بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحق المبيوقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة-٢١] وقال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف-١٢٨] .والآيات القرآنية الدالة على أن العزة والمنعة والدولة والنصر – كل ذلك – آيل إلى من حقق التوحيد، وصبر على الأذى، كثيرة جدا، وفي الآيات الكونيةما يشهد لذلك ويصدقه، ويجسد هذا الوعد ويحققه. ولو استطردنا في ذكر الآيات الكونية التي منها: أخبار الرسل مع أممهم، والمصلحين مع أقوامهم، لطال بنا المقام، واتسعت ذاكرة الكلام. ولكن نشير إلى ذلك بدعوة سلفية واجهت أعداء ألداء، أقوياء أشداء، صمدت أمامهم صمود الجبل الشامخ، ورمت نحورهم برماح العلماء والمشايخ، معقلة عددهم، وضعف ذات يدهم.
هذه الدعوة هي: دعوة الإصلاح والتجديد في نجد، التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى -.لقد كابدت هذه الدعوة في بدء قيامها أنواع الاضطهاد، وصنوف الظلم، وألوان العذاب، حتى إن الدولة العثمانية ألقت كامل قواها في سبيل القضاء على هذه النواة الصغيرة ... فجندت الجيوش الحربية لقتالهم، واستنفرت القدرات العلمية لهتكهم، وحذرت الناس من الاستماع لدعوتهم وقولهم، وألصقت
الافتراءات والكذبات بهم. ولكن بحمد الله تعالى: كل هذه الجنود تضعضعت وانكسرت، وفشلت أمام جنود الحق وتقهقرت.
أما الجنود الحربية فقد هيأ لها أوائل آل سعود – رحمهم الله تعالى –شبانا يرون القتل مجدا، وشيبا في الحروب مجربينا.
وأما الجنود العلمية فقد هيأ لها الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى_ طلابا للعلم عن السنة يذودون، وبالكتاب يصولون ويجولون. فنفوا عن الكتاب تحريف المحرفين، وانتحال المبطلين، وشبهات المشبهينن. وأشهد أن نبينا وقدوتنا وسيدنا محمد المبعوث بالهدى والنور، والسعادة
والسرور، صلى الله عليه صلاة دائمة ما تعاقب الليل والنهار. وعلى آله البررة الكرام الأطهار، وأصحابه المصطفين الأخيار، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فإن خروج المناوئين لدعوة الرسل وأتباعهم، وإثارتهم الشبه تارة، والأحقاد أخرى، أمر قدره الله وشاءه وقضاه، وصبغه بحكمته البالغة في الكمال منتهاه، وسيره سنة في الأمم لا تخرج عنه ولا تتعداه.
وقد سبق في علم الله: أن العاقبة للمتقين، والدائرة على الضالين المكذبين. ولكن الله سبحانه أراد أن يمحص المؤمنين ويبلوهم، ويختبر محبتهم له وصبرهم، بتسليط هؤلاء المناوئين عليهم، وسومهم بأنواع العذاب على أيديهم.
حتى إذا كان الناس على صنفين: مؤمنين أخيار. وكافرين فجار. أنجز الله
لعباده المؤمنين وعده، وأنزل لنصرهم ملائكته وجنده.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات ١٧١ _١٧٢_١٧٣) وقال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾
стр. 2
وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة-٢١] وقال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف١٢٨] .والآيات القرآنية الدالة على أن العزة والمنعة والدولة والنصر – كل ذلك – آيل إلى من حقق التوحيد، وصبر على الأذى، كثيرة جدا، وفي الآيات الكونيةما يشهد لذلك ويصدقه، ويجسد هذا الوعد ويحققه. ولو استطردنا في ذكر الآيات الكونية التي منها: أخبار الرسل مع أممهم، والمصلحين مع أقوامهم، لطال بنا المقام، واتسعت ذاكرة الكلام. ولكن نشير إلى ذلك بدعوة سلفية واجهت أعداء ألداء، أقوياء أشداء، صمدت أمامهم صمود الجبل الشامخ، ورمت نحورهم برماح العلماء والمشايخ، مع قلة عددهم، وضعف ذات يدهم. هذه الدعوة هي: دعوة الإصلاح والتجديد في نجد، التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى -.لقد كابدت هذه الدعوة في بدء قيامها أنواع الاضطهاد، وصنوف الظلم، وألوان العذاب، حتى إن الدولة العثمانية ألقت كامل قواها في سبيل القضاء على هذه النواة الصغيرة ... فجندت الجيوش الحربية لقتالهم، واستنفرت القدرات
العلمية لهتكهم، وحذرت الناس من الاستماع لدعوتهم وقولهم، وألصقت الافتراءات والكذبات بهم.
ولكن بحمد الله تعالى: كل هذه الجنود تضعضعت وانكسرت، وفشلت أمام جنود الحق وتقهقرت. أما الجنود الحربية فقد هيأ لها أوائل آل سعود – رحمهم الله تعالى –شبانا يرون القتل مجدا، وشيبا في الحروب مجربينا.
