← Акыда

Акыда · id 7625

الرد على شبهات المستعينين بغير الله

أحمد بن عيسى

Полный текст (97 стр.). Показаны 71–97 · переход к 76.

стр. 71

الله ﷺ على حنين ونحن حدثاء عهد بكفر١، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم يقال لها ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اجعل لنا إلها كما لهم آلهة" لتركبن سنن من كان قبلكم". فإذا كان اتخاذ مثل هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها شيئا، فما الظن بغيرها مما يقصده الناس من شجر أو حجر أو قبر، ويعظمونه، ويرجون منه الشفاء ويقولون: إن هذا الشجر وهذا الحجر وهذا القبر يقبل النذر الذي هو عبادة وقربة، ويتمسحون بذلك النصب، ويستلمونه. وهذا الشيطان في كل حين وزمان ينصب لهم قبر رجل معظم يعظمه الناس، ثم يجعله وثنا يعبد من دون الله تعالى، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته وعن اتخاذه عيدا، وعن جعله وثنا فقد تنقصه، وهضم حقه، فيسعى الجاهلون في قتله وعقوبته، ويكفرونه، وما ذنبه إلا أنه أمر بما أمر به الله تعالى ورسوله، ونهى عما نهى الله تعالى عنه ورسوله. والذي أوقع عباد القبور في الافتتان بها أمور: منها الجهل بحقيقة ما بعث الله تعالى به رسوله، من تحقيق

стр. 72

التوحيد وقطع أسباب الشرك، فالذين قل نصيبهم من ذلك إذا دعاهم الشيطان إلى الفتنة بها، ولم يكن لهم ما يبطل دعوته استجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا منه بقدر ما عندهم من العلم. ومنها أحاديث مكذوبة وضعها على رسول الله ﷺ أشباه عباد الأصنام من المقابرية، وهي تناقض ما جاء به من دينه، كحديث: "إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أهل القبور" وحديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه" وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية، وراجت على الجهال والضلال، والله تعالى إنما بعث رسوله لقتال من حسن ظنه بالأحجار والأشجار، فإنه ﵇ جنب أمته من الفتنة بالقبور بكل طريق. ومنها حكايات حكيت عن أهل تلك القبور، أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلان نزل به ضر فاستدعى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، وفلان دعاه في حاجة فقضيت حاجته، وعند السدنة والمقابرية شيء من ذلك يطول ذكره، وهم كمن أكذب خلق الله على الأحياء والأموات، والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها، لاسيما من كان مضطرا يتشبث بكل سبب وإن كان فيه كراهة، فإذا سمع أحد أن قبر فلان ترياق مجرب، يميل إليه، فيذهب ويدعو عنده بحرقة وذلة وانكسار، فيجيب

стр. 73

الله تعالى دعوته لما قام بقلبه١ من الذلة والانكسار، لا لأجل القبر، فإنه لو دعا كذلك في الجبانة والحمامة والسوق لأجابه: فيظن الجاهل أن لقبر تأثيرا في إجابة تلك الدعوة، ولا يعلم أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرا، فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضيا عنه، ولا محبا له، ولا راضيا بفعله، فإنه يجيب دعاء البر والفاجر، والمؤمن والكافر، يسر لنا الله تعالى من الدعاء والعمل ما يكون موافقا لرضائه بلطفه وكرمه. انتهى كلام العلامة الرومي رحمه الله تعالى ببعض اختصار. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والله تعالى لم يجعل أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والإلهية، مثل ما يتفرد به من الخلق والرزق، وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، بل غاية ما يكون العبد سببا، أن يدعو ويشفع، والله تعالى قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة - ٢٥٥] وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم - ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران – ٨٠] . فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، ولهذا كانوا

