← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7616

الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلم

عبد الرحيم المغذوي

Полный текст (70 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢) . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (النساء:١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (الأحزاب:٧٠-٧١) . أما بعد: فإن أي دعوة تشرف بما تدعو إليه، وتزكو بما تحث الناس عليه، ولا ريب أن الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم، هي أسمى المقاصد، وأنبل الفوائد، لأنها تتعلق بكتاب الله تعالى، وكفى بذلك شرفاً ومقصداً. أ - أهمية الموضوع، وأسباب الدراسة: المسلم مطالب دائماً وأبداً بالتمسك بكتاب الله تعالى حق التمسك وتطبيق ذلك في حياته الخاصة والعامة، وظهور آثار ذلك التمسك في سلوكه وتصرفاته

стр. 2

ولكن الملاحظ - وبخاصة في عصرناالحاضر - انصراف كثير من فئام المسلمين عن التمسك بكتاب ربهم ﵎، وإن أظهروا حبهم وتقديسهم له، إلا أن الواقع المعاش يغاير ذلك ومن هنا كان الاختلال الواضح، في حياة المسلمين أفراداً ومجتمعات، الأمر الذي أوقع الوهن في حياة الأمة على مختلف الأصعدة الدينية والدنيوية. ولا ريب أن المتأمل في كتاب الله تعالى يجد الدعوة الصريحة الواضحة للتمسك بالقرآن الكريم، والآثار العظيمة التي سوف يجنيها الفرد والمجتمع من ذلك. ومن هنا كان الدافع للكتابة في هذا الموضوع الدعوي القرآني الهام، وكذا لعدم وجود مؤلف خاص في هذا الموضوع - على حد علمي - وإنما هنالك إشارات وذكر متناثر في بطون الكتب، فأحببت أن أجمع شتات الموضوع، وأبرز معالمه، وأوضح مقاصده ليكون دعوة خيّرة للناس لعلهم يتقون. كما أرجو من الله تعالى أن أكون قد وفقت وأنا أقدم هذا البحث المتواضع للندوة المباركة بإذن الله تعالى (ندوة عناية المملكة السعودية بالقرآن الكريم وعلومه) والتي يعقدها مشكوراً مأجوراً مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة في الفترة ٤/٦/١٤٢١هـ إلى ٧/٦/١٤٢١هـ. ب - تساؤلات البحث: يهدف البحث إلى الإجابة عن التساؤلات الكبرى التالية: أولاً: ماالمقصود بالقرآن الكريم، وماأهمية التمسك به؟. ثانياً: ما مظاهر التمسك بالقرآن الكريم؟.

стр. 3

ثالثاً: ما فضائل التمسك بالقرآن الكريم؟. رابعاً: ما آثار التمسك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين الخاصة والعامة؟. ج - منهج البحث والخطوات البحثية: استخدم الباحث منهج البحث الوصفي، وكذا منهج البحث التحليلي التأملي، للخروج بفوائد علمية هامة دقيقة. كما اتبع الباحث الخطوات البحثية المختصرة التالية: ١- عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها من المصحف. ٢- تخريج الأحاديث من مظانها، وإيراد حكم العلماء عليها. ٣- توثيق الآثار والأقوال بإرجاعها إلى مصادرها. ٤- التأصيل العلمي للموضوعات البحثية، والخلوص إلى نتائج محددة.

стр. 4

د - خطة البحث بالتفصيل: - المقدمة: وتضمنت الحديث عن أهمية الموضوع، وبواعث دراسته، وتساؤلات البحث الكبرى، ومنهج البحث والخطوات البحثية، والخطة بالتفصيل. - الفصل الأول: الدَّعوة إلى التمسّك بالقرآن الكريم. ويتضمن أربعة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالقرآن الكريم، وأسمائه، وخصائصه. المبحث الثاني: أهمية الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم. المبحث الثالث: مظاهر التمسك بالقرآن الكريم. المبحث الرابع: فضائل التمسك بالقرآن الكريم. - الفصل الثاني: آثار التمسّك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين. ويتضمن ستة مباحث: المبحث الأول: الأثر الإيماني والتعبدي. المبحث الثاني: الأثر الدعوي والإصلاحي. المبحث الثالث: الأثر الخلقي والمسلكي. المبحث الرابع: الأثر العلمي والفكري. المبحث الخامس: الأثر الإنساني والحضاري. المبحث السادس: الأثر الأمني الشامل. - الخاتمة: وفيها خلاصة البحث، ونتائجه، والتوصيات. - الفهارس.

стр. 5

هـ - ثناء الباحث على الله تعالى بما هو أهل له. اللهم لك الحمد كله، والشكر كله فأنت أهل الثناء والحمد، والعزة والمجد، والميسر لكل قصد. اللهم لك الحمد أن جعلتنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، اللهم فأدم علينا نعمتك، وارزقنا شكرها على الوجه الذي ترضاه عنا يارب العالمين. اللهم نوِّر بالقرآن العظيم قلوبنا، وافتح به أبصارنا، واشرح به صدورنا، واكلأ به حياتنا، وأنر به دروبنا، واحفظنا به من أمامنا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا ومن تحتنا، وما أنت أعلم به منا. ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٨٦) .

стр. 6

الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلم ... الفصل الأول الدَّعوة إلى التمسّك بالقرآن الكريم ويتضمّن أربعة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالقرآن الكريم، وأسمائه، وخصائصه. المبحث الثاني: أهمية الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم. المبحث الثالث: مظاهر التمسك بالقرآن الكريم. المبحث الرابع: فضائل التمسك بالقرآن الكريم.

