← Акыда

Акыда · id 7620

الرد على البردة

عبد الله أبا بطين

Полный текст (57 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المحقق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌ تسليما. أما بعد، إن كلمة التوحيد كانت ولا تزال إلى أبد الآبدين في السمو والمقام العالي، الذي تتضاءل أمامه سهام المناوئين لها وترجع إليهم خاسئة، ولكنها سنة الله أن ينقسم الناس إلى فريقين: فريق هدي إلى الاعتقاد الصحيح في هذه الكلمة الطيبة وارتفع إلى مقامها العالي، ومن ثم أخذ يذب وينافح عنها، كل فرد على حسب ما آتاه الله من علم وأسباب؛ وفريق ضل في مفاوز الشرك والبدع المهلكة، وأخذ يوجه من سفله حيث دركات الهوى، سهاماً خبيثة إلى الفريق الآخر، راغباً أن يطفئ نور هذه الكلمة الطيبة بظلام جهله، ولكن هيهات أن يتم له ذلك، فإنه سبحانه قضى ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] ونحن في هذا الكتاب في صدد عرض مشهد من مشاهد هذه الحرب الضروس التي بدات بنزول آدم إلى الأرض وتنتهي بنهاية الدنيا، حيث الفريق الول أثر جهاده وصبره في الدنيا، على أذى الفريق

стр. 2

الآخر له. وفارس هذا المشهد هو الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين، مفتي الديار النجدية، ﵀، وهو من الأخفياء الذين لا يعرف عند كثير من طلبة العلم فضلاً عن العامة، خاصة هنا في مصر. وفيه، يقطع بسيف علمه خيوط العنكبوت من الضلالات والشبهات الواهية التي نسجها البوصيري في بردته المشهورة، عند العامة، خاصة هنا في مصر، حيث يجد أرباب الصوفية والدجالين سوقاً نافقاً لنشر بضاعتهم الكاسدة من أمثال هذه البردة. والجهاد بسيف الكلمة والبيان سلاح قوي يرد الله به كيد الأعداء، وهو السلاح الماضي إلى يوم القيامة لأهل الحق: الطائفة المنصورة، أصحاب الحديث والأثر، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال بحديث النبي ﷺ ليس له سلاح غيره. وصاحب البردة: البوصيري، وُلِد ببلاد المغرب مما يعطي إيحاءً عن اتصاله بدولة العبيديين المسماة بدولة الفاطميين، هذه الدولة التي تعد فجوة في دول الإسلام، ولم يعتبرها الحافظ ابن كثير من دول الخلافة الإسلامية. وقد كان البوصيري شاعراً من الشعراء، ولم يكن من أهل العلم الشرعي، لذلك ضلت به المفاوز فانتسب إلى الطريقة الشاذلية الصوفية المنسوبة إلى أبي الحسن الشاذلي المغربي، وله أوراد مبتدعة تحتوي على توسلات بدعية شركية، وغلو في النبي ﷺ شأن كل الطرق الصوفية،

стр. 3

وعلى منوالها جاءت البردة، ومن هذا التأريخ الموجز، نفهم من أين نبع الغلو والانحراف في هذه البردة؟ وقد رويت في سبب تأليف البردة قصة وهمية خرافية لا نعلم لها سنداً ولا خطاماً. وينبغي على المسلم الواعي أن لا يقبل حديثا أو أثراً أو قصةً أو خبراً إلا بالتبين من صحة نسبته إلى قائله، ولا يتأتى هذا إلا بالنظر في إسناده لمعرفة حال رواته من ناحية الاحتجاج بهم من عدمه، فإن كان ليس من أهل النظر في الأسانيد، فليرجع إلى المختصين في علم الحديث من أهل السنة فيسألهم إعمالاً لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . وينبغي على طالب النجاة والسلامة أن يتحرى علماء السنة، ولا يغامر بدينه مع علماء الفرق المبتدعة من الصوفية وغيرهم، كما قال ابن سيرين- ﵀: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم"١. وكما قال عبد الله ابن المبارك ﵀: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"٢. وقد أجاد الشيخ أبو بطين- ﵀ في تفنيد شبهات الخصم،

стр. 4

وبيان جهله في بعض المواضع، وذلك بالحجة والبرهان، وبالرجوع إلى الأصول الصافية المتلقاة من سلفنا الصالح. والمحور الذي تدور عليه البردة هو الغلو الشديد في رسولنا الكريم ﷺ ورفعه فوق مرتبة البشرية، ودعاؤه والاستغاثة به، مما هو مناقض للتوحيد الذي ظل الرسول ﷺ طوال فترة بعثته يعلمه لأصحابه، ويسد كل الأبواب التي قد تخدشه. وألفت النظر أيضاً إلى أن شأن البوصيري هو شأن سائر الشعراء الذين وصفهم الله في كتابه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعر:٢٢٤-٢٢٧] . وبالنظر إلى حال بعض الصحابة الذين اشتغلوا بالشعر أمثال: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة ندرك مدى البون الشاسع بين الذين يوظفون علمهم بالشعر في نصرة التوحيد والسنة، وبين الذين يهيمون في أودية البدع والغلو. ولقد نافح حسان بن ثابت ﵁ بشعره كثيراً عن الرسول ﷺ ولم يثبت عنه أبداً أنه قد غلا في الرسول ﷺ لا في حياته ولا بعد موته، وقد وصفه في أشعاره بجميل الأوصاف وأظهر سجاياه بأعذب الألفاظ بغير غلو، ودون أن يرفعه إلى مرتبة الإلهية، ودون أن يتوسل به في دعائه أو

стр. 5

يستغيث به، أو يسمه بسمات الربوبية، كما فعل البوصيري في هذه البردة، وعلى المصر على اعتماد الغلو والشرك في وصفه للرسول ﷺ ، أن يأتينا بسلفه من الصحابة الذين حذو حذوه ويأتينا بطرف من أشعارهم، ولن يجد، وها هي أشعار حسان بن ثابت في الصحيحين وغيرهما، لا تجد فيها عوجاً عن سبيل الاعتدال، ولا غلواً. وعلى الله قصد السبيل، وصلى الله على محمد وآله وسلم. كتبه خالد بن محمد فهمي بن عثمان القاهرة-مصر يوم الاثنين الخامس عشر من ربيع الأول ١٤٢٣هـ.

