يكون غير القرآن محدث، ولكن ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] فهو القرآن، ليس هو محدثًا؛ قال: فبهذا احتججت عليهم.
واحتجوا عليَّ: ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا كذا أعظم من آية الكرسي، قال: فقلت له: إنه لم يجعل آية الكرسي مخلوقة، إنما هذا مثل ضربه، أي: هي أعظم من أن تخلق، ولو كانت مخلوقة لكانت السماء أعظم منها، أي: فليست بمخلوقة.
قال: واحتجوا عليَّ بقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فقلت: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] فخلق من القرآن زوجين، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء﴾ [النمل: ٢٣] فأوتيت القرآن؟ فأوتيت النبوة؟ أوتيت كذا وكذا؟
وقال الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء﴾ [الأحقاف: ٢٥] فدمرت كل شيء؟ إنما دمرت ما أراد الله من شيء، قال: وقال لي ابن أبي دؤاد أين تجد أن القرآن كلام الله؟
قلت: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] فسكت. وقلت له بين يدي الرئيس، وجرى كلام بيني وبينه، فقلت له: اجتمعت أنا وأنت: أنه كلام. وقلت: إنه مخلوق، فهاتوا الحجة من كتاب الله أو من السنة؛ فما أنكر ابن أبي دؤاد ولا أصحابه أنه كلام.
قال: وكانوا يكرهون أن يظهروا أنه ليس بكلام فيشنع عليهم".
حدثنا حمزة بن القاسم، قال: حدثنا حنبل؛ قال: "قال
стр. 37
أبو عبد الله: وكان إذا كلمني ابن أبي دؤاد لم أجبه ولم ألتفت إلى كلامه، فإذا كلمني أبو إسحاق، ألنت له القول والكلام.
قال: فقال لي أبو إسحاق: لئن أجبتني لآتينك في حشمي وموالي، ولأطأن بساطك: ولأنوهن١ باسمك، يا أحمد! اتق الله في نفسك، يا أحمد! الله الله.
قال أبو عبد الله: وكان لايعلم ولايعرف، ويظن أن القول قولهم، فيقول: يا أحمد إني عليك شفيق.
فقلت: يا أمير المؤمنين! هذا القرآن وأحاديث رسول الله ﷺ وأخباره، فما وضح من حجة صرت إليها.
قال: فيتكلم هذا وهذا.
قال: فقال ابن أبي دؤاد انقطع وانقطع أصحابه: والذي لا إله إلا هو؛ لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة وألف ومائة ألف عددًا مرارًا كثيرة.
قال أبو عبد الله: وكان فيما احتججت عليهم يومئذ، قلت لهم: قال الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وذلك أنهم قالوا لي: أليس كل ما دون الله مخلوق؟ فقلت لهم: فرق بين الخلق والأمر، فما دون الله مخلوقًا، أما القرآن، فكلامه ليس بمخلوق.
فقالوا: قال الله : ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ
стр. 38
فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] .
فقلت لهم: قال الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّه﴾ [النحل: ١] فأمره كلامه واستطاعته ليس بمخلوق، فلا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فقد نهينا عن ذلك".
قال حنبل: "وقال أبو عبد الله: واحتججت عليهم فقلت: زعمتم أن الأخبار تردونها باختلاف أسانيدها، وما يدخلها من الوهم والضعف، فهذا القرآن نحن وأنتم مجمعون عليه، وليس بين أهل القبلة فيه خلاف، وهو الإجماع.
قال الله في كتابه تصديقًا منه لقول إبراهيم غير دافع لمقالته ولا لما حكى عنه، فقال: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم: ٤٢] فذم إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر؛ فهذا منكر عندكم. فقالوا: شبَّه، شبَّه يا أمير المؤمنين.
فقلت: أليس هذا القرآن؟ هذا منكر عندكم مدفوع، وهذه قصة موسى؛ قال الله لموسى في كتابه حكاية عن نفسه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ [النساء: ١٦٤] فأثبت الله الكلام لموسى كرامة منه لموسى، ثم قال: يا موسى! ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] فتنكرون هذا، فيجوز أن تكون هذه الياء راجعة ترد على غير الله، أو يكون مخلوق يدعي الربوبية؟ وهل يجوز أن يقول هذا غير الله؟ وقال له: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ [النمل: ١٠] ﴿إِنِّي١ أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] .
