وليس عيسى هو الكُنُّ، ولَكِنْ بالكُنِّ كَانَ، فالكُنُّ من الله قول، وليس الكن مخلوقًا١.
وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته، لأن الكلمة مخلوقة، وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله. وكلمته من ذات الله. كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة.
وأما قول الله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يقول: من أمره كان الروح فيه كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] .
يقول من أمره وتفسير روح الله إنما معناها أنها روح بكلمة الله خلقها الله، كما يقال: عبد الله وسماء الله وأرض
стр. 142
الله١.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر، فقال: إن الله يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [السجدة: ٤] .
فزعم أن القرآن لا يخلو أن يكون في السموات أو في الأرض أو فيما بينهما فشبه على الناس ولبّس عليهم.
فقلنا له: أليس إنما وقع الله -جل ثناؤه- والخلق والمخلوق على ما في السموات والأرض وما بينهما فقالوا: نعم.
فقلنا: هل فوق السموات شيء مخلوق؟
قالوا: نعم. فقلنا: فإنه لم يجعل ما فوق السموات مع الأشياء
стр. 143
المخلوقة، وقد عرف أهل العلم أن فوق السموات السبع الكرسي والعرش واللوح المحفوظ والحجب وأشياء كثيرة لم يسمِها، ولم يجعلها مع الأشياء المخلوقة، وإنما وقع الخبر من الله على السموات والأرض وما بينهما.
وقلنا فيما ادعوا: إن القرآن لا يخلو أن يكون في السموات أو في الأرض أو فيما بينهما، فقلنا: الله ﵎ يقول: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨] .
فالذي خلق به السموات والأرض، قد كان قبل السموات والأرض والحق الذي خلق به السموات والأرض هو قوله؛ لأن الله يقول الحق وقال: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] .
فالحق الذي خلق به السموات والأرض قد كان قبل السموات والأرض، والحق قوله، وليس قوله مخلوقًا١.
стр. 144
بيان ماجحدت الجهمية من قول الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
...
بيان ما جحدت الجهمية من قول الله سبحانه:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
قال أحمد ﵀ فقلنا لهم: لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟ فقالوا: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه؛ لأن المنظور إليه معلوم موصوف، لا يرى إلا شيء يفعله.
فقلنا: أليس الله يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ؟
فقالوا: إن معنى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنها تنتظر الثواب من ربها، وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته. وتلو آية من القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] .
فقالوا: إنه حين قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أنهم لم يروا ربهم، ولكن المعنى: ألم تر إلى فعل ربك؟
فقلنا: إن فعل الله لم يزل العباد يرونه، وإنما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
стр. 145
الرد على الجهمية في قولهم: إنها تنتظر الثواب
...
فقالوا: إنما تنتظر الثواب من ربها١.
стр. 146
فقلنا: إنها مع ما تنتظر الثواب هي ترى ربها.
стр. 147
_________
= ثم ساق ابن القيم الأدلة البينة الواضحة على رؤية الله في الآخرة ثم قال:
قال الطبري: فتحصل في الباب ممن روى عن رسول الله ﷺ من الصحابة حديث الرؤية ثلاث وعشرون نفسًا. وطفق يُعَدِّدُهم ثم قال:
وأما التابعون ونُزْل الإسلام وعصابة الإيمان من أئمة الحديث والفقه والتفسير وأئمة التصوف فأقوالهم أكثر من أن يحيط بها إلا الله .
ثم ذكر بعض أقوال التابعين وأقوال الأئمة الأربعة ونظرائهم وشيوخهم وأتباعهم ثم قال:
قول جميع أهل الإيمان، قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه: إن المؤمنين لم يختلفوا أن المؤمنين يرون خالقهم يوم المعاد، ومن أنكر ذلك فليس بمؤمن عند المؤمنين.