стр. 74

في الشفاعة على ثلاثة أقسام: فالمشركون أثبتوا الشفاعة التي هي شرك، كشفاعة المخلوق عند المخلوق، كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك، فيسألونهم بغير إذنهم، ويجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم، فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله مشركون كفار، لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل من رحمته وإحسانه إجابة دعوة الشافعين، ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة-٤] وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر-٤٣] وقال عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يس-٢٣] . وأما الخوارج والمعتزلة فإنهم أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته، وهؤلاء مبتدعة ضلال، مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي ﷺ ، ولإجماع خير القرون. القسم الثالث أهل السنة والجماعة، وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، أثبتوا ما أثبته الله في كتابه، وسنة رسوله، ونفوا ما نفاه، فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث، وأما الشفاعة التي نفاها القرآن – كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة – فينفيها أهل العلم والإيمان: مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين والميتين قضاء حوائجهم،

стр. 75

ويقولون: إنهم إن أرادوا ذلك قضوها، ويقولون: إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك يشفعون بغير إذن الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنزلة شركاء الملك، والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك. انتهى. ولو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال المقام جدا وفيما ذكرنا كفاية لطالب الهدى ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [المائدة-٤١] وبالله التوفيق.

стр. 76

فصل: الجواب عند استدلال العراقي على دعواه بحديث الأعمى وحديث ((ياعباد الله احبسوا)) ... فصل: واستدل العراقي بما روى الطبراني عن ابن مسعود عن النبي ﷺ فيمن انفلتت عليه دابته قال: "يا عباد الله احبسوا" وبحديث الأعمى. والجواب أن يقال: سبحان الله! كيف يتعلق بهذا ونحوه المشركون، ويرومون به معارضة الحجج القاطعة من كلام من يقول للشيء كن فيكون، وكلام رسوله الصادق المأمون. ونحن بحول الله وقوته نتكلم على الحديثين، ونبين معناهما، ونوضح منطوقهما وفحواهما، ونقطع شغب كل مشرك وجداله، ونبين باطله ومحاله، فنقول وبالله التوفيق: اعلم أن الله سبحانه بعث نبيه ﷺ بالدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الإشراك والتنديد، فحمى ﷺ حمى التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، حتى إن رجلا قال له: "ما شاء الله وشئت" قال: "أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده" فكيف يأمر بدعاء الميت والغائب؟. بل من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن دعاء الميت والغائب لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة

стр. 77

والتابعين، ولا فعله أحد من أئمة المسلمين، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولو كان هذا جائزا أو مشروعا لفعلوه، ولو كان خيرا لسبقونا إليه. وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب ولا دعاه، ولا استغاث به، ولا استنصر به، ومعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الدواعي والهمم على نقله، بل على نقل ما هو دونه. وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون دعاء الموتى أو الغائبين أو الدعاء عند قبورهم والتوسل بأصحابها أفضل أو لا. فإن كان أفضل فكيف يخفى علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة علما وعملا بهذا الفضل العظيم، ويظفر به الخلوف علما وعملا. وهذان الحديثان اللذان ذكرهما هذا العراقي إما أن يكون الصحابة الذين رووهما وسمعوهما من النبي ﷺ جاهلين بمعناهما، وعلمه هؤلاء المتأخرون، وإما أن يكون الصحابة علموهما وزهدوا فيهما عملا مع حرصهم على الخير وطاعتهم لنبيهم ﷺ ، وكلاهما محال، بل هم أعلم الناس بكلام رسول الله ﷺ ، وأطوع الناس لأوامره، وأحرص الناس على كل خير، وهم الذين نقلوا إلينا سنة نبينا ﷺ ، فهل فهموا من هذين الحديثين جواز دعاء الموتى والغائبين فضلا عن استحبابه، والأمر به؟؟. ومعلوم أنهم عرضت لهم شدائد واضطرابات، ومحن وفتن

стр. 78

وسنون مجدبات، أفلا جاؤوا إلى قبر النبي ﷺ شاكين، وله مخاطبين بكشفها عنهم وتفريج كرباتهم؟ والمضطر يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه نفعا، لاسيما الدعاء، فلو كان ذلك وسيلة مشروعة وعملا صالحا لفعلوه. فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور حتى توفاه الله، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين هل يمكن أحدا أن يأتي عنهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة، أو عرضت لهم شدة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها، فضلا عن أن يسألوها حوائجهم؟. فمن كان عنده في هذا أثر أو حرف واحد فليوقفنا عليه، نعم لهم أن يأتوا عن الخلف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون بكثير من المختلقات، والحكايات المكذوبات، حتى لقد صنف في ذلك عدة مصنفات، ليس فيها حديث صحيح عن رسول الله ﷺ ، وإنما فيها التمويهات والحكايات المخترعات، والأحاديث المكذوبات، كقولهم: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه". وفيها حكايات لهم عن تلك القبور بأن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلان دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت، وفلان نزل به ضر فأتى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، ونحو ذلك مما يعلم أنه مضاد لما بعث الله به نبيه ﷺ ، ويعلم أنه حمى جانب التوحيد، وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك، فكيف