стр. 7

المبحث الأول: التعريف بالقرآن الكريم، وأسمائه، وخصائصه. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: التعريف بالقرآن الكريم لغةً. اختلفت آراء أهل اللغة حول أصل كلمة (القرآن) وتعددت، ويمكن لنا حصرها في اتجاهين رئيسين: - الاتجاه الأول: وهو الذي يذهب إلى أن القرآن اسم لكتاب الله تعالى، وأنه غير مشتق من أي مادة سواء من (قرأ) أو من غيرها. وذلك لأنه علم على كتاب الله تعالى مثل التوراة والإنجيل. وعلى هذا فالقرآن غير مهموز. - الاتجاه الثاني: وهو الذي يذهب إلى أن لفظ (القرآن) مشتق، واختلف أصحاب هذا الاتجاه على أربعة أقوال: ١- أن القرآن مصدر لقرأت كالرجحان والغفران، سمي به الكتاب المقروء من باب تسمية المفعول بالمصدر. وبه قال اللحياني وآخرون. ٢- وقال قوم منهم الأشعري: هو مشتق من قرنت الشيء بالشيء: إذا ضممت أحدهما إلى الآخر. ٣- وقال الفراء: هو مشتق من القرائن، لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضاً، ويشابه بعضها بعضاً وهي قرائن. وعلى القولين بلا همز أيضاً ونونه أصلية. ٤- وقال آخرون منهم الزجاج: هو وصف على فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع، ومنه قرأت الماء في الحوض أي جمعته. قال أبو عبيدة: وسمي بذلك لأنه جمع السور بعضها إلى بعض.

стр. 8

وقال الراغب: لا يقال لكل جمع قرآن ولا لجمع كل كلام قرآن، وإنما سمي قرآناً لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزلة. وقيل: لأنه جمع أنواع العلوم كلها. ثم قال الحافظ السيوطي بعد أن ساق تلك الأقوال: والمختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الشافعي (١) . ويذهب الشيخ الزرقاني إلى خلاف ذلك ويؤكد أن القرآن مشتق فيقول: (أما لفظ القرآن فهو: في اللغة مصدر مرادف للقراءة، ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٧-١٨) . ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسماً للكلام المعجز المنزل على النبي ﷺ من باب إطلاق المصدر على مفعوله، ذلك ما نختاره استناداً إلى موارد اللغة، وقوانين الاشتقاق، وإليه ذهب اللحياني وجماعة. أما القول: بأنه وصف من القَرء بمعنى: الجمع، أو أنه مشتق من القرائن، أو أنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء، أو أنه مرتجل أي موضوع من أول الأمر عَلَماً على الكلام المعجز المنزل غير مهموز ولا مجرد من أل، فكل أولئك لا يظهر له وجه وجيه، ولا يخلو توجيه بعضه من كلفة، ولا من بُعد عن قواعد الاشتقاق وموارد اللغة. وعلى الرأي المختار: فلفظ قرآن مهموز، وإذا حذف همزه، فإنما ذلك للتخفيف، وإذا دخلته "أل" بعد التسمية فإنما هي للمح الأصل لا للتعريف) (٢) .

стр. 9

والرأي الذي أميل إليه في أصل كلمة قرآن لغةً: أن القرآن اسم لكتاب الله تعالى، وأنه غير مشتق وهو ما ذهب إليه الإمام الشافعي وابن كثير وغيرهما. المطلب الثاني: التعريف بالقرآن الكريم اصطلاحاً. القرآن الكريم كلام الله تعالى، أنزله على رسوله ﷺ ليكون للعالمين نذيراً، وحوى من العقائد والشرائع والمعارف والعلوم والآداب والأخلاق ما يجلّ الوصف عن ذكره، وتضمّن بين طيّاته الإخبار عن الأوّلين والآخرين، وما كان وما سيكون. ورسم للإنسان منهجاً واضحاً، وطريقاً سليماً، وصراطاً مستقيماً يسير عليه، ويهتدي به، ويدعو إليه. كما اشتمل القرآن العظيم على الأمن والإيمان والطمأنينة والتوحيد، وانشراح الصدور، وهدوء الضمائر، وراحة البال. كما تميز كتاب الله تعالى بالاعجاز، وتحدي الخلق أجمعين أن يأتوا بمثله أو بأقل سورة فيه. كما أنه متعبد بتلاوته، ومحفوظ إلى يوم القيامة. وهنا نتساءل: من الذي يستطيع أن يعطي تعريفاً لهذا الكتاب الكريم الذي حوى كل تلك الأمور - وغيرها كثير؟ -. ومن الذي يقدر على تحديده في تعريف من تعاريف البشر التي اصطلحوا على وجود حدود ومعالم لها؟ أو أنها جامعة ومانعة؟ الحقيقة أنه من خلال تعاريف العلماء قديماً وحديثاً للقرآن الكريم، ومن خلال محاولات الكُتّاب والمؤلفين في هذا الصدد نجد أنها كلها لا تعدو توصيفاً للقرآن الكريم، دون إعطاء تعريف دقيق محدَّد له، فنجد بعض التعاريف تركز على شيء واحد وتهتم به، مثل كونه كلام الله

