← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7617

الدفاع عن الصحابي أبي بكرة ومروياته والاستدلال لمنع ولاية النساء على الرجال

عبد المحسن العباد

Полный текст (56 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي جعل أمة نبينا محمد ﷺ خير الأمم، وشرف أول قرن فيها بصحبة سيد العرب والعجم، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له الأعلى الأجل الأكرم، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم. أما بعد: فقد فوجئت بما لم يكن يخطر لي ببال ولا يقع في خيال، عندما سمعت أنَّ الشيخ محمد بن سليمان الأشقر - وفَّقَه الله لما فيه الخير والسلامة من الشرِّ - قدح في الصحابي الجليل: أبي بكرة ﵁ وفي مروياته التي انفرد بها عن غيره من الصحابة في صحيح البخاري وغيره، وفي مقدمتها حديثه عن النبي ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، فاستبعدت صدور ذلك منه، ولم أصدق بذلك، ثم وصل

стр. 2

إليَّ صورة من مقال له نشر في صحيفة الوطن الكويتية، بتاريخ: ٢٩/٥/٢٠٠٤م بعنوان "نظرة في الأدلة الشرعية حول مشاركة المرأة في الوظائف الرئاسية والمجالس النيابية ونحوها". وأكد صحّة نسبة هذا المقال إليه، بمكالمة هاتفية أجرتها الصحيفة معه نشرتها بتاريخ: ٣١/٥/٢٠٠٤م، فاتصلت به هاتفياً أعتب عليه هذه الجرأة، والإقدام على شيء لم يسبقه إليه أحد طيلة القرون الماضية، ورجوت منه بإلحاح أن يرجع عن هذا الذي انفرد به عن علماء المسلمين سلفاً وخلفاً، وسبب قدحه في أبي بكرة ﵁ ثم في مروياته التي انفرد بها؛ أنَّ عمر ﵁ جلده واثنين معه لشهادتهم على المغيرة بن شعبة بالزنى، وكونه ﵁ لم يتب، وذكرت له ما بينه العلماء من أنَّ أبا بكرة شاهد ولم يكن قاذفاً، وفرق بين الشاهد والقاذف، وقد اتفق العلماء سلفاً وخلفاً على قبول مروياته، ولم يُنقل الطعن فيها عن أحد قبله، ثم إني بعثت إليه كتاباً أكدت عليه فيه إلحاحي برجاء الرجوع عما صدر

стр. 3

منه، وأرفقت به أوراقاً مشتملة على شيء من كلام العلماء في فضل أبي بكرة والثناء عليه، وفي قبول مروياته وعدم ردّ شيء منها، ولا زلت آمل رجوعه إلى الحق. وحاصل ما اشتمل عليه المقال، رميه أبا بكرة ﵁ بالكذب، وزعمه أنَّ صحيح البخاري مشتمل على ما هو موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ ، وهذا القدح الخطير في أبي بكرة ﵁ وفي صحيح البخاري، كله من أجل تسويغ وتجويز أن تتولى المرأة الولاية العامة، وهي وسيلة سيئة إلى غاية سيئة، فأبو بكرة ﵁ بريء مما رماه به من الكذب، وصحيح البخاري خال مما زعم وجوده فيه من الموضوع المكذوب على النبي ﷺ ، والغاية التي قصدها باطلة بالكتاب والسّنّة والإجماع، وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/٣٦٤) عن رجل من الحنفية قدح في حديث المصراة بأنَّه من رواية أبي هريرة وأنَّه لم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما رواه مخالفاً للقياس الجلي، قال: "وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي

стр. 4

حكايته غنى عن تكلف الرد عليه"، وكلام هذا الحنفي في أبي هريرة أسهل بكثير من كلام الشيخ محمد الأشقر في أبي بكرة، والشيخ محمد الأشقر من أهل العلم والفضل عرفته قبل أربعين سنة حين كان مدرِّساً بالجامعة الإسلامية بالمدينة، وهذا الذي حصل منه في أبي بكرة ﵁ ومروياته سقطة شنيعة، لا يجوز أن يتابَع عليها ولا أن يُغترَّ بها، ويجب الحذر منها. وهذا ردّ يشتمل - بعد إيراد مقاله - على ما يلي: أولاً: فضل أبي بكرة ﵁ وثناء العلماء عليه. ثانياً: قبول العلماء مرويات أبي بكرة ﵁ وأنَّ ما حصل له لا تأثير له في روايته. ثالثاً: سلامة ما في صحيح البخاري من الانتقاد مما دون الوضع. رابعاً: ذكر الأدلة على أنَّ المرأة ليست من أهل الولاية العامة، ولا ما دونها من الولاية على الرجال. خامساً: التعليق على جمل من المقال.

