سبحانه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] ، فجعله على قائمة المحرمات والمنهيات كما دلت عليه هذه الآية
стр. 43
الكريمة، والمشرك بالله خالد مخلد في النار وتحرم عليه الجنة، قال ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] ، ولعظم خطره وكبر جرمه عند الله فإن الله لا يغفر لصاحبه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وقال ﷺ : " من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار" ١.
والشرك: ضد التوحيد، والمشرك هو: من يجعل لله شريكا في عبادته، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
والموحد هو: من يعتقد قولا وعملا بأن الله تعالى هو الرب المالك المتصرف المحيي المميت، ويؤمن بكل أسماء الله وصفاته التي وردت في كتابه الكريم أو في سنة رسوله ﷺ ، وينزهه سبحانه عن الشبيه والنظير، فيؤمن بكل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، ويتقرب إلى الله وحده بكل أنواع العبادة ويصرفها له دون من سواه لكونه المستحق للعبادة، وأنواع العبادة كثيرة، منها: الذبح، الدعاء، الرجاء، الخوف، المحبة، التوكل، الخشية، الرغبة، النذر، الاستغاثة، الاستعاذة، والركوع، والسجود، والخشوع، وغيرها، فمن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله فقد اتخذه ربا وإلها،
стр. 44
وأشرك مع الله غيره١.
وللشرك بالله تعالى أنواع كثيرة، ووسائل متعددة من أهمها وأعظمها مما هو منتشر في بعض البلدان الإسلامية: تعظيم القبور وبناء المساجد عليها، ودعاء أهلها من دون الله، واتخاذهم شفعاء عند الله، والتقرب إليهم: بالنذر، والذبح، والصدقة، والدعاء، ونحو ذلك، من أنواع العبادة التي من صرفها لغير الله تعالى فقد أشرك، بغض النظر عن صاحب القبر أو الضريح، سواء أكان نبيا مرسلا أو وليا صالحا، لأن الله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] ، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، والنصوص في هذا كثيرة جدا كلها تؤكد على وجوب كون العبادة خالصة لله تعالى وحده لا شريك له من الأنبياء أو غيرهم، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " كل من دعا غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح له أو صرف له شيئا من العبادة فقد اتخذه ندا لله سواء كان نبيا أو وليا أو ملكا أو جنيا أو صنما أو غير ذلك من المخلوقات"٢.
стр. 45
وهذا المظهر العظيم من مظاهر الشرك ـ اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد ـ حذر الرسول ﷺ أمته منه وشدد في ذلك، حتى لعن ﷺ فاعله، وبين ﷺ أن ذلك من عقائد اليهود والنصارى المحرفة والباطلة، وفي ذلك تقول عائشة ﵂: "قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت: " فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا"١، وعنها قالت: لما كان مرض النبي ﷺ تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة، يقال لها: مارية ـ وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة ـ فذكرتا من حسنها وتصاويرها، قالت: فرفع النبي ﷺ رأسه فقال: " أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" ٢.
وعن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي فيكم خليل، وإن الله قد اتخذني خليلا
стр. 46
كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاهم عن ذلك" ١.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٢.
وما نهى النبي ﷺ عن هذا الأمر إلا لكونه يخلف ضررا ومفاسد كثيرة وجليلة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، وقد تحدث الإمام ابن القيم ﵀ عن المفاسد والمخالفات الكثيرة التي توجد وتقع عن اتخاذ القبور مساجد والمغالاة فيها، ومما ذكره في ذلك: تعظيم هذه القبور في القلوب والنفوس مما يوقع الفتنة بها، واتخاذ زيارتها عيدا في أوقات محددة في الزمان، وشد الرحال إليها، والتشبه بعُباد الأصنام بما يفعل عندها: من العكوف عندها، ومجاورتها، ووجود السدنة حولها، وصرف النذر وتقديمه لهذه القبور وأصحابها، واعتقاد المتقربين إلى هذه القبور بكونها تعين على
стр. 47
دفع الضر وجلب النفع، ويطلبون منها النصر على الأعداء، وتفريج الكرب، وقضاء الحوائج١، ولا شك أن كل هذا وما شابهه مخالف لهدي النبي ﷺ وطريقته، وقد توعد الله المخالفين له بقوله : ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ، واتخاذ القبور مساجد يعني: بناء المساجد عليها، والسجود إليها، واستقبالها بالصلاة والدعاء، وكل ما فيه تعظيم لها٢.
ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ " أن نهيه صلى الله عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها، وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء، فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرحوا بتحريم ذلك ... ، واتفقوا على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور ... ، وقد صرح كثير منهم بتحريم ذلك، بل وببطلان الصلاة إذا كان ذلك حالها.."٣.