стр. 10

تعالى، أو أنه معجز، أو اشتماله على الأمور والمسائل العظيمة التي تهم المسلم في حياته ومآله وغير ذلك. والحقيقة أن ذلك راجع إلى عدم إحاطة أولئك العلماء والمؤلفين لمضامين القرآن العظيم، وعلومه وأحكامه، وفضائله وفوائده، وأنّى لهم ذلك. يقول الشيخ مناع القطان ﵀: (والقرآن الكريم يتعذر تحديده بالتعاريف المنطقية ذات الأجناس والفصول والخواص. بحيث يكون تعريفه حداً حقيقياً، والحد الحقيقي له هو استحضاره معهوداً في الذهن أو مشاهداً في الحس كأن تشير إليه مكتوباً في المصحف أو مقروءاً باللسان، فتقول هو ما بين هاتين الدفتين، أو تقول: هو (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين ... إلى قوله: من الجنة والناس) (١) . ويقول الدكتور محمد عبد الله دراز يرحمه الله: (أما ما ذكره العلماء من تعريفه بالأجناس والفصول كما تُعرف الحقائق الكلية فإنما أرادوا به تقريب معناه وتمييزه عن بعض ما عداه مما قد يشاركه في الاسم ولو توهماً، ذلك أن سائر كتب الله تعالى والأحاديث القدسية وبعض الأحاديث النبوية تشارك القرآن في كونها وحياً إلهياً فربما ظن ظان أنها تشاركه في اسم القرآن أيضاً، فأرادوا بيان اختصاص الاسم به ببيان صفاته التي امتاز بها عن تلك الأنواع) (٢) . ومن التعاريف التي ذكرها العلماء والكتاب للقرآن الكريم ما يلي: أ - قيل هو: اسم للمتلوّ المحفوظ المرسوم في المصاحف (٣) .

стр. 11

ب - وقيل هو: اسم لما بين الدفتين من كلام الله (١) . ج - وقيل هو: الكلام المنزّل على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلاً متواتراً (٢) . د - وقيل في تعريفه هو: اللفظ المنزّل على النبي ﷺ من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس (٣) . هـ - وقيل في تعريفه هو: كلام الله المنزّل على خاتم الأنبياء والمرسلين، بوساطة الأمين جبريل ﵇، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس) (٤) . و وقيل أيضاً في تعريفه هو: كلام الله المعجز والموحى به على خاتم الأنبياء والمرسلين، والذي أُحكمت آياته ثم فُصلت من لدن حكيم خبير للتعبد بتلاوتها والعمل بمقتضاها في جميع جوانب الحياة، في كل زمان ومكان (٥) . ز - وقيل أيضاً في تعريفه هو: القرآن هو كلام الله المعجز، ووحيه المنزّل على نبيه محمد بن عبد الله ﷺ ، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته (٦) . ح - وقيل في تعريف القرآن هو: المنزّل على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة (٧) .

стр. 12

ط - وقيل أيضاً في تعريف القرآن الكريم هو: كلام الله المعجز المنزّل على رسوله محمد ﷺ بالوحي المنقول إلينا بالتواتر (١) . والمتأمل في التعاريف السابقة يجد أنها إما مسهبة أو مقصرة أو متوسطة في توصيف القرآن وتعريفه، ومهما قال القائلون إلا أنهم لن يبلغوا المراد الكامل للقرآن الكريم، والمعنى الشامل لكتاب الله تعالى. قال تعالى مخبراً عن كتابه العظيم: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: ١٩٢-١٩٥) . وقال تعالى أيضاً في كتابه الكريم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم:١) وقال تعالى أيضاً في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٥٧) . ومن خلال ما سبق يمكن أن أذكر تعريفاً أو قُل توصيفاً للقرآن الكريم فأقول هو: (كلام الله تعالى المعجز، الموحى به إلى محمد ﷺ ، لينذر به الخلق أجمعين، ويدعوهم إلى توحيد رب العالمين، والمكتوب بين دفتي المصحف، والمنقول إلينا بالتواتر، والمتعبد بتلاوته، والمحفوظ إلى آخر الدهر، والمشتمل على خيري الدنيا والآخرة) (٢) .

стр. 13

المطلب الثالث: أسماء القرآن الكريم وأوصافه. إن تعدد الأسماء دليل على عظم المسمى، وإيماء إلى شرفه وعلوّه ورفعته. ولا ريب أن القرآن الكريم هو أعظم وأشرف كتاب، ولذا تعددت أسماؤه وأوصافه، وكلها مستفادة من القرآن ذاته. ومن تلك الأسماء والأوصاف العديدة ما يلي (١) : أ - القرآن. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩) . ب - الفرقان. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ (الفرقان: ١) . ج - الذكر. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) . د - الكتاب. قال تعالى: ﴿ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١-٢) . هـ – التنزيل. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: ١٩٢) . و النور. قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: ١٥) . ز - الروح. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ (الشورى:٥٢) .

стр. 14

وغير ذلك من الأسماء والأوصاف التي ذكرها الله للقرآن الكريم، تعظيماً لكتابه، وتقديساً له، وتخليداً لذكره، ولفت انتباه الناس إلى أهميته وفضله وهيمنته على الكتب كلها. ولكن الملاحظ أنه غلب من أسمائه: القرآن والكتاب. يقول الدكتور محمد عبد الله دراز يرحمه الله (١) ((روعي في تسميته قرآناً كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه. وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعاً، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلاً بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر. وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداءً بنبيها ﷺ بقي القرآن محفوظاً في حرز حريز، إنجازاً لوعد الله الذي تكفل بحفظه، حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) . المطلب الرابع: خصائص القرآن الكريم. يتفرد القرآن العظيم بجملة من الخصائص، والفرائد التي تميزه عن غيره من الكتب السماوية السابقة، كما ترفعه عن غيره من كتب أهل الأرض،

стр. 15

وهذه الخصائص والفرائد والمزايا عديدة ومتنوعة، ولا يمكن حصرها في صفحات محدودة، ولكن يمكن لنا الاشارة إلى أهم تلك الخصائص، والمتمثلة فيما يلي: ١- أنه من عند الله: كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:٨٩) . وقال تعالى أيضاً: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء: ٨٢) . ٢- أنه كلام الله تعالى: وهذه من أخص خصائص كتاب الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: ٦) . ٣- نزوله منجماً: والمقصود بذلك نزول القرآن الكريم مفرقاً في مدة ثلاث وعشرين سنة (١) .

