← Акыда

Акыда · id 7625

الرد على شبهات المستعينين بغير الله

أحمد بن عيسى

Полный текст (97 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ وهذا نقيض ما عند المشركين أن المدعو الميت يسمع ممن دعاه، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ آمنا بالله، وكذبنا من أشرك بالله. وقوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ يدل على أن الاستجابة ممتنعة في حق من دعا غير الله، فخاب أمله، وضل سعيه. وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ فيه أن دعوة غير الله شرك بالنص، وأن المدعو يكفر بها يوم القيامة، أي ينكرها ويبرأ إلى الله من ذلك الشرك. ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ففيه وجوب الإيمان بما دلت عليه هذه الآية، وتصديقه فيما أخبر. وتضمنت هذه الآية أن الدعاء الذي نهى الله عنه في هذه الآية١ أنه دعاء المسألة بدليل قوله: ﴿لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ . والأدوات التي تستعمل في الدعاء كثيرة معروفة، وأكثر ما يستعمل منها في الكتاب والسنة وغيرها "يا" الممدودة، كقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة - ٢٠١] وقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران - ١٤٧] ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة - ٢٨٦] التقدير: يا ربنا.

стр. 37

وتستعمل في الدعاء مذكورة كما جاء في كثير من الأحاديث كقوله: "يا حي يا قيوم" ١.

стр. 38

_________ =قلت: عبد الرحمن بن إسحاق هو: ابن سعد بن الحارث أبو شيبة الواسطي ضعيفعندهم، قال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء. وقال ابن سعد ويعقوب بن سفيان وأبو داود والنسائي وابن حبان: ضعيف. وقال النسائي: ليس بذاك، وقال البخاري: فيه نظر. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه. (انظر هذه الأقوال في التهذيب) . وأخرج النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٣٩٧ أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن إسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه محمد بن عمر بن علي عن علي قال: "لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ثم جئت إلى رسول الله ﷺ أنظر ما صنع، فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم.. إلخ. وسنده ضعيف علته: الانقطاع: فإن محمد بن عمر لم يدرك جده عليا قال الحافظ ابن حجر في التقريب: روايته عن جده مرسلة. ومحمد هذا قال عنه ابن القطان – كما في التقريب – حاله مجهول. وزعم أنه محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن أبي طالب اهـ وقد وهمه الحافظ في هذا الزعم. وقال في التقريب: صدوق من السادسة اهـ وقد وثقه ابن حبان. وقال الذهبي في الميزان: ما علمت به بأسا، ولا رأيت لهم فيه كلاما، وقد روى له أصحاب السنن الأربعة فما استنكر له حديث اهـ. وفي السند: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، قال الحافظ ابن حجر: ليس بالقوي اهـ. وإسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، ويقال: إسماعيل بن عون بن علي بن عبد الله.. قال فيه الحافظ: مقبول اهـ من التقريب. تنبيه: وقع في "عمل اليوم والليلة" للنسائي: ".. عن إسماعيل بن عون عن عبيد الله بن أبي رافع.." وهو خطأ، صوابه: "ابن عبيد الله" بدل "عن عبيد الله".

стр. 39

"يا ذا الجلال والإكرام" ١ " يا بديع السموات والأرض" ٢، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، ونحو ذلك. وهذا كثير مطرد لا يقدر أحد على دفعه. ويأتي الدعاء أيضا بصيغة الخبر ومعناه الدعاء كقولنا: صلى الله على النبي محمد، وقولهم: بارك الله فيك ونحو ذلك. والعجب أن هذا خفي على من يدعي المعرفة، وسببه نسيان العلم، كما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ

стр. 40

مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَقَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان - ١٨] . فنسيان الذكر من أعظم أسباب ضلال من ضل عن الهدى، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون - ١١٧] فدلت هذه الآية الكريمة على أن من دعا مع الله إلها آخر أنه كافر بالله لأنه صرف هذا النوع الذي هو من خصائص الإلهية لمن لا ١يستحقه ووضع العبادة في غير موضعها. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام - ١٣٠] فلم ينفعهم ذلك الدعاء في الوقت الذي أملوا فيه نفعه، فوقعوا في نقيض قصدهم، وخاب أملهم وسعيهم، وشهدوا على أنفسهم بالكفر.