стр. 79

يستدل بكلامه على نقيض ما أمر به!؟. فأما حديث "إذا انفلتت دابة أحدكم" إلى آخره، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه لا يصح عن رسول الله ﷺ ، فإنه من رواية معروف بن حسان، وهو منكر الحديث، قاله ابن عدي. الوجه الثاني: أن يقال: على تقدير صحته، معناه: أن الإنسان إذا انفلتت دابته، وعجز عنها، فقد جعل الله عبادا من الملائكة، أو صالحي الجن، أو ممن لا يعلمه من جنده سواه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر-٣١] فإن هؤلاء عباد الله أحياء حاضرون، قد جعل الله لهم قدرة على ذلك كما جعل للإنس، فهذا كما إذا انفلتت دابة الإنسان فنادى أحد رفقته يا فلان رد الدابة، فلا بأس بهذا. ويدل على هذا ما رواه البزار من حديث ابن عباس١ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله في الأرض ملائكة سوى الحفظة، يكتبون ما سقط من ورق، فإذا أصاب أحدكم شيء بأرض فلاة، فليناد: أعينوني"، فأين هذا من الاستغاثة بأهل القبور لو كانوا يعقلون. وأما حديث الأعمى فنذكر بحول الله وقوته عنه من صواب الجواب، ما يتبين به الحق ويزول الارتياب، فنقول:

стр. 80

ذكر العلماء في معناه قولين: أحدهما أنه توسل بالنبي ﷺ ، فيدل على جواز التوسل بالنبي ﷺ ، إلا أن التوسل ليس فيه دعاء له ولا استغاثة به، وإنما يسأل الله بجاهه. وهذا ذكره الفقيه أبو محمد ابن عبد السلام، فإنه أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ ، قال وأما التوسل بالنبي ﷺ فيجوز إن صح الحديث، يعني حديث الأعمى. قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى: وما زلت أبحث وأكشف ما أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء هل جوز أحدهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فعل ذلك أحد منهم فما وجدته، ثم وقفت على فتيا للفقيه أبي محمد ابن عبد السلام أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ ، وأما بالنبي ﷺ فجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك. وذكر القدوري في شرح الكرخي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يجوز أن يسأل الله إلا به. انتهى كلامه. وذكر ابن القيم ﵀ عن أبي الحسين القدوري نحو ذلك، فقال: قال القدوري: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، وأن يقول: بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام. قال أبو الحسين: أما المسألة بغير الله فمنكرة، لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق له على خلقه.

стр. 81

وأما قوله: بمعقد العز من عرشك. فكرهه أبو حنيفة، ورخص فيه أبو يوسف. وقال ابن بلدجي في "شرح المختار": ويكره أن يدعو الله إلا به، ولا يقول: أسألك بملائكتك، أو بأنبيائك، ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على خالقه، أو١ يقول في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك، وعن أبي يوسف جوازه. ومن قواعد الحنفية أن الكراهة حيث أطلقت فالمراد منها التحريم، وممن ذكر ذلك ابن نجيم في "البحر" حيث قال: وأفاد صحة إطلاق الحكم على المكروه تحريما. وذكر العلامة ابن عابدين في "رد المختار على الدر المختار" قال: وذكر محمد في المبسوط أن أبا يوسف قال لأبي حنيفة: إذا قلت في شيء أكرهه، فما رأيك فيه؟ قال: التحريم. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم": لفظ "التوسل" بالشخص والتوجه به والتوسل به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، يراد التسبب به، لكونه داعيا وشافعا مثلا، أو يكون الداعي محبا له مطيعا لأمره، مقتديا به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته. ويراد به الإقسام به، والتوسل بذاته. فهذا هو الذي كرهوه ونهوا عنه.