ثم قال: قول جميع أهل اللغة، قال أبو عبد الله بن بطة: سمعت أبا عمر محمد عبد الواحد صاحب اللغة يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبًا يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٣، ٤٤] أجمع أهل اللغة على أن اللقاء ههنا لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار، وحسبك بهذا الإسناد صحة.
ثم عقد ابن القيم فصلا في وعيد منكري الرؤية، نعوذ بالله من ذلك، ونسألك اللهم أن تقر أعيننا وتثلج صدورنا برؤياك في جنة النعيم.
انظر: حادي الأرواح "ص: ٤٠٢-٤٧٧".
стр. 148
إثبات رؤية الله في الأخرة
...
فقالوا: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة،
وتلوا آية من المتشابه من قول الله جل ثناؤه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] .
وقد كان النبي ﷺ يعرف معنى قول الله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ وقال: "إنكم سترون ربكم" ١.
وقال لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ، ولم يقل: لن أُرى، فأيهما أولى أن نتبع: النبي ﷺ حين قال: "إنكم سترون ربكم" أو قول الجهمي حين قال: لا ترون ربكم؟! والأحاديث في أيدي أهل العلم عن النبي ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم، لا يختلف فيها أهل العلم.
ومن حديث سفيان عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد في قول الله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ، قال: النظر إلى وجه
стр. 149
الله١.
ومن حديث ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى [عن صهيب عن النبي ﷺ ] ٢. قال: "إذا استقر أهل الجنة في الجنة ونادى منادٍ: يا أهل الجنة إن الله قد أذن لكم في الزيادة، قال: فيكشف الحجاب [فيتجلى لهم" ٣. وذكر الحديث.
قال الإمام أحمد ﵀] ٤ فينظرون إلى الله لا إله إلا هو، وإنا لنرجو أن يكون الجهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم ويحجبون عن الله، لأن الله قال للكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن
стр. 150
الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟
والحمد لله الذي لم يجعلنا مثل جهم وشيعته، وجعلنا ممن اتبع، ولم يجعلنا ممن ابتدع، والحمد لله وحده ١.
стр. 151
_________
= ثم ساق ابن القيم الأدلة البينة الواضحة على رؤية الله في الآخرة ثم قال:
قال الطبري: فتحصل في الباب ممن روى عن رسول الله ﷺ من الصحابة حديث الرؤية ثلاث وعشرون نفسًا. وطفق يُعَدِّدُهم ثم قال:
وأما التابعون ونُزْل الإسلام وعصابة الإيمان من أئمة الحديث والفقه والتفسير وأئمة التصوف فأقوالهم أكثر من أن يحيط بها إلا الله .
ثم ذكر بعض أقوال التابعين وأقوال الأئمة الأربعة ونظرائهم وشيوخهم وأتباعهم ثم قال:
قول جميع أهل الإيمان، قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه: إن المؤمنين لم يختلفوا أن المؤمنين يرون خالقهم يوم المعاد، ومن أنكر ذلك فليس بمؤمن عند المؤمنين.
ثم قال: قول جميع أهل اللغة، قال أبو عبد الله بن بطة: سمعت أبا عمر محمد عبد الواحد صاحب اللغة يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبًا يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٣، ٤٤] أجمع أهل اللغة على أن اللقاء ههنا لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار، وحسبك بهذا الإسناد صحة.
ثم عقد ابن القيم فصلا في وعيد منكري الرؤية، نعوذ بالله من ذلك، ونسألك اللهم أن تقر أعيننا وتثلج صدورنا برؤياك في جنة النعيم.
انظر: حادي الأرواح "ص: ٤٠٢-٤٧٧".
стр. 152
بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى
فقلنا: لِمَ أنكرتم ذلك؟
قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم١. إنما كوَّن شيئًا فعبر عن الله،
стр. 153
وخلق صوتًا فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين.
فقلنا: هل يجوز لمكون أو غير الله أن يقول: ﴿يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١، ١٢] ، أو يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية، ولو كان كما زعم الجهم أن الله كون شيئًا كان يقول ذلك المكون: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] وقد قال جل ثناؤه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] . فهذا منصوص القرآن.