стр. 41

فصل: وقد أمر الله بدعائه، وشرعه لعباده، وأحبه منهم ... فصل: وقد أمر الله سبحانه بدعائه، وشرعه لعباده، وأحبه منهم، وسماه دينا، وأتى فيه بأل المعرفة المؤكدة فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وهذا شأن العبادات، فما١ أمر به سبحانه عباده، ففعله عبادة، وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه" ٢ وفي حديث آخر: "الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض" ٣ فكيف والحالة هذه أن يجعل لله شريكا فيما شرعه لعباده، وأمرهم أن يخلصوه له، ونهاهم أن يجعلوا له شريكا فيه، كما قال: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأنعام - ٧١] . إلى قوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام - ٧١] . وقد تقرر أن الدعاء يجمع من أنواع العبادة كثيرا: كإسلام الوجه لمن يدعوه، والرغبة إليه، والاعتماد عليه، والخضوع له، والاطراح والتذلل، فمن أسلم وجهه لغير الله فهو مشرك شاء أم أبى،

стр. 42

ومن رغب عن الله إلى غيره فكذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء - ١٢٥] . قال ابن كثير في الآية: أي أخلص العمل لربه ، فعمل إيمانا واحتسابا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي متبع١ في عمله ما شرع الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق..،٢ فمن فقد الإخلاص كان منافقا.. ومن فقد المتابعة كان ضالا جاهلا، ومتى جمعهما فهو عمل المؤمنين، الذين يتقبل منهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون٣. و"الحنيف" هو المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه، كما تقدم، وهذا هو حقيقة دين الإسلام. وقد اشتدت غربته في هذا الزمان وقبله، حتى عاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير، وعظمت الفتنة بأرباب القبور، ورغب كثير عن إخلاص العبادة للذي له الملك كله، والقدرة التامة، والمشيئة النافذة، فجعلوا له شركاء في عبادته. والحاذق منهم يتعلق بأمر الشفاعة، وقد أخبر تعالى أن

стр. 43

الشفاعة جميعها له: فمن طلبها من غير الله فقد طلبها ممن لا يملكها، ولا يسمع ولا يستجيب، وفي غير الوقت الذي تقع فيه، ولا قدرة له عليها إلا برضا من هي له، وإذنه فيها، وقبوله، فطلبها ممن هي له في دار العمل عبادة من جملة العبادات، وصرف ذلك الطلب لغيره شرك عظيم. ومن تدبر آيات الشفاعة حق التدبر علم علما يقينا أنها لا تقع إلا لمن أخلص أعماله كلها لله، واتبع ما جاء به رسوله ﷺ من توحيده وشرائع دينه، فليس لله من عمل عبده إلا الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر - ٣] وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج - ٣٧] وهو لا يقبل الشركة في الأعمال ولا يرضاها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء - ٤٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة - ٧٢] وكما صح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" ١.

стр. 44

فصل: والدعاء صلاة وهو اسمه لغة ... فصل: والدعاء صلاة، وهوة اسمه لغة، وجاء في القرآن كذلك، قالتعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة - ١٠٣] أي اُدع لهم. وفي الحديث من هذا كثير: فمن ذلك قوله ﷺ : "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، اللهم اغفر له اللهم ارحمه" ١. قال الحافظ العراقي: المراد بصلاة الملائكة عليه ما فسره به في بقية الحديث من قوله٢: "اللهم اغفر له اللهم ارحمه" وهذا دعاء، وشواهده في اللغة كذلك. ومنه قول الأعشى: تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا فإذا كان الدعاء صلاة لغة، وجاء كذلك في الكتاب والسنة

стр. 45

علم بذلك أن قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام - ١٦٢] يتناول الدعاء، ولا ريب أن الصلاة الشرعية تتضمن الدعوات الواجبة، والتحقيق أنها سميت صلاة لاشتمالها على نوعي الدعاء: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فلا تخرج عنهما، كما سيأتي تقريره أن شاء الله تعالى. وقد أمر النبي ﷺ أصحابه بالإكثار من الدعاء في السجود، فقال: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" ١. قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في أصل الصلاة فقيل: هي الدعاء لاشتمالها عليه، وهذا قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم. انتهى. وهذا هو الذي قرره العلامة ابن القيم ﵀ كما سيأتي. فإذا كانت الصلاة قد اشتملت على الدعاء فلا ريب أنه عبادة، وقد اشتملت على التكبير والتسبيح وهو عبادة أيضا. ولا يرتاب مسلم أن التكبير والتسبيح لا يجوز أن يستعمل في حق غير الله، لكونه من خصائص الربوبية، فكذلك الدعاء ولا فرق،

стр. 46

فتدبر هذا وما قبله من الأدلة على ذلك. ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر - ٢] . قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف - ٥٥] . يتضمن نوعي الدعاء، لكنه ظاهر في دعاء المسألة، متضمن لدعاء العبادة، ولهذا أمر بإخفائه وإسراره. وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة - ١٨٦] يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فسرت الآية: قيل أعطيه إذا سألني، وقيل أثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان. وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه، أو حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعا. فتأمله فإنه عظيم النفع. وهذا التقرير يأتي في مسألة الصلاة، وأنها نقلت عن مسماها في اللغة وصارت حقيقة شرعية منقولة، أو استعملت في هذه العبادة مجازا بالعلاقة بينها وبين المسمى اللغوي فضم إليهما أركان وشرائط، وعلى ما قررناه لا حاجة إلى شيء من ذلك، فإن المصلي من أول صلاته إلى آخرها لا ينفك عن دعاء: إما دعاء عبادة وثناء، أو دعاء طلب ومسألة، وهو في الحالين داع. انتهى ملخصا١.