стр. 5

الباب الأول: مقال الشيخ محمد الأشقر ... مقال الشيخ محمد الأشقر نظرة في الأدلة الشرعية حول مشاركة المرأةفي الوظائف الرئاسية والمجالس النيابية ونحوها إنَّ أهم مستند يستند إليه من يدعون أن الشرع الإسلامي يمنع من مشاركة المرأة في الميادين المتقدمة هو الحديث المشهور الذي أخرجه البخاري ح (٤٤٢٥) و (٧٠٩٩) ، وأخرجه أيضا الإمام أحمد في مسنده برقم (٢٠٤٣٨) و (٢٠٤٠٢) و (٢٠٤٥٥) ، كلاهما عن أبي بكرة ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة"، هذا لفظ البخاري، وعند أحمد: "لا يفلح قوم تملكهم امرأة"، هذا الحديث هو المستند الرئيسي لكلِّ من يتكلم في هذا الأمر، ولم يرد هذا الحديث من رواية أي صحابي آخر غير أبي بكرة. وتصحيح البخاري وغيره لهذا الحديث وغيره من

стр. 6

مرويات أبي بكرة ﵁ هو أمر غريب لا ينبغي أن يقبل بحال، والحجّة في ذلك ما عرف في كتب التاريخ الإسلامي كما عند الطبري وابن كثير وغيرهما، أنَّ أبا بكرة قذف المغيرة بن شعبة بالزنى، ووصل الخبر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأمر بحضور الرجلين من الكوفة إليه في المدينة، فسألهما عن ذلك وطلب عمر ﵁ من أبي بكرة أن يأتي بشهوده على ما ادعاه، فلم تتم الشهادة التي هي كما قال الله تعالى أربعة شهود، قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] ، فحكم على من يقذف امرأة محصنة والرجل المحصن مثلها بثلاثة أحكام: الأول: أن يجلد ثمانين جلدة، والثاني: أن تسقط شهادته فلا تقبل شهادته بعد ذلك على شيء، والثالث: أنَّه محكوم عليه بالفسق، وتمام الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

стр. 7

ولذلك جلد عمر ﵁ أبا بكرة ثمانين جلدة حد القذف بالزنى، ثم قال له: تب أقبل شهادتك، فأبى أن يتوب وأسقط عمر ﵁ بعد ذلك شهادته، فكان أبو بكرة بعد ذلك إذا استشهد على شيء يأبى أن يشهد ويقول: إن المؤمنين قد أبطلوا شهادتي. وقد قال الله تعالى في آية لاحقة: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣] ، أي أنَّهم في حكم الله تعالى كاذبون لا يثبت بقولهم حق، هكذا حكم الله تعالى على من قذف محصناً وهذا منطبق على أبي بكرة، فإن الآية تدمغه بالفسق وبالكذب، وهذا يقتضي رد ما رواه عن النبي ﷺ مما انفرد به كهذا الحديث العجيب: "لن يفلح قوم تملكهم امرأة"، فينبغي أن يضم هذا الحديث إلى الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ ، على أنا نقول جدلاً: لو صح هذا الحديث افتراضاً جدلياً لكان حجة فقط في منع أن تتولى المرأة الملك أو رئاسة الدولة، ولا يصلح حجة لمنع

стр. 8

أن تتولى المرأة القضاء أو إمارة قرية أو مدينة، فليس معنى كون الرجل لا يصلح أن يكون ملكا أنَّه لا يصلح أن يكون قاضيا أو أمير مدينة أو قرية أو يكون رئيس دائرة أو وزيرا أو رئيس وزراء أو نائبا في البرلمان، من احتج بهذا الحديث على ذلك فهو مخطىء خطأ كبيرا بل إنني أعتبره يسيء الفهم جدا، على أنَّ مما يدلُّ على بطلان هذا الحديث أنَّه يقتضي أنَّه لا يمكن أن يفلح قومٌ تتولى رئاسة دولتهم امرأة في حال من الأحوال، ومعنى هذا أنَّه لو وُجدت امرأة على رأس إحدى الدول ونجحت تلك الدولة في أمورها الدنيوية، فيكون ذلك دالاًّ على أنَّ هذا الحديث كذبٌ مكذوب على النبي ﷺ ، وقد وُجد في العصور الحديثة دولٌ كثيرة تولَّت رئاستها نساءٌ، ونجحت تلك الدول نجاحات باهرة تحت رئاسة النساء، نذكر من ذلك رئاسة أنديرا غاندي للهند ورئاسة مارغريت تاتشر لبريطانيا، وغيرهما كثير في القديم والحديث، وإنما قلنا في الأمور الدنيوية لأنَّ الحديث ورد على ذلك.

стр. 9

ففي رواية البخاري قال أبو بكرة: "لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى" قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". بل أقول إن القرآن العظيم قد نقل قصة قوم ملكتهم امرأة، وروى القرآن العظيم أنها نجحت أيما نجاح، وهي ملكة اليمن التي وردت قصتها في القرآن العظيم وأنَّ سليمان جاءه طيره الهدهد فقال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٢-٢٣] ، وأنَّ سليمان ﵇ أرسل إليها كتابا يدعوها إلى الإسلام وأن تأتي إليه مقرة بذلك. فأحسنت التدبير كل الإحسان فاستشارت رجال دولتها وبذلك ضمنت ولاءهم وطاعتهم لقراراتها، وأرسلت إلى سليمان ﵇ هدية تستجلب بها وده، فرفض الهدية وأصر على أن يصله منها ومن قومها الطاعة والإذعان، فكان عاقبة ذلك أن سارت بنفسها ومن معها