стр. 39
فهذا كتاب الله يا أمير المؤمنين، فيجوز أن يقول لموسى: أنا ربك مخلوق، وموسى كان يعبد مخلوقًا، ومضى إلى فرعون برسالة مخلوق يا أمير المؤمنين؟ قال: فأمسكوا، وأداروا بينهم كلامًا لم أفهمه.
قال أبو عبد الله: والقوم يدفعون هذا وينكرونه، ما رأيت أحدًا طلب الكلام واشتهاه إلا أخرجه إلى أمر عظيم، لقد تكلموا بكلام، واحتجوا بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطق لساني أن أحكيه، والقوم يرجعون إلى التعطيل في أقاويلهم، وينكرون الرؤية والآثار كلها، ما ظننت أنه هكذا حتى سمعت مقالاتهم.
قال أبو عبد الله: قيل لي يومئذ: كان الله ولا قرآن: فقلت له: كان الله ولا علم؟ فأمسك، ولو زعم غير ذلك أن الله كان ولا علم؛ لكفر بالله.
قال أبو عبد الله: وقلت له -يعني: لابن الحجام-: يا ويلك، لا يعلم حتى يكون فعلمه وعلمك واحد، كفرت بالله عالم السر وأخفى، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ويلك، يكون علمه مثل علمك، تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
قال أبو عبد الله: فهذه أليست مقالته؟
قال أبو عبد الله: وهذا هو الكفر بالله، ما ظننت أن القوم هكذا.
لقد جعل برغوث يقول يومئذ: الجسم كذا وكلام لا أفهمه؛ فقلت: لا أعرف ولا أدري ما هذا، إلا أنني أعلم أنه أحد صمد، لا شبه له ولا عدل، وهو كما وصف نفسه؛ فيسكت عني.
стр. 40
قال: فقال لي شعيب: قال الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أفليس كل مجعول مخلوقًا؟
قلت: فقد قال الله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨] أفخلقهم؟ ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] أفخلقهم؟ أفكل مجعول مخلوق؟ كيف يكون مخلوقًا وقد كان قبل أن يخلق الجعل؟ قال فأمسك".
وأخبرني أبو عمرو -عثمان بن عمر- قال: حدثنا أبو بكر -أحمد بن محمد بن هارون- قال: أخبرني علي بن أحمد -أبو غالب- قال: حدثني محمد بن يوسف المروزي -المعروف بابن سرية- قال: "دخلت على أبي عبد الله والجبائر على ظهره، قال لي يا أبا جعفر! أشاط القوم بدمي؛ فقالوا له -يعني: المعتصم-: يا أمير المؤمنين! سله عن القرآن، أشيء هو أو غير شيء؟
قال: فقال لي المعتصم: يا أحمد! أجبهم.
قال: فقلت له يا أمير المؤمنين! إن هؤلاء لا علم لهم بالقرآن، ولا بالناسخ والمنسوخ، ولا بالعام والخاص، قد قال الله في قصة موسى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] فما كتب له القرآن.
وقال في قصة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]
стр. 41
وما أوتيت القرآن؛ فأخرسوا".
حدثني أبي ﵀؛ قال: حدثنا أبو جعفر، محمد بن الحسن بن بدينا١ قال: حدثنا صالح بن أحمد أن أباه قال: "قال لي رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله. قال: فقلت له: ما تقول في قول الله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فقال: خص الله به المؤمنين، قال: قلت: فما تقول إن كان قاتلاً أو عبدًا أو يهوديًّا أو نصرانيًّا؟ فسكت".