ويقول أيضا ﵀ " اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على
стр. 48
قبر، لأن النبي ﷺ قال: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" ١، وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غيِّر، إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديدا، وإن كان المسجد بني بعد القبر، فإن أن يزال المسجد، وإما أن تزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإنه منهي عنه"٢.
ويقول أيضا ﵀: " ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبينها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين"٣.
وإذا نظرت إلى حالة المسلمين في ذلك القرن ـ قبيل قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة الإصلاحية ـ وما لحقه وما سبقه من قرون تجدا أمورا عظاما في هذا الشأن، فلقد انتشرت في كثير من بلدان المسلمين الأضرحة التي يتقرب إليها كثير من أهل الجهل الضلالة ويتخذون أصحابها شفعاء عند الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ففي القاهرة في مصر أكثر من مائتين وأربعة وتسعين ضريحا، من أشهرها
стр. 49
ضريح رأس الحسين، وضريح السيدة سكينة، وضريح السيدة نفيسة، وضريح السيدة زينب، وضريح الإمام الشافعي، وضريح الليث بن سعد، وأشهر الأضرحة خارج القاهرة ما يسمى بضريح السيد البدوي في طنطا، وكل هذه الأضرحة قد بني عليها جوامع ومساجد.
وفي بلاد الشام عدد كبير من الأضرحة والمزارات، ففي دمشق وضواحيها هناك ما يزيد على مائة وأربعة وتسعين موضعا، يُزعم أن للصحابة منها أكثر من سبعة وعشرين قبرا لكل واحد منها قبة، تزار ويتبرك بها.
ومن المزارات والقبور المشهورة في بلاد الشام بعامة: مزار يحيى بن زكريا في صيدا في جنوب لبنان، ومزار شمعون في الجانب الشرقي منها، ومزار صيدون ومزار داود ﵇ في الجنوب الغربي منها، ومزار أيوب وصالح في يافا بفلسطين، وضريح الخليل وإسحاق ويعقوب ويوسف ﵈ وكلها داخل مسجد كبير في مدينة الخليل، وضريح يونس ﵇ في حلحول، وقبور أخرى كثيرة يزعم أنها للأنبياء ولغيرهم أيضا من الصحابة، حتى ذكرت قبور لبعض الصحابة وهم قد دفنوا في المدينة.
وفي العراق عدد كبير من الأضرحة والمزارات، ففي البصرة عدد كبير من الأضرحة المنسوبة إلى الصحابة، كضريح الزبير بن العوام، وضريح عتبة بن غزوان، وضريح طلحة الخير، وضريح المقداد بن الأسود، وضريح عبد الرحمن بن عوف، وضريح أنس بن مالك
стр. 50
رضي الله عنهم أجمعين.
هذا إضافة إلى المزارات والمشاهد والأضرحة في النجف وكربلاء والتي يحج لها الرافضة ويعظمونها أكثر من تعظيمهم للكعبة المشرفة.
وفي الآستانة " استنبول" عاصمة السلطنة العثمانية يوجد أربعمائة وواحد وثمانون جامعا لا يخلو جامع فيها من ضريح، وفي الهند يوجد أكثر من مائة وخمسين ضريحا كبيرا مشهورا١.
وأينما اتجهت إلى البلاد الإسلامية وجدتها تعج بالأضرحة والمزارات يستغاث بأصحابها ويستعان بهم في الشدائد والأزمات ويدعونهم من دون الله ويذبح لهم وينذر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
٢ـ انتشار البدع:
انتشرت البدع والمحدثات في هذا القرن انتشارا ذريعا، حتى لا تكاد تخلو عبادة من العبادات إلا ودخلتها البدعة، وخبت فيها أنوار السنة، إضافة إلى بدع المآتم والجنائز والأعراس.
стр. 51
ومن تلك البدع التي راجت وانتشرت: بدعة الاحتفال بمناسبة المولد النبوي، وبدعة الاحتفال بالإسراء والمعراج، وبدعة الاحتفال بالهجرة النبوية، وبدعة إحياء ليلة النصف من شعبان١، وبدعة المحمل٢، والاحتفال بيوم عاشوراء وبدع الأذكار والمدائح النبوية، وهكذا انتشار الخرافات والخزعبلات بأنواعها الكثيرة والمختلفة، مع أن النبي الكريم ﷺ حذر من البدع وتوعد أصحابها٣، إلا أن قلة العلم
стр. 52
والفهم وغلبة الجهل والمنافع الشخصية للقائمين عليها تعين على انتشارها في المجتمعات.