وأما الجنود العلمية فقد هيأ لها الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى_ طلابا للعلم عن السنة يذودون، وبالكتاب يصولون ويجولون. فنفوا عن الكتاب تحريف المحرفين، وانتحال المبطلين، وشبهات المشبهين
стр. 3
كل ذلك بفضل الله أولا وآخرا، فله الحمد والشكر وحده لا شريك له. ولم يزل لكل قوم من الفريقين وارث، لعلومهم وأفكارهم ناشر باعث. وكان من بين الوارثين للقوم المخذولين، رجل بلغ من الوقاحة منتهاها، ومن
الجهالة أخبثها وأرداها، ذلك الرجل هو: داود بن سليمان بن جرجيس، المنفق سلعته بالكذب والزور والتلبيس، المحامي عن المشركين والوثنيين إخوان إبليس. ألف كتبا قرر فيها الشرك والسفاهات، وجلب إليها أردأ الحجج والبينات، وملأها بالأكاذيب والترهات. وقد ورث القوم الصالحين المنصورين، عالم جليل، فاضل نبيل، اشتهربالديانة والصلاح، والسعي إلى ما يقرب من الفلاح. ذلك العالم هو الشيخ: أحمد ابن إبراهيم بن عيسى – رحمه الله تعالى وتولاه -.تصدى لسفسطات الجاني المذكور فنقضها الواحدة تلو الأخرى، وأوضح ما وقع فيها من الشرك ونصر الهوى، ومجانبة الأمانة والتقوى، كل ذلك في رسالةصغيرة الحجم، كبيرة الفائدة والعلم، امتازت بحسن عبارتها، ونصوع حجتها، ووضوح أدلتها، وقوة مخاصمتها. وقد سمى هذه الرسالة: "الرد على شبهات المستغيثين بغير الله" وهي التي بين يديك. فمع هذه الرسالة نتركك لتأخذ العلم من مخبئه ومستودعه، وتلذذ بمشاهدةجمالها ونضرته، والله المسؤول المرجو أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه القدير عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريمغفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين ٩/٢/١٤٠٩هـ
стр. 4
النسخ المعتمدة
طبع هذا الكتاب لأول مرة في مصر على نفقة الشيخ محمد نصيف. وهو الذي أشرف على طباعتها. ولم يذكر تاريخ الطبعة. وقد اعتمد في هذه الطبعة على نسخة خطية منقولة من خط المؤلف كتبها: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عامر، سنة ١٢٩٧هـ.ثم أعيد طبع الكتاب على نفقة محمد بن جميح ضمن مجلد كبير جمع عدةكتب ورسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولبعض علماء نجد. واعْتُمِد في هذه الطبعة على نسختين: إحداهما خطية أخذت من مكتبة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف قاضي شقراء، وثانيتهما: نسخة الشيخ
محمد نصيف، المتقدم ذكرها. وقد اعتمدت النسخة الثانية، لصحتها غالبا، وكمالها، فإن في طبعة الشيخ
محمد نصيف – ﵀ – نقصا، كما في ص ٣١ من الطبعة التي بين يديك. وقد أثبت أغلب الفروق بين النسختين في الحاشية.
اسم الكتاب:
طبع باسم "الرد على شبهات المستعينين بغير الله" في الطبعة الأولى. أماالطبعة الثانية فقد كتب على وجهها: "الرد على شبهات المستغيثين بغير الله".ولعل ما وقع في الطبعة الثانية خطأ، وذلك لأن المشرف على الطبع ذكر في بيان الأصول المعتمدة في الطبع اسم الكتاب موافقا للطبعة الأولى. لذا أثبت هذاالاسم على وجه هذه النسخة.
стр. 5
ترجمة المؤلف
هو الشيخ العالم العلامة المحقق الداعية: أحمد بن الشيخ العالم العلامةالمحقق: إبراهيم بن حمد بن محمد بن حمد بن عبد الله بن عيسى. ينتهي نسبه إلى قبيلة بني زيد المنحدرة من قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرةابن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ولد هذا العالم الجليل في موطن أبائه "شقراء" يوم الخميس، العاشر من ربيعالأول، عام ١٢٥٣هـ. نشأ في حجر والده العلامة إبراهيم بن عيسى. فرباه تربية حسنة، وغرس في قلبه حب العلم وأهله. فحفظ القرآن وتعلم مبادئ الكتابة والقراءة. ثم شرع في طلب العلم بهمةعالية، ورغبة صادقة. قرأ على والده: التوحيد والفقه والحديث والأصول. كما لازم علامة نجد ومفتيها الأكبر: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين. قام برحلات علمية، منها إلى مكة، والرياض، والعراق. فقرأ في مكة على:
العالم الجليل محمد بن سليمان حسب الله الشافعي المكي. والشيخ العلامة المحقق حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي. وقرأ في الرياض على: الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ عبد اللطيف. وفي العراق على نعمان الألوسي. وصالح بن حمد المبيض.
ولاه عبد العزيز بن رشيد قضاء المجمعة وبلدان السدير عام ١٣١٧هـ.
стр. 6
وكان الشيخ قبل ذلك في مكة تاجرا في الأقمشة يتحرى الصدق والأمانة والوفاء بالعهد، وينتهز الفرص لدعوة من يتعاطى معه التجارة.
قال الشيخ الفاضل محمد نصيف:
وكان – أي المترجم له – يتردد بين جدة ومكة لشراء الأقمشة من الشيخ عبد القادر بن مصطفى التلمساني. كان يدفع له أربعمائة جنيه ويشتري بألف، ويسدد الباقي على أقساط بضمانة مبارك بن مساعد.