стр. 47

وفسر القنوت بالدعاء في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة - ٢٣٨] . قال في شرح التقريب: والقنوت يطلق بإزاء معان: قيل الطاعة، وقيل الدعاء، وبمعنى طول القيام، وبمعنى السكوت في الصلاة. قال القاضي عياض: وأصله الدوام على الشيء. قال ابن دقيق العيد: وإذا كان هذا أصله فمديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي، والقائم في الصلاة، والمخلص فيها، والساكت فيها، كلهم فاعلون للقنوت، انتهى ملخصا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة انتهى. وقد تقدم ما يدل أن الله تعالى يرضى من عبده أن يسأله حاجته وأمره بذلك، ووعده عليه بالاستجابة، فإذا كان الدعاء عبادة فقد أمر الله عباده بعبادته وحده، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء - ٢٣] وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء - ٣٦] ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون - ٣٢] . و"الإله" هو الذي تألهه القلوب وتعبده بأي نوع كان من أنواع العبادة، وهو الذي فسر به اسمه: الله. قال أبو جعفر بن جرير ﵀: "الله" مشتق من "الإله"، سقطت الهمزة التي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين

стр. 48

الاسم، واللام الزائدة وهي ساكنة، فأدغمت في الأخرى، فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة. وأما تأويله: فهو على ما روى لنا ابن عباس: هو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق وساق بسنده عن ابن عباس قال: الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. انتهى. وقال الزمخشري: "الله" أصله "الإله" فحذفت الهمزة، وعوض منها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا إله. و"الإله" من أسماء الأجناس، كالرجل والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق. انتهى. وفي القاموس: أله إلهة وألوهة وألوهية: عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، وأصله "إله" كفعال بمعنى مألوه، فكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه، والتأله: التنسك والتعبد. والتأليه: التعبيد. انتهى. فتبين مما تقرر أن من دعا ميتا أو غائبا فقد اتخذه معبودا بدعائه، ورغبته إليه، ورجائه له، وإقباله عليه، دون من له الأمر كله والقدرة التامة، والمشيئة النافذة، والعلم بما كان وبما يكون، وما لم يكن كيف يكون لو كان، ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس - ٨٣] .

стр. 49

فصل: في رد قول العراقي - كذبا وبهتانا -: (صرح الحنابلة بكراهة طلب الحاجات من الأموات كراهة تنزيه على وجه مخصوص: وهو طلبها بالكتابة ودس الورق في أنقاب القبر) ... فصل: قال العراقي: (نعم، صرح فقهاء الحنابلة بكراهة طلب الحاجات من الأموات كراهة تنزيه على وجه مخصوص. وهو طلبها بالكتابة ودس الورق في أنقاب القبر. قال: وقد ذكر ذلك ابن مفلح في "الفروع" وفسرها بما ذكرته، ونص عبارته عن الفنون، قال - يعني ابن عقيل -: ويكره استعمال النيران، والتبخير بالعود، والأبنية الشاهقة القباب، سموا ذلك مشهدا، واستشفوا بالتربة من الأسقام، وكتبوا إلى التربة الرقاع، ودسوها في الأنقاب، فهذا يقول: جمالي قد جربت. وهذا يقول: أرضي قد أجدبت، كأنهم يخاطبون حيا، ويدعون إلها. انتهى. قال العراقي: فانظر إلى حكمه في هذه الأشياء بالكراهة التنزيهية مع قوله١: كأنهم يخاطبون حيا، ويدعون إلها) . أقول: سبحان مقلب القلوب. فهاهنا تسكب العبرات، انظر إلى تلبيس هذا الضال، واجتهاده في الدعوة إلى الشرك بالواحد المتعال، ولنذكر كلام ابن عقيل في "الفنون" على وجهه الذي نقله

стр. 50

عنه صاحب الفروع، قال في الفروع: وفي الفنون: "لا تخلق القبور بالخلوق، والتزويق، والتقبيل لها، والطواف١ بها، والتوسل بهم إلى الله" قال: "ولا يكفيهم ذلك حتى يقولوا بالسر الذي بينك وبين الله، وأي شيء٢ يسمى سرا بينه وبين خلقه، قال: ويكره استعمال النيران.. إلى آخر ما ذكره العراقي. فانظر كيف ترك أول الكلام لمصادمته لغرضه، وسقوطه على علته ومرضه، وانظر إلى كلام ابن عقيل، وتصريحه بالنهي عن التوسل، إلى آخر كلامه، يتبين لك أن الله قد أضل هذا٣ وأعماه وأقماه٤ في هوة هواه، وليس هذا بأول قارورة كسرت في الإسلام منه، ومن أمثاله. ولابن عقيل ﵀ كلام أصرح من هذا الذي ذكره صاحب الفروع عنه، قال أبو الوفاء ابن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع: مثل تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى عنه الشرع، وإيقاد٥ السرج،