فأما ما قالوا: إن الله لا يتكلم، فكيف يصنعون بحديث الأعمش، عن خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي: قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ما بينه وبينه ترجمان" ١.
وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان وأدوات. أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .
تراها أنها قالت بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟ وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] .
стр. 154
أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذ شهدت على الكفار. فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] .
أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء.
وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان.
قال أحمد ﵁: فلما خنقته الحجة قال: إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره.
فقلنا: وغيره مخلوق؟
قال: نعم.
فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون.
وحديث الزهري قال: لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لَمِتَّ.
قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك، قال: سبحان الله، وهل أستطيع أن أصفه لكم؟! قالوا: فشبهه. قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله١.
стр. 155
وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] .
أليس الله هو القائل؟
قالوا: فَيُكوِّن الله شيئًا فيُعَبِّر عن الله، كما كَوَّن شيئًا فعَبَّر لموسى.
قلنا: فمن القائل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ، فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٦، ٧] .
أليس الله هو الذي يسأل؟
قالوا: هذا كله إنما يكون شيئًا، فيعبر عن الله.
قلنا: قد أعظمتم على الله الفرية، حين زعمتم أنه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله؛ لأن الأصنام لا تتكلم، ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان.
فلما ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد يتكلم، ولكن كلامه مخلوق,
стр. 156
قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق الله لهم كلامًا، وقد جمعتم بين كفر وتشبيه. وتعالى الله عن هذه الصفة، بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق الكلام. ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم، ولا نقول: إنه قد كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه القدرة، ولا نقول: إنه كان قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول: إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلقه لنفسه عظمة١.
стр. 157
فقالت الجهمية: لما وصفنا الله بهذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعموا، أن الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته.
قلنا: لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره، لا متى قدَّر، ولا كيف قدر.
فقالوا: لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء.
فقلنا: نحن نقول: قد كان الله ولا شيء. ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلَهًا واحدًا بجميع صفته؟ وضربنا لهم في ذلك مثلا. فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة؟ أليس لها جذع وكرب، وليف وسعف وخوص وجَمّار؟.. واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها١ فكذلك الله، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات. ولا يقدر حتى خلق له قدرة، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول: قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم حتى خلق له علمًا فعلم. والذي لا يعلم
стр. 158
هو جاهل. ولكن نقول: لم يزل الله عالِمًا قادرًا، لا متى ولا كيف١. وقد سمى الله رجلاً كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان، وجوارح كثيرة. قد سَمَّاه الله وحيدًا بجميع صفاته. فكذلك الله، وله المثل الأعلى، هو بجميع صفاته إله واحد.
стр. 159
_________
= لا ينفون عنه الصفات، ولا يمثلونها بصفات المخلوقين.
وقال ﵀ في بيان تلبيس الجهمية "٤٦٤/١":
فهذا القول الذي ذكره الإمام أحمد عنهم أنهم قالوا: لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء. هو كلام مجمل ولكن مقصودهم أنه لم يكن موجودًا بشيء يقال: إنه من صفاته، فإن ثبوت الصفات يستلزم عندهم التركيب والتجزئة: إما تركيب المقدار كالتركيب الذي يزعمونه في تأليف الجسم من أجزائه، وإما التركيب الذي يزعمونه في الحدود وهو التركيب من الصفات، كما يقولون: النوع مركب من الجنس والفصل، ويستلزم أيضًا التشبيه والتوحيد عندهم، ففي التشبيه والتجسيم، ويقولون إن الأول يعنون به عدم النظير والثاني يعنون به أنه لا ينقسم.
وهم يفسرون الواحد والتوحيد بما ليس هو معنى الواحد والتوحيد في كتاب الله وسنة رسوله، وليس هو التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، وهذا أصل عظيم تجب معرفته.