وقد دام التعامل بينه وبين الشيخ التلمساني زمنا طويلا. وكان لصدقه وأمانته وفائه بوعده أثر طيب في نفس التلمساني. حتى إنه لم ير ضرورة للضامن..وقال له:
" إني عاملت الناس من أربعين عاما فما وجدت أحسن من التعامل معك يا وهابي، فيظهر أن ما يشاع عنكم يا أهل نجد مبالغ فيه من خصومكم السياسيين...."
فسأله الشيخ أحمد أن يبينها له.
فقال التلمساني: يقولون إنكم لا تصلون على النبي ولا تحبونه.
فأجابه الشيخ أحمد: سبحانك هذا بهتان عظيم. كيف ومن لم يصل عليه في التشهد في الصلاة فصلاته باطلة، ومن لا يحبه فكافر.
وإنما نحن أهل نجد ننكر الاستعانة والاستغاثة بالأموات، ولا نستغيث إلا بالله وحده، ولا نستعين إلا به سبحانه، كما كان على ذلك سلف الأمة.
وقد استمر النقاش بينه وبين التلمساني ثلاثة أيام. وأخيرا هدى الله الشيخ التلمساني للحق، وصار موحدا ظاهرا وباطنا.
ثم سأله الشيخ التلمساني أن يوضح بعض أوجه الفرق بينهم وبين خصومهم – يعني في توحيد الأسماء والصفات – فقال الشيخ أحمد:
إننا نعتقد أن الله فوق سماواته، مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، من غير تشبيه ولا تجسيم ولا تأويل، وهكذا في جميع آيات الصفات والأحاديث، كما هي عقيدة السلف الصالح، وكما جاء عن الإمام أبي الحسن الأشعري في
стр. 7
كتابيه: الإبانة في أصول الديانة، ومقالات الإسلاميين واختلاف المصلين.
وقد دامت المناظرة بينهما خمسة عشر يوما. لأن الشيخ التلمساني كان أشعريا، درس في الجامع الأزهر كتب العقائد: السنوسية، وأم البراهين، وشرح الجوهرة، وغيرها.
وقد انتهت هذه المناقشة الطويلة باقتناع الشيخ التلمساني بأن عقيدة السلف هة الأسلم والأعلم والأحكم.
ثم صار الشيخ التلمساني داعيا من دعاة العقيدة السلفية، وطبع كتبا كثيرة ووزعها بالمجان..
ثم قال الشيخ المحسن المفضال محمد نصيف:
وإذا كان الله قد هدى الشيخ التلمساني على يد الشيخ أحمد بن عيسى، فقد هداني – أنا أيضا – على يده، اهـ.
ولقد كان للشيخ أحمد مكانة مرموقة عند جميع طبقات الناس لما اشتمل عليه من أخلاق فاضلة، ومعاملة صادقة، وورع نقي، وقلب تقي، ولسان من الفحش بري، ومن الخير دني.
حتى إنه أشار على الشريف عون بن محمد بأن يهدم القباب المبنية على القبور، فأزالها، تلبية لنصيحته، إلا ما كان من قبر خديجة وابن عباس فإنه تركه مخافة من تشويش السلطان عبد الحميد العثماني.
وبجانب نشاط الشيخ في الدعوة إلى الله باللسان كان يدعو بقلمه، فيقرر به التوحيد ويؤيد أهله، وينفي الشرك ويحارب جنده. فخلف مؤلفات نفيسة
منها:
١- شرح النونية لابن القيم، في مجلدين كبيرين، قال شيخنا العلامة عبد الله بن جبرين – حفظه الله -: وهو من أنفس الشروح وأجل الكتب في هذا الفن.
٢- تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي والحلبي، مجلد كبير، طبع ضمن مجموعة كتب طبعها"الكردي" عام ١٣٢٩هـ.
стр. 8
٣- الرد على دحلان في كتابه "خلاصة الكلام".
٤- تهديم المباني في الرد على النبهاني.
٥- الرد على شبهات المستعينين بغير الله. وهو رد على داود بن جرجيس العراقي.
وهو المقصود بقول ابن عم المؤلف الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى
أزاح قتام الشرك منه بنبذة ... لها الوحم ردء والحديث مؤيد
٦- مجموعة قصائد قيلت في مناسبات مختلفة.
وافته المنية المحتمة بعد صلاة الجمعة في اليوم الرابع من جمادى الثانية من عام ١٣٢٩ في بلدة المجمعة بسدير.
وصلي عليه صلاة الغائب في المملكة.