стр. 10

إلى سليمان ﵇ في مدينة القدس، فذكرت الآيات القصة إلى أن قالت: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤] ، فآل أمرها إلى هذه العاقبة الجميلة (اقرأ القصة في سورة النمل ٢٣ - ٤٤) . فأي ثناء أثناه الله تعالى على هذه الملكة وعلى النجاح الذي وصلت إليه بحنكتها ودهائها وحسن تقديرها للأمور، حيث استطاعت تجنيب قومها وبلادها من إفساد الجيوش الغازية وإذلالهم لقومها، ولهذا نقل ابن كثير في تفسيره عن قتادة قال: رحمها الله ورضي عنها ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها، يعني حيث أخرجت قومها من عبادة الشمس إلى عبادة الله تعالى. هذا وإن في مشاركة المرأة في المجالس النيابية خيراً كثيراً من حيث مشاركتها في الشورى في الأمور العامة، خاصة وأنَّ النساء يلتفتن أكثر من الرجال إلى الأمور

стр. 11

الخاصة بالبيوت والأسر والأطفال، وعلى مجلس الأمة قبل أن يتيح للنساء المشاركة في الترشيح والانتخاب أن يضع الضوابط الشرعية لمنع الانفلات المخالف للشرع قدر الإمكان، والله تعالى المسؤول أن يوفق العاملين لمصلحة البلاد إلى ما فيه خيرها وأن يجنبهم المزالق والأضرار.

стр. 12

الباب الثاني: فضل أبي بكرةرضي الله عنه وثناء العلماء عليه ... فضل أبي بكرة ﵁ وثناء العلماء عليه أبو بكرة: هو نفيع بن الحارث، وقيل ابن مسروح الثقفي، تدلّى من حصن الطائف ببكرة، فقيل له أبو بكرة، واشتهر بها، وكان عبداً فأعتقه النبي ﷺ وعُدّ من مواليه، وكانت وفاته في خلافة معاوية سنة (٥٢هـ) ، وكل ما جاء من ثناء على الصحابة، ﵄ فأبو بكرة ﵁ داخل فيه، وجاء عن جماعة من العلماء الثناء عليه على سبيل الخصوص، ومن ذلك: ١- قال الحسن البصري ﵀: "لم ينزل البصرة من الصحابة ممن سكنها أفضل من عمران بن حصين وأبي بكرة" (الاستيعاب مع الإصابة ٤/٢٤) . ٢- وقال سعيد بن المسيب: "وكان مثل النصل من العبادة حتى مات ﵀" (الاستيعاب مع الإصابة ٤/٢٤) . ٣- وقال أبو سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي: "لم

стр. 13

يسكن البصرة قط بعد عمران بن حصين أفضل من أبي بكرة، وكان أقول بالحق من عمران" ذكره علاء الدين مغلطاي في (إكمال تهذيب الكمال ١٢/٧٦) . ٤- وقال ابن سعد في الطبقات (٧/١٦) : "وكان رجلاً صالحاً ورعاً". ٥- وقال ابن عبد البر وابن حجر: "وكان من فضلاء الصحابة" (الاستيعاب مع الإصابة: ٤/٢٤) ، و (الإصابة: ٦/٢٥٢) . ٦- وقال أبو الحسن العجلي: "كان من خيار أصحاب النبي ﷺ " ذكره المزي في ترجمته في (تهذيب الكمال) . ٧- وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: (١/١٩٨) : "وكان أبو بكرة من الفضلاء الصالحين، ولم يزل على كثرة العبادة حتى توفي". ٨- وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: (٣/٦) : "وكان من فقهاء الصحابة".

стр. 14

٩- وقد قسم ابن القيم في إعلام الموقعين: (١/١٢) أئمة الفتوى من الصحابة إلى مكثرين ومتوسطين ومقلين، وذكر في المتوسطين في الفتوى أبا بكرة ﵁. ١٠- وقال ابن كثير في (البداية والنهاية:١١/٢٤٩) : "وأما أبو بكرة، فصحابي جليل كبير القدر". ١١- وقال يحيى بن أبي بكر العامري في الرياض المستطابة (ص:٢٨٣) : "وكان أبو بكرة من ذوي المزايا من أصحاب رسول الله ﷺ ".

