Полный текст (546 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
على صورته ملكا وأن ذلك من بركة دعائه وإنما يكون الذي تصور لهم شيطان من الشياطين.
وهذا مما نعرف أنه ابتلى في زماننا وغير زماننا خلق كثير أعرف منهم عددا وأعرف من ذلك وقائع متعددة.
والشياطين أيضا تضل عباد القبور كما كانت تضل المشركين من العرب وغيرهم.
وكانت اليونان من المشركين يعبدون الأوثان ويعانون السحر كما ذكروا ذلك عن أرسطو وغيره وكانت الشياطين تضلهم وبهم يتم سحرهم وقد لا يعرفونهم أن ذلك من الشياطين بل قد لا يقرون بالشياطين بل يظنون ذلك كله من قوة النفس أو من أمور طبيعية أو من قوى فلكية فان هذه الثلاثة هي أسباب عجائب العالم عند ابن سينا وموافقيه.
وهم جاهلون بما سوى ذلك من أفعال الشياطين الذين هم أعظم تأثيرا في العالم في الشر من هذا كله وجاهلون بملائكة الله الذين يجرى بسببهم كل خير في السماء والأرض. وما يدعونه من جعل الملائكة هي العقول العشرة أو هي القوى الصالحة في النفس وأن الشياطين هي القوى الخبيئة مما قد عرف فساده بالدلائل العقلية بل بالضرورة من دين الرسول.
فإذا كان شرك هؤلاء وكفرهم في نفس التوحيد وعبادة الله وحده أعظم من شرك مشركي العرب وكفرهم فأي كمال للنفس في هذه الجهالات.
وهذا وأمثاله يفتقر إلى بسط كثير وقد ذكرنا منه طرفا في مواضع غير هذا.
والمقصود هنا ذكر ما ادعاه هؤلاء في البرهان المنطقي
стр. 107
بطلان دعواهم لا بد في البرهان من قضية كلية:
وأيضا فإذا قالوا العلوم اليقينية النظرية لا تحصل إلا ب البرهان الذي هو عندهم قياس شمولي وعندهم لا بد فيه من قضية كلية موجبة.
ولهذا قالوا لا نتاج عن قضيتين سالبتين ولا جزئيتين في شيء من أنواع القياس لا بحسب صورته كالحملي والشرطي المتصل والمنفصل ولا بحسب مادته لا البرهاني ولا الخطابي ولا الجدلي بل ولا الشعري.
فيقال إذا كان لا بد في كل ما يسمونه برهانا من قضية كلية فلا بد من العلم بتلك القضية الكلية أي من العلم بكونها كلية وإلا فمتى جوز عليها أن لا تكون كلية بل جزئية لم يحصل العلم بموجبها والمهملة وهي المطلقة التي يحتمل لفظها أن يكون كلية وجزئية في قوة الجزئية.
وإذا كان لا بد في العلم الحاصل بالقياس الذي يخصونه باسم البرهان من العلم ب قضية كلية موجبة فيقال.
العلم بتلك القضية أن كان بديهيا أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهيا بطريق الأولى.
وإن كان نظريا احتاج إلى علم بديهي فيفضى إلى الدور المعي أو التسلسل في أمور لها مبدأ محدود فان علم ابن آدم إذا توقف على علم منه وعلمه على علم منه فعلمه له مبدأ لأنه نفسه مبدأ ليس هذا ك تسلسل الحوادث الماضية وأيضا فانه تسلسل في المؤثرات وكلاهما باطل.
وهكذا يقال في سائر القضايا الكلية التي يجعلونها مبادئ البرهان ويسمونها الواجب قبولها سواء كانت حسية ظاهرة أو باطنة وهي التي يحسها بنفسه
стр. 108
أو كانت من المجربات أو المتواترات أو الحدسيات عند من يجعل منها ما هو من اليقينيات الواجب قبولها.
مثل العلم بكون ضوء القمر مستفادا من الشمس إذا رأى اختلاف أشكاله عند اختلاف محاذياته للشمس كما يختلف إذا فارقها بعد الاجتماع كما في ليلة الهلال وإذا كان ليلة الاستقبال عند الإبدار.
وهم متنازعون هل الحدس قد يفيد اليقين أم لا.
ومثل العقليات المحضة كقولنا الواحد نصف الاثنين والكل أعظم من الجزء والأشياء المساوية لشئ واحد متساية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان.
فما من قضية من هذه القضايا الكلية التي تجعل مقدمة في البرهان إلا والعلم ب النتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان بل هو الواقع كثيرا.
فإذا علم أن كل واحد فهو نصف كل اثنين وأن كل اثنين نصفهما واحد فانه يعلم أن هذا الواحد نصف هذين الاثنين وهلم جرا في سائر القضايا المعينة من غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية.
وكذلك كل كل وجزء يمكن العلم بأن هذا الكل أعظم من جزئه بدون توسط القضية الكلية.
وكذلك هذان النقيضان من تصورهما نقيضين فانه يعلم أنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان فكل أحد يعلم أن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما ولا يخلو من الوجود والعدم كما يعلم المعين الآخر ولا يحتاج ذلك إلى أن يستدل عليه بأن كل شيء لا يكون موجودا معدوما معا.
وكذلك الضدان فان الإنسان يعلم أن هذا الشيء لا يكون اسود أبيض ولا يكون متحركا ساكنا كما يعلم أن الآخر كذلك ولا يحتاج في العلم بذلك
стр. 109
إلى قضية كلية بان كل شيء لا يكون اسود أبيض ولا يكون متحركا ساكنا وكذلك في سائر ما يعلم تضادهما فان علم تضاد المعينين علم أنهما لا يجتمعان وإن لم يعلم تضادهما لم يغنه العلم بالقضية الكلية وهي علمه بأن كل ضدين لا يجتمعان فان العلم بالقضية الكلية يفيد العلم ب المقدمة الكبرى المشتملة على الحد الأكبر وذلك لا يغنى بدون العلم ب المقدمة الصغرى المشتملة على الحد الأصغر والعلم بالنتيجة وهو أن هذين المعينين ضدان فلا يجتمعان يمكن بدون العلم بالمقدمة الكبرى وهو أن كل ضدين لا يجتمعان فلم يفتقر العلم بذلك إلى القياس الذي خصوه باسم البرهان.
وإن كان البرهان في كلام الله ورسوله وكلام سائر أصناف العلماء لا يختص بما يسمونه هم البرهان وإنما خصوا هم لفظ البرهان بما اشتمل على القياس الذي خصوا صورته ومادته بما ذكروه.
مثال ذلك أنه إذا أريد إبطال قول من يثبت الأحوال ويقول أنها لا موجودة ولا معدومة فقيل هذان نقيضان وكل نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان فان هذا جعل للواحد لا موجودا ولا معدوما ولا يمكن جعل شيء من الأشياء لا موجودا ولا معدوما في حال واحدة فلا يمكن جعل الحال لا موجودة ولا معدومة كان العلم بأن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما ممكنا بدون هذه القضية الكلية فلا يفتقر العلم ب النتيجة إلى البرهان.
وكذلك إذا قيل أن هذا ممكن وكل ممكن فلا بد له من مرجح لوجوده على عدمه على اصح القولين أو لأحد طرفيه على قول طائفة من الناس أو قيل هذا محدث وكل محدث فلا بد له من محدث فتلك القضية الكلية وهى قولنا كل محدث لا بد له من محدث وكل ممكن لا بد له مرجح يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهاني عندهم بدون العلم بالقضية الكلية التي لا يتم البرهان عندهم إلا بها فيعلم أن هذا المحدث لا بد له من محدث وهذا
стр. 110
الممكن لا بد له من مرجح.
فان شك عقله وجوز أن يحدث هو بلا محدث احدثه أو أن يكون وهو ممكن يقبل الوجود والعدم بدون مرجح يرجح وجوده جوز ذلك في غيره من المحدثات والممكنات بطريق الأولى وإن جزم بذلك في نفسه لم يحتج علمه ب النتيجة المعينة وهو قولنا وهذا محدث فله محدث أو هذا ممكن فله مرجح إلى العلم بالقضية الكلية فلا يحتاج إلى القياس البرهاني.