стр. 82

وكذلك لفظ "السؤال بالشيء" قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب. وقد يراد به الإقسام، ومن الأول حديث الثلاثة الذين آووا إلى غار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم فقالوا: ليدع كل رجل منكم بأفضل عمله، فدعوا الله بصالح أعمالهم، لأن الأعمال الصالحة التي هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله ويتوجه به إليه ويسأله به، وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح والتضرع، وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها لما قالت: "اللهم إني آمنت بك وبرسولك وهاجرت في سبيلك" وسألت الله أن يحيي ولدها، وأمثال ذلك. وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران-١٩٣] الآيات، فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وأما قوله في حديث أبي سعيد: "أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا" فهذا الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف، لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به، والتوجه به، والتسبب به. ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله في الحديث الصحيح: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك،

стр. 83

وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك". والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، فاستعاذ ﷺ بعفوه ومعافاته من عقوبته، مع أنه لا يستعاذ بمخلوق، كسؤال الله بإجابته وإثابته، وإن كان لا يسأل بمخلوق. ومن قال من العلماء لا يسأل الله إلا به لا ينافي السؤال بصفاته، كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله، ومن حلف بغير الله فقد أشرك، ومع هذا فالحلف بعزة الله ولعمر الله ونحو ذلك مما ثبت عن النبي ﷺ الحلف به لم يدخل في الحلف بغير الله. وأما قول بعض الناس: "أسألك بالله وبالرحم" وقراءة من قرأ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره توسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب بالتوسل بدعاء الأنبياء وطاعتهم. انتهىملخصا. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضا: وأما استشفاع الناس بالنبي ﷺ يوم القيامة فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره. وقول عمر ﵁: "كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا" معناه: إنا نتوسل بدعائه

стр. 84

وشفاعته، ليس المراد به نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعض الناس: "أسألك بجاه فلان عندك" ويقولون: "إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه" ويروون حديثا موضوعا: "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عريض". فإنه لو كان هذا التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه كماذكر عمر ﵁ لفعلوا ذلك بعد موته، ولم يعدلوا عنه إلى العباس، مع علمهم أن السؤال به والإقسام به أعظم من العباس. فعلم أن التوسل الذي ذكروه هو مما بفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك، والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره. وكذلك حديث الأعمى، فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليرد الله عليه بصره، فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه، وأمره أن يسأل الله فبول شفاعته، وأن قوله: " أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: "كنا نتوسل إليك بنبينا" فلفظ التوجه والتوسل في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال: " يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه في" فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه، وقوله: "يا محمد يا نبي الله" هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.

стр. 85

واعلم رحمك الله ان العبادات مبناها على الأمر والاتباع، لا على الهوى والابتداع، والتوسل الذي جاءت به السنة والأحاديث الصحيحة هو التوسل والتوجه إلى الله بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة كالأدعية الواردة في السنة نحو: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلالوالإكرام، يا حي يا قيوم" وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " وكقوله في الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" وكما حكاه الله سبحانه عن عباده المؤمنين أنهم توسلوا إليه بصالح أعمالهم، فقال تعالى حاكيا عنهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَاسَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران-١٩٣] الآية، وكذلك ما تقدم من قصة الثلاثة الذين آووا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، وكالتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم في حياتهم، كما كان الصحابة يتوسلون بالنبي ﷺ في الاستسقاء، وكذا توسلهم بالعباس، وبيزيد بن الأسود، وتوسل الأعمى بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، فهذا من الأمور المشروعة ولا نزاع فيه. وأما التوسل بالذوات فما الدليل على جوازه؟ ومن قال هذا من الصحابة والتابعين؟ وإذا وقع النزاع في مسألة وجب رد ذلك