стр. 51

وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بالآجر يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته: أبو بكر الصديق، أو محمد أو علي، أولم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر، انتهى كلامه. فانظر إلى تصريحه بكفر فاعل هذه الأمور. وهذا الملبس يقول: إنه مكروه عنده كراهة تنزيه إذا كان طلب الحوائج من الأموات بالكتابة ونحوها، فأما طلب الحوائج من الأموات باللسان فمستحب عنده، فسبحان من مسخ عقله، وأظهر تلبيسه وجهله. ويشبه هذا ما ذكر أن رجلا اجتمع بامرأة ليزني بها، فلما جامعها قال لها: استري وجهك فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام. قوله: (صرح فقهاء الحنابلة بكراهة طلب الحاجات من الأموات والغائبين، إلى آخره) . جوابه أن يقال: بل صرح فقهاء الحنابلة وغيرهم بإنكاره والنهي عنه، وأن ذلك هو الشرك الأكبر، وأنه كفعل عابدي الأصنام، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها. ونحن نذكر من كلامهم قليلا من كثير، وغيضا من فيض، وقد تقدم بعض ذلك من كلام الله وكلام رسوله، ولا بد من ذكر ما تيسر من كلام العلماء.

стр. 52

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم كفر إجماعا". نقل عنه ذلك أئمة الحنابلة: كصاحب الفروع، وصاحب الإنصاف، وصاحب الإقناع. وقال الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته السنية لما تكلم على حديث الخوارج: "فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من قد مرق من الدين مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان قد يمرق أيضا، وذلك بأمور، منها: الغلو الذي ذمه الله كالغلو في بعض المشايخ كالشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح. فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، وأنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة والمسيح وعزير، والصالحين أو قبورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق أو ترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة١، انتهى.

стр. 53

وقال ابن القيم ﵀: ومن أنواعه – أي الشرك١ – طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عمن استغاث به، وسأله أن يشفع له، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه. قال بعض المحققين: لو جاز طلب الشفاعة من الميت والغائب لما صار لنفي الشفاعة في القرآن معنى، كقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة - ٢٥٤] ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام - ٥١] ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة - ١٢٣] فلا يظهر الفرق بين الشفاعة المنفية في هذه الآيات ونحوها، والمثبتة كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة - ٢٥٥] ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء – ٢٨] ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه - ١٠٩] فلا يظهر الفرق إلا أن المنفية هي التي تطلب من غير الله، ويرغب فيها إلى غيره، والمثبتة هي التي لا تطلب إلا من الله وحده، وهو الإخلاص الذي لا يرضى من العبد سواه، كما تقرر في كلام العلماء. قال ابن القيم: والله تعالى لم يجعل استغاثتة بغيره، وسؤاله لغيره

стр. 54

سببا للإذن في الشفاعة، وإنما السبب كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعادات١ أهل التوحيد، ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين له بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، وظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم يوالونهم عليه، وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم. وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ الله وحده وليه ومعبوده، فجرد حبه لله، وخوفه لله، ورجاءه لله، وذله لله، وتوكله على الله، واستعانته بالله، والتجاءه إلى الله، واستغاثته بالله، وأخلص قصده لله، متبعا لأمره، متطلبا لمرضاته، إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله، فهو لله، وبالله، ومع الله، انتهى كلامه. وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في كتابه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة٢:

стр. 55

هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفا في حياتهم١ وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهمتهم٢ تكشف المهمات، فيأتون قبورهم، وينادوهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات.. وقالوا: فيهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور. قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادرة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء - ١١٥] . ثم قال: فأما قولهم إن للأولياء تصرفا في حياتهم وبعد الممات، فيرده قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل - ٦٠] ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة - ١٢٠] ونحوه من الآيات الدالات على أنه المنفرد بالخلق

стр. 56

والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شركة١ لغيره في شيء بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره: تصرفا وملكا، وإحياء وإماتة، وخلقا.... وتمدح الرب تعالى بملكه في آيات من كتابه كقوله: ﴿هََلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر - ٣] ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر - ١٣]- وذكر آيات في هذا المعنى - ثم قال: فقوله في الآيات كلها: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده، فإن من لم يقدر على نصر نفسه فكيف يمد٢ غيره، إن هذا القول وخيم، وشرك عظيم، إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول في التصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر - ٣٠] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر -٤٢] الآية، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران - ١٨٥] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر - ٣٨] وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله" الحديث٣.