стр. 15

الباب الثالث: قبول العلماء مرويات أبي بكرة ﵁ وأن ماحصل له لاتأثير له في روايته ... قبول العلماء مرويات أبي بكرة ﵁، وأنَّ ما حصل له لا تأثير له في روايته أجمع علماء المسلمين سلفاً وخلفاً طيلة أربعة عشر قرناً وزيادة على قبول مرويات أبي بكرة ﵁، وأثبتها علماء الحديث في دواوين السّنّة، ومنهم الأئمة الستّة، البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وله في هذه الكتب الستة خمسة وخمسون حديثاً، ذكر أطرافها

стр. 16

المزي في تحفة الأشراف من رقم (١١٦٥٤) إلى رقم (١١٧٠٨) ، وله في مسند الإمام أحمد اثنان وخمسون ومائة حديث بالمكرر، من رقم (٢٠٣٧٣) إلى رقم (٢٠٥٢٤) ، وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١/١٩٨) : "رُوي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث واثنان وثلاثون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث". وأما جلد أبي بكرة ﵁ في شهادته على المغيرة ﵁ بالزنى، وكونه لم يتب، فذلك لا تأثير له في قبول روايته، لأنَّه لم يكن قاذفاً وإنما كان شاهداً، وفرق بين الشاهد في الزنى والقاذف فيه، وما زعمه من أنَّ آية: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ، تدمغه بالفسق والكذب، وأنَّ هذا يقتضي ردّ ما رواه عن النبي ﷺ مما انفرد به، فهو زعم باطل وفهم خاطئ، فإنَّ الآية في القذفة وليست في الشهود، فهو داخل في الشهداء في الآية وليس من القذفة،

стр. 17

وجلده لعدم كمال النصاب، وعدم توبته لا تأثير له في قبول روايته؛ لأنَّ كمال النصاب ليس من فعله، وعلى القول بتأثير ما حصل له في شهادته تحمُّلاً وأداءً، فإنَّ ذلك قد انتهى بوفاته ﵁، ولا تأثير له في روايته التي قبلها العلماء واحتجُّوا بها على مختلف العصور، وشذوذ الشيخ محمد الأشقر عنهم بعد أربعة عشر قرناً وجوده مثل عدمه لا اعتبار له، وقد أوضح ذلك العلماء وبينوه، ومما جاء عنهم في ذلك: ١- قال أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي في كتابه (الواضح في أصول الفقه:٥/٢٧) : "قال أحمد: ولا يرد خبر أبي بكرة ولا من جُلد معه لأنَّهم جاؤوا مجيء الشهادة، ولم يأتوا بصريح القذف، ويسوغ فيه الاجتهاد ولا ترد الشهادة بما يسوغ فيه الاجتهاد". ثم قال ابن عقيل: "ولما نص على أنَّه لا ترد الشهادة في ذلك، كان تنبيهاً على أنَّه لا يرد الخبر، لأنَّ الخبر دون

стр. 18

الشهادة، ولأنَّ نقصان العدد معنى في غيره، وليس بمعنى من جهته". ٢- قال أبو بكر الإسماعيلي في (المدخل) : "لم يمتنع أحد من التابعين فمن بعدهم من رواية حديث أبي بكرة والاحتجاج به، ولم يتوقف أحد من الرواة عنه ولا طعن أحد على روايته من جهة شهادته على المغيرة، هذا مع إجماعهم أن لا شهادة لمحدود في قذف غير تائب فيه، فصار قبول خبره جارياً مجرى الإجماع، كما كان رد شهادته قبل التوبة جارياً مجرى الإجماع" ذكره علاء الدين مغلطاي في (إكمال تهذيب الكمال: ١٢/٧٧) . ٣- قال أبو إسحاق الشيرازي في (شرح اللمع: ٢/٦٣٨) : "وأما أبو بكرة ومن جُلد معه في القذف، فإن أخبارهم مقبولة لأنَّهم لم يُخرجوا القول مخرج القذف، وإنما أخرجوه مخرج الشهادة، وجلدهم عمر ﵁ باجتهاده، فلا يجوز ردّ أخبارهم".

стр. 19

٤- قال الإمام أبو بكر البيهقي: "كل من روى عن النبي ﷺ ممن صحبه أو لقيه فهو ثقة لم يتهمه أحد ممن يحسن علم الرواية فيما روى" ذكره العلائي في كتابه (تحقيق منيف الرتبة ص:٩٠) . وأصحاب رسول الله ﷺ ﵃ أجل من أن يقال في الواحد منهم ثقة، ويكفيه شرفاً وفضلاً ونبلاً أن يقال فيه: صحب رسول الله ﷺ ، قال النسائي في سفيان الثوري: "هو أجلُّ من أن يُقال فيه: ثقة، وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون الله ممن جعله للمتقين إماماً" ذكره الحافظ في ترجمته في تهذيب التهذيب، فأصحاب الرسول ﷺ أولى بأن يُقال في أحدهم: أجل من أن يُقال فيه: ثقة. ٥- قال أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني في (التمهيد:٣/١٢٧) : "إذا كان الراوي محدوداً في قذف فلا يخلو: أن يكون قذف بلفظ الشهادة أو بغير لفظها، فإن كان بلفظ الشهادة لم يرد خبره، لأنَّ نقصان عدد الشهادة ليس من فعله، فلم يرد به خبره، ولأنَّ الناس اختلفوا: هل يلزمه