стр. 86

إلى الله والرسول كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء-٥٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى-١٠] ومعلوم أن هذا لم يكن منقولا عن النبي ﷺ ولا أحد من السلف، ولا ريب الأنبياء والصالحين لهم الجاه عند الله لكن الذي لهم عند الله من الجاه والمنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم. ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم، ومحبتنا، فإذا توسلنا إلى الله بإيماننا بنبيه ﷺ ومحبته وطاعته واتباع سنته كان هذا من أعظم الوسائل. وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته فلا يكون وسيلة، فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل بدعائه أو بمحبته واتباعه فبأي شيء يتوسل؟؟ والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك، مثل أن يقول لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عند فلان. فهذا جائز، وإما أن يقسم عليه، ولا يجوز الإقسام بمخلوق، كما أنه لا يجوز أن يقسم على الله بالمخلوقين. ويزيد المقام وضوحا ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد كلام سبق، قال: لفظ التوسل والتوجه يراد به أن يتوسل إلى الله ويتوجه إليه بدعائهم وشفاعتهم، فهذا هو الذي جاء في ألفاظ الصحابة من

стр. 87

السلف رضوان الله عليهم، كما في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا"فهذا إخبار من عمر ﵁ بما كانوا يفعلونه، وتوسل منهم بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ . قال: وهذا هو الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، قالوا: ويستحب أن يستسقى بالصالحين، وإن كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل. انتهى. وقد أزحت بحمد الله الإشكال، وأوضحت فيه الحال، وقد قرر جمع من العلماء ما قرره شيخ الإسلام في معنى حديث الأعمى، وبينوا أنه ليس فيه إلا طلب الدعاء من النبي ﷺ ، وأنه لا دلالة فيه على التوسل بالذات كالعلامة السويدي، وابنه، والشيخ نعمان بن العلامة محمود أفندي الآلوسي في رده على هذا العراقي، ونقل كلامهم يفضي إلى التطويل، وقد تقدم ما فيه كفاية لطالب الحق. وقال السويدي ﵀ في "شرح العقد الثمين" بعد كلام سبق: وهذا التوسل الذي ذكره فيه الخلاف فيما إذا كان الداعي يتوجه إلى ربه متوسلا إليه بغيره، مثل أن يقول: أسألك بجاه فلان عندك، أو بحرمته، أو بحقه، وأما إذا توجه إلى ذلك الغير، وطلب منه فهو شرك كما تحقق، انتهى. وهذا عين التحقيق، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 88

وقد أكثر هذا العراقي من ذكر عبارات الفقهاء في باب الاستسقاء من قولهم: (ويباح التوسل بالصالحين) وأكثر من تكرير عباراتهم في ذلك للتهويل، وطول بذلك أشد التطويل، وظن أن في ذلك دليلا على ما يدعو إليه من الشرك بالله، وحاشا علماء الدين، وأهل الحق واليقين، أن يجوزوا الشرك بالله أو أن يحوموا حول حماه، وإنما معنى ذلك التوسل بدعائهم وابتهالهم لا غير، كما تقدم ذلك والله أعلم.

стр. 89

فصل: في رد ما استدل به العراقي على دعواه بما روي عن ابن عمر وابن عباس: أن رجله خدرت، فقيل: اذكر أحب الناس إليك فقال: يا محمد ... فصل: وذكر العراقي ما روي عن ابن عمر وابن عباس ﵄: "أن كلا منهما خدرت رجله فقيل لكل واحد منهما: اذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمد". والجواب أن يقال: سبحان الله، هذا غاية ما عند هذا وأمثاله، ونهاية محصول إشكاله. كيف يروم معارضة القواطع القرآنية، والأحاديث النبوية، الدالة على وجوب إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله وحده، ويحاول صرف الدعاء الذي هو مخ العبادة إلى غير الله تعالى بهذا ونحوه. ولنذكر الجواب على ذلك: قال الشهاب الخفاجي رحمه الله تعالى في "شرح الشفاء" وأثر١ ابن عمر ﵄ رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة. "خدرت رجله" أي أصابها خدر، وهو أمر يعتري الرجل لما يصيب العصب، فيمنع من تحريكها بسهولة، ويزول سريعا، لأنه لو امتد كان فالجا، أو مقدماته. فقيل له: "اذكر أحب الناس إليك"