стр. 57

فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان فدل ذلك على أن ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره.. فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره، فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون: إن الأرواح مطلقة متصرفة ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ . قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من المكرمات فهو من المغالطة، لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم به أولياءه، لا قصد لهم فيه، ولا تحدي، ولا علم، كما في قصة مريم ابنة عمران، وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني. قال: وأما قولهم: "فيستغاث بهم في الشدائد ... " فهذا أقبح مما قبله، وأبدع لمصادرته قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل - ٦٢] ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام - ٦٣] وذكر آيات في هذا المعنى. ثم قال: فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه القادر على إيصال الخير، فهو المنفرد بذلك، فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبي وولي، قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية من قتال أو إدراك عدو، أو سبع، ونحوه، كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة

стр. 58

بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد والمرض، وخوف الغرق، والضيق، والفقر، وطلب الرزق، ونحوه فمن خصائص الله لا يطلب فيها غيره. قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم، كما تفعله جاهلية العرب، والصوفية الجهال، وينادونهم، ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات ... فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربة، أو قضاء حاجة تأثيرا١، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير. وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان، كما٢ أخبر الرحمن: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس - ١٨] ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر - ٣] ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يس - ٢٣] فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي وغيره على وجه الإمداد منه: إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره. قال: وأما ما قالوه: "إن منهم أبدالا ونقباء، وأوتادا ونجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس" فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي٣ في

стр. 59

"سراج المريدين" وابن الجوزي، وابن تيمية. انتهى باختصار. وقال ابن عطية في قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ الآيات [يونس - ١٠٦] : معناه قيل لي: ولا تدع، فهو عطف على ﴿أَقِمْ﴾ وهذا الأمر والمخاطبة للنبي ﷺ ، إذا كان هكذا فأحرى أن يتخذ من ذلك غيره، والخطاب خرج مخرج الخصوص، وهو عام للأمة. وقال الإمام أبو جعفر ابن جرير في هذه الآية: يقول تعالى ذكره: ولا تدع يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا. يعني بذلك الآلهة، يقول: تعبدها راجيا نفعها أو خائفا ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر، فإن فعلت ذلك فدعوتها من دون الله فإنك إذا من الظالمين، يقول: من المشركين بالله، انتهى. وهذه الآية لها نظائر كقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء - ٢١٣] وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص - ٨٨] ففي هذه الآيات بيان أن كل مدعو يكون إلها، والإلهية حق لله، لا يصلح منها شيء لغيره، ولهذا قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان - ٣٠] . وقال الشيخ قاسم الحنفي في "شرح درر البحار": النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد، كأن يكون لإنسان

стр. 60

غائب، أو مريض، أو له حاجة، فيأتي إلى بعض الصلحاء ويجعل على رأسه سترة ويقول: يا سيدي فلان إن رد الله غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا، أو من الفضة أو من الطعام كذا، أو من المال كذا، أو من الشمع والزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه: منها أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر، إلى أن قال: فإذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها، وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين، نقله عنه ابن نجيم في البحر الرائق، ونقله المرشدي في تذكرته وغيرهما عنه١، وزاد: "وقد ابتلي الناس بهما لا سيما في مولد البدوي" انتهى. وقال العلامة أحمد الرومي الحنفي في كتابه المسمى "مجالس الأبرار" بعد كلام سبق في الكلام على زيارة القبور: فإذا كان كذلك فاللائق بالزائر أن يتبع السنة، ويقف عند ما شرع له، ولا يتعداه، ليكون الزائر إلى نفسه، وإلى أهل القبور، لأن زيارة القبور نوعان: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.

стр. 61

أما الزيارة الشرعية التي أذن فيها رسول الله ﷺ فالمقصود منها شيئان: أحدهما: راجع إلى الزائر، وهو الاتعاظ والاعتبار. والثاني: راجع إلى أصحاب القبور وهو أن يسلم الزائر عليهم، ويدعو له. وأما الزيارة البدعية فهي زيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، والولد، وقضاء الدين وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من الحاجات التي كان عباد الأصنام يسألونها من أصنامهم، فإن أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذ منهم، وليس شيء من ذلك مشروعا باتفاق المسلمين، إذ لم يفعله رسول رب العالمين، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة الدين، بل قد أنكر الصحابة ما هو دون ذلك بكثير، كما روي عن المعرور بن سويد أن عمر صلى صلاة الصبح في طريق مكة ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثارأنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصلها فيها، ومن لا فليمض لا يتعمدها١.

стр. 62

وكذلك لما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بويع تحتها النبي ﵊ أرسل إليها فقطعها. فإذا كان عمر فعل هذا بالشجرة التي بايع الصحابة تحتها رسول الله ﷺ وذكرها الله تعالى في القرآن حيث قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح - ١٨] فماذا يكون حكمه فيما عداها! ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كانت الصحابة والتابعون حيث كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد - إلى زمن الوليد ابن عبد الملك - لا يدخل فيها أحد لا لصلاة، ولا لدعاء ولا لشيء آخر مما هو من جنس العبادة، بل كانوا يفعلون جميع ذلك في المسجد. وكان أحدهم إذا سلم على النبي ﵇ وأراد الدعاء استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جوار القبر ثم دعا وهذا مما لا نزاع فيه بين العلماء، وإنما نزاعهم في وقت السلام عليه.