ومما يوضح هذا أنك لا تجد أحدا من بني آدم يريد أن يعلم مطلوبا بالنظر ويستدل عليه بقياس برهاني يعلم صحته إلا ويمكنه العلم به بدون ذلك القياس البرهاني المنطقي.
فساد قولهم بأنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين:
ولهذا لا تجد أحدا من سائر أصناف العقلاء غير هؤلاء ينظم دليله من المقدمتين كما ينظمه هؤلاء بل يذكرون الدليل المستلزم للمدلول.
ثم الدليل قد يكون مقدمة واحدة وقد يكون مقدمتين وقد يكون مقدمات بحسب حاجة الناظر المستدل إذ حاجة الناس تختلف.
وقد بسطنا ذلك في الكلام على المحصل وبينا تخطئة جمهور العقلاء لمن قال أنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين لا يستغنى عنهما ولا يحتاج إلى أكثر منهما كما يقوله من يقوله من المنطقيين.
وهذا ينبغي أن تأخذه من المواد العقلية التي لا يستدل عليها بنصوص الأنبياء فانه يظهر بها فساد منطقهم.
الكلام على تمثيلهم كل مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام.
وأما إذا أخذته من المواد المعلومة بأقوال الأنبياء فانه يظهر الاحتياج إلى القضية
стр. 111
الكلية كما إذا أردنا بيان تحريم النبيذ المتنازع فيه فقلنا النبيذ مسكر وكل مسكر حرام أو قلنا أنه خمر وكل خمر حرام.
فقولنا النبيذ المسكر خمر يعلم بالنص وهو قول النبي ﷺ كل مسكر خمر وقولنا كل خمر حرام يعلم بالنص والإجماع وليس في ذلك نزاع وإنما النزاع في المقدمة الصغرى وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال كل مسكر خمر وكل مسكر حرام.
وفي لفظ كل مسكر خمر وكل خمر حرام وقد يظن بعض الناس أن النبي ﷺ ذكر هذا على النظم المنطقي لتبيين النتيجة ب المقدمتين كما يفعله المنطقيون وهذا جهل عظيم ممن يظنه فان النبي ﷺ أجل قدرا من أن يستعمل مثل هذا الطريق في بيان العلم.
بل من هو أضعف عقلا وعلما من آحاد علماء أمته لا يرضى لنفسه أن يسلك طريقة هؤلاء المنطقيين بل يعدونهم من الجهال الذين لا يحسنون الاستدلال ويقولون هؤلاء قوم كانوا يحسنون الصناعات كالحساب والطب ونحو ذلك وأما العلوم البرهانية الكلية اليقينية والعلوم الإلهية فلم يكونوا من رجالها.
وقد بين ذلك نظار المسلمين في كتبهم وبسطوا الكلام عليهم.
وذلك أن كون كل خمر حراما هو مما علمه المسلمون فلا يحتاجون إلى معرفة ذلك ب القياس.
وإنما شك بعضهم في أنواع من الأشربة المسكرة كالنبيذ المصنوع من العسل والحبوب وغير ذلك كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنه قيل:
стр. 112
يا رسول الله عندنا شراب يصنع من العسل يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر؟ قال: -وكان قد أوتى جوامع الكلم- فقال: "كل مسكر حرام" فأجابهم ﷺ بقضية كلية بين بها أن كل ما يسكر فهو محرم وبين أيضا أن كل ما يسكر فهو خمر.
وهاتان قضيتان كليتان صادقتان متطابقتان العلم بأيهما كان يوجب العلم بتحريم كل مسكر إذ ليس العلم بتحريم كل مسكر متوقفا على العلم بهما جميعا.
فان من علم أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام " وهو من المؤمنين به علم أن النبيذ المسكر حرام ولكن قد يحصل له الشك هل أراد القدر المسكر أو أراد جنس المسكر وهذا شك في مدلول قوله فإذا علم مراده ﷺ علم المطلوب.
وكذلك إذا علم أن النبيذ خمر والعلم بهذا أو كد في التحريم فان من يحلل النبيذ المتنازع فيه لا يسميه خمرا فإذا علم بالنص أن كل مسكر خمر كان هذا وحده دليلا على تحريم كل مسكر عند أهل الإيمان الذين يعلمون أن الخمر محرم وأما من لم يعلم تحريم الخمر لكونه لم يؤمن بالرسول فهذا لا يستدل بنصه.
وإن علم أن محمدا رسول الله لكن لم يعلم أنه حرم الخمر فهذا لا ينفعه قوله كل مسكر خمر بل ينفعه قوله كل مسكر حرام وحينئذ يعلم بهذا تحريم الخمر لأن الخرم والمسكر اسمان لمسمى واحد عند الشارع وهما متلازمان عنده في العموم والخصوص عند جمهور العلماء الذين يحرمون كل مسكر.
وليس المقصود هنا الكلام في تقرير المسألة الشرعية بل التنبيه على التمثيل فان
стр. 113
هذا المثال كثيرا ما يمثل به من صنف في المنطق من علماء المسلمين.
التمثيل بصور مجردة عن المواد المعينة:
والمنطقيون يمثلون بصور مجردة عن المواد لا تدل على شيء يعينه لئلا يستفاد العل بالمثال من صورته المعينة كما يقولون:
كل أ: ب، وكل ب: ج، فكل أ: ج.
لكن المقصود هو العلم المطلوب من المواد المعينة فإذا جردت يظن الظان أن هذا يحتاج إليه في المعينات وليس الأمر كذلك.
بل إذا طولبوا بالعلم بالمقدمتين الكليتين في جميع مطالبهم العقلية التي لم تؤخذ عن المعصومين تجدهم يحتجون بما يمكن معه العلم ب المعينات المطلوبة بدون العلم بالقضية الكلية فلا يكون العلم بها موقوفا على البرهان.
فالقضايا النبوية لا تحتاج إلى القياس العقلى الذي سموه برهانا وما يستفاد بالعقل من العلوم أيضا لا يحتاج إلى قياسهم البرهاني فلا يحتاج إليه لا في العقليات ولا في السمعيات.
فامتنع أن يقال لا يحصل علم إلا بالقياس البرهاني الذي ذكروه.
العلوم الحسية لا تكون إلا جزئية معينة:
ومما يوضح ذلك أن القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية فنحن لم ندرك بالحس إلا إحراق هذه النار وهذه النار لم ندرك أن كل نار محرقة فإذا جعلنا هذه قضية كلية وقلنا كل نار محرقة لم يكن لنا طريق يعلم به صدق هذه القضية الكلية علما يقينيا إلا والعلم بذلك ممكن في الأعيان المعينة بطريق الأولى.
وإن قيل ليس المراد العلم ب الأمور المعينة فان البرهان لا يفيد إلا العلم بقضية كلية فالنتائج المعلومة ب البرهان لا تكون إلا كلية كما يقولون هم ذلك
стр. 114
والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان.
قيل فعلى هذا التقدير لا يفيد البرهان العلم بشئ موجود بل بأمور مقدرة في الأذهان لا يعلم تحققها في الأعيان وإذا لم يكن في هذا علم بشئ موجود لم يكن في البرهان علم بموجود فيكون قليل المنفعة جدا بل عديم المنفعة.
وهم لا يقولوك بذلك بل يستعملونه في العلم بالموجودات الخارجة الطبيعية والإلهية.
ولكن حقيقة الأمر كما بيناه في غير هذا الموضع أن المطالب الطبيعية التي ليست من الكليات اللازمة بل الأكثرية فلا تفيد مقصود البرهان.
وأما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعية وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلا عن أن تكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان.
ولهذا حدثونا بإسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي صاحب كشف أسرار المنطق والموجز وغيرهما أنه قال عند الموت: "أموت وما عرفت شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر" ثم قال: "الافتقار وصف سلبي فأنا أموت وما عرفت شيئا" وكذلك حدثونا عن آخر من أفاضلهم.