стр. 16

أما الكتب السماوية السابقة فكانت تنزل دفعة واحدة (١) . ومن هنا كان تعجب المشركين من عدم نزول القرآن الكريم مرة واحدة، وهو ما حكاه الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ (الفرقان: ٣٢) . ٤- حفظ الله تعالى له: وهذه الخاصية تعني تكفل الله تعالى بحفظ كتابه من انتحال المبطلين، وادعاء المدعين، وتخرّص المكذبين وعدم ضياعه على توالي الدهور والليالي والأيام. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) . يقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: قرّر تعالى أنه هو الذي أنزل القرآن الكريم، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل (٢) . ٥- هيمنته على الكتب السابقة: والمقصود بذلك: إتيان القرآن على ما في الكتب السماوية السابقة، وشهادته عليها، واحتواؤه لفضائلها ومزاياها، وزيادته على ذلك. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ (المائدة: ٤٨) . يقول الحافظ ابن الجوزي في معنى الآية: وأصل كلمة مهيمن مؤيمن، وترد على أربعة أنحاء: أ - مؤتمناً على ما قبله من الكتب. ب - وشاهداً عليها.

стр. 17

ج - والمصدق على ما أخبر عنها. د - والرقيب والحافظ عليها (١) . ٦- ختمه للكتب السابقة: والمقصود بذلك أن القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية نزولاً، فلا كتاب بعده إلى قيام الساعة، وفي هذا دليل على خصوصيته، وأهمية العناية والاهتمام به. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: ٣) . ٧- إعجازه: يمتاز القرآن العظيم بأنه كتاب معجز في كل شيء، وقد تحدى الله تعالى به العرب، وهم أهل اللغة، وأرباب البيان فعجزوا عن الإتيان بمثله أو بأقل سورة منه، مع قدرتهم على نظم الكلام وتذوقهم له، وانفرادهم من بين الأمم بخاصية القول، وعذوبته، وجماله، وتقديرهم له، وهذا واضح في شعرهم، ونثرهم. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء: ٨٨) . ٨- يسره للناس: من الخصائص العظيمة للقرآن الكريم أنه ميسر لكل من يطلع عليه، يطلب وجه الحق والخير والصواب، وهذا التيسير القرآني يشمل عدة جوانب منه: كقرائته، وحفظه، واستذكاره، وتدبره، وتأمله، ومعرفة علومه، ومعانيه

стр. 18

، وفقهه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧) . ٩- شموله للخلق أجمعين: إن من فرائد القرآن العظيم أنه كتاب لجميع الخلق، وذلك بعكس الكتب السماوية الأخرى التي كانت خاصة لأناس معينين. أما القرآن الحكيم فهو دعوة الله للناس أجمعين، وحجته على الخلق، ورسالته لجميع البشر. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (الأعراف: ١٥٨) . وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: ٥٢) . ١٠- تضمّنه لخيري الدنيا والآخرة: إن المتأمل في كتاب الله تعالى يجد أنَّه قد اشتمل على ما ينفع الإنسان في دنياه، وآخرته، فما من خيرٍ إلا ودلّه عليه، وما من شرٍّ إلا وحذَّره منه. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨) .

стр. 19

المبحث الثاني: أهمية الدعوة إلى التمسّك بالقرآن الكريم. أرسل الله تعالى نبيه المصطفى، ورسوله المجتبى محمدا ﷺ ، بخاتمة الرسائل، وآخر الدعوات، وأنزل معه الكتاب الكريم ليكون للعالمين نذيراً، وهادياً ودليلاً، وسراجاً منيراً. وأمر الله ﵎ الناس بالتمسك بكتابه الكريم وحفظه، والعناية به، وعدم تفريطه، أو التهاون فيه. قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: ٤٣) . يقول ابن جرير الطبري في تفسيره للآية الكريمة: ((يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ : فتمسّك يا محمد بما يأمرك به هذا القرآن الذي أوحاه إليك ربك، ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومنهاج سديد، وذلك هو دين الله الذي أمر به، وهو الإسلام (١)) ) . وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية الكريمة: ((أي: خذ بالقرآن المنزل على قلبك فإنه هو الحق وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم)) (٢) . ويقول الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ : بأن تعتقد أنه حق، وبأن تعمل بموجبه، فإنه الصراط المستقيم الذي لا يميل عنه إلا ضال في الدين (٣) .

стр. 20

وقال القاسمي في تفسيره للآية الكريمة: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني: دين الله الذي أمر به وهو الإسلام، فإنه كامل الاستقامة من كل وجه. قال الشهاب: هذا تسلية له ﷺ وأمر لأمته أوله، بالدوام على التمسك (١) . ومن مجموع أقوال المفسرين للآية الكريمة، يمكن لنا الخلوص بالهدايات التالية: ١- أهمية الاعتقاد الصحيح في دين الإسلام، وذلك يقتضي بأن تكون العقيدة الحقة بعيدة كل البعد عن الباطل والشرك والبدع. ٢- أهمية التمسك بالقرآن الكريم، الذي هو وحي الله تعالى، ورسالته العظيمة، ودعوته الباقية للناس أجمعين. ٣- أن التمسك بالقرآن العظيم يوصل بإذن الله تعالى إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم. ٤- أهمية العمل بالقرآن الكريم، وتطبيقه في واقع الحياة المعاش فإن ذلك من أعظم الأدلة، وأوثق البراهين على صدق دعوى التمسك به. ٥- أن القرآن الكريم كامل الاستقامة من كل وجه، خال من العيوب، صافٍ من الكدورات، فاستحق بذلك التمسك والعمل والإيمان به. ٦- وضوح المنهج الذي دعا به النبي ﷺ ، لأنه منهج يسير على ضوء وتعاليم القرآن الكريم. ٧- وفي الآية كذلك خطورة عدم التمسك بالقرآن الكريم، أو الميل عنه، وعدم الوثوق بعراه، وأن ذلك دلالة على الشقاء والعياذ بالله.