стр. 63

قال أبو حنيفة: يستقبل القبلة عند السلام أيضا ولا يستقبل القبر. وقال غيره: لا يستقبل القبر عند الدعاء، بل قالوا إنه يستقبل القبلة وقت الدعاء ولا يستقبل القبر، حتى لا يكون الدعاء عند القبر، فإن الدعاء عبادة كما ثبت بالحديث المرفوع: "إن الدعاء هو العبادة". والسلف الصالح من الصحابة والتابعين جعلوا العبادة خالصة لله تعالى، ولم يفعلوا عند القبور شيئا منها، إلا ما أذن فيه النبي ﵊ من السلام على أصحابها، وسؤال الرحمة والمغفرة والعافية من الله لهم. وسبب ذلك أن الميت قد انقطع عمله، وهو يحتاج إلى من يدعو له، ويشفع لأجله١، ولهذا شرع في الصلاة عليه وجوبا أو ندبا ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي، فإنا لما كنا إذا قمنا إلى جنازته ندعو له، ونشفع لأجله، فبعد الدفن أولى أن ندعو له ونشفع، لأنه في قبره بعد الدفن أشد احتياجا إلى الدعاء منه على نعشه، لأنه حينئذ معرض للسؤال وغيره، على ما روي عن عثمان بن عفان أنه ﵊ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" ٢.وروي عن سفيان الثوري أنه قال: "إذا سئل الميت من ربك يتراءى

стр. 64

له الشيطان في صورة ويشير إلى نفسه – أي- أنا ربك" قال الترمذي: هذا فتنة عظيمة. وكانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقال: اللهم أعذه من الشيطان الرجيم. فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعا وعشرين سنة. وهذه سنة الخلفاء الراشدين، وطريقة جميع الصحابة والتابعين، فبدل أهل البدع والضلال قولا غير الذي قيل لهم، فإنهم قصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانا إلى الميت وإلى الزائر سؤالهم الميت والاستغاثة به، وليس هذا إلا الفتنة التي قال فيها عبد الله بن مسعود ﵁: "كيف إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير تجري على الناس ويتخذونها سنة، إذا غيرت قيل غيرت السنة. قال: وقال ابن القيم في إغاثته: هذا يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا اعتبارولا التفات إليه، وقد جرى على خلاف السنة منذ زمن طويل، فإذاً لابد أن تكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليهالجمهور، فلا يغرنك إطباقهم على ما حدث بعد الصحابة، بل ينبغي لك أن تكون حريصا على التفتيش عن أحوالهم وأعمالهم، فإن أعلم الناس وأقربهم إلى الله أشبههم بهم، وأعلمهم بطريقتهم، إذ عنهم أخذ الدين وهم أصول في نقل الشريعة من صاحب الشرع، فلا بد لك أن لا تكترث بمخالفتك لأهل عصرك في موافقتك لأهل عصر النبي ﵇، إذ قد جاء في الحديث: "إذا اختلف

стр. 65

الناس فعليكم بالسواد الأعظم". قال عبد الرحمن بن إسماعيل – المعروف بأبي شامة –: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف له كثيرا، إلا أن الحق ما كان عليه الجماعة الأولى وهم الصحابة، ولا عبرة بكثرة الباطل بعدهم. وقد قال الفضيل بن عياض ما معناه: "إلزم طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين" انتهى كلامه. وقال العلامة الرومي أيضا في المجلس السابع عشر في عدم جواز الصلاة عند القبور، والاستمداد من أهلها، واتخاذ السرج والشموع عليها: قال رسول الله ﷺ : "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" هذا الحديث من صحاح المصابيح، وقال ﷺ : "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". قال بعض المحققين: والصلاة في المواضع المتبرك١ بها من مقابر الصالحين داخلة في هذا النهي، لاسيما إذا كان الباعث عليها تعظيم هؤلاء لما فيه٢ من الشرك، فإن مبتدأ عبادة الأصنام كان في قوم نوح النبي ﵇، من جهة عكوفهم على القبور، كما أخبر

стр. 66

الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً. وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً. وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح - ٢١] . قال ابن عباس وغيره من السلف: كان هؤلاء قوما صالحين من١ قوم نوح النبي ﵇ فلما ماتوا عكف الناس على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وهذا هو مبتدأ عبادة الأصنام. قال: وقال ابن القيم في إغاثته نقلا عن شيخه: إن هذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ القبور مساجد هي التي أوقعت كثيرا من الناس إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بشجر أو حجر. ولهذا تجد كثيرا من الناس عند القبور يتضرعون ويخشعون ويخضعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلون مثلها في بيوت الله تعالى ولا في وقت السحر، ويرجون من بركة الصلاة عندها، والدعاء لديها ما لا يرجون في المساجد، فلحسم مادة هذه المفسدة نهى ﵇ عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلي بصلاته فيها بركة البقعة، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس،