стр. 6

ترجمة موجزة للمصنف ١- اسمه ونسبه: هو العلامة: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سلطان بن خميس وكنيته: أبو عبد الرحمن، ولقبه: أبو بطين، بضم الباء وفتح الطاء، وهو تصغير "بطن" من عائذ من عبيدة من قحطان القبيلة المشهورة. ٢-مولده: ولد في بلدة"روضة سدير" من قرى سدير، وذلك في "٢٠"من ذي القعدة عام ١١٩٤هـ. ٣- نشأته: نشأ-﵀ في أسرة ذات علم وفضل ودين، ووالد جده: الشيخ: عبد الرحمن بن عبد الله بن سلطان، كان من أهل العلم بالفقه، وألف فيه كتاباً سماه: المجموع فيما هو كثير الوقوع. وقد قرأ أبو بطين- ﵀ على والده القرآن وحفظه، مما كان له أثر طيب في تلقيه العلوم الشرعية بعد. ٤- طلبه للعلم وشيوخه: بعد حفظه للقرآن، قرأ على عالم "روضة سدير" في وقته: الشيخ: محمد الدوسيري، ولازمه في الأصول والفروع والحديث. ثم ارتحل إلى

стр. 7

"شقراء" عاصمة إقليم الوشم وقرأ على قاضيها الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الحصين في التفسير والحديث والفقه وأصوله وأصول الدين حتى برع في ذلك كله، وهو أكثر مشايخه نفعاً له. ثم انتقل إلى الدرعية في نجد، حيث كان انتعاش العلم بوجود الإمام: محمد بن عبد الوهاب- ﵀ ومنهم الشيخ: عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب، وكذا الشيخ العلامة: أحمد بن حسن بن رشيد العفالقي الأحسائي الذي أجاز أبا بطين في جميع مروياته. ثم لما تولى القضاء في الطائف في عهد الإمام سعود بن عبد العزيز الكبير، طلب علم النحو على السيد حسين الجعفري. ٥- مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: لقب الشيخ- ﵀ بـ"مفتي الديار النجدية" وهذا لقب عالي لا يحصل عليه إلا العلماء الأفذاذ. وممن أثنى عليه: المجدد الثاني للدعوة السلفية في نجد: الإمام عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، وذلك في بعض مراسلاته العلمية معه، وطلب منه أن يكتب رداً على من غلط في معنى"لا إله إلا الله". وكذا أثنى عليه مجموعة من تلامذته ثناءً عظيماً مما يدل على علو مكانته العلمية، ونذكر شيئاً من هذا الثناء وهو قول تلميذه ابن حميد صاحب السحب الوابلة ومفتي الحنابلة في الحرم المكي في زمانه عند ترجمته للشيخ: "عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين فقيه الديار

стр. 8

النجدية في القرن الثالث عشر بلا منازع ... وقال: وبموته فقد التحقيق في مذهب الإمام أحمد فقد كان فيه آية.... ٦- وفاته: توفي- ﵀ في آخر شهر ذي القعدة عام ١٣٢٦هـ، ﵀ رحمة واسعة، ونفعنا بعلمه*.

стр. 9

الرد على البردة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي وعليه اعتمادي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ تسليماً. أما بعد فإني لما كتبت كلمات يسيرة على الأبيات التي في البردة وزيادة البغدادي١ المتضمنة للغلو في النبي ﷺ وبينت بعض ما اشتملت

стр. 10

عليه من الباطل، وجد١ ورقة فيها اعتراض على ما كتبته وهو اعتراض ظاهر البطلان ولكن لغلبة الجهل قد يحصل تلبيس على الجهال. فطلب مني بعض الإخوان تعقب اعتراضات هذا المبطل وبيان فسادها فأجبته لما رأيته من تمكن الحهل في قلوب أكثر الناس خاصة في التوحيد الذي خلق الله الجن والإنس لأجله وبه أرسل جميع الرسل وأنزل جميع الكتب وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. من ذلك أني ذكرت أن ما تضمنته هذه الأبيات وهي قوله: يا أكرم الخلق مالي من ... ألوذ٢ به سواك إلى قوله: فإن من جودك٣ الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم وقوله إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم وما قبل هذه الأبيات وما بعدها ذكرت أن هذا يشابه غلو النصارى في المسيح ﵇.