стр. 21

ويقول تعالى آمراً نبيّه ﷺ بالدعوة إلى ما أمره به وأنزله عليه وهو القرآن الكريم، وعدم اتباع الأهواء المضلة: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ الشورى: ١٥) . في هذه الآية الكريمة أمرٌ من الله تعالى لنبيه ﷺ بالدعوة كما أمره وبينها له في كتابه الكريم، والاستقامة على ذلك، وعدم اتباع الأهواء المنحرفة والضالة. ومن جملة ما أمره الله تعالى به: الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام السابقين له، وكذلك أمره تعالى بالعدل بين الناس. كما أمر الله تعالى نبيَّه ﷺ أن ينبّه الناس إلى مسألة هامة ضل فيها كثير من البشر ألا وهي مسألة توحيد الله تعالى فهو سبحانه الإله والرب الذي لا شريك له، ولا ند له، ولا كفو له. ثم أمر الله تعالى نبيَّه ﷺ أن يقول للناس بأن لكل قوم عملهم، وأنه تعالى سوف يجمع الناس ويجازيهم على أعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. يقول الحافظ ابن كثير موضحاً تلك المعاني ومركزاً إياها في نقاط محددة: اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات كل منها منفصلة عن التي قبلها، حكم برأسها، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضاً عشر فصول كهذه. وقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ أي فللذي أوحينا إليك

стр. 22

من الدين الذي وَصَّينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه. وقوله ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ، أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما أمركم الله . وقوله تعالى ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ يعني: المشركين فيما اختلقوه وكذّبوه وافتروه من عبادة الأوثان. وقوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: صدقت بجيمع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم. وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: في الحكم كما أمرني الله. وقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي: هو المعبود لا إله غيره فنحن نقرّ بذلك اختياراً وأنتم وإن لم تفعلوه اختياراً فله يسجد من في العالمين طوعاً وإجباراً. وقوله ﴿لنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: نحن برآء منكم.. وقوله: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ قال مجاهد: أي لا خصومة، قال السُّدِّي: وذلك قبل نزول آية السيف، وهذا متجه لأن هذه الآية مكية وآية السيف بعد الهجرة. وقوله : ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ أي: يوم القيامة.. وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب يوم الحساب. ا. هـ (١) . ويتضح لنا من خلال تفسير الآية الكريمة: الأمر بالتمسّك بالقرآن العظيم، والاستقامة عليه، والدعوة إليه، والحذر مما يضاد ذلك كله، وهذا في الحقيقة راجع إلى أن: (القرآن الكريم هـوكتاب الدعوة الإسلامية الشاملة للعقيدة والشريعة، والذي اشتمل على بيان العقيدة في صفائها، وعلى وضع أسس التشريع في مختلف الجوانب التي تمس حياة العباد) (٢) .

стр. 23

وكذلك اشتمل القرآن العظيم على الحقائق الكاملة التي حارت الإنسانية واختلفت فيها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النمل: ٧٦) . وكذلك اشتمل كتاب الله تعالى على إيضاح المنهج القويم الذي ينبغي أن يسير عليه المؤمن في حياته دون عوج أو اضطراب كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ (المائدة: ٤٨) . كذلك تضمن كتاب الله تعالى الإخبار عن أحوال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وما جاءوا به، وأمروا ونهوا عنه، كما قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء:١٦٥) . وتضمن كتاب الله تعالى أيضاً الوعد والوعيد، والجزاء الحاصل على الأعمال في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. كما قال تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥) .

стр. 24

المبحث الثالث: مظاهر التمسّك بالقرآن الكريم. إن دعوى التمسك بالقرآن العظيم تحتاج إلى براهين تدلّ عليها، وإلى مظاهر تؤكدّها وترشد إليها. فمن مظاهر التمسك بالقرآن الكريم ما يلي: أولاً: الإيمان به: ومقتضى هذا الاعتقاد الجازم الذي لا يخالطه شك ولا يمازجه ريب أن القرآن الكريم كلام الله تعالى، ووحيه إلى نبيّه محمد ﷺ ، لدعوة الخلق أجمعين. كما قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩) . كما أن من لوازم الإيمان بالقرآن الكريم الإيمان الجازم بكل ما جاء فيه، واعتقاد أنه الحق والصواب، كما قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: ٥٤) . يقول البيضاوي في تفسير هذه الآية: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أن القرآن هو الحق النازل من عند الله ... ، ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ بالقرآن أو بالله، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ بالانقياد والخشية، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما أشكل ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو نظر صحيح يوصلهم إلى ما هو الحق فيه (١) .

стр. 25

كما أن من مقتضيات الإيمان بالقرآن الكريم: الإيمان بمتشابهه. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: ٧) . يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ((يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أمّ الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أُخرى فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رَدَّ ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس)) (١) . ثانياً: العمل به: ومقتضى العمل بالقرآن، تنفيذ كل ما جاء في القرآن الكريم وذلك بتحليل حلاله، وتحريم حرامه، والالتزام الكامل بما دل عليه، وأرشد إليه، وعدم تجاوز ذلك أو مخالفته أو الزيادة عليه،لأن هذا من الكذب على الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: ١١٦-١١٧) . ثالثاً: قراءته وتدبره: ومعنى ذلك المداومة على قراءة القرآن الكريم، وعدم هجره، مع تدبر معانيه، وتأمل مراميه، والعلم بعقائده، ومعرفة أحكامه، وشرائعه. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ (الفرقان:٣٠) .