وقد مدحه كثير من العلماء الأجلاء نظما ونثرا، فمن ذلك ما قاله الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى:
إمام حوى علما وحلما وعفة ... وزهدا ونسكا فضله ليس يجحد
غزير المعاني لوذعي مهذب ... أديب أريب ألمعي مسدد
أزاح قتام الشرك منه بنبذة ... لها الوحم ردء والحديث مؤيد
بقيت ابن إبراهيم للدين ناصرا ... تناضل عن دين الرسول وتنهد
وقال أيضا فيه:
هو الفتى نجل إبراهيم من فخرت ... به العلوم على التفصيل والجمل
هو الإمام الفقيه الحبر قدوتنا ... أكرم به من إمام سيد بطل
مؤيد راسخ في العلم متبع ... أثر المطهر طه خاتم الرسل
فرحم الله الشيخ أحمد رحمة واسعة، فلقد كان عالما حقا، مجاهدا صدقا،
стр. 9
قاضيا عدلا، منفقا سحا، وترجمته الحافلة حقيقة بأن تفرد في مجلد، وهو ما نأمله من أصحاب الرسائل العلمية، التي تقدم في شخصيات بارزة.١
стр. 10
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أظهر الحق وأناره، ومحق الباطل وأباده، أحمده على ظهور حجج التوحيد ووضوحها، وأشكره على تبديد شبه الشرك وفضوحها.
وصلى الله على سيدنا محمد المحامي عن توحيد مولاه، القائل:
"إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" ١ الزاجر لمن إلى ذرائع
стр. 11
الشرك تعدى، القائل لمن قال له "ما شاء الله وشئت": أجعلتني لله ندا؟ ١ وعلى آله وصحبه المهتدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
стр. 12
أما بعد:
فقد وقفت على كراسة لبعض العصريين من أهل العراق سماها:"أنموذج الحقائق" وضمنها كثيرا من الهذيان والشقاشق، مضمونها الانتصار للشرك بالله المسمى "بالتوسل" وتجويز دعوة الأموات والغائبين من دون الله تعالى، واستحبابه، والتشنيع على من يمنع من ذلك وسبابه.
فأحببت أن أبين بطلان ما تضمنته كراسته من الشبهات الواهية، والترهات المتناهية، وأن أزيح شبهاته ببراهين التوحيد الساطعة، وأوضح ضلالاته بحجج الكتاب والسنة القاطعة، وكلام علماء الإسلام، ومصابيح الاهتداء في الظلام، لقد خاب ظن المشركين إذ راموا نقض أدلة التوحيد التي هي أرسى من الجبال، وأظهر من الشمس في نحر الظهيرة والبدر في ظلم الليال.
والرسالة المذكورة شبه لا شيء، لكن ربما يخيل بها لبعض قاصري الأفهام، أو لعله يحصل عليهم بها إيهام، ونحن نكتب على بعضها ما تنتقض به شبهاته، وتبطل به خيالاته وترهاته، وبالله توفيقي، وعليه اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، عليه توكلت وإليه أنيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
واعلم أن هذا الرجل يكثر من نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية ويظهر تعظيمهما وبينه وبينهما بون كبير فهما رحمة الله عليهما قد شحنا تصانيفهما وملآ تآليفهما بذكر التوحيد وأدلته وإيضاح براهينه، والجواب عن شبه
стр. 13
المشركين من أمثاله، وبيان ضلالهم، وتبديد شملهم، وقطع أوصالهم، وكم لهما في الرد على مثله كتاب وجواب.
وهذا المخذول إن نقل من كلامهما شيئا حذف بعضه، أو أفسده بالتصرف واستكرهه بالتأويل الباطل١ والتعسف، ليوافق مذهبه وانتحاله وليطابق إفكه وضلاله، ويحسن أن ينشد فيه:
أيها المدعي وصلا لليلى٢ ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت من ليلى٣ كواو ... أُلحقت في الهجاء ظلما بعَمر
واعلم أنه قد تصدى للرد على رسائله، التي مضمونها الدعوة إلى الشرك بالله ووسائله، وانتصب لقمع أباطيله، وإيضاح تلبيسه وأضاليله جمع من العلماء، وجل من الأئمة الفهماء.
منهم شيخنا العلامة فقيه زمانه وقدوة عصره وأوانه: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين.
وشيخنا العلامة الأوحد، واللوذعي الهمام المفرد، ناصرالموحدين، وقامع الملحدين: عبد الرحمن بن حسن.
ومنهم شيخنا العلامة، والأوحد الفهامة: عبد اللطيف بن عبد الرحمن.
ومنهم العلامة المحدث، فخر الديار اليمنية: الشريف محمد بن ناصر الحازمي.
стр. 14
والشيخ العلامة المحقق: نعمان بن السيد محمود أفندي البغدادي.
ولنقدم بين يدي المقصود مقدمة نافعة، وقاعدة جامعة. فأقول وبالله التوفيق:
اعلم أرشدك الله تعالى أنه قد قام البرهان والإجماع على أنه لا يجوز لأحد أن يعدل عما في الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها إلى ما أحدثه بعض الناس مما يتضمن خلاف ذلك، ويوقع الناس في تلك المهالك.
وليس لأحد أن يضع للناس عقيدة أو عبادة من عنده، بل عليه أن يتبع ولا يبتدع، ويقتدي ولا يبتدي، فإن الله سبحانه بعث رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقال له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف - ١٠٨] وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة - ٣]
والنبي ﷺ علم المسلمين جميع ما يحتاجون إليه في دينهم، فأخذ المسلمون جميع ما يحتاجون إليه في دينهم من العبادات والاعتقادات وغير ذلك من كتاب الله، ومن سنة رسوله، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
وليس في الكتاب والسنة والإجماع إلا الحق فإن الله تعالى قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى
стр. 15
لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل - ٨٩] وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام - ٣٨] .