стр. 90

لأن الناس جربوا في الخدران من أصابه إذا ذكر محبوبه زال بسهولة، لأنه بمسرته تنتعش الحرارة الغريزية فيندفع الخدر "فصاح يا محمداه" يعنيه ﷺ ، لأنه أحب الناس إليه، وإلى كل مؤمن. "فانتشرت رجله" أي امتدت لزوال خدرها، وهذا يقتضي صحة ما جربوه، وقد يقال: إنه وقع مثله لابن عباس ﵁، وفيه يقول أبو العتاهية: وتخدر في بعض الأحايين رجله ... فإن لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر انتهى. فهذا جواب ما ذكره ذو اللب المعكوس، والقلب المنكوس. وهل يحتج بمثل هذا الأثر المذكور بصيغة التمريض على جواز الشرك بالله إلا ذو قلب مريض؟.

стр. 91

فصل: في رد قول العراقي الجاني: إن السجود لغير الله محرم، والتوسل لم يذكره الفقهاء في كبائر الذنوب ولا صغارها. ورد هذه السفسطة ... فصل: قال العراقي: (وهاهنا شيء يفيدك إن كنت تزعم أن التوسل ونداء الأنبياء والصالحين وطلب الشفاعة منهم حرام، فقد ذكر الفقهاء من كل مذهب في باب الشهادة: المحرمات الكبائر والصغائر، واستوعبوها، فانظر هل ترى هذا من المحرم؟ ثم قال: نعم، ذكروا أن السجود لغير الله من المحرمات، فإذا كان السجود لغير الله من المحرمات، وهو من أخص العبادات الخاصة بالله لم يحكم على فاعله إلا بالذنب دون الكفر المخرج عن الملة، فكيف يكون التوسل كفرا) انتهى. أقول: تأمل كلام هذا الضال المخذول، وانظر إلى خروجه عن المسموع والمعقول، يقول: إن السجود لغير الله محرم. فظاهر كلامه أن السجود لغير الله محرم، وليس بشرك عنده، وأيضا: أن السجود لغير الله ذنب، وليس بشرك. فانظر حيرة هذا الجاهل وعمايته، وبلوغه في الضلال غايته ونهايته، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف-٣٣] ، فهل صرح القرآن بأن الشرك من

стр. 92

المحرمات أم لا؟! فالشرك أعظم ذنب عصي الله به، وأشد المحرمات تحريما، وأعظمها عند الله تأثيما، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله: "أي الذنب أعظم عند الله"؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قلت: "ثم أي"؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قلت:"ثم أي"؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" فأنزل الله تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان-٦٨] الآيات. فانظر هل سمى الشرك ذنبا؟! والشرك أظلم الظلم، كما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أيضا قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام-٨٢] شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان-١٣] . فليت شعري ما الذي يخرج عند هذا من الملة إذا كان الشرك بالله لا يخرج عنده من الملة، وإنما هو ذنب!؟ قوله: (فلو كان ذلك كفرا للزم ذكره في باب الردة ... إلى آخر كلامه) . يقال: قد ذكر ذلك الجهابذة العلماء، وصرح به النبلاء والفهماء اتباعا لكتاب الله وسنة رسوله، كما تقدم من كلامهم القليل، لكن ثم ماذا إذا أعمى الله بصيرتك ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ .

стр. 93

وقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي ﷺ : "إنك امرؤ فيك جاهلية" وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء-٤٨] . وانظر إلى باب الردة من كل مذهب، فأول ما يذكره الفقهاء أن يقولوا: من أشرك بالله تعالى كفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء-٤٨] . ومرادهم هذا الذي تسميه أنت وأضرابك: توسلا وتشفعا واستمدادا، وهل ينفعك تسميته بغير اسمه، وتغيير حقيقته ورسمه، فالشرك بالله تعالى الذي قامت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام العلماء شرك بالله، شاء المشرك أم أبى. وهل ينفع شارب الخمر تسميته بغير اسمه، أو المرابي تسميته الربا بغير اسمه، والنظر إلى المسمى لا إلى الاسم، وبالله التوفيق.