стр. 11

قال المعترض: "حاشاه من ذلك.. إلخ" فنقول: مقتضى هذه الأبيات علم الغيب للنبي ﷺ وأن الدنيا والآخرة من جُودِه وتضمنت الاستغاثة به ﷺ من أعظم الشدائد ورجائه لكشفها وهو الأخذ بيده في الآخرة وإنقاذه من عذاب الله، وهذه الأمور من خصائص الربوبية والألوهية التي ادعتها النصارى في المسيح ﵇ وإن لم يقل هؤلاء إن محمداً هو الله أو ابن الله ولكن حصلت المشابهة للنصارى في الغلو الذي نهى عنه ﷺ بقوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" ١ والإطراء هو: المبالغة في المدح حتى يؤول الأمر إلى أن يجعل للممدوح شيء من خصائص الربوبية والألوهية. وقول المعترض: إن مراد الناظم من هذه الأبيات طلب الشفاعة. فنقول: أولاً: هذه الألفاظ من هذه الأبيات صريحة في الاسثغاثة بالنبي ﷺ كقوله: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك أي وإلا فأنا هالك والنبي ﷺ يقول في دعائه: "لا ملجأ منك إلا إليك" ٢.

стр. 12

وقوله: إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ومنقذي من عذاب الله والألم أو شافعاً لي..إلخ. أي هلكت، وأي لفظٍ في الاستغاثة أبلغ من هذه الألفاظ وعَطْف الشفاعة على ما قبلها بحرف أو في قوله: أو شافعاً لي صريح في مغايرة ما بعد أو لما قبلها وأن المراد مما قبلها طلب الإغاثة بالفعل والقوة. فإن لم يكن بالشفاعة.. وقول المعترض يحتمل أن العطف للتفسير، وهذا من جهله فإن عطف التفسير إنما يكون بالواو لا بغيرها من حروف العطف ذكره ابن هشام وغيره. ومحل عطف التفسير إذا عطف لفظ على لفظ معناهما واحد مع اختلاف اللفظ، كما ذكره من قول الشاعر: وألفى قولها كذباً وميناً.... والمين هو الكذب، وأما قول الناظم: "ومنقذي من عذاب الله والألم ... أو شافعاُ لي" ... إلخ" فمعنى الإنقاذ غير معنى الشفاعة، قال الله تعالى عن صاحب يس: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يّس: ٢٣] ولم يقل أحد من المفسرين إن عطف الإنقاذ على الشفاعة من عطف التفسير بل فسّروا الإنقاذ بالنصر والمظاهرة بالفعل وفسّروا الشفاعة بالمعاونة بالجاه وهذا ظاهر. ولكن لأجل تخبيط هذا الجاهل الأحمق أوجب بيان جهله وغلطه.

стр. 13

ومن كلام ابن القيم ﵀ على هذه الآية قال بعد كلام سبق: "فإن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته دائماً. وإذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما تنقذني بها١ من ذلك الضر ولا من الجاه والمكانة عنده ما تشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر فأي وجه تستحق العبادة إني إذاً لفي ضلال مبين إن عبدت من دون الله من هذا شأنه".انتهى. ونقول أيضاً: إنه إذا خوطب الرسول أو غيره من الأموات والغائبين بلفظ من ألفاظ الاستغاثة أو طلب منه حاجة نحو قول: أغثني أو أنقذني أو خذ بيدي أو اقض حاجتي أو أنت حسبي ونحو ذلك، يتخذه واسطة بينه وبين الله في ذلك. فهذا شرك العرب الذين بُعث إليهم النبي ﷺ كما وضحه الله سبحانه في كتابه في مواضع مخبراً عنهم أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ ِ [يونس: ١٨] ولم يقولوا: إن آلهتهم تحدث شيئاً أو تدبر أمراً من دون الله. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١] ، الشرك في الألوهية إذا اعترفتم بالربوبية. ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّه﴾ [المؤمنون:٨٤-٨٥] والآيات في هذا كثيرة، يحتج سبحانه عليهم بإقرارهم بتوحيد

стр. 14

الربوبية على بطلان شركهم في توحيد الألوهية كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فسر إيمانهم في الآية بإقرارهم بتوحيد الربوبية وهو أنهم إذا سئلوا من خلق السموات والأرض ومن ينزل المطر وينبت النبات ونحوه قالوا الله، ومع ذلك يعبدون غيره. وفسر إيمانهم بإخلاصهم الدعاء لله في الشدائد، كما في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] . ونحو ذلك من الآيات، ويشركون في الرخاء بدعاء غيره فهذه نصوص القرآن صريحة في أنهم يعترفون لله بتوحيد الربوبية اعترافاً جازماً وأنهم ما أرادوا من آلهتهم إلا الشفاعة عند الله، وأما من ظن أن مدعوه ومسئوله يحدث شيئاً من دون الله ويدبر أمراً من دون الله فهذا شرك في توحيد الربوبية والألوهية معاً، ولم يدّعِ ذلك أحد من المشركين اللذين بعث الله إليهم محمداً ﷺ ، وإنما أرادوا من آلهتهم الشفاعة إلى الله الذي بيده النفع والضر لجاههم ومنزلتهم عنده كما أخبر الله عنهم بذلك. وسئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ ورضي عنه عن رجلين تناظرا فقال أحدهما"لابد من واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر عليه إلا بذلك، فأجاب ﵀ إلى أن قال: "وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم"

стр. 15

يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه فهذا من أعظم الشرك الذي كفّر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار لكن الشفاعة لمن يأذن الله قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: من الآية٤] وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] . وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ٢٢-٢٣] . وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الاسراء٥٦-٥٧] . قال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون المسيح وعُزَيراً والملائكة والأنبياء فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠] فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر فمن جعل الملائكة وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل: أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكربات وسد الفاقات فهو كافر بإجماع