فهذا أمر يعرفه كل من خبرهم ويعرف أنهم اجهل أهل الأرض بالطرق التي ينال بها العلوم العقلية والسمعية إلا من علم منهم علما من غير الطريق المنطقية فتكون علومه من تلك الجهة لا من جهتهم مع كثرة تعبهم في البرهان الذين يزعمون أنهم يزنون به العلوم ومن عرف منهم بشئ من العلوم لم يكن ذلك بواسطة ما حرروه في المنطق
стр. 115
القضايا الكلية تعلم بقياس التمثيل:
ومما يبين أن حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر إلى برهانهم أن يقال إذا كان لا بد في برهانهم من قضية كلية فالعلم بتلك القضية الكلية لا بد له من سبب فان عرفوها ب اعتبار الغائب بالشاهد وان حكم الشيء حكم مثله كما إذا عرفنا أن هذا النار محرقة علمنا أن النار الغائبة محرقة لأنها مثلها وحكم الشيء حكم مثله فيقال.
هذا استدلال ب قياس التمثيل وهم يزعمون أنه لا يفيد اليقين بل الظن فإذا كانوا علموا القضية الكلية بقياس التمثيل رجعوا في اليقين إلى ما يقولون أنه لا يفيد إلا الظن.
وإن قالوا بل عند الإحساس بالجزئيات يحصل في النفس علم الكلى من واهب العقل أو تستعد النفس عند الإحساس بالجزئيات لأن يفيض عليها الكلى من واهب العقل أو قالوا من العقل الفعال عندهم أو نحو ذلك قيل لهم.
الكلام فيها به يعلم أن ذلك الحكم الكلى الذي في النفس علم لا ظن ولا جهل.
فان قالوا هذا يعلم بالبديهة والضرورة كان هذا قولا بأن هذه القضايا الكلية معلومة بالبديهة والضرورة وأن النفس مضطرة إلى هذا العلم وهذا أن كان حقا فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضا في النفس بالبديهة والضرورة كما هو الواقع.
فان جزم العقلاء ب الشخصيات من الحسيات أعظم من جزمهم ب الكليات وجزمهم بكلية الأنواع أعظم من جزمهم بكلية الأجناس والعلم ب الجزئيات
стр. 116
أسبق إلى الفطرة فجزم الفطرة بها أقوى ثم كلما قوى العقل اتسعت الكليات.
وحينئذ فلا يجوز أن يقال أن العلم ب الأشخاص موقوف على العلم ب الأنواع والأجناس ولا أن العلم ب الأنواع موقوف على العلم ب الأجناس بل قد يعلم الإنسان أنه حساس متحرك بالإرادة قبل أن يعلم أن كل إنسان كذلك ويعلم أن الإنسان كذلك قبل أن يعلم أن كل حيوان كذلك فلم يبق علمه ب أنه أو ب أن غيره من الحيوان حساس متحرك بالإرادة موقوفا على البرهان.
وإذا علم حكم سائر الناس وسائر الحيوان فالنفس تحكم بذلك بواسطة علمها أن ذلك الغائب مثل هذا الشاهد أو أنه يساويه في السبب الموجب لكونه حساسا متحركا بالإرادة ونحو ذلك من قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في إثبات الأحكام الشرعية.
استواء قياس التمثيل وقياس الشمول:
وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن وقياسهم هو الذي يفيد اليقين وقد بينا في غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال وأن قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلف اليقين والظن بحسب المواد فالمادة المعينة أن كانت يقينية في أحدهما كانت يقينية في الآخر وإن كانت ظنية في أحدهما كانت ظنية في الآخر.
وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة الأصغر والأوسط والأكبر والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ومناطا وجامعا ومشتركا وصفا ومقتضيا ونحو ذلك من العبارات.
فإذا قال في مسألة النبيذ كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فلا بد له من إثبات المقدمة الكبرى وحينئذ يتم البرهان.
وحينئذ فيمكنه أن يقول النبيذ مسكر فيكون حراما قياسا على خمر العنب
стр. 117
بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار فان الإسكار هو مناط التحريم في الأصل وهو موجود في الفرع.
فيما به يقرر أن كل مسكر حرام به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق الأولى بل التقرير في قياس التمثيل أسهل عليه لشهادة الأصل له بالتحريم.
فيكون الحكم قد علم ثبوته في بعض الجزئيات لا يكفى في قياس التمثيل إثباته في أحد الجزئين لثبوته في الجزء الآخر لاشتراكهما في أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم كما يظنه هؤلاء الغالطون بل لا بد من أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك بينهما هو الحد الأوسط وهو الذي يسميه الفقهاء وأهل أصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف في الحكم.
وهذا السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو الذي يحتاج إليه غالبا في تقرير صحة القياس.
فان المعترض قد يمنع الوصف في الأصل وقد يمنع الحكم في الأصل وقد يمنع الوصف في الفرع وقد يمنع كون الوصف علة في الحكم ويقول لا اسلم أن ما ذكرته من الوصف المشترك هو العلة أو دليل العلة فلا بد من دليل يدل على ذلك أما من نص أو إجماع أو سبر وتقسيم أو المناسبة أو الدوران عند من يستدل بذلك فما دل على أن الوصف المشترك مستلزم الحكم أما علة وأما دليل العلة هو الذي يدل على أن الحد الأوسط مستلزم الأكبر وهو الدال على صحة المقدمة الكبرى فان اثبت العلة كان برهان علة وإن اثبت دليلها كان برهان دلالة وإن لم يفد العلم بل أفاد الظن فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية وهذا أمر بين.
ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون في الفقه القياس الشمولى كما يستعمل في العقليات القياس التمثيلى وحقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر
стр. 118
رد القول بأنه لا قياس في العقليات إنما هو في الشرعيات:
ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي حامد والرازي وأبي محمد المقدسي وغيرهم أن العقليات ليس فيها قياس وإنما القياس في الشرعيات ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقا فقولهم مخالف لقول جمهور نظار المسلمين بل وسائر العقلاء.
فان القياس يستدل به في العقليات كما يستدل به في الشرعيات فانه إذا ثبت أن الوصف المشترك مستلزم الحكم كان هذا دليلا في جميع العلوم وكذلك إذا ثبت أنه ليس بين الفرع والأصل فرق مؤثر كان هذا دليلا في جميع العلوم وحيث لا يستدل بالقياس التمثيلي لا يستدل بالقياس الشمولي.
وأبو المعالي ومن قبله من نظار المتكلمين لا يسلكون طريقة المنطقيين ولا يرضونها بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها من غير اعتبار ذلك.
غير أن المنطقيين وجمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك مستلزما للحكم كما يمثلون به من الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل.
ومنازعهم يقول لم يثبت الحكم في الغائب لأجل ثبوته في الشاهد بل نفس القضية الكلية كافية في المقصود من غير احتياج إلى التمثيل.
فيقال لهم وهكذا في الشرعيات فانه متى قام الدليل على أن الحكم معلق بالوصف الجامع لم يحتج إلى الأصل بل نفس الدليل الدال على أن الحكم معلق بالوصف كاف لكن لما كان هذا كليا والكلى لا يوجد إلا معينا كان تعيين الأصل مما يعلم به تحقق هذا الكلى وهذا أمر نافع في الشرعيات والعقليات فعلمت أن القياس حيث قام الدليل على أن الجامع مناط الحكم أو على إلغاء الفارق بين الأصل والفرع فهو قياس صحيح ودليل صحيح في أي شيء كان.
تنازع الناس في مسمى القياس:
وقد تنازع الناس في مسمى القياس
стр. 119
فقالت طائفة من أهل الأصول: هو حقيقة في قياس التمثيل مجاز في قياس الشمول كابي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي وغيرهما.
وقالت طائفة: بل هو بالعكس حقيقة في الشمول مجاز في التمثيل كابن حزم وغيره.
وقال جمهور العلماء بل هو حقيقة فيهما والقياس العقلي يتناولهما جميعا وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع العلوم العقلية وهو الصواب وهو قول الجمهور من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم كالشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وأمثالهما وكالقاضي أبي يعلى والقاضي يعقوب والحلواني وأبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم فان حقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر وإنما تختلف صورة الاستدلال.
والقياس في اللغة تقدير الشيء بغيره وهذا تتناول تقدير الشيء المعين بنظيره المعين وتقديره بالأمر الكلى المتناول له ولأمثاله فان الكلى هو مثال في الذهن لجزئياته ولهذا كان مطابقا موافقا له.