стр. 94

فصل: في رد افترائه علينا بأنا كفرنا الصحابة في قولهم للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط ... فصل: ثم كذب العراقي وافترى فقال: (وقد كفر هؤلاء الناس الصحابة بقولهم للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط، ثم ذكر أنهم خوارج، وذكر بعض الأحاديث التي وردت في الخوارج) . والجواب أن هذه الدعوة كاذبة، فتقابل بالرد والمنع، وعدم القبول، ومن المعلوم أن المشار إليهم من أشد الناس تعظيما ومحبة للصحابة، وأعظمهم اتباعا لهم، واقتفاء لآثارهم، ولكن لما تصدوا لبيان شركه، وانتصبوا لهتك باطله وإفكه، وأولجوه المضايق، وبينوا الحجج الواضحة وحققوا الحقائق، فصار قصاراه بهتهم ورميهم بما هم براء منه، وما أشبهه بمن قيل فيه: ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولاسيما أن أولجوه المضايقا والفرق بينهم وبين الخوارج: أن الخوارج يكفرون بكبائر الذنوب،كالزنا والسرقة وشرب المسكر ونحو ذلك، كما ذكره أرباب المقالات. وهؤلاء إنما يكفرون بالشرك بالله، كما تقدم بعض بيان ذلك بالأدلة الظاهرة، والحجج المتناصرة، من الكتاب والسنة وكلام علماء الأمة.

стр. 95

وأما الذنوب كالزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها فحاشاهم من التكفير بذلك كما تقدم، فسبحان من طبع على قلوب من شاء من خلقه بعدله. والخوارج كفروا الصحابة ﵃ بما جرى بينهم من القتال، كما جرى في وقعة الجمل بالبصرة بين علي وطلحة والزبير وعائشة، وكما جرى بين علي ومعاوية في صفين، وتلك الذنوب لا يكفر فاعلها، والصحابة ﵃ لهم حسنات عظيمة ماحية: إيمان، وهجرة، وأعمال، وجهاد. فالخوارج إنما كفروا أهل الإيمان بالذنوب. وهذا وأمثاله عادوا أهل التوحيد لما أنكروا عليهم الشرك بالله، ودعوهم إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، كما كان الصحابة ﵃ مع نبيهم ﷺ وبعده، يأمرون بالتوحيد، وينهون عن الشرك. فالأشبه بالخوارج على الحقيقة من يكفر أهل التوحيد، وينصر الشرك بالله والتنديد، بل هو أشد من الخوارج لأن الخوارج كفروا بالذنب، وهؤلاء كفروا بمحض الإيمان، كما قال العلامة ابن القيم: من لي بشبه خوارج قد كفروا ... بالذنب تأويلا بلا إحسان ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التوحيد والإيمان فالذي نعتقد وندين الله به وندعو إليه هو: إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، وننكر أن يصرف منها شيء لغير

стр. 96

الله متمسكين في ذلك بكتاب الله وسنة رسوله، وهذا هو سبيل رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين، فمن سبنا وأنكر علينا فقد سب من كان على مثل ما كان عليه الصحابة والتابعون من التوحيد ونفي الشرك، وذلك مسبة للصحابة والتابعين، فالساب في الحقيقة إنما سب الصحابة وأنكر عليهم، لأن الذي أنكره هو دينهم، وبالله التوفيق. فهذا آخر ما قصدناه من الكلام على شبهاته، والتنبيه على بعض خزعبلاته، وقد سقطت به - والحمد لله - أباطيله، واجتثت به وساوسه وأضاليله. وهذه الشبه الفاسدة، لا تخدش في وجوه براهين التوحيد القاطعة، وأدلة الكتاب والسنة القاطعة، ولو تتبعنا جميع هذيانه، وسوء فهمه لكلام العلماء، وتصرفه فيه بالتأويل والحذف لطال الخطاب، وكثر الجواب، ولكن قد حصل المقصود وهو بيان التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، والجواب عن شبهات المبطلين. والحمد لله على بيان الحجة، ووضوح المحجة، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ والله المسؤول أن يهدينا وإخواننا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضآلين. وكان الفراغ من رقمه عشية السبت المبارك السادس عشر من شهر ربيع الأول من سنة ١٢٩٤ بمكة المكرمة على يد مؤلفه العبد

стр. 97

لفقير إلى رحمة ربه ومغفرته أحمد ابن إبراهيم بن عيسى، عامله الله بلطفه الخفي، وآجره على عوائد بره الحفي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم١.