стр. 16

المسلمين إلى أن قال: فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالحُجَّاب الذين يكونون بين الملك وبين رعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه وأن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك من الطالب فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلاّ قُتِل، وهؤلاء شبّهوا الخالق بالمخلوق وجعلوا لله أنداداً وفي القرآن من الرد على هؤلاء مالا تتسع له هذه الفتوى فإن هذا دين المشركين عبّاد الأوثان كانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] . وقد بين هذا التوحيد في كتابه وحسم مواد الإشراك به حيث لا يخاف أحد غير الله ولا يرجو سواه ولا يتوكل إلا عليه، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨] وقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] . وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] . فبين أن الطاعة لله والرسول، وأما الخشية فلله

стр. 17

وحده". انتهى ملخصاً، وقال ﵀ في الرسالة السَنية بعد كلام سبق: (فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعاً من الإلهية مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ لا أريده، أو يقول إذا ذبح شاه: "باسم سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك أو أنا في حسبك أو أنت حسبي ونحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله. فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قُتِل، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لُيعبد وحده لا يجعل معه إلهٌ آخر والذين يُجعلون مع الله آلهة أخرى مثل: الشمس والقمر، والمسيح، وعُزَيْر، والملائكة، واللات، والعزى، ومناة، وغير ذلك لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وتنبت النبات وتنزل المطر وإنما كانوا يعبدونهم أو تماثيلهم أو قبورهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فبعث الله الرسل تنهى أن يُدعى أحدٌ من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة."انتهى. فليتأمل مريد نجاة نفسه ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ يتبين له حقيقة الشرك الذي أرسل الله الرسل من أولهم إلى آخرهم ينهون عنه وأنه الذي يسميه بعض الناس في هذه الأزمنة تشفعاً وتوسلاً وبعض الضُلاّل يُسميه مجازاً يعني بذلك أن استغاثتهم بالمقبورين والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات على سبيل المجاز وأن الله هو المقصود في الحقيقة وهذا معنى قول المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

стр. 18

﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لأنهم لم يكونوا يعتقدون أن آلهتهم تدير شيئاً من دون الله وإنما يستجلبون النفع ويستدفعون الضر بجعلها وسائط بينهم وبين الله الذي بيده الضر والنفع ولهذا يخلصون لله الدعاء في الشدائد باعتقادهم أن آلهتهم لا تغني عنهم شيئاً من دون الله، وأنها لا تضر ولا تنفع وقد لَبَّسَ الشيطانُ على كثير من الناس خاصةً ممن ينتسب إلى طلب العلم بأن السكوت عن الكلام في هذا الباب هو الدين والورع فتولَّد من ذلك الإعراض عن الاعتناء بهذا الأمر الذي هو أصل الدين حتى صار جاهلاً به ثم آل الأمر ببعض هؤلاء إلى استحسان الشرك والنفرة من ذكر التوحيد ولم يدر هذا المتورع الورع الشيطاني أن أفرض العلوم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته ومعرفة حقه على عباده الذي خلق الجن والإنس لأجله وهو توحيد الألوهية الذي أرسل به جميع الرسل وأنزل به جميع الكتب قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ، وقال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [هود: ١٤] أي واعلموا أن لا إله إلا هو وقال: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢] فبين سبحانه أن من الحكمة في إنزال القرآن ليعلم الناس بما فيه من الحجج والبراهين أنه هو المستحق للألوهية وحده ففرض على عباده العلم لأنه الإله وحده وأخبر أنه ضمن كتابه من الأدلة والبراهين ما يدل على ذلك فتعيَّن على كل مكلف معرفة لا إله إلا الله الذي هو أصل الأصول وأوجب العلوم. وفي الصحيح عن النبي ﷺ : " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله

стр. 19

دخل الجنة" ١ فرتب دخول الجنة على العلم بأن لا إله إلا الله وهذا يبين معنى أحاديث أُخر كقوله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ٢ "ومن قال لا إله إلا الله صدقاً من قلبه دخل الجنة" ٣ وغير ذلك من الأحاديث. وأن المراد من هذه الأحاديث ونحوها العلم بأن لا إله إلا الله وهذه الأمور التي انتشرت في أكثر الأمصار من الاستغاثة بالمقبورين في تفريج الكربات وسؤالهم قضاء الحاجات والتقرب إليهم بالنذور والذبائح وغير ذلك من أنواع القربات ومن لم يعرف أن هذا تأُّلُهٌ لغير الله وشرك عظيم تنفيه لا إله إلا الله فهو لم يعلم أن لا إله إلا الله حقيقة العلم. وزعم المعترض أننا بإنكارنا ما تضمنته الأبيات المشار إليها من الغلو فيه ﷺ متنقصون لجنابه صلوات الله وسلامه عليه، فهذا من قوله مثل قول النصارى لما قال النبي ﷺ : "إن عيسى عبد لله مربوب" قالوا إنه.

стр. 20

يسب المسيح وأمه ووشوا به عند النجاشي وهذا ما يلقيه الشيطان على ألسنة المشركين قديماً وحديثاً، إذا قال الموحدون إن آلهتكم باطلة وأنها لا تستحق شيئاً من العبادة اشمأزوا من ذلك وَزَعموا أن من سَلَبهم ذلك فقد هضم مراتبهم وتنقَّصهم، وهم قد هضموا جانب الإلهية غاية الهضم وتَنقَّصوه لهم نصيب من قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢] . لقد أحسن القائل ﵀ وهو ابن القيم: قالوا تنقّصتم رسول الله ... واعجباً لهذا البغي والعدوان١ ٢أنتم تنصتم إله العرش ... والقرآن والمبعوث بالقرآن٣