حقيقة قياس الشمول:
وقياس الشمول هو انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك الكلى المتناول له ولغيره والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلى بأن ينتقل من ذلك الكلى اللازم إلى الملزوم الأول وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى عام ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص من جزئى إلى كلى ثم من ذلك الكلى إلى الجزئي الأول فيحكم عليه بذلك الكلى.
ولهذا كان الدليل اخص من مدلوله الذي هو الحكم فانه يلزم من وجود الدليل وجود الحكم واللازم لا يكون أخص من ملزومه
стр. 120
بل أعم منه أو مساويه وهو المعنى بكونه أعم.
والمدلول عليه الذي هو محل الحكم وهو المحكوم عليه المخبر عنه الموصوف الموضوع أما أخص من الدليل وأما مساويه فيطلق عليه القول بأنه اخص منه لا يكون أعم من الدليل إذ لو كان أعم منه لم يكن الدليل لازما له وإذا لم يكن لازما له لم يعلم أن لازم الدليل وهو الحكم لازم له فلا يعلم ثبوت الحكم له فلا يكون الدليل دليلا وإنما يكون إذا كان لازما ل المحكوم عليه الموصوف المخبر عنه الذي يسمى الموضوع والمبتدأ مستلزما الحكم الذي هو صفة وخبر وحكم وهو الذي يسمى المحمول والخبر.
هذا كالسكر الذي هو أعم من النبيذ المتنازع فيه وأخص من التحريم.
وقد يكون الدليل مساويا في العموم والخصوص للحكم ول محله.
وبأي صورة ذهنية أو لفظية صور الدليل فحقيقته واحدة وإن ما يعتبر في كونه دليلا هو كونه مستلزما للحكم لازما للمحكوم عليه فهذا هو جهة دلالته سواء صور قياس شمول وتمثيل أو لم يصور كذلك.
وهذا أمر يعقله القلب وإن لم يعبر عنه اللسان ولهذا كانت أذهان بني آدم تستدل ب الأدلة على المدلولات وإن لم يعبروا عن ذلك بالعبارات المبينة لما في نفوسهم وقد يعبرون بعبارات مبينة لمعانيهم وإن لم يسلكوا اصطلاح طائفة معينة من أهل الكلام ولا المنطق ولا غيرهم فالعلم بذلك الملزوم لا بد أن يكون بينا بنفسه أو بدليل آخر.
حقيقة قياس التمثيل والموازنة بينه وبين قياس الشمول:
وأما قياس التمثيل فهو انتقال المذهن من حكم معين إلى حكم معين لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلى لأن ذلك الحكم يلزم ذلك المشترك الكلى ثم العلم بذلك الملزوم لا بد له من سبب إذا لم يكن بينا كما تقدم
стр. 121
فهنا يتصور المعينين أولا وهما الأصل والفرع ثم ينتقل إلى لازمهما وهو المشترك ثم إلى لازم اللازم وهو الحكم.
ولا بد أن يعرف أن الحكم لازم المشترك وهو الذي يسمى هناك قضية كبرى ثم ينتقل إلى إثبات هذا اللازم للملزوم الأول المعين.
فهذا هو هذا في الحقيقة وإنما يختلفان في تصوير الدليل ونظمه وإلا فالحقيقة التي بها صار دليلا وهو أنه مستلزم للمدلول حقيقة واحدة.
ومن ظلم هؤلاء وجهلهم أنهم يضربون المثل في قياس التمثيل بقول القائل السماء مؤلفة فتكون محدثة قياسا على الإنسان ثم يوردون على هذا القياس ما يختص به لخصوص المادة وهذا يرد عليه لو جعل قياس الشمول فانه لو قيل السماء مؤلفة وكل مؤلف محدث لورد عليه هذه الاسئلة وزيادة.
ولكن إذا اخذ قياس الشمول في مادة معلومة بينة لم يكن فرق بينه وبين قياس التمثيل بل قد يكون التمثيل أبين ولهذا كان العقلاء يقيسون به.
وكذلك قولهم في الحد أنه لا يحصل بالمثال إنما ذلك في المثال الذي لا يحصل به التمييز بين المحدود وغيره بحيث يعرف به ما يلازم المحدود طردا وعكسا بحيث يوجد حيث وجد وينتفى حيث انتفى فان الحد المميز للمحدود هو ما به يعرف الملازم المطابق طردا وعكسا فكل ما حصل هذا فقد ميز المحدود من غيره وهذا هو الحد عند جماهير النظار ولا يسوغون إدخال الجنس العام في الحد.
فإذا كان المقصود الحد بحسب الاسم فسأل بعض العجم عن مسمى الخبز فأرى رغيفا وقيل له هذا فقد يفهم أن هذا اللفظ يوجد فيه كل ما هو خبز سواء كان على صورة الرغيف أو غير صورته وقد بسط الكلام على ما
стр. 122
ذكروه وذكره المنطقيون في الكلام على المحصل وغير ذلك.
وجد هذا في الأمثلة المجردة إذا كان المقصود إثبات الجيم للألف والحد الأوسط هو الباء فقيل:
كل ألف باء وكل باء جيم أنتج كل ألف جيم.
ولكن يحتاج ذلك إلى إثبات القضية الكبرى مع الصغرى وإذا قيل.
كل ألف جيم قياسا عل الدال.
لأن الدال هي جيم.
وإنما كانت جيما لأنها باء.
والألف أيضا باء.
فتكون الألف جيما لاشتراكهما في المستلزم للجيم وهو الباء.
كان هذا صحيحا في معنى الأول لكن فيه زيادة مثال قيست عليه الألف مع أن الحد الأوسط وهو الباء موجود فيهما.
دعواهم في البرهان أنه يفيد العلوم الكمالية:
فان قيل ما ذكرتموه من كون البرهان لا بد فيه من قضية كلية صحيح ولهذا لا يثبتون به إلا مطلوبا كليا ويقولون البرهان لا يفيد إلا الكليات.
ثم اشرف الكليات هي العقليات المحضة التي لا تقبل التغيير والتبديل فهي التي تكمل بها النفس وتصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بخلاف القضايا التي تتبدل وتتغير.
وإذا كان المطلوب هو الكليات العقلية التي لا تقبل التبديل والتغيير فتلك إنما تحصل ب القضايا العقلية الواجب قبولها بل إنما تكون في القضايا التي جهتها الوجوب كما يقال كل إنسان حيوان وكل موجود فاما واجب وأما ممكن
стр. 123
ونحو ذلك من القضايا الكلية التي لا تقبل التغير.
أقسام العلوم عندهم ثلاثة:
ولهذا كانت العلوم عندهم ثلاثة:
- أما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج وهو الطبيعي وموضوعه الجسم.
- وأما علم مجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج وهو الرياضي كالكلام في المقدورات المعدودة والمقدار والعدد.
- وأما ما يتجرد عن المادة فيهما وهو الإلهى وموضوعه الوجود المطلق بلواحقه التي تلحقه من حيث هو وجود كانقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض.
الجواهر الخمسة:
وانقسام الجوهر إلى ما هو حال، وما هو محل، وما ليس بحال ولا محل، بل هو يتعلق بذلك تعلق التدبير، والى ما ليس بحال ولا محل ولا هو متعلق بذلك.
فالأول: هو الصورة.
والثاني: هو المادة وهو الهيولي ومعناه في لغتهم المحل.
والمركب منهما هو الجسم.
والثالث: هو النفس.
والرابع: هو العقل.
وهذه الخمسة أقسام الجوهر عندهم.
والأول مقالي يجعله أكثرهم من مقولة الجوهر ولكن طائفة من متأخريهم كابن سينا امتنعوا من تسميته جوهرا وقالوا الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في موضوع أي لا في محل يستغنى عن الحال فيه وهذا إنما يكون فيما وجوده غير ماهيته والأول ليس كذلك فلا يكون جوهرا وهذا خالفو مما
стр. 124
فيه سلفهم ونازعوهم فيه نزاعا لفظيا ولم يأتوا بفرق صحيح معقول فان تخصيص أسم الجوهر بما ذكروه أمر اصطلاحي.