стр. 20

الحد أم لا؟ وإن كان بغير لفظ الشهادة ردّ خبره، لأنَّه أتى بكبيرة إلاّ أن يتوب". ٦- قال ابن قدامة في (روضة الناظر:١/٣٠٣) : "المحدود في القذف إن كان بلفظ الشهادة فلا يرد خبره؛ لأنَّ نقصان العدد ليس من فعله، ولهذا روى الناس عن أبي بكرة، واتفقوا على ذلك وهو محدود في القذف، وإن كان بغير لفظ الشهادة فلا تقبل روايته حتى يتوب". وقال الشيخ عبد القادر بدران في حاشيته على روضة الناظر: "المحدود بسبب كونه قذف غيره إما أن يكون قذفه بلفظ الشهادة مثل أن يشهد على إنسان بالزنا، أو بغير لفظ الشهادة مثل من قال لغيره يا زان، فإن كان قذفه بلفظ الشهادة لم يرد خبره وقبلت روايته لأنَّه إنما يُحدُّ والحالة هذه لعدم كمال نصاب الشهادة بالزنا وهو أربعة، إذ لو كملوا لحُدّ المشهود عليه دون الشهود، وعدم كمال نصاب الشهادة ليس من فعل هذا الشاهد المحدود حتى يعاقب برد شهادته، وإن كان قذفه بغير لفظ الشهادة كقوله: يا زان

стр. 21

يا عاهر ونحوه ردت شهادته حتى يتوب؛ لأنَّ هذا القاذف كان بسبب من فعله وهو قذْفُه فعوقب عليه بالحد وسُلب منصب الشهادة، فإذا تاب قبلت شهادته قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أي: فاقبلوا شهادتهم بعد التوبة". وقال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في مذكرته في أصول الفقه على روضة الناظر (ص:١٢٥) : "حاصل ما ذكر في هذا الفصل أنَّ في إبطال الرواية بالحد في القذف تفصيلاً، فإن كان المحدود شاهداً عند الحاكم بأنَّ فلاناً زنى وحُدّ لعدم كمال الأربعة، فهذا لا ترد به روايته؛ لأنَّه إنما حُدّ لعدم كمال نصاب الشهادة في الزنى، وذلك ليس من فعله، وإن كان القذف ليس بصيغة الشهادة، كقوله لعفيف: يا زان ويا عاهر ونحو ذلك،

стр. 22

بطلت روايته حتى يتوب أي ويصلح، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ ، واستدل المؤلف ﵀ لما ذكره من الفرق بين الحد على سبيل القذف والحد على سبيل عدم كمال النصاب في الشهادة بقصة أبي بكرة؛ لأنَّه متفق على قبول روايته مع أنَّه محدود في شهادته على المغيرة بن شعبة الثقفي بالزنا، والشهادة في هذا ليست كالرواية، فلا تقبل شهادة المحدود في قذف أو شهادة حتى يتوب ويصلح، بدليل قول عمر لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك، خلافاً لمن جعل شهادته كروايته فلا ترد وهو محكي عن الشافعي، والحاصل أن القاذف بالشتم تُرد شهادته وروايته بلا خلاف حتى يتوب ويصلح، والمحدود في الشهادة لعدم كمال النصاب تقبل روايته دون شهادته، وقيل تقبل شهادته وروايته، وقصة أبي بكرة المشار إليها أنَّه شهد على المغيرة بن شعبة بالزنا هو وأخوه زياد ونافع بن

стр. 23

الحارث وشبل بن معبد (١) ، فتلكأ زياد أو غيره في الشهادة، فجلد عمر الثلاثة المذكورين. قال مقيده عفا الله عنه: يظهر لنا في هذه القصة أنَّ المرأة التي رأوا المغيرة ﵁ مخالطاً لها عندما فتحت الريح الباب عنهما، إنما هي زوجته ولا يعرفونها، وهي تشبه امرأة أخرى أجنبية كانوا يعرفونها تدخل على المغيرة وغيره من الأمراء، فظنوا أنَّها هي، فهم لم يقصدوا باطلاً، ولكن ظنهم أخطأ وهو لم يقترف إن شاء الله فاحشة لأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ يعظم فيهم الوازع الديني الزاجر عما لا ينبغي في أغلب الأحوال، والعلم عند الله". وهذا الذي ذكره شيخنا ﵀ من توجيه ما جاء في القصة، هو اللائق بمقام أصحاب رسول الله ﷺ ، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

стр. 24

٧- قال العلائي في كتابه تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة (ص:٩٢) : "وقد ذكر جماعة من أئمة الأصول في هذا الموضع قصة أبي بكرة ومن جلد عمر ﵁ في قذف المغيرة بن شعبة وأنَّ ذلك لم يقدح في عدالتهم، لأنَّهم إنما أخرجوا ذلك مخرج الشهادة ولم يخرجوه مخرج القذف، وجلدهم ﵁ باجتهاده، فلا يجوز ردّ أخبارهم بل هي كغيرها من أخبار بقية الصحابة ﵃". ٨- قال الزركشي محمد بن بهادر الشافعي في (البحر المحيط:٤/٢٩٩) : "قال الصيرفي والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وغيرهم: وأما أمر أبي بكرة وأصحابه، فلما نقص العدد أجراهم عمر ﵃ مجرى القذفة، وحدّه لأبي بكرة بالتأويل، ولا يوجب ذلك تفسيقاً، لأنَّهم جاؤوا مجيء الشهادة، وليس بصريح في القذف، وقد اختلفوا في وجوب الحدّ فيه، وسوغ فيه الاجتهاد، ولا ترد الشهادة بما يسوغ فيه الاجتهاد".