وقال أيضًا ﵀ في منهاج السنة النبوية "٤٨٥/٢، ٤٨٦":
وهذا الذي ذكره الإمام أحمد يتضمن أسرار هذه المسائل، وبيان الفرق بين ما جاءت به الرسل من الإثبات الموافق لصريح العقل، وبين ما تقوله الجهمية وبين أن صفاته داخلة في مسمى أسمائه.
стр. 160
بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش
فقلنا: لِمَ أنكرتم أن يكون الله على العرش، وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] .
стр. 161
فقالوا: هو تحت الأرض السابعة. كما هو على العرش، فهو على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. وتلو آية من القرآن: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] .
وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا المعنى بإيضاح في سورة الأعراف.
стр. 162
الرد على الجهمية في زعمهم أن الله في كل مكان
فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء. فقالوا: أي مكان؟
فقلنا: أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش، والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة الرب شيء١.
стр. 163
_________
= البشر، فكيف من يدعيه في البشر كلهم، وكذلك ما ذكره من أجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة فإن هذا كما تقدم مما يعلم بالضرورة العقلية الفطرية أنه يجب تنزيه الرب وتقديسه أن يكون فيها أو ملاصقًا لها أو مماسًّا. وتخصيص هذه الأجسام القذرة والأجواف بالذكر فيه اتباع لطريقة القرآن في الأمثال والأقيسة المستعملة في باب صفات الله سبحانه.
فإن الإمام أحمد ونحوه من الأئمة هم في ذلك جارون على المنهج الذي جاء به الكتاب والسنة، وهو المنهج العقلي المستقيم، فيستعملون في هذا الباب قياس الأولى والأحرى والتنبيه في باب النفي والإثبات، فما وجب إثباته للعباد من صفات المدح والحمد والكمال فالرب أولى بذلك، وما وجب تنزيه العباد عنه من النقص والعيب والذم فالرب سبحانه أحق بتنزيهه وتقديسه عن العيوب والنقائص من الخلق، وبهذا جاء القرآن في مثل قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وفي مثل قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً﴾ وغير ذلك، فإنه احتج على نفي ما يثبتونه له من الشريك والولد بأنهم ينزهون أنفسهم عن ذلك؛ لأنه نقص وعيب عندهم، فإذا كانوا لا يرضون بهذا الوصف ومثل السوء، فكيف يصفون ربهم به ويجعلون لله مثل السوء، بل: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ومما يشبه هذا في حقنا قول النبي ﷺ : "ليس لنا مثل السوء" ولهذا شبه الله من ذمه بالحمار تارة وبالكلب أخرى.
ثم قال ﵀ في "٥٣٧/٢":
فسلك الإمام أحمد وغيره مع الاستدلال بالنصوص وبالإجماع مسلك الاستدلال بالفطرة والأقيسة العقلية الصحيحة المتضمنة للأولى، وذلك أن النجاسات مما أمر الشارع باجتنابها والتنزه عنها توعد على ذلك بالعقاب، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "تنزهوا عن البول، فإن عامة عذاب القبر منه" وهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وهي مما فطرت القلوب على كراهتها والنفور عنها واستحسان مجانبتها لكونها خبيثة، فإذا كان العبد المخلوق الموصوف بما شاء الله من النقص والعيب الذي يجب تنزيه الرب عنه، لا يجوز أن يكون حيث تكون النجاسات، ولا أن يباشرها ويلاصقها لغير حاجة، وإذا كان لحاجة يجب تطهيرها، ثم إنه في حال صلاته لربه يجب عليه التطهير فإذا أوجب الرب على عبده في حال مناجاته أن يتطهر له وينزه عن =
إثبات ذم صفة السفل وأنها منفية عن الله
وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
فهذا خبر الله، أخبرنا أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل منه مذمومًا بقول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ ١ [فصلت: ٢٩] .
стр. 166
نفي اجتماع الله بالشياطين وتنزيهه عن مجامعة الخبث والجنس
وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس [مكانه مكان، ومكان الشياطين مكانهم مكان] ١ فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد٢.