стр. 21

ونظير هذا قول أعداء المسيح ... من النصارى عابدي الصلبان إنا تنقصنا المسيح بقولنا ... عبد وذاك غاية النقصان وكذاك أشباه النصارى قد١ غلوا ... في دينهم بالجهل والطغيان صاروا معادين الرسول وديننا ... في صورة الأحباب والإخوان فانظر إلى تبديلهم توحيده ... بالشرك والإيمان بالكفران فاتظر إلى تجريه التوحيد من ... أسباب كل الشرك بالرحمن

стр. 22

واجمع مقالتهم وما قد قاله ... واستدع بالنُّقاد والوزَّان عقل وفطرتك السليمة ثم زِن ... هذا وذا ولا تطغ في الميزان رامي البريء بدائه ومصابه ... فعل المباهت أوقح الحيوان كمُعيِّر للناس بالزغل الذي ... هو دربه فاعجب لذا البهتان يافرقة التنقيص بل يا أمة الد ... عوى بلا علم ولا عرفان والله ما قدمتم يوما مقا ... لته على التقليد للإنسان١ تباً لكم ماذا التنقص٢ بعد ذا ... لو تعرفون العدل من نقصان٣ والله أمركم عجيب معجب ... ضدان فيكم ليس يتفقان تقديم آراء الرجال عليه مع ... هذا الغلو فكيف يجتمعان كفَّرتم من جرد التوحيد جهـ ... ـلا منكم بحقائق الإيمان لكن تجردتم لنصر الشرك والـ ... ـبدع المضلة لكل زمان والله لم نقصد سوى التجريد للتـ ... ـوحيد ذاك وصية الرحمن ورضا رسول الله منا لا غلو ... الشرك أصل عبادة الأوثان٤

стр. 23

ولقد نهى ذا الخلق عن اطرائه ... فعل النصارى عابدي الصلبان ولقد نهانا أن نُصيِّر قبره ... عيداً جذار الشرك بالرحمن ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثناً من الأوثان فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران حتى غدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان"١" ولقد غدا عند الوفاة مصرحاً ... باللعن يصرخ فيهم بأذان أعني"٢"الأولى جعلوا القبور مساجداً ... وهم اليهود وعابدو الصلبان ولولا ذلك أبرز قبره ... لكنهم حجبوه بالحيطان"٣" قصدوا إلى تسنيم حجرته ... ليمتنع الجود له على الأذقان قصدوا موافقة الرسول وقصده"٤" ... التجريد للتوحيد للرحمن

стр. 24

فلينظر المصنف وليتأمل فالأمر كما قال- ﵀: أمركم عجيب معجب وهذا حال غلاة زماننا تشابهت قلوبهم فتشابهت أقوالهم جمعوا بين الضدَيْن الغلو والتنقص، فجعلوا للنبي ﷺ خصائص الربوبية والألوهية، بل جعلوها لمن دون الرسول وبدّعوا من جرد التوحيد بل كفّروهم وضمنوا إلى هذا الغلو التنقيص للنبي ﷺ بحيث إنهم لا يلتفتون إلى سنته ولا يعبئون بها إذا خالفت ما عليه مشايخهم ويقولون مشايخنا أعلم منا وفرضنا التقليد ويعيبون على من قدّم سنة النبي ﷺ على ما خالفها وينسبونه إلى الجهل وتنقص العلماء وهم مع ذلك مخالفون لإمام المذهب الذي ينتسبون إليه ولأتباعه من علماء مذهبه ولسائر الأمة في النهي عن تقليدهم. وضموا إلى ذلك موالاة أعداء أئمة المذاهب الذي ينتحلونه من المعطلة بزعمهم أنهم أهل الحق والسواد الأعظم فجمعوا بين الغلو في أهل مذهبهم لاسيما متأخريهم وبين تنقّصهم بحيث زعموا أن مخالفيهم في الأسماء والصفات والإيمان وغير ذلك هم أهل الحق الذين لا يجوز مخالفتهم كما جمعوا بين الغلو والتنقص في جانب الرسول صلوات الله وسلامه عليه. قال المعترض: وأما استدلالكم على أن النبي لا يشفع بقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] قال والآية نزلت في الكفار قال

стр. 25

وجميع ما في القرآن من نفي الشفاعة فهو في حق الكفار انتهى. أما نسبته إلينا أنا نقول إن النبي ﷺ لا يشفع فلا يحتاج إلى جواب لأنه يعلم هو وأصحابه أننا لا ننفي شفاعته ﷺ بإذن الله، بل هو صاحب الشفاعة العظمى وله ﷺ شفاعات غيرها والأنبياء يشفعون والملائكة يشفعون والمؤمنون يشفعون لكن لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه وسيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه. لا يبدأ بالشفاعة بل يسجد لربه ويحمده بمحامد يفتحها عليه حتى يقال: "يا محمد ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع" ١ قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وهذا من عظمته سبحانه وجلاله وكبريائه ألا يتجاسر أحد أن يشفع عنده حتى يؤذن له فالقرآن صرح بنفي الشفاعة في الكفار مطلقاً ونفاها عن غيرهم بغير إذنه ونحن إنما ننفي الشفاعة الشركية التي نفاها القرآن وهو أن أحداً يشفع عنده بغير إذنه. وأما قول هذا الضال أن قوله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ في الكفار خاصة يعني فلعصاة المسلمين ولي من دونه وشفيع والولي هو الناصر والشفيع ذو الجاه وهذا القول كفر ظاهر حيث جعل قوله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ بالكفار أي فلغيرهم على زعمه ولي من دونه وشفيع فأي كفر أعظم وأَبين منه وهذا من تحريف الكلم من مواضعه