стр. 25

ويتحصَّل من هذه النقول ما يلي: الأول: أنَّ رواية أبي بكرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ مقبولةٌ عند العلماء باتفاق، ولم يخالف في ذلك واحد منهم في القديم والحديث، وأوَّل من تفوَّه بخلاف ذلك الشيخ محمد الأشقر في القرن الخامس عشر، وكنت قد سألته هاتفيًّا: هل تعلم أحداً سبقك إلى القول بردِّ رواية أبي بكرة؟ فأجاب بالنفي، وتقدَّم في كلام الإسماعيلي المتوفى سنة (٣٧١هـ) قوله: "لم يمتنع أحد من التابعين فمن بعدهم من رواية حديث أبي بكرة والاحتجاج به، ولم يتوقف أحد من الرواة عنه ولا طعن أحد على روايته من جهة شهادته على المغيرة"، وتقدَّم أيضاً قول البيهقي المتوفى سنة (٤٥٨هـ) : "كلُّ من روى عن النَّبيِّ ﷺ ممَّن صحبه أو لقيه فهو ثقة لم يتَّهمه أحد ممَّن يحسن علم الرواية فيما روى". الثاني: أنَّ القاذفَ بلفظ الشتم كأن يقول: "يا زان! أو يا عاهر! " تُردُّ شهادته وروايته اتفاقاً، إلاَّ أن

стр. 26

يتوب ويصلح. الثالث: أنَّ القاذفَ بلفظ الشهادة دون الشتم مختلف في ردِّ شهادته إذا لم يتب دون روايته، ومن العلماء من قال بقبول شهادته كروايته، ومنهم من قال بعدم إقامة الحدِّ عليه، والتفصيل الذي ذكره شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ الذي تقدَّم نقله تحرير بديع وتحقيق بالغ الأهمية.

стр. 27

الباب الرابع: سلامة مافي صحيح البخاري من الإنتقاد مما دون الوضع ... سلامة ما في صحيح البخاري من الانتقاد مما دون الوضع صحيح البخاري هو أصح الكتب المدونة في حديث رسول الله ﷺ ، وهو مشتمل على حديث أبي بكرة ﵁: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، الذي قال فيه الشيخ محمد الأشقر: "فينبغي أن يضم هذا الحديث إلى الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ "، ولم أسمع قبل هذا الكلام عن أحد من أهل العلم دعوى أن في

стр. 28

صحيح البخاري شيئاً موضوعاً مكذوباً على رسول الله ﷺ ، بل إن الجهابذة النّقّاد من العلماء غربلوا أحاديثه للوقوف على علة لبعض الأحاديث فيه، وكان كل ما اجتمع لهم من ذلك شيئاً يسيراً، ولم يُسَلَّم لهم ذلك الانتقاد إلاّ في شيء نادر، وقد ذكرت خلاصة ذلك في مقدمة كتابي "عشرون حديثاً من صحيح البخاري" المطبوع قبل خمسة وثلاثين عاماً أنقله هنا: انتقاد بعض الحفاظ بعض الأحاديث في صحيح البخاري والجواب عن ذلك: ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أنَّ الدارقطني وغيره من الحفاظ انتقدوا على الصحيحين مائتين وعشرة أحاديث، اشتركا في اثنين وثلاثين حديثا وانفرد البخاري عن مسلم بثمانية وسبعين حديثاً وانفرد مسلم عن البخاري بمائة حديث، وقد عقد فصلاً خاصاً للكلام على الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري أورد فيه الأحاديث على ترتيب الصحيح وأجاب عن الانتقادات فيها تفصيلاً،

стр. 29

وقد أجاب عنها في أول الفصل إجمالاً حيث قال: والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، ثم ذكر بعض ما يؤيد ذلك، ثم قال: فإذا عرف وتقرر أنَّهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له أو له علة إلاّ أنَّها غير مؤثرة عندهما فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضاً لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساماً: الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد. الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد. الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عدداً أو أضبط ممن لم يذكرها.

стр. 30

الرابع: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواة. الخامس: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله. السادس: ما اختلف فيه بتعيين بعض ألفاظ المتن. وفي ضمن ذكره لهذه الأقسام ذكر الجواب عن ذلك في الجملة وأشار إلى بعض الأحاديث المنتقدة التي فصل القول فيها بما يوضح الجواب الإجمالي، ثم قال: فهذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح وقد حررتها وحققتها وقسمتها وفصلتها، لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلاّ النادر وقال في نهاية الفصل: هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد المطلعون على خفايا الطرق، إلى أن قال: فإذا تأمل المنصف ما حررته من ذلك عظم مقدار هذا المصنَّف في نفسه وجل تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم.