وأخبرني أبو عمر -عثمان بن عمر- قال: حدثنا أبو بكر -أحمد بن محمد بن هارون الخلال- قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: سمعت هرثمة بن خالد -قرابة إسحاق بن داود- وكنا جميعًا أنا وإسحاق، قال: قال أحمد بن حنبل: "قال لي ابن أبي دؤاد -وهم يناظروني- وقد كنت قلت لهم: أوجدوني ما تقولون في كتاب الله أو في سنة رسول الله، أوجدني أنت يابن حنبل في علمك أن هذا البساط الذي نحن عليه مخلوق؟ قال: قلت: نعم. قال الله : ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] قال: فكأني ألقمته حجرًا".
حدثنا أبو إسحاق -إبراهيم بن إسحاق الشيرجي الخصيب- قال: حدثنا أبو بكر -محمد بن الحجاج المروذي- قال: "قال لي
стр. 42
أبو عبد الله: مكثت ثلاثة أيام يناظرونني. قلت: فكان يدخل إليك بالطعام؟ قال: لا. قلت: فكنت تأكل شيئًا؟ قال: مكثت يومين لا أطعم، ومكثت يومين لا أشرب، ومكثت ثلاثة أيام يناظرونني بين يديه -يعني: الرأس أبا إسحاق- وقد جمعوا عليَّ نحو من خمسين بصريًّا وغير ذلك -يعني: من المناظرين- وفيهم الشافعي الأعمى١، فقلت له: كلهم يناظرونك بالليل؟ قال: نعم كل ليلة، وكان فيهم الغلام غسان -يعني: قاضي الكوفة- وقال: إنما كان الأمر أمر ابن أبي دؤاد، قلت له: كانوا كلهم يكلمونك؟ قال: نعم، هذا يتكلم من ههنا، وهذا يحتج من ههنا، وهذا يتأول على آية، وعجيف عن يمينه، وإسحاق عن يساره قائم، ونحن بين يديه -يعني: أبا إسحاق- فسألني غير مرة فقلت: أوجدني في كتاب أو سنة؛ فقال لي إسحاق وعجيف: وأنت لا تقول إلا ما كان في كتاب أو سنة؟
قلت لهم: ناظروني في الفقه أو في العلم.
فقال عجيف: أنت وحدك تريد أن تغلب هؤلاء الخلق كلهم وَلَزَّني بقائمة سيفه، وأشار أبو عبد الله إلى عنقه يريني بيده هكذا، ثم قال إسحاق بن إبراهيم: وأنت لا تقول إلا ما كان في كتاب أو سنة، ولكزني بقائمة سيفه -وأومأ أبو عبد الله إلى حلقه- قلت: فكان
стр. 43
أبو إسحاق يتكلم؟ قال: لا، إلا ساكت، إنما كان الأمر أمر ابن أبي دؤاد.
ثم قال أبو عبد الله: لم يكن فيهم أحد أرق علي من أبي إسحاق مع أنه لم يكن فيهم رشيد.
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: لما قلت: لا أتكلم إلا ما كان في كتاب أو سنة: احتج الأعمى الشافعي بحديث عمران بن حصين، خلق الله الذكر. قال: فقلت له: هذا خطأ رواه الثوري وأبو معاوية، وإنما وهم فيه محمد بن عبيد، وقد نهيته أن يحدث به. قال: فقال أبو إسحاق: أراه فقيهًا.
وأخبرني أبو عمرو -عثمان بن عمر- قال: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون، قال: "وكتب إلي أحمد بن الحسين الوراق من الموصل، قال: حدثنا بكر بن محمد عن أبيه عن أبي عبد الله، قال: واجتمع عليَّ خلق من الخلق، وأنا بينهم مثل الأسير، وتلك القيود قد أثقلتني، قال: وكان يلغطون ويضحكون، وكل واحد منهم ينزع آية، وآخر يجيء بحديث؛ قال: والرئيس يسكتهم.
قال: فكان هذا يقول شيئًا، وهذا يقول شيئًا، وهذا يقول شيئًا، فقال لي واحد منهم: أليس يروى عن أبي السليل عن عبد الله بن رباح عن أبي كعب؟ فقلت: وأنا ما يدريك من أبو السليل؟ ومن عبد الله ابن رباح؟ ومالك ولهذا؟ قال: فسكت.