٣ـ غلبة الصوفية وتغلغلها في حياة المسلمين:
الصوفية باب شر عظيم دخل على الأمة الإسلامية منذ القرون المتقدمة، فقد زرعت الصوفية في الأمة حب الخرافة ونزعة الخمول والركون إلى الدعة، وقلما يخلو بلد إسلامي من انتشار الطرق الصوفية بمعتقداتها وطقوسها الفاسدة المنحرفة التي يصل كثير منها إلى درجة الكفر والشرك، كما تمتليء بالبدع والخرافات الضالة والمنحرفة.
وكتبهم كثيرة ومنتشرة وللأسف الشديد في كثير من بلدان العالم الإسلامي اليوم، ومنها كتاب: دلائل الخيرات وشوارق الأنوار لمؤلفه: محمد الجزولي وغيره من كتب الصوفية في القديم والحديث١.
стр. 53
ومن الطرق الصوفية المشهورة: الجيلانية والرفاعية والبدوية والدسوقية والأكبرية والشاذلية والبكداشية والمولوية والنقشبندية والملامتية وغيرها كثير من الطرق التي ابتعدت عن دين الله تعالى ومنهج رسوله ﷺ .
٤ـ ضعف الالتزام بشعائر الإسلام الظاهرة:
إذا كانت العقيدة قد اضمحلت وفسدت عند كثير من المسلمين في هذا القرن ـ القرن الثاني عشر الهجري ـ فإن ما دونها من باب أولى، فكثير من شعائر الإسلام قد تهاون فيها المسلمون وتكاسلوا، وخفت عندهم الحمية الدينية، وحب الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ مما كان سببا في انتشار كثير من المنكرات والمخالفات في العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك.
٥ـ قلة الدعاة والمصلحين على علم وبصيرة:
قلنا: قلة الدعاة والمصلحين ولم نقل انعدام؛ لأن الخير باق في الأمة إلى يوم القيامة، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، ولأنه لا يخلو عصر من العصور في الأمة من وجود الدعاة والمصلحين لكنهم يقلون ويكثرون بحسب الظروف والأحوال، وقد سبق أن ذكرنا قوله ﵊: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله"١، ولأنه الله قد تكفل بحفظ دينه كما قال سبحانه:
стр. 54
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
لكن مقصودنا أن الجهود الدعوية المبذولة في ذلك القرن لم تكن لتواكب تلك الانحرافات الخطيرة في حياة المسلمين، وعقائدهم وبعدهم عن التطبيق الصحيح لدين الإسلام.
وبعد ذكر الحالة الدينية الضالة التي كانت قبل قيام الشيخ محمد بالدعوة نسوق فيما يلي مثالا لأقوال المنصفين، وذلك فيما يقوله لوثروب ستودارد الأمريكي في كتابه "حاضر العالم الإسلامي" بترجمة الأستاذ عجاج نويهض، وتعليق شكيب أرسلان.
فيذكر في الفصل الأول تحت عنوان: "اليقظة الإسلامية" ما نصه:
"في القرن الثامن عشر الميلادي ـ الثاني عشر الهجري ـ كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق دركة؛ وأطبقت الظلمة على كل صقع من أصقاعه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب، وتلاشى ما كان باقيا من آثار التهذيب العربي، واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال؛ فليس يرى في العالم الإسلامي ذلك العهد سوى المستبدين
стр. 55
الغاشمين كسلطان تركيا ... "إلخ.
إلى أن قال: " وأما الدين؛ فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة سجفا من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد من الأدعياء والجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان؛ يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويُرغبون في الحج إلى قبور الأولياء١، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور، وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل، وهتكت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء، ونال مكة المكرمة والمدنية المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس الذي فرضه النبي٢على من استطاعه ضربا من المستهزآت، وعلى الجملة؛ فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا
стр. 56
مهبطا بعيد القرار١.