وإنما معنى قول الله جل ثناؤه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] . .
стр. 167
أدلة عقلية على عدم مماسة الله لخلقه
يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، فذلك قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] ، ومن الاعتبار في ذلك، لو أن رجلاً كان في يديه قدح من قوارير صافٍ وفيه شراب صافٍ، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه، من غير أن يكون في شيء من خلقه١.
وخصلة أخرى: لو أن رجلاً بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار. فالله وله
стр. 168
إثبات أن الله بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع الخلق
المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه، وعلم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق١.
стр. 169
إثبات علو الله وفوقيته على جميع خلقه
стр. 170
_________
= والمعتزلي يزعم أن ربه في هذه الأماكن كلها، ويزعم أنه في كمه وفي فمه وفي جيبه وفي جسده، وفي كوزه وفي قدره وفي ظروفه وآنيته، وفي الأماكن التي نُجِلُّ الله ﵎ أن ننسبه إليها.
قال ابن تيمية ﵀ في مجموع فتاويه "١٢١/٥":
قد وصف الله تعالى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة، حتى قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق وأنه فوق عباده.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أقوال عدد غير قليل من الأئمة في إثبات العلو لله وأنه فوق العرش استوى، منهم ابن كلاب والأشعري والباقلاني والقاضي أبو يعلى وابن رشد وأبو نصر السجزي وأبو عمر الطلمنكي ونصر المقدسي وأبو نعيم الأصبهاني وأبو أحمد الكرخي وابن عبد البر ومعمر بن أحمد الأصبهاني وابن أبي حاتم وأبو محمد المقدسي وأبو عبد الله القرطبي وأبو بكر النقاش وأبو كبر الخلال وعبد الله بن أحمد وأبو بكر البيهقي وأبو حنيفة وعبد الله بن المبارك وابن خزيمة وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس وغيرهم.
وقال ابن القيم ﵀ في "اجتماع الجيوش الإسلامية" "ص: ٩٦" إثبات استواء الله على عرشه بالكتاب:
قال شيخ الإسلام: وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله ﷺ وعامة كلام الصحابة والتابعين وكلام سائر الأئمة مملوء بما هو نص أو ظاهر في أن الله فوق كل شيء، وأنه فوق العرش فوق السموات مستوٍ على عرشه، مثل قوله تعالى ... وذكر آيات من كتاب الله، سبق أن ذكرناها في كلام ابن بطة في "الإبانة" ثم ذكر ابن القيم أدلة إثبات استواء الله على عرشه من السنة.
فذكر قصة المعراج وتجاوز الرسول ﷺ السموات سماء سماء، حتى انتهى إلى ربه تعالى فقربه وأدناه. وذكر حديث: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" وفي لفظ: "فهو مكتوب عنده فوق العرش" وحديث: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت =
стр. 171
_________
سبحات وجهه ما انتهى إليه من بصره من خلقه".
وحديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم -وهو أعلم بهم- فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" وعندما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة قال له الرسول ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" وفي لفظ: "من فوق سبع سموات" ولما قسم النبي ﷺ قطعة الذهب بين أربعة قال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء" وحديث الجارية عندما سألها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "فمن أنا" قالت: أنت رسول الله قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وحديث زينب بنت جحش عندما كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات. وحديث: "الراحمون يرحمهم الله الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وحديث: "ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها" وحديث: "إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا ليس فيهما شيء". وحديث: "إن لله ملائكة سيارة فضلاً يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر جلسوا معهم فإذا تفرقوا صعدوا إلى ربهم" وفي رواية مسلم: "فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء، فيسألهم الله وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ " وحديث: "كان الله على العرش وكان قبل كل شيء، وكتب في اللوح المحفوظ كل شيء يكون". وحديث: "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه" إلى غير ذلك من الأحاديث التي ذكرها ابن القيم ﵀ ثم نقل من كلام أصحاب النبي ﷺ والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم الكثير، نُحِيلُ القارئ الكريم على مراجعة هذه النقول في "اجتماع الجيوش الإسلامية" "ص: ١١٨-٣٣١" حيث استشهد بكلام الإمام أحمد المذكور هنا في الرد على الجهمية. ذكره ابن القيم في "اجتماع الجيوش" "ص: ٢٠٠-٢٠٨".