стр. 31

الباب الخامس: ذكر الأدلة على أن المرأة ليست من أهل الولاية العامة ولا مادونها من الولاية على الرجال ... ذكر الأدلة على أنَّ المرأة ليست من أهل الولاية العامة ولا ما دونها من الولاية على الرجال دلَّت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع العلماء على أنَّ المرأة ليست من أهل الولاية على الرجال، ومنها ما يلي: الدليل الأول: قول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] ، وقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] ، وقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، ففي الآية الأولى: أنَّ رسل الله من الرجال لا من النساء، وفي ذلك تفضيل لهم عليهن، وفي الآية الثانية: بيان أنَّ القوامة إنما هي للرجال على النساء، لما فُضلوا به عليهن، وفي الآية الثالثة: تفضيل الرجال على النساء؛ لأنَّ لهم عليهن درجة، وهذا فيه دلالة على أنَّ الولاية العامة إنما تكون لمن جعل الله الرسالة فيهم، وهم الرجال ومن جعلهم الله قوامين

стр. 32

على النساء، وجعل لهم عليهن درجة، وأنَّها لا تكون لمن لم يُرسل منهن أحد، ومن هن مَقُوم عليهن لا قوّامات، ومن هن دون الرجال درجة، وقد جاءت الشريعة بتفضيل الرجال على النساء في الميراث والشهادة والعتق والعقيقة والدية، حيث جُعلت المرأة على النصف من الرجل في هذه الخمس. الدليل الثاني: قوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي بكرة ﵁ في موضعين (٤٤٢٥) و (٧٠٩٩) بهذا اللفظ، وليس في صحيحه: "أسندوا أمرهم إلى امرأة" كما ذكر ذلك الشيخ محمد الأشقر، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٠٤٠٢) ، (٢٠٤٧٤) ، (٢٠٤٧٧) بلفظ: "أسندوا أمرهم إلى امرأة" و (٢٠٤٣٨) ، (٢٠٤٧٨) ، (٢٠٥١٧) بلفظ: "تملكهم امرأة" و (٢٠٥٠٨) بلفظ: "ما أفلح قوم تلي أمرهم امرأة"، وأخرجه النسائي في كتاب القضاء من سننه (٥٣٨٨)

стр. 33

[باب: النهي عن استعمال النساء في الحكم] ، ولفظه: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وأخرجه الترمذي (٢٢٦٢) بمثل لفظ البخاري والنسائي، وقال: "هذا حديث صحيح". وهذا الحديث واضح الدلالة على أنَّ المرأة ليست من أهل الولاية العامة، بل في ذكر النسائي له في كتاب القضاء، دلالة على أنَّها ليست أهلاً لما دون ذلك وهو القضاء. وتصحيح الحديث والاعتماد عليه في أنَّ المرأة ليست من أهل الولاية العامة هو الذي عليه العلماء سلفاً وخلفاً، ولا عبرة بمخالفة الشيخ محمد الأشقر وحده لهم في الطعن في الحديث وفي تسويغ تولِّي المرأة الولاية العامة؛ فإنَّ القدح في هذا الحديث والصحابي الذي رواه من محدثات القرن الخامس عشر. الدليل الثالث: أنَّ الشريعة جاءت باحتجاب النساء عن الرجال، ومنع الاختلاط بين الرجال والنساء، وقد

стр. 34

قال ﷺ : "المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان" رواه الترمذي (١١٧٣) عن عبد الله بن مسعود ﵁، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وانظر إرواء الغليل (٢٧٣) ، وقال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عن هذا الحديث في كتابه "أضواء البيان" في تفسير سورة الأحزاب (٦/٥٩٦) : "وما جاء فيه من كون المرأة عورة يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة". ومن أوضح ما يستدل به من السنة على وجوب تغطية المرأة وجهها عن الرجال الأجانب، ما جاء فيها أنَّ النساء يغطين أقدامهن، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: "يرخين شبراً"، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن! قال: "فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه" رواه أهل السنن وغيرهم وقال الترمذي (١٧٣١) : "هذا حديث حسن

стр. 35

صحيح"، فإنَّ مجيء الشريعة بتغطية النساء أقدامهن يدل دلالة واضحة على أنَّ تغطية الوجه واجب؛ لأنَّه موضع الفتنة والجمال من المرأة، وتغطيته أولى من تغطية الرجلين. وفي صحيح البخاري (٨٧٠) عن أم سلمة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مُقامه يسيراً قبل أن يقوم، قال: نرى - والله أعلم - أنَّ ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال" ورواه النسائي (١٣٣٣) ولفظه: "أنَّ النساء في عهد رسول الله ﷺ كنَّ إذا سلّمن من الصلاة قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال"، وقد جاء في القرآن الكريم أنَّ ترك الاختلاط بين الرجال والنساء كان في الأمم السابقة، قال الله عن نبيه موسى ﵊: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى

стр. 36

يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص:٢٣-٢٤] ، ففي هذه القصة أنَّ هاتين المرأتين احتاجتا إلى سقي غنمهما وانتظرتا حتى ينتهي الرجال من سقي أغنامهم، واعتذرتا لموسى ﵊ بأنَّ أباهما شيخ كبير لا يتمكن من الحضور لسقي الغنم مع الرجال، فسقى لهما موسى ﵊، ومعلوم أنَّ ولاية المرأة لا تتأتى إلاّ مع الاختلاط، وقد جاءت الشريعة بمنعه، وفي كون النساء يحتجبن عن الرجال دلالة على أنَّهن لسن أهلاً للولاية العامة، بل ولا ما دونها من الولايات التي يكنَّ فيها مرجعاً للرجال. قال ابن القيم في الطرق الحكمية (ص:٢٨٠) : "ومن ذلك أنَّ ولي الأمر يجب عليه أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفُرَج ومجامع الرجال"، وقال (ص:٢٨١) : "ولا ريب أنَّ تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنَّه من أسباب فساد أمور العامة

стр. 37

والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة". الدليل الرابع: أنَّ المرأة ممنوعة من السفر إلاّ ومعها محرم، وممنوعة من خلوة الرجل الأجنبي بها إلاّ ومعها محرم، ففي صحيح البخاري (١٨٦٢) ومسلم (٣٢٧٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "لا تسافر المرأة إلاّ مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلاّ ومعها محرم"، فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج؟ فقال: "اخرج معها"، فقد أرشد النبي ﷺ الرجل السائل في هذا الحديث إلى ترك الجهاد ليسافر مع امرأته للحج، وقد وردت أحاديث أخرى في تحريم الخلوة بالمرأة إلاّ مع ذي محرم، وتحريم سفرها إلاّ مع ذي محرم، وهي دالة على أنَّ المرأة ليست من أهل الولاية العامة ولا ما دونها من الولايات على الرجال، وكيف تلي الأمر من لا تسافر إلاّ مع ذي محرم؟ ومن لا

стр. 38

يخلو بها رجل إلاّ مع ذي محرم؟ الدليل الخامس: أنَّ ولي الأمر إذا كان في جماعة وحضرت الصلاة، أولى بالإمامة من غيره، لقوله ﷺ : "ولا يؤُمَنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلاّ بإذنه" رواه مسلم (١٥٣٣) عن أبي مسعود ﵁، ورواه النسائي (٧٨٣) بلفظ: "لا يُؤَم الرجل في سلطانه، ولا يُجلس على تكرمته إلاّ بإذنه"، أورده في ترجمة (اجتماع القوم وفيهم الوالي) ، والمرأة لا يجوز أن تؤم الرجال في الصلاة، فلا تؤمهم في أمور الدنيا، والنساء لا تجب عليهن الجماعة، وصلاتهن في بيوتهن أفضل من صلاتهن في المساجد، وإذا حضرن إلى المساجد ابتعدن عن الرجال، لقوله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" رواه مسلم (٩٨٥) عن أبي هريرة ﵁. الدليل السادس: أنَّ من صفات النساء الضعف والجزع، والرجال أشد منهن قوة وأكثر تحملاً، ولهذا جاء

стр. 39

الوعيد في النياحة على الميت مضافاً إلى النساء، لأنَّ الجزع وعدم الصبر غالب عليهن، وكان ﷺ يأخذ على النساء عند البيعة ألاّ يَنحن، فعن أم عطية ﵃ قالت: "أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة أن لا ننوح" رواه البخاري (١٣٠٦) ومسلم (٢١٦٤) . وفي صحيح مسلم (٢٨٨) عن أبي موسى ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ : "برىء من الصالقة والحالقة والشاقة"، والصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة التي تحلق رأسها، والشاقة التي تشق ثوبها، والولاية في الشرع ثبتت لأهل القوة والصبر، لا لذوات الجزع والضعف، و (تاتشر) البريطانية، التي استشهد الشيخ محمد الأشقر بولايتها لبريطانيا، لما وقعت الحرب بين بريطانيا والأرجنتين، على جزر (فوكلاند) وضُربت إحدى السفن البريطانية، بكت كما أذيع في حينه؛ لأنَّ الجزع والضعف من صفات النساء. الدليل السابع: أنَّ تاريخ الإسلام خال من ولاية النساء الولاية العامة، بل وحتى الولايات الخاصة التي

стр. 40

تكون فيها النساء مرجعاً للرجال، ولم يثبت عن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين تولية امرأة في قضاء أو إمارة قرية، أو غير ذلك، وقد قال ﵊ في حديث العرباض بن سارية: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ... " الحديث. قال ابن قدامة في المغني (١٤/١٣) : "ولا تصلح للإمامة العظمى، ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يول النبي ﷺ ولا أحد من خلفائه ولا مَن بعدهم امرأة قضاءً ولا ولاية بلدٍ، فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يَخلُ منه جميع الزمان غالباً"، وكانت وفاة ابن قدامة سنة (٦٢٠هـ) . الدليل الثامن: أنَّ الأمة مجمعة على أنَّ المرأة لا تتولى الولاية العامة، حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم منهم ابن حزم، قال في كتابه الفصل (٤/١٧٩) : "وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة ... "، وقال البغوي في شرح السنة (١٠/٧٧) : "اتفقوا
следующие страницы →