وعند ذلك؛ علق الأمير شكيب أرسلان على وصفه هذا للعالم الإسلامي بقوله: " لو أن فيلسوفا نقريسا من فلاسفة الإسلام أو مؤرخا عبقريا بصيرا بجميع أمراضه الاجتماعية أراد تشخيص حالته في هذه القرون الأخيرة؛ ما أمكنه أن يصيب المحز وأن يطبق المفصل تطبيق هذا الكاتب الأمريكي ستودارد"٢، ويقول المستشرق الإنجليزي "ادواردلين":
" ويحمل المسلمون ـ وبخاصة المصريون ـ على اختلاف مذاهبهم ـ ما عدا الوهابيين٣ـ للأولياء المتوفين احتراما وتقديسا لا سند لهما في القرآن أو الأحاديث أكثر مما يحملون للأحياء منهم، ويشيدون فوق أغلب قبور الأولياء المشهورين مساجد كبيرة جميلة، وينصبون فوق قبور من هم أقل شهرة منهم بناء صغيرا مبيضا بالكلس ومتوجا بقبة، ويقام فوق القبر مباشرة نصب مستطيل من الحجر أو القراميد يسمى
стр. 57
"تركيبة" أو من الخشب ويسمى تابوتا، ويغطى النصب عادة بالحرير أو الكتان المطرز بالآيات القرآنية، ويحيط به قضبان أو ستر من الخشب يسمى مقصورة، وأكثر أضرحة الأولياء في مصر مدافن إلا أن أكثرها يحتوي على آثار قليلة لهم، وبعضها ليست إلا قبور فارغة، أقيمت تذكارا للميت ـ إلى أن يقول ـ وقد جرت العادة أن يقوم المسلمون "يعني المنتسبين إلى الإسلام" ـ كما كان يفعل اليهود بتجديد بناء قبور أوليائهم، وتبييضها، وزخرفتها، وتغطية التركيبة أو التابوت أحيانا بغطاء جديد، وأكثر هؤلاء يفعلون ذلك رياء١كما كان يفعل اليهود"٢.
وكل ما سبق يدل وبشكل لا جدال فيه على انحراف واقع المسلمين الديني قبل قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة الإصلاحية، سواء بشهادات هؤلاء المستشرقين أو غيرهم، وقد تعرفنا على جوانب متعددة من مظاهر هذا الانحراف عند الحديث عن الحالة الدينية في العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري.
*****
стр. 58
ثانيا: أحوال الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر قبل الدعوة
...
ثانيا: أحوال الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر قبيل الدعوة
أولا: الحالة السياسية:
سبق أن بينا حدود الجزيرة العربية وسنتحدث الآن عن أحوالها السياسية والدينية في القرن الثاني عشر الهجري، ففي الجزء المهم من الجزيرة العربية وهو الحجاز كان يحكمه الأشراف تحت سلطة الدولة العثمانية، وكان هؤلاء الأشراف خلال القرن في منازعات وحروب شديدة فيما بينهم، بين الأخ وأخيه أو قريبه، تسفك فيه الدماء وتستحل فيه الحرمات ولم يزد معدل ولاية الواحد منهم على سنتين لكثرة الاغتيال والغدر فيما بينهم، ولهوانهم على السلطان العثماني، فقد أوكل أمرهم إلى والي مصر يعزل من يشاء منهم ويولي من يشاء.
أما في اليمن فإنها كانت محكومة منذ أمد بعيد بحكم الأئمة الزيديين، وكانت بلادهم قد شهدت دخول العثمانيين إليها ولم يستقر الأمر لهم استقرارا تاما فيها، واضطروا في نهاية الأمر إلى تركها بسبب ثورة اليمنيين ضدهم، كما أن الأئمة الزيديين لم تكن أمورهم السياسية بذلك الاستقرار التام بل إن حالهم أقرب ما يكون إلى
стр. 59
الاضطراب والفوضى منها إلى الاستقرار بسبب الخلافات المستمرة بينهم وتسابقهم إلى الحكم.
أما في الأحساء وما جاورها فإن بني خالد تمكنوا بزعامة براك آل حميد من إجلاء الحامية التركية والاستيلاء على الأحساء سنة ١٠٨٠هـ وفي أوج قوة بني خالد استطاعوا مد نفوذهم إلى الكويت وبعض بلاد نجد.
أما بلاد نجد، فإنها لم تشهد سلطة قوية بعد حكم الدولة الأخيضرية وهي أسرة علوية سيئة السيرة، استقلت عن الدولة العباسية في سنة ٢٥٣هـ، واستمر حكمها حتى سقطت في منتصف القرن الخامس الهجري، ومنذ ذلك التاريخ وبلاد نجد لم تعرف حكومة قوية، وإنما هي عبارة عن إمارات صغيرة متفرقة متنازعة لا تعرف السكينة والأمن والطمأنينة، وقليل منها يدين بالولاء لبني خالد في الأحساء أو للأشراف في الحجاز بسبب الظروف الاقتصادية.
هذه حالة الحاضرة، أما البادية، فإنهم قبائل متناحرة متنافرة تقوم بينها الحروف وتعتدي كل واحدة منها على الأخرى لأتفه الأسباب، أما العثمانيون فلم يكون لهم أي نفوذ في بلاد نجد، ولم تطأ أرضه قدم حامية تركية، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الدولة العثمانية لم تهتم كثيرا في أن تخضع هذه المنطقة الداخلية لنفوذها؛ لأنها لا ترى في
стр. 60
ذلك فائدة تذكر نظرا لبعدها عن المناطق الاستراتيجية١.