وقال لي آخر: ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي؛ فقلت: إنما هذا مثل، فسكت.
стр. 44
واحتج علي آخر بحديث الطنافسي عن الأعمش عن جامع حديث عمران بن حصين أن الله خلق الذكر.
فقلت: هذا وهم فيه -يعني: الطنافسي- وأبو معاوية يقول: كتب الله الذكر. قال: وكنت أصيح عليهم، وأرفع صوتي، وكان أهون عليَّ من كذا وكذا، وذهب الله بالرعب من قلبي، حتى لم أكن أبالي بهم ولا أهابهم، فلما يئسوا مني واجتمعوا عليَّ، قال لي عبد الرحمن: ما رأيت مثلك قط، من صنع ما صنعت؟ قلت له: القرآن، قد اجتمعت أنا وأنتم على أنه كلام الله، وزعمتم أنه مخلوق، فهاتوه من كتاب أو سنة، فقال لي ابن أبي دؤاد: وأنت تجد في كل شيء كتابًا وسنة؟
فلما يئس مني، قال: خذوه، وأدخل الأتراك أيديهم في أقيادي فجروني إلى موضع بعيد، وذكر قصة الضرب".
وأخبرني أبو عمرو -عثمان بن عمر- قال: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون، قال: وأخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي، قال: "سمعت عبيد بن محمد القصير قال: سمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل، فقال له أبو إسحاق: يا أحمد! إن كنت تخشى من هؤلاء النابتة جئتك أنا في جيشي إلى بيتك حتى أسمع منك الحديث.
قال: فقال له: يا أمير المؤمنين! خذ في غير هذا واسأل عن العلم واسأل عن الفقه، أي شيء تسأل عن هذا؟
قال عبيد بن محمد: وسمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم
стр. 45
ضرب أحمد بن حنبل، قال: التفت إليه المعتصم، فقال: تعرف هذا؟ قال: لا. قال: تعرف هذا؟ قال: لا. فالتفت أحمد فوقعت عينه على ابن أبي دؤاد فحول وجهه، فكأنما وقعت عينه على قرد، قال: تعرف هذا -يعني: عبد الرحمن-؟ قال: نعم. قال: قل: الله رب القرآن، قال: القرآن كلام الله. قال: فشهد ابن سماعة وقتلته، فقالوا: قد كفر، اقتله ودمه في أعناقنا".
وحدثني أبي، قال: حدثنا أبو جعفر بن بدينا أن صالح بن أحمد حدثهم، قال: "أخبرني رجل حضره، قال: تفقدته في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه ويكلمونه، فما لحن في كلمة، وما ظننت أن أحدًا يكون في شجاعته وشدة قلبه".
وحدثنا أبو إسحاق -إبراهيم بن إسحاق الشيرجي- قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: "كان أبو عبد الله لا يلحن في الكلام، قال: وأخبرت أنه لما نوظر بين يدي الخليفة لم يتعلق عليه بلحن، حتى حكي أنه جعل يقول: فكيف أقول ما لم يقل؟! ".
قال أبو بكر المروذي: وقال لي ابن أبي حسان الوراق: "طلب مني أبو عبد الله وهو في السجن كتاب حمزة في العربية، فدفعته إليه، فنظر فيه قبل أن يمتحن".
أخبرني أبو عمرو -عثمان بن عمر- قال: حدثنا أبو بكر -أحمد بن محمد بن هارون- وأخبرنا محمد بن علي السمسار، قال: "رأيت شيخًا قد جاء إلى أبي عبد الله وهو مريض؛ فجعل يبكي
стр. 46
وقال: إنه ممن حضر ضربه، فلما خرج سمعته يقول: والله، لقد كلمت ثلاثة من الخلفاء، ووطئت بسطهم ما هبتهم وما دخلني من الرعب ما دخلني منه وهو مسجى، والله، لقد رأيته يناظر وهو عالٍ عليهم قوي القلب، والمعتصم يكلمه ويقول: أجبني إلى ما أسألك، أو شيء منه، فيقول: لا أقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسول الله، فيقول له: لا تقول القرآن مخلوق؟ فيقول له: وكيف أقول ما لم يقل؟!.