فالهدى والنجاة في رد ما اختلف فيه الناس في أبواب العلم إلى صريح الكتاب وصحيح السنة وحسنها، وسبيل سلف الأمة وأئمتها ومن اتبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم بالإسلام والإيمان، فمن اعتمد على هذا الأصل دفع به كل شبهة يوردها مبطل فيما يخالف أصل الدين – أي الإخلاص والمتابعة – فإن الأدلة المجمع عليها ثلاثة:
الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، وفي القياس خلاف بين العلماء هل يكون صحيحه دليلا أم لا؟ وكل قياس يخالف كتابا أو سنة أو نصا أو ظاهرا أو إجماع سلف الأمة وأئمتها فهو فاسد الاعتبار، لا يعول عليه عند جميع العلماء من أهل السنة والجماعة.
فإذا قال أحد قولا يخالف ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع رد قوله وبطل.
أما إذا صح قياسه على مدلول كتاب أو سنة، ولم يكن هناك فارق، فأكثر العلماء يقول مثل١ هذا ويحتج به.
واعلم أن التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، خلق الخلق لأجله ثلاثة أقسام:
стр. 16
القسم الأول:
توحيد الربوبية والملك وهو اعتقاد أن الله تعالى رب كل شيء ومليكه وخالق كل شيء ورازقه والمتصرف فيه وحده بمشيئته وعلمهوحكمته.
وهذا القسم قد أقر به مشركو العرب كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس - ٣١] . وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون -٨٤] الآيات وما في معناها.
وهذا التوحيد لا يكفي وحده، ولا يدخل في الإسلام وحده، بل لا بد أن يأتي العبد معه بلازمه وهو
القسم الثاني:
توحيد الطلب والقصد. وهو توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله لله تعالى، وإفراده بجميع العبادة.
وهذا التوحيد هو الذي افتتح به الرسل دعوتهم، كما قال أول١ الرسل نوح ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف -٥٩] ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود -٢٦] .
стр. 17
وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم.
وقد أخبر الله تعالى أن المشركين يخلصون الدعاء لله في الشدائد كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام – ٦٣ - ٦٤]
بين تعالى أنه لا ينفعهم إخلاصهم في حال دون حال، ولا ما أقروا به لله تعالى من القدرة على الاختراع كماتقدم في الآيتين، فوجب قتالهم لأنهم لم يخلصوا لله العبادة، ولم يكفروا بعبادة كل ما عبد من دونه. وهذا هو مدلول كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله".
ومعناها: نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، وإفراده بالإلهية، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف - ١١٠] وقال عن خليله ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف - ٢٦] فتأمل كيف عبر عنها بمدلولها من النفي والإثبات.
وأخبر الله تعالى عن المشركين أنهم أبوا أن يقروا بمعناها الذي دلت عليه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ. وَيََقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات - ٣٥] .
стр. 18
فتبين أن المطلوب منهم بهذه الكلمة ترك عبادة الآلهة، وذلك الترك لا يدخل أحد في الإسلام إلا به، كما قال آزر لابنه إبراهيم ﵇: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ وهذا هو معنى الحنيف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل - ١٢٠] وفسر "الحنيف" بأنه المقبل على الله، المعرض عما سواه. قاله ابن القيم.
وقال ابن كثير: الحنيف المنحرف عن الشرك قصدا إلى
التوحيد.
وكل سورة من القرآن ففيها ما يدل على هذا التوحيد، فتارة يأمر الله به عباده، وتارة ينهاهم عن الشرك المنافي له، كما سنذكر بعض ذلك إن شاء الله في هذا الجواب، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
القسم١ الثالث:
توحيد الأسماء والصفات وهو العلم والاعتقاد بأن الله تعالى بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، منزه عن كل عيب ونقص، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، سميع، بصير، رؤوف، رحيم، على العرش استوى، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، سبحان الله عما يشركون، له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
стр. 19
فما أثبت الله لنفسه، وأثبته له رسوله من صفات الكمال ونعوت الجلال وجب إثباته له على ما يليق بجلال الله تعالى وعظمته: إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل.
وهذا هو الذي عليه الصحابة، والتابعون والأئمة الأربعة، ومن في طبقتهم، ومن بعدهم من أهل الحديث، وأتباع الأئمة الأربعة من أهل الحديث، والفقهاء من أهل السنة والجماعة.
وأول ما حدث من الإلحاد في أسماء الله وصفاته بنفي ما دلت عليه الأسماء والصفات: مقالة الجعد بن درهم. فأنكر ذلك أهل العلم من التابعين، وضحى به الأمير خالد بن عبد الله القسري، وقصته مشهورة في التاريخ١. قال العلامة ابن القيم:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ ... ـقسري يوم ذبائح القربان
شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان
ثم جاء بعده "جهم بن صفوان" فجحد صفات الرب وحكمته، وأنكر ذلك عليه الأئمة ممن الفقهاء وأهل الحديث، وصنفوا المصنفات في رد قوله وإثبات صفات الرب تعالى، واستدلوا بأدلة الكتاب والسنة وآثار السلف على إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، لا يتجاوزون القرآن والحديث، وهم العدد الكثير، والجم الغفير.
والأمر كما قال نعيم بن حماد الخزاعي، شيخ البخاري، قال: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله تشبيها".