стр. 26

والله سبحانه يقول مخاطباً لجميع الناس: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] في هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٥١] وقال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠] يخبر سبحانه أنه ليس لمن عصاه وليٌ ينصره ولا شفيعٌ بغير إذنه. وزعم المعترض أن "من" في قول الناظم: فإن من جودك الدنيا وضرتها١ ... ومن علومك علم اللوح والقلم أنها لبيان الجنس، وهذا الجاهل الأحمق يتحذلق عند أصحابه بما لا يعرفون لظنوا أن عنده علماً وهو لا يُميز بين "من" التي لبيان الجنس والتي للتبعيض، و"من" في الموضعين للتبعيض بلا شك والذين يتكلمون على معاني الحروف ذكروا علامة "من" التي للتبعيض صحة حلول "بعض" محلها وعلامة التي لبيان الجنس صحة حلول "الذي" محلها كما في قوله سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان والتي لبيان الجنس لا يبتدأ بها و "من" في هذين الموضعين لا يصح حلول "الذي" محلها بل يصح حلول "بعض" موضعها فالمعنى: بعض جودك الدنيا وضرتها وبعض علومك علم اللوح والقلم

стр. 27

أي فالدنيا وضرتها بعض جودك، وعلم اللوح والقلم بعض علمك والمقصود بيان بطلان تحذلق هذا الجاهل وإلا فكلام الناظم باطل على كل حال، وعلى زعم الجاهل أنها لبيان الجنس فالمعنى: جودك الدنيا وضرتها ... وعلومك هي علم اللوح والقلم لا تنقص عنها، بل هي عينها"، وصرح المعترض بدعواه أن النبي ﷺ يعلم الغيب حتى مفاتيح الغيب الخمسة. والناظم آل به المبالغة في الإطراء الذي نهى الرسول ﷺ إلى هذا الغلو والوقوع في هذه الزلقة العظيمة ونحو ذلك قوله في الهمزية١ في خطابه للنبي ﷺ : الأمان الأمان إن فؤادي ... من ذنوب أتيتهن هراء هذه علتي وأنت طبيبي ... ليس يخفى عليك في القلب داء فطلب الأمان من النبي ﷺ وشكا إليه علة قلبه ومرضه من الذنوب فتضمن كلامه سؤاله من النبي ﷺ مغفرة ذنبه وصلاح قلبه، ثم إنه صرّح بأنه لا يخفى عليه في القلب داء فهو يعلم ما احتوت عليه القلوب. وقد قال سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] وقال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ وخفي عليه ﷺ أمر الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧]

стр. 28

الآيات حتى جاءه الوحي وخفي عليه ﷺ أمر أهل الإفك حتى أنزل الله القرآن ببراءة أم المؤمنين ﵂ في حياته فكيف بعد موته وهذا يقول: وليس يخفى عليك في القلب داء يعني أنه يعلم ما في القلوب والله سبحانه يقول: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤] . وقال النبي ﷺ : "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار"١. ثم كابر المعترض وصرح بقوله: إن النبي ﷺ يعلم الغيب حتى مفاتح الغيب الخمسة وزعم أن عامة العلماء قالوا ذلك، فانظر إلى هذه الجراءة العظيمة في الكذب على الله وعلى رسوله وعلى عامة العلماء بقوله: إن عامة العلماء قالوا إن الله لم يتوف نبيه ﷺ حتى علّمه ما كان وما يكون وعلّمه كل شيء حتى الخمس، وقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠] وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [لأعراف:١٨٨] أي لو كنت أعلم الغيب لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسني شيء منها ولم أكن غالباً مرة ومغلوباً أخرى في الحروب.

стр. 29

وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] ، وعلى قول هذا الأفاك يجوز أن يقال قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ومحمد، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ومحمد، وبيان ذلك أنه لو كان أهل قرية لا يحفظ أحد منهم سورة البقرة إلا زيد وعمرو وكان كلاماً صحيحاً مستقيماً، ما أعظم جراءة هذا الخبيث على هذه الفرية العظيمة مع أن له سلف ضلال وكفر في هذه الدعوى. حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في رده على الذي جوَّز الاستغاثة بالنبي ﷺ ، ذكر عن بعض أهل زمانه أنه جوَّز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث فيه بالله وصنف فيه مصنفاً وكان يقول: إن النبي ﷺ يعلم مفاتيح الغيب الخمس التي لا يعلمها إلا الله. قلت ثبت في "الصحيحين" عن عائشة ﵂ قالت: "من حدثكم أن محمداً يعلم ما في غد فقد كذب" ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان:٣٤] ، لفظ البخاري١ ،ولفظ مسلم: "من زعم أن محمداً يخبر عما في غد فقد أعظم الفرية على الله" ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ ٢

стр. 30

ومرادها ﵂ نفي ذلك عنه في حياته فكيف بعد الموت مع أنه لا يحتاج في بيان بطلان هذا القول إلى أكثرمن حكايته. قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ [النساء:٥٠] وأما قول الله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٧،٢٦] ، والمعنى فأنه يظهره على ما يشاء من غيبه ليكون معجزة له وليس خاصاً بنينا ﵊. وقول المعترض إن الشيخ تقي الدين أثنى على الصرصري في نظمه المشهور الذي فيه التوسل بالنبي ﷺ يعني بالتوسل الاستغاثة فقد كذب على الشيخ وافترى، وكتابه الذي صنفه في الرد على من جوَّز الاستغاثة به ﷺ معروف موجود. قال ﵀: "والاستغاثة به ﷺ موجودة في كلام بعض الناس مثل يحي الصرصري ومحمد بن النعمان وهؤلاء لهم صلاح لكن ليسوا من أهل العلم بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد"١.انتهى. قلت: والبوصيري ليس معروفاً بالعلم. قال المعترض: ومراد الناظم بقوله: إن من جودك الدنيا وضرتها ... أن الله أعطاه خير الدارين ال: وكيف ينكر تصرفه في إعطاء أحد بإذن الله واستشهد لذلك بالكذب الذي عزاه لشرح الإقناع أن النبي يقطع أرض الجنة وأنكر على من ينكر