ثانيا: الحالة الدينية:
أما الحالة الدينية في الجزيرة العربية، فقد تحدث عنها عدد من المؤرخين، وكان من أبرزهم المؤرخ حسين بن غنام٢، ولأهمية كلامه وواقعيته فسنذكره ملخصا٣، فيقول ﵀: في مطلع القرن الثاني عشر الهجري كان أكثر الناس قد انهمكوا في الشرك، وارتدوا إلى الجاهلية، وانطمست بينهم أنوار الإسلام والسنة؛ لذهاب أهل العلم والبصيرة، وغلبة أهل الجهل، واستعلاء ذوي الأهواء
стр. 61
والضلال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم من الضلال؛ ظانين أنهم أدرى بالحق، وأعلم بطريق الهدى.. عدلوا عن عبادة الله وحده إلى عبادة الأولياء والصالحين من الأموات والأحياء، يستغيثون بهم في النوازل والكوارث، ويقبلوا عليهم في الحاجات والرغبات، ويعتقدون النفع والضر في الجمادات كالأحجار والأشجار، ويعبدون أهل القبور، ويصرفون لهم الدعاء والنذور في حالتي الضراء والسراء، زائدين على مشركي الجاهلية الأولى، حيث كانوا إذا مسهم الضر لا يدعون إلا الله مخلصين له الدين، أما إذا نجاهم الله؛ فهم يشركون، لكن هؤلاء أحبوا أوثانهم من دون الله محبة أعظم من محبتهم لله؛ سرت في سويداء قلوبهم، وبدت على صفحات وجههم، وألستنهم وجوارحهم، وبذلوا أعمارهم وحياتهم في دفع الحق ومن يبديه.
وهذا ليس في قطر دون آخر، ولكنه في غالب الأقطار، كما أنه ليس في أول زمن الشيخ فحسب، بل كان بدؤه من قديم، حيث حدث التغيير ولابتداع والاختلاف بعد زمان رسول الله ﷺ وزمان من بعده من أهل القرون الفاضلة، ثم تعاقبت العصور وتوالت السنون، والغي يزداد، والضلالة تنتشر، حتى جاء من اعتقد أن الدين هو ذلك الضلال والبدع؛ لأنهم وجدوا آباءهم وأجدادهم وأسلافهم عليه، فقالوا: إنا على آثارهم مقتدون.
стр. 62
وقد كان في بلدان نجد من ذلك أمر عظيم، يأتون عند قبر زيد بن الخطاب١رضي الله عنه في الجبيلة، فيدعونه لتفريج الكرب وكشف النوب، وكان عندهم مشهورا بذلك ومذكورا بقضاء الحوائج.
وكانوا يزعمون أن في قريوة في الدرعية قبور بعض الصحابة، فعكفوا على عبادتها، وصار أهل تربتها أعظم في صدورهم من الله.
وفي شعيب غبيراء؛ يزعمون أن فيه قبر ضرار بن الأزور٢رضي الله عنه، وهو مكذوب، يأتون من المنكرات عنده ما لا يعهد مثله.
وكان الرجال والنساء يأتون بليدة الفدا لفحل النخل الذي فيها، ويفعلون عنده أقبح الأفعال، ويتبركون به، ويعتقدون به، فكانت المرأة إذا تأخرت عن الزواج تأتيه فتضمه بيديها؛ ترجو أن يفرج عنها كربها، وتقول: يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول.
وكان طوائف من الناس تقصد شجرة الطرفية؛ يتبركون بها، ويعلقون الخرق عليها إذا ولدت المرأة ذكرا؛ لعله يسلم من الموت.
стр. 63
وفي أسفل الدرعية غار كبير؛ يزعمون أن امرأة تسمى بنت الأمير، أراد بعض الفسقة أن يظلمها فصاحت، فانفلق لها الغار، وأجارها من ذلك السوء، فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز، ويبعثون بصنوف الهدايا إليه.
وكان عندهم رجل يزعمونه من الأولياء اسمه تاج؛ سلكوا فيه سبيل الطواقيت، فصرفوا إليه النذور، وتوجهوا إليه بالدعاء، واعتقدوا فيه النفع والضر، وكانوا يأتونه لقضاء شؤونهم أفواجا، وكان هو يأتي إليهم من بلدة الخرج إلى الدرعية لتحصيل ما تجمع من النذور والخراج، وكان أهل البلاد المجاورة يعتقدون فيه اعتقادا عظيما، حتى خافه الحكام، وهاب أعوانه وحاشيته الناس؛ فلا يتعرضون لهم بما يكرهون، ويدعون فيه دعاوى فظيعة، وينسبون إليه حكايات قبيحة، كانوا لكثرة ما تناقلوها وأذاعوها يصدقون ما فيها من كذب وزور، زعموا أنه أعمى، وأنه يأتي من بلدة الخرج من غير قائد يقوده، وغير ذلك من الحكايات والاعتقادات التي ضلوا لسببها عن الصراط المستقيم، وأعرضوا عن إخلاص الدعاء لله وحده رب العالمين.