وانظر: الشريعة للآجري "١٠٨١/٣-١١٠٦".
стр. 172
بيان ماتأولت الجهمية من قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾
...
بيان ما تأولت الجهمية من قول الله:
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾
قالوا: إن الله معنا وفينا. فقلنا: الله جل ثناؤه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧] .
ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] يعني الله بعلمه، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ﴾ يعني الله بعلمه ﴿سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني بعلمه فيهم ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يفتح الخبر بعلمه، ويختم الخبر بعلمه١.
ويقال للجهمي: إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه فقل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟
стр. 173
فإن قال: نعم فقد زعم أن الله بائن من خلقه دونه، وإن قال: لا. كفر١.
وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل: أليس الله كان ولا شيء؟
فيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال، لابد له من واحد منها.
إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه٢.
стр. 174
إن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا كفرًا أيضًا [حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء. وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه، ثم لم يدخل فيهم. رجع عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة] ١، ٢.
стр. 175
إذا أردت أن تعلم الجهمي لا يقر بعلم الله فقل له: الله يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] .
وقال: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] .
وقال: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت: ٤٧] .
فيقال له: تقر بعلم الله هذا الذي أوقفك عليه بالأعلام والدلالات أم لا؟ ... فإن قال: ليس له علم، كفر.
وإن قال: لله علم محدث كفر، حين زعم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى أحدث له علمًا فعلم.
فإن قال: لله علم وليس مخلوقًا ولا محدثًا، رجع عن قوله كله، وقال بقول أهل السنة] ١.
стр. 176
بيان ما ذكر الله في القرآن:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ، وهذا على وجوه:
قال الله جل ثناؤه لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] .
يقول: في الدفع عنكما.
وقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
يقول: في الدفع عنا.
وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
يقول: في النصر لهم على عدوهم.
وقال: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] .
في النصر لكم على عدوكم.
وقال: ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] .
يقول بعلمه فيهم.
وقال: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ١ [الشعراء: ٦١، ٦٢] .
стр. 177
يقول: في العون على فرعون١.
فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله أنه مع خلقه قال: هو في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين منه.
فقلنا: إذا كان غير مباين أليس هو مماسًّا٢؟
стр. 178
قال: لا. قلنا: فكيف يكون في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين؟ فلم يحسن الجواب.
فقال: بلا كيف. فيخدع جهال الناس بهذه الكلمة وموه عليهم١.
فقلنا: أليس إذا كان يوم القيامة، أليس إنما هو في الجنة والنار والعرش والهواء٢؟
стр. 179
قال: بلى. فقلنا: فأين يكون ربنا؟
فقال: يكون في كل شيء. كما كان حين في الدنيا في كل شيء.
فقلنا: فإن مذهبكم إن ما كان من الله على العرش فهو على العرش، وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة، وما كان من الله في النار فهو في النار، وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء.
فعند ذلك تبين كذبهم على الله جل ثناؤه١.
стр. 180
الكلام على أسم الله في القران هل هو مخلوق ؟
أوزعمت الجهمية أن الله -جل ثناؤه- في القرآن إنما هو اسم مخلوق، فقلنا: قبل أن يخلق هذا الاسم، ما كان اسمه؟
قالوا: لم يكن له اسم١.
فقلنا: وكذلك قبل أن يخلق العلم أكان جاهلا لا يعلم حتى يخلق لنفسه علمًا٢. وكان لا نور له حتى يخلق لنفسه نورًا. وكان ولا قدرة له حتى يخلق لنفسه قدرة؟