стр. 26

يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: كان المشركون إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعونه، فهذا من هجرانه، وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه (١) . وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء:٨٢) . وقال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤) . يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في إيضاح المقصود بهذه الآية الكريمة: أي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله، ويتأملونه حق التأمل، فإنهم لو تدبروه، لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء يحذر، ولعرَّفهم بربهم، وأسمائه وصفاته، وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من العقاب الوبيل. وقوله تعالى ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي: قد أغلق على ما فيها من الإعراض والغفلة، والاعتراض، وأقفلت، فلا يدخلها خير أبداً (٢) .

стр. 27

رابعاً: حفظه: والمقصود بذلك: حفظ القرآن في الصدور والسطور من الضياع أو الزيادة أو النقص أو الإهمال. ولا ريب أن حفظ القرآن من أفضل الأعمال وأجلها وأزكاها، وهو مظهر عظيم من مظاهر التمسك بالقرآن الكريم، ودليل على العناية والاهتمام به. وحفظ القرآن الكريم يتطلَّب من المسلم الإخلاص لله تعالى، وتصحيح النية، وحسن التوجه والقصد، وطلب العون من الله تعالى، مع تفريغ القلب من الشواغل، وبذل الأسباب واتخاذ المسببات المعينة على الحفظ. ولا ريب أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه الكريم بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) . يقول الخازن في تفسير هذه الآية الكريمة ما ملخصه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن أنزلناه عليك يا محمد، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الضمير في (له) يرجع إلى الذكر، يعني: وإنا للذكر الذي أنزلناه على محمد لحافظون، يعني: من الزيادة فيه، والنقص منه، والتغيير والتبديل والتحريف، فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه، أو ينقص منه حرفاً واحداً أو كلمة واحدةً، وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتبديل والزيادة والنقصان، ولما تولى الله عز وجل

стр. 28

حفظ هذا الكتاب بقي مصوناً على الأبد محروساً من الزيادة والنقصان ... ، وقيض الله له العلماء الراسخين يحفظونه، ويذبون عنه إلى آخر الدهر (١) . ولا ريب أن من الوسائل المفيدة لحفظ القرآن في الصدور انتشار حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد، وتربية الناشئة على ذلك، وتنشئتهم عليه منذ الصغر. ومن وسائل حفظه كذلك إنشاء المدارس، والأقسام، والكليات التي تعنى بالقرآن الكريم وعلومه، والدراسات المتعلقة به مثل: كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، التي تقوم بدور هام وعظيم في تخريج الحفاظ العالمين، وكذا تعنى بالدراسات المتعلقة بالقرآن الكريم كعلوم القراءات والتفسير. أما طرق حفظ القرآن الكريم في السطور فإن وسائل الطباعة الحديثة، والتقنية العلمية المتطورة قد ساهمت في ذلك. ومن الشواهد العظيمة للعناية بحفظ القرآن الكريم هو ما قامت به المملكة العربية السعودية من إنشاء (مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف) الذي وضع لبناته الأولى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله في ١٦ محرم ١٤٠٣هـ بالمدينة المنورة، وبدأ الإنتاج الفعلي في ٦ صفر ١٤٠٥هـ (٢) . ويقوم المجمع بطبع ملايين النسخ من المصحف الشريف طباعة صحيحة مراجعة خالية من أي عيب والحمد لله، ثم توزع في الداخل والخارج، وقد استفاد المسلمون في أقطار الأرض كافة من هذه الخدمة العظيمة، أجزل الله المثوبة لأولياء الأمور ووفقهم لخدمة كتابه العزيز.

стр. 29

خامساً: احترامه وتوقيره، والخشوع والإنصات عند سماع القرآن الكريم. إن من المظاهر الدالة على التمسك بالقرآن العظيم، احترامه وتوقيره وعدم إهانته بأي حال من الأحوال معنوياً أو قولياً أو مادياً، والإنصات عند سماع ذكر الله تعالى يتلى والخشوع واستجماع القلب والعقل بالتفكير والتدبر والخشوع الكامل له. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف:٢٠٤) . يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: لما ذكر الله تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاماً له، واحتراماً (١) . وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: ((هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات. والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه. وأما الاستماع له فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه، ويتدبر ما يستمع. فإن من لازم على هذين الأمرين، حين يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيراً كثيراً، وعلماً غزيراً، وإيماناً مستمراً متجدداً، وهدى متزايداً، وبصيرة في دينه. ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما. فدلَّ ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له ولم ينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة قد فاته خير كثير

стр. 30

ومن أوكد ما يؤمر مستمع القرآن أنه يستمع له وينصت في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامه فإنه مأمور بالإنصات)) (١) . سادساً: الدعوة إليه: إن من عظيم مظاهر التمسك بالقرآن الكريم الدعوة إليه، وإلى ما تضمنه من العقائد والشرائع والأحكام والآداب والأخلاق وإلى ما حث النظر إليه، والتفكر فيه، وكذا إلى إخباره عن المغيبات وإلى ما كان وإلى ما سيكون، وإلى كل خير تضمّنه كتاب الله تعالى. فالقرآن العظيم هو الكتاب الوحيد المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من أي وجه من الوجوه كما قال تعالى عنه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤٢) . يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره للآية: ((أي: ليس للبطلان إليه سبيل لأنه منزل من رب العالمين ولهذا قال ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي: حكيم في أقواله وأفعاله حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمر به وينهى عنه الجميع، محمودة عواقبه وغاياته)) (٢) . وقال السيد محمود الألوسي في إيضاح آخر للآية الكريمة: ((هذه - صفة أخرى لكتاب، وما بين يديه وما خلفه كناية عن جميع الجهات، كالصباح والمساء كناية عن الزمان كله، أي لا يتطرق إليه الباطل من جميع جهاته، وفيه تمثيل لتشبيهه بشخص حمي من جميع جهاته فلا يمكن أعداؤه الوصول إليه لأنه في حصن حصين من حماية الحق المبين، وجوز أن