وأولئك يقولون بل هو كل ما ليس في موضوع كما يقول المتكلمون كل ما هو قائم بنفسه أو كل ما هو متحيز أو كل ما قامت به الصفات أو كل ما حمل الاعراض ونحو ذلك.
وأما الفرق المعنوي فدعواهم أن وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج باطل ودعواهم أن الأول وجود مقيدة بالسلوب أيضا باطل كما هو مبسوط في موضعه.
علم المقولات العشر:
مع أن تقسيم الوجود إلى واجب وممكن هو تقسيم ابن سينا وأتباعه وأما أرسطو والمتقدمون فلا يقسمونه إلا إلى جوهر وعرض والممكن عندهم لا يكون إلا حادثا كما اتفق على ذلك سائر العقلاء وهذا العلم هو علم المقولات العشر وهو المسمى عندهم قاطيغورياس.
الأدلة على بطلان دعواهم في البرهان:
والمقصود هنا الكلام على البرهان فيقال:.
هذا الكلام وإن ضل به طوائف فهو كلام مزخرف وفيه من الباطل ما يطول وصفه ولكن ننبه هنا على بعض ما فيه وذلك من وجوه:
الوجه الأول: البرهان لا يفيد العلم بشئ من الموجودات.
الأول: أن يقال إذا كان البرهان لا يفيد إلا العلم بالكليات والكليات إنما تتحقق في الأذهان لا في الأعيان وليس في الخارج إلا موجود معين لم يعلم
стр. 125
بالبرهان شيء من المعينات فلا يعلم به موجود أصلا بل إنما يعلم به أمور مقدرة في الأذهان.
ومعلوم أن النفس لو قدر أن كمالها في العلم فقط وإن كانت هذه قضية كاذبة كما بسط في موضعه فليس هذا علما تكمل به النفس إذ لم تعلم شيئا من الموجودات ولا صارت عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بل صارت عالما لأمور كلية مقدرة لا يعلم بها شيء من العالم الموجود وأي خير في هذا فضلا عن أن يكون كمالا.
الوجه الثاني: لا يعلم بالبرهان واجب الوجود ولا العقول الخ.
الثاني: أن يقال اشرف الموجودات هو واجب الوجود ووجوده معين لا كلى فان الكلى لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وواجب الوجود يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإن لم يعلم منه ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه بل إنما علم أمر كلى مشترك بينه وبين غيره لم يكن قد علم واجب الوجود.
وكذلك الجواهر العقلية عندهم وهي العقول العشرة أو أكثر من ذلك عند من يجعلها أكثر من ذلك عندهم كالسهروردى المقتول وأبى البركات وغيرهما كلها جواهر معينة لا أمور كلية فإذا لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيء منها
стр. 126
وكذلك الأفلاك التي يقولون أنها أزلية أبدية وهي معينة فإذا لم يعلم إلا الكليات لم تكن معلومة.
فلا يعلم لا واجب الوجود ولا العقول ولا شيء من النفوس ولا الأفلاك بل ولا العناصر ولا المولدات وهذه جملة الموجودات عندهم فأي علم هنا تكمل به النفس!
الوجه الثالث: ليس العلم الإلهي عندهم علما بالخالق ولا بالمخلوق.
الثالث: أن يقال العلم الأعلى عندهم الذي هو الفلسفة الأولى والحكمة العليا علم ما بعد الطبيعة باعتبار الاستدلال وما هو قبلها باعتبار الوجود وهو الذي يسميه طائفة منهم العلم الإلهي.
وموضوع هذا العلم هو الوجود المطلق الكلى المنقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وجوهر وعرض.
إيراد لابن المطهر الحلى وتخطئة المصنف له عليه:
وقد أورد بعض المتأخرين من الشيعة المصنفين في علمهم ما ذكره أنه الأسرار الخفية في العلوم العقلية عليهم سؤالا قال: إن كان موضوعه كل موجود فلا يبحث فيه عن عوارض كل موجود وإن كان أخص من ذلك كالواجب والممكن فذلك جزء منه.
التقسيم نوعان: تقسيم الكل إلى أجزائه وتقسيم الكلى إلى جزئياته
стр. 127
فيقال له القسمة نوعان: قسمة الكلى إلى جزئياته وقسمة الكل إلى أجزائه والقسمة الثانية هي المعروفة في الأمر العام كما يقول العلماء باب القسمة ويذكرون قسمة المواريث والمغانم والأرض وغير ذلك ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ .
أما تقسيم الكلى إلى جزئياته فمثل قولنا الحيوان ينقسم إلى ناطق وأعجمي وهو قسمة الجنس إلى أنواعه والنوع إلى أشخاصه.
ولهذا كان النحاة إذا أرادوا أن يقسموا ما يقسمونه إلى اسم وفعل وحرف يختلف كلامهم فكثير منهم يقول الكلام ينقسم إلى اسم وفعل وحرف وهذا هو الذي يذكره قدماء النحاة.
فاعترض عليهم بعض من صنف في قوانين النحو كالكرولي وقالوا كل جنس قسم إلى أنواعه أو أنواع أشخاصه فالاسم المقسوم الأعلى صادق على الأنواع والأشخاص وإلا فليست بأقسام له فصاروا يقولون الكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وحرف ويقولون الكلمة جنس تحته أنواع الاسم والفعل والحرف.
وهذا الاعتراض خطأ ممن أورده لأن أولئك لم يقصدوا تقسيم الكلى إلى جزئياته وإنما قصدوا تقسيم الكل إلى أجزائه وهو التقسيم المعروف أولا في العقول واللغات كما إذا قلت هذه الأرض مقسومة فلفلان هذا الجانب ولفلان هذا الجانب كما قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ والكلام مركب من الأسماء والأفعال
стр. 128
والحروف كما يتركب البيت من السقف والحيطان والأرض وكما أن بدن الإنسان مركب من أعضائه المتميزة وأخلاطه الممتزجة فتقسيمه إلى الأعضاء والأخلاط تقسيم كل إلى أجزائه ومثل هذا يمتنع أن يصدق فيه اسم المقسوم على الأجزاء فليس كل واحد من أعضائه بدنا ولا كل من أخلاطه بدنا ولا كل من أجزاء السقف بيتا وكذلك الوجه إذا قيل ينقسم إلى جبين وأنف وعين وخد وغير ذلك لم يكن كل واحد من هذه الأعضاء وجها ونظائر هذا كثيرة.
وأما الكلى فإنما يوجد في الذهن لا في الخارج فتبين أن تقسيم الأولين أظهر من تقسيم الآخرين.
معنى الكلمة والحرف في كلام العرب:
ثم أن الآخرين جعلوا أن الكلمة اسم جنس لهذه الأنواع ولفظ الكلمة لا يوجد في لغة العرب إلا اسما لجملة تامة اسمية أو فعلية كقول النبي ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " وقوله: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... ... ... ...
وقوله في النساء: "أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله " ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ
стр. 129
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ .
ومثل هذا كثير في كلام العرب.
وبعض متأخرى النحاة لما سمع بعض هذا قال وقد يراد ب الكلام الكلمة.
وليس الأمر كما زعمه بل لا يوجد في كلام العرب لفظ الكلمة إلا للجملة التامة التي هي كلام ولا تطلق العرب لفظ كلمة ولا كلام إلا على جملة تامة ولهذا ذكر سيبويه أنهم يحكون بالقول ما كان كلاما ولا يحكون به ما كان قولا.
وأما تسمية الاسم وحده كلمة والفعل وحده كلمة والحرف وحده كلمة مثل هل وبل فهذا اصطلاح محض لبعض النحاة ليس هذا من لغة العرب أصلا وإنما تسمى العرب هذه المفردات حروفا ومنه قول النبي ﷺ : "من قرأ القران فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" والذي عليه محققوا العلماء أن المراد بالحرف الاسم وحده والفعل حرف المعنى لقوله: ألف حرف" وهذا اسم.
ولهذا لما سأل الخليل أصحابه عن النطق بالزاء من زيد فقالوا: (زا) فقال نطقتم بالاسم وإنما الحرف زه ومنه قول أبي الأسود
стр. 130
الدؤلي وذكر له لفظه من الغريب وقال: "هذا حرف لم يبلغك" فقال: "كل حرف لم يبلغ عمك فافعل به كذا.