قال الرجل: فقلت لرجل كان إلى جانبي: ما تراه ما يرهب ما هو فيه، ولا يلحن في مثل هذا الوقت، والسياط والعقابين بين يديه، وليس في يده منه شيء".
حدثنا أبو إسحاق -إبراهيم بن إسحاق الشيرجي- قال: حدثنا المروذي قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: لما ضربت كانا جلادين يضرب كل واحد منهما سوطًا ويتنحى، ويضرب الآخر سوطًا ويتنحى.
قلت: قام إليك أبو إسحاق مرتين؟
قال: أما مرة، فأحفظ أنه خرج إلى الرواق، وقال: خذوه، فأخذوه بضبعي وجروني نحوًا من مائة ذراع إلى العقابين فخلعوني، وأنا أجد ذلك في كتفي إلى الساعة، وكان عليَّ شعر كثير، وانقطعت تكتي، فقلت: الآن تسود -يعني: وهو بينهم.
قلت: من ناولك خيطًا في ذلك الموضع؟
قال: لا أدري فشددت سراويلي، وأخبرت أنهم خلعوا القميص ولم يخرقوه، وكان في كمه شعر النبي، ﷺ ".
стр. 47
قال المروذي: "وبلغني عن يعقوب الفرس، قال: سمعت عيسى الفتاح يقول: قال لي أبو عبد الله: يا أبا موسى! ما رأيت هؤلاء قط، كان أشد علي من تلفت الجلاد، ثم يثب عليَّ".
قال: "وسمعت الفلاس يقول: سمعت عيسى الفتاح، قال: قال لي أبو عبد الله: قال أبو إسحاق: ما رأيت ابن أنثى أشجع من هذا الرجل".
قال المروذي: "وسمعت عيسى الجلاء يقول: رأى رجل في النوم قائلاً يقول: وإذا جماعة ناحية فجعل يقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] وأشار بيده إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] أحمد بن حنبل وأصحابه".
قال المروذي: "وأخبرت عن زياد بن أبي بادويه القصري، قال: سمعت الحماني يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام قد جاء فأخذ بعضادتي، فقال: نجا الناجون، وهلك الهالكون، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، من الناجون؟ قال: "أحمد بن حنبل وأصحابه".
قال المروذي: "وبلغني عن امرأة رأوها في النوم وقد شاب صدغها، فقيل لها: ما هذا الشيب؟ فقالت: لما ضرب أحمد بن حنبل زفرت جهنم زفرة لم يبق منا أحد إلا شاب".
وحدثنا أبو إسحاق الشيرجي، قال: حدثنا المروذي، قال: حدثنا أبو عمر المخرمي، قال: "كنت مع سعيد بن منصور ونحن في الطواف، قال: فسمعت هاتفًا يقول: ضرب أحمد بن حنبل اليوم
стр. 48
بالسياط؟ قال: فقال لي سعيد: أو ما سمعت أو سمعت؟ قلت: بلى.
قال -يعني: سعيد بن منصور-: هذا من صالحي الجن أو من الملائكة، إن كان هذا حقًّا؛ فإن اليوم قد ضرب أحمد بن حنبل، فقال: فنظرنا فإذا قد ضرب في ذلك اليوم".
قال أبو عبد الله: "لما ضربت امتلأت ثيابي بالدماء، وكنت صائمًا، فجاءوا بسويق فلم أشرب، وأتممت صومي، وكان بعض الجيران ثم حاضرًا، فأي شيء نزل به -يعني: لما امتنع أبو عبد الله من شرب السويق- لا أدري، إسحاق بن إبراهيم أو غيره، قال: وبلغني أنه لم يدخل على أبي عبد الله طعام في قصر إسحاق، وقد كان منع أن يدخل إليه، وقال: تأكل من طعامنا. قال أبو عبد الله: فمكثت يومين لا أطعم".