стр. 31

يكون المعنى لا يأتيه الباطل من جهة ما أخبر به من الأخبار الماضية والأمور الآتية. وقيل: الباطل بمعنى المبطل.. أو هو مصدر كالعافية بمعنى مبطل أيضاً، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي: محمود على ما أسدى من النعم التي منها تنزيل الكتاب، وحمده سبحانه: بلسان الحال متحقق من كل مُنْعَم عليه، وبلسان المقال متحقق ممن وفق لذلك، خبر مبتدأ محذوف، أو صفة أخرى لكتاب، مفيدة لفخامته الإضافية كما أن الصفتين السابقتين مفيدتان لفخامته الذاتية)) (١) . والمتحصل من كلام المفسرين - رحمهم الله تعالى - في معنى الآية الكريمة: أن الله تعالى: حافظ كتابه الكريم من تطرق الباطل إليه بأي وجه من الوجوه في أي وقت من الأوقات وبأي شيء من الأشياء الباطلة الحسية أو المعنوية، فهو كتاب مصون، محفوظ مكلوء بالعناية والرعاية الإلهية لأنه تنزيل من الله تعالى الحكيم في كل أفعاله، الحميد في كل أموره وشؤونه. ولا ريب أن هذا الكتاب المحفوظ المصون هو كتاب الدعوة ومن حقوقه على كل مسلم أن يدعو الناس إليه وبه. كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:١٢٥) . ومما فسرت به الحكمة هنا: القرآن الكريم (٢) .

стр. 32

وقد دعا ﷺ إلى كتاب الله تعالى، وإلى ما أنزل إليه فيه وأعظمه التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وأجمعت الأمة وسلفها الصالح، وخيارها ودعاتها الأبرار على هذا النهج. سابعاً: الالتزام بمنهجه: إن قضية الالتزام بالمنهج مهمة جداً في أي أمر من الأمور، بل وفي حياة الأمم والشعوب. قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ (المائدة:٤٨) . يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره للآية الكريمة: قال ابن عباس: شرعة: سبيلاً، ومنهاجاً: سنة. وبه قال مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبو إسحاق السبيعي - ثم قال ابن كثير ﵀ فإن الشرعة وهي: الشريعة أيضاً هي: ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: شرع في كذا أي ابتدأ فيه، وكذا الشريعة وهي ما يشرع فيها إلى الماء.. أما المنهاج، فهو: الطريق الواضح السهل، والسنن الطرائق. ثم ذكر ابن كثير ﵀ وجهاً آخر في تفسير الآية فقال: وقيل المخاطب بهذه الآية هذه الأمة، ومعناه لكل جعلنا القرآن منكم أيتها الأمة شرعة ومنهاجاً أي هو لكم كلكم تقتدون به، وحذف الضمير المنصوب في قوله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: جعلناه يعني القرآن شرعة ومنهاجاً، أي: سبيلاً إلى المقاصد الصحيحة، وسنةً، أي: طريقاً ومسلكاً واضحاً بيناً. ثم يرجح ابن كثير ﵀ بين القولين بقوله: والصحيح القول الأول (١) . وقال الفخر الرازي في تفسيره للآية الكريمة ملخصاً أقوال العلماء:

стр. 33

قال بعضهم: الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد، والتكرير للتأكيد، والمراد بهما الدين. وقال آخرون: بينهما فرق، فالشرعة عبارة عن مطلق الشريعة، والطريقة عبارة عن مكارم الشريعة، وهي المراد بالمنهاج، فالشريعة أول، والطريقة آخر. وقال المبرّد: الشريعة ابتداء الطريقة، والطريقة المنهاج المستمر (١) . والحاصل أنه ينبغي على المسلم الالتزام بالمنهج القرآني في عقيدته وعبادته ومعاملته وأخلاقه وسائر شؤونه وتصرفاته، وذلك لأنه النهج الأمثل والأعلم والأحكم والأسلم. والمتأمل في منهج القرآن الكريم يجد الخير كل الخير، والسعادة الأبدية، والفضائل التي بحث عنها البشر فأعجزتهم، والكمالات التي تسمو بالإنسانية إلى مراتب عالية رفيعة، ناهيك عن العقيدة العظيمة، والشريعة الكاملة السوية. قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: ١٨-١٩-٢٠) . ثامناً: التخلق بأخلاقه: إن من مظاهر التمسك بكتاب الله تعال التخلق بالأخلاق العالية التي حث عليها، والمسالك الرفيعة التي أمر بها، والصفات النبيلة التي ندب إليها.

стр. 34

وكتاب الله تعالى كله خير، وفضل، وخلق كريم لمن أراد التخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه. وكا ن ﷺ صاحب الخُلق الكامل، وقد أثنى ربه ﵎ عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) . وكانت جميع أخلاقه ﷺ مستمدة من القرآن الكريم، فعندما سئلت أم المؤمنين عائشة ﵂ عن خُلقه ﷺ قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن (١) .