ولهذا ذكر سيبويه في أول كتابه التقسيم إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فجعل الفصل من النوع الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فميزه بقوله جاء لمعنى عن حروف الهجاء مثل (الف) (با) (تا) فان هذه حروف هجاء.
وهذه الألفاظ أسماء تعرب إذا عقدت وركبت ولكن إذا نطق بها قبل التركيب نطق بها ساكنة كما ينطق بأسماء العدد قبل التركيب والعقد فيقال واحد اثنان ثلاثة ولهذا يعلم الصبيان في أول الأمر اسما الحروف المفردة (اب ت ث) ثم المركبة وهو (ابجد هوز حطي) ويعلمون أسماء الأعداد واحد اثنان ثلاث.
عود إلى أصل الموضوع.
والمقصود هنا أن التقسيم نوعان تقسيم الكل إلى أجزائه وهو أشهرهما وأعرفهما في العقول واللغات والثاني تقسيم الكلي إلى جزئياته وهو التقسيم الثاني لأن الكليات هي المعقولات الثانية.
فإذا قال القائل الوجود الذي هو موضوع العلم الإلهي عندهم أما أن يكون كل موجود أو بعضه وهو الواجب أو الممكن كان هذا الحصر خطأ منه لأن موضوعه الوجود الكلي المنقسم إلى أنواعه لا الكل المنقسم إلى أجزائه ومعلوم أن الوجود الكلي يتكلمون في لواحقه الذاتيه لا في لواحق كل موجود.
العلم الأعلى عند المنطقيين ليس علما بموجود في الخارج:
لكن الذي تبين به خساسة ما عند القوم ونقص قدره أن هذا الوجود الكلي
стр. 131
إنما يكون كليا في الذهن لا في الخارج فإذا كان هذا هو العلم الأعلى عندهم لم يكن الأعلى عندهم علما بشيء موجود في الخارج بل علما بأمر مشترك بين جميع الموجودات وهو مسمى الوجود وذلك كمسمى الشيء والذات والحقيقة والنفس والعين والماهية ونحو ذلك من المعاني العامة ومعلوم أن العلم بهذا ليس هو علما بموجود في الخارج لا بالخالق ولا بالمخلوق وإنما هو علم بأمر مشترك كلي يشترك فيه الموجودات لا يوجد إلا في الذهن ومن المتصورات ما يشترك فيه الموجود والمعدوم كقولنا مذكور ومعلوم ومخبر عنه فهذا اعم من ذاك.
وهذا بخلاف العلم الأعلى عند المسلمين فانه العلم بالله الذي هو في نفسه أعلى من غيره من كل وجه والعلم به أعلى العلوم من كل وجه والعلم به اصل لكل علم وهم يسلمون أن العلم به إذا حصل على الوجه التام يستلزم العلم بكل موجود.
وهذا بخلاف العلم بمسمى الوجود فان هذا لا حقيقة له في الخارج ولا العلم بالقدر المشترك يستلزم العلم بأجناسه وأنواعه وما يتميز به كل شيء بل ليس فيه إلا علم بقدر مشترك لا تصور له في الخارج وإنما هو علم بهذه المشتركات.
وليس في مجرد العلم بذلك ما يوجب كمال النفس بل ولا في العلم بأقسامه العامة فانا إذا علمنا أن الوجود ينقسم إلى جوهر وعرض وأن أقسام الجوهر خمسة كما زعموه مع أن ذلك ليس بصحيح ولا يثبت مما ذكروه إلا الجسم وأما المادة والصورة والنفس والعقل فلا يثبت لها حقيقة في الخارج إلا أن يكون جسما اوعرضا ولكن ما يثبتونه يعود إلى أمر مقدر في النفس لا في الخارج كما قد بسط في موضعه.
وقد اعترف بذلك من ينصرهم ويعظمهم كأبي محمد بن حزم وغيره ولتعظيمه
стр. 132
المنطق رواه بإسناده إلى متى الترجمان الذي ترجمه إلى العربية ومع هذا فاعترف بما ذكرناه وقد بسط ذلك في موضعه.
ونحن نفرض هنا وجود ذلك في الخارج فالعلم بانقسام ذلك إلى جواهر خمسة وانقسام العرض إلى الأنواع التسعة مع أنه لم يقم دليل على انقسامه إلى تسعة عند بعضهم وقد انشدوا فيها:
زيد الطويل الأسود ابن مالك ... في داره بالأمس كان يتكى
في يده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سوى
فذكر في هذين البيتين الجوهر والكم والكيف والإضافة والأين ومتى والوضع والملك وأن يفعل وأن ينفعل.
ولما لم يقم دليل على حصر أجناسها العالية في تسعة جعلها بعضهم خمسة وبعضهم ثلاثة الكم والكيف والإضافة.
والمقصود هنا أنه إذا علم هذا التقسيم وعندهم كلما كان أعم كان أقرب إلى المعقول وكان البرهان عليه أقوم فانه لا يقوم برهان واجب القبول دائما إلا على ما لا يتغير وهذه الأعراض عندهم لا يقوم ب واجب الوجود بل ولا ب العقول إلا بعضها على نزاع بينهم فيعود الكمال إلى تصور وجود مطلق لا حقيقة له في الخارج كتصور ذات مطلقة وشئ مطلق وحقيقة مطلقة.
وأي كمال للنفس في مجرد تصور هذه الأمور العامة الكلية إذا لم تتصور أعيان الموجودات المعينة الجزئية وأي علم في هذا برب العالمين الذي لا تكمل النفوس إلا
стр. 133
بمعرفته وعبادته محبة وذلا كما قد بسط في موضعه.
ولهذا كانت نهاية الفلاسفة إذا هداهم الله بعض الهداية بداية اليهود والنصارى الكفار فضلا عن المسلمين أمة محمد ﷺ فان ما عند اليهود والنصارى الكفار بعد النسخ والتبديل مما هو من نوع كمال النفس أفضل في الجنس والكم والكيف مما عند الفلاسفة.
الوجه الرابع: العلم الرياضي لا تكمل به النفوس وإن ارتضت به العقول:
إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والى الرياضي والى الإلهي وجعلهم الرياضي اشرف من الطبيعي والإلهي اشرف من الرياضي هو مما قلبوا به الحقائق.
فان العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال وما فيها من الطبائع اشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة فان كون الإنسان لا يتصور إلا شكلا مدورا أو مثلثا أو مربعا ولو تصور كل ما في أقليدس أو لا يتصور إلا أعدادا مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج وليس ذلك كمالا في النفس ولولا أن ذلك يطلب فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجية التي هي أجسام وأعراض لما جعل علما.
وإنما جعلوا الهندسة مبدأ لعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين الهيئة أو ينتفعوا به في عمارة الدنيا هذا مع أن براهينهم القياسية لا تدل على شيء دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية.
فان علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل والهندسة التي هي علم بالكم المنفصل علم يقيني لا يحتمل النقيض البتة مثل جمع الأعداد وقسمتها
стр. 134
وضربها ونسبة بعضها إلى بعض.
فانك إذا جمعت مائة إلى مائة علمت أنها مائتان وإذا قسمتها على عشرة كان لكل واحد عشرة وإذا ضربتها في عشرة كان المرتفع مائة.
والضرب مقابل للقسمة فان ضرب الأعداد الصحيحة تضعيف آحاد احد العددين بآحاد العدد الآخر والقسمة توزيع احد العددين على آحاد العدد الآخر فإذا قسم المرتفع بالضرب على احد العددين خرج المضروب الآخر وإذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه خرج المقسوم فالمقسوم نظير المرتفع بالضرب فكل واحد من المضروبين نظير المقسوم والمقسوم عليه والنسبة تجمع هذا كله فنسبة احد المضروبين إلى المرتفع كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر ونسبة المرتفع إلى احد المضروبين كنسبة الآخر إلى الواحد.