قال المروذي: "فقال لي النيسابوري -صاحب إسحاق بن إبراهيم-: قال لي الأمير: إذا جاءوا بإفطاره فأرونيه، قال: فجاءوا برغيفين وخبازة، قال: فأروه الأمير، فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يقنعه".
وأخبرني أبو عمرو -عثمان بن عمر- قال: حدثنا أبو بكر -أحمد بن محمد بن هارون- قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد عن أبي عبد الله، وذكر قصة طويلة، قال: "وجعل أولئك يلقون المسائل، قال: قلت: هذا مما لا أتكلم فيه؛ لأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ .
стр. 49
فقلت لهم: أي شيء تقولون إذا دخلتم المسجد؟ وأي شيء تقولون إذا خرجتم من المسجد؟ فسكتوا.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين! هؤلاء لا يدرون أي شيء يقولون إذا دخلوا المسجد وإذا خرجوا، يسألون عن القرآن؟ أمر القرآن أعظم" وذكر كلامًا كثيرًا ١.
стр. 50
مقدمة المصنف ﵀
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين:
قال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ﵁ وأثابه الجنة، وغفر لنا وله بمنه وكرمه آمين:
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم١.
ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل
стр. 51
الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عقال١ الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب٢، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم٣
стр. 52
يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين.
стр. 53
باب بيان ما ضلت فيه الزنادقة
стр. 54
من متشابه القرآن١
стр. 55
شك الزنادقة في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾
...
قال أحمد في قوله :
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] .
قالت الزنادقة: فما بال جلودهم التي عصت قد احترقت، وأبدلهم جلودًا غيرها؟
فلا نرى إلا أن الله يعذب جلودًا لم تذنب حين يقول: بدلناهم جلودًا غيرها١.
فشكوا في القرآن، وزعموا أنه متناقض.
فقلت: إن قول الله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ ليس يعني جلودًا غير جلودهم، وإنما يعني: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ تبديلها: تجديدها؛ لأن جلودهم إذا نضجت، جددها الله، وذلك لأن القرآن فيه خاص وعام، ووجوه كثيرة وخواطر يعلمها العلماء٢.
وأما قوله : ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦] .
стр. 56
شك الزنادقة في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ﴾
...
ثم قال في آية أخرى:
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] .
فقال: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ ... قال: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ﴾ ثم قال في موضع آخر: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] .
فزعموا أن هذا الكلام ينقض بعضه بعضًا فشكوا في القرآن١.
أما تفسير: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ .
فهذا أول ما تبعث الخلائق على مقدار ستين سنة لا ينطقون،
ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون، ثم يؤذن لهم في كلام فيتكلمون،
стр. 57
شك الزنادقة في قوله: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾
...
وأما قوله:
﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال في آية أخرى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] .
فقالوا: كيف يكون هذا من لمحكم؟ فشكوا في القرآن من أجل ذلك٢.
فأما قوله : ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .
стр. 58
فهذا عند النفخة الثانية، إذا قاموا من القبور، لا يتساءلون ولا ينطقون في ذلك الموطن، فإذا حوسبوا، ودخلوا الجنة والنار، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
стр. 59
شك الزنادقة في قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ،﴾
...
وأما قوله:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣،٤٢] .
وقال في آية أخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] .
فقالوا: إن الله قد ذم قومًا كانوا يصلون قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ٢.
стр. 60
وقد قال في قوم إنهم إنما دخلوا النار لأنهم لم يكونوا يصلون فشكوا في القرآن من أجل ذلك، وزعموا أنه متناقض.
قال: وأما قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ عنى بها المنافقين: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ حتى يذهب الوقت.
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٦] يقول إذا رأوهم صلوا، وإذا لم يروهم لم يصلوا.
وأما قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣] .
يعني الموحدين المؤمنين، فهذا ما شكت فيه الزنادقة١.
стр. 61
شك الزنادقة في قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾
...
وأما قوله :
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر: ١١] .
ثم قال: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] .
ثم قال: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] .
ثم قال: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] .
ثم قال: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] .
стр. 62
فشكوا في القرآن، وقالوا: هذا تلبيس ينقض بعضها بعضًا١.