стр. 35

المبحث الرابع: فضائل التمسّك بالقرآن الكريم. إن للتمسّك بالقرآن الكريم فضائل عديدة، ومزايا كثيرة تجل عن الوصف، وما ذاك إلا لأن كتاب الله تعالى كله فضائل وخيرات ومكارم في الدنيا والآخرة. فمن فضائله العديدة ما يلي: أولاً: حصول السعادة الدائمة، لمن آمن بكتاب الله تعالى، واعتقد صحة ما فيه، وعمل به في حياته. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود: ١٠٥-١٠٦-١٠٧-١٠٨) . ثانياً: الفوز بالرضا الكامل من الله تعالى، لمن تمسك بكتابه، والتزمه، وسلك مسلك الصالحين وخشى ربه. قال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة: ٧-٨.) .

стр. 36

ثالثاً: الهداية للتي هي أقوم، والبشارة للمؤمنين، المتبعين لهدي القرآن، المستمسكين به. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ (الإسراء: ٩) . يقول الشيخ ابن سعدي في تفسيره للآية الكريمة: يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته، وأنه ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي: أعدل وأعلى، من العقائد، والأعمال، والأخلاق. فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن، كان أكمل الناس، وأقومهم، وأهداهم في جميع الأمور ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ من الواجبات والسنن ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ أعده الله لهم في دار كرامته، لا يعلم وصفه إلا هو (١) . رابعاً: كونه شفاء وعافية ورحمة وهدى للمؤمنين. إن التمسك بكتاب الله تعالى حق التمسك يمد المؤمن بالشفاء والعافية وكذلك بالرحمة في الدنيا والآخرة. ولا ريب أن القرآن الكريم طب القلوب والأبدان، ففيه دواء بإذن الله تعالى، وفيه شفاء وعافية لمن أخلص النيّة، وأحسن القصد، وأعظم الثقة بالله تعالى وبكتابه الكريم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٥٧) .

стр. 37

ففي هذه الآية الكريمة يلفت الله تعالى أنظار الناس إلى أنه: قد جاءتكم موعظة من ربكم تذكركم عقاب الله وتخوفكم وعيده، وهي القرآن وما اشتمل عليه من الآيات والعظات لإصلاح أخلاقكم وأعمالكم، وفيه دواء لما في القلوب من الجهل والشرك وسائر الأمراض، ورشد لمن اتبعه من الخلق فينجيه من الهلاك، جعله نعمة ورحمة للمؤمنين، وخصهم بذلك؛ لأنهم المنتفعون بالإيمان، وأما الكافرون فهو عليهم عمى (١) . وقال تعالى في موضع آخر من كتابه الكريم مؤكداً شفاء كتابه الكريم لأمراض الناس وعللهم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ (الإسراء: ٨٢) . يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في إيضاح المقصود بهذه الآية الكريمة: ((يقول تعالى مخبراً عن كتابه.. إنه شفاء ورحمة للمؤمنين أي: يذهب ما في القلوب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضاً رحمة يحصل فيها الإيمان، والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به، وصدقه، واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعداً وكفراً، والآفة من الكافر لا من القرآن (٢)) ) . وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها (٣) .

стр. 38

وعن عائشة ﵂: أن النبي صلى الله عليهوسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات (١) .خامساً: حصول الأجر العظيم على قراءة القرآن الكريم. إن قراءة القرآن الكريم، والمداومة عليها، مطلوبة من كل مسلم ومسلمة كما قال تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (المزمل: ٢٠) . ولا ريب أن المؤمن القارئ لكتاب الله تعالى سوف يحصل على الأجر العظيم والخير العميم، وله فضل على من سواه من الناس. فعن أنس بن مالك ﵁ عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح فيها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن، كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة طعمها مر، ولا ريح لها (٢) . ومما قاله الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث: ((وفي الحديث فضيلة حاملي القرآن، وضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دَلَّ عليه (٣)) ) .

стр. 39

ومن أنواع الأجر الذي يتحصل عليه قارئ القرآن أن له بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها، وهذا فضل وخير ولطف من الله تعالى بهذه الأمة، التي هي خير الأمم. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه (١) . يقول الحافظ المباركفوري في تعليقه على المقصود بالحرف الوارد في الحديث: والحرف يطلق على حرف الهجاء، والمعاني، والجملة المفيدة، والكلمة المختلفة في قراءتها، وعلى مطلق الكلمة (٢) . وأما الأجر المتحصل لقارئ القرآن يوم القيامة فهو عظيم وجزيل. فعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتِّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٣) . ومن فضائل قارئ القرآن الكريم التي ينفرد ويتميزّ بها عن الناس أنه مرافق للملائكة الكرام البررة.

стр. 40

فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران (١) . يقول الإمام النووي ﵀ في شرحه للحديث. ((السفرة، جمع سافر ككاتب، وكتبة، والسافر: الرسول، والسفرة: الرسل، لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله وقيل السفرة الكتبة، والبررة المطيعون من البر وهو الطاعة، والماهر: الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا يشق عليه القراءة بجودة حفظه واتقانه. قال القاضي: يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أنه له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقاً للملائكة السفرة ولاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى. قال: ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم، وسالك مسلكهم، وأما الذي يتتعتع فيه فهو الذي يتردد في تلاوته لضعف حفظه فله أجران، أجر بالقراءة وأجر بتتعتعه في تلاوته ومشقته. قال القاضي وغيره من العلماء: وليس معناه الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجراً لأنه مع السفرة، وله أجور كثيرة، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره وكيف يلحق به من لم يعتن بكتاب الله تعالى وحفظه واتقانه وكثرة تلاوته وروايته كاعتنائه حتى مهر فيه والله أعلم (٢)) ) . سادساً: خيرية من تعلَّم القرآن وعلمه.
следующие страницы →