فهذه الأمور وأمثالها مما يتكلم فيه الحساب أمر معقول مما يشترك فيه ذوو العقول وما من احد من الناس إلا يعرف منه شيئا فانه ضروري في العلم ضروري في العمل ولهذا يمثلون به في قولهم الواحد نصف الاثنين ولا ريب أن قضاياه كلية واجبة القبول لا تنتقض البتة.
استطراد.
وهذا مبتدأ فلسفتهم التي وضعها فيثاغورس وكانوا يسمون أصحابه أصحاب العدد وكانوا يظنون أن الأعداد المجردة موجودة خارج الذهن.
ثم تبين لأفلاطون وأصحابه غلط ذلك وظنوا أن الماهيات المجردة ك الإنسان المطلق والفرس المطلق موجودات خارج الذهن وأنها أزلية أبدية.
ثم تبين لأرسطو وأصحابه غلط ذلك فقالوا بل هذه الماهيات المطلقة موجودة في الخارج مقارنة لوجود الأشخاص ومشى من مشى من اتباع أرسطو من المتأخرين
стр. 135
على هذا وهو أيضا غلط فان ما في الخارج ليس بكلى أصلا وليس في الخارج إلا ما هو معين مخصوص.
وإذا قيل الكلي الطبيعي في الخارج فمعناه أن ما هو كلي في الذهن هو مطابق للأفراد الموجودة في الخارج مطابقة العام لأفراده والموجود في الخارج معينا مختص ليس بكلي أصلا ولكن فيه حصة من الكلي.
وما في الذهن يطلق عليه أنه قد يوجد الخارج كما يقال فعلت ما في نفسي وفي نفسي أمور أريد فعلها ومنه قوله تعالى: ﴿إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾ وقول عمر كنت زورت في نفسي مقالة أحببت أن أقولها ونظائره كثيرة.
والكلي إذا وجد في الخارج لا يكون إلا معينا لا يكون كليا فكونه كليا مشروط بكونه في الذهن.
ومن اثبت ماهية لا في الذهن ولا في الخارج فتصور قوله تصورا تاما يكفي في العلم بفساد قوله وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
عود إلى اصل الموضوع.
والمقصود هنا أن هذا العلم هو الذي تقوم عليه براهين صادقة لكن لا تكمل بذلك نفس ولا تنجو به من عذاب ولا يحصل لها به سعادة.
ولهذا قال أبو حامد الغزالي وغيره في علوم هؤلاء:
стр. 136
"هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها و ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ " يشيرون بالأول إلى العلوم الرياضية وبالثاني إلى ما يقولونه في الإلهيات وفي أحكام النجوم ونحو ذلك.
الأسباب المغرية بالاشتغال بالعلم الرياضي وما أشبهه:
لكن قد تلتذ النفس بذلك كما تلتذ بغير ذلك فان الإنسان يلتذ بعلم ما لم يكن علمه وسماع ما لم يكن سمعه إذا لم يكن مشغولا عن ذلك بما هو أهم عنده منه كما قد يلتذ بأنواع من الأفعال التي هي من جنس اللهو واللعب.
وأيضا ففي الإدمان على معرفة ذلك تعتاد النفس العلم الصحيح والقضايا الصادقة والقياس المستقيم فيكون في ذلك تصحيح الذهن والإدراك وتعويد النفس أنها تعلم الحق وتقوله لتستعين بذلك على المعرفة التي هي فوق ذلك.
ولهذا يقال أنه كان أوائل الفلاسفة أول ما يعلمون أولادهم العلم الرياضي وكثير من شيوخهم في آخر أمره إنما يشتغل بذلك لأنه لما نظر في طرقهم وطرق من عارضهم من أهل الكلام الباطل لم يجد في ذلك ما هو حق اخذ يشغل نفسه بالعلم الرياضي كما كان يجري مثل ذلك لمن هو من أئمة الفلاسفة كابن واصل وغيره.
وكذلك كثير من متأخري أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بعلم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك لأن فيه تفريحا للنفس وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط.
стр. 137
وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إذا لهوتم فالهوا بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض" فان حساب الفرائض علم معقول مبني على اصل مشروع فتبقى فيه رياضة العقل وحفظ الشرع ولكن ليس هو علما يطلب لذاته ولا تكمل به النفس.
وأولئك المشركون كانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ويدعونها بأنواع الدعوات كما هو معروف من أخبارهم وما صنف على طريقهم من الكتب الموضوعه في الشرك والسحر ودعوة الكواكب والعزائم والأقسام التي بها يعظم إبليس وجنوده وكان الشيطان بسبب السحر والشرك يغويهم بأشياء هي التي دعتهم إلى ذلك الشرك والسحر فكانوا يرصدون الكواكب ليتعلموا مقاديرها ومقادير حركاتها وما بين بعضها وبعض من الاتصالات ليستعينوا بذلك على ما يرونه مناسبا لها.
ولما كانت الأفلاك مستديرة ولم يكن معرفة حسابها إلا بمعرفة الهندسة وأحكام الخطوط المنحنية والمستقيمة تكلموا في الهندسة لذلك ولعمارة الدنيا.
فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك وإلا فلو لم يتعلق بذلك غرض إلا مجرد تصور الأعداد والمقادير لم تكن هذه الغاية مما يوجب طلبها بالسعي المذكور.
وربما كانت هذه غاية لبعض الناس الذين يتلذذون بذلك فان لذات النفوس أنواع ومنهم من يلتذ بالشطرنج والنرد والقمار حتى يشغله ذلك عما هو انفع له منه.
فكان مبدأ وضع المنطق من الهندسة فجعلوه أشكالا كالأشكال الهندسية وسموه حدودا كحدود تلك الأشكال لينتقلوا من الشكل المحسوس إلى الشكل المعقول وهذا لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة
стр. 138
والله تعالى قد يسر للمسلمين من العلم والبيان مع العمل الصالح والإيمان ما برزوا به على كل نوع من أنواع جنس الإنسان والحمد لله رب العالمين.
العلم الإلهي عندهم ليس له معلوم في الخارج:
وأما العلم الإلهي الذي هو عندهم مجرد عن المادة في الذهن والخارج فقد تبين لك أنه ليس له معلوم في الخارج وإنما هو علم بأمور كلية مطلقة لا توجد كلية إلا في الذهن وليس في هذا من كمال النفس شيء.
وان عرفوا واجب الوجود بخصوصه فهو علم بمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وهذا مما لا يدل عليه القياس الذي يسمونه البرهان ف برهانهم لا يدل على شيء معين بخصوصه لا واجب الوجود ولا غيره وإنما يدل على أمر كلي والكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وواجب الوجود يمنع العلم به من وقوع الشركة فيه ومن لم يتصور ما يمتنع الشركة فيه لم يكن قد عرف الله.
ومن لم يثبت للرب إلا معرفة الكليات كما يزعمه ابن سينا وأمثاله وظن ذلك كمالات للرب وكذلك يظن كمالا للنفس بطريق الأولى لا سيما إذا قال أن النفس لا تدرك إلا الكليات وإنما يدرك الجزئيات البدن فهذا في غاية الجهل.
وهذه الكليات التي لا يعرف بها الجزئيات الموجودة لا كمال فيها البتة والنفس إنما تحب معرفة الكليات لتحيط بها بمعرفة الجزئيات فإذا لم يحصل ذلك لم تفرح النفس بذلك.
الوجه الخامس: كمال النفس بمعرفة الله مع العمل الصالح لا بمجرد معرفة الله فضلا عن كونه يحصل بمجرد علم الفلسفة.
الوجه الخامس: أن يقال: هب أن النفس تكمل بالكليات المجردة كما زعموه فما يذكرونه في العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولو أحقه ليس كذلك فان
стр. 139
تصور معنى الوجود فقط أمر ظاهر حتى يستغني عن الحد عندهم لظهوره فليس هو المطلوب وإنما المطلوب أقسامه.
ونفس انقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث هو اخص من مسمى الوجود وليس في مجرد معرفة انقسام الأمر العام في الذهن إلى أقسام بدون معرفة الأقسام ما يقتضى علما عظيما عاليا على تصور الوجود.
فإذا عرفت الأقسام فليس فيها ما هو علم بمعلوم لا يقبل التغير والاستحالة فان هذه الأقسام عامتها إنما هو في هذا العالم وكل ذلك يقبل التغير والاستحالة وليس معهم دليل أصلا يدلهم على أن العالم لم يزل ولا يزال هكذا.