وأما ما يفعل في الحرم المكي الشريف ـ زاده الله رفعة وتشريفا ـ؛ فهو يزيد على غيره كثيرا؛ ففي تلك البقاع المطهرة تأتي جماعات الأعراب والفساق والضلال والعصيان ما يملأ القلب أسى وحزنا؛
стр. 64
فلقد انتهكت فيه المحرمات والحدود، تظاهر بذلك جمع غفير، ولم يكون لأهل العلم تغيير، بل صادموا الحق، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق١،فمن ذلك ما يفعل عند قبة قبر أبي طالب"من الأشراف"، وهم يعلمون أنه حاكم متعد غاصب، كان يخرج إلى بلدان نجد، ويضع عليهم خراجا، فإن أعطي ما أراد انصرف، وإلا عاداهم وحاربهم، فصاروا يأتون قبره بالسماعات٢والعلامات، يستغيثون به عند حلول المصائب ونزول الكوارث، وكذلك ما يفعل عند قبر المحجوب " في الطائف"؛ يعظمون أمره، ويحذرون سره، ويطلبون عنده الشفاعة٣، ومغفرة الذنوب، وإن التجأ سارق أو متعد
стр. 65
أو غاصب إلى أحد هذين القبرين؛ لم يتعرض له أحد بما يكره، ولا يخشى معاقبة، أما إن تعلق جان مهما تكن جنايته بالكعبة؛ فإنه يسحب منها سحبا، لا يرعون لها حرمة ولا منزلة.
ومن ذلك أيضا: ما يفعل عند قبر ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ في سَرِف، وعند قبر خديجة ﵂ في المعلاة؛ من اختلاط النساء بالرجال، وفعل الفواحش والمنكرات، وارتفاع الأصوات عندهما بالدعاء والاستغاثة وتقديم الفدية، مما لا يسوغ لمسلم أن يبيحه، فضلا عن أن يراه قربة وعبادة.
стр. 66
وكذلك ما يأتونه عند قبر عبد الله بن عباس ﵄ بالطائف من هذه الأمور التي تشمئز منها نفس الجاهل؛ فكيف بالعالم؟ يقف عند قبره المكروب والخائف متضرعا مستغيثا في حالة عبودية، وينادي أكثر الباعة في الأسواق: اليوم على الله وعليك يا ابن عباس! ثم يسألونه ويسترزقونه١.
وأما ما يفعل عند قبر النبي صلى الله من الأمور العظيمة المحرمة، كتعفير الخدود، والانحناء والسجود خضوعا وتذللا، واتخاذ ذلك القبر عيدا؛ فهو أعم من أن يخفى، وأعظم من أن يذكر؛ لشهرته
١ وهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة؛ لكونه صرفا لأنواع العبادة لغير الله تعالى من التوكل على غيره والاستغاثة بغيره ، وطلب الحاجة والرزق من المخلوقين الضعفاء، قال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ".. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان، انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وغلا قتل، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر"، انظر: مجموعة التوحيد، ص٢٩٠.
стр. 67
وشيوعه، وقد لعن الرسول ﷺ فاعله١، وكفى بذلك زجرا ووعيدا، ونهى عما يفعله عنده الجهال وأهل الضلال، وغلظوا في ذلك تغليظا شديدا، ويكل اللسان عن وصف ما يفعل عند قبر حمزة ﵁، وفي البقيع وقباء، ويعجز القلم عن بيانه.
وأما ما يفعل في جدة؛ فقد عمت به البلوى، وبلغ من الضلال والفحش الغاية؛ فعندهم قبر طوله ستون ذراعا، عليه قبة، يزعمون أنه قبر حواء، وضعه بعض الشياطين من قديم وهيأه.
وعندهم معبد يسمى العلوي، فاقوا في تعظيمه جميع الخلائق، فلو دخل قبره سارق أو غاصب أو قاتل؛ لم يعترضه مؤمن ولا فاسق بمكروه، ولم يجرؤ أحد أن يخرجه منه، فمن استجار بتربته أجير، ولم ينله أحد من الحكام بأذى.
وأما ما يفعل في بلدان اليمن من الشرك والفتن؛ فأكثر من أن يستقصى، فمن ذلك ما يفعله بعض أهل شرقي صنعاء بقبر عندهم يسمى الهادي، فكانوا يغدون جميعا ويروحون؛ يدعونه ويستغيثون به، فتأتيه المرأة إذا تعسر حملها أو كانت عقيما، فتقول عنده كلمة
стр. 68
عظيمة قبيحة؛ فسبحان من لا يعالج بالمعاقبة على الذنوب.