وكتبهم مشهورة يتداولها المسلمون. وعدها يخرج بنا عما قصدناه من الاختصار.
ومن أراد الاطلاع على معتقد أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا فليطالع تفسير الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وتفسير الحسين بن مسعود البغوي، وتفسير العماد بن كثير الشافعي، ونحوها من تفاسير أهل السنة.
وكذلك كتب الحديث: كالصحيحين والسنن والمسانيد، فإن الحق عليه نور. والحمد لله على اتباع الحق، ومعرفة سبيل أهل الإيمان والصدق، حمدا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا.
стр. 22
بداية الرد على شبه العراقي
...
وهذا حين الشروع في رد شبه هذا العراقي.
قال في كراسته: "واليمين بالنبي ﷺ منعقد وبسائر
стр. 23
الأنبياء، كما أطبق عليه علماء المذهب سوى الشيخ فإنه خالف أهل المذهب ولم يصرح بمراده، والظاهر أنه لا يستحب عنده بل يكره كراهة تنزيه" انتهى.
قوله: سوى الشيخ، يعني به شيخ الإسلام ابن تيمية.
أقول: انظر إلى هذه الجرأة والكذب على العلماء، ولنذكر كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، قال في "كتاب الاستغاثة": وقد اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله، وهو الحلف بالمخلوقات كالملائكة والكعبة أو أحد من الشيوخ بل ينهى عنه: إما نهي تحريم أو تنزيه، فالصحيح أنه نهي تحريم وهو قول أكثر العلماء، ففي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" ١ وفي الترمذي عنه أنه قال: "من حلف بغير اله فقد أشرك" ٢.
стр. 24
ولم يقل أحد من العلماء المتقدمين: إنه تنعقد اليمين بأحد من الخلق، إلا في نبينا ﷺ ، فإن عن أحمد في ذلك روايتين في انعفاد اليمين به، وقد طرد بعض أصحابه كابن عقيل الخلاف في سائر الأنبياء، وهذا ضعيف، والقول بانعقاد اليمين بالنبي ﷺ ضعيف
стр. 25
شاذ، لم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم، والذي عليه الجمهور: مالك والشافعي وأبو حنيفة أنه لا تنعقد اليمين به، كإحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصحيح. انتهى كلامه.
فانظر حكاية هذا الضال عن علماء المذهب انعقاد اليمين بالنبي ﷺ وبسائر الأنبياء وانظر حكاية الشيخ الإتفاق على أنه لا بيعقد اليمين بالمخلوقات، إلا بالنبي ﷺ فإن عن أحمد رواية في انعقاد اليمين به، وأن الذي عليه الجمهور عدم انعقاد اليمين به، وانر لى تصحيحه أن النهي عن الحلف بالمخلوقات نهي تحريم، وهذا الملبس يقول: " ولم يصرح بمرادة " وأي تصريح أبلغ من هذا، نعوذ بالله من الهوى.
١ وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في موضع آخر: وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والخالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، فإن كلاهما شرك والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، ويقول ما قال النبي ﷺ :" من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ".
стр. 26
فانظر هل صرح بأن الحلق بغير الله شرك أم لا.. يتبين لك كذب هذا العراقي.
стр. 27
فصل: في رد قول العراقي الذي مضمونه: "أن نداء الصالحين والأنبياء وسؤالهم ليس بعبادة "
...
فصل:
قال العراقي: (إن المانع من نداء الأنبياء والصالحين، وسؤالهم بعد موتهم وفي غيبتهم يستدل على المنع: بأن النداء والطلب عبادة، والعبادة لغير الله شرك، قال: فإذا جاز هذا في حقه ﷺ دل على أنه ليس كما يزعمه الخوارج من أن ذلك عبادة، ودل على أنه إذا جاز في حقه ﷺ جاز في غيره) .
والجواب أن يقال: هذا الضال لا يعرف العبادة، ولا ما ذكره العلماء في تعريف العبادة، بل هو لا يعرف ما أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه من توحيد الإلهية، ووجوب إفراده تعالى بالعبادة، بل نشأ على الشرك، وسيط بلحمه ودمه، فلا يعرف غيره، ولا يفهم سواه.
قوله: (إن المانع من نداء الأنبياء والصالحين وسؤالهم بعد موتهم إلخ..) .
أقول: انظر إلى شدة جهالته، وعظمة ضلالته، لما رأى شناعة إطلاق القول بجواز دعاء غير الله تعالى عدل إلى لفظ النداء تلبيسا وتمويها على الجهال والطغام، فكأنه لم يسمع ما ذكره الله تعالى في كتابه من أن مدلول النداء والدعاء واحد.
стр. 28
قال الله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم - ٣] فقوله: ﴿رَبِّ﴾ هذا هو الدعاء، سماه نداء ثم قال: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ فتبين أن النداء في هذه الآية هو الدعاء لا غير.
وقال في سورة آل عمران: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ﴾ [آل عمران - ٤٨] فقوله: ﴿رَبِّ﴾ هو الدعاء في قوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا﴾ .
ففي سورة مريم قال: ﴿إِذْ نَادَى﴾ وفي سورة آل عمران قال: ﴿دَعَا﴾ والصيغة واحدة، ثم قال: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء - ٨٧] وفي الحديث مرفوعا: "دعوة أخي ذي النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ما دعا بها مكروب إلا فرج الله" ١
وقال تعالى: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ . [الأنبياء - ٧٦] .
وقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر - ١٠] . فمدلول الدعاء والنداء واحد.
стр. 29
وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء - ٨٣] وقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء - ٨٩] الآية.
وفي الحديث عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده: "أن أعرابيا قال يا رسول الله: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا﴾ [البقرة - ١٨٦] إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني أستجيب لهم". رواه ابن جرير وابن مردويه وأبو الشيخ الأصبهاني من حديث محمد بن حميد عن جرير١ به٢.
стр. 30
والأدلة على هذا من الكتاب والسنة كثيرة، وكذا كلام العرب، قال كعب بن أسد الغنوي:
وداع دعا يا من يجيب إلى النداء ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبا١ المغوار منك قريب
وقال آخر:
فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا
وقال آخر:
فقلت ادعي وأدعو فإن انـ ... ـدى لصوت أن ينادي داعيان
وفسر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت - ٣٣] بالمؤذن، وهو الذي ينادي بالصلاة.
стр. 31
والمقصود أن الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وكلام العرب دل١ على أن النداء الذي هو السؤال والطلب هو مسمى الدعاء، ومعناهما واحد، ويأتي في هذا ما يكفي ويشفي إن شاء الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف - ٥] الآيات.
وهذا صريح في أن المراد بهذا الدعاء السؤال والطلب من غير الله، وهذه حال الميت والغائب لا يستجيب للداعي، وهو أيضا غافل عنه.
وهذا الدعاء الذي نهى الله عنه أن يقصد به غيره يجمع من أنواع العبادة كثيرا: منها أن الداعي يتوجه بوجهه وقلبه ولسانه إلى غير الله ويتضمن رجاءه والرغبة إليه والاعتماد عليه، ولذلك وصفه الله تعالى بغاية الضلال، وأخبر ان ذلك يعود عليه بالخيبة والوبال في مقام الحشر، فيخونه ذلك الدعاء أحوج ما يكون إليه.
إذا تبين هذا فالتحقيق أن بين الدعاء والنداء عموما وخصوصا مطلقا٢، فيجتمعان في السؤال والطلب إذا كان عن رغبة أو رهبة، وينفرد الدعاء إذا كان عبادة كالتسبيح والتحميد والتكبير وغير ذلك.
стр. 32
إذا عرفت هذا فإن أشكل عليك كون الدعاء عبادة فاطلب الأدلة على ذلك من القرآن الكريم١، فإن لم يكفك – لا كفاك الله – فاطلبها من السنة، فإن لم تكفك فقد تم خسرانك.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام - ٥٦] في سورة الأنعام والمؤمن، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد - ١٤] الآية. وهذه الآية في دعاء المسألة دلت على أنه مختص بالله دون من سواه، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد - ١٤] بين أن دعاء غيره لا يحصل لداعيه غرضه، وهذا جنس الشرك في الإلهية.
وفي حديث أنس الذي في السنن والمسانيد مرفوعا: "الدعاء مخ العبادة "٢ وفي السنن مرفوعا في حديث النعمان بن بشير: "الدعاء هو العبادة" ثم تلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .
وتقرير هذا في كتاب الله تعالى: فإن الله أمر عباده بدعائه ورغبهم فيه، ووعدهم الإجابة فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
стр. 33
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة - ١٨٦] . وأمرهم بدعائه في مواضع كثيرة من كتابه كقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف - ٥٥] إلى قوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [الأعراف - ٥٦] وقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر - ١٤] وقال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر - ٦٥] فأوجب على عباده أن يخلصوا له الدعاء بنوعيه: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، وكل منهما يتضمن الآخر.
وقد تقدم أن الله تعالى قد اختص به في قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد - ١٤] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن - ١٨] . وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [الجن – ٢٠] .
وهذه الآيات مع ما تقدم فيها الدلالة على أن دعوة غير الله شرك وضلال، كما قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف - ٥] .
وفي الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه وسلم: "يخرج عنق من النار له عينان يبصران، وأذنا يسمعان، ولسان ينطق، يقول إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين" حديث حسن صحيح غريب١.
стр. 34
أما علمت أن الله تعالى أمر نبيه بإخلاص العبادة له، كما نهاه أن يدعو غيره فقال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر - ٣] وقال في آخر السورة: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر - ٦٤] .
وقد دعا ﷺ إلى إخلاص جميع أنواع العبادة لله، وخلع الأنداد التي كانت تعبدها أهل الجاهلية من صنم وغيره، وجاهدهم على ذلك حق الجهاد، وناظر النصارى في عبادتهم المسيح بن مريم ﵉، وأنزل الله تعالى النهي عن دعوة الأنبياء والصالحين والملائكة فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء - ٥٦] والآيات بعدها نزلت فيمن يدعو المسيح وأمه والعزير والملائكة في قول أكثر المفسرين من السلف.
فمن بلغته هذه الأدلة وظن أن رسول الله ﷺ يرضيه الإعراض عن سؤال ربه والرغبة إليه ورجائه١ والاعتماد عليه: فقد ظن برسول الله ﷺ ما هو بريء منه، كما برأه الله تعالى بقوله:
стр. 35
﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [الجن - ٢٠] وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف - ٥] .