стр. 31

تصرفه ﷺ بقوله وكيف ينكر تصرفه؟؟. . إلى آخره. فهذا إنكار منه على من ينكر تصرفه ﷺ وتعجب منه يقتضي إثبات الصروف له ﷺ في الدنيا والآخرة بالإعطاء والمنع وأن الله جعل له ذلك خصوصاً في الآخرة بإدخاله الجنة من يشاء. فياسبحان الله!! ما أعظم جرأة هذا الكذب على الله وهذه دعوى عظيمة يُطلب منه إقامة على صحتها كما قال سبحانه عن قول الذي قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة:١١١] ، أي حجتكم وبينتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإن كل قول لا دليل عليه مردود على قائله، ومن المعلوم أنه لا دليل على هذه الفرية العظيمة. قال الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ، أي يوم الجزاء والحساب وتخصيص الملك بذلك اليوم لا ينفيه عمّا عداه لأنه تقدم أول السورة أنه رب العالمين، والرب هو المالك المتصرف وذلك عامٌ في الدنيا والآخرة وإنما أُضيف إلى الدين لأنه لا يدَّعي أحدٌ هناك شيئاً ولا يتكلم أحدٌ إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ:٣٨] . قال ابن عباس ﵄: "مالك يوم الدين: لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكماً كملكهم في الدنيا" ١

стр. 32

وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾ [الفرقان:٢٦) وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] ، وقال ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] ، وقال: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩] ، وقال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] ، أي ليس لأحد من الخلق أمرٌ مَعهُ في ذلك اليوم مع أن الأمر كُلَّهُ لَهُ سبحانه في الدنيا والآخرة كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤] ، واختصاصه سبحانه في التفرُّد بالأمر في ذلك اليوم قال المفسرون: معناه أن الله لا يُملِّكُ أحداً في ذلك اليوم شيئاً كما ملَّكهم في الدنيا. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ وقال: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٢:٤١] . وهذا المفتري يزعم أن الله سبحانه جعل لنبيه محمد ﷺ التصرف في ذلك اليوم فيكون شريكاً له في الأمر، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً وقال النبي ﷺ لأقرب الناس إليه عمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة: "أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً" ١. وقال ﷺ : "لن يدخل أحد منكم الجنَّة بعمله"، قالوا: ولا أنت يارسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ٢ والأحاديث في

стр. 33

هذا المعنى كثيرة. وقول المعترض: ورد في الحديث:"لولا حبيبي محمد ما خلقت سمائي ولا أرضي ولا جنتي ولا ناري"١ فيقال: أولاً هذا حديثٌ باطل. هؤلاء الذين صنَّفوا في معجزاته وفضائله وخصائصه، كصاحب الشفا أين ذهب عنهم هذا الحديث فلم يذكروه مع أنه لا حجة فيه للمبطل ونبينا محمد ﷺ هو خليل الله وحبيبه وأقرب الناس إليه وسيلة وأعظمهم عنده منزلة صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين وقد قال الله له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ، والله سبحانه قد بيّن الحكمة في خلق السموات والأرض وما بينهما فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢]

стр. 34

فأخبر سبحانه أنه إنما خلق السموات والأرض وما احتوتا عليه من آياته وعجائب مصنوعاته ليستدل بذلك على كمال قدرته، وسعة علمه، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: ٧] . فنبه على الحكمة في ذلك وهو أنه ليبلو عباده أيهم أحسن عملاً، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذريات:٥٦] .فأخبر سبحانه بالحكمة في خلقه الجن والإنس، وهو إنما خلقهم ليعبدوه وحده وقال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] . فأعلمنا سبحانه أنه إنما خلق هذه المخلوقات للحكَِم التي ذكرها لا لأجل أحد من خلقه، وقد ذكرت في الجواب على الأبيات بعض كلام النسفي الحنفي في تفسيره على قوله سبحانه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [لأعراف: ١٨٨] . قال: " هو الظاهر للعبودية وبراءة عما يختص بالربوبية من علم الغيب أي أنا عبدٌ ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر كالمماليك إلا ما شاء الله مالكي من النفع لي ودفع الضر عني ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسني شيء منها ولم أكن غالباً مرة ومغلوباً أخرى في الحروب".انتهى.

стр. 35

فاستعظم المعترض لفظ أنا عبدٌ ضعيف، وقال ما هذه الجراءة والتنقص لجناب حبيب الملك الوهاب فانظر إلى الشفا تجده حكى كفر من قال هذه الكلمة. انتهى. أقول: ما الذي منع هذا الأحمق من نقل ما في الشفا لأصحابه يتحفهم به وليحتجوا به، وهو قد أتحفهم وأضلهم بالكذب الصريح، ونذكر إن شاء الله بعض ما ذكره صاحب الشفا من المبالغة في سد الذرائع إلى الغلو في النبي ﷺ ونحن نشهد الله وملائكته وجميع خلقه أننا نعتقد أن جميع أهل السموات وأهل الأرض عبيد له مربوبون فقراء إليه ضعفاء لديه لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً وأنه لا غناء لأحد منهم عنه سبحانه طرفة عين١. قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ، وقال سيد ولد آدم ﷺ في الدعاء المشهور: " اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين إلى من تكلني" ٢، من دعائه ﷺ : "وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلن

стр. 36

إلى ضعية وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك" ١. ومن دعائه: "اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل" ٢، وفي الدعاء المأثور في عرفة: "أنا البائس الفقير المستجير" ٣ والبائس الذي اشتد البؤس وهو شدة الفقر، وأظن هذا الجاهل لو يقال له: إن النبي ﷺ غنيٌّ عن ربه لم يستعظم هذا القول. وذكرنا في الجواب الحديث المشهور الذي فيه: "علماؤهم شر من تحت أديم السماء منهم

стр. 37

خرجت الفتنة وفيهم تعود" ١. قال المعترض: هل ورد هذا الحديث في أهل العراق فهم كفار مجوس في عهد النبي ﷺ أو فيما يأتي فهذا شناعة على عامة العلماء ومنهم الإمام أبو حنيفة وإن كان ورد في حق أهل الحرمين فهذا ظاهر البطلان، إذ هي مهبط الوحي ومنبع الإيمان ... انتهى. فانظر: إلى هذه الوقاحة هل قلنا إن هذا الحديث خاص ببلد معين وإنما مقتضى الحديث الإخبار بما يحدث في الأمة من تغيير الدين وأن سبب ذلك علماء السوء، ولا يختص هذا ببلد معين فمن اتصف بصفات علماء السوء الذي يلبسون الحق بالباطل ويفترون على الله الكذب تناوله الذم في أي زمان ومكان، والله سبحانه لم يأمر عباده عند الاختلاف بالرد إلى أهل بلد ولا إلى ما عليه أكثر الناس ولا إلى شخص غير الرسول قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] و " شيء " نكرة في سياق الشرط فيعم كل شيء حصل فيه النزاع من أصول الدين وفروعه، ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهذا خطاب لجميع الناس إلى آخر الزمان وأجمع العلماء على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول إليه في حياته والرد إلى سنته بعد مماته.

стр. 38

قال ابن كثير ﵀ في الآية: " هذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع فيه المسلمون من أصول الدين وفروعه أن يرد المتنازع فيه من ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] . فما حم به كتاب الله وسنة نبيه وشهد له بالصحة فهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل ذلك على أن من لا يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس بمؤمن بالله واليوم الآخر، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والرجوع في فصل القضاء إليهما: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي وأحسن عاقبة ومآلاً.. "انتهى. ومن المحال أن يأمر الله سبحانه بالتحاكم إلى ما لا يفصل النزاع ويحكي عن بعض الضلال أنه يقول: نحن مقلدون ولسنا داخلين تحت هذه الآية ونحوها. فيقال له يلزمك هذا في جميع خطاب القرآن كقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١] و ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] ، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] وغير ذلك من خطاب القرآن في الأوامر والنواهي فمن زعم أنه ليس داخلاً في ذلك ولا معنياً به فلا شك في كفره ومن أعظم مكايد الشيطان لكثير من الناس ـ خصوصاً من ينسب إلى علم ـ أن حال بينهم وبين تدبر القرآن وتفهمه خصوصاً فيما تضمنه من أدلة التوحيد وسائر أصول الدين التي لا يجوز التقليد فيها عند عامة العلماء فإذا علم أنه لا يجوز التقليد تعين

стр. 39

معرفة أدلتها من الكتاب والسنة والله سبحانه قد بين ذلك غاية البيان والنبي ﷺ بين للناس ما نزل إليهم من ربهم قال الله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ، "من ربهم" ثم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة الهدى بعدهم تكلموا في ذلك بما يكفي ويشفي قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] . قال ابن كثيرـ ﵀: " يخبر سبحانه أن في القرآن آيات محكمات أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على ما تشابه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس. . . "انتهى. وروي عن ابن عباس ﵄ قال: "المحكمات قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيات بعدها، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الاسراء: ٢٣] ، والآيات بعدها يعني هذه الآيات ونحوها من المحكم وقال ابن عباس أيضا التفسير على أربعة أنحاء: تفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها وتفسير لا يعلمه إلا الله". ومن أعظم ما فتن الشيطان - في هذه الأزمنة المتأخرة – أكثر العامة بل كثيراً ممن ينسب إلى علم الاغترار بالأكثر، فيقول أحدهم: هذه الأمور التي تنكرونها مما يفعل عند القبور من دعاء أصحابها بسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والنذر والذبح لهم منتشر مشتهر في

стр. 40

أمصار المسلمين وكذلك القصائد المتضمنة الاستغاثة بالنبي ﷺ كما في البردة ونظم الصرصري وغيرهما متداول مستعمل لا ينكرونه. وهذا كلام فلان في قصيدته وشرحها فلان وفلان وتداولها العلماء وهذه هي الشبه العظيمة التي قامت بقلوبهم فلا يصغون إلا إليها ولا يعولون إلا عليها كأنهم لم يسمعوا بنبي مرسل ولا بكتاب منزل، فيقال: أولاً هؤلاء أصحاب موسى الكليم الذين صحبوه فضله الله على عالمي زمانهم وآتاهم الكتاب والحكمة قد سئلوا موسى أن يجعل لهم إلهاً، قال سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨] . وكذلك الذين قالوا لنبينا من أصحابه: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال ﷺ " الله أكبر.. إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ، لتركبن سنن من كان قبلكم١. فهؤلاء خفي عليهم أن الذي طلبوه بقولهم اجعل لنا ذات أنواط أنه من التأله لغير الله ومن الشرك الذي حرمه الله، كذلك قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهاً، خفي عليهم قبح ما طلبوه وأنه من الشرك الذي ينهى عنه
следующие страницы →