وأما أهل برع فعندهم البرعي١، وهو رجل يرحل إلى دعوته كل دان وقاص، ويؤتى إليه من مسيرة أيام وليال لطلب الإغاثة وشكاية الحال، ويقيمون عند قبره للزيارة، ويتقربون إليه بالذبائح؛ كما حقق أخباره من شاهدها.
стр. 69
وأما أهل الهجرية؛ فعندهم قبر يسمى علوان، وقد أقبل عليه العامة في النوائب، واستغاثوا به ويسمونه منجي الغارقين، وأغلب أهل البر والبحر منهم يطربون عند سماع ذكره ويستغيثون به، وإن لم يصلوا إلى قبره، وينذر له في البر والبحر، وعند أهل بلده نذور تزيد عن الحصر، ويفعلون عند قبره السماعات والموالد، ويجتمعون عنده بأنواع من المعاصي والمفاسد، وليس في أقطار اليمن مثله في الاشتهار، ولهم في حضرته أمور يفعلونها تدينا؛ كطعنهم أنفسهم بالسكاكين والدبابيس، ويقولون وهم يرقصون طربين وقد ملأ الوجد ألبابهم: يا سادتي قلبي بكم مُعنى.
وأما حال حضرموت والشحر ويافع وعدن؛ فقد ثوى فيهم الغي والضلال، عندهم العيدروس يفعل عند قبره من السفه والشرك ما يكفي ذكر مجمله؛ يقول قائلهم: شيء لله يا عيدورس! شيء لله يا محيي النفوس!!
وأما بلدان الساحل؛ فعندهم الكثير: فأهل المخا عندهم الشاذلي، أكثرهم يدعونه ويستغيث به، وتفتر ألستنهم عن ذكره قعودا وقياما.
وأهل الحديدة عندهم الشيخ صديق؛ يعظمونه ويغلون فيه، إلى حد أنه لا يمكن أحد أن يركب البحر أو ينزل منه إلى البر حتى يجيء
стр. 70
إليه ويسلم عليه ويطلب منه الإعانة والمدد فيما أراد.
وأما أهل اللحية؛ فعندهم الزيلعي، واسمه عندهم الشمس؛ لأن قبره ليس عليه قبة؛ يصرفون إليه جميع النذورن ويعظمونه، ويدعونه أشد ما يكون ذلك عبادة وضراعة، ويحكي عنه أهل البادية منهم أنه كان رسولا في حاجة، فأراد أن يدخل بلده والشمس متدلية للغروب، فقال لها: قفي! فوقفت، وسمعت قولته وامتثلت، فدخل بلده نهارا، وعندهم قبر رابعة مشهور؛ لا يحلفون يمينا صادقا إلا بها.
وفي أراضي نجران الطامة المعضلة، وهو الرئيس المعروف عندهم بالسيد؛ فقد أتى أهل نجران وما يليهم من الأعراب والقبائل من تعظيمه والغلو فيه والاعتقاد الشركي ما أفضى بهم إلى الضلال والإلحاد، صرفوا له من أنواع العبادة سهما، وجعلوا فيها للألوهية قسما، حتى كادوا يجعلونها لله ندا، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وأما في القطيف والبحرين؛ فالبدع الرافضية الشركية والمشاهد الوثنية التي لا تكاد تخفى على أحد من الناس.
ثم يقول ابن غنام ﵀: فإن من رأى أفعال الناس في بلاد المسلمين مما أشرنا إليه، وهو عارف بالإيمان؛ تبين له غربة الإسلام في
стр. 71
ذلك الزمان، وصيرورة الحظوظ الدنيوية والشهوات النفسية غايتهم ومقصدهم وسرهم في الخلق والإيجاد.
ثم يقول ابن غنام ﵀: وهذا في الغالب الأكثر، وليس عليه جميع المسلمين، حيث إن تعالى لا يجمع الأمة على ضلالة، ولا يعمها بالسفاهة والجهالة؛ كما ثبت ذلك في صحيح الأخبار عن النبي ﷺ ، وكما أخبر أيضا أن في أمته أناسا لا يزالون بهديه يستمسكون إلي قيام الساعة، كما أن أكثرهم في أزمنة الغربة مخطئون، وعن هدي الرسول ﷺ ومناهجه منحرفون ... وهذا مما زينه الشيطان واقتضته الطباع الناقصة والنفوس البشرية، حتى إن ذلك يوجد من بعض العلماء المنتسبين إلى أحد المذاهب المتعصبين؛ فلا يقبلون من الدين رأيا ولا رواية إلا ما كان لأصحابهم به عمل أو دراية، فيرفض السنة النبوية واتباعها، ولو عرف أن الحق ليس مع مذهبه، وقد يحمله التعصب على الطعن في الأئمة وثلبهم، وكذلك من المتعبدة والمتصوفة من يرى طريقة العلم سفاهة وضلالا، ويدعي أن العلماء لم يضربوا من صافي الشريعة ومعينها؛ كبرت فرية وكذبة من هؤلاء المتصوفة، أ. هـ.