стр. 67

ووقت غروبها ووقت استوائها: لأن أوقات يقصد المشركون الصلاة للشمس فيها، فنهى أمته عن الصلاة فيها، وإن لم يقصدوا ما قصده المشركون. وإذا قصد الرجل الصلاة عند المقبرة تبركا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ولرسوله والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى، فإن العبادات مبناها على الاستنان والاتباع، لا على الأهواء والابتداع. فإن المسلمين أجمعوا على ما علموا من دين نبيهم أن الصلاة عند المقبرة منهي عنها. لأن فتنة الشرك بالصلاة فيها، ومشابهة عبادة الأصنام أعظم كثيرا من مفسدة الصلاة عند طلوع الشمس، وحين غروبها، وحين استوائها، فإن النبي ﵇ لما نهى عن تلك المفسدة سدا لذريعة التشبه التي لا تكاد تخطر ببال المصلي، فكيف بهذه الذريعة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك بدعاء الموتى، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل من الصلاة في المساجد، وغير ذلك مما هو محادة ظاهرة لله تعالى ولرسوله؟. قال: وقال ابن القيم في إغاثته: من جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وبين ما أمر به، ونهى عنه، وما كان عليه الصحابة والتابعون، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر، ومناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا. إلى أن قال: وقد آل الأمر بهؤلاء الضالين المضلين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك

стр. 68

كتابا وسماه "مناسك حج المشاهد" تشبيها منه للقبور بالبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبادة الأصنام. فانظر إلى ما شرعه النبي ﵇ في القبور من النهي، وبين ما شرعه هؤلاء وما قصدوه من التباين العظيم، ولا ريب أن في ذلك من الفساد ما يعجز الإنسان على حصره: منها تعظيمها الموقع في الافتتان بها. ومنها تفضيلها على المساجد التي هي خير البقاع، وأحبها إلى الله، فإنهم إذا قصدوا القبور يقصدونها مع التعظيم، والاحترام، والخشوع، ورقة القلب، وغير ذلك مما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره، ولا مثله. ومنها اتخاذ المساجد والسرج عليها. ومنها العكوف عندها، وتعليق الستور عليها، واتخاذ السدنة لها. ومنها النذر لها، ولسدنتها. ومنها زيارتها لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق، والعافية، والولد، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وغير ذلك من الحاجات التي كان عباد الأوثان يسألونها من أوثانهم، وليس شيء منها مشروعا باتفاق أئمة المسلمين، إذ لم يفعل منه شيئا رسول رب العالمين، ولا أحد من

стр. 69

الصحابة والتابعين، وسائر أئمة الدين. ومن المحال أن يكون شيء منها مشروعا، وعملا صالحا، ويصرف عنه القرون الثلاثة التي شهد فيهم النبي ﵇ بالصدق والعدل، ويظفر به الخلوف الذين شهد فيهم النبي ﵇ بالكذب والفسق، فمن شك في هذا فلينظر هل يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو ضعيف أنهم كانوا إذا بدت لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا عن أن يصلوا عندها، أو يسألوا حوائجهم منها، كلا لا يمكنهم ذلك، بل إنما يمكنهم أن يأتوا بكثير من ذلك عن الخلوف التي خلفت من بعدهم، ثم كلما تأخر الزمان، وطال العهد، كان ذلك أكثر، حتى وجدت من ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن النبي ﵇ ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن الصحابة والتابعين حرف واحد، بل فيها من خلاف ذلك كثير من الأحاديث المرفوعة التي من جملتها قوله ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا" ١ أي فحشا، وأي فحش أعظم من الشرك عندها قولا وفعلا. إلى أن قال: فإن غلاة متخذيها عيدا إذا رأوها من مكان بعيد ينزلون عن دوابهم، ويكشفون رؤوسهم، ويضعون جباههم على الأرض، ويقبلون

стр. 70

الأرض، ثم إنهم إذا وصلوا إليها يصلون عندها ركعتين، ثم ينتشرون حول القبر طائفين به تشبيها بالبيت الحرام الذي جعله الله تعالى مباركا وهدى للأنام، ثم يأخذون في التقبيل والاستلام، كما يفعل الحجاج في المسجد الحرام، ثم يعفرون جباههم وخدودهم، ثم يكملون مناسك حج القبر بالحلق والتقصير، ثم يقربون لذلك الوثن القرابين، فلا يكون صلاتهم، ونسكهم، وقربانهم، وما يراق هناك من العبرات، ويرفع من الأصوات، ويطلب منه من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات لله تعالى بل للشيطان، فإن الشيطان لبني آدم عدو مبين، يصدهم بأنواع مكايده عن الطريق المستقيم. ومن أعظم مكايده ما نصبه للناس من الأنصاب التي هي رجس من عمل الشيطان، وقد أمر الله المؤمنين باجتنابها، وعلق فلاحهم بذلك الاجتناب، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة - ٩٠] فالأنصاب جمع نصب بضمتين، أو جمع نصب بالفتح والسكون، وهو كل ما نصب وعبد من دون الله تعالى من شجر أو حجر أو قبر أو غير ذلك. والواجب هدم ذلك كله ومحو أثره، كما أن عمر لما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بويع تحتها النبي ﵇ أرسل إليها فقطعها. ثم ذكر حديث أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول

стр. 71

الله ﷺ على حنين ونحن حدثاء عهد بكفر١، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم يقال لها ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اجعل لنا إلها كما لهم آلهة" لتركبن سنن من كان قبلكم". فإذا كان اتخاذ مثل هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها شيئا، فما الظن بغيرها مما يقصده الناس من شجر أو حجر أو قبر، ويعظمونه، ويرجون منه الشفاء ويقولون: إن هذا الشجر وهذا الحجر وهذا القبر يقبل النذر الذي هو عبادة وقربة، ويتمسحون بذلك النصب، ويستلمونه. وهذا الشيطان في كل حين وزمان ينصب لهم قبر رجل معظم يعظمه الناس، ثم يجعله وثنا يعبد من دون الله تعالى، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته وعن اتخاذه عيدا، وعن جعله وثنا فقد تنقصه، وهضم حقه، فيسعى الجاهلون في قتله وعقوبته، ويكفرونه، وما ذنبه إلا أنه أمر بما أمر به الله تعالى ورسوله، ونهى عما نهى الله تعالى عنه ورسوله. والذي أوقع عباد القبور في الافتتان بها أمور: منها الجهل بحقيقة ما بعث الله تعالى به رسوله، من تحقيق

стр. 72

التوحيد وقطع أسباب الشرك، فالذين قل نصيبهم من ذلك إذا دعاهم الشيطان إلى الفتنة بها، ولم يكن لهم ما يبطل دعوته استجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا منه بقدر ما عندهم من العلم. ومنها أحاديث مكذوبة وضعها على رسول الله ﷺ أشباه عباد الأصنام من المقابرية، وهي تناقض ما جاء به من دينه، كحديث: "إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أهل القبور" وحديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه" وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية، وراجت على الجهال والضلال، والله تعالى إنما بعث رسوله لقتال من حسن ظنه بالأحجار والأشجار، فإنه ﵇ جنب أمته من الفتنة بالقبور بكل طريق. ومنها حكايات حكيت عن أهل تلك القبور، أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلان نزل به ضر فاستدعى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، وفلان دعاه في حاجة فقضيت حاجته، وعند السدنة والمقابرية شيء من ذلك يطول ذكره، وهم كمن أكذب خلق الله على الأحياء والأموات، والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها، لاسيما من كان مضطرا يتشبث بكل سبب وإن كان فيه كراهة، فإذا سمع أحد أن قبر فلان ترياق مجرب، يميل إليه، فيذهب ويدعو عنده بحرقة وذلة وانكسار، فيجيب

стр. 73

الله تعالى دعوته لما قام بقلبه١ من الذلة والانكسار، لا لأجل القبر، فإنه لو دعا كذلك في الجبانة والحمامة والسوق لأجابه: فيظن الجاهل أن لقبر تأثيرا في إجابة تلك الدعوة، ولا يعلم أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرا، فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضيا عنه، ولا محبا له، ولا راضيا بفعله، فإنه يجيب دعاء البر والفاجر، والمؤمن والكافر، يسر لنا الله تعالى من الدعاء والعمل ما يكون موافقا لرضائه بلطفه وكرمه. انتهى كلام العلامة الرومي رحمه الله تعالى ببعض اختصار. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والله تعالى لم يجعل أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والإلهية، مثل ما يتفرد به من الخلق والرزق، وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، بل غاية ما يكون العبد سببا، أن يدعو ويشفع، والله تعالى قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة - ٢٥٥] وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم - ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران – ٨٠] . فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، ولهذا كانوا

стр. 74

في الشفاعة على ثلاثة أقسام: فالمشركون أثبتوا الشفاعة التي هي شرك، كشفاعة المخلوق عند المخلوق، كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك، فيسألونهم بغير إذنهم، ويجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم، فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله مشركون كفار، لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل من رحمته وإحسانه إجابة دعوة الشافعين، ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة-٤] وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر-٤٣] وقال عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يس-٢٣] . وأما الخوارج والمعتزلة فإنهم أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته، وهؤلاء مبتدعة ضلال، مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي ﷺ ، ولإجماع خير القرون. القسم الثالث أهل السنة والجماعة، وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، أثبتوا ما أثبته الله في كتابه، وسنة رسوله، ونفوا ما نفاه، فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث، وأما الشفاعة التي نفاها القرآن – كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة – فينفيها أهل العلم والإيمان: مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين والميتين قضاء حوائجهم،

стр. 75

ويقولون: إنهم إن أرادوا ذلك قضوها، ويقولون: إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك يشفعون بغير إذن الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنزلة شركاء الملك، والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك. انتهى. ولو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال المقام جدا وفيما ذكرنا كفاية لطالب الهدى ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [المائدة-٤١] وبالله التوفيق.
следующие страницы →