ففي هذه الآية من الأدلة على بطلان دعوة غير الله فوائد:
منها أن الله حكم على من دعا غيره بغاية الضلال، وبين أن المدعو لا يستجيب له، وأنه غافل عن دعائه، تكذيبا لمن ادعى غير ذلك من المشركين، وأنه يوم القيامة يكون عدوا لمن دعاه في دار الدنيا، وأنه ينكر عبادته له ويبرأ إلى الله منها، كما أخبر عن المسيح ﵇ أنه قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة - ١١٧] فخان المشرك دعاؤه لغير الله أحوج ما يكون إليه، وعامله الله بنقيض قصده.
ويشبه هذه الآية قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر - ١٣] ففي هذه الآية ست جمل تقطع عرق الشرك، وتبطل دعوة غير الله كائنا من كان:
الجملة الأولى قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ فهو المختص بالملك، كما هو المختص بالعبادة.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ دليل على أن غيره لا يملك شيئا، فإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يدعى غيره.
стр. 36
وقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ وهذا نقيض ما عند المشركين أن المدعو الميت يسمع ممن دعاه، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ آمنا بالله، وكذبنا من أشرك بالله.
وقوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ يدل على أن الاستجابة ممتنعة في حق من دعا غير الله، فخاب أمله، وضل سعيه.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ فيه أن دعوة غير الله شرك بالنص، وأن المدعو يكفر بها يوم القيامة، أي ينكرها ويبرأ إلى الله من ذلك الشرك.
﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ففيه وجوب الإيمان بما دلت عليه هذه الآية، وتصديقه فيما أخبر.
وتضمنت هذه الآية أن الدعاء الذي نهى الله عنه في هذه الآية١ أنه دعاء المسألة بدليل قوله: ﴿لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ .
والأدوات التي تستعمل في الدعاء كثيرة معروفة، وأكثر ما يستعمل منها في الكتاب والسنة وغيرها "يا" الممدودة، كقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة - ٢٠١] وقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران - ١٤٧] ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة - ٢٨٦] التقدير: يا ربنا.
стр. 37
وتستعمل في الدعاء مذكورة كما جاء في كثير من الأحاديث كقوله: "يا حي يا قيوم" ١.
стр. 38
_________
=قلت: عبد الرحمن بن إسحاق هو: ابن سعد بن الحارث أبو شيبة الواسطي ضعيفعندهم، قال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء. وقال ابن سعد ويعقوب بن سفيان وأبو داود والنسائي وابن حبان: ضعيف. وقال النسائي: ليس بذاك، وقال البخاري: فيه نظر. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه. (انظر هذه الأقوال في التهذيب) .
وأخرج النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٣٩٧ أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن إسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه محمد بن عمر بن علي عن علي قال: "لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ثم جئت إلى رسول الله ﷺ أنظر ما صنع، فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم.. إلخ.
وسنده ضعيف علته: الانقطاع: فإن محمد بن عمر لم يدرك جده عليا قال الحافظ ابن حجر في التقريب: روايته عن جده مرسلة. ومحمد هذا قال عنه ابن القطان – كما في التقريب – حاله مجهول. وزعم أنه محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن أبي طالب اهـ وقد وهمه الحافظ في هذا الزعم. وقال في التقريب: صدوق من السادسة اهـ وقد وثقه ابن حبان. وقال الذهبي في الميزان: ما علمت به بأسا، ولا رأيت لهم فيه كلاما، وقد روى له أصحاب السنن الأربعة فما استنكر له حديث اهـ.
وفي السند: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، قال الحافظ ابن حجر: ليس بالقوي اهـ. وإسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، ويقال: إسماعيل بن عون بن علي بن عبد الله..
قال فيه الحافظ: مقبول اهـ من التقريب.
تنبيه: وقع في "عمل اليوم والليلة" للنسائي: ".. عن إسماعيل بن عون عن عبيد الله بن أبي رافع.." وهو خطأ، صوابه: "ابن عبيد الله" بدل "عن عبيد الله".
стр. 39
"يا ذا الجلال والإكرام" ١ " يا بديع السموات والأرض" ٢، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، ونحو ذلك. وهذا كثير مطرد لا يقدر أحد على دفعه.
ويأتي الدعاء أيضا بصيغة الخبر ومعناه الدعاء كقولنا: صلى الله على النبي محمد، وقولهم: بارك الله فيك ونحو ذلك.
والعجب أن هذا خفي على من يدعي المعرفة، وسببه نسيان العلم، كما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ
стр. 40
مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَقَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان - ١٨] .
فنسيان الذكر من أعظم أسباب ضلال من ضل عن الهدى، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون - ١١٧] فدلت هذه الآية الكريمة على أن من دعا مع الله إلها آخر أنه كافر بالله لأنه صرف هذا النوع الذي هو من خصائص الإلهية لمن لا ١يستحقه ووضع العبادة في غير موضعها.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام - ١٣٠] فلم ينفعهم ذلك الدعاء في الوقت الذي أملوا فيه نفعه، فوقعوا في نقيض قصدهم، وخاب أملهم وسعيهم، وشهدوا على أنفسهم بالكفر.