هذه صورة مجملة من الشيخ ابن غنمام ﵀ لحال الجزيرة العربية قبيل الدعوة الإصلاحية، وهي صورة تحمل في طياتها الكثير من مظاهر البعد عن شرع الله تعالى والتخلف الديني والاجتماعي في
стр. 72
أوضح صوره، وبهذه الصور الدينية والاجتماعية البالغة السوء يتضح لنا أهمية قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بدعوته الإصلاحية المباركة.
هذا ما يتعلق بأمر العقيدة وهو انتشار الشرك الذي اعتبرناه المظهر الأول من مظاهر الحالة الدينية السيئة في العالم الإسلامي والمظاهر الأخرى هي المظاهر الموجودة نفسها في الجزيرة العربية.
على أنه يمكن استثناء منطقة نجد من المظهر الثالث وهو غلبة الصوفية وانتشارها، فإن الصوفية في الحقيقة لم تكن شائعة في نجد بمثل ما هي عليه في بلدان العالم الإسلامي الأخرى.
وتميزت منطقة نجد بسيادة المذهب الحنبلي على أهلها وعلمائها؛ لكونه أقرب المذاهب الفقهية الأربعة التي تهتم بصفاء العقيدة والأخذ بظاهر النص١.
*****
стр. 73
الفصل الثاني: التعريف بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀
١ـ نسبه وأسرته:
ينتمي الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى أسرة تدعى آل مشرّف وهي فرع من آل وهبة أحد بطون قبيلة تميم.
ونسبه هو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرّف الوهبي التميمي١.
ويقال: التميمي، نسبة لقبيلة تميم الشهيرة، وهي القبيلة التي أثنى عليها رسول الله ﷺ ، كما في الحديث الذي يرويه أبو هريرة ﵁ بقوله: لا أزال أحب بني تميم منذ ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ يقول فيهم؛ سمعته يقول: "هم أشد أمتي على الدجال"، وجاءت صدقاتهم، فقال النبي ﷺ : "هذه صدقات قومنا"، وكانت سبية منهم عند عائشة ﵂، فقال رسول الله ﷺ : " أعتقها فإنها من ولد إسماعيل" ٢.
стр. 74
أسرته:
كان آل مشرّف يسكنون بلدة أشيقر التي كانت مركزا علميا في نجد خلال القرنين العاشر والحادي عشر من الهجرة، ومن هناك انتقل بعضهم إلى بلدان نجد أخرى.
وقد برز من هذه الأسرة عدد من العلماء، منهم: القاضي عبد القادر بن بريد المشرفي، وكان جد الشيخ محمد، وهو الشيخ سليمان بن علي قاضيا في روضة سدير، ثم انتقل منها إلى العيينة وأصبح قاضيا فيها، ويعد مرجع علماء نجد في كثير من مسائل الخلاف الفقهية في زمانه، وله بعض المؤلفات، مثل: كتاب المناسك، وله رسائل عديدة في عدد من المسائل الفقهية، وقد توفي الشيخ سليمان عام١٠٧٩هـ في العيينة.
أما والد الشيخ محمد فهو الشيخ عبد الوهاب بن سليمان وقد تولى القضاء في العيينة بعد وفاة والده، ويعد أحد علماء المذهب الحنبلي في وقته في نجد، ولكنه لم تكن له المكانة العلمية التي كان يتمتع بها والده، ومن العلماء المعدودين من أسرته أيضا: عمه الشيخ إبراهيم بن سليمان ﵀.
وأما والدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهي تنتسب لأسرة آل عزاز الذين هم من آل مشرّف من بني تميم، وقد كان خاله الشيخ سيف بن محمد بن عزاز من علماء نجد في زمانه، وقد ولي قضاء
стр. 75
أشيقر وله علم في الفقه، وأجاد في الإفتاء والتدريس وتوفي ﵀ في أشيقر سنة ١١٢٩هـ.
فاتضح لنا فيما سبق المكانة العلمية والاجتماعية البارزة لأسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وخصوصا في تلك الأزمنة التي كانت تشتكي من قلة العلماء وضعف الحركة العلمية في نجد.