نقول: هذا بدء خلق آدم، خلقه الله أول بدء من تراب، ثم من طينة حمراء وسوداء وبيضاء، ومن طينة طيبة وسبخة، فكذلك ذريته طيب، وخبيث، أسود وأحمر وأبيض٢. ثم بلَّ ذلك التراب فصار طينًا، فذلك قوله: "من طين" فلما لصق الطين بعضه ببعض، فصار طينًا لازبًا، بمعنى لاصقًا، ثم قال: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ .
يقول: مثل الطين إذا عصر انسل من بين الأصابع، ثم نتن فصار حمأ مسنونًا، فخلق من الحمأ، فلما جفَّ صار صلصالاً كالفخار، يقول: صار له صلصلة كصلصلة الفخار، له دوي كدوي الفخار.
стр. 63
فهذا بيان خلق آدم، وأما قوله: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] .
فهذا بدء خلق ذريته، من سلالة يعني النطفة إذا انسلت من الرجل، فذلك قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ ، يعني النطفة، ﴿مَهِينٍ﴾ يعني ضعيف.
فهذا ما شَكَّت فيه الزنادقة.
стр. 64
شك الزنادقة في قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾
...
وأما قوله:
﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨] .
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]
﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]
فشكوا في القرآن، وقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ ١.
стр. 65
أما قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ فهذا اليوم الذي يستوي فيه الليل والنهار، أقسم الله بمشرقه ومغربه، وأما قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ فهذا أطول يوم في السنة، وأقصر يوم في السنة، أقسم الله بمشرقهما ومغربهما، وأما قوله: "رب المشارق ورب المغارب" فهو مشارق السنة ومغاربها، فهذا ما شكت فيه الزنادقة١.
стр. 66
شك الزنادقة في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾
...
أما قوله:
﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]
وقال في آية أخرى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]
وقال في آية أخرى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً﴾ [المعارج: ٤، ٥] .
فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم، وهو ينقض بعضه بعضًا؟ ٢.
стр. 67
قال: أما قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] فهذا من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض، كل يوم كألف سنة، وأما قوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] وذلك أن جبرائيل كان ينزل على النبي ﷺ ويصعد إلى السماء في يوم كان مقداره ألف سنة، ذلك أنه من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، فهبوط خمسمائة، وصعود خمسمائة عام، فذلك ألف عام١.
стр. 68
وأما قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] يقول: لو ولي حساب الخلائق غير الله، ما فرغ منه في يوم مقداره خمسون ألف سنة، ويفرغ الله منه مقدار نصف يوم من أيام الدنيا١، إذا أخذ في حساب الخلائق فذلك قوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] يعني سرعة الحساب٢.
فأنكروا: أن كانوا مشركين.
وقال في آية أخرى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] .
فشكوا في القرآن، وزعموا أنه متناقض١.
стр. 71
شك الزنادقة في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
...
أما قوله:
﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وذلك أن هؤلاء المشركين إذا رأوا ما يتجاوز الله عن أهل التوحيد يقول بعضهم لبعض: إذا سألنا نقول: لم نكن مشركين٢، فلما جمعهم الله، وجمع
стр. 72
أصنامهم وقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] .
قال الله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .
فلما كتموا الشرك، ختم الله على أفواههم، وأنطق الجوارح، فنطقت بذلك، فذلك قوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] . فأخبر الله عن الجوارح حين شهدت، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
شك الزنادقة في قوله: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا﴾
...
أما قوله:
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا﴾ وذلك إذا خرجوا من قبورهم، فنظروا إلى ما كانوا يكذبون به من أمر البعث، قال بعضهم لبعض: إن لبثتم في القبور إلا عشر ليال، واستكثروا العشر، فقالوا: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا﴾ في القبور، ثم استكثروا اليوم فقالوا: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ثم استكثروا القليل فقالوا: إن لبثتم إلا ساعة من نهار. فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
стр. 75
شك الزنادقة في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾
...
وأما قوله:
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩] .
وقال في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] .
فقالوا: وكيف يكون هذا فيقولون: لا علم لنا.