وجميع ما يحتجون به على دوام الفاعل والفاعلية والزمان والحركة وتوابع ذلك فانما يدل على قدم نوع ذلك ودوامه لا على قدم شيء معين ولا دوام شيء معين فالجزم بأن مدلول تلك الأدلة هو هذا العالم أو شيء منه جهل محض لا مستند له إلا عدم العلم بموجود غير هذا العالم وعدم العلم ليس علما بالعدم.
ولهذا لم يكن عند القوم إيمان بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء فهم لا يؤمنون لا بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا البعث بعد الموت.
وإذا قالوا نحن نثبت العالم العقلي أو المعقول الخارج عن العالم المحسوس وذلك هو الغيب فان هذا وان كان قد ذكره طائفة من المتكلمة والمتفلسفة خطأ وضلال فان ما سواء من المعقولات إنما يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان لا موجودة في الأعيان والرسل أخبرت عما هو موجود في الخارج وهو أكمل وأعظم وجودا مما نشهده في الدنيا فأين هذا من هذا.
وهم لما كانوا مكذبين بما أخبرت به الرسل في نفس الأمر واحتاجوا إلى الجمع بين قولهم وبين تصديق الرسل لما بهرهم من أمر الرسل قالوا: إن الرسل قصدوا
стр. 140
إخبار الجمهور بما يتخيل إليهم لينتفعوا بذلك في العدل الذي أقاموه لهم".
ثم منهم من يقول: "إن الرسل عرفت ما عرفناه من نفي هذه الأمور" ومنهم من يقول: "بل لم يكونوا يعرفون هذا وإنما كان كمالهم في القوة العملية لا النظرية" وأقل اتباع الرسل إذا تصور حقيقة ما عندهم وجده مما لا يرضى به أقل اتباع الرسل.
وإذا علم بالأدلة العقلية أن هذا العالم يمتنع أن يكون شيء منه قديما أزليا وعلم بأخبار الأنبياء المؤيدة بالعقل أنه كان قبله عالم آخر منه خلق وانه سوف يستحيل وتقوم القيامة ونحو ذلك علم أن غاية ما عندهم من الأحكام الكلية ليست مطابقة بل هي جهل لا علم.
وهب أنهم لم يعلموا ما أخبرت به الرسل فليس في العقل ما يوجب ما ادعوه من كون هذه الأنواع الكلية التي في هذا العالم أزلية أبدية لم تزل ولا تزال فلا يكون العلم بذلك علما بكليات ثابتة وعامة فلسفتهم الأولى وحكمتهم العليا من هذا النمط.
وكذلك من صنف على طريقتهم كصاحب المباحث المشرقية وصاحب حكمة الإشراق وصاحب دقائق الحقائق ورموز الكنوز وصاحب
стр. 141
كشف الحقائق وصاحب الأسرار الخفية في العلوم العقلية وأمثال هؤلاء ممن لم يجرد القول لنصر مذهبهم مطلقا ولا تخلص من إشراك ضلالهم مطلقا بل شاركهم في كثير من ضلالهم وشاركهم في كثير من محالهم وتخلص من بعض وبالهم وأن كان أيضا لم ينصفهم في بعض ما أصابوا فيه واخطأ لعدم علمه بمرادهم أو لعدم معرفته أن ما قالوه صواب.
مآخذ علوم أبي علي ابن سينا وشيء من أحواله:
ثم إن هؤلاء إنما يتبعون كلام ابن سينا وابن سينا تكلم في أشياء من الإلهيات والنبويات والمعاد والشرائع لم يتكلم فيها سلفه ولا وصلت إليها عقولهم ولا بلغتها علومهم فإنه استفادها من المسلمين وان كان إنما اخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية وكان أهل بيته من أهل دعوتهم من اتباع الحاكم العبيدي
стр. 142
الذي كان هو أهل بيته واتباعه معروفين عند المسلمين بالإلحاد أحسن ما يظهرونه دين الرفض وهم في الباطن يبطون الكفر المحض.
وقد صنف المسلمون في كشف اسرارهم وهتك استارهم كتبا كبارا وصغارا وجاهدوهم باللسان واليد إذ كانوا أحق بذلك من اليهود والنصارى ولو لم يكن إلا كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب وكتاب عبد الجبار بن احمد وكتاب أبي حامد الغزالي وكلام أبي إسحاق وكلام ابن فورك والقاضي أبي يعلى وابن عقيل والشهر ستاني
стр. 143
وغير هؤلاء مما يطول وصفه.
والمقصود هنا أن ابن سينا اخبر عن نفسه أن أهل بيته أباه وأخاه كانوا من هؤلاء الملاحدة وانه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذاك فانه كان يسمعهم يذكرون العقل والنفس.
وهؤلاء المسلمين الذين كان ينتسب إليهم هم مع الإلحاد الظاهر والكفر الباطن اعلم بالله من سلفه الفلاسفة كأرسطو واتباعه فان أولئك ليس عندهم من العلم بالله إلا ما عند عباد مشركي العرب ما هو خير منه.
وقد ذكرت كلام أرسطو نفسه الذي ذكره في علم ما بعد الطبيعة في مقالة اللام وغيرها وهو آخر منتهى فلسفته وبينت بعض ما فيه من الجهل فانه ليس في الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الإلهي مع الخطأ والضلال مثل علماء اليهود والنصارى وأهل البدع من المسلمين وغيرهم اجهل من هؤلاء ولا ابعد عن العلم بالله تعالى منهم.
نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها ذلك وهم قد يقصدون الحق لا يظهر عليهم العناد لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ.
وابن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين وكان قد تلقى ما تلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة أراد أن يجمع بين ما عرفه بعقله
стр. 144
من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه فتكلم في الفلسفة بكلام مركب من كلام سلفه ومما أحدثه مثل كلامه في النبوات وأسرار الآيات والمنامات بل وكلامه في بعض الطبيعيات والمنطقيات وكلامه واجب الوجود ونحو ذلك.
والا فأرسطو واتباعه ليس في كلامهم ذكر واجب الوجود ولا شيء من الأحكام التي ل واجب الوجود وإنما يذكرون العلة الأولى ويثبتونه من حيث هو علة غائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به.
فابن سينا أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض أصلاح حتى راجت على من لم يعرف دين الإسلام من الطلبة النظار وصاروا يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض فيتكلم كل منهم بحسب ما عنده ولكن سلموا لهم أصولا فاسدة في المنطق والطبيعيات والإلهيات ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سببا إلى ضلالهم في مطالب عالية إيمانية ومقاصد سامية قرانية خرجوا بها عن حقيقة العلم والإيمان وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون بل يتسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات.
والمقصود هنا التنبيه على أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم كما زعموه مع أنه قول باطل فان النفس لها قوتان قوة علمية نظرية وقوة أرادية علمية فلا بد لها من كمال القوتين بمعرفة الله وعبادته.
وعبادته تجمع محبته والذل له فلا تكمل نفس قط إلا بعبادة الله وحده
стр. 145
لا شريك له والعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية له وبهذا بعث الله الرسل وانزل الكتب الإلهية كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وهؤلاء يجعلون العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها أصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس أو مقصودها أصلاح المنزل والمدينة وهو الحكمة العملية فيجعلون العبادات وسائل محضة إلى ما يدعونه من العلم ولهذا يرون ذلك ساقطا عمن حصل المقصود كما تفعل الملاحدة الإسماعيلية ومن دخل في الإلحاد أو بعضه وانتسب إلى الصوفية أو المتكلمين أو الشيعة أو غيرهم.
تزييف القول بأن الإيمان مجرد معرفة الله:
والجهمية قالوا: "الإيمان مجرد معرفة الله" وهذا القول وان كان خيرا من قولهم فانه جعله معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ولو أحقه وهذا أمر لو كان له حقيقة في الخارج لم يكن كمالا للنفس إلا بمعرفة خالقها .
فهؤلاء الجهمية من أعظم مبتدعة المسلمين بل جعلهم غير واحد خارجين عن
следующие страницы →